المعونة على مذهب عالم المدينةكتاب المكاتب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المكاتب

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 الأصل في جواز الكتابة 2 قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ 3 وقوله - صلى الله عليه وسلم - "المكاتب عبد ما بقى عليه درهم" 4 ولأن ذلك كان متعارفًا قبل الإسلام وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما كان من الجواز في الجملة وعملت به الأئمة 5 والسلف.
فصل [1 - في عدم إجبار السيد على كتابة عبده]: لا يجبر السيد على كتابة عبده 6 خلافًا لداود في قوله إنه يجبر 7 إذا سأله أن يكاتبه بقيمته أو بأكثر 8، لأن الأصل في الكتابة المنع والحظر لأنها غرر وذلك أن العبد يؤدى المال على أنه إن أدى عتق وإن عجز عاد رقا وزال ملكه عما كان أداه لأن السيد يبيع ماله بماله لأن العبد وماله ملك للسيد وذلك

إضاعة وإتلاف إلا أنه 1 جوز في الشرع رفقا بالعبد وحرمة للعتق والخروج من الرق، والأمر إذا صدر بعد الحظر كان على الإباحة دون الوجوب 2 ولم يكن أمرًا على الحقيقة ولأن صيغته صيغة الأمر، واعتبارا به إذا سأله أن يكاتبه بدون قيمته وإذا سأله بيعه من غيره، ولأن السيد لا يجبر على بيع عبده إذا سأل 3 العبد ذلك اعتبارًا بسؤاله بيع غيره من أملاكه.
فصل [2 - في إجبار السيد عبده على الكتابة]: فأما إجبار السيد عبده على الكتابة: فقيل للسيد ذلك وقيل ليس له ذلك 4 فوجه إثباته أنه لما كان للسيد أخذ ماله وإجباره على التكسب من غير عقد عتق يحصل له كان بأن يكون له ذلك مع النفع للعبد بحصول العتق أولى، ووجه نفيه أنه إجبار على معاوضة في حق نفسه لا لحق السيد فلم يكن له ذلك أصله إجباره على شراء طيب يتطيب 5 به.
فصل [3 - في كون الكتابة جائزة على ما يعقدانه عليه]: الكتابة جائزة على ما يعقد أنها عليه من قيمة العبد أو أقل أو أكثر مما يقع التراضي بها 6 لأنها عوض عى رقبته فجازت بالقليل والكثير مما يتفقان عليه كبيعه من غيره، ولأن الكتابة إما أن يكون بيع العبد من نفسه بالعوض أو عتقا 7 بصفة أدائه، وأي ذلك كان فلا يقضي قدرًا مخصوما ولا إجبار أحدهما الآخر على مقدار معين بل هو على التراضي.

فصل [4 - في كون الكتابة منجمة]: الظاهر من قول مالك أن الكتابة تكون منجمة 1 وليس عنه نص في الكتابة الحالة ومحققو أصحابنا يقولون إنها جائزة، 2 خلافًا للشافعي، 3 لأنها عتق بعوض فجازت مع تعجيله وتأجيله أصله بيع العبد من نفسه، ولأن الأجل غير مستحق في عقد الكتابة كالثالث والرابع، ولأنه عقد بعوض فجاز كالمنجم.
فصل [5 - في عدم عتق المكاتب إذا ما بقي عليه شيء من الكتابة]: لا يعتق المكاتب ما بقي عليه شيء من الكتابة قل أو كثر 4 خلافًا لما يحكى عن قوم من السلف 5 وذلك لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "المكاتب عبد ما بقى عليه شيء من كتابته درهم" 6 ولأن الكتابة عتق بصفة الأداء فمتى لم 7 يحصل الأداء لم يحصل العتق، ولأن عتق الإنسان جزأ من عبده باختياره مبتدءًا يوجب عليه تكميله وتتميمه الحرية في باقيه، فلو قلنا إنه معتق منه بقدر ما أداه لوجب أن يعتق الباقي بالسراية أو بالحكم سواء أدى باقي الكتابة أو لم يؤد، وفي فساد ذلك دلالة على أنه لا يعتق إلا بأداء الجميع.

فصل [6 - استحباب وضع السيد عن المكاتب شيئًا عن آخر كتابته]: يستحب للسيد أن يضع عن المكاتب شيئًا من آخر كتابته على قدر ما تطيب به نفسه 1، والأصل فيه قوله تعالى ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ 2 فجاء في أكثر التفاسير أنه وضع شيء من الكتابة 3، ولأن في ذلك رفقًا بالعبد وحسن معاملته فكان مندوبًا إليه، وليس ذلك بواجب خلافًا للشافعي 4 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه" 5، ولأنه عقد معاوضة على رقبة العبد كبيعه من أجنبي ولأن الواجبات على ضربين مقدر بالنص وموكول إلى الاجتهاد في الكفاية وما تنازعناه خارج عن هذين الموضوعين 6 لأنه موكول إلى الإرادة والإختيار وليس ذلك في الأصول.
فصل [7 - في جواز مكاتبة العبد الذي لا حرفه له]: وتجوز مكاتبة العبد الذي لا حرفة 7 له لأنه يمكنه التعرض لوجوه المكاسب من الخدمة وغيرها ويكره ذلك في الأمة لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لا تكلفوا الأمة الكسب فتكسب بفرجها.
فصل [8 - فيما يتبع العبد المكاتب]: وإذا أعتق المكاتب بالأداء تبعه ماله 8 لأن الكتابة معاوضة عن النفس والمال

ألا ترى أن السيد ممنوع من التعرض 1 لما له بانتزاع أو غيره، فإذا صح ذلك كان تابعًا له فأما ولده فلا يتبعه إذا كان قبل عقد الكتابة لأنهم ليسوا بملك له فإذا صح ذلك 2، وإنما هو ملك للسيد فلا يتبعوا آباهم كما لا يتبعه سائر عبيد السيد إلا أن يشترطهم فيتبعونه بالشرط لا بالعقد ويصير السيد كأنه كاتب عدة عبيد له كتابة واحدة، وهذا إذا كانوا قبل عقد الكتابة (فأما إن حدثوا بعد عقد الكتابة) 3 فإنهم يتبعونه من غير شرط لأن كل حكم ثبت للأب ثبت للولد بملك اليمين من الحرية والرق، فأما ولده من زوجته فلا مدخل له في هذا الباب لأنه تابع لأمه.
فصل [9 - فيما يجوز أن يكون عوضًا في الكتابة]: كل ما جاز أن يكون ثمنا في البياعات وأجرة في الإجارات جاز أن يكون عوضا في الكتابة 4 لأنه عقد معاوضه كالبيع وغيره، وتجوز الكتابة على الوصفاء 5 من العبيد والإماء وإن لم يوصفوا ويكون له الوسط منهم في ذلك الموضع لأن المقصود منها الرفق وإكمال حرمة الحرية دون محض العوض كالمهر في النكاح.
فصل [10 - فيما إذا كاتبه وله أمة حامل]: وإن كاتبه وله أمة حامل تبعته الأمة ولم يتبعه الولد فإذا وضعت فالولد للسيد والأمة للمكاتب علم بحملها أم لا لما ذكرناه 6 لأن الأمة ماله فيتبعه ولأن

الولد ليس بمال له بل هو ملك لسيده، ويمنع المكاتب من بيعها إذا قلنا إنها لا تكون أم ولد بعد العتق حتى تضع فإذا وضعت كان له بيعها إذا شاء لأنه إن باعها حاملًا فالولد داخل معها في البيع وهو ملك غيره، وإن استثنى لم يجز لأن استثناء الحمل في البيع 1 مبطل له فوجب لذلك الوقوف عليها إلى أن تضع.
فصل [11 - في جواز بيع كتابة المكاتبة]: يجوز بيع كتابة المكاتبة 2 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3، لأن بيع الديون في 4 الذمم جائز بدليل جواز المصارفة على الذهب الذي في الذمة (بالورق وعلى الورق الذي في الذمة) 5 بالذهب قبل قبضه، ولأنه لما جاز بيع العروض الحاضرة بالأثمان الغائبة جاز بيع الديون الغائبة بالعروض الحاضرة، ولأنه عقد معاوضة أحد طرفيه دين والآخر عين فكان مباحًا اعتبارًا ببيع العين الحاضرة بالعين 6 الغائبة.
فصل [12 - إذا كانت الكتابة ذهبا أو ورقا أو عروضا كيف يجوز بيعها]: إذا ثبت ذلك فإن كانت الكتابة ذهبا أو ورقًا جاز بيعها بعرض معجل وإن كانت عروضا فبذهب أو ورق معجلة أو بعرض مخالف لها معجل غير مؤجل، وإنما أوجب ذلك لأنها لو بيعت 7 وهي ذهب أو ورق بذهب أو ورق 8 دخل

ذلك التأخير وبيع غائب بناجز وذلك ممنوع، وإن بيع بعرض مؤخر كان دينا بدين، وإن بيعت وهي عروض بعروض من جنسها أكثر مما حصل منه عرض بعرضين من جنسه إلى أجل وذلك ممنوع فلم يبق إلا ما قلناه.
فصل [13 - إذا بيعت كتابة المكاتب من العبد]: وهذا كله إذا بيعت من غير العبد، فأما إذا بيعت من العبد نفسه فلا معتبر بذلك كله وله أن يبيعها منه كيف شاء فينقله من ذهب إلى ورق ومن ورق إلى ذهب ومن عروض إلى عروض من جنسها 1 ومن غير جنسها لأن تقدير بيعها من العبد إنما هو ترك ما كاتب 2 عليه والعدول إلى مال معجل واستئناف كتابة أخرى غير الأولى ولا خلاف من قولنا إن للمكاتب أن ينقل نفسه من كتابه إلى كتابة أخرى 3. فصل [14 - في بيع الجزء من الكتابة]: وفي بيع الجزء من الكتابة روايتان 4: إحداهما المنع والأخرى الجواز.
فوجه المنع أن ذلك يؤدي إلى المكاتب كتابته أداءين مختلفين أحدهما إلى السيد بعقد كتابته والأخرى إلى مبتاع الجزء 5 من كتابته وذلك غير جائز على أصله.
ووجه الجواز اعتبارًا بسائر المبيعات لأن كل بيع مقصود في نفسه فإذا جاز بيع كله جاز بيع جزئه وكذلك الكتابة.

فصل [15 - في عدم جواز بيع نجم من نجومه]: ولا يجوز بيع نجم من نجومه 1 لأن ما يقابل النجم من رقبة المكاتب مجهول عند عقد البيع المنجم 2 فلم يجز، فإذا ثبت ما ذكرناه نظر فإن أدى الكتابة إلى مبتاعها من سيده لأعتق كما لو أداها إلى سيده عتق لأن الصفة التي علق العقد عليها هي الأداء فدخلت 3، ولأن المشتري قائم مقام السيد، ويكون ولاؤه للسيد الذي عقد كتابته لأن عتقه من جهته بما عقد له، وإنما ابتاع المشتري ما على المكاتب دون رقبته بعد ثبوت الولاء للسيد، والولاء لا يصح نقله بعوض ولا بغير عوض على ما قدمناه وإن عجز رق وكان ملكًا لمشتري كتابته لأنه قائم مقام سيده وقد ثبت أنه لو عجز قبل بيع السيد كتابته رق له وكذلك عجزه عند مشتريها، وإن مات قبل تمام الأداء عن مال ولم يترك ولدا كانت عليهم كان المال المشتري كتابته عند سيده وإذا جاز بيع كتابة المكاتب جاز هبتها والوصية بها ثم الحكم فيها على ما ذكرناه.
فصل [16 - في كون المكاتب أحق بشراء مكاتبته]: والمكاتب أحق بشرائها استحسانًا لحرمة العتق وإزالة الضرر عنه بدخول من لم يعهد معاملته عليه 4 والقياس غيره، وهذا إذا بيعت كلها فإن بيع بعضها لم يكن أحق بها 5 لأنه ليس له أن يعجل لبعض ساداته حقه دون الباقين لأن ذلك يؤدي إلى عجزه، ولأنهم شركاء في كتابته ومتساوون في قبضها منه فليس لبعض أن يختص بتعجيل حقه منها من غير إذن شركائه كسائر الديون المشتركة.

فصل [17 - في تعجيل الكتابة]: إذا عجل المكاتب كتابته لم يكن للسيد الامتناع من أخذها لأن الأجل حق له ورفق به فإذا رضي بإسقاطه كان له ذلك فإن كان السيد شرط عليه مع الكتابة سفرًا أو خدمة فعجل الكتابة فهل يسقط عنه ما شرط عليه أم لا ففيها روايتان: إحداهما سقوطه والأخرى ثبوته 1. فوجه سقوطه أنه تابع للكتابة فإذا تعجلت سقط ما يتبعها.
ووجه ثبوته أنه بعض العوض في عتق الرقبة فلم يسقط عنه كالكتابة فإذا قلنا إنه لا يسقط فيخرج ما يلزمه علي روايتين: إحداهما أنه يؤديه بعينه، والأخرى يؤدي قيمته، ومن أصحابنا من يقول إن كانت خدمة أو منفعه سقطت وإن كانت نوعًا آخر من المال لزم ولم يسقط.
فصل [18 - إذا مات المكاتب وترك ولد معه في الكتابة]: وإذا مات المكاتب وترك 2 ولدا معه في الكتابة إما بالولادة أو بالشرط وترك ما لا لم تنفسخ الكتابة 3، خلافًا للشافعي 4 لأن عقد الكتابة قد تضمن إلزام السيد نفسه عتق المكاتب وولده الداخلين معه في العقد بالشرط والولادة بصفة أداء المال إليه فلم يكن للسيد فسخ العقد في حقهم كما لم يكن له ذلك في حق العبد نفسه ولم يكن له أيضًا فعل 5 ما يؤدي إلى ذلك من انتزاع المال فيه.

فصل [19 - إن كاتب على نفسه وحده]: إذا ثبت أن العقد لا يبطل بموته، وإنما ذلك إذا كان معه ولد داخل في الكتابة لأنه إن كاتب 1 على نفسه وحده ومات ولا ولد معه في كتابته أو كان ولده أحرارًا أو مماليك لغير سيده، أو مكاتبون كتابة منفرده عن كتابته فإن العقد يبطل والمال الذي يتركه للسيد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن ولده الأحرار يقومون 2 مقامه ويرثونه، 3 لأن المواريث موضوعة على تساوي الحرم وهذا مات مكاتبًا لا عبدا على الإطلاق ولا حرا بل مكاتبًا له حكم مخالف لحكم الحر ولحكم العبد فلم يرثه ولده الأحرار ولا العبيد وورثه من تركه في عقد الكتابة.
فصل [20 - إذا ترك ولدا معه في الكتابة ولم يكمل نجوم الكتابة]: وإذا ترك ولدًا معه في الكتابة فينظر: فإن كان في المال الذي خلفه وفاء أديت الكتابة حالة، وعتقوا وورثوا الباقي 4. وإنما وجب أداء المال لأن فائدة إيقافه العقد مع بطلانه بموت العبد أن يحصل الأداء فيعتق ولده، ولأنه لما كان العتق لازما في حقهم كلزومه في حق أبيهم لزمهم الأداء كما كان لازما لأبيهم.
وإنما قلنا إنه تؤدى حالا فلأن الديون المؤجلة تحل بموت من تكون عليه، وإنما عتقوا عند الأداء بحصول الصفة التي عتقهم معلق بها، ولأن الاب لو كان حيا وأدى المال لعتق كذلك الولد.

وإنما قلنا إنهم يرثون ما بقي لمساواتهم الأب في الخدمة على ما قدمناه، وهذا إذا ترك ما فيه وفاء, أما أن ترك دون الوفاء فإن كان الولد كبارًا يقدرون على السعي وقالوا نحن نسعى وتؤدي بقية المال في نجومه لزم السيد لأنهم يقومون مقام أبيهم والعقد ثابت لهم كما كان ثابتًا لأبيهم، فإن كانوا صغارًا لا فضل فيهم للسعي فينظر 1 فإن كان أداء 2 أدى على نجومه إلى وقت بلوغهم فإنه يؤدي وذلك لأنهم غير عاجزين مع القدرة على الأداء ثم إذا بلغوا نظر: فإن أمكنهم السعي في البقية وإلا رقوا.
وإن لم يكن لهم في المال فضل للنجوم إلى أن يبلغوا السعي رقوا لعجزهم ولم يلزم السيد انتظارهم إلى وقت البلوغ كما لا يلزمه انتظار العبد إذا عجز إلى أن يكسب مالًا يؤدي منه، وعلى أي وجه كان فلا يلزم السيد أن يحفظ عنهم شيئًا من الكتابة بموت أبيهم لأن عتقهم معلق بصفة وهي أداء جميع الكتابة فيما لم يحصل فالعتق غير واقع.
فصل [21 - في توريث إخوة المكاتب في كتابته]: وإذا كان مع المكاتب في كتابته من قراباته إخوة أو غيرهم فعنه في توريثهم منه روايتان 3: إحداهما أنهم يورثونه كالولد، والأخرى أنه لا يرثه إلا ولده دون سائر أقرابه، فوجه الأولى إن كان من ورثه بعض ورثته بنسب أو بسبب ورثه جميعهم كالحر، ولأنهم مساوون له في الحال والحرية فكان التوارث ثابتا بينهم وبينه كالولد، ووجه الثانية أن الولد يدخلون معه في كتابته إذا حدثوا بعد عقدها فاختصوا لذلك بميراثه دون سائر القرابة 4

فصل [22 - حكم كتابة الجماعة كتابة واحدة]: يجوز أن يجمع السيد جماعة من عبيده في كتابة واحدة 1 خلافًا للشافعي في أحد قوليه 2 لقوله عز وجل: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ 3 ولم يفرق، ولأنه ألزم نفسه عتقهم بشرط أدائهم المال كما لو أفردهم لأن البدل معلوم في الجملة وإن لم يوقف على تقسيطه في الحال كما لو باع ثلاثة أعبد بألف درهم لجاز وإن لم يعلم قسط كل واحد.
فصل [23 - عدم عتق الجماعة في كتابة واحدة إلا بأداء جميع المال]: ولا يعتقون إلا بأداء جميع المال 4 خلافًا للشافعي في قوله أن من أدى منهم بقدر نصيبه يعتق 5، لأن عقد الكتابة وقع عقدًا واحدًا فلم ينفرد به بعضهم دون بعض أصله كتابة العبد الواحد أنه إذا أدى بعضها لم يعتق منه بقدر ما أدى.
فصل [24 - لزوم كل واحد من جماعة في كتابة واحدة بقدر قوته]: ويلزم كل واحد بقدر قوته في السعي وما يطيقه وبعضهم حملاء عن بعض إذا أدى الكتابة واحد منهم عتق الكل ورجع المؤدي على الباقين بقدر ما يحتمل 6 كل واحد منهم ممن فيه فضل للسعي (وليس للسيد أن يبتديء إعتاق واحد منهم) 7 لأن في ذلك تعجيز الباقين لتقويتهم بسعيه معهم.

فصل [25 - إذا طالب المكاتب تعجيز نفسه]: وإذا طلب المكاتب تعجيز نفسه وأبى عليه السيد وله قدرة على الأداء لم يكن له ذلك 1 خلافًا للشافعي 2، لأن الكتابة عقد يتضمن تسمية العوض فإذا رضي به العبد والتزمه 3 لم يكن له أن يرجع عنه من غير عذر كسائر العقود، ولأنه لا لم يكن للسيد الرجوع لأن في ذلك إسقاط حق العبد في حق عقد ثبت تراضيهما واجتماعهما عليه فكذلك العبد.
فصل [26 - إذا كان لطالب تعجيز نفسه ولد]: فإذا أجابه السيد إلى ذلك فكان 4 العبد له ولد فليس لهما ذلك، لأنه قد تعلق بهذا العقد حق لغيرهما وهو الولد الذي يعتق بالكتابة إذا أديت فإذا أعجز العبد نفسه كان في ذلك إسقاط حق الولد من العقد ورده إلى الرق وليس ذلك له لأن الإنسان يملك من إسقاط حق نفسه ما لا يتعدى إلى إسقاط حق غيره.
فصل [27 - إذا لم يكن لمن طلب تعجيز نفسه ولد]: وإن لم يمكن له ولد ففي روايتان: إحداهما جواز ذلك والأخرى منعه.
فوجه الجواز أن الحق في عقد الكتابة لا يتعداهما فإذا تراضيا على فسخه جاز كتقابل المتبايعين، وإنما الممنوع ما يتعدى إلى إسقاط حق غيرهما.
ووجه منعه أنه يؤدى إلى إبطال حق الله تعالى من العتاقة التي قد التزمها عقدها، وليس لأحد أن يرد نفسه إلى الرق بعد عتقه أو ثبوت عقده.

فصل [28 - إذا لم يكن للعبد مال فله تعجيز نفسه]: وأم إذا لم يكن للعبد مال فله تعجيز نفسه وللسيد تعجيزه 1 لأنه ليس في ذلك إبطال حق أحدهما من غير رضاه ولا إبطال حق الله تعالى لأنه لم يعد بضرر على أحدهما.
فصل [29 - الحمالة بكتابة العبد]: الحمالة بكتابة العبد غير جائزة 2 لأنها لو لزمت للزم أدائها على نجومها، ولو فعل ذلك فعجز المكاتب لم يقدر الحميل أن يرجع بما أداه عن العبد عليه ولا على السيد فيكون ذلك من أكل المال بالباطل.
فصل [30 - في تصرفات المكاتب]: ليس للمكاتب أن يهب شيئًا من ماله ولا يتصدق به ولا ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده 3 لأن في هبته ماله ومحاباته ما يؤدي إلى عجزه، وكذلك في نكاحه لأنه يلزمه مهر ونفقة.
وأما السفر فإن كان قريبا جاز لأن الحكم القريب حكم الحاضر، ولأنه محتاج إلى التصرف والتكسب لأداء ما عليه من الكتابه، وأما للبعيد فللسيد منعه منه لأن فيه تغرير بنفسه وإضرار سيده.
فصل [31 - في منع السيد من انتزاع مال المكاتب]: وليس للسيد أن ينتزع ماله 4 ما دام على كتابته 5 لأن في ذلك إبطالا لعقد الكتابة فليس له ذلك لأنه إذا لم يكن له تعجيزه لم يكن له ما يؤدي إليه.

فصل [32 - جواز مقاطعة المكاتب سيده على ما شاء]: يجوز مقاطعة المكاتب سيده على ما شاء وإن دخله وضع وتعجيل وغير ذلك مما يمنع منه في البيع 1، ولأنا قد بينا أن ذلك انتقال من كتابة إلى كتابة 2 وعدول عما وقع عليه الأول، ويفارق ذلك البيع لأن الثمن فيه دين ثابت متقدر لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء بخلاف ما عليه المكاتب.
فصل [33 - إذا أسلم مكاتب النصراني]: وإذا أسلم مكاتب النصراني بيعت كتابته من مسلم لأن ملكه عليه لا يجوز استدامته ولا يجوز بيع رقبته لما ثبت له من عقد الحرية 3 فلم يبق إلا بيع كتابته.
وقال شيخنا أبو القاسم - رحمه الله - 4 يخرج فيه رواية أخرى وهو جواز بيع رقبته بناء على قوله في أم ولده إذا أسلمت ولم يسلم هو أنها تباع وهي أعلى حرمه من المكاتب، وقال عبد الملك بن الماجشون: يقال للكاتب إذا أسلم إن أديت الكتابة ناجزة 5 عتقت بأدائها وإلا بيعت رقبتك وقال إسماعيل بن إسحاق مطالبة المكاتب بأداء الكتابه عليه حالة ظلم له ولا يلزمه 6.

فصل [34 - في ولاء من أدى الكتابة إلى مبتاعها النصراني وعتق]: إذا أدى الكتابة إلى مبتاعها وعتق فولاؤه للمسلمين ما دام السيد نصرانيًّا فإن أسلم عاد إليه الولاء لأن الميراث بالولاء كالميراث بالنسب لأن من استحق الميراث بالنسب استحقه بالولاء، والنصراني لا يرث بسببه وليه المسلم فلم يرث مكاتبه، فإذا أسلم ورثه لاستوائه معه في الحرية والديانة.
فصل [35 - إذا أوصى لمكاتبة بكتابته]: إذا أوصى لمكاتبه بكتابته كلها وضع في الثلث الأقل من قيمة كتابته أو قيمة رقبته فإن خرج ذلك من ثلثه عتق كله وإلا بقدر ما يحمله الثلث (وإن وضع عنه بعض الكتابة ولم يحمله الثلث) 1 يجعل في الثلث الأقل مما وصى له به أو قدر ما قابله من رقبته ثم عتق من رقبته بقدر ما خرج من ثلثه ووضع عنه من كتابته بقدر ما عتق من رقبته وكان ما بقي مكاتبًا بما بقي من كتابته إن أداه عتق كله وإن عجز عنه رق باقيه 2 ولم يرق ما كان عتق منه 3. وإنما راعينا 4 أقل الأمرين احتياطا للعتق ولتأكيد حرمته، ولأن تبعيضه غير جائز وتكميله إن بعض واجب، ولا يتوجه للورثة مقال في ذلك لأنا قد قدمنا الكتابة لكونها أقل من قيمة الرقبة فلا مقال لهم لأن السيد لم يكن يملك من المكاتب سوى الكتابة.
وإنما قلنا 5 إن قومنا الرقبة لكونها أقل قيمة من الكتابة فلا مقال لهم أيضًا لأن المكاتب لو عجز عن كتابته لم يكن للسيد منه ولا لورثته سوى رقبته فلم يكن لهم اعتراض في الوجهين.

فصل [36 - في حال المكاتب ما دام في كتابته]: حال المكاتب ما دام في كتابته 1 حال عبد في جراحه وحدوده وشهادته وطلاقه وقذفه ونفي القصاص عن قاتله إذا كان حرًّا وغير ذلك من أحكام العبد 2 لأن الحرية لم تتقرر لإمكان أن يعجز فيعود إلى الرق، ولأن أم الولد أكد 3 حرمة عنه لأن الفسخ مأمون عليها وغير مأمون على المكاتب ومع ذلك فأحكامها في هذه الأشياء أحكام العبد 4 والمكاتب أولى 5. فصل [37 - في منع السيد من وطء مكاتبته]: ليس للسيد أن يطأ مكاتبته 6 لأن عتقها معلق بأجل كتابتها فكانت كالمعتقة إلى أجل، ولأنها قد تحمل وتصير أم ولد ولا تجوز مكاتبة أم ولد فإن وطئها ولم تحمل فهي على كتابتها لأن مجرد الولاء لا يغير حكمها ولا يوجب تنجيز عتقها فإن حملت خيرت بين فسخ الكتابة وبين كونها أم الولد والإقامة على الكتابة.
وإنما وجب ذلك لأن مكاتبة أم الولد لا تجوز بغير رضاها فلذلك 7 كان لها فسخ الكتابة، وإن اختارت البقاء على الكتابة كان لها ذلك لأن فيها تعجيل عتقها، إذا أدت عتقت وإن عجزت كانت أم ولد.

فصل [38 - في كون جراح المكاتب في رقبته]: جراح المكاتب وجنايته في رقبته وماله 1 والمجني عليه مبدى على السيد 2 لأن سببه آكد وحقه أقوى فإن قدر المكاتب على أداء أرش الجناية والكتابة أداهما وبدأ بأرش الجناية 3 وأقام على الكتابة، وإن عجز عن ذلك بطلت الكتابة ورجع رقيقًا وخير سيده كما يخير في العبد الرق بين افتكاكه أو إسلامه.
فصل [39 - في عقل جرح المكاتب]: وإن جرح المكاتب فعقله عقل عبد 4 لأنه باق على الرق ما لم يكمل منه الأداء ويدفع العقل إلى سيده ولا يمكن المكاتب من التصرف فيه لأنه قد يتلفه ثم يعجز فيعود رقيقًا معيبًا في جسده، ويحتسب له بالعقل من كتابته فإن كان تمام ما عليه عتق فإن عجز تممه مما يؤديه، وإن كان فيه فضل كان له دون السيد لأنه قد صار حرا بأداء الكتابة فوجب أن يملك عقل جنايته.
...

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل