كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
الصلوات المفروضات ابتداء بالشرع خمس وهي: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء الآخرة، والصبح، فأما الجمعة فإنها بدل من الظهر ولها باب مفرد، وهذه الصلوات فرائض على الأعيان 2، لا خلاف بين الأُمة 3 في ذلك، فهي متعلقة بمواقيت لا يجوز تقديمها عليها ولا تأخيرها عنها، ونحن نبين ذلك إن شاء الله.
فصل [1 - وقت صلاة الظهر]:
أما الظهر: فأول وقتها الذي لا يجور قبله زوال الشمس 4، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ 5، ودلوكها ميلها للزوال، وحديث جبريل أنه صلى بالنبي صلى الله عليهما الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، وقال: "الوقت بين هذين" 6، فدل أن ما قبله ليس بوقت لها.
فصل [2 - معرفة الزوال]:
ومعرفة الزوال: هو أن يدير دائرة صحيحة في مكان 1 مستوٍ من الأرض ويقيم في وسطها عودًا مستويًا فتراه أول النهار طويلًا خارجًا من الدائرة، ثم لا يزال في نقصان كل ما قرب من الزوال إلى أن ينتهي إلى حد يقف عنده 2، ثم يعد في الطول فذلك هو علامة الزوال.
فصل [3 - تأخير الظهر عن الزوال في مساجد الجماعات]:
ويستحب أن يؤخر عن الزوال في مساجد الجماعات إلى أن يكون الفيء 3 ذراعًا 4، خلافًا للشافعي 5، لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري بذلك 6، ولأن في ذلك فضيلة أدائها في الجماعة لأنها صلاة تدرك الناس متشاغلين بمعايشهم ومتصرفاتهم غير متأهبين، فلو صليت في أول الوقت لفاتتهم فضيلة الجماعة فاستحب تأخيرها قليلًا ليدرك فضلها.
فصل [4 - أخر وقت الظهر المختار]:
وآخر وقتها المختار: إذا كان الظل مثله والاعتبار بالمثل من زيادته بعد تناهي نقصانه لا من أصله 7، وقد قال أبو حنيفة 8: آخره إذا كان الظل مثليه، دليلنا حديث جبريل أنه صلى بالنبي صلى الله عليهما الظهر في اليوم الأول حين
زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان الظل مثله ثم قال: "الوقت بين هذين" 1، ولأنها صلاة تجمع إلى ما بعدها فكان وقتها أقصر من الذي يليها كالمغرب.
فصل [5 - آخر وقت الظهر وأول وقت العصر]:
إذا كان الظل مثله فهو آخر وقت الظهر، وهو بعينه أول وقت العصر، وهو وقت مشترك بينهما، فهذا زاد على المثل زيادة بيَّنة خرج وقت الظهر، وانفرد العصر بالوقت 2، وقال الشافعي 3: لا يتداخل الوقتان، ودليلنا حديث جبريل أنه صلي بالنبي عليهما الظهر في اليوم الثاني حين كان الظل مثله لوقت العصر بالأمس 4، فدل على ما قلناه.
فصل [6 - آخر وقت العصر]:
وآخر وقت العصر: إذا كان الظل مثليه 5 لحديث جبريل 6 أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، ولأنها صلاة حد الظل أولها، فوجب أن يحد به آخرها كالظهر.
فصل [7 - وقت المغرب]:
ووقت المغرب: غيبوبة الشمس؛ لأن جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليهما في اليومين جميعًا حين أفطر الصائم 7، ولا خلاف في ذلك 8.
فصل [8 - في أن وقت المغرب واحد]:
ووقتها واحد 1، خلافًا لأبي حنيفة 2، للخبر الذي رويناه 3، ولأنها صلاة مفروضة من الخمس، فوجب أن يكون وقتها كجنس عددها من شفع أو وتر كسائر الصلوات.
فصل [9 - وقت العشاء]:
ووقت العشاء الآخرة: مغيب الشفق لحديث جبريل أنه صلاها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الأول حين غاب الشفق، ولا خلاف في ذلك 4.
فصل [10 - معنى الشفق]:
والشفق الحمرة 5، خلافًا لأبي حنيفة 6 في قوله: إنه البياض، لحديث جبريل أنه صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق 7، والاسم ينطلق على الأمرين، فيجب حمله على أسبقهما وهو الحمرة، وفي حديث جابر: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل له العشاء الآخرة قبل مغيب الشفق" 8، وقد ثبت أنه ليس المراد بذلك الحمرة، فثبت أنه قبل مغيب 9
البياض، وذكر عن الخليل بن أحمد 1، وابن أويس 2، وغيرهما: أن البياض لا يغيب إلى طلوع الفجر.
فصل [11 - آخر وقت العشاء]:
وآخر وقتها ثلث الليل الأول 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 في قوله: إنه نصف الليل، لحديث جبريل أنه صلى به -عليهما الصلاة والسلام- العشاء الآخرة في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل ثم قال: "الوقت بين هذين"، وكذلك في حديث جابر 5.
فصل [12 - تأخير العشاء في مساجد الجماعات]:
ويستحب في مساجد الجماعات تأخيرها ما لم يضر بالناس 6، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أُمتي لأخرت هذه الصلاة إلى ثلث الليل" وروي: "إلى شطر الليل" 7.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخرها ليلة حتى نام الناس، فنودي فخرج فقال: "لولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرتها إلى هذا الوقت" 1، ثم مدحهم فقال: "ما أحد ينتظرها غيركم" 2.
فصل [13 - وقت صلاة الفجر]:
ووقت صلاة الفجر: طلوع الفجر الثاني 3 وهو الضياء المعترض في الأُفق المذاهب فيه عرضاً يبتديء من المشرق معترضًا حتى يعم الأُفق، وذلك لحديث جبريل عليه السلام أنه صلى به صلى الله عليه وسلم الفجر في اليوم الأول حين طلع الفجر، وفي اليوم الثاني حين أسفر 4، وأما الفجر الأول الذي يسمى الكاذب، فليس بوقت لها لأنه في الليل ولا يحرم الطعام ولا الشراب على الصائم.
فصل [14 - آخر وقت الفجر]:
ووقتها ممتد ما لم تطلع الشمس، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ووقت الصبح ما لم تطلع الشمس" 5، وفي حديث جبريل عليه السلام أنه صلى به في اليوم الثاني حين أسفر ثم قال: "الوقت بين هذين" 6.
فصل [15 - التغليس بالفجر]:
والتغليس 1 بها أفضل من الإسفار 2 في الحضر والسفر 3، خلافًا لأبي حنيفة 4 في قوله: إن الأسفار 5 بها أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم وسئل عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة لأول وقتها" 6، وروت عائشة رضي الله عنها: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس" 7، ولأنها صلاة مفروضة مؤقتة 8 غير مقصورة في السفر فكان تقديمها أفضل كالمغرب، ولأن من أصلنا أنه يؤذن لها قبل وقتها، وفائدة ذلك إدراك فضيلة التغليس بها ولا فائدة له سواه.
...
باب الأذان (1) والإقامة
2
الأذان والإقامة سنتان غير واجبتان 3، خلافًا لداود 4 إذ يقول بوجوب الأذان في الجماعة، لأنه نداء بالصلاة فأشبه الإقامة، واعتبارًا بحال الانفراد.
فصل [1 - الأذان في الجماعة الراتبة دون الانفراد]:
وسُنَّة الأذان في الجماعة الراتبة دون الانفراد وما يتفق من الجمع من غير قصر، وسُنَّة الإقامة في الجمع والانفراد 5، وذلك بأن الأذان إعلام بوجوب الصلاة ودعاء إليها وإنذار لمن يريد المجيئ إليها وهذا يختص بالجماعة، لأن المفرد غير مريد لإعلام غيره فلم يلزمه، والإقامة بخلافه لأنها أهبة للصلاة ليس المقصود بها الإعلام فكانت سُنَّة لكل مصل لنفسه 6.
فصل [2 - صفة الأذان والإقامة]:
الأذان في غير الصبح سبع عشرة كلمة 7 وحكاية لفظه: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إلَه إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول1
الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم ترجع 1 بأرفع من صوتك فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ويزيد في نداء الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، ولفظ الإقامة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والخلاف فيهما 2 في خمسة مواضع: أحدها في التكبير أول الأذان، والثاني في الترجيع 3، والثالث في التثويب 4 والرابع في إيتار الإقامة، والخامس في قوله: قد قامت الصلاة، وما سوى ذلك من ألفاظهما لا خلاف فيه.
فصل [3 - تثنية التكبير في الأذان]:
فأما التكبير في أول الأذان، فإنه عندنا مرتان 5، وقال أبو حنيفة والشافعي 6 أربع مرات، ودليلنا: روى ابن وهب 7،
عن عثمان بن الحكم الجذامي 1 عن ابن جريج 2 قال: حدثني [غير واحد من آل أبي محذورة أن أبا محذورة قال] 3: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمني الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله .. " الحديث 4، قال عطاء 5: وما عُلِّمت تأذين [من مضى] 6 يخالف = وأحمد بن صالح المصري، صنف: "الموطأ الكبير" (ت 197 هـ) في مصر (المدارك: 1/ 421 - 431، شجرة النور الزكية ص 60).
تأذينهم اليوم 1، ورواه عمار بن سعد القرظي 2 عن أبيه: أن هذا الأذان أذان بلال الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به 3، قال موسى بن هارون 4: وأذان بلال وسعد القرظي واحد، وهو أذان أهل المدينة، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة ونقل خلفهم عن سلفهم 5، فلا يعارض بأحاديث الآحاد 6، ولأنه أحد طرفي الأذان فكان مساويًا للإقامة فيه، أصله لا إله إلا الله، ولأنه نداء بالصلاة كالإقامة.
فصل [4 - الترجيع في الأذان]:
وأما الترجيع فمن سُنَّته 7، خلافًا لأبي حنيفة 8، لحديث أبي محذورة رضي الله عنه الذي رويناه وفيه: "ثم ترجع فترفع صوتك" فيقول: أشهد أن
لا إله إلا الله، ومثله في حديث سعد القرظي في صفة أذان بلال 1، ويعضده نقل أهل المدينة المتواتر وعملهم به المتصل.
فصل [5 - التثويب في أذان الصبح]:
فأما الصلاة خير من النوم، فمن سُنَّة أذان الصبح 2، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه 3، لقوله صلى الله عليه وسلم لبلال: "اجعلها في أذانك" 4، وفي حديث أبي محذورة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان، وفيه: "فإن كنت في صلاة الصبح فقل الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم" 5، ويعضده عمل أهل المدينة المتصل 6.
فصل [6 - إيتار الإقامة]:
فأما إيتار الإقامة فخلافًا 7 لأبي حنيفة 8؛ لأنه يذهب على أنها شفع كالأذان، ودليلنا: ما رواه عمار بن سعد عن أبيه قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" 9.
وروي مسلم عن ابن عمر قال: "كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين والإقامة مرة مرة" 1، وروي سعد القرظي: أن رسول الله أمر بلالًا بالأذان ثم قال: والإقامة واحدة واحدة 2، وقال إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة: أدركت جدي وأبي وأهلي يقيمون فرادى 3، وكان ذلك نقل أهل المدينة وعملهم المتصل.
فصل [7 - في قوله: قد قامت الصلاة مرة واحدة]:
فأما اختياره في قوله: قد قامت الصلاة مرة واحدة 4 خلافًا للشافعي 5، فلما رواه سعد القرظي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالًا بالإقامة واحدة، ويقول: قد قامت الصلاة مرة واحدة 6، وهذا نص، ومثله حديث أبي محذورة 7، ولأنه نقل أهل المدينة خلف عن سلف، ولأنه لفظ يختص بالإقامة، فوجب أن يكون على أصلها في الإيتار، كما أن الصلاة خير من النوم لما كان لفظًا يختص الأذان كان على أصل الأذان في الإشفاع.
فصل [8 - جواز الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها]: ولا [يجوز] 1 أن يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح وحدها 2 خلافًا لأبي حنيفة 3 في منعه الأذان للصبح قبل وقتها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أن بلالًا يؤذن بليل"، وروي: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال فإنه يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" 4، وفي حديث زياد بن [الحارث الصُدائي] 5 قال: لما كان أول أذان الصبح، أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذنت فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله، فجعل ينظر إلى ناحية [المشرق] 6 إلى الفجر فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر أمرني بالإقامة" 7، ولأن من سنتها التغليس بها، وذلك يقتضي تقديم أذانها وسائر شروطها [قبل] 8 وقتها ليتمكن من أدائها مع أول الوقت.
فصل [9 - الأذان لغير صلاة الفجر]:
فأما سائر الصلوات فلا يؤذن لها إلا بعد دخول وقتها 1، لأن ذلك هو الأصل، ولأن ذلك هو إعلام بوجوب الصلاة ودعاء إليها، وذلك إنما يكون بعد دخول الوقت، وأما الصبح فإنها تدرك الناس [غير متهيئين لها فاحتيج إلى الأذان لها قبل وقتها] 2، ليتأهب الناس لها لاستدراك فضيلة التغليس بها وسائر الصلوات بخلافها لأنها تدرك الناس متصرفين في معايشهم وأشغالهم فلا يحتاجون إلى أكثر من الإعلام بوجوبها.
10 - مسائل الأذان 3.
لا بأس باستدارة المؤذن عن يمينه وشماله 4، إذا أراد [الإسماع] 5 لأن الأذان إعلام للغائب والحاضر ويحتاج في إعلام الغائب أكثر مما يحتاج إليه في إعلام الحاضر، ويكره التطريب والتلحين فيه، ويمثل ما يكره: من التشبيه بالأغاني وما ينبغي تنزيه أذكار القرب عنه، وله رفع الصوت به، ووضع الأصابع في أذنيه لأن ذلك عون له على التبليغ، والتوجه إلى القِبْلة أحب إلينا، وله أن يؤذن كيف تيسر عليه ولا يتكلم في أذانه ولا يقطعه بغيره لأن الغرض به الإعلام بالصلاة [....] 6 على نفسه، وأداه على نظامه، فإذا تخلله ما ليس منه من كلام، أو رد سلام زال الغرض به واختلط على
سامعه وظن أنه ليس بالأذان المأمور به، ويجوز اتخاذ الأعمى مؤذنًا لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أعمى 1، ولأنه لما جازت إمامته فالأذان بالجواز أولى، ولأن الغرض من الأذان الإعلام والتبليغ وذلك متأت منه كتأتيه من البصير، ولا بأس بأذان مؤذن 2، وإقامة غيره، ولأنه لما جاز أن يؤذن واحد ويؤم غيره جاز أن يؤذن ويقيم غيره، وأذان المحدث جائز والأفضل أن يكون طاهرًا لأنه دعاء إلى الصلاة فيجب أن يكون الداعي إليها على صفة من يمكنه أن يصلي، فإن أذَّن على غير طهور جاز لأن الإخلال بالفضيلة لا يمنع الجواز، والإقامة بخلاف الأذان لأنها متصلة بالصلاة غير متراخية عنها، وأذان الراكب جائز، وفي إقامته راكبًا روايتان 3: إحداهما الجواز اعتبارًا بالأذان، والأخرى الكراهية لأن ذلك يؤدي إلى التراخي بينها وبين الصلاة لتشاغله بنزوله ومشيه إلى الموضع الذي يريد الصلاة فيه، ولا أذان على مسافر لأنه لا جماعة عليه، ولا على النساء لأنهن لسن من أهل الجماعة، وإن أقمن فحسن لأن الإقامة آكد من الأذان لأنه قد خوطب بها من [يؤم، وكل من لم تجز إمامته لم يعتد بأذانه] 4. فصل [1 - مستمع الأذان يقول مثل ما يقول المؤذن]: ومن سمع المؤذن فيستحب له أن يقول مثل 5 ما يقول، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول" 6، وينتهي بالتحكية إلى
آخر التشهد 1، لأن ذلك ذكر وتهليل وتكبير، فجاز للسامع بل يندب إلى أن يقول كقول المؤذن، وقوله: حي على الصلاة دعاء إلى الصلاة والسامع ليس بداع إليها فلم يكن لحكايته المؤذن في ذلك معنى، ولا أذان لشيء من النوافل 2 لأنه لم يرو عن النبي أنه أذن له فيها ولا أقيم، ولأن الأذان إعلام بوجوب الصلاة والنوافل غير واجبة، والإقامة في ذلك متابعة للأذان والله أعلم.
...
باب: [أحكام القِبْلة والصلاة]
وعلى المعاين للقِبْلة استقبالها لقوله تعالى: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾ 1، وقوله: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ (2)، وإن كان غائبًا عنها ففرضه الاجتهاد في طلبها بالأدلة المنصوبة عليها، فإن صلى بغير اجتهاد فلا تجزيه، وإن عميت عليه الأدلة لزمه أن يصلي إلى حيث يغلب على ظنه أن القِبْلة في تلك الجهة، فإن غلبه ظنه أنها في جهة من الجهات فصلى إليها ثم بان له أنه استدبرها فلا إعادة عليه واجبة 2، خلافًا للمغيرة 3، والشافعي 4، لقوله تعالى: ﴿فأين ما تولوا فثم وجه الله﴾ 5، فمفهوم هذا: أن الإجزاء يحصل على أي وجه وقع الاستقبال من الجهات، وروي عامر ابن ربيعة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة ظلماء ذات ريح ومطر، فحضرت الصلاة فصلى كل رجل منا على حيال وجهة لغير القبْلة، فلما أصبحنا سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مضت صلاتكم"، ونزلت هذه الآية: ﴿فأين ما تولوا فثم وجه الله﴾ (7)، 6، وروى عطاء عن جابر قال: بعث رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة ولم نعرف القبْلة فقالت طائفة منا: القِبْلة ها هنا قِبَل الشمال، وقالت طائفة: ها هنا قِبَل الجنوب، فلما أصبحوا إذا تلك الخطوط لغير القِبْلة ﴿فأتينا﴾ 1 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2 فأنزل الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ 3، وفي حديث آخر قال: "أحسنتم ولم يأمرنا بالإعادة" 4، ولأنه [أدى] 5 الصلاة على الوجه الذي فرض عليه من الاجتهاد في طلب جهة القِبْلة مع عدم التوصل إلى ذلك يقينًا فأجزاه كما لو أصابها.
فصل [1 - استحباب الإعادة في الوقت لمن صلى إلى غير قِبْلة]:
إذا ثبت أنه لا تلزمه الإعادة فيستحب له أن يعيد في الوقت 6 ليستدرك فضيلة الوقت لجواز أن يكون [قصر] 7 في اجتهاده [وصلى] (8) فيه، ولبقاء الوقت من التأثير والحرمة ما ليس له مع الفوات.
فصل [2 - النية في الصلاة]:
ويلزم المصلي أن يعتقد الصلاة وينوي الدخول فيها بقلبه، وليس عليه نطق = 2/ 176، وفيه أشعث السمان يضعف في الحديث، والحديث ليس فيه ما ذكره المصنف: "مضت صلاتكم"، وهي في الدارقطني: 1/ 271، بلفظ: "قد أجزأت صلاتكم".
بلسانه 1، وذلك لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ 2، والإخلاص هو القصد إليه بالعمل، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لامريء ما نوى" 3، ولأنها قربة، فلا بد فيها من نية كسائر القرب، وإذا ثبت ذلك فيجب أن تكون النية مقارنة لابتدائها غير متأخرة عليها أو متقدمة عليها إلا أن يستصحبها ذكر إن تقدمت إلى ابتدائها.
فصل [3 - تكبيرة الإحرام]:
والدخول فيها بتكبيرة الإحرام، ولفظها الله أكبر لا يجزيه غيره 4، خلافًا لأبي حنيفة 5 إذ يقول: أنه يجزيه أن يحرم بقوله: الله أجل، والله أعظم، لقوله عليه الصلاة والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 6، وقوله عليه الصلاة والسلام: "تحريمهما التكبير" 7، وقوله: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله" إلى قوله: "ثم يستقبل القِبْلة فيقول: الله أكبر" 8، ولأنه لفظ عرا عن التكبير مع القدرة عليه فلم يصح [انعقاد الصلاة به كقوله: يا مالك يوم الحساب] 9، ولأنه ركن من أركان الصلاة، فوجب أن يكون متعينًا كالركوع والسجود.
فصل [4]:
ولا يجزيه أن يقوم بقوله: الله الأكبر 1، خلافًا للشافعي 2، لما ذكرناه، ولأنه غير بِنْيَة قوله: الله أكبر، فلم يجز أصله قوله: الله الكبير.
فصل [5 - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وفي الرفع من وعند الركوع]:
ويرفع يديه عند تكبيرة الإحرام 3، لما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه" 4، وفي رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان 5: فوجه اختياره ما روي: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه عند الافتتاح وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع" 6، ووجه الآخر أن قوله صلى الله عليه وسلم: "كان يرفع يديه مرة واحدة ثم لا يعود لرفعها بعد" 7، ولأنه تكبير موضوع للانتقال من ركن إلى ركن كتكبير السجود.
فصل [6 - في صفة رفع اليدين]:
ويرفعها حذو منكبيه ودون ذلك 8، خلافًا للشافعي 9، لما روي: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه" 10.
فصل [7 - دعاء الاستفتاح]:
ويقرأ عقيب التكبير، ولا يفصل بينهما بتوجيه ولا تسبيح 1، خلافًا للشافعي 2، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يكبر ثم يقول" 3، وقوله للذي علمه: "كبر ثم اقرأ" 4، وفي حديث أبيّ: "أنه صلى الله عليه وسلم قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأه الحمد لله رب العالمين" 5 ولم يذكر توجيهًا ولا تسبيحًا.
فصل [8 - الواجب من القراءة في الصلاة]:
والواجب من القراءة متعين وهو: فاتحة الكتاب لا يجزيه غيره 6، خلافًا لأبي حنيفة 7 في قوله: أي شيء قرأ من القرآن أجزاه، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" 8، وقوله: "لا صلاة [لمن لم يقرأ بأم القرآن" 9] 10، ولأن أركان الصلاة أقوال وأفعال، فلما كانت الأفعال متعينة فكذلك الأقوال.
فصل [9 - عدم قراءة البسملة في الصلاة وأنها ليست آية من الفاتحة]:
ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم سرًّا ولا جهرًا 1، وليست من الحمد ولا من كل سورة إلا من النمل في قوله: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ 2، وقال الشافعي: هي من الحمد ولا تجزي الصلاة إلا بها، وله قولان في أنها من كل سورة 3، ودليلنا أنها لو كانت من الحمد لكان -عليه الصلاة والسلام- بيَّن ذلك بيانًا مستفيضًا على عادته في بيان القرآن، ولو فعل ذلك لانقطع العذر ولم يقع خلافه كسائر آياتها، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها له ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين" 4 الخبر، ففيه دليلان، أحدهما: أنه بيَّن كيفية قسمة السورة [فبدأ بالحمد لله] 5، فلو كانت التسمية منها لبديء بها، الأخرى: أنه بيَّن أن القسمة بالآيات"، وفي إثبات التسمية إبطال لهذا المعنى، وفي حديث أنس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين".
وفي خبر آخر: "كانوا لا يقرؤن بسم الله الرحمن الرحيم" 6، وفي حديث عبد الله ابن مغفل أنه قال لابنه: إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعثمان فلم يكن أحد منهم يقرؤها 7.
فصل [10 - الإسرار والجهر في الصلوات]:
والصوات الراتبة 1 من الفرائض في هذا والنوافل في هيئة من الإسرار والجهر على ثلاثة أوجه: منها ما يجهر بالقراءة في جميعها، ومنها ما يسر في جميعها، ومنها ما يجهر في بعضها ويسر في بعضها، فالأول هو الصبح والجمعة هذا من الفرائض، وصلاة العيدين والاستسقاء والوتر من السنن، والثاني: هو الظهر والعصر من الفرائض وركعتي الفجر وصلاة الكسوف من النوافل، والثالث: هو المغرب والعشاء الآخرة، فالجهر في الركعتين الأوليين منها، وباقيها يسر فيها، وكل هذا مما تناقلته الأُمة بالعمل وعضده الإجماع 2 فأغني عن زيادة عليه.
فصل [11 - في تطويل القراءة في بعض الصلوات]:
ويستحب إطالة القراءة في الصبح والظهر بطوال [المفصل] 3، وتخفيفها في العصر والمغرب، وتوسطها في العشاء الآخر 4، [وهذا] 5 أيضًا مما نقلته الأُمة بالعمل.
فصل [12 - التأمين بعد الفراغ من قراءة الفاتحة]:
ويستحب للمأموم والمنفرد إذا فرغا من قراءة أم القرآن التأمين 6، لما روي
أنه صلى الله عليه وسلم: "كان إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: "آمين" 1، وقوله: "إذا قال الإِمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين" [فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه] 2 " 3.
فصل [13 - تأمين الإمام]:
وفي الإمام روايتان 4: إحداهما لا يؤمن وهي الظاهر، والأخرى أنه يؤمن، فوجه الأولى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين" 5، فلو كان التأمين من سُنَّته لقال: إذا قال: آمين، فقولوا، ولأن الإمام داع والمأموم مستمع؛ لأن هذا هو سبيل الدعاء أن يكون المؤمن غير الداعي، ووجه الثانية قوله: "إذا أمن الإِمام فآمنوا" 6، ولأنه ذكر سن للمأموم فكان مسنونًا للإمام كسائر الأذكار المسنونة، ولأنه فصل فاستحب له التأمين كالمنفرد والمأموم.
فصل [14 - قراءة السورة مع أم القرآن]:
قراءة سورة مع أم القران سُنَّة في الركعتين الأوليين من كل صلاة رباعية أو ثلاثية، وفي كلتا ركعتي الفجر 7، لأن النقل ورد بذلك عنه عليه الصلاة
والسلام، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 1، وروى أبو هريرة قال: "أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي أنه 2 لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد" 3. فصل [15 - الركوع والسجود]: والركوع والسجود من أركان الصلاة 4، لقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ 5، وقوله صلى الله عليه وسلم: "واركع حتى تطمئن راكعًا" إلى قوله: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" 6، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 7، ولا خلاف في ذلك 8. فصل [16 - الاعتدال في الركوع والسجود]: والاعتدال فيهما واجب 9، خلافًا لأبي حنيفة 10، لقوله صلى الله عليه وسلم: "اعتدلوا في السجود" 11، وقوله: "اركع حتى تطمئن راكعًا" 12
وفي حديث أبي حميد: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتدل في ركوعه" 1، ولأنه ركن مستحق مقصود، فكان شرطه الطمأنينة والاعتقال كالقيام والجلسة الأخيرة.
فصل [17 - التكبير في الركوع والسجود والرفع منه]:
ويكبر عند الشروع في الركوع والسجود والرفع من السجود لما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع" 2، [وهذا كله] 3 منقول بالعمل 4.
فصل [18 - التسميع والتحميد في الرفع من الركوع]:
فأما رفع رأسه من الركوع فالإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، والمنفرد يقولهما 5، والأصل في أن الإمام لا يقولها ما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده" 6، وإنما قلنا: إن المأموم يقول: اللهم ربنا ولك الحمد لقوله: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به .. إلى قوله: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك" 7، وإنما قلنا: إن الإمام يقتصر على قول سمع الله
لمن حمده من غير أن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد لأن المأموم يقتصر على أن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد ولا يقول: سمع الله لمن حمده، لقوله: "إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" 1، ولم يقل: فقولوا سمع الله لمن حمده، ولأنه ميَّز بين ما يقوله الإِمام، وما يقوله المأموم، وجعل سمع الله لمن حمده في حيز ما يقوله الإِمام، وجعل اللهم ربنا ولك الحمد في حيز ما يقول المأموم، فدل على اختصاص كل واحد منهما بما أضيف إليه، ولأن قول الإمام سمع الله لمن حمده دعاء، وقول المأموم ربنا ولك الحمد تأمين وقد بيَّنا أن من سبيل الدعاء أن يدعوا واحد ويؤمن غيره.
فصل [19 - حكم التسبيح في الركوع والسجود، وتمكين الجبهة والأنف في السجود]:
والتسبيح 2 في الركوع والسجود غير واجب 3، خلافًا لأحمد 4، وداود 5، لقوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع" (6)، ولم يقل فسبح، وقال: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم اجلس" (7)، ولم يأمر بتسبيح، وفي آخر الخبر: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" (8) وهو في موضع تعليم، ولأنه نوع من التسبيح فأشبه الدعاء في ما زاد على الثلاثة، [ولأنه ركن في الصلاة فلم يجب فيه تسبيح كالقيام] 6، ويمكِّن جبهته وأنفه
من الأرض في سجوده، فإن سجد على أنفه دون جبهته فلا يجزيه، وإن سجد على جبهته دون أنفه أعاد في الوقت استحبابًا، وإنما قلنا: إن سجوده على الأنف لا يجزيه من الجبهة 1 خلافًا لأبي حنيفة 2، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ويمكِّن وجهه"، وفي رواية: "جبهته من الأرض في سجوده" 3، ولأنه موضع من الوجه فلم ينسب السجود عليه عن الجبهة أصله الذقن، وإنما استحببنا أن يعيد في الوقت لأن في الحديث تمكين الوجه ولا يحصل ذلك على الاستيعاب، ويؤدي الصلاة على الوجه الجائز بالإجماع.
فصل 4 [20]:
فصل [21 - حكم التشهدان]:
التشهدان جميعًا سُنَّتان 5، خلافًا للشافعي في إيجابه الآخر منهما 6، ولغيره في إيجابه إياهما 7؛ لأنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس من جنس المعجز 8، فلم يكن فرضًا أصله الدعاء والتسبيح، ولأنه تشهد فأشبه الأول،
ولأنه ذكر يختص به القعود، [فلم يكن فرضًا] 1، فأشبه التشهد الأول، ولأنه غير متعين الألفاظ فلم يكن واجبًا لأن الأركان الواجبة في الصلاة متعينة الألفاظ 2.
فصل [22 - ألفاظ التشهد]:
والاختيار عندنا من ألفاظه تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو: التحيات لله 3 الزاكيات لله الطيبات 4 الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله" 5، وإنما اخترنا ذلك لأن عمر علمه الناس على المنبر فلم ينكر عليه أحد وهو إمام، ولأن ألفاظه متفق على نقله وثبوتها.
فصل [23 - حكم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -]:
الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست بشرط في صحة الصلاة 6، خلافًا للشافعي 7، لقوله: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" 8، ولم يذكر ما
تنازعناه، ولانه ذكرٌ أخص في تضاعيف الصلاة في غير القرآن فلم يكن واجبًا أصله اللَّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، واعتبارًا بالصلاة على غيره من الأنبياء، ولأنه نوع من الدعاء فأشبه سائر الدعاء، ولأن من أصلنا أن التشهد غير واجب فنقول ذكر يختص به القعود قبل التحليل فأشبه التشهد الأول.
فصل [24 - التسليم في الصلاة]:
التسليم الأول فرض لا تتم الصلاة إلا به 1، خلافًا لأبي حنيفة 2، لقوله: "وتحليلها التسليم" 3، وهذا خارج مخرج البيان فيقتضي ألا يقع التحليل إلا به، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 4، ورأيناه قد سلم في الصلاة، ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون نطقًا كالتحريم، ولأن الدخول في الصلاة لما كان بلفظ معين فالخروج منها مثله، ولأنه ركن في الصلاة فكان متعينًا كالركوع والسجود، وأن ما يضاد العبادة فلا [يصح] 5 به حكم لها كالأكل في الصوم والوطء في الحج.
فصل [25]:
التسليمة الثانية ليست بفرض 6، خلافًا لأحمد بن حنبل 7 في قوله إن التسليمتين فرض، لقوله: "وتحليلها التسليم" (7)، وذلك يقتضي أقل ما يقع عليه الاسم، وروت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم
واحدة تلقاء وجهه" 1، ولأنه أحد طرفي الصلاة، فكان الغرض منه واحدة كالتحريمة.
فصل [26]:
والاختيار للإمام والمنفرد الاقتصار على تسليمة واحدة 2، خلافًا للشافعي 3، روى أنس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسلمون تسليمة واحدة" 4، ولأن الثانية لا يقع بها تحليل ولا رد على سلام والسلام لا يراد إلا لأحد هذين الوجهين.
فصل [27]:
وأما المأموم فيستحب له أن يأتي بتسليمة ثانية يردها على إمامة 5، لما روى الحسن عن سلمة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن ترد السلام على الإمام" 6، ولأن الإمام قد جمع بتسليمه أمرين: التحليل والسلام على المأمومين فاحتاجوا إلى الرد عليه، وروي عن ابن عمر مثله 7.
فصل [28 - تعيين لفظ التسليم]:
ولا يجوز من لفظ السلام إلا قوله: السلام عليكم، فإن نكَّر ونوَّن فلا
يجزيه 1، خلافًا لبعض الشافعية 2، لقوله عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 3، والنقل متواتر بأنه كان يقول: "السلام عليكم" 4، ولأنه نطق واجب في الصلاة، فكان معينًا كتكبيرة الإحرام.
...
باب [ستر العورة]
اختلف أصحابنا في ستر العورة: هل هو شرط في صحة الصلاة أم لا؟ 1 فإذا قلنا: إنه شرط فوجهه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" 2، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 3، ولأن كل ما كان واجبًا في غير الصلاة تأكد وجوبه في الصلاة، وإذا قلنا بالوجه الآخر فلأن [هيأة] 4 الصلاة من حقها بأن يتعلق [وجوبها] (5) بالصلاة، فيجب بوجوبها ويسقط بسقوطها كالطهارة وغيرها، فلما اتفقنا على أن وجوب ستر العورة لا يقف على الصلاة، بل يجب في كل حال أن يستر عن أعين الناس دل على أنها ليست من شرط صحة الصلاة.
فصل [1 - عورة الحرة]:
الحرة جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، فيجب عليها ستر جميعه إلا قدر ما ذكرناه 5، والدليل عليه قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر
منها} 1 قيل: الوجه والكفان، وروي أن أم سلمة سألت النبي عليه الصلاة والسلام: أتصلي المرأة في درع وخمار 2 ليس عليها إزار قال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها"، وهو في الموطأ موقوف على أُم سلمة 3، وروي نحوه عن عائشة رضي الله عنها 4. فصل [2 - عورة الرجل]: وأما عورة الرجل فمن سرته إلى ركبته 5، ومن أصحابنا من يقول: هو من فوق العانة إلى الركبة 6، والفخذان من العورة 7، خلافًا لمن قال: أن العورة السؤتان فقط 8، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زوج أحدكم عبده فلا ينظر ما بين سرته إلى ركبتيه"، وفي بعض الطرق: "فإن ما بين السرة إلى
الركبة عورة" 1، وقوله لعليّ رضي الله عنه: "لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" 2، وفي حديث عبد الله بن جرهد عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" 3. فصل [3 - عورة الأَمة]: فأما الأَمة فعورتها مثل عورة الرجل 4، بدليل جواز تقليبها عند الشراء ورؤية شعرها وذراعيها، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب الإماء، إذا لبسن الإزار، ويقول: "لا تتشبهن بالحرائر"، وقال: لابنه ألم أخبر أن جاريتك خرجت في الإزار تشبهت بالحرائر ولو لقيتها لأوجعتها ضربًا 5. فصل [4 - الصلاة في ثوب واحد]: الصلاة في الثوب الواحد إذا ستر العورة جائز 6، لأنه صلى الله عليه وسلم
كان يصلي في الثوب الواحد" 1، وقال لما سُئل عنه: "أَوَ لِكُلكُّم ثوبان" 2 إذا ثبت هذا فيكره أن يصلي عاري الكتفين من رداء أو ما يقوم مقامه في الجماعة 3؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي إلا برداء 4، ويكره السراويل 5 وحده لأنَّه من زي الأعاجم، والأفضل في الثوب الواحد في القميص لا يعري به الكتف، فإن لم يكن فالمئزر أفضل من السراويل.
فصل [5 - تغطية الأنف في الصلاة]:
ولا يغطى في الصلاة أنفه 6، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقوله: "خط كخط الشيطان" 7، ولأنه ضرب من سوء الأدب وترك التوقير للصلاة.
فصل [6 - اتقاء الحر والبرد بثوب المصلي]:
ويجوز أن يتقي بثوبه الحر والبرد وأذى الأرض 8 لما روي: "أنه صلى الله
عليه وسلم كان يصلي في كم له يتقي بفضوله حر الأرض وبردها" 1 ولأن شدة الحر والبرد متى كلف المصلي مباشرته بيده يمنع الخشوع وأداء الصلاة على ما يجب لها.
فصل [7 - كفت الشعر والثوب في الصلاة]:
كفت الشعر 2 والثوب له حالان 3: حال يكره فيها، وحال يباح، فأما حال الإباحة فأن يكون فعل ذلك لغير الصلاة لعمل كان يعمله، فشمر كمه أو ذيله أو كفت شعره لعمله الذي يربأه ثم أدركته الصلاة، فهذا يجوز له أن يصلي على هذه الحال لأنه لم يقصد بذلك الصلاة فينسب إلى التكبر وترك الخشوع، وحال الكراهة أنه يكون قاصدًا بذلك الصلاة، وأن يصون ثوبه وشعره أن يصيب بهما الأرض، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا يكفت شعرًا ولا ثوبًا" 4، فأخبر أن النهي عن ذلك [هو] 5 إذا قصد به الصلاة، ولأن فيه ضربًا من التجبر وترك الخشوع.
...
باب [السهو في الصلاة]
السهو 1 في الصلاة ضربان: سهو نقصان وله سجدتان أكثر أم قل تؤخران على حاله إلى آخر الصلاة مع النقصان يؤتي بها قبل السلام وفي الزيادة بعده 2، فإن اجتمعا -ولا يخلوا أن يكونا من أحد الضربين أو من كليهما- فإن كان من أحدهما مثل أن يزيد في الصلاة زيادتين أو ينقص منها سجد للكثير مثل سجوده للقليل، وإن كان زيادة ونقصًا، لم يزد على سجدتين لكن يغلب النقصان فيسجد له قبل السلام.
وإنما فرقنا بين النقصان والزيادة لتفريق رسول الله عليه الصلاة والسلام بينهما، ففي حديث ابن بحينه: "أنه صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين فقام الناس معه، فما بلغ آخر الصلاة وانتظر تسليمه سجد سجدتين قبل السلام ثم سلم" 3، وفي حديث أبي هريرة: "أنه صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فقال: "أحقًّا ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فأتم ما بقى من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم 4.
ومن جهة المعنى: فلأن سجود النقصان جبران للنقص الواقع في الصلاة
وسبيل الجبران للنقص في العبادة أن يكون فيها لا بعدها، وسجود الزيادة ترغيم للشيطان وشكر لله تعالى على إتمام الصلاة وإكمالها 1، فلم يكن فيه المعنى المقتضى لوقوعه قبل التسليم، ولأنه لما زاد في الصلاة ما سهى بفعله لم يجز أن [يكون] 2 فيها السجود لأنها لا تحتمل زيادتين، وليس كذلك النقصان لأنه لما نقص منها جاز أن يكون السجود فيها جابر 3 للمتروك.
فصل [1 - أدلة تأخير السجود إلى آخر الصلاة وألا يزيد على سجدتين]:
وإنما قلنا: أنه لا يسجدهما عقيب السهو، بل يؤخرها إلى آخر الصلاة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل 4، ولأنهما لجميع السهو فأخر إلى آخر الصلاة لجواز أن يتبع السهو سهو آخر فيكون السجود لجميعه، وإنما قلنا: أنه لا يزيد على سجدتين، وإن أكثر السهو لقوله صلى الله عليه وسلم: "لكل سهو سجدتان" 5، واتفق على أن المراد بذلك جنس السهو، ولأن الأصل في السجود الذي يفعل بسبب السهو اقتضى أن يكون عقيب سببه كسجود التلاوة ألا أنَّه جعل سجود السهو مؤخرًا إلى آخر الصلاة، لهذا المعنى وهو أنه لجميع جنسه، إذ قد يمكن أن يسهو ثانيًا ألا ترى أن سجود التلاوة لما كان لكل سجدة تقرأ سجود يخصها أُتِيَ به عقيب سببه.
فصل [2 - اجتماع الزيادة والنقصان في الصلاة]:
وإنما قلنا: أنه إذا اجتمع زيادة ونقصان سجد لهما قبل السلام 6، فلأنه لا