المعونة على مذهب عالم المدينةكتاب الصيام
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 (قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب) 2: صوم شهر رمضان فريضة واجبة على الأعيان 3 لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 4 وقوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإِسلام على خمس: فذكر صوم رمضان" 5، وقوله للذي سأله عن الإِسلام: "وصوم رمضان" 6، ولأنه إجماع 7. فصل [1 - العلم بدخول شهر رمضان]: وللعلم بدخوله ثلاثة طرق وهي: الرؤية، والشهادة، فإن لم يصل إلى واحد منهما فإكمال عدة شعبان 8. فأما الرؤية فالأصل فيها قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" 9،

وقوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه" 1، ولأن الرؤية محققة مقطوع عليها وما عداها 2 مظنون، فإذا وجب الصوم بالمظنون كان بالمتحقق أولى.
فصل [2 - الشهادة وإكمال العدة في ثبوت هلال رمضان]: الأصل في الشهادة ولزوم الصوم بها ورود الأخبار 3 وإجماع الأُمة عليه 4، وإذا ثبت أنها طريق للعلم بدخول الشهر فأقل ما يجزيء منها شهادة رجلين مسلمين حرين عدلين، ولا يُقبل فيها النساء بانفرادهن 5، ولا مع الرجال ولا العبيد ولا عدل واحد ولا اعتبار بكون السماء مصحية أو متغيمة ولا بالنقل الخاص أو 6 المستفيض.
فإن لم يصل إلى الشهادة على الشرط الذي وصفناها أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صام ولا يلتفت إلى قول المنجمين: أهل الحساب والعدد 7. فصل [3 - وجه عدم قبول شهادة النساء في رؤية هلال رمضان]: وإنما قلنا: إنه لا يقبل فيها النساء على وجه لأنه حكم يثبت في البدن يطلع عليه الرجال غالبًا فلم يقبل فيه شهادة النساء كالطلاق والعتاق والقتل 8 = الهلال ... " (2/ 229)، ومسلم في الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال (2/ 759).

والحدود، ولأن شهادة النساء تقبل مع الرجال فيما طريقه المال أو المقصود منه المال وبانفرادهن فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا من عيوب النساء ومسألتنا خارجة عن هذين.
فصل 1 [4 - من أدلة شروط قبول الشهادة على هلال رمضان]: وإنما قلنا: لا يقبل غير 2 الأحرار لأن شهادة غير العدول غير مقبولة، والحرية من شروط العدالة كالإسلام، وإنما لم نفرق بين أن تكون السماء مصحية أو متغيمة خلافًا لأبي حنيفة 3 في قوله: إن كانت مصحية لم تقبل فيه إلا شهادة العدد المستفيض خبرهم، وإن كانت متغيمة قبلت فيه شهادة واحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا" 4 ولم يفرق، ولأنه قد حصل بشهادة عدلين، فوجب قبولهما كما لو كانت متغيمة ولأنه معنى يثبت بالشهادة فلا يتعلق شرط الاستفاضة فيه بالصحو 5 والغيم كسائر الأشياء المشهود فيها.
فصل [5 - شهادة الواحد على رؤية الهلال]: وإنما قلنا: لا تقبل شهادة الواحد خلافًا للشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم 6: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا" 7، فشرط العدد في

الشهر 1 فثبت وجوبه، ولأنه حكم يثبت في البدن فلم يقبل في الشهادة عليه واحد أصله النكاح والطلاق ولأنها شهادة على رؤية الهلال كالفطر.
وإنما قلنا: إن مع عدم الرؤية والشهادة يجب كمال العدد لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين" 2، وقوله: "فإن غم عليكم فأقدروا له" 3، ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه إلا بأن يثبت 4 دخول رمضان من طريق مثله وليس إلا الرؤية والشهادة.
فصل [6 - قول أهل النجوم والعدد في هلال رمضان]: وإنما قلنا: إنه لا اعتبار بقول أهل النجوم والعدد لقوله: "من صدق كاهنًا أو منجمًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد" 5، ولأنهم يثبتون ذلك من طريق يخالفون في صحته ولا يسلم لهم ثبوته، ولأن صاحب الشرع قصر ذلك على الرؤية والشهادة وإكمال العدة فلم يجز إثبات زيادة عليه.
فصل [7 - النية في الصيام]: النية شرط في صحة كل صوم من فرض ونفل وقضاء ونذر معين أو مستحق في الذِّمَّة 6 خلافًا لزفر في قوله: إن رمضان غير محتاج إلى نية 7، لقوله

صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" 1 الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 2 فعم، ولأنه صوم شرعي فأشبه سائر الصيام.
فصل [8 - نية الصيام بعد الفجر]: ولا تجزيء النية بعد الفجر لشيء من أنواع الصيام 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 في إجازته ذلك فيما يتعلق بوقت معين كصوم رمضان والنذر المؤقت، وللشافعي 5 إجازته ذلك 6 في النفل دون الفرض، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 7 فعم، ولأنه صوم شرعي فأشبه النذر والقضاء والنفل، ولأنها عبادة من شرطها النية، فوجب ألا يتأخر عن بعض زمانها أصله الصلاة والحج، ولأنها نية ابتدأت بعد مضي جزء من النهار أصله بعد الزوال، ولأن كل ما لا يكون الصائم صائم إلا بوجوده فلا يصح الصوم بعد مضي جزء من اليوم عريًا منه أصله الإمساك، ولأن النية أحد ركني الصيام فاختصت بإحدى جنسي الزمان أصله الإمساك, وعلى الشافعي خاصة أن النهار لو كان زمانًا تصح فيه نية لصيام النفل لصحت فيه نية الفرض

اعتبارًا بالليل، ولأنها عبادة من شرطها النية، فلم يختلف فرضها ونفلها في وقت النية أصله الصلاة.
فصل [9 - من نوى لجميع شهر رمضان]: إذا نوى لجميع شهر رمضان من أول ليلة أجزاه 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2 لقوله - صلى الله عليه وسلم - 3: "إنما لامريء ما نوى" 4، ولأنه نية لصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم لا يتخلل النية والعمل المنوي زمان نهار فطر فأشبه إذا نوى اليوم الأول من ليلته وقت المغرب أو 5 العشاء الآخرة.
فصل [10 - من رأى هلال رمضان وحده]: إذا ترآى الناس هلال رمضان فرآه رجل واحد لزمه صومه في نفسه لأنه لما لزمه بإخبار غيره عن رؤيته وهي مظنونه له كان بتيقنه أولى ولا خلاف في ذلك، وإذا ثبت هذا فإن كان ممن يسمع الإِمام قوله، فعليه أن يخبر الإِمام بذلك لأنه حق لله تعالى فيلزمه 6 أداؤه، ولعل غيره أن يكون قد رآه فتكمل الشهادة، وإن كان فاسقًا أو عبدًا أو امرأة أو غيرها لا تعرف عدالته فليس عليه أن يعلم الإِمام لأنه يضع من نفسه بغير فائدة بل يصوم لنفسه 7.

فصل [11 - إذا تعمد الإفطار في اليوم الذي رأى الهلال في ليلته وحده]: وإذا 1 تعمد الإفطار في اليوم الذي رأى الهلال في ليلته وحده فعليه القضاء والكفارة ولا اعتبار في ذلك بحكم الإِمام بوجوب صيام ذلك اليوم 2، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا كفارة عليه إذا لم يحكم الإِمام بصومه 3 لأنَّه هاتك لحرمة يوم عليه يقينًا من رمضان بالفطر فيه، فلزمته الكفارة أصله اليوم الثالث، ولأنه لزمته الكفارة بفطرة مع حكم الحاكم بوجوبه كان بأن يلزمه برؤية نفسه أولى، ولأنه حكم يلزمه بالفطر في رمضان، فلم يكن لحكم الإِمام اعتبارًا فيه أصله القضاء.
فصل [12 - في يوم الشك]: وإذا لم ير الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان والسماء مصحية أو متغيمة، فإن الغد محكوم عليه بأنه من شعبان، فإن كان هناك غير كان يوم شك لإمكان أن يكون الغيم هو المانع من الرؤية 4، والمستحب أن يصبح الإنسان ممسكًا عن الطعام لجواز أن يثبت أن اليوم من رمضان بشهادة فيسلم من أن يكون قد أكل في رمضان، وإن كان القضاء لازمًا له على هذه الصفة.
ويكره أن ينوي صومه تطوعًا تعمدًا 5 عند بعض أصحابنا، ويجوز عند مالك 6 إذا لم يقصد به استقبال رمضان، وكذلك يجوز إذا وافق صومًا كان يصومه، ولا يجوز أن ينوي بصومه أنه من رمضان على طريق الاحتياط، فإن

كان منه فقد أداه، وإن لم يكن منه كان تطوعًا، فإن 1 صامه على ذلك، فلا يجزؤه متى ثبت أنه من رمضان وعليه قضاؤه 2. فصل [13 - في صحة صوم يوم الشك تطوعًا]: وإنما قلنا: إن صومه يصح تطوعًا 3 خلافًا لمن قال: إنه لا يصح على وجه 4 لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمن أحدكم صوم رمضان بيوم ولا بيومين إلا أن يكون صوم كان 5 يصومه فليصم ذلك اليوم" 6 فعم، ولأنه يوم من شعبان فأشبه ما قبله.
فصل [14 - وجه من أجاز صوم يوم الشك ومن كرهه]: وإنما أجزنا أن يصام تطوعًا للخبر الذي رويناه، والقياس، ولأنه من شعبان فصح صومه أصله إذا وافق صومًا كان يصومه، ولسان كل يوم لم يكره أن يتطوع لصومه على وجه لم يكره أن يتطوع به على وجه الابتداء، أصله سائر الأيام، ووجه الكراهة 7 وهو قول محمَّد بن مسلمة والشافعي 8: "أنه صلى الله

عليه وسلم نهى عن صيام يوم الشك" 1 فعم، ولأن عمارًا 2 امتنع أن يصومه 3، وقال: "من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" 4. فصل [15 - النهي على أن يصام إن كان من رمضان وإن لم يكن متطوعًا]: وإنما منعنا 5 أن يصام على أنه إن كان من رمضان كان إذا، فإن لم يكن منه كان تطوعًا خلافًا لأبي حنيفة 6، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" 7، ولأنه لو شك في طلوع الفجر فصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الصبح إن كان الفجر قد طلع والتطوع إن لم يكن طلع ثم يثبت أنه صلاهما بعد الفجر لم يجزؤه ذلك، فكذلك صوم يوم الشك.
فصل [16 - إذا ثبت الشهادة بدخول رمضان يوم الشك]: وإذا ثبت الشهادة في يوم الشك برؤية الهلال عشية الأمس، فقد ثبت كون ذلك اليوم من رمضان فلا يخلوا الناس من أربعة أحوال 8:

إما أن يكون منهم من أكل ومن لم يكل ولم ينو صومًا، أو من لم يأكل وقد نوى التطوع أو غيره من الصيام سوى رمضان، أو من لم يأكل ونوى بصومه الاحتياط فكلهم لا يجزؤه وعليهم قضاؤه.
فأما من كان منهم أكل فلأنه لم يمسك ولم ينو فلا يجزؤه، وعليه أن يكف بقية يومه عن الأكل لأنه لو علم أن اليوم من رمضان لم يكن له أن يأكل، وكل من هذه سبيله فعليه أن يكف إذا عرفه 1. وأما من لم يأكل ولم ينو فعليه إمساك اليوم لما ذكرناه، وعليه قضاء ذلك اليوم خلافًا لعبد الملك بن الماجشون وأحمد بن المعذل في قولهما: أنه يجزؤه صومه ولا قضاء عليه، وإنما قلنا ذلك لأنه لم ينو من الليل ولأنه 2 لم يعلم به فيعتقد الصوم ولا يصح الصوم بغير نية من الليل ولا تكفيه نية الإِسلام دون تعيينها وقصد الزمان بها, ولأنه لم ينو هذا الصوم من ليلته فأشبه إذا نواه تطوعًا.
وأما من نوى تطوعًا فلا يجزؤه أيضًا لأمرين: أحدهما أن نية رمضان به لم تحصل، والآخر 3 أن رمضان عينه مستحقة لنفسه ولا يصام عن غيره على وجه.
وأما من صامه على الشك والاحتياط فقد ذكرناه.
فصل [17 - الشهادة في آخر يوم من رمضان]: وإن ثبتت الشهادة في آخر يوم من رمضان أنهم أهلوا الهلال عشية أمسه، فإن الناس يفطرون لوقتهم 4 لأنه ثبت أن اليوم يوم الفطر وصومه غير جائز فهو كالليل وكأوقات الحيض.

فصل [18 - هل تصلي صلاة العيد إذا رؤى الهلال في يومه؟]: فأما صلاة العيد فينظر، فإن كان قبل الزوال صليت وإن كان بعده لم تصل لا في بقية اليوم ولا من الغد 1، وإنما قلنا: إنها تصلي إذا كان قبل الزوال لأن وقتها باق لأنَّه ما بين ضحوة إلى الزوال، وإنما قلنا: أنه إذا كان بعد الزوال لم يصلوا للإجماع على ذلك 2، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها ولا أحد من الأئمة بعده بعد الزوال، وإن قلنا: لا تصلي من الغد 3 خلافًا للشافعي وأحمد 4 لأنه غير يوم عيد 5، فلم يقض فيه صلاة العيد كالثالث والرابع، ولأنها صلاة مسنونة، فخروج وقتها مسقط لها كالوتر والكسوف، ولأنها لما لم تصل بعد الزوال، وهو إلى وقتها أقرب كانت بأن لا تصلي من الغد أولى لأنَّه من وقتها أبعد.
فصل [19 - إذا رؤي الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان نهارًا]: وإذا رؤى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان فهو لغده دون يومه سواء كان قبل الزوال أو بعده، فإن كأنه هلال رمضان لم يكف الناس عن الأكل 6، لأن اليوم من شعبان، وإن كان هلال شوال مضوا على صومهم؛ لأن اليوم من رمضان، وفرق أبو يوسف بين أن يرى قبل الزوال أو بعده، فجعل رؤيته قبل الزوال لليوم وبعده للغد 7، ورأيت نحوه لابن حبيب 8، ودليلنا قول عمر

رضي الله عنه: "إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تصوموا ولا تفطروا إلا أن يشهد رجلان أنهما أهلاه بالأمس" 1، ولأن رؤيته يوم الثلاثين لا يوجب أن يكون ليومه أصله إذا رئي بعد الزوال.
...

باب: الصوم الشرعي

الصوم الشرعي: هو إمساك جميع النهار بنية قبل الفجر أو معه فيما عدى زمان الحيض والنفاس والإغماء والجنون، والأيام التي يصلي فيها صلاة العيد 1. فصل [1 - أدلة الصوم الشرعي]: وإنما قلنا: إنه إمساك جميع أجزاء 2 النهار لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ...﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 3، فألزمنا الإمساك مع طلوع الفجر ثم أمرنا 4 بإتمامه إلى الليل.
وإنما قلنا بنية لما قدمناه من الدلالة على أن النية شرط في جميع الصيام فوجب أن تكون قبل أن يستحق الوقت للصيام أو مع أوله ليكون الشروع في ذلك مقارنًا لها أو متقدمًا عليها, ولا يجوز تأخيرها عن الفجر.
وإنما شرطنا أن يكون فيما على زمان الحيض والنفاس للاتفاق على أن الحيض والنفاس يمنعان أداء الصوم، وقد مضى ذلك في كتاب الحيض 5. وإنما شرطنا أن يكون في حال لا يقارنها إغماء ولا جنون لأنهما يؤثران في منع الأداء على ما سنذكره 6، وإنما شرطنا أن يكون في أيام لا يصلي فيها العيد احترازًا من أيام العيد لأنّ صومها لا يصح بمثابة الليل.

فصل [2 - في جواز صيام أيام التشريق للمتمتع]: ويجوز للمتمتع صوم أيام التشريق 1 خلافًا لأبي حنيقة والشافعي 2 لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ 3 فعم، وروى ابن عمر: "أنه صلى الله عليه وسلم رخص للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم أيام العشر أن يصوم أيام التشريق" 4 وهذا كالنص، ولأن كل يوم لا يصلي فيه صلاة العيد، فإن صومه يصح أصله سائر الأيام.
فصل [3 - صيام أيام التشريق تطوعًا]: ويكره التطوع بصيامها لقوله صلى الله عليه وسلم 5: "إنها أيام أكل وشرب وبعال" 6، فأجراها مجرى يوم العيد ولا يجوز اعتبار ذلك بالمتمتع لأن الضرورة لا تعتبر بالاختبار.
فصل [4 - فيما يجب الإمساك عنه]: والذي يجب الإمساك عنه ويحكم بالفطر متى انخرم شيء منه هو الأكل والشرب وإيصال شيء يتطعم إلى الخلق من أي المنافذ كان: من مدخل الطعام والشراب أو العين أو الأذن أو الأنف أو ما ينحدر من الدماغ بعد وصوله من بعض هذه المنافذ، فمتى وصل شيء من ذلك إلى حلقه، فإنه يفطر مثل أن بالغ

في الاستنشاق فيصل الماء إلى حلقه أو يستسعط 1 بدهن أو يصبه في صماخه أو يكتحل بكحل حاد فيجد طعم ذلك في حلقه.
واختلف فيمن بلغ ما لا يغذى 2 ولا يماع في الجوف كالحصى والدرهم وما أشبهه، فقيل: أنه بمثابة الطعام والشراب في وقوع الفطر به، وقيل: لا يقع الفطر به 3. واختلف في الحقنة والصحيح أنها لا تفطر 4 ولا يفطر ما لا يمكن الاحتراز منه كغبار الدقيق والتراب، وما بين الأسنان الذي يترك مع الريق 5 وما أشبه ذلك.
ومما يلزم الإمساك عنه الإيلاج في قبل أو دبر، فمتى حصل وقع الفطر من غير مراعاة الإنزال، وكذلك إنزال الماء الدافق كان بوطء دون الفرج أو عن قبلة أو جسة أو عبث بيد أو مداومة نظر أو فكرة أو تذكر وما أشبه ذلك من الأسباب الداعية له.
ولا يفطر باحتلام ولا بما يرهقه ابتداء من الإنزال من غير سبب استدعى به 6 إن أمكن وجود ذلك، ومما يفسد الصوم الحيض والنفاس والردة وترك النية من الليل والإغماء والجنون قبل طلوع الفجر إذا داما به إلى بعد طلوعه، وكذلك السكر فهذا جمهور ما في هذا الباب 7.

فصل [5 - أدلة الإمساك عن الأكل والشرب]: وإنما قلنا: إن الإمساك يجب بجميع النهار 1 عن الأكل والشرب لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ 2 فأمرنا بالإمساك عن ذلك عند طلوع الفجر إلى دخوله الليل، ولقوله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: "من أكل فليمسك" 3 والإجماع على ذلك 4، وإنما قلنا: إن وصول الطعام إلى الحلق من أي المنافذ كان يفطر لاتفاقهم على أن وصوله من مدخل الطعام أو الشراب يفطر، والعِلَّة فيه وصول طعمه إلى الحلق، فكانت سائر المنافذ بمنزلته والاتفاق على منع الصائم من ذلك، ولو كان الفطر لا يقع به لم يكن للمنع منه معنى، وكذلك الإفطار بما لا يغذى ولا يماع كالحصى 5 وغيره من الجامدات ولا معنى لمن منع ذلك من أصحابنا 6 لقوله 7: أنه لو كان ذلك يفطر لكان في عمده الكفارة لأنّا كذلك نقول.
فصل [6 - الدليل على أن الإيلاج يفسد الصوم]: وإنما قلنا: إن الإيلاج يفسد الصوم للإجماع على ذلك 8، ولأمره صلى الله عليه وسلم السائل عمن وقع على أهله في نهار رمضان بالقضاء والكفارة من غير استفصال هل أنزل أو لم ينزل 9.

فصل [8 - فيما زاد على التقاء الختانين ومغيب الحشفة]: وإنما لم نراع ما زاد على التقاء الختانين ومغيب الحشفة لأن ذلك غير مراعى في سائر الأحكام المتعلقة بالإيلاج من الغسل والحد والحصانة وكمال المهر والإحلال، فكذلك في وقوع الفطر به.
وإنما قلنا: إن الإنزال عن أسباب اللذة مؤثر في إفساد الصوم للاتفاق على أن الإنزال في الجملة له تأثير في إفساد الصوم وأن وقوعه لا عن سبب من الصائم يستدعيه به لا يفسده كالاحتلام، فلم يبق إلا أن يكون مستدعى 1 بوجه من وجوه اللذة.
فصل [9 - دليل أن الاحتلام لا يفسد الصوم]: وإنما قلنا في الاحتلام: إنه لا يفسد الصيام لما روي: "ثلاث لا يفطرن الصائم فذكر الاحتلام" 2، والإجماع على أن المراعي في ذلك سبب يكون من الفطر، وأما الحيض والنفاس فقد ذكرناه في باب الحيض.
فصل [10 - الدليل على أن الردة تفسد الصوم]: وأما الردة فلقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 3 فعم، ولأن من شرط الصوم التقرب بفعله والردة تنافي ذلك.
فصل [11 - الدليل على أن الإغماء والجنون يمنعان صحة الصوم]: وإنما قلنا: إن الإغماء والجنون يمنع صحة الصوم لقوله صلى الله عليه وسلم: = عليه فليكفر: 2/ 236، ومسلم في الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ... (2/ 781 - 782).

"رفع القلم عن ثلاثة فذكر: المجنون" 1، ورفع القلم عبارة عن نفي تعلق الأحكام بفعله، ولأنه معنى ينافي التكليف لا يغلب وقوعه، فخرج من وجد به عن أن يكون من أهل النية.
فصل [12 - قضاء المجنون والمغمى عليه ما فاتهما من شهر رمضان]: وإذا أفاق المجنون والمغمى 2 بعد مضي الشهر قضى ما فاته 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 والشافعي، وسواء بلغ مطبقًا أو عرض له ذلك بعد بلوغه، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد صومه فلزمه قضاؤه عند زواله كالحيض.
...

باب: فيمن أكل أو شرب أو خرم الإمساك ناسيًا وهو صائم

1 ومن أكل أو شرب أو خرم الإمساك المأمور به سهوًا، فقد أفسد صومه وعليه القضاء في الفرض 2 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3 لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 4 وهذا غير متمم، ولأنه مكلف حصل آكلًا في نهار رمضان كالعامد، ولأن السهو نوع من الأعذار 5، فلم يمنع إفساد الصوم بوقوع ما منع منه في عمده 6 أصله المرض، ولأن الإمساك أحد ركني الصوم فكان تركه سهوًا في إفساده كتركه عمدًا أصله النية.
فصل [1 - تعجيل الإفطار وتأخير السحور]: ويستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور 7 لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" 8، وروي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يتسحر ثم يقول إلى صلاة الغداة، قال أنس 9: كان بين ذلك قدر

خمسين آية 1، وفي بعض الحديث أن من عمل النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور 2. فصل [2 - فيمن أفطر قبل الغروب أو تسحر بعد طلوع الفجر]: ومن غلب ظنه غروب الشمس فأفطر أو بقاء الليل فتسحر ثم بان له أنه أكل نهارًا فليس بصائم وعليه القضاء في الفرض خلاف النذر المعين 3 خلافًا لداود 4 لقوله تعالى 5: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... 6 .. إلى قوله: إِلَى اللَّيْلِ﴾ 7، وهذا لم يتممه، ولأنه أكل في نهار رمضان مع التكليف كالعامد، ولأن خطأ الوقت في الصوم مثله في الصلاة، ولو صلى المغرب وعنده أن الشمس قد غربت ولم تكن غربت لزمه القضاء، وكذلك إذا أفطر وعنده أنها قد غربت وبان له أنها لم تغرب.
فصل [3 - من ذرعه القيئ وهو صائم]: ومن ذرعه القيئ لم يفسد صومه ولا قضاء عليه 8 لقوله صلى الله عليه

وسلم: "من ذرعه 1 القيء فلا قضاء عليه" 2، وقوله: "ثلاث لا يفطرن الصائم: فذكر القيئ" 3، ولأنه خارج من البدن من غير مخرج الحيض، فإذا كان بغير صنع من الصائم ولا استدعاء لم يفسد الصوم أصله الاحتلام.
فصل [4 - فيمن استقى عامدًا]: وإن استقى فمن أصحابنا من يقول: إن القضاء واجب، ومنهم من قول: مستحب 4، موجه الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن استقى فعليه القضاء" 5، ولأن الغالب منه عود شيء مما يخرج من حلقه إلى جوفه، وذلك مفطر له للغالب على اليقين، ووجه نفيه فلأنه خارج من الفم كالبصاق ولأنه لما افترق الحكم بين غلبته وعمده دل على أنه لا يقع به الفطر، وهذا يدخل عليه الإنزال لأن الحكم يفترق بين غلبته بالاحتلام وبين عمده والقول في الكفارة مبني على هذا الاختلاف.
فصل [5 - الحجامة في الصوم]: الحجامة 6 لا تفطر 7 خلافًا لأحمد 8، "لأنه صلى الله عليه وسلم

احتجم وهو صائم" 1، وقال: "ثلاث لا يفطرن فذكر الحجامة" 2، ولأنها في معنى الجراحة كالفصاد 3. فصل [6 -]: إذا ثبت أنها لا تفطر فإنها مكروهة لأن الغالب منها لحوق الضعف، فربما أدى إلى الفطر، وقد روي هذا المعنى عن عليّ وابن عباس 4، وجماعة من الصحابة.
فصل [7 - السواك للصائم]: السواك جائز للصائم في الجملة 5 لقوله صلى الله عليه وسلم 6: "خير خصال الصائم السواك" 7، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله ويداوم عليه 8، وأول النهار وآخره سواء في إباحته خلافًا للشافعي في كراهيته له آخر النهار 9؛ لأن كل معنى لم يكره أول النهار لم يكره آخره كالمضمضة، ولأن أول النهار مساو لآخره في شروط الصحة، فكذلك في الندب والإباحة.

فصل [8 - الأسباب التي يفطر بها الصائم]: الأسباب التي يفطر بها الصائم ضربان: منها ما هو من فعله، ومنها ما ليس من فعله.
فالذي ليس من فعله لا كفارة فيه أصلًا، وذلك الحيض والنفاس والإغماء والجنون والإكراه مثل أن يمسك ويوجر 1 الماء أو تمسك المرأة وتجامع كرهًا وما أشبه ذلك، ولسنا نريد بقولنا: إنه يفطر الصائم أنه طرأ على صوم صحيح فيفسده، وإنما نريد لا يصح الصوم معها بأن تقارن ابتداؤه تارة فتمنع انعقاده وتطرأ عليه بعد انعقاده فتمنع 2 استدامته، فكل هذا لا كفارة فيه إلا في المجامعة مكرهة، فإن الكفارة على مكرهها دونها 3. والذي هو من فعله نوعان: نوع يعذر به، ونوع لا يعذر به لا كفارة فيه 4 أصلًا، وذلك كالأكل والجِماع سهوًا أو لسفر أو لمرض أو لإكراه أو ضرورة عطش 5 أو لجوع يخاف معه 6 التلف أو حدوث مرض أو خطأ الوقت أو بضرب من التأويل يعذر فيه بجهل كمسافر مقدارًا لا تقصر الصلاة في مثله أو قادم قبل طلوع الفجر ظانًّا أن من لم يقدم من أول الليل فلا صوم له أو ما أشبه ذلك سوى متعجل الفطر من أجل عذر يتوقعه من مرض أو حيض أو سفر فعليه الكفارة، وخالف عبد الملك في المفطر عازمًا على السفر فقال: إن مضى لسفره فلا كفارة عليه وإن قعد فعليه الكفارة 7.

ومن الأعذار الذي لا كفارة معها: الفطر لخوف على حمل أو ولد أو لإفناء وهرم، والذي نريده 1 بالكفارة في هذا الموضع هو الكفارة العظمى، فهؤلاء لا كفارة عليهم، وإنما قلنا ذلك لأن الكفارة متعلقة بالهتك وانتفاء العذر، وذلك يتضمن كونه من فعلتهم ومنعهم من إيقاعه، فكل هذا معلوم في النوعين معًا.
فصل [9 - الفعل الذي لا يعذر معه الصائم في فطره]: والنوع الذي لا يعذر معه ينقسم قسمين: منه ما يقصد به هتك حرمة الصوم، ومنه ما يقصد به هتك شيء يجر إلى هتك حرمة الصوم، وهذا كالردة التي ليس الصوم مقصود بها، وإنما يقصد هتك حرمة الإِسلام فيجر إلى الصوم فلا كفارة فيه.
والقسم الآخر ما يقصد به هتك حرمة الصوم نفسه بالإفساد، فهذا النوع تلزم 2 به الكفارة من غير اعتبار بما به يقع الفطر من جماع أو أكل أو شرب أو ترك نية عمدًا أو تعمد إنزال عن فعل منهي عنه من استمناء أو وطء دون الفرج أو قبلة أو لمس لشهوة أو استدامة نظر أو غير ذلك إذا قارن جميع ما ذكرناه الإنزال، وإن شئت فصلت بين هذا القسم وبين الردة: بأن كل فعل يفسد الصوم ويُوجب القضاء تتعلق به الكفارة وكل ما لا يوجب القضاء لا تتعلق به الكفارة وهو الردة 3. فصل [10 - الدليل على أن المجامع عامدًا عليه الكفارة]: وإنما قلنا إن المجامع عمدًا في الفرج عليه الكفارة للحديث المروي في ذلك 4، وإنما قلنا: إنه لا اعتبار بما به يقع الفطر إذا وجد الهتك خلافًا للشافعي

في قصره ذلك على الجماع في الفرج 1 لما روي: أن رجلًا أفطر رمضان، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يكفر ولم يستفصل 2، واعتبارًا بالجِماع بعلة وجوب الهتك بما يوجب القضاء.
فصل [11 - الكفارة على المرتد]: وإنما قلنا: لا كفارة على المرتد؛ لأن الكفارة متضمنة بالقضاء، فإذا لم يجب القضاء لم تجب الكفارة، ولأنه لا يخلو أن يقيم على ردته أو يعود إلى الإِسلام: فإن أقام على الردة فالكافر لا يخاطب بفروع الشريعة 3 مع الإقامة على كفره، وإن عاد إلى الإِسلام سقط عنه كل ما كان قبل توبته اعتبارًا بالكافر الأصلي.
فصل [12 - أنواع الكفارة]: والكفارة ثلاثة أنواع 4: إعتاق 5، وصيام، وإطعام.
والإعتاق 6: هو تحرير رقبة مؤمنة ليس فيها عقد من عقود العتق ولا يكون مستحقًا بجهة أخرى.
والصيام: أن يصوم شهرين متتابعين.

والإطعام لستين مسكينا مدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأصل في هذه الجملة حديث الأعرابي الذي قال: وقعت على أهلي في رمضان "فأمره رسول الله 1 - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة أو بصيام شهرين متتابعين أو بإطعام 2 ستين مسكينًا" 3، ولا خلاف أنها هذه الأنواع 4. فصل [13 - كفارة الفطر على التخيير]: وهي على التخيير 5 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6 لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر السائل أن يكفر بعتق رقبة أو بصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا 7، وأو موضوعها التخيير، ولأنها كفارة وجبت من 8 غير عمد ولا إتلاف، فكانت على التخيير أصله كفارة اليمين.
فصل [14 - الإطعام مختار في كفارة الفطر]: والاختيار عند مالك رحمه الله 9 الإطعام 10 لأنه أعم نفعًا؛ لأن العتق يخص المعين والصيام لا منفعة فيه لغير الصائم والإطعام يسقط الفرض ويعم نفعه جماعة المساكين.
فصل [15 - المريض يفطر]: وإنما قلنا: إن للمريض أن يفطر لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى

سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} 1، ولأنه لما جاز الفطر لمشقة السفر التي قد تكون، وقد لا تكون فلأن يجوز له ذلك في المرض أولى، ولا خلاف في ذلك 2، وكذلك إذا خاف حدوث المرضى جاز له الفطر، كما يجوز له التيمم متى خاف المرض باستعمال الماء.
فصل [16 - الحامل تفطر]: وإنما قلنا: إن الحامل إذا خافت على حملها أفطرت ولا إطعام عليها 3 خلافًا للشافعي 4، وعبد الملك؛ لأنها مفطرة بعذر كالمريض، ولأن عذرها أبلغ من عذر مخطيء الوقت، فإذا لم يجب عليه إطعام، فالحامل أولى، ولأن خوفها على ولدها وربما تعدى إليها، فكان كخوفها على نفسها.
فصل [17 - الفطر للمرضع]: وفي المرضع روايتان 5: فوجه الوجوب أنها مفطرة من أجل غيرها لا من أجل نفسها، فضعف عذرها عن الحامل، ووجه نفي الوجوب فلأنها مسوغ لها الفطر كالمريض.
فصل [18 - الشيخ الهرم يفطر ولا يطعم]: وإنا قلنا: إن الشيخ الهرم لا يلزمه الصوم لأنه يضعف عنه ويؤدي إلى تلفه، وذلك مسقط للتكليف عنه، وإنما قلنا: لا إطعام عليه 6 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 7 , لأنه مسوغ له الفطر كالمريض.

فصل [19 - المرأة تطاوع زوجها بالجِماع في رمضان]: وإذا طاوعت المرأة بالجماع فعليها الكفارة 1 خلافًا للشافعي 2؛ لأن كل فطر على وجه الهتك، فإنه يوجب الكفارة كفطر الرجل، ولأنها شخص مفطر على وجه الهتك كالرجل.
فصل [20 - عدم تحمل الرجل كفارة زوجته]: ولا يتحملها عنها الرجل 3، خلافًا للشافعي 4 في بعض أقاويله لأن الفطر بالهتك يلزم الكفارة به للمفطر من غير تحمل عنه أصله الرجل.
فصل [21 - فيمن أفطر يومين]: وإذا أفطر يومين فعليه كفارتان سواء كفَّر عن اليوم الأول أم لا 5، خلافًا لأبي حنيفة 6؛ لأنه هتك لحرمة الصوم بالفطر فيه كاليوم الأول، ولأن تأخير الكفارة عن اليوم الأول لا يوجب سقوطها في اليوم الثاني أصله في السنتين، ولأنه حكم لزم بالفطر فأشبه القضاء.
فصل [22 - الواطيء سهوًا في رمضان]: ولا كفارة على الواطيء سهوًا 7 خلافًا لأحمد بن حنبل 8، لقوله صلى

الله عليه وسلم 1: "رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان" 2، ولأنه خرم الإمساك سهوًا كالأكل، ولأن الكفارة تتعلق بالهتك دون العذر كالمريض .. فصل [23 - من أصبح جنبًا فصام]: ومن أصبح جنبًا فصام أجزأه 3، خلافًا لبعضهم 4، فلأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك 5، ولأنه حدث فبقى تطهيره لا يمنع الصوم كالحدث الأصغر.
فصل [24 - الحائض تطهر ليلًا وتؤخر الغُسل حتى طلوع الفجر]: وإذا طهرت الحائض ليلًا فأخرت الغُسل حتى طلع الفجر صامت إن كانت نوت وأجزاها سواء فرطت بالتأخير أو لم تفرط 6، خلافًا لعبد الملك ومحمد ابن مسلمة 7؛ لأنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها سوى التطهير كالجنب، ولأن وجوب الغسل لا ينافي صحة الصوم كالغسل من الجنابة.
فصل [25 - فيمن أفطر في غير رمضان]: لا تلزم العظمى 8 في إفطار ما على رمضان 9 خلافًا لما يحكى عن

قتادة 1 أن في قضائه الكفارة 2 لأن الكفارة واجبة لهتك حرمة الزمان واعتبارًا بالنفل والنذر.
فصل [26 - زمن قضاء رمضان]: قضاء رمضان موسع إلى دخول رمضان من السنة الآتية، فإن دخل ولم يقضه نظر: فإن كان بعذر فلا إطعام عليه ولا شيء سوى القضاء، وإن كان لغير عذر لزمه مع القضاء بعدد الأيام أمداد عن كل يوم مد 3 خلافًا لأبي حنيفة لقوله: لا إطعام عليه 4، لقول عائشة أم المؤمنين 5 رضي الله عنها: "إن كان ليكون عليَّ صوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يدخل شعبان" 6، فأبانت بذلك أن وقت القضاء ما بين الرمضانين، فإذا آخره عن هذا الوقت فقد آخره عن وقته المجعول له، فأشبه إذا أخر صوم رمضان عن وقته 7. فصل [27 - جواز الفطر للمسافر]: ومن سافر سفرًا مباحًا تقصر الصلاة في مثله فهو بالخيار إن شاء صام رمضان وإن شاء أفطر 8 لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ

أيامٍ أُخَر} 1، معناه فأفطر، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" 2، وقوله لحمزة بن عمرو الأسلمي 3، وكان كثير الصيام "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" 4، وقال أنس: "نسافر مع رسول الله في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" 5. فصل [28 - صحة صوم المسافر]: وإنما قلنا: إن صومه يصح خلافًا لبعض من لا يعتد بخلافه 6 للأخبار التي رويناها, ولأن السفر حال يصح فيها صوم غير رمضان أصله الحضر، ولأن رخصة الفطر كرخصة القصر ولو أتم الصلاة لأجزاه فكذلك إذا صام.
فصل [29 - قضاء ما أفطره المسافر]: وإنما قلنا: أن عليه القضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 7، ولأنه عذر أبيح معه الإفطار كالمرض، وإنما قلنا: إنه مقصور على مدة للاتفاق على

تساويهما في ذلك، ولأنه أحد الأركان الخمسة، للسفر تأثير في تخفيضه، فوجب أن يكون مسافته ثمانية وأربعون ميلًا كالصلاة.
فصل [30 - الصوم أفضل من الفطر في السفر]: إذا ثبت أنه غير فالصوم أفضل 1 خلافًا للشافعي 2، والفرق بينه وبين القصر أنه إذا قصر، فقد أدى العبادة وبرئت ذمته منها، وإذا أفطر فهي متعلقة بذمته وأداء العبادة أفضل من تأخيرها.
فصل [31 - إذا أقام المسافر في أضعاف سفره]: إذا أقام 3 المسافر في أضعاف سفره بموضع عازمًا على الإقامة أربعة أيام لزمه الصوم خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا يلزمه ذلك إلا إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا" 4، فجعل إقامة الثلاث 5 في حكم السفر، فكان الاعتبار بزيادة عليها وأقل ذلك ما يتعلق به حكم الصيام، وهو يوم وهو أقل ما يستغرقه من الزمان.
فصل [32 - إذا بدأ الإقامة في بعض يوم]: وإن دخل في بعض يوم، قال ابن القاسم: ألغاه، وحسب من غده، وقال غيره: يراعى إقامة عشرين صلاة من وقت عزمه على الإقامة 6، فلابن القاسم أن العبادة المتعلقة بعدد أيام تحسب قبل طلوع الفجر، ويلغى ما كان بعد طلوعه كالعدة بالشهور والأسبوع في العقيقة، ولغيره أن الاعتبار

بالأربعة أيام جميعها 1 لعشرين صلاة وتلفيقها يوجد فيها هذا المعنى، فكان بمنزلة كمالها.
فصل [33 - من أفطر في صيام التطوع]: ومن تطوع بالصوم لزمه إتمامه إذا كان حاضرًا ولم يجز له الخروج منه إلا لعذر، فإن أفطر لغير عذر لزمه القضاء 2 خلافًا للشافعي 3 لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 4، ولأنها عبادة مقصودة لنفسها كالحج والعُمرة، فأما القضاء فلما روي: أن عائشة وحفصة 5 رضي الله عنهما 6 أصبحتا صائمتين متطوعتين فيه فأُهدي لهما طعام فأفطرتا عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: "اقضيا يوما مكانه" 7. وإن أفطره من عذر لمرض أو عطش أو شدة جوع أو إكراه أو سهو أو خطأ وقت فلا قضاء عليه لأنه التزمه مع القدرة على إتمامه، فإذا قطعه عليه قاطع بغير صنعه ولا اختياره فلا شيء عليه.
فصل [34 - من تطوع بالصوم في السفر أو الحضر ثم سافر فأفطر]: إذا تطوع في السفر أو صام في الحضر ثم سافر في بقية يومه، فأفطر ففيها

روايتان 1: إحداهما وجوب القضاء عليه والأخرى سقوطه، فوجه الأولى أنه أفطر مختارًا مع إمكان الإتمام كالحاضر، ووجه الثانية أن كل معنى جاز معه الإفطار في رمضان سقط به القضاء في التطوع أصله المرض.
فصل [35 - من نذر معينًا فمرض]: إذا نذر يومًا معينًا فمرضه فلا قضاء عليه لأنه التزم صومًا عينه، فإذا فات فلا قضاء عليه وإن صومه مع فواته غير ممكن، وكذلك إذا حاضت فإن أفطر متعمدًا فعليه قضاؤه، ولأنه مستحق عليه، فإذا تركه استحق البدل عليه اعتبارًا برمضان والسفر ليس بعذر اعتبارًا بقطع التتابع، وقيل: في المرض يقضي والأول أصح 2. فصل [36 - إذا حاضت في صيام الشهرين أو أكل ناسيًا]: إذا حاضت في صيام الشهرين أو أكل ناسيًا أو مخطئًا للوقت لم يقطع تتابعه لأنَّه أمر غالب كالحيض 3، وإنما قلنا: إن الحيض لا يقطعه لأنه لا يكون لها سبيل إلى الخلاص منه، وإن مرض فأفطر لم يقطع التتابع (خلافًا للشافعي 4 لأنه عذر لا يمكنه دفعه كالحيض) 5، وإن سافر فأفطره انقطع تتابعه 6 لأنه يقدر معه على الصوم فلم يكن عذرًا في قطع التتابع.
فصل [37 - من أفطر في رمضان بعذر ثم زال عذره]: ومن أفطر في رمضان بعذره ثم زال عذره في بقية يومه فذلك على ضربين 7:

إن كان عذره يبيح 1 الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان لم يلزمه إتمام الإمساك كالحائض والمريض والمسافر إذا زالت أعذارهم في بقية يومهم، وإن كان عذرًا يسوغ الفطر معه بشرط عدم العلم بأن الوقت مستحق صومه، فإن زوال العذر موجب للإمساك 2، وذلك كخطأ العدة والوقت بالإفطار قبل الغروب أو بالسحر 3 بعد الطلوع مع الاجتهاد والظن لبقاء الليل وخروج النهار والأكل سهوًا وما أشبه ذلك 4. فصل [38 - في صيام الدهر]: سرد الصوم 5 جائز إذا أفطر الأيام المنهى عن صيامها 6 لقوله تعالى 7: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ 8، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عَزَّ وجَلَّ: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" 9، ولأن جماعة من الصحابة قد فعلوا ذلك 10، ولأنه من عبادات الأبدان المبتدأة فجاز سرده في أوقات جوازه كالصلاة والله أعلم.
(تم كتاب الصيام يتلوه كتاب الاعتكاف: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمَّد) 11.

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل