كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فصل [23 - التفاضل في المبيعات]:
والتفاضل في المبيعات كلها 1 على ضربين: منها ما يحرم نقدًا أو نساء وهو الفوت وما في معناه والأثمان فقط، ومنه ما يحرم نساء ولا يحرم نقدًا 2، وعلة ذلك عندنا الجنس بمجرده فلا يجوز في شيء من الأشياء اثنان بواحد من نوعه إلى أجل على وجه والجنسية المعتبرة في ذلك 3: اتفاق الأغراض والمنافع واختلافهما 4، فمتى اتفقت لم يجز بيع اثنين بواحد من النوع الذي اتفقت فيه إلى أجل على وجه وما اختلفت جاز، وإن كان جنس الخلقة والنسبة يجمعهما كالغنم التي جنسها واحد وبعضها يراد للحم وبعضها يراد للبن، فإن كان الغرض فيهما واحدًا لم يجز التفاضل مع النساء، وكذلك العبيد يجوز العبد الرومي الذي يراد للحرث والزراعة بالعبدين من جنسه يرادان لغير ما يراد له من المنافع ومثله البازل 5 من الإبل الذي يراد 6 للحمولة والراحلة باثنتين من القلاص المرادة للحم، وكذلك سائر الحيوان والعروض.
وقال أبو حنيفة: الجنس بمجرده علة منع بيع بعضه ببعض نساء 7.
وقال الشافعي: كل ما لا ربا في نقده جائز بيع بعضه ببعض نساء جنسًا كان أو جنسين 8.
فالخلاف مع أبي حنيفة في جواز بيع الواحد من جنسه ونوعه إلى أجل، فدليلنا على جوازه قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 1، وحديث عبد الله ابن عمر أنه: "صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة" 2، وروي ذلك عن عليّ 3، وابن عمر 4، ولا مخالف لهما، ولأن كل عينين لا يحرم التفاضل في نقد 5 أحدهما وهما على ضروب 6 من اختلاف الصفات تختلف معها منافعها وتتباين 7 الأغراض فيهما، فإن أسلم أحدهما في الأخرى جاز أصله الجنسان لأن الثور الذي يصلح للحرث والدراس يراد لقوته وعمله وذلك غير الغرض الذي يراد له الثور المعلوف الذي لا يراد إلا للسمانة واللحم وذلك بيِّن فيما قلناه.
فصل [24 - منع الذرائع المؤدية إلى الربا]:
ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 8 والربا الزيادة، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة 9، وهذه المسألة 10 من الذرائع وهي ممنوعة عندنا ومعناها أن يمنع الشيء الجائز إذا قويت
التهمة في التطرق به والتذرع إلى الأمر المحظور، وقد وافقونا في ذلك على مسائل منها قرض الجواري وغيرها، ووجه الذريعة في هذا الموضع 1 أنه يكون قرضًا يجر نفعًا كأن أحد الرجلين يقول للآخر: أقرضني فرسًا أو ثوبًا من صفته كذا وأرد عليك ثوبين مثله إلى شهر فيقول: إن هذا قرضًا يجر نفعًا وذلك ممنوع ولكن أبيعك ثوبًا 2 بثوبين فيحصل من ذلك استعمال القرض في الباطن بلفظ البيع فمتى أجزناه حصل منه ذريعة إلى الممنوع لقوة التهمة فيه.
...
باب: [في القرض]
القرض 1 جائز 2 لأنه فيه خير وبر ولأنه صلى الله عليه وسلم اقترض 3 وندب إلى القرض وقال: "كل معروف صدقة" 4. فصل [1 - فيما يجوز قرضه]: ويجوز إقراض الذهب والورق والعروض والحيوان كله سوى الإماء، وإنما قلنا ذلك لأن القرض لا يؤدي إلى محظور في هذه الأشياء، فجاز فعله وأجزناه في سائر الحيوان خلافًا لأبي حنيفة 5 لأنه 6 صلى الله عليه وسلم استقرض بكرًا فقضى رباعيًّا 7، ومنعناه في الإماء خلافًا لداود 8 وغيره, لأنه ذريعة استباحة فرج بغير نكاح ولا ملك فكان في معنى العارية لأن المقترض يطأ الأمَة ثم يردها فيلزم المالك قبولها ويصير مبيحًا لوطئها, ولأنها منفعة لا تستباح بالعارية فلم تستبح بالقرض كوطء الزوجات.
فصل [2 - فيمن اقترض أمَة]:
وإذا ثبت ذلك فإن اقترض أمة ردها ما لم يطأها اعتبارًا بسائر ما يقترض لأن قبول رده حق للمستقرض فيلزم المقرض قبوله، فإن وطئها لم يجز له ردها لأنه متى ردها حصل منه إباحة فرج بغير نكاح ولا ملك ولزمته قيمتها لربها لأنه وطء بشبهة أسقطت عنه الحد فوجب تقويمها عليه لتتكامل الشبهة في ردء الحد عنه 1 اعتبارًا بوطء بينه وبين غيره.
فصل [3 - القرض يجر نفعًا]:
القرض الجار للنفع حرام 2 لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه 3، فإن تطوع المقترض من غير شرط ولا عادة بزيادة في صفة أو عدد جاز لأنه صلى الله عليه وسلم اقترض بكرًا فقضى رباعيًّا وقال: "خياركم أحسنكم قضاء" 4، وروي أن ابن عمر اقترض من رجل دراهم فرد عليه خيرًا منها فامتنع من أخذها وقال: هذه خير من دراهمي، قال ابن عمر: فإن نفسي طيبة بها 5.
فصل [4 - السفاتج بالدنانير والدراهم]:
وأما السفاتج 6 فمنعها مالك وأجازه غيره 7 فينظر: فإن كان ذلك لنفع
الآخذ فلا بأس مثل أن يقرض رجل رجلًا دنانير ببغداد والمقترض بلده البصرة فيقول المُعطي: أنا أقرضك هذه الدراهم ها هنا ببغداد وتدفعها إلى وكيلي بالبصرة أو أجيء أنا البصرة فآخذها منك حتى لا تحتاج إلى تكلف السفر بها، فهذا جائز لأنه جميل ولا نفع للمعطي، فإن كان النفع فيه للمعطي مثل أن تكون عليه دراهم بالبصرة ويريد أن ينقدها إلى هناك دراهم فيخاف غرر الطريق فيقرضها لمن يدفعها 1 إلى غريمه بالبصرة فيربح هو نفقة الطريق والغرر، فلا يجوز لأنه قرض يجر نفعًا ومن أجازها علله بأنه ليس لها حمل ولا مؤنة.
فصل [5 - في موضع قضاء القرض]:
إذا لم يشترط بالقضاء موضعًا لزم المقترض القضاء في الموضع الذي أقرض فيه لأن غيره من المواضع تكليف للمقترض ومؤونه وخسران والتزام وغرر، وكذلك للمقترض 2 إن كان القرض نفعًا [المقترض] *، وذلك غير جائز فإن لقيه في موضع آخر فأخذه به لم يلزمه ذلك ولكن يخرج معه إلى الموضع الذي اقترض منه فيه أو يوكل من يقضيه في ذلك الموضع، فإن اتفقا على القضاء في بلد آخر، فإن كان بعد محل الأجل جاز لأن ذلك رفق من الباذل والقابل، وإن كان قبله لم يجز لأنه في مقابلة التعجيل 3.
فصل [6 - في مطالبته بالقرض قبل الأجل]:
وإذا أقرضه إلى أجل لم يكن له مطالبته قبل 4 الأجل 5 خلافًا للشافعي 6
لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة" 1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الراجع في هبته كالراجع في قيئه" 2، ولأن الأجل قد صار حقًّا للمقترض فأشبه الأجل في السلم.
...
باب: [في بيع السلم قبل قبضه]
وإذا أسلم في عرض ثمنًا معلومًا ثم أراد بيعه من المسلم إليه قبل قبضه، فإن باعه بمثل ثمنه أو أقل منه جاز وإن كان بأكثر لم يجز 1.
وإنما قلنا ذلك لأنه لا تهمة في أن بيعه بمثل الثمن أو أقل منه لأنه يزن 2 درهمًا ويأخذه بعد مدة لأن ذلك الدرهم لا زيادة عليه أو دونه وكأنه أقاله أو ندم فباعه بنقصان، وإذا باعه بالزيادة أتهم أن يكون أقرضه دراهم بأكثر منها إلى أجل وتسمية القرض الذي سمياه لغوًا لم يتحصل وذلك ذريعة إلى الربا 3.
فصل [1 - جواز بيع السلعة من غير بائعها بمثل أو أقل أو أكثر]:
ويجوز أن يبيعها من غير بائعه بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر يدًا بيد لأن غير البائع لا تهمة بينه وبينه، ولا يجوز أن يؤخر الثمن عليه لئلا يكون دينًا بدين.
فصل [2 - فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد شراءها من الذي باعها إياه]:
إذا باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد أن يشتريها من الذي باعها إياه فلا يخلو أن يشتريها نقدًا أو إلى أجلها أو إلى أجل 4 أبعد من أجلها، ثم لا يخلو أن يشتريها بمثل ثمنها أو بأقل أو بأكثر، فهذه سبعة أقسام: يمنع منها قسمان فقط ويجوز باقيها والذي يحفظ منه أن يؤول أمره إلى أن يزن درهمًا ويأخذ بعد مدة
أكثر منه، فهذا القدر هو الممنوع وهو أن يبيعها بمائة إلى شهر فيبتاعها نقدًا أو إلى دون الشهر بثمانين 1 أو إلى شهرين بمائة وعشرين، ففي هذين الموضعين يمنع لأنه إذا ابتاعها نقدًا بثمانين حصل منه أنه وزن ثمانين وأخذ بعد مدة مائة وتسمية الثمن والبيع لغوًا، وكذلك إذا ابتاعها إلى شهرين بمائة وعشرين حصل منه أنه يأخذ من المشتري بمائة ويعطيه بعد مدة مائة وعشرين وذلك ذريعة إلى الربا فيجب منعه 2، خلافًا للشافعي في قوله أنه جائز 3، وذلك لو جاز لأبيح التذرع إلى الربا والعينة، وهي أن يقول الرجل للرجل: ابتع لي هذه السلعة بعشرة دنانير وأنا أربحك دينارًا، فيفعل ذلك فيحصل منه قرض عشرة بأحد عشر من غير حاجة البائع إلى السلعة، وإنما تذرع بها إلى قرض الذهب بأكثر منها، وإذا وجدنا فعلًا من الأفعال يقع على وجه واحد لا يختلف إلا بالنية من فاعله وظاهره واحد ولم يكن لنا طريق إلى تمييز مقاصد الناس ولا إلى تفصل أغراضهم وجب حسم الباب وقطع التطرق إليه، فهذا وجه بنائها على الذريعة، ولأن الصحابة سلكوا هذه الطريقة في منع البيع في هذه المسألة: لأن ابن عباس سئل عن رجل باع سلعة بمائة ثم اشتراها بخمسين، فقال: الدراهم بالدراهم متفاضلة، والسلعة دخلت بينهما 4، وهذا نص قولنا، ونكتة المسألة حديث زيد بن أرقم 5: أن أم ولده باعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشترتها بعد ذلك بست مائة فقالت لها عائشة رضي الله عنها: بئس ما اشتريت 6 وبئس
ما اشتريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب فقالت: فما أصنع؟ قالت عائشة رضي الله عنها: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ 1، واشتهرت هذه القصة والإنكار من الصحابة 2 ولم يختلف عليها 3 أحد فيه، وإذا ثبت منع ذلك فقد ذكرنا أن هذه 4 الأقسام سوى هذين القسمين لا تمنع فيها، أما شراؤه إياها بمثل الثمن ولا تهمة فيه سواء كان نقدًا أو إلى أجل أو إلى ما بعده لأنه وزن درهمًا وأخذ مثله أو أخذ درهمًا ورد مثله، وكذلك شراؤها إلى الأجل بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر لأنه لا تهمة فيه (ولأنه لم يزن درهمًا ويلقى بعد مرة أكثر منه فيتهم والنقد لا تهمة فيه) 5، وإنما التهمة في التأخير أن يكون ينتفع بالقليل الذي لم يأخذه طول المدة ثم يزن بعد المدة أكثر منه، فأما في الحال فلها تهمة فيه، وشراؤها نقدًا بأكثر من الثمن أو إلى أجل بعد الأجل بأقل منه لا تهمة فيه، لأنه يزن درهمًا ويأخذ بعد مدة أقل منه أو يأخذ درهمًا ويرد بعد مدة أقل منه والله أعلم 6. فصل [3 - في العينة]: والعينة ممنوعة 7 لأنها ذريعة إلى الربا وقرض دراهم بأكثر منها وصفتها: أن يسأل الرجل أن يبتاع له سلعة ليست عنده فيقول له: اشترها لي من مالك بعشرة دنانير نقدًا وهي لي باثنى عشر إلى شهر كذا فهذا ذريعة إلى الربا على ما ذكرناه.
باب: [في بيع الثمار]
بيع الثمار يقع على وجهين: أحدهما قبل بدء الصلاح فيها، والآخر بعده، فأما قبله فلا يخلو أن يقع على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يقع بشرط 1 القطع أو بشرط التبقية أو مطلقًا، فأما بيعها بشرط القطع فجائز من غير خلاف 2 لانتفاء الغرر فيها، ولأنه باع شيئًا قبل قبض المشتري عقيب العقد من غير مراعاة لأمر يخافه مع التبقية.
فصل [1 - في بيع الثمار بشرط التبقية]:
وأما بيعها بشرط التبقية فباطل من غير خلاف (3)، والأصل فيه نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها نهي البائع والمشتري 3، وروي أنه صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما تزهى: حتى تحمر أو تصفر" 4، وقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" 5، ولأن الغرر يكثر فيها والانتفاع يقل بها، والآفات والعاهات لا تؤمن عليها في تبقيتها، وهذه فائدة قوله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن منع
الله الثمرة فبم 1 يأخذ أحدكم مال أخيه" 2، فإذا تتابع طيبها أمنت 3 الآفات عليها في الغالب وقيل الغرر فيها، فجاز بيعها.
فصل [2 - في بيع الثمرة مطلقًا]:
وأما بيعها مطلقًا فغير جائز 4 خلافًا لأبي حنيفة 5، "لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدوا صلاحها" 6 فعم، وروي: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يَسْودَّ والحب حتى يَشْتَد" 7، والنهي يدل على فساد المنهى عنه، وتعليق الحكم بغاية يفيد مخالفة ما قبل الغاية لما بعدها، ولأنه عقد على ثمرة مقدرة قبل بدو الصلاح 8، من غير شرط القطع فلم يصح أصله إذا كان يشترط التبقية.
فصل [3 - بيع الثمرة بعد بدو صلاحها]:
فأما بيعها بعد بدو الصلاح فإنه أيضًا لابد وأن يقطع على أحد الثلاثة [الأوجه] *: فإن بيعت بشرط القطع فجائز من غير خلاف، لأنه إذا جاز ذلك قبل بدو الصلاح فبعده أولى، وإن بيعت بشرط التبقية جاز 9 أيضًا خلافًا لأبي
حنيفة 1، لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 2، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل 3 أن يبدو صلاحها فأطلق، ولأن الإطلاق جائز باتفاق وهو مقتضي للتبقية فاشتراطها تأكيد لمقتضى الإطلاق.
فصل [4 - في بيع الثمرة بعد بدو صلاحها على الإطلاق]:
فإن بيعت على الإطلاق فجاز أيضًا من غير خلاف، والإطلاق يقتضي التبقية ولذلك منعناه قبل بدو صلاحها خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه يقتضي القطع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" 4 ومنع الثمرة ذهابها بجائحة أو آفة من السماء، وذلك إنما يخاف 5 على ثمرة تبقى ويستدام تبقيتها ويؤمن فيما يشترط فيه القطع، ولأن الإطلاق في العقود 6 محمول على العرف فيكون كالمشترط بدليل وجود ذلك في النقد والسير والحمولة وغيرها وفي نقل ما ينقل من المبيعات والعرف في الثمار إذا بيعت تبقيتها إلى وقت الجداد والإدراك فوجب حمل الإطلاق على ذلك.
فصل [5 - في وصف بدء الصلاح في الثمار]:
بدو الصلاح في الثمار يختلف بحسب اختلاف الغراس، ففي النخل بأن يحمَّر أو يصفر البسر وفي العنب أن يسود إن كان مما يسود أو تدور الحلاوة فيه إن كان أبيضًا، والتين والبطيخ وغيرهما إدراكه وبلوغ أكله، والبقول تمام نباتها وأن ينتفع بها إذا قطعت في العادة، وقد وردت السنة بأن بدو الصلاح في الثمار
الزهو وهو في النخل أن يصفر أو يحمر 1 وفي العنب حتى يسود 2، وروي: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم" 3. فصل [6 - إذا بدى الصلاح في نخلة من بستان]: إذا بدا الصلاح في نخله من بستان جاز بيع جميع نخل ذلك البستان، وكذلك إذا بدا في نوع من الثمار كان ذلك كبدوه في جميع ذلك النوع، وهذا إذا كان طيبًا متتابعًا ولم يكن مبكرًا والمراعى 4 فيه بلوغ الزمان الذي تؤمن فيه العاهة على الثمرة غالبًا، لأن لو لم يُجَوَّز ذلك إلا بأن يعم الصلاح الحائط لحق فيه ضررًا عظيمًا 5 ومشقة شديدة، ولا يكاد يلحق الآخر إلا بفساد الأول، فأما الطيب المبكر فلا اعتبار به 6 لأنه لا يحصل معه الأمن من الآفة لسبقه الزمان الذي يؤمن ذلك فيه، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: "حتى يبدو صلاحها" 7 أراد الصلاح المأمون المعتاد.
فصل [7 - جواز بيع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه]:
يجوز أن يباع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه 1 خلافًا للشافعي 2؛ لأنه إذا جاز بيع ما في المراح بطيب بعضه جاز بيع ما حوله بطيبه لأنه لا فضل في ذلك إلا قيام الجدران بدليل أنها لو قلعت لارتفع المنع وذلك لا يؤثر، ولأن الزمان الذي تؤمن فيه الآفة غالبًا حاصل.
فصل [8 - في عدم جواز بيع صنف من الثمار بطيب غيره]:
لا يجوز بيع صنف من الثمار بطيب غيره كالرطب والعنب 3 لأنها متفاوتة في الإدراك والتلاحق تفاوتًا 4 شديدًا، فلم يكن طيب بعضها دالًا على تلاحق 5 غيره وتخلصه 6 من الآفة.
فصل [9 - في بيع المقاثي والمباطخ]:
يجوز بيع المقاثي والمباطخ 7 إذا بدا صلاح أولها وإن لم يظهر ما بعده، وكذلك الأصول المغيَّبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك 8، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 9، لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 10، ولأن الغرر إذا دعت الحاجة إليه وكان قليلًا جاز البيع معه ولو
لم يجز في مسألتنا البيع لجملة المقثات والمبطخة حتى يظهر 1 إلى أحد أمرين: إما أن تفرد 2 الموجود بالبيع 3، وهو إنما يؤخذ أولًا فأول، وذلك يؤدي إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر، لأن خروجه متتابع فليس يؤخذ 4 الأول إلا وقد خرج بدله ويشق التميز بين الثمرين أو أن لا يباع إلا بعد ظهور جميعه، وفي ذلك إضاعته وإفساده، فدعت الحاجة إليه مع قلة الغرر فيه، ولأن قد اتفقنا على جواز بيع ما لم يبد صلاحه 5 من الثمار تبعًا لما قد بدا صلاحه، وكذلك يجوز بيع ما لم يخلق تابعًا لما قد خلق.
فصل [10 - في بيع الورد والياسمين والموز والقرظ والقصب والكتان]:
والورد والياسمين جائز بيعه إذا حان قطافه والانتفاع به ويكون ما بعد ذلك للمشتري إلى آخر إبَّانه كما ذكرنا في المقاثي والمباطخ، وأما الموز فلا بد فيه من ضرب أجل لأنه يبقى سنين عدة فيحتاج إلى ضرب أجل ليعلم مقدار المبيع منه وكذلك القرظ 6 والقصب لا يجوز بيعه حتى يفنى، لأن مدة بقائه مجهولة، ويجوز بيعه عدة جزات، ولا يجوز أن يشترى الكتان ويستثنى حبته ولا القرظ ويستثنى برسيمه إذا كان ذلك قبل جفاف الحب واستغنائه عن الماء، لأن ذلك بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية، ويجوز ذلك إذا كان قد استغنى عن الماء ويبس 7، ولأنه موجود مشاهدة 8.
فصل [11 - في بيع الحنطة في سنبلها]:
بيع الحنطة في سنبلها مفردة 1 عن السنبل غير جائز بالإجماع، وأما بيع السنبل 2 إذا يبس واستغنى عن الماء فجائز 3 خلافًا للشافعي 4 لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنبل حتى يبيض 5، (وروي: "عن بيع الزرع حتى تبيض" 6) 7، ولأنه مأكول دونه حائل من أصل الخلقة هي كالباقلاء في قشرته السفلى.
فصل [12 - في بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره]:
يجوز بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى وبه 8، قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يجوز 9، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 10، ولأنه مأكول في أكمام من أصل الخلقة فجاز بيعه كالرمان والموز، ولأن الضرورة تؤدي إلى ذلك لأن بالناس حاجة إلى بيعه رطبًا لأنه ليس كل أحد يمكنه أن يجفف ثمرته وفي نزع قشرته إفساد له فلم يبق إلا جواز البيع.
فصل [13 - بيع الأصول مع ثمرها مؤبرة وغير مؤبرة]:
وإذا ابتاع أصل نخل وفيها ثمر، فإن كان قد أبر 11 فهو للبائع إلا أن
يشترطه المبتاع، وإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع من غير شرط وإن استثناه البائع لم يجز 1، وقال الشافعي: يجوز 2، وقال أبو حنيفة: والثمرة في الحالين للبائع قبل الإبار وبعده ولا يكون للمبتاع إلا بشرط، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن ابتاع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" 3 فشرط في كونه للبائع أن يؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل الخلقة فوجب أن يتبعه 4 في البيع (بمقتضى العقد كالحمل في البطن واللبن في الضرع) 5، وإنما قلنا: أن البائع إن استثناها لم يجز لأنها قبل الأبار كامنة غير ظاهرة، فهي كالجنين في بطن أمِّه واستثناء الجنين إذا بيعت الأم غير جائز.
فصل [14 - إذا أبر بعض الأرض وبعضها لم يؤبر]:
إذا أبر بعضها ولم يؤبر البعض، فإن كانا متساويين كان ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ففيهما روايتان 6:
إحداهما: أن الأقل تبع للأكثر، والأخرى: أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري.
فوجه الأولى: أن الأصول موضوعة على الغالب على أن القليل تابع للكثير فوجب حمل هذا الموضع عليها 7، ووجه الثانية عموم الخبر واعتبارًا بالعراجين.
وإنما قلنا: إنهما إذا كانا متساويين لم يتبع أحدهما 1 الآخر لأنه ليس لأحدهما مزية على الآخر بكثرة فيتبعه.
فصل [15 - علامة التأبير في الأشجار غير النخل]:
ما عدا النخل من سائر الأشجار فعلامة التأبير فيها أن تورد الشجر ثم ينعقد الورد ثمرًا، فيثبت البعض ويسقط البعض مما لم ينعقد فيها 2، فيكون ذلك كالإبار في النخل.
فصل [16 - إذا اشترى أرضًا وفيها زرع صغير ولم يبد صلاحه]:
إذا اشترى أرضًا وفيها زرع صغير لم يظهر ولم يبد صلاحه ولم يذكره في عقده ففيها روايتان: إحداهما أنه للبائع، والأخرى أنه للمبتاع، فإذا قيل: للمبتاع 3 فاعتبارًا بالثمرة، وإذا قيل: إنه للبائع فلأنه عين وضعت في الأرض على غير التأبيد بل على النقل والاسترجاع كالمال المدفون 4 في الأرض.
مسألة [17 - بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر جزافًا]:
يجوز بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر جزافًا 5 لأنها مشاهدة وتسرى وتحرز ولا يجوز بيعها 6 بالخرص لأنه غرر لا حاجة تدعو إليه واعتبارًا ببيع الصبرة، ويجوز بيع جزء منها مثل نصفها أو ثلثها وربعها للضرورة إلى بيعها في رؤوس النخل على ما هي عليه، ولأن البيع معلوم والمستثنى المبقى على الملك معلوم، ويجوز أن يستثنى منها جزءًا معلومًا، كما يجوز أن يبتدأ في بيع ذلك
الجزء المبقى باسمه من غير استثناء إذا لعوض معلوم، ولو 1 قال: بعتك هذه الثمرة إلا ربعها فهو كقولك 2: بعتك ثلاث أرباع الثمرة 3 فيصح 4، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير إلا قبح اللفظ، وذلك غير مؤثر، وأما استثناء الكيل فيجوز عندنا مما بينه وبين الثلث فقط، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5 في منعهما ذلك في الكيل 6 في القليل والكثير، فإن ذلك عمل متصل بالمدينة 7 مستفيض بين الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلونه إذا باعوا حوائطهم، ولأنه استثناء قدر معلوم، فصح البيع معه أصله استثناء الجزء ولا تدخل عليه الزيادة على الثلث لأن التعليل لإلحاق أحد النوعين بالآخر.
فصل [18 - في تعليل الفصل بين ما زاد على ثلث الكيل وبين ما قصر عنه]:
وإنما فصلنا بين ما زاد على الثلث، وبين ما قصر منه لأن ما قصر عنه في حيز القليل فلا يُبطل غرض المشتري، ولأنه لا يؤدي إلى الجهل بالمبيع ومقداره.
فصل [19 - إذا باع ثمرة حائط واستثنى نخلات منه]:
إذا باع ثمرة حائط واستثنى نخلات منه، فذلك على وجهين: أحدهما أن يعين ما استثناه، والآخر أن لا يعينه: فإن عيَّن ما استثنى فذلك جائز لا يختلف المذهب فيه لأن البيع يتناول ما عدى تلك بالأعيان المستثناة، وإن لم يعين وكان ذلك معلقًا على الاختيار، فلا يخلو أن يشترط الخيار للبائع أو للمشترى، فإن كان للبائع جاز إن كان 8 بقدر ثلث الثمرة، مما يجوز له أن يستثنيه كيلًا،
وإن كان للمشتري فلا يجوز لأن غرض المشتري لا يحصل له ويصير المبيع مجهولًا 1.
فصل [20 - في استثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة]:
اختلفت الروايات عن مالك في استثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة 2:
فروي عنه منعه على الإطلاق، وروي عنه: إجازته في السفر دون الحضر، وقال المحققون من أصحابنا: إن هذا كله اختلاف أحوال وليس باختلاف قول، والمذهب أن الأسقاط إذا كانت لها قيمة وبال يأخذ قسطًا كبيرًا من الثمن فإن استثناها فهو غير جائز 3 في سفر ولا حضر لأن استثناء الكثير تعرض الصفقة للغرر واستثناء اليسير لا يوجب ذلك، وإذا كانت يسيرة القيمة لا خطب لها فإن استثناءها جائز لقلة الغرر، والمنع والإباحة يتبع هذا المعنى، وإما نص على الحصر بالمنع، وعلى السفر بالإباحة ليجري العادة بكثرة القيمة في الحضر وقلتها ودناءتها 4 في السفر.
فصل [21 - دليل جواز الاستثناء]:
وإنما قلنا: إن استثناءها جائز في الجملة لأنه 5 صلى الله عليه وسلم لما هاجر ومعه أبو بكر رضى الله عنهما مروا براع فاشتروا منه شاة وشرطوا له رأسها وإسقاطها 6، وروي ذلك عن زيد بن ثابت 7 وجماعة من
الصحابة 1 رضى الله عنهم، ويجوز استثناء اليسير من لحمها كالأرطال اليسيرة ولا يجوز زيادة على ذلك لأنه يؤدي إلى الجهل بالمبيع كالثمرة ولا يستثنى منها فخذًا ولا يدًا، لأن ذلك يكثر الغرر فيه بخلاف السواقط.
فصل [22 - في شراء ثمر مكيل من حائط بعينه]:
يجوز أن يشترى الرجل ثمرًا مكيلًا من حائط بعينه، وقد بدا صلاحه بثمن معجل أو مؤجل معلوم 2، فإن فنى استيفائه ما ابتاعه منه أخذ بقيمة رأس ماله أو غيره مما يتراضيان عليه في الحال ولا يؤخراه 3.
وإنما قلنا ذلك لأنه بيع عين وليس بسلم لأنه يتعلق بالذمة فجاز في الحائط المعين بالثمن المعجل والمؤجل.
وإنما قلنا: يأخذ بقيمة 4 رأس ماله، لأن العين إذا تعذرت التوفية بها 5 بطل العقد فيها ولا يلزم 6 أن يدفع إليه بقيته لأن العقد لم يتناول شيئًا في الذمة.
وإنما قلنا: إن لهما أن يتراضيا على شيء يفسخه فيه؛ لأن ذلك ليس ببيع الطعام قبل قبضه لأنه إذا لم يبق له ما يأخذه تبيَّنا أنه لم يملك ما لم يبق له فانفسخ العقد فيما بقي، وقلنا: لا يؤخره لئلا يكون دينًا بدين.
... = كتب الوحي، كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعون، وقيل: بعد الخمسين (تقريب التهذيب ص 222).
باب: [في العرية]
العرية 1 جائزة 2 وهي: أن يهب الرجل ثمرة نخله أو نخلات أو شجرة له من رجل، ولا يجوز لمن أعريها أن يبيعها حتى يبدو صلاحها، فإذا بدا صلاحها جاز له بيعها من كل أحد بالذهب والفضة والعروض، ومن مُعريها خاصة بخرصها ثمرًا يدفعه إليه عند الجِذاذ في خمسة أوسق فدونها ولا يجوز ذلك في زيادة عليها في حق كل واحد مما عري، بأن كان الجميع يزيد على خمس 3 وسق بعد أن لا تزيد عرية كل واحد على ذلك.
وإنما قلنا: إن العرية هبة ثمر النخل أو الشجر لأن العرية في اللغة: الهبة، قال أهل اللغة: العرية والمنحة والعطية بمعنى واحد، تقول: عروّ الرجل أَعْرُوه إذا أتيته تلتمس ثمرة، وقيل أيضًا 4: أنها مأخوذة من تخل الإنسان عن ملكه وعُرُوُه منه كأنه عري منه، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ 5 بالموضع الخال المنكشف 6، وعند أبي حنيفة أنها الهبة على ما قلناه إلا أنه قال: يجوز أن يعطيه بها ثمرًا 7 لأنها لم تجب لعدم القبض، فله أن يأخذها منه ويعطيه
الثمر 1 ابتداء، وعند الشافعي: أن العرية بيع الرطب في رؤوس النخل بثمن يتعجله 2.
فصل [1 - تعليل أحكام العرية]:
وإنما قلنا: إنها ليست ببيع لما قدمناه من الأدلة على أن معناها الهبة في اللغة، وإنما قلنا: أنه لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها 3، فعم الثمرة الموهوبة 4 وغيرها، وإنما قلنا: إنه يبيعها بما شاء من الثمن سوى الطعام بسائر الثمار المملوكة بالشراء أو بأصل الملك أو بميراث أو غير ذلك، وإنما قلنا: أنه يجوز بيعها من معريها خاصة بالثمر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا بأن تباع بخرصها تمرًا 5، وإنما جاز ذلك في المعري خاصة لأنه يريد قطع تطرق المعري 6 عليه في دخوله إلى حائطه، فيجوز ذلك للرفق به، وهذا لا يوجد في غيره، وإنما قلنا: لا يجوز أن يقال: وإنما ابتداء بيع الرطب (في رؤوس النخل بالتمر لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب) 7 بالتمر، ولأن العرية اسم للهبة على ما بيناه دون البيع.
وإنما قلنا: يأخذه عند الجذاذ لأن الحديث بذلك ورد، ولأن القصد منها الرفق دون المغابنة والمتاجرة، ولا يجوز تعجله لأن ذلك يبطل فائدة الرخصة فيها واستثناءها من بابها، وإنما يكون على وجه كفاية المعري القيام بسقيها وتعهدها 8
ومؤونتها، فإذا كان وقت الجذاذ يدفعها 1 إليه، فيكون قد زاد في إحسانه إليه بذلك.
وإنما قصرناها على الخمسة الأوسق فدونها اتباعًا للحديث، ولأنها لما كانت مخصوصة ومستثناة من بابها وجب أن يحد بقدر لا يكون ذريعة إلى اختلاطها بالأصل الممنوع لأن هذا حكم كل بعض مستثنى من جملة.
وإنما قلنا: أنه لا بأس بالزيادة على ذلك في حق الجماعة المُعْرِينَ؛ لأن عرية كل واحد قائمة بنفسها لا تتعلق بعرية غيره، فجاز في كل واحد ما جاز في الآخر.
مسألة [2 - الجوائح في الثمار]:
إذا ابتاع 2 ثمرًا فأجيحت 3 بآفة من السماء من برد أو ريح أو ثلج أو جراد أو عفن أو غير ذلك فأصيبت ثلث مكيلتها فصاعدًا وضع عنه من ثمنها بقدر المحتاج منها فمصيبتها فيما دون الثلث من المشتري، وذلك ما دامت مجتاحة إلى تبقيتها في رؤوس النخل 4، والأصل في وجوب وضع الجوائح -خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5 - ما روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح 6، وقال صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع من أخيه ثمرة فأصابتها جائحة فلا يأخذ من ثمنها شيئًا فبم يأخذ مال أخيه بغير حق" 7، وهذا نص، ولأن بيع الثمار على رؤوس النخل في معنى الإجارة لأنها تؤخذ أولًا فأولًا كالمنافع التي تستوفي أولًا فأول، فقد ثبت أن المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت من ضمان المكري
كذلك الثمار، ولأن التخلية بمجردها لا يكون قبضًا في الثمار بدليل أن تلف الثمرة بعطش يكون من البائع، ولأن البائع ليس له المطالبة بنقلها إلى الجذاذ، فعلم أنها غير مقبوضة وإن وجدت التخلية، ولأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل، فإذا تلفت بآفة سماوية كانت من بائعها كالتلف العطش.
فصل [3 - مراعاة الجائحة في ثلث الثمرة]:
وإنما راعينا ثلث الثمرة دون ما قصر عنه لأن المشتري دخل على أنه لا بد من تلف يسير بأكل العافي والمجتاز وسقوط اليسير وأكل الطير 1، وغير ذلك مما يعلم بضرورة العادة أن المشتري لم يدخل على سلامتها منه، ولأنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بوضع الجوائح، وكانت الجائحة اسمًا لما أتلف جل الشيء أو ماله خطر وبال منه دون اليسير الذي لا يطلق على 2 المال التالف منه أنه جائحة فيه صح ما قلناه، فإذا ثبت ذلك احتيج في الفصل بين القليل والكثير إلى 3 حد يفصل به بينهما، فكان الثلث أولى لأمرين: أحدهما أنه إذا ثبت وجوب الفصل فلا حد سواه يصير إليه قائل، والآخر أنه قد اعتبر في الفصل بين القلة والكثرة في غير موضع من الشرع منها: الوصية والمحاقلة وحمل 4 العاقلة والحجر على المرأة في مالها لحق زوجها وغير ذلك، فكذلك 5 ها هنا.
فصل [4 - مراعاة تلف الثلث من المكيلة]:
وإنما راعينا تلف الثلث من المكيلة -خلافًا لأشهب- في مراعاة تلف ثلث القيمة لأن كل مصيبة في مبيع وجب بها 6 الرجوع على البائع في الثمن فالاعتبار بقدرها من المبيع أصله تلف المبيع المشاع قبل القبض، ووجه قول أشهب
أن وضع الجائحة لئلا يستبد البائع بالثمن من غير عوض يحصل للمشتري، فإذا أصيب ما قيمته أكثر من ثلث الثمن، فذلك أخذ مال المشتري بغير عوض.
فصل [5 - اشتراط حاجتها إلى بقائها على النخل]:
وإنما اشترطنا حاجتها إلى بقائها على النخل لأن وضع الجائحة في الحال 1 التي تبقى للمبتاع فيها حق توفية على البائع، وذلك حال حاجتها إلى بقائها على النخل، فإذا استغنت سقط حق التوفية فلم تبق على المبتاع 2 عهده يجب بها الرجوع.
فصل [6 - وضع الجوائح في البقول]:
وفي البقول ثلاث روايات 3: إحداها أنها كالثمر ووجهها اعتبارها بالثمار، والثانية أن يوضع قليلها وكثيرها ووجهها عموم الخبر وافتراقها عن الثمار للعادة وجريها بذهاب يسير الثمرة وانتفاعها في البقول، والثالثة أنه لا يوضع لها شيء لأنها تخرج غير محتاجة إلى تبقية في موضعها، والأول هو القياس والله أعلم.
...
باب: [في منع التفاضل في بيع الذهب بالذهب] الصرف
والتفاضل ممنوع في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة على أي صفة كانا أو أحدهما 1 من نقار 2 أو مضروب أو مصوغ 3 أو مكسور أو جيِّد أو رديء، فلا يجوز إلا مثلًا بمثل ووزنًا بوزن، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم.
فصل [1 - في بيع الحلي المكسور جزافًا]:
يجوز بيع الحلي المكسور جزافًا ولا يجوز بيع الدنانير والدراهم جزافًا 4، لأن أصل الجزاف غرر، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر 5، إلا أنه في الحلي تدعو الضرورة إليه ويخف أمره ويكثر في المضروب للتشاح فيه، ولأن السكة الخفيفة أنقق عن الناس عن الثقيلة، فكان القصد فيه إلى الغرر.
فصل [2 - في عدم تأخر القبض عن عقد الصرف]:
ولا يجوز في الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا في أحد الجنسين بالآخر أن يتأخر القبض عن العقد بحال ولا يقبل في ذلك حوالة ولا حمالة ولا نظرة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا ها وها يدًا بيد" 6، (وإن طال بينهما
المجلس من غير تقابض بطل العقد 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن العقد لا يبطل بترك التقابض ما لم يفترقا 2 بقوله: "ها وها يدًا بيد" 3) 4 وهذا لم يوجد، ولأن القبض قد تراخا عن العقد فأشبه إذا افترقا.
فصل [3 - في اقتضاء الذهب والورق أحدهما من الآخر]:
يجوز في الذهب والورق اقتضاء أحدهما من الآخر إذا حلا لحديث ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فنأخذ مكان الذهب الفضة ومكان الفضة الذهب، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس إذا كان بسعر يومه" 5، ولأن الحالَّ الذي حكم الحاضر، فجاز ذلك فيه ولا يجوز قبل حلوله لأنه يكون ذهبًا متأخرًا.
فصل [4 - في تطارح ما للرجل إذا كان لكل منهما ذهب حالَّة]:
ولو كان لرجل على رجل ذهب حالَّة وللآخر عليه مثلها جاز، أن يتطارحاها 6 صرفًا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 7، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" 8، ولأن الحال كالمقبوض فكان كالعين بالعين سواء.
فصل [5 - إذا وجد في أحد الثمنين في الصرف نقصانًا]: وإذا وجد في أحد الثمنين نقصانًا، لأن رضي به جاز لأن الثمن يكون بقدر ما حصل معه، وإن طلب التمام انتقض الصرف لأن القبض يكون متأخرًا عن العقد، وكذلك إن وجد زائفًا أو رديئًا، فإن رضي به وإلا بطل الصرف ثم ينظر فإن كان (سمَّيا لكل دينار سعرًا معلومًا انتقض صرف دينار واحد لأن كل دينار معقود عليه بنفسه عقدًا يستغنى به عن ضم غيره إليه وإن كان) 1 سمَّى للجملة ثمنًا لم تسقط التسمية على حساب كل دينار انتقض جميع الصرف لأن العقد واحد للجميع 2. فصل [6 - في تبديل السكة]: إذا اقترض دراهم أو دنانير أو فلوسًا أو باع بها بيعًا ثم غيرت سكتها 3 وصار النقد غيرها فله مثل ما اقترض أو باع وليس له النقد الجديد لأن النقد إذا تقرر 4 وانبرم لم يبطل بالتعامل بغيره، ولأن أكثر ما في ذلك أن يرخص ذلك النقد أو يغلى، وذلك غير مؤثر كما لو رخص أو غلا والنقد باق في التعامل به 5. فصل [7 - من اقترض ذهبًا ونسبها إلى قيمتها من الدراهم أو دراهم نسبها إلى قيمتها من الذهب]: ومن اقترض من صيرفي أو غيره ذهبًا ونسبها إلى قيمتها من الدراهم أو دراهم ونسبها إلى قيمتها من الذهب 6، فليس له عليه إلا ما قبض (لأن ذلك
هو الذي يستحق عليه) 1 دون القيمة، ولأنا لو طالباه بالقيمة لصار صرفًا بنسيئة.
فصل [8 - جواز التسامح للرفق]:
بدل الدينار الناقص بالوازن أو الدرهم الناقص بالوازن 2 على وجه الرفق والمعروف جائز يدًا بيد لأن كسر السكة غير جائز، والمعروف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره، وهذا إذا لم يعرض ما يمنع منه من اختلاف الفضتين والغرض بهما وأن يخاف كون غرضهما التبايع لا المعروف.
فصل [9 - في عدم جواز بيع ذهب وفضة بذهب ولا بيع تمر وبر ببر]:
لا يجوز بيع ذهب وفضة بذهب ولا بيع تمر وبر ببر، وعقد هذا الباب: أن كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون مع أحد الجنسين 3 غيره ولا معهما جميعًا وسواء كان الغير مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه 4.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع صاع تمر وثوب بصاعي تمر، فيكون أحد الصاعين في مقابلة الصاع والثوب في مقابلة الصاع الآخر، وكذلك دينار وثوب 5 بدينارين 6.
وإنما منعنا ذلك لحديث فضالة بن عبيد 7 قال: أُتِيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال صلى الله عليه وسلم:
"لا حتى تميز بينهما"، قال: إنما أردت الحجارة، فقال: "لا حتى تميز بينهما" 1 وهذا نص، ولأن مقابلة 2 جنس آخر لأحدهما أو لهما يمنع المماثلة لأن الذهب المنفردة ليس في مقابلتها ذهب مثلها وإنما في مقابلتها ذهب وعرض، وهذا ضد المماثلة، ولأن الصفقة إذا تناولت أشياء كانت جملة (الثمن في مقابلة الجميع) 3 منقسطة على المبلغ والقيمة، فإذا تبايعا دينار أو ثوبًا بدينارين حصلت جملة الدينار والثوب في مقابلة الدينارين، ولا نأمن أن تكون قيمة الثوب دينارًا 4 أو أكثر من دينار فيؤدي ذلك إلى أن يكون دينار في مقابلة أقل من دينار وذلك ربا لأن الجهل بالتماثل بمعنى تحقق التفاضل .. فصل [10 - في صرف الذهب الجيد بالرديء]: لا يجوز دينار ذهب جيِّد ودينارين من ذهب رديء بدينارين دون الجيِّد وفوق الرديء 5، وكذلك في التمر لا يجوز صاع معقلي 6 وصاع دقلى 7 بصاعين من برني 8 خلافًا لأبي حنيفة 9؛ لأن التفاضل في القيمة في المماثلة يمنعها ويصير كالتفاضل في الوزن، لأن هذا إنما رضي أن يزن الدينار المتوسط ويأخذ الدون لمكان الجيِّد الذي معه ولولا ذلك لم يفعل، وكذلك إنما رضي بأخذ الدقلي بدلًا من البرني 10 لأجل ما معه من المعقلي، والآخر إنما رضي
بأخذ البرني بدل المعقلي لأنه يأخذ صاحبه معه دقلًا وكل ذلك تخاطر 1 وقصد للمغابنة، ولأن الثمن ينقسط على الجملة فتمتنع المماثلة، وأما إن كانت الرديئة في جهة والجيِّدة في جهة فيجوز لأن القصد من ذلك المعروف والرفق لا المتاجرة.
فصل [11 - في المراطلة]:
المراطلة 2 بالذهب جائزة 3، وهي أن يوضع أحد الذهبين في كفة والآخر في كفة بغير صنجة 4، فإذا استوى لسان الميزان بينهما أخذ كل واحد منهما ذهب صاحبه بدلًا من ذهب نفسه لأن التماثل يحصل بهما كما لو كان بصنجة ولا يراعى في ذلك إلا الوزن دون العدد، فإن كان إحدى الذهبين أكثر عددًا أو أقل وهمًا 5 متساويان في الوزن فلا بأس.
فصل [12 - في عدم جواز انضمام عقد البيع إلى الصرف]:
ولا يجوز 6 أن ينضم إلى الصرف عقد بيع إلا أن يكون يسيرًا على وجه التبع 7 لأن الصرف ضيِّق بابه وغُلِّظ فيه واختص بأحكام لا يوجد في غيره، فإذا انضم إليه غيره فاحتيج إلى اعتباره به، وذلك غير جائز فإن كان يسيرًا جاز لأن الضرورة تدعو إليه مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف فيدفع إليه عرضًا بقيمته أو يزيد الدينار والدرهم وكسره غير جائز فهاهنا يجوز للضرورة لأنه يعلم أن البيع غير مقصود.
فصل [13 - في شراء تراب الذهب والفضة]:
يجوز شراء المعادن من الذهب والفضة الجنس منهما بخلافه ولا يحق بجنسه 1 خلافًا للشافعي في منعه أصل البيع 2 لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ 3، ولأنه مرئي 4 محزور ومعلوم بالعادة مقدر في غالب الحال فجاز بيعه وإن لم يعلم حقيقة وزنه كالجزاف.
فصل [14 - في عدم جواز شراء تراب الصاغة]:
ولا يجوز شراء تراب الصاغة خلافًا لمن أجازه 5 لأنه غرر إذ لا يعلم هل فيه شيء أم لا ولو علم أن فيها شيئًا لم يظهر ولم يعلم قدره ولا حزره، وذلك غرر مجهول 6.
...
باب: [بيع الغرر]
بيع الغرر 1 غير جائز 2 لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه 3، والغرر يكون بوجوه: منها الجهل بجنس المبيع كقولك: بعتك ما في كمي أو صندوقي أو كفي 4، ويجوز أن يكون في كمه جوزة أو لوزة 5 أو بيضة، ويجوز أن يكون فيه درة أو ياقوتة، ومنها الجهل بصفة المبيع وإن عرف جنسه مثل أن يسلم إليه في عبد أو ثوب ولا يذكر نوعه ولا صفته، ومن هذا الباب بيع الساج 6 في جرابه والثوب المطوي، فإذا عرف جنسه ووصفته جاز وخرج عن الغرر، ومنه بيع الملامسة والمنابذة التي 7 نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه 8 وبيع الحصاة 9، والملامسة أن يجب البيع بلمس الرجل الثوب وإن لم يبينه ولا عرف ما فيه، والمنابذة أن ينبذ الرجل ثوبه إلى الآخر 10 وينبذ الآخر ثوبه إليه، فيجب البيع
بينهما بذلك من غير أن ينشر الثوبين ويقفا 1 على ذرعهما وكذلك بيع الحصاة كانوا في الجاهلية إذا أعجب الرجل الثوب ترك عليه حصاة فيجب البيع بذلك ولا يكون له رد سواء وجده 2 صحيحًا أو معيبًا، وقيل: كان الرجل يسوم بالثوب وبيده حصاة فيقول لصاحبه: إذا سقطت هذه الحصاة من يدي فقد وجب البيع، هذه البيوع من بيوع الجاهلية.
ومن بيع الغرر المزابنة: وهو بيع معلوم بمجهول من جنس أو مجهول بمجهول 3 من جنس وقد بيناها، فإن كان ذلك مما فيه الربا حرم لأجل التفاضل وإن كان مما لا ربا فيه كان خطرًا أو قمارًا إلا أن يتبين 4 الفضل، فيجوز لأنه يخرج حينئذ عن التخاطر 5، ومن الخطر أن يبيعه جزافًا يعلم كيله ولا يعلمه به فيدخل المبتاع على ذلك.
ومن أنواع الغرر ما لا يقدر على تسليمه كالآبق 6 والضالة والمغصوب والطير في الهواء والسمك في الماء وكل هذا لا يجوز بيعه لأنه لا يقدر على تسليمه ثم لا يخلو أن تكون صفة البيع معلومة لهما أو مجهولة، فإن كانت معلومة والغرر من وجه واحد وهو العجز عن التسليم إلا أن يباع الآبق والضالة ممن قد 7 وجدهما وحصلا تحت قبضته، والمغصوب من غاصبه ولم يبعد عداهما عن مالكها أو يثبت عنده بقاؤهما 8 على صفاتها أو عرف ما انتقلا إليه فيجوز حينئذ بيعه لهما وإن كانت صفاتهما غير معلومة للمالك دخل بيعهما الغرر من وجهين الجهل والعجز عن التسليم.
ومن هذا الباب بيع الأجنة واستثناؤها وبيع حبل 1 الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة والمضامين وهو ما في ظهور الفحول، فهذا يجمع الأمرين الجهل بالمبيع والعجز عن التسليم.
ومنه أيضًا السلم إلى أجل لا يوجد فيه المسلم فيه فيعجز المسلم إليه عن تسليمه.
ومن وجوه الغرر الجهل بالثمن، أما في جنسه أو في مقداره 2 أو أجله، وكذلك في المثمون 3، فأما في الجنس فمثل أن يبيعه بما يحكم به زيد أو يسميه عمرو أو يقع في يده 4 من رقاع يكتب فيها عدة أثمان أو يخرج به السهم في قرعة، أو ما أشبه ذلك في المقدار مثل ما يخرج به سعر اليوم وما يبيع به فلان متاعه، وفي الأجل نحو قدوم زيد وزفاف 5 عمرو وموت فلان وما أشبه ذلك.
ومن هذا الباب بيعتان في بيعة: وصفته أن يبيعه هذا الثوب إما بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل على أنه قد وجب بأحد الثمنين، فأما إن كان 6 على أنه إن رضي أجاز 7 وإن لم يرض رد ولم يجب 8، فذلك جائز لأن العقد لم يجب فلا يحصل غرر، وقد يقع على وجوه أُخَرْ، ومن الغرر بيع اللحم في جلده والحنطة في تبنها 9، وما أشبه ذلك ومن وجوه الغرر ما لا ترجى سلامته
كالمريض في سياقه وما لا يدري هل يسلم أم يتلف ولا أمارة على ذلك تغلب على الظن معها سلامته مثل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وأبواب الغرر كثيرة وقد نبهنا بقدر ما ذكرناه منها على ما أهملناه، ولا خلاف أن يسيره لا يمنع صحة البيع وإن ما تدعوا الحاجة إليه منه معفو عنه وأن 1 الذي يمنع ما زاد على ذلك.
فصل [1 - في بيع الأعمى وشرائه]:
يجوز بيع الأعمى وشراؤه 2 خلافًا للشافعي 3، وذلك إذا كان يعرف ما يوصف له وسواء كان بصيرًا فعمي أو ولد أعمى لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 4، وقياسًا على البصير بعلل 5 إما لأن كل من جاز تسليمه 6 جاز بيعه للأعيان أو لأن كل من صح 7 أن يؤكل في البيع صح أن يليه بنفسه.
فصل [2 - في منع بيع الإنسان على بيع أخيه]:
لا يجوز بيع الإنسان على بيع أخيه، وذلك إذا أركن إليه وقرب اتفاقهما على تقدير 8 الثمن ولم يبق إلا العقد أو قريب منه، فأما إن كان في أول الغرض وابتداء السوم قبل التقدير والركون فلا بأس والقول فيه 9، وفي فسخه إن وقع كالقول في النكاح وقد بيناه.
فصل [3 - في بيع النجش]:
بيع النجش غير جائز 1 وصفته: أن يزيد التاجر في الثمن لا لنفسه بك ليغر غيره فينزل 2 على مزايدته، فهذا لا يجوز لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه 3، وإن وقع فسخ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4، لأن النهي يقتضي على الفساد، ولأن فيه مضرة على الناس وإفساد لمعايشهم لأن من عادة الناس أن يركنوا إلى زيادة التاجر ويعتقدوا أنها تساوي ما يبذلونه فيها وذلك فساد وضرر فوجب فسخه.
فصل [4 - في تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي]:
ولا يجوز تلقي السلع قبل أن تورد الأسواق 5 لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك 6، وفائدته ألا يستبد الأقوياء بها دون الضعفاء ومن لا قدرة له على مشاركتهم، وإذا ثبت المنع منه فمن فعل ذلك خُيِّر بقية أهل الأسواق في أن يشاركوه فيما اشتراه أو يتركوه له، ولا يبيع حاضر لباد 7 لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" 8، وفائدة ذلك أن فيه إضرارًا بالناس
لأن أهل 1 البادية لا يعرفون الأسعار ويضر بهم بيع ما يجلبونه بالرخص كما يضر بأهل الحضر شراؤه بالغلاء لأن أهل الحضر لا يصلون إليه إلا بعوض وأموال أهل البدو 2 جلها من المباح الذي يؤخذ بغير عوض فيجب أن يقدم النظر لأهل الحضر عليهم، فإذا باع لهم السماسرة والتجار باعوا بالأسعار الغالية والأثمان المستوفاة فأضر ذلك بالحاضرة 3.
وإذا ثبت منع ذلك فقيل: يفسخ إن وقع، وقيل: لا يفسخ، فوجه الفسخ عقوبة لفاعله للنظر العام، ولأن قصده قطع أرزاق الناس، ووجه الإمضاء فلأن الفساد منتف عنه من جهة العقد أو المعقود عليه، وإنما هو لحق الآدميين على وجه الرفق والإعانة، فأما أن يكون قطع حق آدمي متعين فلا، وإما الشراء لهم فقال: مالك لا بأس به اعتبارًا بالشراء لغيرهم لأن الحاضر يعرف ثمن ما يبيعه فلا يستضر بمن يشتري منه الحاضر للبادي بخلاف البيع لهم، وقال بعض أصحابه: لا يشتري لهم وهو والبيع سواء، ووجه هذا أنهم لا يعرفون الأسعار فيبذلون فيما يشترونه أكثر مما يبذلونه إذا تولى لهم التجار فيضر بالحاضرة كالبيع لهم.
فصل [5 - في التسعير]:
التسعير 4 على أهل الأسواق غير جائز 5 لأن الناس مالكون لأموالهم والتصرف فيها فلا يجبرون على بيعها إلا بما يخترونه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من التسعير لما سئل فيه فقيل له: لو سعرت لنا، فقال: "إن الله هو القابض