كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 1، ولأن ذلك أقل ما يعلم به براءة الرحم، فلذلك جعل بدل الأقراء.
وإنما قلنا: إنها إذا ابتدأت 2 من أول الشهر أجزأتها الشهور بالأهلة لأن الخطاب إذا صدر وله عرف في الشرع حمل عليه وعرف الشرع في المشهور هو بالأهلة.
وإنما قلنا: إنه يكمل عدد الشهر المبتدأ في بعضه لأنها إنما يكون له حكم الهلال وإذا ابتديء من أوله، فأما إذا ابتديء من بعضه كان له حكم العدد استظهارًا واحتياطًا.
وإنما قلنا: إنها إذا طلقت في بعض يوم اعتدت إلى مثله لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ 3، وذلك يقتضي العدد من وقت الوجوب، ولأن من حلف لا يكلم زيدًا ثلاثة أشهر أو أجَّره 4 داره ثلاثة أشهر وأطلق كان محمولًا على أنها من وقته، فكذلك هذا، ووجه قوله: إنها تلغي اليوم احتياطًا لصعوبة ضبط الوقت الذي تبتديء منه ومقابلته به، ولأن نظائره قد فعل فيه مثل ذلك باعتبار الأربعة أيام لإقامة المسافر، والعقيقة، والحول في الزكاة، فكذلك ها هنا والأولى القياس.
وإنما سوينا بين الأمَة والحرة في ذلك للعموم واعتبارًا بعدة الأقراء ووضع الحمل، وإنما قلنا أن وطء التي لا تطيق الوطء لا يوجب عدة للعلم ببراءة الرحم، ولأن الوطء إنما يسمى وطئًا إذا كان فيمن تطيقه، فأما إذا كانت لا تطيقه جرى مجرى الجرح وإصابتها في غير ذلك الموضع لأنه ليس بالاستمتاع المطلوب، ولأنه لا يوجب مهرًا ولا إحلالًا، وإنما هو جناية.
فصل [10 - في عدة الحرة الحائل]:
وإنما قلنا: إن عدة الحرة الحائل في الوفاة أربعة أشهر وعشرًا للظاهر وهو قوله تعالى 1: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 2.
وإنما قلنا: إن عدة الأمَة شهران وخمس ليال لأنها عدة يمكن 3 تنصيفها، فكانت فيها على النصف من الحرة كالأقراء، وقد احترزنا من وضع الحمل، فإن الوضع لا يتنصف 4، ومن الثلاثة الأشهر لأنها تراد ليعلم براءة الرحم في أقل ما يمكن، وذلك لا يمكن تنصيفه.
فصل [11 - إيجاب عدة الوفاة على الصغيرة]:
وإنما أوجبنا على الصغيرة العدة في الوفاة على كل حال وفي الطلاق مع الدخول خلافًا لداود 5 في قوله: لا عدة على صغيرة، لعموم الظواهر من قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ 6، وقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 7 وهذا نص، واعتبارًا بالبوالغ بعلة أنها زوجة دخل بها أو توفي الزوج عنها، وإنما قلنا: تلزم غير المدخول بها للعموم، ولأن طريقها العبادة المحضة دون براءة الرحم.
فصل [12 - في عدة غير المدخول بها]:
وإنما قلنا: إن غير المدخول بها تبرأ بمضي المدة لأنّه ليس 8 وراءه أمر يطلب
سواه، فلم يلزمها غيره، فأما المدخول بها فلا يبرؤها إلا حيضة على ما بيناه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 1 لأنها بائن مدخول بها 2 من ذوات الحيض لم تتيقن براءة رحمها فلم تبرأ إلا بالحيض أو التربص الدال على براءة الرحم القائم مقام الحيض أصله المطلقة، ولأن احتباس الحيض عن عادته من غير عارض أو سبب يعرف ريبة ولا يجوز النكاح مع الريبة.
فصل [13 - الحكمة من إجزاء الحيضة الواحدة]:
وإنما قلنا: إن حيضة واحدة مجزية لأن الأصل هو العدة المعتد بها وليس الاستبراء بمجرده مقصودًا فيستوي فيه ما يجب لحرمتها.
فصل [14 - في التي عادتها أن تحيض مرة في السنة]:
ووجه القول في التي عادتها أن تحيض مرة في السنة أو فيما يدخل فيه الاعتداد بالشهور أنها تبرأ بمضي المدة، وإن لم تحض أن سبب تأخيره للعادة لا لريبة 3 فحمل على المعتاد، ووجه قوله: إنه لا يبرؤها إلا لحيض اعتبارها بمن لا عادة لها, ولأن تأخره يمكن أن يكون للعادة ولشغل الرحم.
فصل [15 - في التي لا عادة لها]:
وإنما قلنا في التي لا عادة لها بتأخير الحيض وفي المعتادة كذلك على إحدى الروايتين أنها تجلس تمام تسعة أشهر من يوم الوفاة؛ لأن ذلك غالب مدة الحمل وهو الذي يعلم به براءة الرحم من زوال الريبة وتأخير الحيض وإن أحست بعد تربصها هذه المدة بريبة انتظرت زوالها.
فصل [16 - وجه اعتداد الكتابية بالشهور وأن عليها الاستبراء]:
ووجه قوله (في الكتابية أن عليها الاعتداد بالشهور لعموم الظواهر ولأنه نوع من البينونة كالطلاق، ولأنها زوجة مسلم مات عنها ليست بحامل فتلزمها العدة بالشهور كالمسلمة، ولأن كل عدة لزمت المسلمة لزمت الكتابية كوضع الحمل) 1.
ووجه قوله: إن عليها الاستبراء لأن تربصها يتعلق به حق لله تعالى وحق للمسلم: فأما حق المسلم فحق النسب وذلك يلزمها 2 لأنه لا يبرؤها إلا العلم ببراءة الرحم، وما زاد على ذلك حق لله محض وحقوق الله تعالى 3 المحضة المتميزة عن حقوق الآدميين لا يخاطب بها الكفار.
وإنما قلنا: إن غير المدخول بها من الكتابيات يتخرج على هذا الاختلاف لأن الطريقة فيه واحدة فلم يكن له وجه إلا إجراؤه مجرى ما تقدم.
فصل [17 - في عدة المرتابة]:
فأما المرتابة: فهي التي ترتفع حيضتها من غير إياس من بعد أن كانت تحيض، فلا يخلو ذلك أن يكون لعارض يعلم أنه يؤثر فيه أو لغير عارض، فالعارض إما رضاع وإما مرض، فإن كان تأخيره للرضاع فإنها لا تعتد إلا بالأقراء، فتمكث متوقعة له إلى أن تراه طال الوقت أم قصر 4.
وإنما قلنا ذلك للإجماع والمعنى: فأما الإجماع فإن حبان بن منقذ 1 طلق امرأته وهي ترضع فمكثت نحو سنة لا تحيض لأجل الرضاع ثم مرض حبان فخاف أن ترثه إن مات فخاصمها إلى عثمان، وعنده عليّ وزيد رضي الله عنهم فقال لهما: ما تريان، فقالا: نرى أنها ترثه لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من الأبكار اللائي لم يحضن فهي عنده على حيضتها، مات كان من قليل أو كثير لم يمنعها إلا الرضاع فانتزع حبان ابنه منها، فلما حاضت حيضتين مات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة 2، فأجمعوا أن التأخير بالرضاع لا يسوغ لها الاعتداد بغير الحيض وعللوا ذلك بأنها ليست ممن تحض ولا آيسة.
والمعنى هو جري العادة بأن الرضاع يؤثر في تأخير الحيض فلا يكون ذلك ريبة، فإذا كان ذلك وجب انتظار زواله.
فصل [18 - في عدة المريضة]:
وأما المرض ففيه روايتان 3: إحداهما أنه كالرضاع ذكرها الشيخ أبو بكر عن أشهب، والأخرى أنه ريبة، فوجه قوله: إنه كالرضاع أن سبب تأخر الحيض معروف، ولأن المرض يؤثر في ذلك لأنه يضعف القوة أو يكون فيه ما يخرق الدم أو يحبسه، فكان كالرضاع ووجه القول بأنه ريبة أنه ليس فيه عادة متقررة بتأخير الحيض ولا اختصاص في ذلك لبعض الأمراض دون بعض فكان ريبة.
فصل [19 - اعتداد من ارتفع حيضها لغير عارض ولا سبب معتاد]: فأما إذا ارتفع حيضها لغير عارض ولا سبب معتاد تأثيره في رفع الحيض، فإنها تنتظر تسعة أشهر غالب مدة الحمل، فإن حاضت في خلالها حسبت ما مضى قرءًا ثم تنتظر القرء الثاني إلى تسعة أشهر، فإن حاضت احتسبت به قرءًا آخر، وكذلك في الثالث فإن مضت لها تسعة أشهر ولم تحض استأنفت الاعتداد بثلاثة أشهر وصارت من أهل الاعتداد بالشهور، فإن حاضت من قبل تمامها ولو بساعة حسبت جميع ما مضى لها من وقت الطلاق وقت حيضها قرءًا ثم استأنفت تربص تسعة 1 أشهر ثم ثلاثة بعدها، وأي وقت مضت لها سنة لا حيض في خلالها فقد حلت ولا يراعى إن حاضت بعد السنة بقليل أو كثير 2، وقال الشافعي في الجديد تمكث أبدًا إلى 3 أن تعلم براءة رحمها قطعًا وهو أن تبلغ سن من لا تحيض مثلها 4، فدليلنا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها 5 حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها 6 حمل فذلك وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر) 7، وهذا قول صحابي إمام لا مخالف له، ولأن الغرض من ذلك التوصل إلى 8 العلم ببراءة الرحم وقد ثبت أنه لا يراعى فيه القطع واليقين؛ لأن ذلك يوجب أن تجلس أقصى مدة الحمل أو أن لا يحكم ببراءة الرحم بمضي الثلاثة الأقراء أو الثلاثة أشهر لمن قاربت البلوغ، وذلك باطل فلم يبق إلا الاعتبار بالظاهر وقد حصل.
فصل [20 - في عدة المستحاضة]:
في عدة المستحاضة من الطلاق روايتان 1: إحداهما أنها سنة لأن الاستحاضة ريبة فتجلس الغالب من مدة (الحمل تسعة أشهر ثم ثلاثة وهي العدة، والأخرى أنها إن ميزت بين الدمين وكان لها قرءًا معلومًا اعتدت به لأنّها من ذوات الأقراء فإذا عرفته) 2 بالتمييز اعتدت به كغير المستحاضة.
فصل [21 - في عدة المستحاضة من الوفاة]:
وفي عدتها من الوفاة روايتان 3: إحداهما أربعة أشهر وعشرًا، والأخرى أنها تقيم تسعة أشهر، فوجه الأولى عموم الظواهر، ولأنها متوفى عنها غير حامل كغير المستحاضة، ووجه الثانية أن الاستحاضة نفسها ريبة، فوجب أن تجلس غالب مدة الحمل.
فصل [22 - في أكثر مدة الحمل]:
وعنه 4 في أكثر الحمل ثلاث روايات 5: إحداها أربع سنين وهي المشهورة، والثانية خمس والثالثة سبع، وفائدة الخلاف امتداد التربص بالمرتابة، وأن المطلقة إذا أتت بولد لأكثر من مدة الحمل من وقت الطلاق فإنه لا يلحق به.
فوجه الأولى ضرب عمر رضي الله عنه لامرأة المفقود أربع سنين 6، وإنما ذلك لأنه أكثر الحمل، وروي مثله عن عثمان وعلي 7 رضي الله عنهما 8 ولا
مخالف عليهم فيه، وقد ذكر أصحابنا عن أهل المدينة أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين، ولأن ما زاد على السنتين لو لم يكن مدة للحمل لوجب أن لا يلحق به الولد إذا ادعاه وأكذبته وفي لحوقه به دليل على أنه من مدته.
ووجه اعتبار الخمس أن ذلك قد وجد وذكر عن ابن عجلان 1 وجوده.
وأما السبع فلم يقف على وجود لها والأظهر الأربع فقط.
فصل [23 - عدة أم الولد]:
عدة أم الولد من وفاة سيدها حيضة واحدة وهي في الحقيقة استبراء لا عدة لأنه عن وطء بالملك 2، وقد قال عمرو بن العاص 3 أربعة أشهر وعشرًا، وقال أبو حنيفة ثلاثة أقراء كالحرة المطلقة 4، ودليلنا على عمرو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 5 فأوجب ذلك على الزوجات فدل على أن الإماء بخلافهن، ولأنه وطء بملك اليمين فلم يلزم فيه عدة الوفاة كالأمة الموطوءة، ودليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى 6: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 7، فأوجب ذلك في
حق المطلقات فانتفى 1 وجوبه بالملك، ولأنه استبراء عند زوال الملك عن الرقبة فكان بقرء واحد أصله الأَمَة المبيعة.
فصل [24 - بقية الكلام في عدة أم الولد]:
وهذا إذا كانت ممن تحيض، فإن كانت حاملًا فوضع الحمل، وإن كانت يائسة فثلاثة أشهر، فإن كانت مستحاضة أو مرتابة قعدت تسعة أشهر، وعدتها من وفاة زوجها شهران وخمس ليال وقد بيَّنا معاني هذه الجملة من قبل 2.
فصل [25 - المطلقة الرجعية يموت عنها زوجها]:
المطلقة الرجعية إذا مات عنها 3 وهي في العدة انتقلت إلى عدة الوفاة 4 لأنها في حكم الزوجات بدليل لحوق طلاقه لها ووجوب نفقتها عليه وثبوت التوارث بينهما, ولأن كل من يلحقها طلاقه لبقاء حكم الزوجية فموته عنها يوجب عليها عدة أصله الزوجة.
فصل [26 - البائن يموت عنها زوجها]:
البائن إذا مات عنها زوجها ثبتت على عدتها ولم تلزمها عدة بموته 5 لأنه مات عن بائن منه كالتي قد خرجت من العدة.
فصل [27 - الأمَة المطلقة إذا عتقت وهي في العدة]:
إذا طلقت الأَمَة فأعتقت وهي في العدة مضت على عدة الأَمَة ولم تنتقل إلى عدة الحرة كان الطلاق رجعيًّا أو بائنًا 6، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: تنتقل في
الرجعي دون البائن 1، والشافعي في قوله أنها تبنى على عدة الحرة في كلا الأمرين 2؛ لأنها أمَة معتدة من طلاق فوجب أن تبنى على العدة التي لزمتها حال الطلاق ما كان زوجها باقيًا كالتي لم تعتق، ولأنها معتدة عن طلاق فوجب أن لا ينتقل اعتدادها ما دامت معتدة عنه أصله الطلاق البائن ولا يلزم عليه الموت لأنها تنتقل عن اعتداد الطلاق إلى الاعتداد عن الموت ولا تبنى.
فصل [28 - إذا مات عنها بعد عتقها في العدة]:
ولو مات عنها بعد أن أعتقت في العدة من طلاق رجعي لانتقلت إلى عدة الوفاة لأنها في حكم الزوجات كالحرة وتعتد عدة الحرة لأن الموت صادفها حرة ولو كان الطلاق بائنًا لم تنتقل لأن الموت صادفها أجنبية.
فصل [29 - في كون الرجعة تهدم العدة إلا رجعة المولي والمعسر بالنفقة]:
كل رجعة تهدم العدة إلا رجعة المولي والمعسر بالنفقة، فإنهما موقوفتان على الفيئ والإنفاق 3، وقال الشافعي: إذا طلقها بعد الرجعة وقبل الوطء بنت على عدتها الأولى 4.
ودليلنا أنها رجعة صحيحة منبرمة، فوجب أن تهدم العدة أصله إذا وطء فيها.
فصل [30 - إذا تزوجت في العدة]:
إذا تزوجت في العدة ووطئها الثاني، ففي العدتين 5 روايتان 6: إحداهما
التداخل والأخرى نفيه، فوجه التداخل أن الغرض الذي له ترادان 1 هو العلم ببراءة الرحم، وذلك يحصل مع التداخل أصله إذا حملت، ووجه نفيه فلأنه وطء له حرمة، فوجب استيفاد عدتها كالأولى.
...
باب: [في الإحداد]
لا إحداد 1 على مطلقة 2 لا رجعية ولا بائنة 3 خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي 4 في إيجابهما على البائن لأنها مطلقة كالرجعية.
فصل [1 - الإحداد على كل زوجة متوفى عنها]:
والإحداد على كل زوجة متوفى عنها حتى تنقضي عدتها، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" 5، وحديث أم سلمة أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال: "لا" مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنما هي أربع أشهر وعشرًا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" 6،
ولأن الزينة والطيب باعثان 1 على النكاح فمنعت من ذلك كما منع المحرم منه، ولأنها لما منعت من التصريح بالخطبة وهو بالقول كانت بمنع 2 ما هو أبلغ مما يدعو إلى ذلك أولى ولا يدخل عليه المطلقة لأن لها من يراعيها ويمنعها من التزويج إن أرادته والمتوفى عنها بخلافها.
فصل [2 - إحداد الأمَة الزوجة]:
وعلى الأَمَة الزوجة المتوفي عنها زوجها الإحداد 3 خلافًا لمن نفاه 4 لعموم الأخبار واعتبارًا بالحرة بعلة كونها زوجة متوفى عنها.
فصل [3 - إحداد الحرة الصغيرة]:
وتلزم الحرة الصغيرة خلافًا لأبي حنيفة 5، لقوله صلى الله عليه وسلم وسئل عن من مات عنها زوجها فاشتكت عينيها أتكحلها؟ قال: "لا" 6 ولم يسأل، ولأنها عدة من وفاة كعدة البالغة.
فصل [4 - إحداد الكتابية]:
ولزومه للكتابية إذا مات عنها زوجها المسلم مختلف فيه 7، فوجه الوجوب = الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي زوجها دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة ثم تؤتي بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتضي به، فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره.
عموم الخبر، ولأنها معتدة من من وفاة زوج 1 مسلم كالمسلمة، ووجه نفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج" 2، فجعل من وصف الحداد أن تكون مؤمنة، ولأنها لما كانت عدتها الاستبراء دون عدة الوفاة كذلك لا إحداد عليها اعتبارًا بالأمة والأول أصح.
فصل [5 - لا إحداد على الأمَة ولا على أم الولد]:
لا إحداد على الأَمَة، ولا على أم الولد 3 لأنّها ليست بزوجة ولأن الملك لا يقصد للوطيء.
فصل [6 - الإحداد]:
الإحداد هو الامتناع من الزينة والطيب كله ومصبغ اللباس كالأحمر والأصفر والأخضر والخلوق 4 لأن هذه الألوان يتزين بها النساء لأزواجهن ويتصنعن بها وليس منها الأسود والأبيض والسابرى 5، والامتناع من الحلي كله الخاتم فما فوقه، وكذلك الكحل والحناء إلا للضرورة والامتشاط بما يختمر في الرأس 6 والإدهان المطيبة كاللبان 7 والخيرى 8 ودهن الورد والبنفسج وجميع ما يتزين به النساء لأزواجهن مما يثير به الشهوة ويبعث على الجماع 9.
فصل [7 - في منع المعتدة من وفاة أو طلاق الانتقال من بيتها]:
ولا يجوز لمعتدة من وفاة أو طلاق أن تنتقل عن بيتها التي كانت فيه حتى تنقضي عدتها إلا أن تخاف عورة منزلها أو تدعوها ضرورة لا يمكنها 1 المقام معها، فلها أن تنتقل وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه، وكذلك إن كانت الدار مستأجرة جاز لها الانتقال 2.
وإنما قلنا ذلك في المتوفى عنها لحديث الفريعة 3 لما سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن زوجي خرج في طلب أَعْبُدٍ له ضلوا فلما أدركهم قتلوه فأعتد في بيت أهلي، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" 4.
وإنما قلنا ذلك في المطلقة خلافًا للشافعي في المبتوتة 5 , لأنها معتدة كالمتوفي عنها، وإنما أجزنا لها ذلك إذا خافت عورة المنزل لأنها ضرورة وتغرير بالنفس أو بالمال، وكذلك إذا أخرجها ملاك المنزل لأن الخروج يلزمها.
وإنما قلنا: إنها تقيم بالموضع الذي انتقلت إليه لأنه موضع يلزمها الاعتداد فيه كالأول، ولها أن تخرج في حوائجها نهارًا وفي الليل وقت هدوء الناس لضرورتها إلى التصرف في أمورها، وقد لا تجد نائبًا عنها، وذلك بخلاف المبيت لأنه ضرورة بها إلى المبيت.
باب: [النفقة والسكنى للمطلقة الرجعية]
والمطلقة الرجعية لها النفقة والسكنى 1 لثبوت الزوجية بينهما وأحكامها من لحوق الإيلاء والظِهار والطلاق والتوارث.
فصل [1 - منع النفقة عن المبتوتة]:
ولا نفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملًا خلافًا لأبي حنيفة 2 لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 3، فإذا انتفى الشرط وهو الحمل انتفى الوجوب، ولنفيه صلى الله عليه وسلم النفقة لفاطمة بنت قيس وكانت مبتوتة 4، ولأنه نوع من البينونة كالموت، وكذلك المختلعة مثلها.
فصل [2 - النفقة للمطلقة الحامل]:
وللمطلقة الحامل النفقة رجعية أو بائنة: أما الرجعية، فإن أحكام الزوجية ثابتة بينهما, ولأن النفقة ثابتة لها وإن لم تكن حاملًا فمع الحمل أولى، وأما البائن فلقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 5، ولأن البينونة إنما تؤثر في سقوط النفقة في الزوجية وهذه النفقة للحمل وإن كان لا يصل إليه إلا من جهة الإنفاق على الأم، وهذا في الزوج
الحر، فأما العبد فلا تلزمه على حمل كان الحمل حرًّا أو رقًّا لأن نفقة الرق على مالكه والحر من فقراء المسلمين.
فصل [3 - في عدم النفقة للملاعنة]:
لا نفقة للملاعنة حاملًا كانت أو حائلًا 1 لأنها بائن بالفسخ حملها منتف عنه بلعانه فلا تلزمه النفقة على حمل ليس منه.
فصل [4 - وجوب السكنى لكل مطلقة]:
تجب السكنى لكل مطلقة مدخول بها 2 لأنه إن كانت رجعية فخصائص النكاح ثابتة بينهما ما خلا الوطء، وكذلك النفقة واجبة لها بالزوجية والسكنى تابع للنفقة، فأما البائن فلا نفقة لها ولها السكنى 3 خلافًا لابن أبي ليلى 4، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ 5، وهذا عائد على المطلقات وخاص في المبتوتات، وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ 6 ولأن السكنى لحرمة النسب ووجوب حفظه، وذلك لا يزول بزوال الزوجية ويفارق النفقة لأنها عوض من الاستمتاع وقد زال.
فصل [5 - في عدم النفقة لمعتدة من وفاة]:
لا نفقة لمعتدة من وفاة 1 لأنها قد بانت بموت الزوج، ولأن ملكه قد زال عنه بالموت، فلو وجبت لها النفقة بحق الزوجية لكانت تلزم في حق الورثة وهذا غير جائز.
فصل [6 - سواء كانت المعتدة من وفاة حاملًا أو حائلًا]:
وسواء كانت حاملًا خلافًا لمن حُكي عنه وجوب النفقة لها إذا كانت حاملًا 2 وإن نفقة الحمل ليست بدين ثابت مستقر بدليل أن أباه لو كان معسرًا لم يلزمه شيء وموته أبلغ في إعساره 3، ولأنها تجب حالًا فحالًا، فلو أوجبناها بعد الموت لكان ذلك إيجابًا مبتدأ في حق الورثة وذلك غير جائز.
فصل [7 - وجوب السكنى للمعتدة من وفاة]:
والسكنى واجبة لها إن كانت الدار للميت مملوكة الرقبة أو المنافع خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا سكنى لها 4 لقوله صلى الله عليه وسلم: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" 5، ولأن ذلك يتعلق به حق الله؟ وحق الميت وحق النسب، فأشبه الكفن، وإن لم يكن للميت منزل كانت السكنى عليها ولم يلزم الورثة أن يسكنوها من أموالهم ولا من التركة.
فصل [8 - إرضاع المرأة ولدها ما دامت زوجة لأبيه]:
وعلى المرأة إرضاع ولدها ما دامت زوجة لأبيه إلا أن يكون مثلها لا يرضع إما لشرف أو علو قدر يعلم أن مثلها لا ترضع أو أن تكون سقيمة أو قليلة اللبن،
فعلى الأب حينئذ إرضاعه من ماله 1، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزمها ذلك على كل وجه 2، وقال أبو ثور فيما يحكي عنه: يلزمها على كل وجه 3.
فدليلنا على لزومه لها إذا كانت بالصفة التي ذكرناها قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 4، وهذا وإن كانت صيغته الخبر، فالمراد به الأمر، ولأن العرف جار بذلك في غالب أحوال الناس أن المرأة تلي بنفسها إرضاع ولدها من غير تكليف الزوج أجرة، وما جرى مجرى العرف به كان كالمشترط، ولأنه لو كان لا يقبل من غيرها للزمها إرضاعه لحق الولد وما يستحق على الإنسان ويجبر عليه لا يستحق عليه أجرة ألا ترى أنه لما لم يلزم الأجنبية ذلك كان لها الأجرة.
ودليلنا علي أبي ثور أنها إذا كانت شريفة ومثلها لا ترضع فالعرف جار بأن الإرضاع على الزوج وعلى ذلك دَخَلا فلم يلزمها ما لم تدخل عليه إلا بشرط.
فصل [9 - إذا كانت مثلها يرضع فطلقها الأب]:
وإذا كان مثلها يرضع فطلقها الأب فلا يلزمها الإرضاع 5 إلا بأجرة إن دفع إليها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 6، ولأن المعنى الذي كان يوجب عليها ذلك هو الزوجية، وقد زالت فزال الحكم الواجب به.
فصل [10 - نفقة الحامل المتوفى عنها في رضاع ابنها]: وإذا أرضعت الحامل المتوفى عنها فرضاعها في مال الصبي 1؛ لأن المرأة لا يلزمها إرضاع ولدها ولا النفقة عليه ولا يلزم الورثة ذلك لما نذكره فيما بعد وهو من فقراء المسلمين، فإن كان الصبي لا يقبل من غيرها ولا مال له لزمها إرضاعه لأن في ذلك إضاعته وإتلافه، وقد قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ 2. ...
باب: [في النفقة على الولد الصغير]
تلزم الرجل نفقة ولده الصغير إذا كان فقيرًا 1 لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2، وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 3، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ 4 وقوله صلى الله عليه وسلم: "تقول امرأتك: انفق عليَّ أو طلقني، ويقول عبدك: أنفق عليَّ أو بعني، ويقول ولدك: إلى من تكلني" 5، فبيَّن أن النفقة تلزم لكل واحد ممن ذكر 6، وأنه يحتج بما ذكره، ولا خلاف في ذلك 7.
وإنما شرطنا الصغر لعجزهم عن التكسيب والتحيل لقوتهم.
وشرطنا الفقر للاتفاق على أنه إن كان لهم مال لم يلزم أحد أن ينفق عليهم، فإذا بلغوا نظر، فإن كان سليمًا صحيحًا سقطت النفقة عن الغلام وإن بلغ مجنونًا أو زمنًا فالنفقة لازمة للأب عليه لأن ذلك يمنع التكسب ويحول دون التطلب فإن صح الزمن واستغنى الفقير سقطت نفقته ثم لا تعود إن عاد ذلك به لأن نفقته تجب باستصحاب الوجوب بالصغر دون الابتداء.
فصل [1 - النفقة على البنت]:
وأما البنت فالنفقة تلزم الأب عليها إلى أن تبلغ ويدخل بها زوجها خلافًا للشافعي في قوله: أن النفقة تسقط عنهن ببلوغهن 1 لأن أمرهن آكد من الذكور لأنهن لا يقدرن على التكسب إلا إذا تزوجن، فإذا تزوجت الابنة ولزم الزوج نفقتها ثم عادت إلى الأب لا يلزمه الإنفاق بعد سقوطه عنه.
فصل [2 - عدم إلزام المرأة بالنفقة على ولدها]:
ولا يلزم الأم النفقة على ولدها لا في حياة الأب ولا بعد موته لا في يسره ولا في عسره 2 خلافًا للشافعي 3؛ لأن كل من لا يلزمها إرضاعه في بعض الأحوال إلا بعوض لم يلزمها الإنفاق عليه كالأجنبية، ولأن الإنفاق إذا وجب على شخص لم ينتقل إلى غيره، وكذلك إذا حال دونه حائل لا ترجع النفقة عليه ونفقة هذا الولد كانت لازمة للأب، فإذا فقد الأب أو أعسر لم يلزم غيره كما لا يلزم سائر الأقارب.
فصل [3 - في نفقة الولد الموسر على أبويه المعسرين]:
يجب على الولد الموسر النفقة على أبويه المعسرين 4 لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ 5، وقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ 6 ويلزمه النفقة على الفقير منهما، وإن كان صحيحًا خلافًا للشافعي 7 اعتبارًا بالزمانة، ولأن أمرهما آكد من أمر الولد، والمسلم والكافر في ذلك سواء.
فصل [4 - عدم وجوب النفقة على ولد الولد ولا على الجد]:
والجد لا تلزمه النفقة على ولد الولد ولا يلزم ولد الولد الإنفاق على جدهم 1 خلافًا للشافعي 2 , لأن النفقة على الأقارب لا تجب انتقالًا، وإنما تجب ابتداء، ونفقة الجد لازمة للأب فلا تنتقل إلى ولده وكذلك نفقة الولد لازمة لأبيهم فلا تنتقل إلى جدهم.
فصل [5 - عدم وجوب النفقة على الأخوة والأعمام وولد الأخوة وغيرهم ..]:
لا تجب النفقة على من سوى هؤلاء من الأقارب كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات وولد الأخوة وغيرهم 3 خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه النفقة على كل ذي رحم محرم 4، ولأن كل قرابة تعرف عن ولادة مباشرة لم يستحق بها نفقة كبني العمومة.
...
باب: [في الحضانة
1]
إذا طلق الرجل امرأته فالحضانة لأمهم 2 لقوله صلى الله عليه وسلم للأم: "أنت أحق به ما لم تنكحي" 3، ولأن المراعاة في ذلك حفظ الولد والإشفاق عليه والقيام بمصالحه ومراعاة أموره والأم أقوم 4 بذلك من الأب ومن كل أحد.
فصل [1 - الحضانة حق للأم أو للولد]:
واختلف عنه هل هي حق للأم أو للولد عليها 5، فإذا قلنا: إنها حق للأم فلقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي" 6، ولأنها 7 يلحقها ضرر بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحن عليه وأرفق به.
وإذا قلنا: إنها حق للولد فلأن الغرض حفظ الصبي ومراعاته ومصلحته دون مراعات أمر الأم، ألا تري أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه وكذلك إذا غاب الأب غيبة استقرار.
فصل [2 - انقطاع حضانة الأم بزواجها]:
إذا تزوجت الأم، فما لم يدخل بها فهي أحق به، فإن دخل بها انقطعت حضانتها 1 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي" 2، ولأن الصبي يلحقه ضرر ويتكره الزوج له وتضجره به، ولأن الأم تدعوها الضرورة إلى التقصير في تعهده طلبًا لمرضاة الزوج، وكان ذلك الأب يضر بالصبي، فلذلك زال حقها من الحضانة فإن طلقها أو مات عنها كان لها أخذه لزوال المانع.
فصل [3 - متى تنقطع الحضانة]:
يحضن الغلام إلى أن يبلغ والجارية إلى أن تنكح ويدخل بها زوجها 3 خلافًا للشافعي في قوله: أن حضانتها تسقط ببلوغها 4، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما لم تنكحي" 5 فأطلق، ولأن الابنة تحتاج إلى الحفظ والمراعات إلى أكثر مما يحتاج إليه الابن وبلوغها لا يزيل ذلك لأنها معرضة للأزواج وبنفس بلوغها لا تعرف مصالح نفسها والأزواج يرغبون فيمن يكنفها أبوها وأمها ومن لم تخرج عن حضانتهما ومراعاتهما أكثر من رغبتهم في المتخلية بنفسها، فكانت المصلحة لها في تبقية حق الحضانة عليها.
فصل [4 - الأب يخرج إلى بلد آخر ويريد أخذ الطفل معه]:
إذا أراد الأب الخروج إلى بلد آخر وأراد أخذ الطفل معه، فإن كان لحاجة أو تجارة فليس له أخذه معه 6 لأن كونه مع أمه أصلح وأحوط عليه، وإن كان لنقلةٍ
عنه وإقامةٍ بغيره فله أخذه والانتقال به 1، ولا مقال للأم لأن كونه مع أبيه على هذا الوجه أحفظ له.
فصل [5 - انتقال الحضانة من الأم إلى أمها]:
إذا انتقلت الحضانة عن الأم بموتها أو بتزويجها أو بعجزها فإنها تنتقل إلى أمها وهي جدة الطفل 2 إن كانت غير ذات زوج إلا أن يكون الزوج جد الصبي فلا يسقط حق الجدة من الحضانة لأن جده لا يضجر به ولا يؤدي كونه معها إلى تقصير في حق الطفل، والأجنبي بخلاف ذلك ثم من بعد أم الأم إلى الخالة، فإن لم يكن من جهة الأم أحد انتقلت إلى جهة الأب، فكانت أم الأب وأخته وهي عمة الصبي، وكذلك أخوات الصبي يثبت لهن حق الحضانة لإشفاقهن عليه وقُدِّم قرابة الأم على قرابات الأب كما قدمت الأم على الأب وقدمت الجدة على الخالة لأنها أقرب وهي والدة وكذلك قدمت 3 أم الأب على العمة لأنها والدة.
فصل [6 - في ترتيب حق الحضانة]:
واختلف إذا انتقلت الحضانة عن جهة الأم أيهما أولى الأب أو قراباته، فإذا قلنا: إن الأب أولى فلأن به يدلون فالأصل أولى، وإذا قلنا: إنهن أولى فلأنهن وإن كن يدلين به فهن أرفق بالصبي وألطف تأتيًا له في مصالحه وتعهده، ولأن الأب لا يمكن أن يحفظه بنفسه لأن ذلك لا يليه الرجال بنفوسهم وإنما يستنيبون غيرهم من النساء فكان النساء أولى 4.
فصل [7 - في انتقال الحضانة إلى عصبة الطفل]:
فإن لم يكن أحد 1 من قرابات الأم ولا الأب كان حق الحضانة منتقلًا إلى عصبة الطفل لأن إضاعته غير جائزة، وقد لزمهم بحكم القرابة حفظه ومراعاته كما يثبت لهم حق في ميراثه وعليهم في العقل عنه.
...
باب [في استبراء الأَمَة]
ومن ملك أمَة يوطأ مثلها حاملًا من غيره بأي وجه ملكها فلا يجوز له وطؤها ولا التلذذ بشيء 1 منها حتى تضع، وإن كانت حائلًا حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو بثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض وإن ارتفعت حيضتها وارتاب لذلك فتسعة أشهر، وليس عليه استبراء من لا يوطأ مثلها ولا من يعلم براءة رحمها بأن كانت في حيازته فحاضت عنده 2.
وإنما قلنا ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض" 3، وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره" 4.
وإنما قلنا: إنه لا يتلذذ بشيء منها لأن كل معنى يمنع استباحة الوطء منع التلذذ بما دونه إذا كان لحق الغير أصله الأجنبية.
وإنما قلنا: إن حيضة واحدة تكفي لأنها تدل على براءة الرحم في الغالب ولا يتعلق بها عبادة كالعدة.
وإنما قلنا: إن كانت لا تحيض فثلاثة أشهر خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 1 في قولهما أنها تستبرأ بشهر لأن كل من عدم منها الحيض وخيف من جهتها الحمل فلا يجوز وطؤها قبل ثلاثة أشهر أصله المعتدة، ولأن بالشهر الواحد لا يتبين أمارة الحمل لأن أقل ما يتبين فيه ثلاثة أشهر.
وإنما قلنا: إذا ارتابت بارتفاع الحيض جلست تسعة أشهر لأنها الغالب من مدة الحمل والبراءة تقع بها في الغالب.
وإنما قلنا: إن من لا يوطأ مثلها للصغر أو للهرم فلا يلزم استبراؤها خلافًا للشافعي 2 لأن العلم البت 3 حاصل ببراءة رحمها فلم يحتج إلى استبراء كوضع الحمل.
وإنما قلنا: إن من هي في حيازته لا استبراء عليه لأنه عالم ببراءة رحمها قبل انتقال الملك فلا حاجة به إلى تجديده.
فصل [1 - استبراء الأمَة قبل بيعها]:
ولا يجوز لمن وطيء أمَة أن يبيعها قبل استبرائها لأنه لا يأمن أن يكون رحمها مشغولًا بمائه فيكون بائعًا لولده ولأم ولده، ولا يجوز للمشتري أن يطأها حتى يستبريها لما ذكرناه، فإن اتفقا على استبراء واحد جاز لأن الغرض الذي له يراد يحصل وهو العلم ببراءة الرحم 4.
فصل [2 - حرمة الوطء والتلذذ بالأمَة في عدتها من طلاق أو وفاة]:
ولا يجوز لمبتاع أمَة في عدة من طلاق أو وفاة أن يطأها أو يقبلها أو يتلذذ بشيء منها حتى تخرج من عدتها لأنه لما لم يجز نكاحها في هذه الحال لم يجز وطؤها بالملك كما لو كانت تحت زوج 5.
باب: في الرضاع
1 الأصل في التحريم بالرضاع 2 في الأعيان المحرمات قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 3، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" 4، وقوله: "إنما الرضاعة من المجاعة" 5 ولإجماع 6 الأمَة على ذلك 7. فصل [1 - القدر المحرِّم من الرضاع وشرطه]: وإذا وصل إلى جوف الرضيع شيء من لبن المرأة برضاع أو وجور 8 أو ما يعلم وصوله إلى الجوف من سعوط 9 أو حقنة في مدة الحولين فقط دون زيادة عليهما 10 في رواية ذكرها محمَّد بن عبد الحكم أو زيادة يسيرة في رواية أبيه 11
أو بزيادة الشهر ونحوه في رواية عبد الملك أو الشهرين في رواية ابن القاسم من ذات لبن من ولادة من حلال أو حرام أو من درور من غير الولادة من صغيرة أو يائسة أو حية أو ميتة منفردًا بنفسه أو مختلطًا بما لم يستهلك فيه، فإنه يحرم ويصير به المرضع ابنًا للمرضعة يحرم به نكاحها ولا عدة 1 عليها، وتنتشر به الحرمة بينه وبين من له اللبن، ولا يجوز له إن كانت أنثى نكاحها ولا نكاح من لو كان ابنها من النسب 2 لحرم عليه 3. فصل [2 - وجه تحريم الرضاع بالقليل من اللبن]: وإنما قلنا: إن تحريم الرضاع يقع بالقليل من اللبن من غير حد خلافًا للشافعي في قوله: لا يحرم إلا خمس رضعات 4، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 5 فأطلق، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الرضاعة من المجاعة" 6، وقوله: "إنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم" 7، وهذا يحصل للقليل بقسطه كما يحصل للكثير بقسطه، وقوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" 8، وقد ثبت أن التحريم بالنسب لا يفتقر إلى عدد 9 من الولادة، وكذلك الرضاع، ولأن كل معنى أوجب حرمة مؤبدة
فالمعتبر وجوده من غير عدد كالعقد والوطء واعتبارًا بالخمس بقلة الارتضاع من أدمية في مدة الحولين قبل الاستغناء بالطعام.
فصل [3 - في أن الوجور يحرم]:
وإنما قلنا: إن الوجور يحرم خلافًا لداود 1 لأن الرضاع عبارة عن وصول اللبن إلى جوف الطفل على وجه التغذية وأحوال الأطفال تختلف، فمنهم من يلتقم الثدي، ومنهم من لم يلتقمه فيوجر بالمسعطة، ومنهم من يوجر بالثدي نفسه، وكل ذلك رضاع واعتبارًا بوصوله إلى جوفه بالتقام الثدي.
فصل [4 - التحريم بالسعوط]:
فأما السعوط قال ابن القاسم: إن وصل إلى الجوف حرم وأطلق ابن حبيب أنه يحرم وهو قول الشافعي 2، وقال غيره: أنه لا يحرم، وليس يقول لأحد من أصحابنا: إنه إن علم وصوله إلى الجوف لم يحرم لأن وصول اللبن إلى الجوف في مدة الحولين والحاجة إلى التغذية به يوجب 3 التحريم كالارتضاع، وقول ابن القاسم أصح من اعتبار الإطلاق، ولأن الاعتبار في الرضاع بما يقع الاغتذاء به، ولأن اللبن إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه على ظاهر 4 البدن.
فصل [5 - التحريم بالحقنة]:
فأما الحقنة فأطلق ابن حبيب التحريم بها وعلق ابن القاسم الجواب فيها بالعلم بوصول اللبن إلى الجوف وهذا هو الصحيح إن أمكن ذلك ويبعد أن يصل إلى موضع يحصل به الغذاء والله أعلم.
فصل [6 - الرضاعة المحرمة التي تكون في الحولين]:
وإنما شرطنا أن يكون في الحولين خلافًا لمن قال: إن رضاعة الكبير تحرم 1، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 2، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الرضاعة من المجاعة" 3 وقوله: "لا رضاع إلا بما فتق الأمعاء" 4، وقوله: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم" 5، وكل ذلك منتف عن رضاعة الكبير.
فصل [7 - في عدم مراعاة ما زاد على الحولين]:
ووجه قوله: إنه لا يراعى زيادة على الحولين بوجه قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 6، فدل على أن ما زاد عليها ليس من الرضاعة المعتبرة، ولأنه رضاع بعد حولين أصله بعد ستة أشهر، ولأن ذلك حسم للباب: وإن لا لم يكن بعض المدة الزائدة بأولى من بعض.
فصل [8 - في وجه تجويز الزيادة اليسيرة]:
ووجه تجوز الزيادة اليسيرة أن ذلك في حكم الحولين لأن المرضع قد لا يستغنى بالطعام لضعف قوته عن الاغتذاء بغيره، فكان ما قاربها في حكمها لهذا المعنى وليس لما قدر بشهر أو شهرين دليل يتحرز.
فصل [9 - إذا فصل في الحولين واستغنى عن اللبن بالطعام]:
إذا فصل في الحولين واستغنى عن اللبن 1 بالطعام لم يحرم ما ارتضع في الحولين 2 بعد ذلك 3 خلافًا للشافعي 4 وابن حبيب لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الرضاعة من المجاعة" 5، وسائر الأخبار، ولأنه مستغنى بالطعام أصله بعد الحولين.
فصل [10 - التسوية بين اللبن إذا كان حادثًا عن وطء حلال أو حرام]:
وإنما سوينا في ذلك بين أن يكون اللبن حادثًا عن وطء حلال أو حرام لعموم الظواهر والأخبار، ولأن الاعتبار بوقوع الغذاء به وذلك يستويان فيه.
فصل [11 - التسوية بين درور اللبن من الموطوءة وغيرها]:
وإنما سوينا بين درور اللبن ممن لم توطأ وبين الموطوءة واليائسة والحادث عن وطء لما ذكرناه من العموم، وللمعنى المعتبر وهو حصول الغذاء به.
فصل [12 - التسوية بين لبن الحية ولبن الميتة]:
وإنما سوينا بين لبن الحية والميتة خلافًا للشافعي 6، لعموم الظواهر والأخبار، ولأنه مؤثر في التحريم وصل إلى جوف المرضع في مدة الرضاع وحاجته إلى الاغتذاء به، فوجب أن ينشر الحرمة أصله اللبن الذي يؤخذ 7 منها حال الحياة.
فصل [13 - إذا اختلط اللبن بما لم يستهلك فيه]:
وإنما قلنا: إنه يحرم وإن اختلط بما لم يستهلك فيه لأن الغلبة للبن، ولأن الغذاء يحصل به، فأما إذا استهلك فيما خالطه من ماء أو مائع أو دواء أو طعام، فعند ابن القاسم أن التحريم لا يقع به وهو قول أبي حنيفة 1، وعند ابن حبيب وذكره عن جماعة من أصحابنا أنه يحرم وهو قول الشافعي 2.
فوجه قول ابن القاسم أن استهلاكه يبطل حكمه بدليل أن الحالف لا يشرب لبنًا لا يحنث لشربه، ولأن تعليق التحريم باللبن كتعليق وجوب الحد بشرب الخمر ثم قد ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء بأنه لا يتعلق بشربه حد فكذلك اللبن.
ووجه قول ابن حبيب أن اختلاط اللبن بغيره لا ينفى حكمه كما لو لم يستهلك فيه، ولأن الغذاء يحصل للطفل بالمختلط كله.
فصل [14 - تحريم تزوج المرضعة بمن أرضعته]:
وإنما قلنا: إنه يحرم على المرضعة التزوج بمن أرضعته وعلى من له اللبن أن يتزوج الأنثى التي أرضعت 3 من لبنه لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 4، وقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 5، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" 6، فإذا أرضعت المرأة صبيًّا حرمت هي عليه وكل من ولدته قبل الذي ارتضع من لبنها أو بعده لأنهن أخواته، وتحرم عليه أخت المرضعة لأنها خالته، وأخت الزوج الذي
له اللبن لأنها عمته، وبناته لأنهن إخوانه من أبيه، وقس على هذا كل ما يرد عليك من التحريم على ما يحرم من النسب، ولا يحرم على أخي المرتضع بنات المرضعة لأنهن لسن بأخوات له، وإنما هن أخوات أخيه.
فصل [15 - لبن الفحل]:
ولبن الفحل يحرم ويتصور مع افتراق الأمَيْن: كرجل له امرأتان ترضع إحداهما صبيًّا والأخرى صبية فيحرم أحدهما على الآخر لأنهما أخوان للأب 1 ومن الناس من ذهب إلى أن لبن الفحل لا يحرم 2، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" 3، وحديث عائشة رضي الله عنها لما أبت أن تأذن 4 لعمها من الرضاعة وقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه عمك فليلج عليك" 5، ولأنهما يشتركان في اللبن، ولأنه أحد الأبوين فلم يعتبر اجتماعهما فيه، ولأنه تحريم يثبت بالنسب فثبت بالرضاع كتحريم الأمومة.
فصل [16 - سفر المرضعة مع من أرضعته]:
وتسافر المرضعة مع من أرضعته لأنه ذو 6 محرم لها كالابن من الولادة 7.
فصل [17 - حكم إرضاع المطلقة بعد دخولها بزوج ثان من اللبن الأول]:
وإذا أرضعت المرأة صبيًّا بعد أن طلقت وتزوجت فوطئها الزوج الثاني واللبن متصل غير منقطع كان ابنًا للزوجين لأن اللبن لهما، فإن انقطع اللبن الأول ثم حدث لبن ثان كانت الحرمة للثاني دون الأول لانفراده باللبن 1، والله أعلم.
(آخر كتاب النكاح والحمد لله كثيرًا) 2.
...