مقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
• لمحة عن تاريخ المذهب المالكي في العراق:
أسس المذهب المالكي الإِمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الذي ولد بالمدينة المنورة عام 93 هـ، وعاش بها، أخذ العلم عن ربيعة الرأي (ت 136 هـ)، والزهري (124 هـ)، ونافع (ت 117 هـ)، وابن هرمز (ت 148 هـ)، وغيرهم.
اشتهر بالورع والتقوى، كما اشتهر بالضبط والعدالة، قال الشافعي: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن عليّ في علم الله من مالك بن أنس" 1، حاز الإمامة في الفقه والحديث، وقد خدم العلم خدمة عظيمة بتأليفه كتاب "الموطأ".
ولقد بُنِيَ مذهبه على أصول هي:
القرآن والسُّنَّة والإجماع والقياس وعمل أهل المدينة، وسد الذرائع والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف 2.
وكان له عدد كبير من التلاميذ والأصحاب انتشروا في شتى بلاد العالَم الإِسلامي في مصر وإفريقيا والأندلس والعراق.
ففي مصر كابن القاسم (191 هـ)، وأشهب (204 هـ)، وفي إفريقيا أسد بن الفرات (214 هـ)، وفي الأندلس يحيى بن يحيى الليثي (224 هـ).
أما في العراق فقد نشر مذهبه من أتباعه:
1 - عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري (186 هـ).
2 - عبد الله بن مسلمة بن قعنب التميمي الحارثي (220 هـ).
فعن هؤلاء العلماء بدأ انتشار المذهب المالكي في العراق وتفقه عليهم جماعة من كبار المالكية مثل: أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم، وهو من أصحاب ابن الماجشون (214 هـ)، ومحمد بن مسلمة (216 هـ)، وعنه أخذ أولاد بني حماد، وبنو حماد أسرة علم وغنى، أصلها من فارس تحولت إلى بغداد، وكانت قريبة إلى الخليفة المأمون، وكانت هذه العلاقة سببًا لزيادة انتشار المذهب المالكي في بغداد، وأشهر علماء هذه الأسرة هو القاضي إسماعيل بن حماد (282 هـ)، صاحب كتاب "المبسوطة" الذي ذاع صيته في العراق وخارجها تولى القضاء، وكان هو المؤسس الحقيقي لمدرسة المالكية ببغداد، فقد ساهم بالقسط الأوفر في انتشار وازدهار المذهب هناك 1.
ثم جاء بعده إبراهيم بن حماد بن إسحاق (323 هـ)، والقاضي عمرو أبو الفرج الليثي البغدادي (330 هـ)، صاحب كتاب "اللمع في أصول الفقه"، وهما من أساتذة أبي بكر الأبهري (395 هـ)، الذي بذل كل ما في وسعه لتدريس ونشر المذهب المالكي ومواصلة الطريق الذي ابتدأه العلماء السابقون له، فلقد كان للأبهري ولابن الجلاب (378 هـ)، وابن القصار (398 هـ)، والباقلاني (403 هـ)، وآخرهم شيخنا القاضي عبد الوهاب الذي تتلمذ وأخذ
المذهب عنهم فلقد كان لهم الفضل في تقويم وتثبيت وتأصيل أركان المذهب المالكي في العراق، كما ساهموا وغيرهم من العلماء في الحجاز ومصر وإفريقيا والمغرب والأندلس في حمل راية المذهب وتعزيزه بعلمهم وبمؤلفاتهم حتى قيل: " .. لولا الشيخان والمحمدان والقاضيان لذهب المذهب المالكي، فالشيخان ابن أبي زيد وأبو بكر الأبهري، والمحمدان محمَّد بن سحنون ومحمد بن المواز والقاضيان أبو محمَّد عبد الوهاب وأبو الحسن بن القصار البغداديان" 1 والأخوان: ابن الماجشون ومطرف والقرينان: أشهب، وابن نافع.
لكن ما حل القرن الخامس حتى استفحل النزاع بين المذاهب الفقهية: ولما قويت شوكة الشافعية في العراق شنوا حربًا على كل المذاهب الأخرى فتقربوا إلى الخليفة بواسطة رئيسهم أبي حامد الإسفراييني (406 هـ) لإزاحة المالكية من المناصب العامة 2.
ولعل هذا من الأسباب التي جعلت آخر علماء المالكية الكبار ببغداد وهو شيخنا القاضي عبد الوهاب يضطر إلى الهجرة من بغداد إلى مصر وهو ما لقيه من الشافعية من عنت وحرج 3.
ومن هنا بدأ المذهب المالكي يضعف في العراق ولم يظهر بها إلا نادرا بعد أن انتقلت الريادة إلى الشافعية والحنابلة والحنفية 4.
...
• مميزات مدرسة المالكية بالعراق 1:
امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق عن غيرهم من المغاربة والمصريين بسعة الاطلاع على علماء ومؤلفات وكتب المذاهب الأخرى والاقتباس من طرقها وأساليبها، كما أنهم أشاعوا قواعد المذهب على غرار الأصوليين الأحناف والشافعية، وكانوا بذلك هم السباقون، ودرسوا المذهب المالكي بالمقارنة مع المذاهب الأخرى ويتضح هذا مما خلفوه من تراث فقهي مثل كتاب "عيون الأدلة" لابن القصار، والممهد والنصرة والإشراف -وهي ثلاثة كتب للقاضي عبد الوهاب- كما اعتمدت مدرسة العراق في دراسة الفقه على الفقه الفرضي والتقديري، وتوسعوا في العمل بالرأي والقياس في تقرير الأحكام، ولقد اختلف هذا عن منهج المغاربة الذي كان يعتمد على نقل النصوص والتحقق من نسبتها إلى السابقين، كما ازدهر فن القواعد الفقهية في العراق على أيدي الأحناف والشافعية والمالكية، ومنهم القاضي عبد الوهاب -كما سوف نلحظ ذلك من خلال حصرنا لمجموع القواعد المذكورة في هذا الكتاب- ولم يعتن المغاربة والمصريون من المالكية به إلا بعد عصر القاضي عبد الوهاب.
وتميزت طريقتهم في دراسة المدونة السحنونية عن طريقة نظرائهم من فقهاء إفريقية المالكيين، وقد تحدث المقري (758 هـ) عن الطريقتين وسماهما الاصطلاحين وقال 2: " ... أهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير "الدلائل" على رسم الجدلين وأهل النظر من الأصوليين، وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه
بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار, وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها 1.
...
• علاقة المالكية بالعراق بنظرائهم في المغرب والأندلس 2:
لكن بعد ظهور طريقة العراق ومدرسته، بدأ العلماء في المغرب في تطوير منهجهم، وذلك بمزج أسلوبهم مع أسلوب أهل العراق في تفريع المسائل بالفرض والتقدير.
وكان هذا طبيعيًّا للعلاقة الوطيدة التي نشأت بين أعلام المدرسة المالكية بالعراق وبين أعلام المدارس المالكية الأخرى.
فهم يتبادلون الأجازات العلمية والكتب العلمية الفقهية، ويجرون الحوارات في المسائل والنوازل، ويثيرون النقاش تارة بصفة مباشرة، وتارة بواسطة المكاتبة أو التأليف، ومن ذلك الحوار العلمي الذي دار في قضية إثبات الكرامات، ومناقشة ابن أبي زيد في موضوعها، وقد أسهم فيه أبو بكر الباقلاني بتأليف 3.
وقد وجد تلاميذ من المغرب والأندلس للعراقيين أمثال الأبهري والقاضيان: عبد الوهاب، وابن القصار.
كما اهتم العراقيون بشرح مؤلفات المغاربة كما رأينا شروح القاضي عبد الوهاب لمؤلفات الشيخ ابن أبي زيد القيرواني.
...