المعونة على مذهب عالم المدينةكتاب الغصب والتعدي
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الغصب والتعدي

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

2 مسألة [1 - فيمن أتلف على غيره شيئًا]: إذا أتلف على غيره شيئًا ظلمًا لزمه بدل ما أتلف 3 لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ 4، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ 5، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ 6، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "طعام كطعام وصحفة كصحفة" 7، ولأنه أتلف ملك غيره من غير استحقاق عليه فلزمه بدل ما أتلف لأنّ الأبدال في المتلفات كالقصاص في النفوس، وقال تعالى 8: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ 9 معناه أن القاتل1

أو الجارح إذا علم أنه يُفعل به مثل ما فعل ارتدع عن أن يفعل ذلك وانزجر خيفة أن يقتص منه فكأن في ذلك حياة للنفوس، وإلا اجترأ الناس بعضهم (على بعض كذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم) 1 على أموال بعض إذ لا بدل يلزمهم.
فصل [2 - في دفع بدل المتلف]: (كذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم على بعض) 2، فإذا ثبت ذلك فعلى المُتلِف دفع بدل المُتلَف إلى صاحبه والبدل نوعان: مثل من طريق الخلقة والصورة: فهو كل ما يكال ويوزن، فمن أتلف على غيره شيئًا مما يكال أو يوزن لزمه رد مثله لا قيمته وذلك 3 كالذهب، والفضة، والحديد، والصفر 4، والنحاس، والحنطة، والشعير وسائر المأكولات ولا تلزمه القيمة إنما يصار إليها عند تعذر المثل من طريق الخلقة لأنها ضرب من الحكم والاجتهاد في تعديلها بالمتلف فالمثل من طريق الخلقة لا اجتهاد فيه فكان كالاجتهاد مع وجود النص إذ لا فائدة فيه.
فأما ما لا يكال ولا يوزن: كالثياب وسائر العروض، والرقيق، والحيوان فيلزمه بإتلافه قيمته دون مثله 5، خلافًا لمن حكي عنه أنه يلزمه مثله من جنسه 6، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن

العبد قوم عليه قيمة 1 العبد فأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد" 2، والعتق إتلاف ثم أوجب القيمة فيه دون المثل فكان ذلك أصلًا في بابه، ولأن كل ما لا يكال ولا يوزن فالغرض منه أعيانه دون مبلغه فوجب قيمة العين، وما يكال ويوزن الغرض منه مبلغه فكان فيه مثله، والقيمة المعتبرة يوم التعدي والجناية لا يوم الحكم لأن الحكم معلق بذمته بالتعدي لا بالحكم إذا مطالبة الحاكم إنما هي بأمر قد تقدم وجوبه وإنما ينكشف بالحكم بمقدار ما اشتغلت به ذمته.
فصل [3 - عدم مراعاة ارتفاع الأسواق وانخفاضها في بدل المتلف]: ولا يراعي ارتفاع الأسواق وانخفاضها كما لا يراعي ذلك في السرقة 3 لأن القيمة متعلقة بالذمة تعلقًا منبرما حين التعدي ولا يؤثر ذلك بغيرها.
فصل [4 - في أضرب الجنايات]: الجناية على ضربين: جناية تُبطل يسيرًا من المنفعة وجلها من السلعة باق فهذا يجب فيه ما نقص: وذلك بأن تقوم وقت الجناية صحيحة وتقوم بالجناية فيلزم الجاني ما بين القيمتين 4، وإنما قلنا ذلك لأن الذي يلزمه بدل مما أتلف والإتلاف إنما يكون لهذا القدر من المنافع فلم يضمن ما زاد عليه، والضرب الآخر جناية تُبطل الغرض المقصود من الشيء والذي له يراد وإن بقيت فيه منافع متابعة غير مقصودة: فهذا يكون صاحبه مخيرًا إن شاء أخذ ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا وإن شاء أسلمه وأخذ قيمته وذلك مثل أن يكون لرجل عبد يزيده لبعض المنافع فتعدى 5 عليه رجل فيقطع يده أو يعميه 6 فيبطل عليه الغرض الذي له

يراد في العادة، وكذلك المركوب الذي يراد للجمال والركوب يقطع أذنيه أو ذنبه فيبطل الغرض المقصود منه وإن كان يبقى فيه 1 استعماله في الحمل ونقل التراب أو ما أشبه ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي 2: عليه في ذلك مثل ما بين القيمتين 3، وإنما قلنا ذلك لأنه قد أتلف عليه بهذا الفعل غرضه المقصود منه ضمانه اعتبارًا به لو أحرقه أو أتلف جميعه.
مسألة [5 - في ضمان الشيء المغصوب باليد]: الشيء المغصوب مضمون باليد فمن غصب شيئًا فقد ضمنه إلى أن يرده: فإن رده كما غصبة سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله، فإن تلف عنده 4 على أي وجه تلف ضمنه بقيمته يوم الغصب، إما بمثله إن كان مما له مثل أو بقيمته إن كان مما لا مثل له أي نوع كان من ذهب أو فضه أو حيوان أو متاع أو عروض أو عقار 5، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن كل ما لا يصح نقله كالضياع والعقار فإن الغاصب لا يضمنه (بإخراجه عن يد مالكه إلا بأن يجني هو عليه فيتلف فيضمنه) 6 بالإتلاف 7، ودليلنا أن كل معنى 8 يضمن به ما ينقل ويحول من الأعيان فإنه يضمن له ما لا ينقل منها ولا يحول كالقبض في البيع، واعتبارًا بما لا ينقل ولا يحول بعلة أنها أعيان مقصورة، ولأن الغصب سبب للضمان فوجب أن يضمن به العقار والنخل كالإتلاف به.

فصل [6 - زوال الضمان بإعادة المغصوب إلى يد مالكه]: وإنما قلنا إنه إذا رده فلا شيء عليه لأنّه قد فعل ما كان عليه أن يفعله من إزالة يده عنه وترك إمساكه ظلمًا وإعادته إلى يد مالكه فزال عنه الضمان لزوال السبب الموجب له وهو الغصب.
فصل [7 - إذا زاد المغصوب عند الغاصب بسمن وغيره]: إذا زاد المغصوب عند الغاصب بسمن أو فراهة في تعلم صنعة أو زيادة تسوق أو ما أشبه ذلك فإنما 1 للمالك أخذه ولا شيء للغاصب ولا أجره عليه لما علم من ذلك لأن المالك لم يأذن له، وليس بعين يمكنه ارتجاعه فلم يكن له شيء فأما إن زاد عنده بسمن أو غيره ثم تلفت تلك الزيادة ورجع إلى ما كان عليه عند الغصب فرده على الحال التي غصبه عليها لزم المالك أخذه ولا ضمان على الغاصب 2، خلافًا للشافعي في قوله إنه يضمن ما نقص عنده فيرد الأرش معه 3، ودليلنا أن من أصلنا أنه ضامن لها يوم الغصب وما طرأ على أبعاضها أو ثمنها 4 من نقصان أو زيادة فلا حكم له لأنه طاريء على عين مضمونه، ولأن رجوع العين المغصوبة إلى مالكها على الصفة التي غصبت يوجب القبول فوجب سقوط الضمان أصله لو لم تزد عنده 5 واعتبارًا بحوالة الأسواق.
فصل [8 - إذا رده الغاصب ناقصًا في بدنه عما غصبه عليه]: إذا رده ناقصًا في بدنه عمَّا غصبه عليه فإن المالك مخير بين أن يأخذه وبين أن يرده 6 ويضمنه القيمة يوم الغصب 7، وإنما قلنا ذلك لأنّه متعدى عليه

والغاصب هو المتعدي فكان أولى بالحمل عليه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ 1، ولأن المعتدى عليه غير في الأصول لأنه مجنى عليه في ماله 2 فله أن يقول لا آخذها كسيرة وقد غصبت مني صحيحة، فإذا ثبت أنه غير بأن كان أخذها ناقصة فينظر: فإن كان ما حدث بها من النقص بأمر من الله تعالى 3 لا بفعل من الغاصب فليس للمالك إلا أخذها بغير أرش أو إسلامها وأخذ الغاصب بقيمتها يوم الغصب، وإنما قلنا ذلك لأن الغاصب كان ضامنًا لها يوم الغصب 4 فلم يكن لما حدث من العيب فيها حكم في الضمان لأنه على أصل مضمون فإذا اختار المالك أخذها فقد رضي بعيبها لأنه لو لم يرض به لكان يسلمها ويرجع بالقيمة، فإذا قال أريد الأرش لم يكن له ذلك لأن الغاصب لم يكن ضامنًا لما حدث بانفراده وإنما كان ضامنًا له بضمان الجملة وأبعاضها متابعة لها.
فصل [9 - إذا كانت الجناية على المغصوب بفعل الغاصب]: فأما إن كانت الجناية بفعل الغاصب مثل أن يقطع يدها أو يفقأ عينها واختار أخذها فهل يجب له أخذ أرش النقص فيه خلاف 5: قال ابن القاسم: له ذلك، وقال سحنون وابن المواز ليس له إلا أخذها ناقصة بغير أرش أو إسلامها والرجوع بالقيمة يوم الغصب، وجه قول ابن القاسم إنه جناية على ملك كالمبتدأة، ولأن المالك متعدى عليه بشيئين بالغصب (وبالجناية فله أخذ الغاصب بأيهما شاء) 6، ووجه قول سحنون وابن المواز إنه ضامن لقيمتها بالغصب،

والجناية الطارئة بعد الضمان لا حكم لها أصله إذا كانت من قبل الله تعالى؛ لأن الجناية على النفس آكد وأغلظ من الجناية على الأطراف وقد ثبت أن الغاصب لو قتلها لم يلزمه زيادة على قيمتها يوم الغصب ففي الجناية على الأطراف أولى.
مسألة [10 - إذا لم ينتفع بما غصبه من دار أو عبد أو ثوب ..]: إذا غصب دارا أو عبدا أو دابة أو ثوبًا فلم ينتفع به بسكنى ولا بركوب أو استخدام أو لبس أو غير ذلك ولا بإكراء ولا أغله فلا شيء عليه ولا يطالب بأجرة المدة التي بقيت غصبا في يده 1، وقال الشافعي: تلزمه أجرة المثل للمدة التي قامت في يده 2، ودليلنا أنها منافع لم تستوف من المغصوب فلم يضمنها الغاصب أصله منافع البضع وهو أن يحبس حرة لا يمكنها التزويج وأخذ بدل بضعها حتى مضت مدة من الزمان فإنه لا يضمن مهر مثلها, ولأنها منافع تلفت في يد الغاصب من غير أن ينتفع بها أو يأخذ لها بد لا فلم يضمنها كبضع الأمة.
فصل [11 - إذا انتفع الغاصب بالمغصوب بنفسه أو بغيره]: فأما إذا انتفع الغاصب بالمغصوب إما بنفسه مثل أن يسكن الدار أو يركب الدابة أو يستخدم العبد أو يزرع الأرض، أو بأن يؤاجر ذلك يأخذ غلته فقد اختلف فيه: ففرق 3 ابن القاسم بين العقار وبين الحيوان فقال في الربع إن سكنه بنفسه أو زرع الأرض لزمه أجرة المثل، وإن كان أكراهًا من غيره 4 لزم غرم ما أكراها به إن كان بقدر أجرة المثل وإن كان دون ذلك لزمه تمام الأجرة، وفي الدواب والرقيق لا رجوع للمالك على الغاصب لا فيما انتفع به بنفسه ولا فيما أكراه واغتله، وقيل لا فرق بين ذلك كله ويرجع المالك عليه بكراء وغلة ما اغتله ولا يرجع عليه بما ركب بنفسه أو استخدم، وقيل عن مالك 5 إن المالك لا يرجع بشيء أصلًا لا من أجرة ولا من كراء لا فيما انتفع الغاصب بنفسه ولا فيما

أكراه في كل شيء من الرباع والحيوان وغيرها، وأن المنافع بالضمان 1. فوجه التفريق بين الحيوان والرباع أن الحيوان غير مأمون لأن التغير 2 يسرع إليه والتلف غالبًا يجوز عليه فيمكن أن يتلف باستعماله فيلزمه قيمته فكان الخراج له وليس كذلك الرباع لأنها مأمونة في الغالب، ولأن 3 الحيوان محتاج إلى نفقة ومؤونة والغاصب لا يرجع بما أنفق عليه فكانت المنافع غير مضمونة عليه 4 والرباع يرجع بما أنفق فيها أو عمره فأخذ منه قيمة ما انتفع وأجرة ما اغتل.
ووجه التفريق بين انتفاعه بنفسه وبين ما أكراه واغتله 5 في الحيوان والرقيق أن ما أكراه 6 عوضًا في منافع ملك الغير فكان كالعين القائمة فلزمه ردها، وما سكن بنفسه لم يأخذ عليه عوضًا يستحق رده عليه، ولأنه إن تلف ذلك في استخدامه أو ركوبه غرم القيمة ولم يأخذ شيئًا يغرم منه، فإن أكراه ثم تلف فقد اعتاض الكراء الذي يغرم 7 منه.
ووجه القول بأن المنافع غير مضمونة أصلًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان" 8، ولأن الغاصب لما كان ضامنا للعين بقيمتها يوم الغصب لم يكن لمنافعها حكم في الضمان لأنها متابعة للعين، فأما إن اختار المالك أخذ العين ولا يرجع بشيء أو ضمنه قيمتها يوم الغصب، ولأن الضمان بالجناية آكد من الضمان بالاستخدام وغيره وقد بينا 9 أن الغاصب لو جنى على بعض أطراف المغصوب لم يكن

لمالك إلا أخذه ناقصًا بالأرش أو إسلامه والرجوع بالقيمة يوم الغصب فكان بأن لا يرجع في المنافع أولى.
ووجه القول بأنه يرجع عليه في كل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" 1، ولأنه انتفع بملك غيره من غير ملك ولا شبهة فلزمه 2 قيمة ما انتفع به أصله إذا ابتدأ الاستخدام والسكنى من غير غصب.
مسألة [12 - إذا غصب ساحة فبنى فيها]: إذا غصب ساحة فبنى عليها لزمه قلع البناء وردها 3 خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقلعه 4، ولصاحبها القيمة 5، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" 6، ولأنها عين اغتصبها فإذا جاز ردها لزمه أصله لو لم يبدأ فيها في البناء، ولأنه شغل ملك الغير بملكه الذي لا حرمة له غصبًا فوجب أن يلزمه رده أصله لو غصبه أرضًا لو غصب أرضًا فزرعها.
فصل [13 - إذا غصب أرضًا فزرعها]: إذا غصب أرضًا فزرعها ثم أدركت والزرع قائم فيها: فإن كان وقت الزرع لم يفت كان للمالك 7 قلع زرعها 8 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" 9

وهذا عرق ظالم، ولأن منافعها غير مملوكة فليس له شغلها على صاحبها ولا لعرقه حرمة كزرع المستحق من يده فيلزم المالك تبقيته 1 وأخذ الأجرة، وإذا كان كذلك كان له قلعه.
فصل [14 - إن كان وقت الزرع قد فات ولا ينتفع المالك بقلعه]: فأما إن كان وقت الزرع قد فات ولا ينتفع المالك به إن قلع الزرع ففيها روايتان 2: إحداهما أن له قلعه، والأخرى أن ليس له قلعه ويكون على الغاصب أجرة المثل، فوجه قوله أن يقلعه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وليس لعرق ظالم حق"، واعتبارًا به إذا كان وقت الزرع لم يفت.
(ووجه قوله ليس له قلعه: أنّه لا ينتفع بذلك ويضر بالزرع) 3 فكان قصده مجرد الإضرار بالغاصب فلا يترك لذلك والأول أصح.
فصل [15 - إذا أراق المسلم على ذمي خمرا]: إذا أراق على ذمي خمرا فعليه قيمته عند مالك، وقال عبد الملك لا قيمة عليه 4، وهو قول الشافعي 5، فوجه قول مالك أنه أتلف عليه ظلمًا ما يعتقده ملكا له ويعز عليه فلزمه قيمته أصله إذا أتلف عليه ثوبًا أو غيره من العروض، ووجه قول عبد الملك إنه لا قيمة للخمر فلم يلزمه بسوى الأدب بإتلافه ما لم يكن له أن يتولى إتلافه، كما لو عدى على مرتد فقتله لم تلزمه ولم يكن عليه إلا الأدب بافتياته على الإِمام.
فصل [16 - حكم من غصب أمة فوطئها]: إذا غصب أمة فوطئها فإنه زان لأنه وطء عن غصب كوطء الحرة وولده ملكًا لسيده لأن ولد الأمة من غير سيدها تابع لها في الحرية والرق 6.

فصل [17 - إذا أخذ القيمة من الغاصب ثم وجد الشيء المغصوب]: إذا أخذ القيمة من الغصب ثم وجد الشيء المغصوب فهو للغاصب ولا رجوع للمالك عليه 1 خلافًا للشافعي 2؛ لأنه لما أدى القيمة صار ملكًا له لأنه عوض عن رقبته فأشبه الثمن وهذا إذا لم يكن الغاصب أخفاه.
فصل [18 - ضمان فتح قفص عن طائر فطار]: إذا فتح قفصًا عن طائر فطار ضمنه طار عقيب الفتح أو بعد مهلة 3، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4؛ لأن سبب إتلافه الفتح لأن بالفتح خرج من القفص ولولاه لم يكن له سبيل إليه فإذا ثبت أن فتحه سبب لإتلافه لزمه ضمانه.
...

باب: الاستحقاق

1 إذا ابتاع رجل أمة فأولدها ثم استحقها رجل فقد اختلف قوله في أخذها فعنه في ذلك روايتان 2: إحداهما أن المستحق يأخذها، والأخرى أن ليس له أخذها وله قيمتها.
فوجه قوله إن له أخذها لأنها باقية على ملكه واستيلاد الغير إياها 3 لا يمنع المالك أخذها ولا يوجب لها 4 حرمة الاستيلاد لأن ذلك إنما يكون بفعل من السيد، وأما على وجه صنع له فيه فلا , ولأنها ولدت من غير مالك فلم يثبت لها حرمة الاستيلاد أصله إذا ولدت من نكاح ولأن اعتقاد الوطء استباحة وطئها بالملك كاعتقاده ذلك في النكاح وقد ثبت أنه لو غرت من نفسها فتزوجها رجل على أنها حرة ووطئها فإن ذلك لا يمنع سيدها أخذها فكذلك في البيع.
ووجه قوله إنه ليس له أخذها فلأنه واطيء بشبهة ملك وشبهة كل عقد مردود إلى صحيحه, وإذا ثبت أنه ليس له أخذها فله القيمة وتكون يوم فاتت بالوطء كما تكون على الغاصب يوم الغصب، وإن لم يختر 5 أخذ الثمن ولا أخذها واختار الثمن الذي باعها به الغاصب فله ذلك لأنّه متعدى عليه والخيار له، فإذا قلنا له أخذها أو ليس له أخذها فإن الولد لا يأخذه بحال لأن الأب 6 دخل

على أنه وطء ملكه وإن ولده أحرار فلا يجوز استرقاقهم فأما أخذ قيمتهم من الأب ففيه خلاف: فوجه أخذها أن الأصل أن ولد أمته ملك له إلا أنه منع ذلك لحرمة الاستيلاد الثابت بالشبهة فكان الرجوع بالقيمة على الأب لأنه سبب يمنع 1 أخذ السيد لهم، ووجه نفي أخذها أنهم ولدوا في ضمان الأب بعد ثبوت القيمة عليه للأم وثبوت حرمتها فلا ضمان عليه فيما يتبع الأصل، وإذا وجدها قد ولدت من غاصب فإنه يأخذها لأن حرمة الاستيلاد لا تثبت لها ويأخذ الولد لأنهم ملك له لأن الأب لم يدخل على أنهم أحرار والواطيء زان إذا وطء على الغصب يلزمه الحد ولا يلحق به الولد وقد بيناه.
فصل [1 - إذا غرَّت الأمة من نفسها فتزوجت على أنها حرة]: فأما إذا غرت الأمة من نفسها فتزوجت على أنها حرة فللسيد أخذها لأن منافع بضعها ملك له وغرورها لا يزيل ملكه، وله أخذ قيمة الولد ممن أخذه 2 لأنّه سبب زوال السيد عنهم -لأنه دخل على أن يكونوا أحرارا بما غرته من نفسها , وهذا إذا كان الواطيء أجنبيًّا أو من لا يعتق ولده على رجوع له بقيمة الولد على الواطيء 3 خلافًا لمن يقول إن له القيمة 4 لأن الولد إذا وجب عتقه عليه فأخذ العوض عليه غير جائز، والقيمة تكون يوم الحكم لأن ذلك وقت استحقاقها، ويرجع الأب بالصداق على من غره لأن العوض لم يسلم 5 له ولا يرجع بقيمة الولد 6 إذا أخذت منه على من غره لأن الغرر 7 لم يتعلق بالولد وإنما تعلق بالاستمتاع.

مسألة [2 - من أحيا مواتًا أو ابتاع خرابًا فعمرها ثم جاء مستحق لها]: من أحيا مواتًا أو ابتاع خرابًا فعمرها ثم جاء مستحق: فإنه يأخذ ملكه إن أحب بعد دفع قيمة العمارة قائمة، ويرجع المشتري بالثمن على بائعه فإن لم يختر المستحق ذلك قيل للثاني ادفع إليه قيمة أرضه براحًا وتكون لك فإن أبي كانا شريكين بقدر قيمة البراح من غير عمارة وقيمة العمارة قائمة 1. وإنما قلنا إن المستحق يبدأ بالخيار لأنه أقوى سببًا لكون الأرض له والمشترى أو المحيي عمر في شبهة ملك فكان صاحب الملك مقدما عليه، وإنما قلنا يعطيه قيمة البناء قائما لأنه لم يتعد في البناء فيه فيطالب بالقلع، وإنما دخل على أنه يبني في ملكه فلم يكن ظالمًا بل كان لبنائه حرمه.
وإنما قلنا إنه إذا بذل القيمة لزم الثاني أخذها لأن الضرر قد زال عنه بالاستحقاق بحصول القيمة، وإنما قلنا إن القيمة تكون وقت الحكم لأن ما قبل ذلك لم يجب أخذها للمستحق.
وإنما قلنا إن الخيار ينتقل إلى الثاني إذا أبى 2 المستحق ليزول الضرر عنهما فيقال للباني 3 ادفع إليه قيمة براحه فإن أجاب إلى ذلك وأبى المالك أُجبر على أخذه لأن الباني 4 يقول لست أختار أن يكون لي بناء في ملك غيري فيكون له ذلك.
وإنما قلنا إنهما يكونان شريكين إذا أبى كل واحد أن يدفع إلى الآخر قيمة ماله لأن كل واحد منهما له حق لا يجوز إبطال الآخر له، وليس إلا الإجبار أو البقاء على الشركة.

فصل [3 - في الاستحقاق من يد غاصب]: وأما الاستحقاق من يد غاصب قد بنى وغرس فإن المالك مخير: إن شاء قلع بناءه وغرسه، وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعًا بعد طرح أجرة القلع 1. وإنما وجب ذلك لأن عرق الغاصب لا حرمة له لأنه 2 عرق ظالم فكان لرب الأرض قلعه إذا اختاره وله دفع قيمته مقلوعًا إن اختار، ولا مقال للغاصب إن قال أريد عين مالي ولا أريد قيمته لأن المالك يقول لا أدعك تعور أرضي بقلع غراسها أو بنائها أو بإخرابها وإحواجي 3 إلى عمارتها فيكون ذلك له، وإنما قلنا إنه يدفع إليه قيمته مقلوعًا لأن تبقيته غير مستحقة عليه؛ لأن القيمة في هذا الموضع بدل عن العين للغراس والبناء فلما كان للغاصب أخذه نقضًا وخشبًا كان على المالك أن يعطيه قيمته بما كان يأخذه لو أخذه، وإنما قلنا يحط عنه أجرة القلع لأن قلعه مستحق على الغاصب لأن 4 عليه تسليم الأرض إلى المالك فارغة فيجب أن يحط عن المالك قدر الأجرة وليس للغاصب قيمة ما لا له إن قلع 5 ولا قلعه مثل الجص الذي لا مرجوع له وإزالة النقوش والتزاويق وما أشبه ذلك لأن قلع ذلك إضرار برب الأرض ويعور أرضه من غير نفع يحصل للغاصب فلم يكن منه، ولا معتبر لقوله إن هذا غير شيئي فلي أخذه لأنه ذلك يكون له فيما ينتفع به، فأما فيما يقصد به إضرار غيره فلا يمكَّن منه والله أعلم وأحكم 6. ...

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد (1)

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل