كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 الربا 2 في المبيعات يكون من وجهين وهما التفاضل والنساء 3. فأما التفاضل فالذي ورد النص به وانعقد الإجماع عليه 4: هو في الجنس الواحد من الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" 5، وقوله: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" 6، وقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا 7 بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض" 8، وقال ابن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم 9، وما روي عن ابن عباس في ذلك فقد ثبت رجوعه عنه 10.
فصل [1 - منع بيع كل جنس بشيء من جنسه]:
وموضوع كل جنس عن ذلك لا يجوز بيعه بشيء من جنسه إلا مثلًا بمثل 1 خلافًا لمن أجاز أن يستفضل بينهما قيمة الصياغة 2، للظواهر التي ذكرناها، وروي في هذا: أن صائغًا سأل ابن عمر فقال: أصوغ الذهب ثم أبيعه بأكثر من وزنه واستفضل فيه قدر عمل يدي، فنهاه ابن عمر عن ذلك، وقال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم 3، ونحو هذا ما جرى بين أبي الدرداء 4 ومعاوية في سقاية الذهب أو الورق 5، وكتاب عمر رضي الله عنه إلى معاوية رحمه الله: لا تبع ذلك إلا مثلًا بمثل وزنًا بوزن 6، ولأنه ذهب بذهب فأشبه المضروب والمصُوغ بالمصوغ.
فصل [2 - تحريم التفاضل في المسميات]:
وأما الأربعة المسميات فالأصل فيه 7 حديث عبادة 8 وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر
ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" 1، (ولا خلاف 2 في تحريم التفاضل في الجنس من هذه المسميات) 3، وفي طريق آخر: "البر بالبر مدًّا بمد والشعير بالشعير مدًّا بمد والملح بالملح مدًّا بمد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" 4 ولا خلاف في تحريم التفاضل في الجنس من هذه المسميات 5. فصل [3 - في كون التحريم متعلق بمعاني هذه المسميات دون أسمائها]: التحريم متعلق بمعاني 6 هذه المسميات دون أسمائها 7 خلافًا لداود ونفاة القياس في قصرهم ذلك عليها دون تعديه إلى الفروع 8، فيتصور الخلاف معهم في الأرز والذرة والدخن والزبيب وغير ذلك مما لم يتناوله النص باسمه: فعندنا فيه الربا وعندهم لا ربا فيه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 9، والربا الزيادة في اللغة 10، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل 11 فعم، وقوله: "إذا اختلف الجنسان
فبيعوا كيف شئتم" 1، فدل أن اتفاقهما مانع من التفاضل، وفي حديث عبادة أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب .. إلى أن قال: حتى الملح بالملح" 2، فجعل غاية لما ابتدأ به وهو الذهب والفضة والبر، فدل على أن ما بينهما في حكمها, ولأن ذلك مبني على صحة القياس وثبوت التعليل.
فصل [4 - ثبوت تعليل هذه المسميات وحصر هذه العِلَّة]:
إذا ثبت أن هذه المسميات معللة وأن التحريم يتعلق بمعانيها، فالعِلَّة فيها 3 عندنا: أنها مأكولة مدخرة للعيش غالبًا هذا حصر أوصاف العلة، ومن أصحابنا من يعبر عنها بالقوت وما يصلحه والمعنى واحد 4، وقال أبو حنيفة العلة الكيل والوزن مع الجنس 5، وقال الشافعي: العلة كونه مطعومًا جنسًا 6.
فدلينا: أنه قد ثبت أن نصه صلى الله عليه وسلم على البر وما ذكر معه ليفيد به معنى لا يعلم مع عدمه ولا مع نصه على غيره، فلو أراد مجرد الأكل على ما يقوله الشافعي لاكتفى بالنص على واحد منها 7، إذ الأكل متساو في جميعها وليس يختلف عنده، فكان يذكر أصنافه لينبه 8 على صنف بما ينص عليه منه، وكذلك لو أراد الكيل بمجرده لكان يكتفي أن ينص على واحد منها 9 إذ الكيل متساو في جميعها، وعلى قولنا: لا يعرى نصه على كل واحد منها من فائدة فنصه على البر لينبه به على كل مقتات تعم الحاجة إليه وتقوم الأبدان بتناوله،
ونصه على الشعير ليبين مشاركته للبر في ذلك، وإن انفرد بصفة بكونه علفًا وإنه يكون قوتًا حال الاضطرار فنبه على الذرة والدخن وغيرهما، ونصه على التمر 1 لينبه به على كل حلاوة مدخرة غالبًا لأصل المعاش كالعسل والزبيب والسكر وما في معناه، ونصه على الملح تنبيهًا 2 على أن ما يصلح المقتات من المأكولات في حكمها كالأبازير 3 وما في معناها فبان صحة ما اخترناه, لأن تنبيهه صلى الله عليه وسلم على العلل من أقوى ما يستدل به عليها, ولأنه قال: "حتى الملح"، فجعله غاية بينه وبين ما نص عليه، وإنما هو غاية لأدناه وليس يضاف بالدناءة إلى الأقوات فقط، ولأن الطعم مراعى عندنا (وغير مراعي عندهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" 4 فوجب اعتبار الطعام ولأن التفاضل يحرم) 5 عندنا في قليل المنصوص عليه وكثيره وعندهم لا يحرم إلا فيما يتأتى كيله فيجوز عندهم الكف من الحنطة بالكفين والعموم يمنعه، وربما سلك في ذلك طريق القياس فقيل: لأن كل جنس حرم التفاضل في كثيره حرم في قليله كالذهب والفضة، ولأن علتهم فاسدة لأنها ترفع الأصل الذي انتزعت منه وهو عموم الخبر في معنى التفاضل، والعلة إذا عادت لمخالفة أصلها وجب فسادها, ولأن الشيء الواحد إذا كان علمًا على حكم لم يجز أن يكون علمًا على ضده والكيل علم 6 على التحليل فلم يكن علة للتحريم، ولأن علتنا أرجح لأن الربا إنما حرم حراسة للأموال وحفظًا لها، فكان في أغلى المكيلات كما كان في أغلى الموزونات وهو الذهب والفضة.
فصل [5 - في علة الذهب والفضة]:
فأما علة الذهب والفضة فكونهما أصول الأثمان وقيم المتلفات، وهذه العلة عندنا مقصورة والتعليل بها سائغ؛ لأن قصد التعدي في العلة ليس فيه أكثر من تعذر القياس وذلك لأن يخرجها عن أن تكون علة كما لو نص على كونها علة وعلى منع القياس، ولأن قصرها لا يفيد منع الحمل للفرع عليها، وذلك مستفاد بالتعليل كالتعدي، ولأنه صلى الله عليه وسلم لما نص على الذهب والفضة ولم ينص على ما سواهما دل على أنهما مختصان بذلك؛ لأنه ليس مشارك لهما في وضعهما الأخص، ونفرض الكلام في أن الرصاص والنحاس لا ربا فيه فتقول: كل جنس جاز 1 التفاضل بين مهمله ومعموله، فلا ربا فيه أصله التراب والقصب.
فصل [6 - ما شارك في علة هذه المسميات يأخذ حكمها]:
إذا ثبت أن العلة في المسميات الأربعة ما ذكرناه، فكل ما شاركها في علتها مشارك لها في حكمهما كالأرز والذرة والدخن والقطنية 2 واللحوم والألبان والخلول الأباير وسائر الفواكه المدخرة للقوت والتمر والزبيب والزيتون وسائر ما في معناها، وكذلك العسل والسكر، ولا ربا في تفاح ولا في بطيخ ولا خيار ولا قثاء ولا ما لا يدخر 3.
فصل [7 - تحريم التفاضل في الجنس الواحد دون الجنسين]:
والتفاضل يحرم في الجنس دون الجنسين لقوله صلى الله عليه وسلم: "البر
بالبر والشعير بالشعير 1 والتمر بالتمر والملح بالملح" 2، فقصر التحريم على الجنس بجنسه، وقال: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" 3 وهذا نص.
فصل [8 - الربا في الجنس الواحد]:
والحنطة والشعير والسلت في حكم الواحد لا يجوز التفاضل في بيع بعضها ببعض 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنها أجناس 5، لقوله: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" 6، ولأنهما متقاربة في المنبت والمحصد وأن أحدهما لا يكاد ينفك، فكان كالعلس 7 مع الحنطة.
فصل [9 - ما تجمع أنواعه في الزكاة فإنه صنف واحد]:
وكل ما تجمع أنواعه في الزكاة فإنه صنف واحد في البيوع، فالتمر وألوانه صنف، وكذلك الزبيب وأنواعه، والقشمش وأنواعه، وقد بينا الاختلاف في القطنية في الزكاة، وأما الأرز والدخن والذرة فكل واحد صنف على حدته.
فصل [10 - الربا في اللحم]:
اللحم منه الربا لأنه مقتات، واللحوم على ثلاثة أنواع فلحوم الأنعام
والوحش صنف، ولحوم الطير صنف وحشيّه وإنسيّه، ولحوم دواب الماء صنف، وقال بعض أصحابنا: والجراد صنف رابع 1، وقال أبو حنيفة: هي أجناس مختلفة باختلاف الحيوان 2، وقال الشافعي في بعض أقاويله: إنها صنف واحد 3، فالخلاف مع أبي حنيفة في بيع لحم البقر بلحم الغنم متفاضلًا فمنعناه وجوزه.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" 4، ولأنه لحم حيوان من بهيمة الأنعام، فلم يجز بيعه بلحم شيء من الحيوان المشارك له في هذا الوصف متفاضلًا أصله إذا كان من نوعه لحم الغنم بلحم الغنم متفاضلًا، ولأن الأغراض متقاربة فيهما وتؤكل على حد متقارب غير متباين.
فصل [11 - وجه جواز التفاضل بين لحم البقر ولحم الطير والسمك]:
والخلاف مع الشافعي في جواز لحم البقر بلحم الطير والسمك متفاضلًا فجوزناه ومنعه 5، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" 6، والجنسية ها هنا المراد بها الأغراض والمنافع وقد ثبت أن لحم السمك ليس من جنس لحم الإبل؛ لأنهما لا يتفقان في منفعة ولا في غرض ولا يؤكل كل واحد منهما 7 على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر، ولأن السمك طعام لا يحتاج إلى ذكاة، فجاز بيعه بلحم الطير متفاضلًا أصله اللبن.
فصل [12 - في بيع الشحم والكبد والفؤاد والطحال وغيرها بشيء من اللحم]:
والشحم والكبد والفؤاد والطحال والحلقوم والخصي وما جرى مجرى ذلك له حكم اللحم فلا يجوز بيع شيء منه بلحم متفاضل 1 خلافًا لمن أجازه في بعض ذلك وفي جميعه 2 لأنه نوع مأكول من جسد الشاة كاللحم، ولأن جميع جسد الشاة قد أجري مجرى واحدًا ولم يخرجه اختلاف أسمائه وأحواله من كونه لحمًا لاتفاقهم على منع التفاضل بين الكرش والكبد واللحم، فكذلك الشحم وغيره.
فصل [13 - في بيع الماء بالطعام]:
والماء لا ربا فيه على ظاهر المذهب، وروى ابن نافع عن مالك: منع بيعه الطعام إلى أجل، قال أصحابنا: يجيء على هذا أن يحرم بيعه قبل قبضه، وإنما 3 يحرم التفاضل في جنسه 4، فوجه نفي الربا عنه أن التفاضل إنما يحرم حراسة للأموال وحفظًا لها، فلذلك قضي على ما تمس الحاجة إليه من المأكولات دون غيره والماء أصله مباح غير متشاح فيه، فكان منافيًا لموضوع المقصود بالربا، ووجه إثباته أنه في معنى القوت لأن الحاجة إليه أمس منها إلى الخبز إذ غير الخبز يقوم مقامه والماء لا يقوم غيره مقامه، فكان تحريم التفاضل فيه أولى.
...
باب: [في بيع المزانبة]
بيع المزابنة 1 ممنوع 2 لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة 3، وحصر هذا الباب 4: بيع معلوم بمجهول من جنسه أو مجهول بمجهول من جنسه، فمن المعلوم بالمجهول من جنسه بيع التمر بالرطب والزبيب بالعنب واللحم بالحي المأكول من جنسه لا يصلح إلا للحم كالمعلوف والكسير والمشوي بالطري النيئ، والمالح والقديد بالطري من الحيتان وغيرها، الجنس بجنسه والحنطة المبلولة باليابسة وبالمبلولة إلا أن يكون البلل واحدًا، ومنع بيع الدقيق بالعجين والحنطة بالعجين، ولا بأس الدقيق بالدقيق والرطب بالرطب 5 متماثلًا عند مالك ومنعه عبد الملك وكذلك التمر العتيق بالحديث، واختلفه في الحنطة بالدقيق ولا بأس بالحنطة بالسويق والدقيق بالخبز متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك العجين بالخبز، ولا بأس باللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك العجين بالخبز، ولا بأس باللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك التمر والرطب 6 بخلهما ولا بأس: اللبن باللبن حال رطوبتهما 7.
فصل [1 - دليل منع بيع الرطب بالتمر]:
وإنما منعنا بيع الرطب بالتمر خلافًا لأبي حنيفة 1 لقوله صلى الله عليه وسلم وسئل عن ذلك فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم، قال: "فلا إذا" 2، وروي: "فنهى عنه"، وروي: "لا تبايعوا الرطب بالرطب" 3 وروي ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن المزابنة" 4، والمزابنة بيع الرطب بالتمر, ولأنه جنس فيه الربا بيع منه مجهول بمعلوم فلم يجز أصله بيع الشيرج 5 بالسمسم والزيتون بالزيت، ولأن المماثلة شرط في هذا الموضع وهي معدومة لأن التمر والرطب غير متناه، وذلك يمنع التماثل وإذا ثبت المنع من ذلك فكل ما ذكرنا من بابه، فحكمه في المنع مثله 6 من الحي بالميت والمشوي بالطري والمبلول باليابس وسائر ما في بابه.
فصل [2 - في بيع الرطب بالرطب]:
وأما الرطب بالرطب فإنما أجزناه خلافًا للشافعي 7 وعبد الملك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبايعوا التمر بالتمر حتى يبدوا صلاحها" 8 وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها, ولأنها ثمرة بيعت بجنسها وهما على حال يتساويان فيها، فجاز في ذلك أصله التمر بالتمر، ولأن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض حال جفافها جاز حال رطوبتها كاللبن باللبن.
فصل [3 - في بيع الحنطة بالدقيق]:
فأما الحنطة بالدقيق، فاختلف أصحابنا في تخريجه على المذهب: فمنهم من يقول: إن المسألة على روايتين، ومنهم من يقول: ليس بخلاف قول، وإنما هو اختلاف حالين، فإن كان كيلًا بكيل فلا يجوز وإن كان وزنًا بوزن جاز 1، فوجه الجواز أنه ليس في طحن الحنطة أكثر من تفريق أجزائها، وذلك لا يمنع الكيل ولا ينافي 2 المماثلة، ووجه المنع أن المماثلة ممتنعة فيها 3 لأنه إن كان كيلًا بكيل أدى إلى التفاضل وإن الحب إذا طحن تفرقت أجزاؤه ولم تجتمع بعد ذلك اجتماع الحب بخلقته في الأصل فيجيء من صاع بر أكثر من صاع الدقيق، وإن كان وزنًا بوزن امتنع لأن طريق التماثل في ذلك الكيل فلا يجوز غيره.
فصل [4 - بيع الدقيق بالدقيق]:
وإنما أجزنا بيع الدقيق بالدقيق متماثلًا خلافًا للشافعي 4 لأن التساوي فيه موجود في الحال كالحنطة بالحنطة.
فصل [5 - جواز بيع الحنطة والدقيق متفاضلًا]:
فأما تجويزنا التفاضل بين الحنطة والدقيق بخبزهما وسويقهما خلافًا للشافعي (5) فالنكتة فيه وفي جواز اللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا والرطب والتمر 5 بخلهما واحدة في جميع هذا الباب وهي: أن الصنعة تغير ما تدخله من الجنس حتى تجعله في حكم الجنس المفرد لأنه لا يصلح لما كان يصلح له أولًا، وتختلف الأغراض فيه إذ لا يقول أحد أن منفعة التمر تقارب منفعة الخل، وكذلك الحنطة والسويق والخبر والدقيق لأن تأثير النار في الطبخ والخبز من تباين المنافع وتغيير
الصنعة ما ينفى التقارب ويوجب التفاوت والتباين، وإذا ثبت ذلك جاز التفاضل فيه بمثل ما له جاز في الجنسين المتباينين، وأما جواز بيع التين بالتين 1 رطبين متماثلين فللتساوي في المنافع 2 والحال، فقد سلما من الربا والمزابنة.
فصل [6 - في بيع رطب من ثمره بيابس مزابنة]:
وما ذكرنا من أن بيع رطب من ثمره بيابس مزابنة، فإنما ذلك في الجنس لأن التفاضل في الجنسين غير ممنوع، فيجوز بيع التمر بالعنب والرطب بالزبيب وجميع ما في هذا المعنى، وهذا فيما يحرم التفاضل في جنسه إذا بيع بعضه ببعض، فأما ما لا ربا فيه كالخوخ والمشمش وغيرهما فيجوز بيع الرطب باليابس إذا تحقق التفاضل ويمنع مع الاحتمال والشك ليخرج عن المخاطرة.
فصل [7 - في بيع المجهول بالمجهول]:
وأما بيع المجهول بالمجهول من جنسه مما لا يجوز التفاضل فيه فغير جائز، وهو من باب المزابنة وذلك كالصبرة بالصبرة وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى؛ لأن عدم التماثل يقوم في المنع مقام تحقق 3 التفاضل لأن التماثل إذا لم يوجد فشرط جواز البيع غير حاصل.
فصل [8 - في قسمة وبيع اللحم على التحري]:
يجوز قسمة اللحم على التحري وكذلك بيعه، ومن أصحابنا من يطلق ذلك ومنهم من يشترط 4 فيه تعذر الموازين، وكذلك البيض بالبيض والخبز بالخبز والرطب بالرطب واليابس باليابس 5، وعند أبي حنيفة والشافعي أن ذلك غير جائز 6.
وإنما قلنا ذلك للعمل المستفيض من الصحابة في الأسفار أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري، والقسمة بيع كل واحد من المقتسمين حظه بحظ صاحبه، ولأن الحذر في الشرع قد جعل طريقًا إلى جواز البيع فيما شرط فيه الكيل والوزن، وسببًا لمعرفة المقدار فيما يعرفان به عند 1 تعذرهما، ألا ترى أنا نجيز ذلك في الزكاة والعرايا، فجاز أن يكون التحري في مسألتنا طريقًا إلى معرفة التماثل للضرورة، ووجهها أن الموازين في الأسفار قد تعدم وتتعذر فلو قلنا: أنهم لا يقتسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان لشق ذلك 2، وأدى إلى ضياعه وفوات الانتفاع به، فجاز لهذه الضرورة قسمه وبيعه.
فصل [9 - في بيع الطعام بالطعام]:
لا يجوز بيع طعام بطعام إلا نقدًا ولا يجوز فيه تأخير بوجه كان من جنسه أو من غير جنسه كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه بيع متفاضلًا أو متماثلًا، ومن شرطه التقابض في المجلس 3، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يفترقا من غير قبض إلا أن يكون المبيع جزءًا مشاعًا 4، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الربا في النسيئة" 5، وقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا التمر بالتمر ولا الشعير بالشعير ... إلى أن قال: إلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد" 6، ولأن كل شيئين لا يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر مع جواز السلم فيه فلا يجوز بيعه به إلا يدًا بيد أصله الذهب والفضة أو الذهب في الحلي، ولأنه بيع عين بعين يفسده دخول الأجل، فكان التقابض شرطًا فيه أصله إذا باع جزءًا مشاعًا من صبرة.
باب: [في بيع الطعام قبل قبضه]
المبيعات على ضربين: طعام وغير طعام، فالطعام يباع على وجهين: أحدهما على وجه يلزم فيه حق التوفية، وذلك بأن يكون على كيل أو وزن أو عدد، والآخر جزافًا مصبرًا، فالقسم الأول لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان معينًا 1 أو في الذِّمَّة 2، والأصل نهيه صلى الله عليه وسلم بقوله: "من ابتاع طعامًا فليس يجوز له 3 أن يبيعه قبل قبضه" 4، وروي: "قبل أن يستوفيه"، وإذا ثبت ذلك، فكل أنواع الطعام داخله في المنع من الإدام والقوت والفواكه مما يدخر وما لا يدخر ما فيه الربا وما لا ربا فيه وكذلك الأشربة، وذكر ابن وهب عن مالك أن 5 ما لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه لأنه أخفض رتبة من المقتات 6 بدليل إباحة التفاضل فيه وسقوط الزكاة منه 7، والأولى أصح للعموم، ولأن النهي لأجل العينة وأن يعلم أن الشراء لم يكن لها وهذا يستوي فيه المقتات وغيره (ولأن انخفاض حرمته عن المقتات في حكم من الأحكام لا يقتضي انخفاضها عنه في سائرها ألا ترى أنه لا يجوز بيع بعضه إلى أجل من حيث كان طعامًا) 8، والأدوية والبذور التي تبذر للزرع لا تدخل في هذا
لأنها ليست بطعام، وإنما تتناول للحاجة وليس اسم الطعام لكل ما يتطعم لأنه لو كان كذلك لكان الجص والسم طعامًا لأن له طعما ولكنه اسم لما جرت العادة بأكله على وجه يؤكل عليه الطعام في العادة من الاقتيات أو الائتدام أو التفكه أو التحلي وليس التداوي من هذا، فلم يدخل فيه.
فصل [1 - دخول ما ملك بعقد معاوضة في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه]:
إذا ثبت ما ذكرناه فكل طعام ملك بعقد معاوضة مشارك لما ملك بشراء في منع بيعه قبل قبضه: من ذلك ما يملك أجرة في إجارة أو قضاء دين أو مهر أو خلع أو صلح عن دم عمد أو مثلًا لمتلف أو أرش جناية في مال مضمون 1 كان أو معينا، وكل ما يملك بغير معاوضة، فجائز لمن ملكه بيعه قبل قبضه كالميراث والهبة والصدقة وغير ذلك والمقترض يجوز لمقرضه ولمقترضه بيعه قبل قبضه لأنه ليس بمبتاع ولا في معنى المبتاع.
فصل [2 - جواز هبة وقرض الطعام المبتاع الممنوع من بيعه قبل قبضه]:
لمبتاع الطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه أن يهبه ويقرضه ويتصدق به أو يخرجه عن ملكه على غير وجه المبايعة قبل قبضه، ولكن لا يجوز لمن صار إليه ذلك ببعض هذه الوجوه أن يبيعه قبل أن يقبضه 2؛ لأنه قائم مقام البائع وعقد هذا الباب: إن كل طعام ابتيع فلم يقبض فلا يجوز أن يقع عليه عقدة بيع حتى يقبض سواء كان ذلك من مبتاعه أو ممن صار إليه عن مبتاعه.
فصل [3 - إذا باع تمرًا واستثنى منه كيلًا معلومًا]:
إذا باع تمرًا واستثنى منه كيلًا معلومًا، ففيه روايتان 3: إحداهما أن له بيعه قبل أن يجزه، والأخرى أنه ليس له ذلك، فوجه الجواز أنه لم يبع ما استثناه،
وإنما أبقاه على ملكه، ووجه المنع أنه صار شريكًا للمشتري بمقداره من الكيل والأول أصح.
فصل [4 - الإقالة والتولية والشركة في الطعام قبل قبضه]:
إذا ثبت منع بيع الطعام للمشتري بكيل أو وزن أو عدد قبل استيفائه، فيجوز منه الإقالة والتولية والشركة قبل القبض، وإن كانت بيوعًا 1 لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الإقالة والشركة" 2 وهذا نص، ولأن المقصود منها لما كان المعروف دون المتاجرة والمغابنة جاز للرفق واستثنى من أصل البيع كما استثنيت العرية من بيع الرطب بالتمر للرفق، والحوالة من بيع الدين بالدين لأنه لم يقصد فيها ذلك 3، وهذا إذا وقع العقد الثاني على الوجه الذي وقع عليه العقد الأول بمثل المال لا زيادة فيه ولا نقصان ولا مخالفة في تعجيل أو تأجيل: فيعلم بذلك أن الفاعل له لم يقصد المتاجرة والتربح 4، وإنما آثر على نفسه وقصد فعل الجميل والرفق بمن فعل ذلك معه، ومتى وقع على خلاف ذلك من زيادة أو نقصان أو مرفق بتأخير أو تعجيل على أنهما لم يريدا الوجه الذي له وقعت الرخصة، وإنما أراد الوجه الممنوع من بيع الطعام قبل قبضه فمنعنا منه.
فصل [5 - في بيع الجزاف أو الصبرة قبل نقله]:
ثم عدنا إلى أصل التقسيم فقلنا: وأما ما ابتيع من الطعام جزافًا 5 أو
مصبرًا 1 فيجوز بيعه قبل نقله إذا خلَّى البائع بينه وبينه 2 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3 لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 4، وروى ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه" 5 فدل أن الجزاف بخلافه، ولأن الجزاف ليس فيه توفية، فإذا وجدت التخلية لم يبق وراءها توفية تطلب، فجاز بيعه كالمكيل إذا قبض، وقد استحب مالك رحمه الله أن يباع بعد نقله ليخرج من الخلاف ويحتاط للعقد.
فصل [6 - فيما يجوز بيعه قبل قبضه]:
وما عدى الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول وما لا ينقل ولا يحول وما يكال أو يوزن وما لا يكال ولا يوزن كان عينًا معينة أو سلمًا مضمونًا في الذِّمَّة فبيعه قبل قبضه جائز في الجملة بخلاف الطعام ما لم يعرض في العقد ما يمنع منه من كونه دينًا بدين أو ذريعة إلى بيع وسلف أو بعض الأشياء الممنوعة 6، خلافًا لأبي حنيفة في منعه بيع ما ينقل ويحول 7، والشافعي في منع بيع كل مبيع قبل قبضه من بائعه 8، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 9، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه" 10، فدل أن ما عداه بخلافه، ولأنه
إزالة ملك فجاز قبل القبض كالعتق، ولأنه أحد نوعي المبيعات فعدم القبض لا يمنع بيعه أصله المنافع في الإجارة، ولأن الشراء نوع يملك به، فجاز أن يباع ما ملك به قبل القبض كالميراث والوصية ومع أبي حنيفة قياسًا على العقار.
فصل [7 - اشتراط القبض في البيع]:
عقود البياعات كلها تقع بالقول وليس القبض شرطًا في انعقادها ولا في لزومها، غير أن في بعضها إن تأخر القبض عن العقد تأخرًا شديدًا أو افترقا قبل بطل العقد، وذلك كالصرف وبيع الطعام بالطعام، فأما سائر العروض التي يجوز بيع بعضها ببيع نقدًا أو نساء، فإن تأخر القبض لا يبطل العقد فإن تلفت 1 نظر، فإن كان في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو عدد فضمانه من البائع 2 إلا أن يكون كاله أو وزنه للمشتري فتركه المشتري عنده فيكون حينئذ تلفه من المشتري، وأما ما ليس فيه حق توفية مثل البيع بعينه أو الجزاف فتلفه من المشتري قبل القبض وبعده دفع المشتري الثمن أو لم يدفعه طالبه بالقبض أو لم يطالبه إلا أن يكون البائع حبسه عنده ليقبض الثمن، فيكون حكمه حكم الرهن، أو منعه ابتداء ظلمًا فيكون غاصبا، فأما مع 3 السلامة من ذلك كله فضمانه إن تلف من المشتري 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5 في قولهما: أن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري إياه، وإن العقد ينفسخ بتلفه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان" 6، فجعل الضمان ممن يكون له الخراج، وقد
ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض ليكون للمشتري، فكان ضمانه منه، ولأن الملك لا يخلو أن يكون استقر بنفس البيع الذي هو الإيجاب والقبول المطلق، فذلك يوجب أن يكون التلف من المشتري كما بعد القبض أو أن لا يستقر إلا بمعنى زائد عليه وهو القبض فالقبض فرع على الملك وتابع له؛ لأن البائع يجبر على إقباضه للمشتري ولولا استقرار الملك لم يجبر عليه، وإذا كان البيع لمستقر فالتلف ممن حصل الملك له وامتنع الفسخ عليه، ولأن إعتاق المشتري في العبد نافذ قبل القبض، وذلك ممتنع فيما لم يكن يستقر كبيع الخيار، ولأنه عوض مستحق بعقد معاوضة، فإذا كان معينًا 1 وتلف قبل القبض لم يتلف من المستحق عليه أصله المهر.
فصل [8 - في بيع الجزاف]:
يجوز بيع الطعام جزافًا في الغرائر 2 وصبرًا على الأرض، وكذلك غيره من العروض المكيلة أو المعدودة التي لا خطر لها، وإنما الغرض مبلغها كالجص والنورة والقطن وغير ذلك، ولا يجوز بيع شيء له بال وخطر تكثر قيمته ويعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب جزافًا.
وقاعدة هذا الباب: أن من المبيع ما يقصد مبلغه دون أعيان آحاده، وذلك كالحنطة والشعير والثمرة والزبيب والجوز واللوز وسائر الفواكه والبقول، فما هذه سبيله يجوز بيعه جزافًا لأنه ليس المقصد إلى عين كل واحد من آحاده لأن أحدًا لا يقصد عين كل 3 جوزة وبذنجانة، وإنما القصد جملته ومبلغه، فإذا علم ذلك بالحزر عند مشاهدته جاز بيعه كما يجوز 4 بيع الشيء بالخرص فيتعلق = وأحمد: 6/ 49، والدارقطني: 3/ 53، البيهقي: 5/ 321، والحاكم: 2/ 15، وصححه ابن القطان (تلخيص الحبير: 3/ 22).
به أحكام الكيل والوزن، ولأن القصد المبلغ ليس في جزافه خطر أو غرر فينسب ترك تحقيقه بالكيل أو الوزن إلى قصده، وإما المقصد التخفيف والرفق والراحة من التعب ومؤنة الكيل والوزن من المبيع ما يقصر أعيانه وآحاد جماعات كل عين في نفسها كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر؛ لأن كيل واحد من جماعاتها يحتاج إلى اختيار في نفسه والعلم بسلامته من العيوب وليس الغرض المبلغ دون العين، فما هذه سبيله يعظم الخطر فيه ويكثر به الغرر بالمجازفة فيه فلا يجوز بيعه جزافًا 1. فصل [9 - عدم جواز بيع ما يعلم كيله ووزنه جزافًا]: ما علم بائعه كيله أو وزنه فلا يجوز له بيعه إلا بعد أن يعلم 2 المشتري بمبلغه 3 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا" 5، وهذا غش 6 لأن المبتاع يدخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع، وروي: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من علم كيل طعام فلا يبيعه جزافًا حتى يبين" 7 وهذا نص، ولأنه باع جزافًا ما يعلم قدر كيله فلم يجز أصله إذا قال: قد بعتك ملء هذه الغرارة والبائع يعلم ما تسع.
فصل [10 - خيار المشتري إذا علم كيل أو وزن ما اشتراه جزافًا]:
إذا ثبت منع ذلك فمتى وقع فالمشتري بالخيار لأنه متعدى عليه لأنه إنما رضي بالمجازفة ودخل على أن البائع بمثابته في الجهل بقدر الكيل 1، فإذا كتمه ذلك كان تدليسًا 2 عليه، فثبت له الخيار كالعيب إذا كتمه وإن بين 3 له فقال أنا أعلم كيلها ولست أعلمك، فإن أردت أن تبتاع على هذا وإلا لم أبعك فرَضِيَ المشتري فذلك غير جائز؛ لأنه رضي بالمخاطرة والغرر وقصد إلى ذلك مع الاستغناء عليه، وذلك مفسد للعقد المبني عليه.
فصل [11 - إذا أخبره بكيله فصدقه وقبضه بغير كيل]:
إذا أخبره 4 البائع بكيله فصدقه المشتري عليه وقبضه بغير كيل، فإن كان البيع نقدًا جاز، وإن كان إلى أجل فلا يجوز واختلف أصحابنا في تأويله 5، فمنهم من يحمله على المنع، ومنهم من يحمله على الكراهية 6، وإنما قلنا: إنه إذا كان نقدًا جاز لأنه ليس فيه تهمة لأنه لا يخاف منه إن لم يصدقه أن يفوته غرض 7 ويقع لو صدقه لأدركه ولم يفته، والنسيئة بخلاف ذلك لأنه يجوز أن يكون دون ما أخبره 8، فإن لم يصدقه لم يرض ببيعه منه نسيئة، وإنما غرض البائع في إنسائه أن ينتفع بالنقصان الذي يحتسب له به فيكون من أكل المال بالباطل.
فصل [12 - إذا صدقه بالكيل في النقد ثم ادعى نقصانه]:
إذا صدقه بالكيل في النقد 1 ثم ادعى المبتاع نقصانه عما أخبره أو زيادة، فإن كان مما يكون مثله في اختلاف الكيل ويريد رده فلا يرده به؛ لأن ذلك معفو عنه في العرف كالتغيير الذي يكون في أسفله والتراب الذي يعلم أنه لا ينفك منه، فإن كان زائدًا على ذلك خارجًا عما جرى العرف به فله المحاسبة به لأن البائع لم يوفه ما عقد عليه البيع والقدر الفائت لم يوجد له عوض، وذلك إذا صدقه البائع أو كاله بحضرته أو قامت له بيِّنة به قبل أن يغيب عليه، وإن لم يكن له إلا دعواه فلا يقبل ويحلف البائع.
...
باب: [في أضرب المبيع]
المبيع على ثلاثة أضرب: عين حاضرة، وغائبة عن العقد، وسلم في الذمة غير معين.
فأما بيع العين الحاضرة المرئية مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب أو العبد أو الدابة وهو يراه، فذلك جائز إذا أبصره وخبره ولا خلاف في هذا النوع 1.
فصل [1 - بيع الشيء الغائب]:
وأما الأعيان الغائبة عن العقد 2 فيجوز بيعها على الصفة أو على ما تقدم رؤيته 3 خلافًا للشافعي في منعه بيعها على الصفة 4 لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 5، ولأنه مبيع معلوم لهما مقدور على تسليمه غالبًا كالمرئي، ولأن ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية كالسلم.
فصل [2 - البيع على غير صفة ولا رؤية]:
ولا يجوز بيعه بغير صفة ولا رؤية ولا مع شرط خيار الرؤية وذكر في المدونة جواز ذلك إذا اشترطت فيه خيار الرؤية 6، وكان شيخنا أبو بكر وأصحابنا يقولون: إنه خارج عن الأصول 7، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع ما لم ير ولم
يوصف ويكون للمبتاع خيار الرؤية بنفس العقد 1، ودليلنا على منعه: "نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع 2 الغرر" 3 وهذا منه، ولأنه مجهول واشتراط خيار الرؤية لا ينفع 4، كما لا ينفع في بيع الآبق والشارد، ولأن تأخر معرفة المبيع عن العقد يؤذن 5 ببطلانه كالسلم إذا لم يصفه حال العقد.
فصل [3 - معيار الصفة المطلوبة في بيع الشيء الغائب]:
إذا ثبت جواز بيع الغائب بالصفة، فالذي يحتاج إليه من ذلك كل صفة مقصودة تختلف الأغراض باختلافها وتتفاوت الأثمان لأجلها وتقل الرغبة في العين وتكثر بحسب وجودها وعدمها ولا يكتفي 6 في ذلك بذكر الجنس والعين 7 فقط؛ لأن بيع الملامسة لا يعرى من مشاهدة العين ومعرفة الجنس وهو مع ذلك غير جائز ولا يضره الإخلال بما لا يؤثر فيها 8.
فصل [4 - إذا جاء المبيع على الصفة المشترطة أو على أعلى أو أدون منها]:
وإن جاء المبيع على الصفة المشترطة لزم المبتاع ولم يكن له خيار الرؤية إلا أن يشترطه في العقد فيثبت له بالشرط، وإنما قلنا: لا خيار له لأنه مبيع موصوف قبض على صفته فلم يكن له خيار الرؤية كالسلم، وإن جاء على خلافها، فإن كان أعلى فلا خيار له، لأنه إذا لم يثبت له الخيار مع الموافقة 9 فمع الزيادة
أولى، ولأن الخيار إنما يثبت للنقص لا للزيادة وإن كان أدون فالمبتاع بالخيار في الإمضاء والفسخ لأن المبيع لم يسلم له على الوجه الذي دخل عليه كما لو وجد عيبًا.
فصل [5 - إذا تلفت السلعة المبيعة على الصفة]:
إذا تلفت السلعة المبيعة على الصفة بعد العقد وقبل القبض ففيها ثلاث روايات 1: إحداها أن التلف من البائع إلا أن يشترطه على المشتري، والثانية أنه من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، والثالثة أن ضمان الحيوان المأكول وما ليس بمأمون على البائع والدور والعقار من المشتري.
فوجه الأولى: أن على البائع توفية المشتري ما اشتراه، فما لم يوفه لم 2 يستحق عليه العوض والتلف منه؛ لأن المشتري لم يقبضه ولم تثبت عليه يد.
ووجه الثانية: أن الأصل السلامة مع كونه متميزًا عن ملك البائع لا يتعلق به حق توفية، فكان ضمانه من المشتري وذلك إذا علم أن الصفقة صادفته حيًّا سليمًا ثم تلفت 3 من بعد.
فأما وجه تفريقه بين المأمون وغير المأمون على ظاهر السلامة، فيجب أن يكون ضمانه من المشتري اعتبارًا بالحاضر 4، ولأن النقد لا جاز اشتراطه في المأمون ولم يجز في غيره دل على افتراق حكمهما.
فصل [6 - النقد في بيع الشيء الغائب]:
إن تبرع المشتري في بيع الغائب بنقد الثمن أو بعضه قبل مجيء المبيع جاز،
فأما إن اشترط البائع عليه النقد فيجوز في المأمون لعدم 1 تغيره وأمنه 2 في الغائب كالعقار والدور ولا يجوز في الحيوان والمأكول وما لا يؤمن تغيره، والفرق أن المأمون يقبل الغرر فيه وغير المأمون يكثر الغرر فيه، فاشتراط النقد فيه غرر، ولأنه يدخله سلف وبيع لأن النقد يتردد بينهما لأن المبيع إن سلم كان نقدًا وإن لم يسلم كان البائع قد انتفع بالثمن ثم رده إلى المشتري.
فصل [7 - في بيع البرنامج]:
يجوز عندنا بيع الأعدال على البرنامج 3 وهو أن يبيعها على الصفة التي يتضمنها برنامجه من ذكر الجنس والنوع والزرع والعدد والسعر، فإن وافق الصفقة لزم البيع، وإن خالف كان كما ذكرناه وليس للمبتاع إذا وافقت الصفة، وقال: هي مخالفة 4 أن يرد خلافًا للشافعي في قوله 5: لا يجوز 6، ودليلنا الظاهر وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 7، ولأن أكثر ما فيه أنه باع عينًا يتعذر رؤيتها بصفة تحصرها، وقد دللنا على جواز ذلك.
فصل [8 - في بيع السلعة الغائبة على رؤية متقدمة]:
يجوز بيع السلعة الغائبة على رؤية متقدمة إذا كان من وقت الرؤية إلى وقت العقد من المدة ما لا تتغير في مثله والاعتبار في ذلك بالعرف في مثل تلك السلعة مما يعلم أنها تتغير وتحول عن الصفة التي كانت 8 عليها في مثلها، فإن كان بين الوقتين بقدر ذلك لم يجز البيع إلا برؤية مستأنفة أو صفة.
نوع آخر: [في السلم]
وأما السلم 1 في الذِّمَّة فإنه جائز في كل ما تضبطه الصفة والأصل في جواز ذلك 2 قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 3، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ 4، فدل ذلك على أن من التجارات ما لا يكون حاضرًا، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 5، قال ابن عباس: ذلك في السلم 6، وروي: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم 7، وروي: أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمر السنتين والثلاثة فقال:
"من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" 1، وهذا نص في جوازه، ولا خلاف فيه 2.
فصل [1 - في شروط بيع السلم]:
وله ثمانية شروط 3:
أحدها: أن يكون في الذمة مطلقًا لا في عين 4 معينة.
والثاني: أن يكون موصوفًا بما يمكن حصره به من الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض والأسواق باختلافها.
والثالث: أن يكون مقدرًا بكيل معلوم أو وزن معلوم أو عدد أو ذرع أو غير ذلك من المقادير التي تعتبر في ذلك النوع.
والرابع: أن يكون رأس المال معلومًا مقدرًا.
والخامس: أن يكون نقدًا لا مؤجلًا.
والسادس: أن يكون المسلم فيه مؤجلًا لا يجوز أن يكون حالًا، واختلف في حد الأجل، فعنه فيه روايتان: إحداهما أجل مطلق أي أجل كان، والآخر أجل يختلف في مثله الأسواق 5 وتتغير معه الأسعار.
والسابع: أن يكون الأجل 6 (محدودًا بمدة معلومة.
والثامن: أن يكون المسلم فيه) 1 موجودًا عند المحل وليس من شرطه أن يكون موجودًا في حال العقد ولا متصل الوجود في حال العقد ولا متصل الوجود من وقت العقد إلى وقت المحل، والأولى أن يسمى موضع القبض، فإن أطلق ولم يعين جاز ولزم في الموضع الذي وقع العقد عليه في سوق تلك السلعة والموضع الذي جرى عرف أهل ذلك الموضع بقبض ما يسمى فيه بأن يقبضونه فيه.
فصل [2 - في عدم كون السلم عينًا]:
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون عينًا 2 لأن الأعيان لا تثبت في الذمم لأن من حق ما يثبت في الذمة 3 أن يكون مطلقًا غير معين، ولأن السلم في العين غرر لا يحتاج إليه لأنه إن أريد ضمانها في الذمة إلى الأجل المضروب حتى إذا تلفت لزمت 4 المسلم إليه بدلها أو قيمتها، فذلك غير جائز لأن المعين 5 ينفسخ العقد بتلفه ولا يلزم رد مثله، ولأنه إذا كانت العين مما لا يكال ولا يوزن لزم رد قيمتها لا مثلها، فإن إثبات العين في الذمة إن أُريد به تبقيتها إلى وقت الأجل فذلك غير مقدور عليه لإمكان أن يتلف، وإن أريد به ضمان مثلها فقد أفسدناه.
فصل [3 - حصر المسلم بأكثر مما يمكن من الصفات]:
وإنما قلنا: يجب حصره بأكثر مما يمكن من الصفات، وقد دخل في ذلك الجنس والنوع لأنه مقدم على ما يتبعه 6 من الصفات؛ لأنه مضمنة به ليكون
المسلم فيه معلومًا ويخرج عن حيز الجهل 1 ولا يكون كذلك إلا بالمشاهدة وبالصفة والمشاهدة لا تتصور إلا على معنى الصفة بأن يريد عينًا بصفة النوع الذي يسلم فيه، وإذا تعذرت المشاهدة لم يبق إلا الصفة ومتى عري العقد منهما كان مجهولًا وغررًا، وليس يلزم أن يذكر جميع الصفات حتى لا يخرج منها لشيء لأن ذلك لا يمكن ولا يحتاج إليه، وإنما المحتاج إليه ما يتعلق به الغرض ويقف عليه المقصد ويزداد في الثمن لأجله ويرغب في إسلافه 2 لمكانه، فإذا حصل كفى 3 عن زيادة عليه وذلك يختلف في أنواع المبيعات بما يعرفه أهل كل نوع من وصفه عندهم مما يقصد من صفاته، فإذا ثبت هذا فحصر الباب: أن كل سلعة جاز أن تباع مشاهدة وتحصرها الصفة إذا غابت عن العين، فإن السلم فيها 4 جائز من سائر العروض والحيوان والأطعمة وغيرها فيستغنى بذلك عن التكثير بأعيان المسائل وتفصيلها 5 إلا مواضع يختلف فيها.
فصل [4 - السلم في الرقيق والحيوان]:
يجوز السلم في الرقيق وسائر الحيوان 6 خلافًا لأبي حنيفة 7، لما روى أنه صلى الله عليه وسلم أرخص في السلم 8، وفي حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشًا فنفذت الإبل فأمره أن يأخذ على قلاص 9 الصدقة،
فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة 1، ولأن الحيوان يثبت في الذمة إما سلمًا وإما قرضًا لأنه صلى الله عليه وسلم استقرض بكرًا ورد رباعيًّا 2، ولأنهم يوافقونا في تعلق 3 الحيوان بالذمة مهرًا وخلعًا وكتابة وصلحًا، فنقول: لأن الحيوان يتعلق بالذمة مهرًا، فجاز أن يتعلق بها سلمًا وقرضًا اعتبارًا بالثياب، ولأنه عقد معاوضة فجاز أن يكون الحيوان فيه عوضًا 4 في الذمة أصله النكاح ولأن الحيوان يضبط بالصفة، وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها" 5، وكذلك دية العمد والخطأ بالصفة، والعبيد يضبطون بالصفة في الجنس واللون والسن والهيئة.
فصل [5 - السلم في الدنانير والدراهم]:
السلم في الدنانير والدراهم جائز 6 خلافًا لأبي حنيفة 7 لقوله صلى الله عليه وسلم: " .. فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم" 8 فعم، ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمنًا جاز أن يكون مثمونًا 9 أصله الثياب، ولأنه
يمكن ضبطها بالصفة فيذكر جنس فضتها وسكتها وخفتها وثقلها ووزنها 1، وكونها صحاحًا وجيادًا فجاز السلم فيها.
فصل [6 - جواز السلم في اللحم]:
يجوز السلم في اللحم بصفة معلومة 2 خلافًا لأبي حنيفة 3؛ لأنه يضبط بالصفة فيقال: لحم ضأن معلوف من كبش أو من خروف أو لحم معز، وإن اختلفت الأغراض في مواضعه من الشاة من صدر أو فخذ أو جنب ذكر.
فصل [7 - جواز السلم في الرؤوس والأكارع]:
يجوز السلم في الرؤوس والأكارع 4 خلافًا لأبي حنيفة ولأحد وجهي الشافعي 5 لأنه يصح ضبطها بالصفة من السمانة والجنس وفروع هذا الباب كثيرة وجُمَلها قد ذكرناها.
فصل [8 - في كون المسلم فيه مقدرًا بكيل معلوم أو وزن أو غيره]:
وإنما قلنا: يجب أن يكون مقدرًا بكيل معلوم أو وزن أو عدد أو غيره من المقادير على حسب المسلم فيه وما يعرف به مقداره عند أهله لينتفي عنه الغرر بالجهل ويحصل العلم لكل واحد للبائع بما اشتغلت به ذمته وللمسلم بما يطالب به وما عاوض عليه، وراعينا عادة أهل كل بلد في معرفة مقادير السلم عندهم لأنهم إن حملوا على خلافه دخلت الجهالة لأن قصدهم من معرفة المبلغ الوجه الذي ألفوه بينهم.
فصل [9 - وجوب كون رأس المال معلومًا]:
وإنما قلنا: يجب أن يكون رأس المال معلومًا بمثل ماله وجب ذلك له في الطرف الآخر؛ لأنه أحد الطرفين في السلم اعتبارًا بسائر البياعات.
فصل [10 - اشتراط كون رأس المال نقدًا]:
وإنما شرطنا أن يكون رأس المال نقدًا لأنه متى كان مؤجلًا دخله الدين بالدين، وإنما قلنا: إن قبضه في مجلس العقد ليس بشرط وأنه يجوز تأخيره اليوم واليومين بغير شرط التأجيل لأن ذلك لا يخرجه إلى الدين بالدين، إذ لا بد من استثناء مدة يمكن فيها وزن 1 المال ونقده، وجرى العادة بتراخي الوزن والإقباض عن وقت الإيجاب والقبول، ولأن من ابتاع ثوبًا بنقد فتأخر قبض الثمن يومًا أو يومين لم يخرجه ذلك عن النقد ولم يدخل في حيز 2 الأجل.
فصل [11 - اشتراط الأجل في السلم]:
وإنما قلنا: إن الأجل شرط في السلم وأنه لا يجوز أن يكون حالًا خلافًا للشافعي 3، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم" 4، ولأن السلم إنما جُوِّز ارتفاقًا للمتعاقدين لأن المسلم 5 يقدم الارتخاص والمسلم إليه يرغب في إرخاص الثمن للرفق الذي له في استعجال الانتفاع به، وفي الصبر والتأخير، فوجب أن ما أخرج ذلك عن بابه ممنوع لأنه إذا كان حالًا زال هذا الرفق.
فصل [12 - في اعتبار الأجل القريب والبعيد في السلم]:
ووجه قوله: أنه يجوز إلى الأجل القريب والبعيد قوله صلى الله عليه وسلم: "إلى أجل معلوم" 6 فعم، واعتبارًا بالأجل البعيد، ولأنه معنى يشترط في السلم، فجاز قليله وكثيره أصله مقدار المسلم فيه، ووجه قوله: أنه لا يجوز إلا
إلى أجل تختلف في مثله الأسواق أن المقصود من السلم الارتفاق من انتفاع البائع بتقديم المال والمسلم 1 بما يرتخصه ليحصل له من تغير الأسواق واختلافها ما يريده، وإذا أضربا أجلًا لا يوجد فيه هذا المعنى لم يحصل الرفق المقصود فكان في معنى الحال.
فصل [13 - في كون الأجل معلومًا]:
وإنما قلنا: إن الأجل يكون معلومًا لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 2، قال ابن عباس: هو السلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إلى أجل معلوم" 3، ولأن الجهل بمدة السلم غرر كالآجال في الديون.
فصل [14 - السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج]:
ويجوز السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5، لأنه وقت يعرف في العادة لا يتفاوت اختلافه كقولك إلى شهر كذا وكذا أو إلى النيروز أو المهرجان 6.
فصل [15 - وجود المسلم فيه عند الأجل]:
وإنما قلنا: إن شرطه أن يوجد المسلم فيه عند الأجل 7 لأن الغرض بالسلم
حصول المسلم فيه بإزاء العوض 1 المبذول 2 في مقابله، فإذا لم يوجد عند المحل كان غررًا وعائدًا بالجهل لأنه إما أن يفسخ العقد فيرجع المسلم بالثمن على غرر أو يصبر 3 إلى وقت وجوده، وذلك انتقال من أجل إلى أجل ويصير كمن عقد على عين الغير والبائع لا يقدر 4 على تسليمها، وكل ذلك غير جائز.
فصل [16 - عدم اشتراط وجود المسلم فيه حال العقد]:
وإنما لم يجعل وجوده عند العقد شرطًا في صحة العقد خلافًا لأبي حنيفة 5 لقوله صلى الله عليه وسلم: "في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" 6 فعم، ولأنه وقت لا يجب التسليم فيه فلم يضر فقده فيه أساسًا بين العقد والأجل 7.
فصل [17 - ذكر الموضع الذي يسلم فيه]:
وإنما قلنا: إن الأولى أن يذكر الموضع الذي يسلم فيه ليزول التخاصم بين المتبايعين ويكونا قد دخلا على معرفة بذلك، وقلنا: إن تركا ذكره لم يضر لأن الأمر يحمل على العرف في مثل ذلك فيصير العرف كالمشترط.
فصل [18 - جواز المسامحة في بعض شروط السلم من أحد العاقدين للآخر]:
إذا عقد السلم على الشروط التي ذكرناها صح وجازت المسامحة بعد ذلك من أحدهما للآخر ما لم يعد ينقض أصله أو بذريعة إلى فعل محظور من بيع وسلف
أو وضع وتعجيل أو معاوضة على إسقاط ضمان (أو بيع طعام قبل قبضه) 1 أو بيع طعام بطعام متأخرٍ أو ما أشبه ذلك من الوجوه الممنوعة، فمتى أدت 2 المسامحة إلى شيء من ذلك لم يجز وإن سلمت منها فهي جائزة ونحن نبين من ذلك ما ينكشف به ما ذكرناه فيه.
فصل [19 - إذا أسلم في شيء موصوف ثم إذا حل الأجل أراد أخذ صنف آخر]:
وإذا أسلم في حنطه موصوفة 3 إلى الأجل، فلما حل أراد أن يأخذ بمكيلتها صنفًا أعلى منها أو أدون أو شعيرًا أو سلتًا فلا بأس بذلك، فإن كان ذلك قبل المحل فلا يجوز، والفرق بين الموضعين أن الأجل إذا لم يحل فأخذ الدون وضع وتعجيل 4؛ لأن التقديم غير مستحق له، فإنما رضي بدون شرطه لتعجله وأخذ الزيادة في مقابلة إسقاط الثمن عند البائع لأنه يخاف إن بقي في ذمته إلى وقت أجله 5 ارتفاع أسواقه وغلاء ثمنه وتلزمه كلفة إلى ذلك الوقت في حفظه وتعهده ويعلم أنه لا يلزم المسلم قبوله قبل الأجل، فتكون الزيادة في مقابلة جميع هذا، وإذا حل الأجل أمن من ذلك كله لأنه إن كان 6 أخذ الدون فذلك مسامحة لأنه ليس بمتعجل شيئًا لا يستحقه لأن الأجل قد حل وإن أخذ الأعلى فذلك مسامحة من المسلم إليه؛ لأنه لا يستحق عليه ببقية السلم 7 في ذمته زيادة على الأجل فيحمل ذلك عليه، فبان الفرق بينهما وإن كان ذلك في غير الجنس
أو النوع امتنع في الطعام وجاز في غيره لأنه إذا أسلم إليه في كر 1 حنطة، فلما حل الأجل أعطاه مكانه عدسًا أو أرزًا أو حمصًا أو غير ذلك من أنواع الطعام أو العروض أو الحيوان لم يجز شيء من ذلك لأنه بيع الطعام قبل قبضه وقصد المتاجرة والمغابنة وخروج عن المعروف والمسامحة.
وأما في غير الطعام فيجوز كأنه أسلم إليه في عشرة أثواب قصب بصفة معلومة وغزل معروف، فلما حل الأجل رجع إليه عنها شيئًا من غير جنسها مثل الطعام أو الحيوان، فإنه يجوز لأنه بيع الثياب المسلم فيها قبل قبضها وذلك جائز بخلاف الطعام، وهذا إذا قبض الشيء الذي ينتقل إليه فإن لم يقبضه وكان في ذمة المسلم إليه لم يجز لأنه يصير دينًا بدين، فأما إن دفع إليه 2 قبل حلول الأجل مثل طعامه في الكيل والصفة فله أن يقبله وله أن لا يقبله 3 خلافًا للشافعي في قوله: إنه يلزمه أن يقبل العروض 4 وكل ما سوى الحيوان؛ لأن الأجل في السلم حق لهما، فلما كان المسلم لو طالب به قبل حلول أجله لم يلزم المسلم إليه دفعه لأنه في ذلك إسقاط حقه من تبقيته في ذمة المسلم إليه وضمانه وأن يسقط عنه حفظه ومراعاته، فإذا ثبت ذلك وتراضيا على أخذه قبل الأجل جاز لأنه مسامحة من أحدهما للآخر.
فأما الذهب والفضة فيلزم من تدفع إليه قبل محلها أخذها بخلاف غيرها من الطعام والعروض لأنه لا يرجى فيها من تغير الأسواق واختلاف الأسعار ما يرجى في سائر المثمنات ولا يحتاج إلى حفظ ولا مراعاة ولا تلزم عليها مؤونة ولا يخاف عليه فساد، فكان الأجل فيها حقًّا ينفرد به من هي عليه والله أعلم، وهذا الذي ذكرناه في الذهب والفضة يستوي فيه البيع والقرض، فأما ما عداه فالأجل
في المعاوضة 1 حق لهما لا يلزم أحدهما قبول ما يتعجل منه إلا برضاه، وفي القرض حق المستقرض وحده، فإن عجله لزم المالك قبوله.
فصل [20 - إذا حل الأجل أخذ البعض وأقال من الباقي]:
وإذا أسلم 2 في طعام أو عرض إلى أجل ودفع الثمن فلما حل الأجل أخذ البعض وأقال من الباقي فلا يجوز ذلك لأنه ذريعة إلى البيع والسلف، وذلك أن التهمة تقوى في أنهما تواطئا على البيع والسلف وسمياه بيعًا ليتطرق بذلك إلى جوازه كأنه قال له بعني عشرة أكرار بمائة دينار، فقال: لا أفعل إلا أن تسلفني مائة دينار (فقال: أن البيع والسلف لا يجوز ولكن يجعل السلم في عشرين كرًا بمائتي دينار) 3، فإذا حل الأجل أقلتك من عشرة أكرار وأخذت عشرة فينتفع البائع بثمن العشرة ثم يرد بدله فيصير بيعًا وسلفًا, ولا يجوز إلا أن يكون الإقالة في الشيء اليسير الذي لا يخاف منه ذلك ولا تقوى التهمة لأجله مثل: أن يسلفه في عشرين كرًا فيقيله من كر ونصف كر أو الأمر الخفيف، فهذا لا يقوى التهمة إلا أن يكونا قصدا بيع عشرين كرًا بمائتي دينار لينتفع بدينار أو بخمسة، وكذلك لو أقاله من النصف وكان رأس المال معيبًا فرده بعينه، فيعلم أنه لم ينتفع به بأن ذلك جائز غير ممنوع لأن الإقالة تصرف إلى الرفق وإعواز الإتمام أو غيره من الأعذار 4.
فصل [21 - شرط أخذ طعام بدل طعام في السلم عند الأجل]:
فإذا باع شيئًا من الطعام كله -أي طعام كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه- بثمن إلى أجل فلا يجوز أن يأخذ بثمنه عند أجله ولا قبل أجله ولا بعده طعامًا لا
من جنسه ولا من غير جنسه إلا أن يكون من جنس ما باعه 1 بعينه بمثل مكيلته وعلى صفته فيجوز 2.
وإنما قلنا ذلك لأنه يكون ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام متأخرًا وتسمية الثمن لغوًا، وإذا كان من نوع طعامه في الكيل والجودة والصفة جاز لأن الأمر لا يحمل 3 على طعام بطعام متأخرًا 4 قصدًا للنساء إذ لا فائدة فيه فيتهمان أنهما قصدانها، وإنما يُنَزَّل على القرض أو الإقالة.
فصل [22 - السلم في طعام قرية بعينها أو حائط بعينه]:
السلم في الطعام من قرية بعينها أو ثمرة حائط 5 بعينه على ضربين 6: إن كان مما يخلف ولا يؤمن تلفه فلا يجوز لأن ذلك غرر، وكالسلم في العين وذلك غير جائز، فإن كان مما لا يخلف في العادة ولا بد أن يسلم أو أكثره، وإن جاز تلف بعضه فلا بأس مثل أن يسلم في عشرة أكرار تمر برني من أعمالك البصرة فيجوز لأن التعيين ليس يفيد أكثر من التعريف ووصف النوع 7 المسلم فيه، كما لو قال: أسلفتك في عشرة أكرار حنطة بصفة كذا من حنطة الشام أو المشرق لجاز للعادة الجارية لأن 8 الأقليم الذي أضافه إليه لا يختلف.