كتاب القسمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2
الأصل في القسمة 3 قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين﴾ 4 الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" 5 وما روي عن قسمته - صلى الله عليه وسلم - الغنائم وإسهامه بين العبيد المعتقين في المرض 6 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مال أدركه قسم الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وما أدركه قسم 7 الإسلام فهو على، قسم الإسلام" 8 ولأن أحدا لا يجبر على مشاركة غيره إذا لم يخترها.
فصل [1 - فيما يصح قسمه]:
الأعيان المملوكات ضربان: ضرب يصح قسمه وضرب لا يصح قسمه،1
فالذي لا يصح قسمه هو: الثياب، والحيوان، والرقيق، والعروض وغيرها فهذا يصح قسمة النوع منه دون الأعيان، ولا يصح قسمة أعيان هذه الأشياء كالثوب والعبد والدابة والسفينة وما في حكم العين الواحدة كالخفين والنعلين والبابين وكل ما في قسمه إتلاف عينه أو إتلاف النفع به، فهذا النوع لا يصح قسم العين منه 1 لأن القسمة هي في إقرار الحقوق وأن يميز الإنسان حقه وينفرد به فينتفع به 2 على ما يريده، وقسم هذه الأعيان يفيتها هذا المعنى فيجب منعه، ولأن طالب قسمة العبد والدابة والثوب والسطل وما أشبهه كأنه يقول أريد أن أتلفه على شريك ملكه وأبطل عليه الانتفاع به ولا أبالي إن أدى ذلك إتلاف ملكي فلا يُمكَّن من ذلك.
فصل [2 - إذا تشاح الشريكان فيما لا يصح قسمته]:
إذا ثبت أن قسمة كل واحد من هذه الأعيان لا يصح بانفرادها فإذا تشاح الشريكان فيه ولم يتراضيا بالانتفاع به على الشياع وأراد أحدهما البيع فله ذلك فإن أجابه الآخر أن يبيع حصته معه جاز، وإن أبى أجبر على البيع معه 3 , لأن في بيع 4 هذا حصته عنه وحده 5 ضررا عليه لنقص قيمتها إذا أفردت بالبيع عنها إذا بيعت بالجملة فلا يجوز أن يقال أن الشريك غير مختار لإخراج ملكه، ولا يجبر عليه لأنه إذ تعلق بذلك حق لغيره أجبر عليه ولم يلتفت إلى اختياره كالشفعة، ولأن الشركة لما لم يلزم البقاء عليها كان لمن أراد الانفراد منهما بحقه أن ينفرد به، فإن أمكن بالقسمة 6 وإلا بالبيع لأنه لا طريق له إلا ذلك، فإذا ثبت أن الشريك يجبر على البيع بما دفع به كان له ذلك لإزالة الضرر عنه إلا إن
شاء الشريك بيع حصة مشاعة فلا 1 يلزم بيع حصته معه، فإن اختار أن يتقاوما رقبة المبيع، فإن زاد على صاحبه سلمه الآخر له، هذا الحكم فيما لا ينقسم آحاده.
فصل [3 - قسمة الذي تنقسم أعيانه]:
فأما الذي ينقسم أعيانه كالعقار والرباع فما أمكن قسمه منها ولم يعد بالضرر وإتلاف حصة أحد الشركاء قسم بينهم، وما لا يمكن قسمه إلا بلحوق الضرر لجماعتهم وأن يصير لكل واحد ما لا ينتفع له فلا يجوز قسمه لأن ذلك إضرار بنفسه وشركائه، وإن كان تصير لأحد الشركاء ما ينتفع به فطالب بالقسمة وفي القسم إبطال انتفاع الباقي بحصصهم، وقد قيل إن العقار إذا كان مما ينقسم قسم على كل حال إذا دعي بعض الشركاء إلى القسمة 2.
فوجه القول بأنه يقسم وإن كان يصير لكل واحد منهما ما لا ينتفع به أن القسمة هي تمييز الحقوق فمن دعي إليها كان له ذلك اعتبارًا به إذا حصل للآخر ما ينتفع به، ولأنه يقول أريد أن أنفرد بملكي وليس عليَّ شيء من غيري فيكون له ذلك، ووجه القول إنه لا يقسم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار" 3 وهذا من الإضرار، ولأن قسم رقاب العروض والحيوان إنما امتنع لهذا المعنى.
فصل [4 - في أوجه القسمة]:
والقسمة في الأصل على ثلاثة أوجه: قسمة مهاياة: وهي أن يتهايأ الشريكان فيأخذ هذا دارا يسكنها وهذا أرضا يزرعها فيجوز ذلك بالتراضي وليست بواجبة يجبر عليها من أباها, لأن قسمة المنافع ليست بقسمة للرقاب، وقسمة بيع: وصفتها أن يأخذ أحد الشريكين دارا على أن يأخذ أحد الشريكين دارا
أخرى أو بستانًا أو دكانًا فهذه قسمة جائزة 1 , لأنها بيع ومحصولها أن أحدهما باع حصته من الدار بحصة الآخر من الدار الأخرى، والثالث قسمة قيمة وتعديل: وذلك إذا كانت الدار مختلفة البناء، والبستان مختلف الغراس يختلف قيمة كل شيء منه من نخل وشجر وبسط فإنها تعدل بالقيمة ويضرب عليها بالسهم، وصفة ذلك تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراسها ثم تعدل على أقل السهام بالقيمة فربما كانت جريب من موضع بإزاء ثلاثة أجربة من موضع آخر 2 على حسب اختلاف قيم الأرض في مواضعها, فمن حصل له سهم من طرف فإن كان بقدر حقه فقد استوفاه، وإن كان أقل من حقه ضم إليه مما يليه تمام حقه 3. ووجه ذلك: أن القيمة إذا عرفت وعدلت على أقل السهام نظر: فإن تراضوا على أن يجعل لأحدهم من طرف وللباقين من الطرف الآخر جاز، وإن تشاحوا ضرب بالسهم بينهم فمن حصل له بسهم من جهة كانت له، فإن اختلفوا بأي 4 الجهات يبدأ في الأسهام عليه أسهم على الجهتين فأيتهما خرج سهمها أسهم عليها ثم كان الحكم فيه على ما بيناه، وصفة القرعة: أن يكتب أسماء الشركاء في رقاع وتجعل في طين أو شمع ثم ترمى كل بندقة في جهة فمن حصل اسمه في جهة أخذ حقه متصلا في تلك الجهة، وقيل تكتب الأسماء وتكتب الجهات (ثم يخرج أول بندقة من الأسماء ثم أول بندقة من الجهات) 5 فيعطى من خرج اسمه نصيبه من تلك الجهة.
فصل [5 - في قسمة الدور والدكاكين والضياع]: إذا أراد الشريك قسمة دور أو دكاكين 1 أو ضياع: فطلب بعضهم القسم 2 له بحقه في كل دار أو دكان، وطلب الباقون القسمة على العدد نظر: فإن كان المنافع متساوية أو متقاربة والمواضع متصلة أو متقاربة ورغبة الناس فيها غير متباعدة قسمت على العدد، وإن كانت المنافع مختلفة والمواضع متصلة (والمنافع متساوية والمواضع) 3 متباعدة قسمت كل دار على حدة 4، وقال أبو حنيفة والشافعي: يقسم في الوجهين كل دار على حدتها 5. ودليلنا أن القسمة بالعدد أنفع للفريقين وأبعد على الغرر 6 وأعود بالصلاح لأن الدار الواحدة إذا قسمت ربما فسدت وقلَّ الانتفاع بما يصير لكل واحد منهما، وإذا حصل لكل واحد دار كاملة كمل انتفاعهم بها فكان عدولهم عن هذا إلى قسمة أجزاء الدار إيثارا للإضرار 7 بنفسه وبالشريك فلا يترك وذلك 8، ولا يلزم عليه الدار الواحدة لأنه لا يمكن فيها إلا قسمة كل عين، فأما إذا كانت المنافع مختلفة مثل المسيح والنضح والدار للسكنى والأرض للزرع فإن كل ملك يقسم على حدة لاختلاف الأغراض فيه ولحوق الضرر بقسمتها على العدد، وكذلك اختلاف المواضع قائم مقام اختلاف الأغراض والمنافع.
فصل [6 - في قسمة الحمام والرحى ..]:
الحمام والرحى وكل ما لا يحتمل القسم إلا أنه إذا قسم بطل الانتفاع به من ذلك الوجه وإن كان ينتفع به لغيره ففي قسمه روايتان 1: فإذا قلنا يقسم فإن 2 الانتفاع يحصل بقسمه ما أشبه سائر العقار، وإذا قلنا لا يقسم لأن في قسمه إبطال المنفعة المقصودة منه وإتلافها وذلك ضرر فلم يجز.
فصل [7 - في أجرة القسام]:
أجرة القسام على الرؤوس دون الأنصباء 3، خلافًا للشافعي في قوله: إنها 4 على الأنصباء 5 , لأن اختلاف المقادير لا توجب زيادة في فعل 6 القاسم بزيادة السهم بل التعب فيه واحد بل ربما تعب بتميز السهم القليل وإفراده أكثر مما يتعب بتميز الكثير، يبين ذلك أن الدار تكون فيها ثلثان وثمن فيحتاج إلى قسمتها أثمانًا ولو كانت نصفين لكان أسهل عليه، والأجرة تستحق على حسب العمل في الكثرة والقلة فإذا كان اختلاف مقادير الأنصباء يؤثر 7 في زيادة العمل ونقصانه أو ربما أثر في القليل مثل تأثيره في الكثير أو أكثر وجب إطراح هذا الاعتبار وأن يكون معتبرا بعدد 8 الرؤوس.
فصل [8 - في القول بأنه يقسم على أقل السهام]:
وإنما قلنا يقسم على أقل السهام لأن صاحب السهم القليل يحتاج إلى إفراد
حقه فلو لم يقسم على أقل السهام لم يصل إلى غرضه، وليس في ذلك إضرار بصاحب السهم الكبير لأنه يستوفي حقه متصلًا ولا يحتاج معه إلى استئناف قسمة لصاحب السهم القليل.
فصل [9 - إذا اشترك جماعة في سهم]:
وإذا اشترك جماعة في سهم قسم ذلك السهم مع بقية السهام قسمًا واحدا ثم استؤنف القسم بين أهل ذلك السهم إن أرادوا 1، لأن القسم على قدر أهل السهام وحكم أهل السهم الواحد حكم المالك الواحد فإذا انفردوا بسهمهم صار لهم حكم نفسهم ألا ترى أن الشفعة بين أهل سهمهم لا يدخل عليها 2 أهل سهم آخر.
...
باب اللقيط
1
لا يتبع الصبي أمه في الإسلام خلافًا لابن وهب 2، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي 3 , لأنه يتبع في الذمه أباه دون أمه فكذلك في الإسلام، ولأن كل من لا يتبعها في عقد الذمة لم يتبعها في عقد الإسلام كالجد والعم.
4
فصل [1 - في إسلام الصغير بإسلام أبيه]:
والصغير مسلم بإسلام أبيه لا بنفسه خلافًا لأبي حنيفة 5 لأنه غير مكلف كالمجنون، ولأن كل من يتبع غيره في الإسلام لم يصح إسلامه بنفسه كالذي يقصر عن التمييز.
فصل [2 - لا يتبع اللقيط بما أنفق عليه]:
ومن التقط لقيطًا فأنفق عليه فهو متطوع، وإن أراد أن ينفق عليه ويتبعه 6 به فليس ذلك له إما أنفق عليه محتسبًا وإما تركه 7، وإنما قلنا ذلك لأنه فقير من فقراء المسلمين تلزم الكافة إعانته فليس له أن يجعل عليه دينا، وسواء استأذن الإمام في أن ينفق عليه أم لم يستأذنه، خلافًا لمن يقول أنه يتبعه إذا استأذن الإمام لأنه ليس للحاكم أن يلزم ذمم الصغار ديونًا يتبعون بها مع الغنى عنها, لأن النفقة على أمثال هؤلاء يكون على وجه الحسبة.
فصل [3 - ميراث المنبوذ لبيت المال]:
وميراث المنبود 1 لبيت المال 2، لأنه مسلم لا وارث له وليس لملتقطه شيء من ميراثه, لأن الميراث لا يكون إلا بنسب أو ولاء أو نكاح وكل ذلك معدوم بين المنبوذ وملتقطه، والله أعلم وأحكم.
...
[انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث إن شاء الله]
المعونة عَلى مَذهَب عَالم المَدِينَةِ "الإمام مالك بن أنس" تَأليف القاضِي عبد الوهّاب البغدَادي 422 هـ تحقيق وَدراسَة حَميش عبد الحَقّ والكتاب في الأصل رسالة دكتوراه من جَامِعَة أمّ القرى بمكة المكرّمَة الجزء الثّالِث الناشر المكتبة التجارية مكّة المكرّمة
المكتبة التجارية مصطفى أحمد البَاز مكّة المكرمة: المركز الرئيسي: 5749022 - فَاكس: 5745044 فرع النزهَة: 5459850 - فرع الجامِعَة: 5581584 - المستودع: 5372374
المعونة عَلى مَذهَب عَالم المَدِينَةِ "الإمام مالك بن أنس"
(بسم الله الرحمن الرحيم) (1)