المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 877-916
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به

صفحات 877-916
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فصل [4 - عدم اشتراط موافقة رأي الحكمين رأي قاضي البلد]: وإنما قلنا: لا فرق بين أن يوافق رأي قاضي البلد أو يخالفه، لأن الاجتهاد مطلق لهما والأمر بفعل ما يريان الصلاح فيه متوجه إليهما وهما ممنوعان من تقليد غيرهما، فقد يوافق رأيهما مذهب قاضي البلد، وقد يخالفه فلم يكن بذلك اعتبار.


باب: [في تمليك المرأة طلاقها]

إذا ملَّك الرجل امرأته طلاقها جاز لأنه قد وكلها بذلك والتوكيل في الطلاق جائز، ولفظه أن يقول: قد ملكتك أمرك أو طلاقك أو أمرك بيدك أو ما أشبه هذه الألفاظ، ثم لا يخلو أن تجيب في المجلس أو تمسك فلا تجيب، فإن لم تجب وقد أمكنت من الجواب حتى افترقا ففيها روايتان 1: إحداهما بطلان تمليكها، والأخرى ثبوته وإنه لا يقطعه إلا إيقافها أو تمكينها إياه من نفسها، فوجه الأولى أنه إيجاب 2 يقتضي قبولًا، فإذا لم يحصل الجواب في الحال بطل كلفظ الإيجاب في البيع والنكاح، ووجه الثانية اعتباره بإعتاق الأمَة تحت العبد لأنه جعل طلاقها بيدها.
فصل [1 - إجابة المرأة على تمليك الرجل لها]: وإن أجابت لم يخل أن يكون صريحًا بقبول أو رد أو مبهمًا، فإن كان مبهمًا لم يضرها إن قامت من المجلس ولم تفسره وأخذت بتفسيره فيما بعد، وإنما قلنا ذلك لأن الجواب قد حصل منها، وإن كان مجملًا فلم يجعل كعدمه، وإن كان مفسرًا عمل على ما يوجب 3 من قبول أو رد، وإنما قلنا ذلك لأنه قد جعل لها أن تملك فصار ذلك حقًّا لها، فكان لها استيفاؤه أو إسقاطه، فألفاظ القبول أن تقول: قد قبلت طلاقي أو قبلت نفسي أو طلقت نفسي أو ما أشبه ذلك، فهذا كله صريح في القضاء بالطلاق ثم ينظر، فإن كان في هذه الألفاظ التي تقضي بها ما لا يحتمل إلا الثلاث أو ما يحتمل الثلاث وما دونها فله مناكرتها إن ادعى أنه

لم يرد بالتمليك إلا واحدة، وإنما يكون له ذلك بثلاثة شروط وهي: أن يزعم أنه نوى ذلك عند التمليك، وأن يكون تمليكه إياها ابتداء طائعًا من غير شرط، وأن يناكر في الحال فمتى انخرم من هذه الشروط شيء لم تكن له المناكرة وجاز عليه ما قضته، وإنما شرطنا أن يكون نوى ما يدعيه عند التمليك لأن ظاهر تمليكه يوجب أنه ملَّكها جميع ما بيده، وإذا ادعى ما يخالف ذلك لم يقبل منه إلا أن يكون ذلك في الحال، وإنما قبلنا دعواه لأن الطلاق بيده فلا يخرج عنه إلا ما أقر أنه أراد تمليكها يحتمل ما قاله، وإنما شرطنا أن يكون ذلك في الحال لأن إمساكه عنها دلالة على رضاه بما قضت واعتراف منه لأنه لو كان بخلاف ذلك لبادر بالإنكار ولم يتوقف، وإنما شرطنا أن يكون تمليكه لها طوعًا لا عن شرط لأنه إذا كان شرط فالغرض منه تمليك ما تزول به العصمة لا نقصان عدد الطلاق وبقاء العصمة لا يحصل هذا، وذلك كالعوض في الخلع أن المقصود منه زوال العصمة، وإلا لم يستفد بالعوض شيئًا، وإذا كان ابتدأ فلم يستحق عليه في مقابلته ما يقتضي نوعًا منه دون غيره، وألفاظ الرد أن تقول: قد قبلت أمري أو قبلت ما ملكتني أو رضيت أمري أو ما أشبه هذا، فهذا يحتمل الأمر الذي هو البقاء على الزوجية والأمر الذي هو الفراق فأي الأمرين فسرت به مرادها قبل منها 1. فصل 2 [2 - في تخيير الزوجة]: والتخيير على ضربين: تخيير في أعداد الطلاق، وتخيير في النفس، فالأول مثل أن يقول: اختاريني أو اختاري طلقة أو طلقتين فيكون على ما قاله، ولا يكون لها اختيار زيادة على ما جعل لها، والثاني مثل أن يقول اختاريني أو اختاري نفسك، وذلك عندنا عبارة عن اختيار ما تنقطع به العصمة فلا يكون في المدخول بها بأقل من ثلاث، فإن اختارت كان ذلك لها لجعله ذلك إليها

وتمليكها إياه، وإن اختارت دون الثلاث لم يكن ذلك إبطالًا لحقها ولم يلزمه 1 طلاق أصلًا لا ما اختارته ولا ما جعله إليها، هذا قول مالك، وقال عبد الملك: إذا اختارت ما دون الثلاث كان ذلك اختيار منها للثلاث وتبين منه 2. فوجه قول مالك: أنها اختارت ما لم يجعل إليها اختياره دون ما جعل لها فلم تكن بذلك مختارة لما جعل لها اختياره أصله لو اختارت شيئًا يخالف ما هما فيه، فلا خلاف أن ذلك قطع لخيارها.
ووجه قول عبد الملك: أن اختيار التبعيض فيما لا يتبعض اختيارًا له بكماله، فإذا ثبت هذا فإنما قلنا: أن الخيار في النفس يقتضي زوال العصمة لأن مفهومه اختيار البقاء على الزوجية أو الانفكاك عنها، لأن لفظه بنفي الاشتراك بينه وبينها 3، فإذا اختارت واحدة أو اثنتين، فلم تختر نفسها لأنها قد أبقت له سبيلًا عليها ولم تختره لأنها قد ثلمت عقد الزوجية والتمليك بخلاف ذلك، لأنه تمليك لإيقاع طلاق مجمل لا يقتضي زوال عصمة ولا بقائها، فإن كان مدخولًا بها فقد ذكرنا حكمها، وإن كانت غير مدخول بها فقضت بالثلاث فله مناكرتها، لأن الغرض الذي هو زوال العصمة يحصل بالواحدة بخلاف المدخول بها.
فصل [3 - المملكة والمخيرة ترد ما جعل إليها]: إذا ردَّت الممَّلكة والمخيرة ما جعل إليها، فهي على ما كانت من الزوجية ولا يلزمه شيء خلافًا لمن ذهب إلى 4 أنه يلزمه واحدة رجعية 5 لقول عائشة

  • رضي الله عنه -: خيَّرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه 1، فلم يعد ذلك طلاقًا، ولأن قوله: اختاريني أو اختاري نفسك فائدته أن اختيارها لنفسها ضد اختيارها له، فإذا كان اختيارها نفسها فراقًا كان اختيارها له بقاء على الزوجية.
    ...

باب: [في الإيلاء]

الإيلاء في اللغة: الحلف، يقال: ألى يولي إيلاء وإلية 1، والإيلاء الشرعي هو: الحلف بيمين 2 يلزم بالحنث فيها حكم على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر حرة كانت أو أَمَة مسلمة كانت أو كتابية 3، فإن ترك الوطء بغير يمين غير مضار أو يمين لا يلزمه بها حكمًا أو حلف بيمين يلزمه الحنث فيها حكم، ولكن على ترك وطء أَمَة أو مدة أربعة أشهر، فدونها فليس ذلك بإيلاء شرعي، واليمين في الإيلاء أن يحلف بالله أو بصفة من صفات ذاته أو بنذر صلاة أو حج أو صوم أو مشي أو صدقة أو عتق أو بطلان غير المولي منها، فإن كان رجعيًّا لزمه وَفْيَه بالوطيء ويحنث بأول الإيلاج ينوي الارتجاع ويتم الوطء، وإن كان ثلاثًا عند مالك يلزمه الإيلاء ويمكن منها، فإذا ابتدأ الإيلاج نزع وحرمت عليه، فلم تحل له إلا بعد زوج.
وعند عبد الملك لا يمكَّن وتطلق عليه ولا يلزمه إيلاء بيمين لا يلحقه ضرر 4 بالحنث فيها كقوله: والنبي والكعبة وما أشبه ذلك ويضرب للمولي أجلًا أربعة أشهر للحر وشهران للعبد من يوم حلف ويمكن فيه منها، فإن فاء وإلا وقف بعد انقضائها، فإما فاء وإما طلق: فإن فاء فهي امرأته وإن أبي فاختارت فراقه أمر بالفراق، فإن طلق وإلا طلق عليه، وله الرجعة إن فاء في العدة ويعتبر صحتها بالوطء، فإن وطيء فيها وإلا لم تصح وبانت منه بانقضاء العدة إلا أن يكون له

عذر في امتناعه، ومن ترك الوطء مضارًا، وعرف ذلك منه وطالت المدة به كان حكمه حكم المولي، وقيل: يفرق بينهما من غير ضرب أجل، ولا إيلاء في ملك اليمين ولا تطلق عليه بمضي المدة إلا بأن يوقف فيمتنع فيكون الحكم على ما ذكرناه 1. فصل [1 - في أدلة شروط الإيلاء]: وإنما شرطنا في الإيلاء أن يترك الوطء بيمين لما بيناه من أن الإيلاء الحلف في اللغة، وقد قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ 2، وإنما شرطنا في الإيلاء أن يكون بيمين يلزمه بالحنث 3 فيها حكم لأن اليمين التي لا يتعلق بالحنث فيها حكم ولا ضرر ولا غرم ووجودها وعدمها سواء، فكان الحالف بها كالممتنع بغير يمين، ولا خلاف أن اليمين بالله وصفات ذاته يتعلق بها الإيلاء، وأما الحلف بغيرها فيلزم عندنا خلافًا للشافعي في قوله: إنه لا يكون موليًّا إلا إذا حلف بالله فقط 4 لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 5 فعم، ولأنه يمين يلحق الضرر بالحنث فيها أو يلزمه حكم بذلك كاليمين بالله.
فصل [3 - اشتراط الحلف على ترك وطء زوجته في الإيلاء]: وإنما شرطنا: أن يحلف على ترك وطء زوجته لأن الإيلاء حلف على الامتناع من وطء من لها حق في الوطء مضارًا بذلك، والأَمَة لا حق لها في الوطء فلا يكون مضارًا بها إذا حلف على ترك وطئها، وإنما سوينا بين الزوجات في ذلك لتساويهن وإن لكلهن 6 حقًّا في الوطء.

فصل [3 - اعتبار الإيلاء بالحلف بغير الله وصفاته]: وإنما قلنا: إنه يكون موليًا بحلفه بطلاق غيرها لأنها يمين يلحقه 1 الضرر بالحنث فيها، ووجه قول مالك: إنه يكون موليًا إذا حلف بطلاقها ثلاثًا أنه حلف 2 على ترك وطئها بيمين يلزمه بالحنث فيه حكم كالحالف بطلاق غيرها، ولأنه معنى يحرم وطئها عليه فجاز إذا حلف به أن يكون موليًا أصله الظهار، ووجه قول عبد الملك ما احتج به له وهو قوله: إنه لا يمكنه الفيء إلا بالحنث ولا يصل إلى الحلال منه إلا بالحرام وذلك ممنوع، وإذا لم يمكن الفيء وجب الفراق ولا معنى مع ذلك لضرب الأجل لأن ما لم يراد مقتدر، فأما إذا كان الطلاق رجعيًّا فيصل إلى الفيء وعلى وجه جائز، فإن نوى الارتجاع مع الإيلاء فيكون جميع الوطء حلالًا.
فصل [4 - في ضرب أجل أربعة أشهر للمولى]: وإنما قلنا: إنه يضرب له أجل 3 أربعة أشهر لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ 4، وإنما قلنا: إن أجل العبد شهران خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5، لأنه معنى يتعلق به حكم البينونة فوجب نقصانه فيه عن الحر أصله الطلاق.
فصل [5 - بداية أجل الإيلاء]: وإنما قلنا: إن الأجل من يوم حلفه لأنه من ذلك الوقت صار موليًا ومعتقدًا الإضرار بالمرأة بالحلف على ترك حقها، وإنما قلنا: إنه يمكَّن منها في الأجل لأنه مضروب له فلا يمنع مما يؤدي إلى إزالة الضرر الذي هو مأخوذ بإزالته إلا أن هذا

الفيىء لا توجبه عليه بعد انقضاء الأجل لأن الأجل مضروب له، فإن فاء في الأجل حنث وزال حكم الإيلاء عنه، وإن انقضى ولم يف طولب بذلك فيما بعد، وإنما لم نوجب عليه الفيىء في المدة وأخذناه به بعدها خلافًا لأبي بحنيفة في قوله: إن المدة مضروبة ليفيء فيها أو تبين منه بانقضائها 1، لأنه حق له بدليل قوله تعالى 2: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ 3 فأضافها إلى المولي وجعلها حقًّا له وجعل الفيء حقًّا عليه للمرأة، وما كان حقًّا للإنسان فلا يكون محلًا لحق عليه بدليل أن الآجال في الديون لما كانت حقًّا لمن عليه الدين لم تكن محلًا للدين الذي عليه.
فصل [6 - في أنها لا تطلق بعد مضي الأجل]: وإنما قلنا: لا تطلق بمضي الأجل خلافًا لأبي حنيفة 4 لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ 5 فجعل له الفيىء بعد المدة، وذلك يتضمن بقاء الزوجة، ولأنه تعالى جعل الفيىء والطلاق متعلقين لفعله لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا ... وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ 6، ولأنهما يمين بالله فلم يلزمه بها الطلاق أصله إذا حلف على أقل من أربعة أشهر، ولأنها مدة ضربت بالشرع لم يتقدمها فرقة فلم يكن مضيها بينونة أصله من العنة.
فصل [7 - إذا مضى الأجل يؤخذ المولى بالفيئ أو الطلاق]: وإنما قلنا: إنه يؤخذ بعد مضي الأجل بالفيئ أو الطلاق لقوله تعالى: {فَإِنَّ

فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} 1، ولأنه مأخوذ بإزالة الضرر عنها، فإن فاؤوا فلا إزالة بالطلاق إذا طالبت به، فإن طلق وإلا طلق الحاكم عليه، خلافًا للشافعي في قوله: أنه لا يطلق عليه ولكن يحبس ويضيق عليه حتى يطلق بنفسه 2، لأنه طلاق مستحق عليه لإزالة الضرر، فجاز أن يليه الحاكم عند امتناعه منه أصله طلاق المعسر بالنفقة.
فصل [8 - في أن طلاق المولى يكون رجعيًّا]: وإنما قلنا: إن الطلاق يكون رجعيًّا إن لم يطلق هو ثلاثًا أو يكمل به عدد الثلاث خلافًا لأبي ثور في قوله: أن الطلاق يقع بائنًا 3 لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ 4، ولأنه طلاق مجرد صادف اعتدادًا قبل استيفاء العدد، فوجب أن يكون رجعيًّا أصله غير المولى.
فصل [9 - في كون الرجعة معتبرة في الإيلاء]: وإنما قلنا: إن الرجعة لا تقع منبرمة لأن كل طلاق وقع لأجل ضرر، فالرجعة فيه معتبرة بزوال ذلك الضرر، فإن زال الضرر صحت وصار كطلاق المبتدأة، وإن لم يزل لم تصح لأنها لو صحت لم ينفع الطلاق شيئًا فاحتيج إلى أن يطلق عليه ثانيًا والطلاق الأول كاف.
فصل [10 - فيما إذا لم تصح الرجعة]: وإنما قلنا: إن الرجعة إذا لم تصح بانت منه ولم يحتج إلى ضرب أجل ثان

خلافًا للشافعي 1، لأنها مدة ضربت لإزالة ضرر بترك الوطء فلم تضرب ثانية كأجل العنين 2. فصل [11 - فيمن ترك الوطء مضارًا دون يمين]: وإنما قلنا إذا ترك الوطء مضارًا وطال ذلك منه كان له حكم المولي، لأن الإضرار بها موجود لا طريق إلى إزالته إلا بضرب الأجل، فكان كالحالف، ووجه القول أنه لا يضرب له أجل وتطلق عليه، لأن الأجل للحالف وهذا غير حالف.
فصل [12 - في تصديقه إذا كان له عذر في ترك الوطء]: وإنما قلنا: إنه يصدق إذا كان له عذر من مرض أو حبس أو غيره لأن الظاهر أن ترك الوطء لأجله، وإنما يحمل على الإضرار إذا لم يكن له ما يحمل عليه غيره وتصديق ذلك أن يكفر عن يمينه أو يلتزم ما يلتزمه الحانث، فإن لم يفعل عرف كذبه والله أعلم.
...

باب: [الظهار]

الظهار 1 محرم 2 لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ 3، ففيها على تحريمه أدلة: أحدها إكذابهم في تشبيههم الزوجة بالأم، والأخرى إخباره بأنه قول منكر وزور، والثالث إخباره بأنه تعالى يعفو ويغفر 4. فصل [1 - في حقيقة الظهار]: حقيقة 5 الظهار تشبيه المرأة المحللة له بظهر 6 من تحرم عليه، وصريحه أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي، وهو الذي ورد الظاهر به ثم يجري غيره مجراه في كونه ظهارًا، وتعلق الأحكام به فكان من تظاهر بمحرمة عليه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مهر، فإنه مظاهر مثل أن يقول: أنت عليَّ كظهر أبي أو ابنتي أو أختي أو سائر ما يحرم عليه من القرابات من نسب أو رضاع أو امرأة أبيه

أو ابن أو أم أو أم زوجته أو بنتها وقد دخل بالأم، ولا فرق بين الظهر وغيره من الأعضاء ولا بين تشبيه الجملة بالجملة أو البعض بالبعض أو البعض بالجملة من أي الطرفين كان: والجملة بالجملة أن يقول: أنت عليّ كأمي أو مثل أمي، والبعض بالبعض مثل أن يقول: فرجك عليّ كظهر أمي وما أشبه ذلك.
والبعض بالجملة أو الجملة بالبعض كقوله: أنت عليّ كظهر أمي أو فرجك عليّ كأمي، فأما التي لا تحرم بالتأبيد كالجارة وسائر الأجنبيات، فإنه ظهار عند مالك وطلاق عند عبد الملك، ويلزم الظهار فيمن تحل بالملك من أمته أو أم ولده 1. فصل [2 - لزوم الظهار في ذوات المحارم بالنسب والرضاع]: وإنما قلنا: إن الظهار في ذوات المحارم بالنسب والرضاع خلافًا للشافعي في أحد قوليه 2 فيما عدا الأمهات والجدات، لأن البنوة والأخوة نسب متأبد التحريم كالأمومة، وإنما سوينا بين الرضاع والصهر وبين النسب لأنه معنى يقتضي حرمة يوجب التحريم المؤبد كالنسب، وإنما سوينا بين الظهر وبين سائر الأعضاء في لحوق الظهار بتشبيهه بها خلافًا للشافعي في قوله: أن الظهار لا يلزم إلا في الظهر وحده 3، ولأبي حنيفة في قوله: أنه يلزم في كل عضو يحرم النظر إليه 4، لأنه عضو من ذات محرم منه شبَّه امرأته به كالظهر، وإنما لم نفرق بين التشبيه من أي الطرفين كان لأن المعنى حاصل وهو تشبيه الفرج المحلل بالفرج المحرم.

فصل [3 - إذا قال: أنت عليّ كأمي أو كمثل أمي يكون مظاهرًا]: وإنما قلنا: إنه إذا قال: أنت عليَّ كأمي أو مثل أمي، فإنه ظهار نوى أو لم ينو، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أنه إذا لم ينو الظهار حمل على البر والكرامة 1 لأنه إذا أطلق تشبيه امرأته بأمه فلم ينفك من تحريم به كالنص على الظهر.
فأما الظهار من الأجنبية فوجه قول مالك في ثبوته إنه شبه امرأته بظهر محرمة عليه كالأم، ووجه كونه طلاقًا أن الظهار يتعلق بتحريم مؤبد، وذلك منتف في الأجنبية والتشبيه بها 2 يقتضي أن تحرم كتحريمها، وليس ذلك إلا برفع عقد الاستباحة وذلك لا يكون إلا بالطلاق.
وإنما قلنا: إن الظهار يلزم في مالك اليمين خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3 لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 4 فعم، ولأنه فرج محلل له فصح ظهاره منه كالزوجة.
فصل [4 - الظهار في الأجنبية]: يلزم عقد الظهار في الأجنبية بشرط التزويج عم أو خص بخلاف الطلاق الذي لا يلزم عمومه ويلزم خصوصه 5، فأما لزومه بشرط العقد فلأنه معنى يحرم الوطء كالطلاق، وأما جواز عمومه فلأنه لا يسد على نفسه استباحة البضع بذلك الجنس بخلاف الطلاق.

فصل [5 - متى تجب كفارة الظهار]: ولا تجب الكفارة بنفس التظهر دون العقد 1 خلافًا لما يحكى عن مجاهد 2 لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 3، فعلق الوجوب بشرط زائد وهو العود، ولأن الظهار يمين فلا تجب الكفارة إلا بالمخالفة، والعود فيها هو الحنث كسائر الأيمان المخالفة هي الحنث.
فصل [6 - معنى العود للمظاهر]: الظاهر من مذهبنا أن العود هو العزم على الوطء فقط، وقيل: العزم على الوطء والإمساك، وقيل: هو الوطء نفسه 4، وقال الشافعي: هو أن يمكنه أن يطلق فلا يفعل 5، وقال داود: هو تكرار القول وإعادته 6. ودليلنا أن العود هو المخالفة وذلك إنما يكون بالعزم على الوطء لأن الظهار إنما يقصد به تحريم الوطء دون العقد، فإذا حصل ذلك فقد وجدت المخالفة، ووجه القول بأنه الوطء أن مقتضى الظهار تحريم الوطء والعود هو الإقدام عليه دون العزم لأن الإقدام هو مخالفة الكف والامتناع.

ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ 1، وثم للتراخي، فيجب أن يكون ذلك من صفات العود، وفي القول بأنه الإمساك عقيب الظهار إيجاب اتصاله به وذلك خلاف الظاهر، ولأن العود 2 لو كان هو الإمساك لم ينتف بالطلاق الرجعي لأنه 3 لا ينفي الإمساك.
ودليلنا على داود أن العود هو بالمخالفة لأنه سبب وجود 4 الكفارة كالحنث في اليمين، ولأنها كفارة تتعلق بفعل من جهته فلم يفتقر إلى تكراره أصله كفارة القتل.
فصل [7 - تحريم الوطء وجميع أنواع الاستمتاع بالظهار]: الظهار يحرم الوطء وجميع أنواع الاستمتاع: من الوطء فيما دون الفرج والقُبْلة واللمس للذة 5، خلافًا للشافعي في قوله: إنه لا يحرم إلا الوطء فقط 6، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 7 فعم، ولأنه استمتاع كالوطء.
فصل [8 - كفارة الظهار]: إذا ثبت أن الكفارة تجب بالعود فهي ثلاثة أنواع: إعتاق وصيام وإطعام، وهي على الترتيب دون التخيير، والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ .. إلى قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ

سِتِّينَ مِسْكِينًا} 1، وكذلك في حديث أوس بن الصامت 2 وسلمة بن صخر 3) 4، ولا خلاف فيه 5. فصل [9 - في الرقبة المعتقة في كفارة الظهار]: فأما الإعتاق فلا يجزي فيه إلا تحرير رقبة مؤمنة ليس فيها شرك 6 ولا عقد عتق من تدبير أو استيلاد أو كتابة أو قرابة تستحق العتق بنفس الملك، وقد دللنا على هذا كله في كفارة الأيمان 7 بما يغنى عن رده، ولا تجزيء إلا سليمة من العيوب ولا يجزي أقطع اليدين ولا أشلهما لأنه عيب يمنع نوعًا من المنفعة بكماله كالجنون ولا يجزيء أقطع واحدة خلافًا لأبي حنيفة 8، لأنه عضو يقطع في السرقة، فكان فقده مانعًا من الإجزاء كاليدين، ولا يجزيء مقطوع الإبهامين من اليدين والرجلين، وكذلك الإبهام الواحدة لأن قوة الأصابع بالإبهام، فإذا

فقدت انحلت قوة بقية الأصابع وضعفت فأثر ذلك في ضعف التصرف ونقص 1 العمل، والأصبع الواحدة غير الإبهام مختلف فيه، فأما قطع الأنملة وطرف الأصبع، فإنه يسير لأنه لا يوقع نقصًا في المنافع بيِّنًا ولا يضر في منع التصرف إضرارًا شديدًا وأقطع الأذنين لا يجزيء لأنهما عضوان فيهما منفعة وهو حوش 2 الصوت إلى السمع ودفع الضرر عنه، ولأن في ذهابهما تشويهًا بالخلق.
فصل [10 - إذا كان العبد أعمى لا يجزي]: ولا يجزيء الأعمى لأن بذهاب البصر يصير في حكم الزَمِن الذي لا تمكنه الحركة ولا التصرف، واختلف في الأعور فقال مالك: يجزي لأن العين الواحدة تقوم له مقام العينين أو قريبًا منهما، فكان كمن بعينيه ضعف، وقال عبد الملك: لا يجزيء لأنه فقد ما يجب به شطر الدية كأقطع اليد.
واختلف في الأصم فإذا قيل: يجزئ فلأن ذهاب السمع لا يضر بالعمل ولا بالتصرف الإضرار الشديد، ولأن أكثر ما فيه صعوبة 3 فهمه بالكلام وذلك يوصل إليه بما يقوم مقامه من الإشارة، فهذا قيل: أنه لا يجزئ فلأنه نوع منفعة كاملة تضر بالعمل كالعمي وهو فرع النظر، والخرس يمنع الإجزاء 4 خلافًا للشافعي 5، وإن كان معه صمم فهو أبين لأن فقد الكلام يجري مجرى فقد البصر واليد والرجل لأنه يضر بعمله وينقص تصرفه ويصعب إفهامه ونقل رغبة الناس فيه والمجنون لا يجزئ، لأن فقد العقل أعظم من فقد جميع ما ذكرناه في انقطاع التصرف والعمل.

فصل [11 - في اشتراط التتابع في الصيام]: فأما اشتراطنا التتابع في الصيام فلقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ 1 وكذلك في حديث 2 أوس وسلمة بن صخر ولا خلاف فيه 3. فصل [12 - الإطعام في كفارة الظهار]: فأما الإطعام إذا لم يطق الصيام فله أن يطعم ستين مسكينًا مدًّا بمد هشام 4 وقد اختلف في مقداره، فقيل: مدان بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: أقل من مدين 5. فصل [13 - في عدد الإطعام]: وإنما شرطنا العدد للنص الوارد فيه والخبر، وقد ذكرناه في الأيمان 6، وإنما شرطنا مد هشام لأن ذلك غالب الشبع في العادة، ولأنها كفارة تنتقل من صيام إلى إطعام أبهمت في الظاهر فوجب الزيادة فيها على مد اعتبارًا بكفارة الأذى.
فصل [14 - منع الوطء قبل التكفير]: ولا يجوز أن يطأ 7 قبل التكفير 8 لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 9 فإن فعل فقد أثم ولا يلزمه أكثر من الكفارة خلافًا لمن حكي عنه أنه يلزمه

كفارة أخرى 1 لأنه وطيء بعد استقرار وجوب الكفارة عليه كالثاني والثالث.
فصل [15 - عدم سقوط الكفارة عمن وطء قبل التكفير]: ولا تسقط الكفارة عنه 2 خلافًا لمن حكي عنه 3 لحديث أوس لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه وطيء امرأته فأمره بالكفارة 4، ولأنه ليس في تقديم الوطء على الكفارة أكثر من ركوب الإثم والعود الموجب لها حاصل فلم يؤثر في سقوطها.
فصل [16 - الوطء في خلال كفارة الصيام أو الإطعام]: ولا يجوز أن يطأ في خلال الصيام أو الإطعام ليلًا ولا نهارًا، فإن فعل استأنف 5، خلافًا للشافعي 6، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 7، وهذا الشرط عائد إلى الجملة والإبعاض، ولأن كل زمان يمتنع 8 الوطء لإيقاع عبادة فيه، فإن ذلك الوطء يوجب استئنافه ولا يختلف بزمان الليل والنهار أصله الحج والصلاة، ولأنه وطء في الزمان الذي حرم عليه الوطء فيه بفعل الصيام عن ظهاره كالوطء نهارًا.

فصل [17 - في كفارة العبد في الظهار]: وكفارة العبد مثل كفارة الحر إلا أنه لا يصح منه التكفير بالإعتاق أذن له سيده أو لم يأذن له ويكفر بالصيام، فإن عجز عنه كفر بالإطعام إذا أذن له سيده عند ابن القاسم، وإن منعه منه انتظر القدرة على الصيام، وعند غيره لا يجزيه 1، وإنما قلنا: إن كفارته لا تنقص عن كفارة الحر لأنه لم يعتبر فيها الفضيلة وتأكد الحرمة كالطلاق والحدود واعتبارًا بكفارة الصيد واليمين، وإنما قلنا: إنه لا يصح أن يكفر بالعتق لأن الولاء لا يثبت له مع رقه ولا يرجع إليه إن عتق ولا يصح الإعتاق إلا لمن يثبت له الولاء، وإنما قلنا: إنه يكفر بالصيام لأنه عاجز عن الإعتاق فكان فرضه الصيام، ووجه تجويز الإطعام اعتباره بالحر، ولأنه يملكه من جميع وجوهه بخلاف الإعتاق، ووجه منعه فلأنه ليس من أهل الأملاك المستقرة فكان فرضه الصيام وبالله التوفيق 2. ...

باب: [في اللعان]

اللعان 1 ثابت بدليل الكتاب والسنة والإجماع 2، فالكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ..﴾ 3 الآيات، والسنة حديث العجلاني 4 لما قال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد أنزل الله تعالى فيكما قرآنًا ولاعن صلى الله عليه وسلم بينهما 5، وحديث هلال بن أمية 6 وشريك 7) 8، وفيه ضرب من المعنى وهو أن النسب يلحق بالفراش ولا يمكنه إقامة البينة وبه

ضرورة إلى نفي نسب ليس منه، فجعل له طريق إلى نفيه وهو اللعان، ولولا ذلك لم يكن له طريق إلى قطعة عنه ولفسدت الأنساب واختلط الصحيح منها بالفاسد.
فصل [1 - فيما يكون اللعان]: واللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين أو أحدهما عدلين أو فاسقين 1، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن اللعان لا يثبت إلا من زوجين يكونان أو أحدهما من أهل الشهادة 2، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ 3 الآية وهذا عام، ولأن كل زوج صح قذفه صح لعانه أصله الحر، ولأن كل معنى صح أن يخرج به القذف من كان من أهل الشهادة صح أن يخرج به منه من ليس من أهلها أصله البينة، ولأن الضرورة إلى نفي النسب الذي ليس منه لما كان له قذف (زوجته جائزًا معها بخلاف الأجنبي الذي لا ضرورة به إلى قذف) 4 غيره أوجب ذلك اختلافهما في اللعان لاختلافهما في الضرورة الداعية إلى ما يوجبه وهذا يشترك فيه من كان من أهل الشهادة ومن ليس من أهلها.
فصل [2 - في كون اللعان يمين]: اللعان عندنا يمين 5 خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها شهادة 6، وفائدة الخلاف أنه يصح ممن تقبل شهادته ومن لا تقبل شهادته 7 لقوله - صلى الله عليه

وسلم - في حديث هلال بن أمية إن جاءت به على نعت كذا وكذا، فهو لشريك فجاءت به على النعت المكروه، فقال - صلى الله عليه وسلم - "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" 1، ولأنه يخالف الشهادة في كثير من شروطها، منها دخول النساء فيه ولا مدخل لهن في الشهادة 2 على الزنا وتكرار ألفاظه ولعن الملتعن نفسه إن كان يشهد به بخلاف ما هو به وجوازه من الفاسقين وإن لم يكونا من أهل الشهادة وكذلك الأعمى.
فصل [3 - فيما وضع له اللعان]: اللعان موضوع لرفع النسب وسقوط الحد في القذف، فإذا قذف الرجل امرأته بالزنا، فإن ادعي رؤية وحقق ذلك ووصفه كما يصف الشهود في الزنا فله أن يلاعن: (ويسقط الحد عن نفسه فإن اقتصر على مجرد قذفها من غير ادعاء وصفه 3 فقيل يلاعن) 4، وقيل: يحد ولا يلاعن إن كانت ممن يحد قاذفها وهذا كله إن لم يطأها 5 بعد رؤيته، فأما إن زعم أنه وطئها 6 بعد ذلك حد ولم يلاعنها، وإذا لاعن لرؤية الزنا ثم أتت بولد ففيه روايتان: إحداهما سقوطه عنه والأخرى لحوقه به، وإذا التعن سقط الحد عنه ولزمها إسقاطه باللعان، فإن التعنت وإلا حدت.
فصل [4 - اللعان يكون بالرؤية ويبدأ بالزوج]: وإنما قلنا: إنه يلاعن بالرؤية لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ 7 الآية،

ولأن الحد متوجه عليه إذا كانت ممن يحد قاذفها فله أن يخلص نفسه منه باللعان ولذلك بديء بالالتعان لأن الحد متوجه عليه بالظاهر وبذلك ورد النص، ولأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بهلال بن أمية في اللعان 1، ولأن الزوج هو القاذف واللعان يخلصه من القذف فإن أتى به وإلا حد فوجب تبديته، والمرأة لم يكن من جهتها ما يلزمها به تخلص نفسها منه بالالتعان، فإذا ثبت ذلك فإن التعن 2 سقط الحد عنه، وإن نكل حد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يحد ويحبس حتى يلاعن 3 لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 4، وقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: "البينة وإلا حد في ظهرك" 5، ولأنه قاذف لحرة مسلمة عفيفة فلزمه الحد كالأجنبي، ولأنها حرة مسلمة عفيفة قذفها من لم يحقق قذفه، فوجب أن يحد لها كالأجنبي، ولأن قول الزوج يقبل عليها أكثر من قول الأجنبي، فكان بالحد أولى.
فصل [5 - سقوط الحد بالتعانه]: وإنما قلنا: إنه إذا التعيين سقط الحد عنه لأن لعانه جعل بمنزلة إقامة البينة عليها فلما كانت البينة تسقط الحد عنه فكذلك اللعان.
فصل [6 - الحد ينتقل إلى المرأة]: وإنما قلنا: إن الحد ينتقل إلى المرأة لما ذكرناه؛ لأن اللعان كالبينة ويدل عليه قوله تعالى عقيب ذكر لعان الزوج: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ

شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} 1 يعني نفي 2 الحد لأنه معروف 3، فإذا ثبت هذا فلها أن تخلص نفسها بالالتعان فإن التعنت سقط الحد عنها، وإن نكلت حديث إما بالرجم إن كانت محصنة أو بالجلد إن كانت بكرًا، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها 4. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ 5 الآية، فذكر لعان الزوج ثم عقبه بالأخبار عما يسقط عنها العذاب المتوجه عليها بلعانه وهو أن يلتعن، فدل أن الحد قد لزمها بلعانه، وأن لها التخلص منه بأن تلتعن، ولأنه معنى يسمع في تحقيق القذف، فجاز أن يجب به الحد كالبينة.
فصل [7 - صفة الرؤية في اللعان]: واختلف في وصفه الرؤية: فقيل: يجب أن يبين فيقول: رأيت فرجه يلج 6 في فرجها كما يلج المرود 7 في المكحلة كما يقول الشهود، وقيل: لا يحتاج إلى ذلك ويكفي ادعاء الرؤية فقط 8. فوجه الأولى أن لعانه تحصل به المعرة على المرأة ويلزمها الحد الذي هو الرجم أو الجلد ويخلصه من حد القذف 9 فغلظ عليه حتى إذا رأى أن الأيمن تلزمه

على تلك الصفة المتحققة 1 وعلى تفصيلها وأنه يلعن نفسه إن كان كاذبًا ردعه ذلك وزجره إن كان غير محقق، ولأن ذلك لما لزم في الشهادة كان بأن يلزم الزوج الذي تثبت الأحكام بقوله: ودعواه أولى.
ووجه الثانية قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ 2، وظاهرة أن هذا القدر كاف ولأنه حالف على رؤيته كالواصف والفرق بينه وبين الشهود أن به ضرورة إلى القذف ولا ضرورة بهم.
فصل [8 - وجه كل من قال: يلاعن بمجرد القذف، أو بالرؤية]: ووجه القول بأنه يلاعن بمجرد القذف من غير ادعاء رؤية لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ 3 فعم، ولأنه قذف مضاف إلى الزوجة فجاز تحقيقه باللعان أصله مضاف إلى الرؤية، ووجه القول أنه يلاعن أن اللعان معنى يتخلص به عن حد القذف، فوجب أن يحتاج إلى رؤية أصله الشهادة، ولأن اللعان واقع على أفعال يدعيها وذلك يتضمن الشهادة واعتبارًا بالشهود.
فصل [9 - في إقامة الحد عليه إذا اعترف أنه وطء بعد أن رآها تزني]: وإنما قلنا: إنه إذا اعترف أنه وطء بعد أن رآها تزني، فإنه يحد ولا يلاعن لأن اللعان لا يمكن أن ينفي به النسب مع اعترافه بالوطء وثبوت حكم الفراش ولا معنى 4 لإسقاط الحد لأن العادة تشهد 5 بكذبه؛ لأن الإنسان لا يطأ امرأته بعد أن يراها تزني فهذا ادعى ذلك فقد أكذب نفسه.
فصل [10 - إذا ظهر حمل بعد التعانه]: وجه القول بأنه إذا ظهر حمل بعد التعانه بالرؤية فإنه لا يلحق به لأن أصل

اللعان لنفي النسب لأن الضرورة إلى ذلك تدعوا دون دعوى الزنا، وإنما تجري إلى الحد وإذا كان كذلك سقط الحد بلعانه وتضمن ذلك نفي حمل إن حدث وإن اعترف به بعد حد ولحق به.
ووجه القول بأنه يلحق به هو أن الالتعان الماضي كان لإسقاط الحد لأنه لم يكن هناك 1 حمل يعلمه فيقصد نفيه، فإذا ظهر حمل احتاج في نفيه إلى لعان يخصه، فإن التعيين على الشرط الذي يلتعن في نفي النسب سقط عنه الحد وإلا لحق به.
فصل [11 - إذا نفى حمل امرأته]: وإذا نفى حمل امرأته، فإن ادعى أنه استبرأها بعد وطئه ثم لم يطأها حتى ظهر الحمل بها فله أن يلاعنها، فإن قال لم 2 استبرئها، وهذا الحمل ليس مني فقيل له: أن يلاعن، وقيل: ليس له ذلك ويلحق به الولد ويحد، وفي قدر الاستبراء روايتان: إحداهما أنه بحيضة واحدة، والأخري أنه ثلاثة حيض، ولا يحتاج في الالتعان لنفي الحمل المجرد إلى قذف، وله أن يلاعنها حاملًا قبل وضعها، فإذا اعترف بالحمل ثم ادعى أنه رآها تزني ففيها ثلاث روايات: إحداها أنه يحد ويلحق به الولد ولا يلاعن، والثانية أنه لا 3 يلاعن وينتفي عنه الولد، فإن اعترف به من بعد حد، والثالثة أنه يلحق به الولد ويلاعن لنفي الحد 4. فصل [12 - اللعان في نفي النسب]: وإنما قلنا: إن له أن يلاعن في نفي النسب لأنه صلى الله عليه وسلم لاعن

بين المتلاعنين في ذلك 1، ولأن به ضرورة إلى نفي نسب منه، وأصل اللعان الضرورة التي لا طريق إلى انتفائها إلا به، فلو لم يلاعن لم يكن له طريق إلى نفي نسب ليس منه.
فصل [13 - الاستبراء في اللعان]: وإنما قلنا: لا بد من الاستبراء لأن الحمل لا ينتفي إلا بأن يعلم براءة الرحم من ماء الزوج، وذلك لا يكون إلا بالاستبراء؛ لأنه ما لم يستبريء يمكن أن الحمل من مائه، والقول الآخر فيه ضعف ووجهه أن ذلك موكول إلى أمانته فقبل قوله في النفي، وجعل له الالتعان لأنه لا يعلم أن الأمر على ما يدعيه إذا لم يدع الاستبراء.
فصل [14 - في كون الاستبراء يكون بحيضة]: ووجه قوله: إنه حيضة فلأن الغرض العلم ببراءة الرحم، وذلك يحصل بالحيضة ولأنها حال ضرورة لأمر يخاف فواته ولا يستدرك والمواضع التي يراعي 2 فيها زيادة على ذلك فلحرمة الحرية، وذلك زائل مع الضرورات، ووجه اعتبار الثلاث اعتباره بما عدى اللعان.
فصل [15 - في لعانه في نفي النسب المجرد عن القذف]: وإنما قلنا: إنه يلاعن في نفي الحمل المجرد من غير حاجة إلى قذف خلافًا لأصحاب الشافعي 3؛ لأن ضرورته إلى نفي النسب موجودة، وهي أصل ما وضع له الحد ولا ضرورة له إلى القذف، ولأن الدعوى تتم مع عدمها، وكلما

صحت الدعوى مع فقده لم يكن وجوده شرطًا اعتبارًا بسائر ما لا تحتاج الدعوى إليه وقياسًا عليه إذا ضامَّه القذف 1. فصل [16 - في لعان الحامل]: وإنما قلنا: إنه يلاعنها حاملًا خلافًا لأبي حنيفة 2؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لاعن بين المتلاعنين في نفي الحمل قبل الوضع وقال: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لزوجها وإن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك" 3، فجاءت به على النعت المكروه، ولأنه نسب يجوز إسقاطه باللعان بعد الوضع فجاز قبله كالفراش.
فصل [17 - انتفاء النسب بالتعان الزوج]: وينتفي النسب بالتعان الزوج وحده ولا يفتقر فيه إلى التعان المرأة 4 , لأن التعانها إنما هو لإكذاب الزوج وإثبات النسب منه وإسقاط الحد عنها, ولا يجوز أن يثبت الشيء بما ينفيه.
فصل [18 - اللعان في النكاح الفاسد]: ويلتعن في النكاح الفاسد 5 خلافًا لأبي حنيفة 6 لأنه نكاح يثبت فيه النسب فلحق فيه اللعان أصله النكاح الصحيح.
فصل [19 - فيمن اعترف بالحمل وادعى رؤية الزنا]: فأما إذا اعترف بالحمل ثم ادعى رؤية الزنا، فوجه قوله: إنه لا يلاعن أن أصل اللعان لنفي النسب ويتعلق به سقوط الحد ويجوز أن يجتمع مع ثبوت ما

يقصد به نفيه، فإذا ثبت ذلك لم يكن اللعان مفيدًا لإسقاط الولد ولم يكن له أن يلاعن، وإذا لم يكن له أن يلاعن لزمه أن يحد القذف ويلحق به الولد لثبوت الفراش.
ووجه قوله: إنه يلاعن وينتفي النسب أن اللعان يجب للقذف ويجر إلى نفي النسب لأنه لا يجوز أن يقع اللعان وينتفي مقصوده ولا اعتباره بإقراره بالحمل لأن اللعان إذا ثبت ثم رجع عن بعض موجبه حد ولم يمنعه ذلك من أصل الالتعان، ووجه قوله: إنه يلحق به الولد ويلاعن لنفي الحد عنه أن اللعان موضوع في الأصل لأمرين: أحدهما سقوط الحد بالقذف، والآخر نفي النسب فلا يمتنع أن يلتعن لأحدهما مع عدم الآخر 1. فصل [20 - في صفة اللعان]: وصفة اللعان 2: يشهد الرجل أربع شهادات بالله: لقد زنت، ولقد رآها تزني، ورأى فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، وإنه لمن الصادقين، فإن لم يصف كان الحد 3 على ما بيناه من الخلاف في نفي الحمل: لما هذا الحمل مني ولقد زنت إن ادعى زنا، وإن كان نفي حمل مجرد لم يحتج إلى ذلك، ويجب في الجملة أن يقع اليمين على تحقيق ما ادعى باللفظ الذي يقل فيه الاحتمال والاشتراك ثم يقول في الخامسة: وإلا فلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تلتعن هي فتشهد أربع شهادات بالله بنقيض 4 ما شهد هو به ثم تخمس بأن تقول: وإلا فغضب الله عليها إن كان من الصادقين، ولا ينبغي أن تتعدي الألفاظ التي ورد النص بها, ولا أن يبدل بها غيرها لأن النص أوجب تعيين لفظ مخصوص كإيجاب عدد الشهادات.

فصل [21 - وقوع الفرقة بالتعانهما جميعًا]: ولا تقع الفرقة إلا بالتعانهما جميعًا، فإن التعيين هو ونكلت سقط الحد عنه ورجمت إن كانت محصنة وإلا جلدت 1 لأن بلعانه قد حقق القذف عليها كالبينة والزوجية بينهما باقية ما لم تلعتن 2، خلافًا للشافعي في قوله: إن الفرقة تقع بلعان الزوج وحده 3، لأن هلال بن أمية لما التعن دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها فلما التعنت فرق بينهما 4، فذكر الحكم وسببه، ولأن اللعان لم يكمل من جهتها فلم تقع الفرقة أصله إذا لم يكمل من الزوج، ولأنه لعان من أحد الزوجين، فكان له تأثير في الفرقة أصله لعان الزوج.
فصل [22 - وقوع الفرقة باللعان]: والذي يدل على وقوع الفرقة باللعان خلافًا لمن حكي عنه أن الزوجية باقية بالتعانهما 5، قوله صلى الله عليه وسلم: "حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" 6، وروي أنه صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين 7، ولأنه لما قطع النسب الذي هو أقوى من الفراش كان بأن يقطع الفراش أولى.

فصل [23 - عدم الحاجة إلى حكم الحاكم بالفرقة]: ولا يحتاج في ذلك إلى حكم حاكم بالفرقة 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 لأنه صلى الله عليه وسلم نفى اجتماعهما عند حصول التسمية لهما 3، وذلك حاصل وإن لم يفرق بينهما حاكم، ولأن النسب لا يتعلق نفيه بلعانها لأنها تثبته باللعان وهو ينفيه فلا معنى لحكم الحاكم.
فصل [24 - تحريم الزوجة باللعان مؤبدًا]: والتحريم باللعان يقع مؤبدًا لا تحل له بعده على وجه لا بنكاح ولا ملك، أكذب نفسه أو أقام على ما كان عليه 4، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه إن أكذب نفسه حلت له 5، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا سبيل لك عليها" 6 ولأن كل تحريم أوجب التأبيد لم يكن له إلى رفعه سبيل بإكذاب نفسه أصله إقراره بأنها أخته من نسب أو رضاع، ولأن حصول التحريم باللعان يقتضي استدامته ومنع ارتفاعه 7 أصله إذا أقام على موجب لعانه ولم يكذب نفسه.
فصل [25 - لحوق الولد به إن أكذب نفسه]: إذا ثبت أنه بإكذابه نفسه لا تحل له فإنه يلحق به الولد إن كان اللعان في نفي حمل لأن له أن يستلحق ولده بعد نفيه ولا يقبل منه نفيه بعد الاعتراف ويجلد الحد بإقراره بقذفها إن كانت ممن يحد قاذفها.

فصل [26 - في لعان الأخرس والخرساء]: يصح لعان الأخرس والخرساء إذا فهم عنهما بإشارة أو بكتابة 1 خلافًا للشافعي 2 , لأن كل هذا تواضع على ما تفهم به المعاني التي في النفس فكانت كالنطق، ولأن الكتابة يقع بها الطلاق وكل نوع وقع به الطلاق جاز أن يقع به اللعان كالنطق.
فصل [27 - في لعان الأعمى]: الأعمى يلاعن في نفي النسب لأنه 3 يتأتى منه كتأتيه من البصير، فأما في القذف، ففيه اختلاف 4: فإذا قلنا: لا يصح لعانه فلأنه متعلق بالرؤية وذلك ممتنع منه، وإذا قلنا: يصح فلأن اللمس 5 نوع من المحسوس كالرؤية.
فصل [28 - إذا تصادقا على انتفاء النسب والاعتراف بالزنا هل لا بد في ذلك من اللعان]: إذا تصادقا على انتفاء النسب أو الاعتراف بأنها زنت، فهل يكفي ذلك في انتفاء النسب أم لا بد من اللعان؟ ففيه روايتان 6: فوجه قوله: إن التصادق كاف أنه معنى يخلصه من القذف فوجب أن ينتفي به النسب عنه مع دعواه أصله اللعان.
ووجه القول إنه لا بد من لعان أن ذلك تواطء منهما على سقوط حق الولد فلا يقبل إلا باللعان الذي هو طريق نفيه.
...

باب: [في العدة]

الموجب للعدة 1 شيئان: طلاق وما في معناه من فسخ النكاح وموت، والعدة من الطلاق أو الفسخ لا تكون إلا في مدخول بها، فأما من لم يدخل بها فلا عدة عليها والعدة ثلاث أضرب: عدة بأقراء، وعدة بوضع حمل، وعدة بشهور.
والمعتدات ثلاث: فذات حيض وممتنع عليها الحيض لصغر أو إياس ومرتابة، وعلى وجه آخر ينقسمن إلى ضربين: ضرب تُكمل لا تنقسم العدة فيهن: (وهن الحرائر، وضرب ينصف فيهن وهن الأرقاء لأن متى كمل الرق فيهن) 2 أو تبعض فتنتصف نوع من العدة فيهن دون جميعها على ما نبينه إن شاء الله 3. فصل [1 - العدة تكون على مدخول بها]: وإنما قلنا: أنه لا عدة إلا على مدخول بها من الطلاق والفسخ دون الموت لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ 4، ولأن براءة رحمها معلومة 5 والعدة في الطلاق للاستبراء فقط.

فصل [2 - العدة بالأقراء]: فأما العدة بالأقراء 1 فتكون بالطلاق والفسخ دون الموت لا خلاف فيه 2 وهي لمن تحيض وتطهر بثلاثة قروءة للحرة وقرآن للأَمَة، وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 3، وأجمعوا أن فسخ النكاح يجب له من ذلك ما يجب بالطلاق في النكاح الصحيح 4. فصل [3 - في معنى الأقراء]: والأقراء الأطهار وهي 5 ما بين الحيضتين من الطهر 6 خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن الأقراء الحيض 7 لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 8 ففيه أدلة: أحدها: أن القرء اسم يقع على الطهر والحيض والمراد أحدهما، فيجب إذا قعدت ثلاثة قروء وينطلق عليها الاسم أن يجز بها، وإن شذت بنيتها على تعليق الحكم بأوائل الأسماء كالشفقين 9 والأبوين واللمسين.

والأخر أنه بصيغة التذكير لأن جمع المؤنث ما دون العشرة بغيرها، وذلك يفيد أنه جمع قرء وهو طهر لا حيضة.
والثالث أن إطلاق الأمر والأخبار عن الوجوب على الفور ولا يمكن ذلك إلا على ما نقوله أن يطلقها طاهرًا فتعتد عقيب الطلاق أو حائضًا فعقيب الحيض قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 1 أي في حال يعتدون فيها وعندهم أن حال الطهر ليست بحال عدة، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" 2 وهذا نص، ولأنه حيض كالذي يطلق فيه، ولأنها 3 زمان يجوز إيقاع الطلاق فيه فوجب أن يكون معتدًا به أصله الحمل.
فصل [4 - في عدة الأمة]: وإنما قلنا: إنها قرآن للأَمَة خلافًا لداود في تسويته بينها وبين الحرة 4، بناء على نقصان طلاق العبد وقد ذكرناه، ولأن العدة معتبرة مع عدم الريبة لحرمة المعتدة فتكمل بكمال حرمتها وتنقص بنقصان حرمتها، وحرمة الأَمَة أخفض من حرمة الحرة، فكانت عدتها على النصف، وإنما قلنا: إنها تكمل قرءين لأن القرء لا يتبعض فكمل كما كمل طلاق العبد اثنتين، وإنما سوينا بين من استغرقها الرق وبين من تبعض فيها لأن النص بالرق قد شملهن وغلب على أحكامهن.

فصل [5 - في التسوية بين المسلمة والكتابية في العدة]: والمسلمة والكتابية يستويان في ذلك لعموم الظواهر، ولأنها عدة لاستبراء الرحم كوضع الحمل 1. فصل [6 - متى تحل الحرة والأمَة]: وإذا دخلت الحرة في الدم من الحيضة الثالثة حلت والأَمَة إذا دخلت 2 في الحيضة الثانية وأقل ما يقبل قولها فيه ما يمكن مثله في العادة فقيل: خمسة وأربعون، وقيل: أربعون، وقيل: في شهران إن أمكن أن يكون مثله، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب معلقًا بالإمكان في العادة 3. فصل [7 - العدة بوضع الحمل]: فأما الإعداد بوضع الحمل فيستوي فيه المعتدات كلهن حرائرهن وإمائهن والمسلمات والكتابيات، والأسباب الموجبة له من الطلاق والفسخ والشبهة والموت ولا تحل المعتدة إلا بوضع جميعه وما دام معها بقية من الحمل فحكمها حكم من لم تضع شيئًا في وجوب الرجعة وثبوت الميراث وتحل بوضع العلقة والمضغة وما يقع عليه اسم الحمل إلى كمال الخلقة 4. وإنما قلنا: أن عدة الحامل الحرة وضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 5 وسوينا بينها وبين الكتابية والأَمَة للعموم، ولأنه يعلم به براءة الرحم بيقين وليس بمبني على الحرمة ولا يمكن تنصيفه.

وإنما قلنا: إن الحامل المتوفى عنها تعتد بوضع الحمل خلافًا لمن قال: أقصى الأجلين 1 لعموم الظاهر, ولأن سبيعة الأسلمية 2 ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "قد حللت فانكحي من شئت" 3 , ولأنه يعلم بوضع الحمل براءة رحمها كذوات الأقراء ولأن الأشهر عدة بنفسها ولا تجتمع مع الحمل فتصيران عدة واحدة أصله في حق المطلقة.
وإنما اعتبرنا وضع جميعه لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 4 , وظاهر ذلك يفيد الجميع, ولأن الرحم مشغولة ببقية الحمل فكان كالكل.
وإنما قلنا: إنها تحل بوضع ما يقع عليه اسم الحمل لعموم الظاهر, ولأنه يعلم به براءة الرحم واعتبارًا بما تخطط به من الخلقة.
فصل [8 - الاعتداد بالشهور]: وأما الاعتداد بالشهور فيجب تارة عن الطلاق وتارة عن الوفاة, فأما الواجب عن الطلاق والفسخ ثلاثة أشهر ما كان من تمام أو نقصان إن ابتدئت من أول شهر, وإن كان من بعضه كمل عدد الأول بالحساب فتجلس بقيته من يوم وجبت العدة ثم تعتد الشهرين بعده بالأهلة ثم تتم باقي الأول بالعدد المكمل 5 , فإن طلقت في بعض يوم ففيها روايتان: إحداهما: أنها تعتد من ذلك الوقت إلى مثله , والأخرى إلغاء ذلك اليوم

وابتداء العدة من غده 1، وهذه العدة هي لمن دخل بها ممن لم تحض لصغر أو يائسة منه لكبر يستوي فيه الإماء والحرائر والمسلمات والكوافر ومن قصر سنها عن إطاقة الوطء فلا يعد وطؤها موجبًا للاعتداد، وإنما هو جرم وإفساد.
وأما الواجب عن الوفاة فيفترق فيه حكم الحرائر والإماء، فللحرة أربعة أشهر وعشر ليال، وللأَمَة شهران وخمس ليال، وعلى الصغيرة مثل ما على الكبيرة التي لم يدخل بها مثل ما على المدخول بها إلا أن غير المدخول بها تبرؤها الشهور من غير حاجة إلى حيض، والمدخول بها التي تحيض لا يبرؤها إلا 2 الحيض وحيضة واحدة مجزية، فإن حاضت في تضاعيف الشهور برئت بذلك، فإن لم تحض حتى انقضت العدة نظر، فإن لم يكن لها عادة بتأخر 3 الحيض ولم تخش ريبة انتظرت إلى تمام تسعة أشهر من يوم الوفاة، وإن كانت لها عادة 4 بتأخيره إلى مدة يدخل فيها عدتها بالشهور ففيها روايتان: إحداهما: أنها تبريء بمضي الشهور وإن لم تحض، والأخرى أنها لا تبرأ إلا بالحيض، وعنه في الكتابية المدخول بها في عدة الوفاة روايتان: إحداهما أنها مثل المسلمة، والأخرى أنها تستبريء 5 رحمها بثلاث حيض والقول في الكتابية غير المدخول بها يتخرج على هاتين الروايتين 6. فصل [9 - في أدلة من تعتد بالشهور]: وإنما قلنا: إن عدة من ليست من أهل الحيض ثلاثة أشهر لقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل