كتاب الشفعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2 لا خلاف في وجوب الشفعة للشريك المخالط 3، والأصل فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة فيما لم يقسم" 4، وروي "الشفعة في كل شرك 5 " 6. فصل [1 - في عدم الشفعة للجار]: ولا شفعة لجار 7 خلافًا لأبي حنيفة 8، لقوله الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" 9 ففيه أدلة: أحدهما أنه أخبر عن جملة محلها وهو غير المقسوم فلم يبق شفعة في غيره، والثاني دليل الخطاب، والثالثة نصه على أن القسمة إذا وقعت انتهت الشفعة، ولأنه ملك محوز 10 كالجار المقابل.1
فصل [2 - فيما تستحق فيه الشفعة]:
والشفعة مستحقة في العقار من الدور والحوانيت والبساتين دون العروض والحيوان والرقيق 1، خلافًا لمن يحكي عنه وجوبها في كل ذلك إن صح 2.
والأصل فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة فيما لم يقسم" 3، وروي "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" 4، وهذا إخبار عن محل الشفعة وهو مستغرق له، ولأنه مما ينقل ويحول كالذهب والفضة، والفرق بين العروض والحيوان وبين الأرضين وجود الضرر 5 في الشركة في الأرض على وجه الدوام، ولأن التخلص منه لا يمكن إلا بضرر يلحق الشريك وسائر العروض بخلاف ذلك.
فصل [3 - الشفعة في الثمار]:
وعنه في وجوب الشفعة في الثمار إذا كان الأصل بأيديهم ملكا أو حبسًا أو مساقاة أو مبتدأ 6 الشراء روايتان: 7 إحداهما ثبوتها، والأخرى نفيها وهو قول المغيرة وعبد الملك، فوجه إثباتها أنها معلقة من غير صنع آدمي بأصل تجب فيه الشفعة يخاف منه سوء المشاركة فأشبه الفحل والبئر، ووجه نفيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" 8 فعلقها بما يقسم من الأراضي، ولأن الشفعة فيما يدوم فيه الضرر وذلك معدوم في الثمار فكانت كالعروض.
فصل [4 - لا شفعة فيما لا يمكن قسمته أو فيما قسمته ضرر]:
لا شفعة في طريق ولا عرصة قسمت بيوتها وبقيت مرتفقا لأهلها 1، لأن ذلك تبع لأصل لا شفعة فيه وهو البيوت المقسومة.
ولا شفعة في البئر والفحل، وإن كانت الأرض التي فيها مشاعة ففيهما الشفعة لأن في أصلها الشفعة فهما تبع لها، وإن كانت الأرض مقسومة فلا شفعة في البئر والفحل لأن أعيانها لا شفعة فيها إذ لا يصح قسمهما ولا هي متصله بأصل تجب الشفعة فيه فتكون ثابتة له.
فصل [5 - في عدم الشفعة في ممر أرض أو مسيل ماء أو طريق إلى علو]:
من له ممر في أرض قوم أو مسيل ماء أو طريق إلى علو له فلا شفعة له فيما بيع من الدار والأرض 2 لأنه ليس بشريك فيها، وإنما له حق متعلق على الملك دون أن يكون له حتى في نفس الملك، وكذلك الدار علوها لرجل وأسفلها 3 لآخر فلا شفعة لأحدهما فيما باع الآخر لأن أملاكهما متميزة والشركة منتفية 4.
مسألة [6 - في كون الشفعة بين الشركاء على قدر الحصص]:
والشفعة بين الشركاء على قدر الحصص 5، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه على عدد الرؤوس 6، لأن الشفعة معنى مستفاد بالملك فوجب أن يكون معتبرًا بعدد الأملاك لا بعدد الملاك 7، أصله غلة الدار وكسب العبد، ولأن مرافق الأموال تتوزع على حسب مقادير أملاك الشركاء في القلة والكثرة كالربح في التجارة، ولأن الشفعة مستحقة لإزالة الضرر المتأبد لولاها ولا يمكن
إزالته بحق واجب وهو أن يطالب المشتري الشريك بالقسمة فيلزمه ذلك فيدخل عليه الضرر من عدة وجوه: من نقصان قيمة نصيبه إذا قسم، ولزوم أجرة القسام، واستحداث مرافق أخر، وزيادة مؤنة، ووجدنا هذا الضرر يدخل عليه على حسب ملك الملاك لا على عدد رؤوسهم، فإذا كانت الشفعة مستحقة لهذا وجب أن يستحق بقدر الملك لأن هذا الضرر إذا وجد يسقط حسب الملك وكذلك إذا رفع.
مسألة [7 - الشفعة بين أهل الميراث]:
الشفعة بين أهل الميراث على قدر رؤوسهم، ومن باع أصل سهم منهم فشركاؤه في ذلك السهم أحق بالشفعة 1 من باقي الورثة، فإن باع جميع أصل سهم سهمهم الذي ورثوه فالشفعة لبقية أهل الميراث دون الشركاء الأجانب، ولو كان أهل السهام عصبة فباع بعض العصبة حق فالشفعة لبقية العصبة ولأهل السهام جميعًا، ولو باع بعض أهل سهم حقه كانت الشفعة لأهل السهم دون العصبة 2.
مثال جملة المسألة: أن يترك الميت جدتين وأختين لأم وإخوة لأب، وله ستة أسهم من اثنى عشر سهما من دار أو دكان، فأرادت إحدى الجدتين بيع حقها من السدس فالجدة الأخرى أحق بالشفعة من الشركاء، فإن باعت الجدتان جميعًا فالشفعة لباقي الورثة، وإن باعت إحدى الأختين للأم حصتها فالأخت أحق بالشفعة من الأخوة لأب، فإن باع بعض الأخوة لأب حصتهم فالشفعة بين بقية الإخوة للأب وبين باقي أهل الميراث، فإن كان جميع من ورث الميت عصبة شافعوا بينهم دون الشركاء الأجانب.
فصل [8 - في كون أهل السهم الواحد أحق بالشفعة من بقية الشركاء]:
وإنما قلنا إن أهل 1 السهم الواحد أحق بالشفعة من بقية الشركاء 2، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3، لقوله - صلى الله عليه وسلم - "الشفعة في كل شرك" 4 , والسهم نوع من الشرك" 5 والسهم نوع من الشرك (5) فوجبت الشفعة فيه، لأنه نوع من الشركة فوجب أن يثبت الشافع فيه اعتبارًا بالشركة في نفس العقار، وإنما قلنا إن بقية أهل السهم أولى من العصبة، لأنهم أخص منهم بالشركة وأكدا أمرا, لأن سهمهم معلوم مقدر، (وإنما قلنا إن أهل السهام يشاركون في العصبة لما ذكرناه من قوتهم عليهم) 6، وإنما قلنا إن جميع ورثة الميت إذا كانوا عصبة تشافعوا بينهم لأنهم أهل ميراث واحد كأهل السهام.
مسألة [9 - ثبوت الشفعة في كل شقص ملك بعوض]:
كل شقص ملك بعوض ففيه الشفعة إلا أن يعرض ما يقطعها بأي نوع كان من التمليكات من بيع، أو إجارة، أو خلع، أو مهر، أو صلح من أرش جناية، أو قيمة متلف، أو دم عمد، أو خطأ أو غير ذلك من أنواع المعاوضات، فأما ما ملك بغير عوض مثل الهبة بغير الثواب والصدقة ففيها روايتان: إحداهما وجوب الشفعة، والأخرى سقوطها.
ولا شفعة في الميراث 7.
فصل [10 - وجوب الشفعة في أنواع المعاوضات]:
إنما قلنا إن الشفعة واجبة في أنواع المعاوضات لاتفاقهم على ذلك في البيع
فكان كل عوض بمثابته، (وقلنا إن الشفعة في النكاح والخلع خلافًا لأبي حنيفة 1، لأن النكاح نوع معاوضة فإذا ملك به ما يجب فيه الشفعة جاز أن يستحق كالبيع) 2. فصل [11 - أخذ الشفعة في المهر بقيمة الشقص]: إذا وجبت الشفعة في المهر فإنها تؤخذ بقيمة الشقص 3، خلافًا للشافعي في قوله: إنها تؤخذ بمهر المثل 4، لأن ذلك أعدل بين الشفيع والمرأة، وذلك أن النكاح طريقه المواصلة والمكارمة دون محض المعاوضة، فقد يكون مهر المثل ألف دينار وقيمة الشقص مائة فتسامحه فتأخذ الشقص بمهرها، فمتى ألزمنا الشفيع أخذ الشقص بمهر المثل وهو ألف دينار كنا قد حفنا عليه وألزمناه أن يدفع إلى المرأة أكثر مما عاوضت عليه، وكذلك قيمة الشقص ألفا مثلها مائة، فلو جعلنا للشفيع أخذ الشقص بمائة وهو يساوي ألفا كنا قد حفنا على المرأة لأن الزوج يقول أنا أصدقها هذا الشقص (على أنه يقدر مهر المثل فكان الأعدل في ذلك قيمة الشقص 5. فصل [12 - في أخذ الشقص في الصلح عن دم العمد بقيمته وعن دم الخطأ بالدية]: ويؤخذ الشقص في الصلح عن دم العمد بقيمته وعن دم الخطأ بالدية، لأن الواجب بالعمد القود وإنما تجب الدية بالتراضي أو بتعذر القود، وليس كذلك
الخطأ لأن الواجب به الدية والشقص بدل منها 1، ووجه قوله: في الهبة والصدقة إنه لا منفعة فيها، اعتبارًا بالميراث لأنه انتقال ملك بغير عوض، ووجه إيجاب الشفعة فيها، اعتبارها بالبيع بعلة أنه انتقال ملك باختيار.
مسألة [13 - إذا بيع مع الشقص عرض بثمن واحد]:
ومن باع صفقة واحدة شقصًا تجب فيه الشفعة ومعه عروض وحيوان فللشفيع أخذ شفعته بحصتها من الثمن، وليس للمشتري أن يقول لا أدعك تفرق الصفقة 2؛ لأن الشفيع لا يلزمه أن يأخذ ما لا شفعة فيه والمشتري دخل على تفريق الصفقة.
فصل [14 - لو اشترى أشقاصًا شفيعها واحد]:
لو اشترى أشقاصًا شفيعها واحد فأراد الشفيع أن يأخذ شفعته من واحد منها ويترك بقيتها لم يكن له ذلك إلا برضى المشتري، بخلاف الأولى 3 لأن الحق له في الجميع فهو المختار لتبعيض الصفقة على المشتري فلا يترك وذلك.
فصل [15 - من باع شقصًا وله عدة شفعاء]:
ومن باع شقصًا من رجل 4 وله عدة شفعاء فأراد بعضهم الأخذ بحصته من الشفعة وسلَّم سائرهم: فليس لمريد الشفعة إلا أن يأخذ الكل أو يترك 5، لأن الباقي إذا تركوا حصل الشقص كأنه ليس له إلا 6 شفيع واحد فلم يكن له إلا أخذ الكل أو الترك، ولو كان بعض الشفعاء حاضرا وباقيهم غائب فأراد الحاضر أن يأخذ نصيبه بحصته لم يكن له ذلك لأن تبعيض الصفقة غير جائز ما لم يرض
المشتري، وهو ممن له في الشفعة حق، فإن أخذ الكل ثم قَدِمَ الغائبون أخذوا بقدر حقوقهم إن أحبوا لأن أخذ هذا الشفيع للجميع إنما كان لحق المشتري في منع تفريق الصفقة عليه، ولأنه مشتر من المشتري، وليس لمن يأخذ الشفعة تفريق الصفقة عليه.
مسألة [16 - الشفعة على التراخي أو على الفور، وحكم شفعة الغائب]:
الأخذ بالشفعة ثابت للشفيع، ما لم يترك، أو يظهر منه ما يدل على الترك، أو يأت في طول المدة ما يعلم معه أنه تارك للشفعة، فإن كان غائبًا فلا تنقطع شفعته ولو طالت غيبة ما طالت 1، وإن كان حاضرا فعنه روايتان 2: إحداهما أنه لا حد في بطلان الشفعة من المدة، والأخرى أنه ينتظر عليه سنة ثم لا شفعة له بعدها، وعند أبي حنيفة أنها على الفور 3 كالرد بالعيب فإن أمسك عن المطالبة بها مع علمه وتمكينه 4 منها بطلت، وقول الشافعي الصحيح عن أصحابه مثل ذلك 5، فدليلنا أن المطالبة بالشفعة حق للشفيع، ومن له حق المطالبة في أي وقت شاء إلا أن يعلم منه ترك له، هذا أصل بني عليه هذا الباب ولا ينتقض بأعيان المسائل، ولأنه حتى في استيفاء مال لم يكن فيه تفريط أو تدليس فلم يجب المطالبة به على الفور، وأصله الديون، وفيه احتراز من الرد بالعيب، ولأن في إيجابه المطالبة فورا ضرر على الشفيع, لأنه قد يعلم ولم يحصل الثمن ولا باع ما يحصل من جهته، فيؤدي ذلك إلى تفويته إياه متى لم يمهل مدة يتمكن فيها من ذلك، وكذلك قد يكون المشتري قد عمَّر وغرس
فيلزم الشفيع دفع القيمة 1 إليه، فلا يجوز أن يثبت له حق ويؤخذ باستيفائه على وجه يقتضي تغريمه إياه، وإنما قلنا إن الغائب لا تنقطع شفعته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فينتظر بها وإن كان غائبًا" 2، ولأنه معذور، ولأن تركه المطالبة لغيبته 3، ولا يمكنه غالبًا المطالبة مع الغيبة.
فصل [17 - في توجيه القول في مدة الشفعة]:
فأما الحاضر فوجه القول بأن مدته سنة: فلأنه إذا ثبت أن المطالبة ليست على الفور، وكان الأجل القريب في معنى الفور, لأنه قد يكون له عذر في إمساكه عن المطالبة ليُحصّل الثمن وقيمة 4 عمارة إن كانت للمشتري فيخاف أن يؤخذ بوزن ما يلزمه في الحال وربما في الحال وربما لا يحضره، فوجب ضرب مدة (له ليتسع لما يمكنه معه الأخذ، وكانت السنة أولى الآجال بأن تحد لأنها تجمع ما تجتمع معه العلل في الصبر والإمهال، وقد جعلت في الشرع حدا لأحكام عدة فكذلك في مسألتنا، ووجه رواية التأبيد قوله: "الشريك أحق به" 5 ولم يعلقه بمدة، ولأنه استيفاء مال فلم يبطل بترك المطالبة كأروش الجنايات.
فصل [18 - هبة الشفيع شفعته]:
إذا وهب الشفيع شفعته قبل وجوبها له) 6 لم يلزمه 7 لأنه لم يملك شيئًا يهبه، ومن وهب ما لا يملك لم تصح هبته.
فصل [19 - فيما إذا بيع الشقص بعرض أو حيوان أو طعام]:
إذا بيع الشقص بعرض أو حيوان أخذه الشفيع بقيمة ذلك العرض، وإن كان بطعام أو غيره مما يكال أو يوزن أخذه: بمثله 1، ولأن الشفيع إنما يستحق الشقص بالقدر الذي عاوض المشتري به، فإن كان مما له مثل لزم الشفيع مثله، وإلا فقيمته لأن القيمة تقوم مقام المثل عند تعذره.
فصل [20 - في عهدة الشفيع]:
عهدة 2 الشفيع على المشتري 3 دون البائع، ودركه 4 في الاستحقاق لازم للمشتري، وعليه يرجع بالثمن ويرجع المشتري على البائع، وسواء أخذ الشقص قبل قبض المشتري إياه أو بعده في حياة المشتري أو بعد موته 5، وقال ابن أبي ليلى: العهدة على البائع في كل وجه، وقال أبو حنيفة: هي على من يؤخذ الشقص منه كان البائع أو المشتري 6.
فدليلنا أن الشفعة تؤخذ من ملك المشتري دون البائع وذلك أن المبيع حصل في ملك المشتري بنفس العقد المطلق، ومنه يتلف قبل القبض وبعده، وإن حصل الإيجاب من البائع والقبول من المشتري فقد صح أن يأخذ من المشتري بعد تقرر ملكه عليه فيجب أن تكون العهدة عليه.
فصل [21 - في كون الإقالة لا تسقط الشفعة]:
الإقالة لا تسقط الشفعة 1، لأنها بيع حادث بعد تقرر الملك للمشتري ووجوب الشفعة للشفيع، فأشبهت بيعها 2 من غير البائع.
وقد اختلف قوله على من تكون العهدة بعد الإقالة، فقال: تكون على المشتري وتبطل الإقالة، ووجه ذلك ما ذكرناه من اعتباره ببيعه من غير البائع أن للشفيع الأخذ بأول البيعتين ويبطل ما بعده، وقال هو بالخيار إن شاء كتبها على البائع وإن شاء على المشتري، وهذا لأن الشفعة تجب له بالصفقتين بأي ذلك شاء أخذ، والعهدة على من يأخذها منه.
فصل [22 - إذا بيع سهم فيه الشفعة مرارًا]:
إذا بيع سهم فيه الشفعة مرارًا والشفيع غائب أو حاضر لم يعلم ثم أراد الأخذ بالشفعة فله أخذها بأي الصفقات: فإن أخذها بآخر صفقة صح ما تقدم من الصفقات، وإن أخذها بالأولى بطل ما بعدها (وترادوا بأصل الأثمان وسواء اتفقت الأثمان أو اختلفت، وإن أخذها) 3 بوسطها صح ما قبلها وبطل ما بعدها 4.
مسألة [23 - إذا أراد المشتري التصرف وخاف مطالبة الشريك بالشفعة]:
وإذا أراد المشتري التصرف وخاف مطالبة الشريك بالشفعة فله إيقافه عند الحاكم، فإما أخذ أو ترك ليتمكن المشتري مما يريده من البناء والهدم والغرس وغير ذلك مما يتصرف المُلاك في أملاكهم 5.
فصل [24 - في منع هبة الشفعة أو بيعها]:
ولا تجوز هبة الشفعة ولا بيعها 1؛ لأن الشريك إنما جُعلت له الشفعة ليزول الضرر عنه بدخول من لم يعهد 2 شركته ولا عرف معاملته، وربما طلب 3 بالقسمة فاحتاج إلى استئناف مرافق، فيلحقه في ذلك ضرر وهذا معنى يختص الشريك به لا يوجد في غيره، ولأنه إذا رضي بقطع حقه من تملك الشقص كان المشتري أولى بثبوت ملكه عليه.
فصل [25 - إذا بنى المشتري وغرس وعمر ثم جاء الشفيع]:
إذا بنى المشتري وغرس وعمر ثم جاء الشفيع: فإن شاء أخذ بالثمن وقيمة البنيان والغراس قائمًا يوم يأخذه، وإن شاء ترك 4، وقال أبو حنيفة يأخذها بالثمن ويجبر المشتري على قلع البناء والغراس إلا أن يكون زرعًا يترك إلى أن يحصد 5، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" 6 وهذا ليس عرق ظالم، ولأنه غرس أو بناء في ملك صحيح يملك نفعه فلم يستحق عليه إتلافه أصله ما لا 7 يستحق عليه فيه شفعة، وإنما قلنا إن القيمة يوم الأخذ لأنه في ذلك الوقت يحصل منه مشتريًا له فاستحق العرض عليه حينئذ.
فصل [26]:
ويتصور ذلك بوجوه منها أن يكون الشريك لم يعلم بالبيع فطالبه شريكه بالبناء
والغرس وكتمه البيع ثم ظهر على ذلك، ومنها أن يكون طالبه بالقسمة فبنى 1 وغرس ثم علم بذلك، ومنها أن يكون الشفيع غائبًا فأذن الحاكم للمشتري في البناء والغرس ثم جاء الشفيع.
فصل [27 - في أخذ الشفيع النخل بثمرها]:
ولو بيعت نخلة بثمرها فإن الشفيع يأخذها مع ثمرتها قائمة كانت أو مجذوذة وللمشتري ما سقى وأنفق 2، وقال أبو حنيفة: إن كانت قائمة في رؤوس النخل أخذها مع الأصل فإن كانت قد جذت الأصل بقسطه من الثمن 3، وقال الشافعي: لا يأخذ الثمرة على وجه 4، فدليلنا أن الثمرة ثابتة في أصل المبيع غير مزايلة 5 له قد ضمنه الصفقة من غير فعل آدمي فكانت الشفعة ثابتة فيها كالشجر.
مسألة [28 - إرث خيار الشفعة]:
خيار الشفعة موروث 6، خلافًا لأبي حنيفة 7، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك مالًا أو حقًّا فلورثته" 8، ولأنه خيار لدفع الضرر عن ماله فجاز أن يقوم فيه
وارثه مقامه كخيار الرد بالعيب، ولأنه حق مستفاد بالملك فجاز أن يكون موروثا كثمر الشجر ونماء الماشية.
فصل [29 - متى تتم شفعة الخيار]:
إذا بيع شقص بالخيار فلا شفعة حتى يتم البيع ويحصل الاختيار 1، وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع فلا شفعة وإن كان للمشتري وجبت الشفعة 2، وإنما قلنا لا شفعة قبل انبرام الخيار اعتبارًا به لو كان الخيار للبائع، ولأن الشفعة تستحق بتمام العقد، وما لم يقع الخيار فالعقد غير تام، بدليل أن المشتري ربما لم يشتر فردَّ الشقص.
فصل [30 - إذا بيع الشقص بثمن إلى أجل]:
إذا بيع الشقص بثمن إلى أجل: فإن شاء 3 الشفيع أخذه بمثل ذلك الثمن إلى أجل إن كان ثقة مليا أو أتى بثقة مليء يضمن الثمن عنه عند 4 الأجل 5، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له أخذه إلا بالثمن حالًا أو الانتظار إلى أن يحل فيأخذه بالنقد 6، ودليلنا أن الشفعة تستحق بمثل الثمن الذي بيع الشقص به حتى يدخل الشفيع مدخل المشتري من غير زيادة ولا مرفق بدليل أنه لو اشترى بغلة لم يأخذ صحاحًا، ولو ابتاع بصحاح لم يعط غلة، ولو ألزمنا الشفيع النقد وقد ابتاع نساء لكان ذلك زيادة على الشفيع للمشتري, لأن العرف جارٍ بأن الثمن بالنقد أقل منه بالنسيئة، ولأن المشتري لا يلزمه أن ينقد،
فلا يلزم الشفيع إلا ما يلزم المشتري، وإن منعناه الأخذ إلى المدة أضررنا به طول تلك المدة فلم يبق إلا ما قلناه.
فصل [31 - الشفعة في الحمام]:
واختلف عنه في الحمام: ففيه روايتان 1: إحداهما وجوب الشفعة، والأخرى سقوطها وذلك مبني على وجوب قسمته، فالشفعة تتبع القسمة في الإثبات والنفي 2.
فصل [32 - الشفعة في العقار الذي لا ينقسم]:
وقد اختلف قوله: في العقار الذي لا يقسم 3 إذا طلب الشريك الشفعة: فقال: فيه الشفعة، وقال لا شفعة إلا فيما ينقسم 4، فوجه إثباتها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة في كل شرك" 5، ولأنه عقار كالذي ينقسم، ووجه نفيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" 6 فنبَّه على اعتبار المقسوم، ولأن كل مبيع لا ينقسم فلا تدخله الشفعة كالثوب والعبد.
فصل [33 - في شفعة أهل الذمة]:
للذمي الشفعة فيما باع شريكه المسلم 7، خلافًا لأحمد وداود 8 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة في كل شرك رَبْعَةٍ أو حائط لا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على
شريكه فإن باعه فالشريك أحق به بالثمن" 1 فعم، ولأنه حق موضوع لإزالة الضرر عن الملك فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب.
مسألة [34 - إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن]:
إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن: فالقول قول المبتاع لأنه مدعي عليه والشفيع مدع لاستحقاق الشقص وإزالة ملكه بدون ما يذكره، فكان على المشتري اليمين 2 فإن حلف فإما أخذ الشفيع ما حلفه عليه وإلا ترك، وإن نكل حلف الشفيع وأخذ ما يدعيه، وكل ذلك إذا كان التداعي فيما يشبه 3 فإن أتى أحدهما بما لا يشبه فالقول قول مدعي المشبه مع يمينه لأن العرف يصدقه ويكذب خصمه، إلا أن يكون المبتاع ممن يعلم أنه يبذل مثل ذلك الثمن لكونه ملكا لا يبالي فيما يبذل، أو جارًا يزيد في الثمن لحاجته إلى الشقص، وما أشبه ذلك، فإن العرف يُجوَّز فيه ذلك، فإن أقام أحدهما بينة ثبت له ما يدعيه مما تشهد به فإن أقام الآخر 4 بينة حكم بأعدلهما على ما يبينه، فإن تكافئا سقطتا وعاد الأمر إلى أن القول قول المبتاع مع يمينه 5.
فصل [35 - إذا حط البائع عن المبتاع شيئًا من ثمن الشفعة]:
إذا حط البائع عن المبتاع شيئًا من ثمن الشفعة 6 نظر: فإن كان مثلها مما حط في البيوع والباقي يشبه أن يكون ثمنا للشقص وجب حطه عن الشفيع، وإن كان شيئًا متفاوتا لا يصلح أن يكون الباقي 7 ثمنا للشقص فذلك هبة لا 8 توضع
عن الشفيع، وسواء كان ذلك قبل الأخذ بالشفعة أو بعده 1، وقال الشافعي: لا يحط عن الشفيع شيئًا أصلًا 2، فدليلنا أن الذي يلزم الشفيع أن يؤدي إلى المشتري ما عاوض على الشقص، والذي عاوض عليه هو ما دونه دون ما يحط عنه، ولأنه إذا حط عنه بعضه علمنا أن الذي أظهره لم يكن الثمن فإن الثمن هو ما بقي بعد الحطيطة، فإذا وضع مالًا يشبه في الباقي أن يكون ثمنًا فإنا نعلم أن ذلك هبة لا تتعلق باستغلاء الشقص واستصلاح ثمنه فلا يحط عن الشفيع.
...
(بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد) (1)