كتاب الإقرار
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2
إذا أقر بمال ولم يذكر مبلغه اختلف أصحابنا 3 فيه: فمنهم من قال يرجع في تفسيره إليه فيلزمه قدر ما يقربه من قليل أو كثير ولو قيراط أو حبَّة وهو قول الشافعي 4، ومنهم من قال يجيء على أصول مالك أن يلزمه ربع دينار إن كان من أهل الذهب وثلاثة دارهم إن كان من أهل الورق، وذكر عن ابن المواز أنه يلزمه عشرون دينارا إن كان من أهل الذهب أو مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وقال: بعض أصحابنا ويجيء على هذا أن يلزمه إن كان من أهل الإبل والبقر والغنم أول نصاب منهما.
فوجه القول بنفي التقدير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ 5، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ 6 ولا خلاف أن هذا ينتظم القليل والكثير، ولأن هذا الاسم لجنس ليس له تقدير في شرع ولا لغة فوجب أن يلزم الاسم لقليله وكثيره.
ووجه القول بمراعاة نصاب القطع إنه لما عدم المقدار من جهة المقر وكان لنا سبيل إلى تقديره وجب تقديره ولا يجب نفيه لنفي المقر ووجدنا المقادير تعلم من1
ثلاثة أوجه: إما لغة، أو شرعًا، أو عادة وقد انتفت من طريق اللغة والعادة وثبتت من طريق الشرع في مواضع منها نصاب الزكاة، ومنها تقدير المهور، والقطع فأخذنا بأقل المقادير لأنه المتيقن وأول ما يتناوله الاسم، ووجه اعتبار نصاب الزكاة أن اسم المال لما كان لا يكفي فيه الجنس ووجدنا العادة تمنع إطلاق الإِسلام على ثلاثة دراهم أو ربع دينار وهي أن تكن 1 فيها تقدير فإنها لا تثبت الإسم إلا في حد من الكثرة فكان أولى المقادير ما اتفق عليه العادة من طريق الجملة والشرع من طريق التفضيل وهو مائتا درهم أو عشرون دينارًا.
فصل [1 - إذا أقر بمال عظيم أو كثير]:
إذا أقر بمال عظيم أو كثير: فمن أصحابنا من قال: هو بمنزلة مال على التحديد ويرجع في تفسيره إليه 2 وهو قول الشافعي 3، ومنهم من قال: ثلاثة دراهم أو ربع دينار، ومنهم من اعتبر نصاب الزكاة، ويحتمل عندي قولين زائدين على هذا أحدهما: ألف دينار وهو قدر الدية، والآخر ما زاد على نصاب الزكاة.
فوجه القول بأنه لا حد في ذلك أن وصف الشيء بالعظم لا يفيد حدا لأنه يختلف بإضافته إلى ما دونه وإلى ما فوقه وإذا كان كذلك لم يكن ها هنا طريق بتقديره فوجب الرجوع إلى تفسيره.
ووجه اعتبار نصاب القطع أنه قد ثبت أن وصفه بالعظيم يقتضي صفة زائدة على الاسم وإن قوله 4 عظيم يفيد ثبوت زيادة 5 على ما دونه، ومتى رجعنا في تفسيره إليه ففسره بأقل ما يقع عليه اسم المال مثل حبَّة وقيراط لم يستحق
الاسم لأنه ليس دون لكون هو أعظم منه، فإذا ثبت ذلك وجب تقديره بزيادة عليه وقد ثبت اسم العظم لما يقطع فيه اليد ويستباح به البضع في مواضع منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 1 يريد المهر 2، وقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقطع في التافه وكان يقطع في ربع الدينار 3، فثبت أن هذا ليس بتافه، والتافه هو اليسير الحقير الذي لا قدر له وإذا انتفى هذا الاسم عنه دخل في أول اسم العظم.
ووجه اعتبار نصاب الزكاة أن ذلك إنما ضرب لأنه أقل لما 4 يحتمل المواساة، وما دونه لا يحتمل ذلك لضعفه عنه وإذا كان كذلك فإن تقديره بهذا أولى، والذي ذكرته أقوى في الاحتمال وأولى في التقدير من كل هذا لأنه إذا ثبت أن العظيم يتضمن أن هناك دونه امتنع قول من يعتبره بأنه يرجع إلى ما يقربه، وإن كان 5 حبَّة أو فلسا لأنه لا شيء في الحقر والدناءة أقل من هذا وذلك ينافي في وصفه بالعظم وهذا واضح الفساد وإذا بطل ذلك وجب التحديد، ثم رجعنا إلى قول 6 من حده بربع دينار وبعشرين دينارًا فوجدنا من يذهب إلى ذلك إقراره بأن له مالًا مجردًا عن ذكر العظم والكثرة فلم يجز أن يكون الموصوف بالعظم والذي لم يوصف به بقدر (واحد فلم يكن بد من زيادة عليه، فإذا ثبت ذلك وجب أمرين: إما 7 تقدير يوصف بأنه عظيم وكثير وهو الدية لأنا لا نختلف
أنها لا يتقدر بها اسم المال على الإطلاق فوجب أن يكون مقدارًا لما يسمى مالًا عظيما أو أن يلزمه زيادة على المقدار الذي يلزمه بمجرد قوله له: عليَّ مال وتكون الزيادة مؤثرة بحسب 1 العرف في وصف ذلك المقدار بالعظم 2 ويرجع في تقديره إليه.
فصل [2 - إذا أقر بأن عليه دراهم أو دنانير]:
إذا قال له: عليَّ دراهم أو دنانير لزمه له ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير وهذا مبني على أصل مالك رحمه الله أن أقل الجمع ثلاثة، ودليلنا عليه أن أهل العربية قسموا الأسماء إلى آحاد وتثنية وجمع وجعلوا لكل قسم من ذلك صيغة وعادة موضوعة 3 له تفيد معناه دون غيره: فقالوا: رجل ورجلان ورجال، وإن جاز اتفاق التثنية والجمع في كتابات 4 أخر فغير منكر أن يتجوَّز بذلك كما يجوز كناية الجمع على الواحد، ويجب على قول من يقول من أصحابنا أن أقل الجمع اثنان يلزمه درهمان وهو قول عبد الملك وابن الماجشون 5.
فصل [3 - إذا أقر له بدراهم كثيرة]:
ولو قال له دراهم كثيرة: فذكر ابن عبد الحكم لأصحابنا فيها قولين: أحدهما ما زاد على ثلاثة دراهم، والآخر أنه يلزمه تسعة دراهم، وبعض شيوخنا الذين درسنا عليهم يقول: يلزمه مائتا درهم 6، وقال أبو حنيفة تلزمه عشرة دراهم 7، وقال الشافعي تلزمه ثلاثة دراهم 8.
ودليلنا على فساد قول أبي حنيفة والشافعي، أن الإقرار يتضمن 1 مالًا بصفة وهي الكثرة فلم يكن بد من اعتبارها، وقد ثبت أنه لو لم يصفه بذلك للزمه هذا القدر، وكذلك لو وصفه بالقلة للزمه أيضًا ثلاثة دراهم، وبقي 2 في هذا أمران فاسدان: إما أن يفيد وصفه بالقلة والكثرة فائدة واحدة وذلك باطل، أو أن يلغي الصفة ولا يؤخذ بها وذلك أيضًا باطل، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا ما قلناه من زيادة على ما يتضمنه 3 إقراره بدراهم مجردة عن صفة الكثرة، فإذا تقدر هذا فوجه القول بأنه يلزمه زيادة على الثلاثة دراهم 4 اتفاقنا على أنه لو أقر بدراهم قليلة لكانت ثلاثة، فوجب أن يفيد إقراره بالكثرة زيادة على ما يفيد إقراره بالقلة وليس في الكثرة حد فيرجع في ذلك إليه.
ووجه القول بأنه تسعة دراهم أن وصفها بالكثرة مبالغة 5 في زيادة المقدار والتباعد عن القلة فوجب أن يضاعف ثلاثة أضعاف: أعني يكون مثلها ثلاث مرات لأن الكثرة اسم يجمع الكثير فلما كان اسم الدراهم يفيد في الأصل ثلاثة لكونه أقل الجمع فكذلك الكثيرة قد ما يقع عليه اسم الدراهم ثلاث مرات، ووجه قول شيخنا إنه يلزمه مائتا درهم هو أن من أصله 6 إذا قال علي مال عظيم إنه يلزمه مائتان وعظيم وكثير واحد فكذلك إذا قال دراهم عظيمة أو كثيرة.
فصل [4 - إذا أقر له بدراهم لا قليلة ولا كثيرة]:
ولو قال: له علي دراهم لا قليلة ولا كثيرة قال محمَّد بن عبد الحكم يلزمه أربعة 7 ووجه ذلك أنه نفي عنها القلة.
وجب بذلك زيادتها على الثلاثة التي لو وصفها بالقلة للزمته، وإذا وجب ذلك لزمه زيادة جزء من أحاد ما أقربه
فتكون أربعة، وذلك يحتمل وجهًا آخر وهو أنه يلزمه زيادة على الثلاثة ويرجع في ذلك إلى تفسيره على القول بأنه إذا قال له علي دراهم كثيرة لزمه زيادة على الثلاثة ويرجع إلى تفسيره، وكان هذا أولى لأن الغرض خروج الدراهم المقر بها عن اسم القلة.
فصل [5 - إذا أقر له بدريهمات أو دنيرات]:
إذا قال: له علي دريهمات أو دنيرات فهو بمنزلة دنانير ودراهم لأن التصغير لا يؤثر في المعنى عن أصله.
فصل [6 - إذا أقر له بقوله: عليَّ ألف ودرهم]:
إذا قال: له علي ألف ودرهم 1 قال شيوخنا يلزمه الدرهم 2 الذي عليه ويرجع في تفسير الألف إليه، ولم يكن قوله ودرهم تفسيرا للألف، ويقال له سمّ ألف شئت فأي نوع فسره به لزم بقوله وآخذ به جملة من غير تفصيل، وكذلك لو قال ألف ودينار أو وثوب أو وعبد ودابة وغير ذلك 3.
وقال أبو حنيفة: 4 إن كان المفسر المعطوف به على الألف مما يكال أو يوزن أو يباع عددا كالدراهم والدنانير والطعام وغير ذلك كان تفسيرًا للألف فإن كان مما يباع بعينه لا بمقدار من وزن أو كيل أو عدد كالثياب والعبيد لم يكن تفسيرًا (لها، ودليلنا أن كل ما لزم به حق بنفسه لم يكن تفسيرًا) 5 لما تقدمه أصله إذا قال: له علي ألف وثوب، ولأن العطف قد يكون عطفًا على الجنس وعلى غير الجنس فلا يقضى بالمحتمل ووجب الرجوع في تفسيره إلى المقر.
فصل [7 - إذا أقر بأنه غصب له شيئًا]: إذا قال غصبت له شيئًا أو له عندي شيء: رُجع في تفسيره إليه وقبل منه ما يقع عليه اسم الشيء، وكذلك إذا أقر بثوب أو عبد حلف على ما يقربه إن أنكره .. المدعى عليه، وفروع هذا الباب كثيرة 1. فصل [8 - إذا أقر بكذا درهمًا]: إذا قال له علي كذا درهما 2: قال محمد بن عبد الحكم: تلزمه عشرون درهما، وإن قال كذا وكذا درهمًا لزمه أحد عشر درهمًا، (فإن قال: كذا وكذا درهمًا لزمه أحد وعشرون درهمًا) 3، وقال الشافعي: في قوله كذا وكذا أنه يلزمه درهما واحدًا 4، وفي قوله: كذا وكذا تلزمه درهمان 5، ودليلنا أن قوله: كذا وكذا 6 لا يطلق إلا على عدد ولا يراد به درهم واحد هذا ظاهر الاستعمال في عادة اللغة فبطل حمله على درهم واحد 7، وإذا بطل ذلك فقد علمنا أن الكناية تفسرها بما لو صرح به لصح 8 ولم يمتنع وأول عدد يصح أن يقال 9 فيه درهمًا أحد عشر فحملناه عليه، وإنما حملنا كذا درهما على عشرين لأنه أول عدد مستقل بنفسه 10 يقال فيه درهمًا، وحملنا كذا وكذا على أحد وعشرين لأن ذلك متيقن لكونه أقل ما في باله وما زاد عليه مشكوك فيه.
فصل [9 - إذا أقر له ببضعة عشر درهمًا]: إذا قال: له عليَّ بضعة عشر درهمًا كان له ثلاثة عشر درهمًا 1 لأن البضع من الثلاثة إلى التسعة، وقيل في قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ 2 أنه سبع 3. فصل [10 - إذا قال: له عليَّ ثوب في منديل أو في صندوق]: إذا قال: له عليَّ ثوب في منديل أو في صندوق كان مقرًا بالثوب دون الوعاء، ولو قال: له عندي عسل في زق 4 لكان مقرًا بالعسل والزق، وفرق أصحابنا بينهما بأن العسل يفتقر إلى الوعاء لأنه لا يمكن أخذه إلا في وعاء والثوب يمكن أخذه بغير منديل فلم يتضمن الإقرار به إقرارا بظرفه 5. فصل [11 - في صحة الاستثناء من غير الجنس]: يصح الاستثناء من غير الجنس وصورته: أن يقول له عليَّ ألف درهم إلا ثوبا أو عبدا أو دابة فيقال له أذكر قيمة العبد أو الثوب الذي استثناه، ويكون مقرًا بما فضل من الألف عن قدر قيمته 6، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك فيما يكال أو يوزن ولا يجوز فيما لا يكال ولا يوزن 7، مثلا 8: أن يقول له عليَّ ألف درهم إلا كر حنطة فيلزمه، ولو قال ألف إلا دابة لم يصح, وقال
زفر لا يصح استثناء من غير الجنس، ودليلنا على جوازه ورود اللغة به قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ 1، وقال الشاعر 2:
وبلدة ليس بها أنيس .. إلا اليعافير وإلا العيس
ولا يقال لشيء من هذا أنيس؛ وقال آخر 3: وما بالربع من أحد إلا الأواري، ودليلنا على أنه لا فرق بين ما يكال ويوزن وبين غيره أن أهل اللغة لم يفرقوا بين ذلك ولا اعتبروا هذا الفرق، واعتبارا بما يكال ويوزن.
فصل [12 - في استثناء الأكثر من الأقل]:
استثناء الأكثر من الأقل 4 يجوز خلافًا لعبد الملك وغيره 5، ولأن معنى الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب تناوله له وهذا يصح في الكثير إذا أخرج 6 عن القليل كصحته في القليل إذا أخرج (7) من الكثير، وليس فيه إلا أن استعمالهم له يقل أو يستقبح وذلك لا يمنع تعلق الأحكام به، ولأنه لو قال بعتك هذه الدار إلا خمسة أسداسها لصح ولكان بيعا للسدس، وكل استثناء صح في البيع صح في الإقرار كالقليل 7.
فصل [13 - إذا قال: لزيد علي مائة درهم ثم قال بعد ذلك لزيد على مائة درهم]:
إذا قال: لزيد علي مائة درهم ثم قال: بعد ذلك لزيد علي مائة درهم فإنهما مائة واحدة كان في ذلك المجلس أو في مجلس آخر 1 , خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه إن كان في مجلس آخر لزمه مائتان 2 , لأنه أعاد الإقرار على لفظه ومعناه فلم يلزمه بمجرد الثاني حق أصله إذا كان ذلك في المجلس.
فصل [14 - إذا قال: لفلان علي ألف درهم وفلان أو فلان]:
إذا قال: لفلان علي ألف درهم وفلان 3 أو فلان: فنصف ألف للمقر له أولا والنصف الباقي بين المشكوك فيهما 4 , وذلك أن الأول غير مشكوك فيه وإنما الشك فيمن يحصل شريكًا له في الإقرار، والشك لا يقدح في الإقرار الأول وإنما يقدح في الاثنين الآخرين فيكون بينهما.
فصل [15 - إذا قال: لفلان علي ألف درهم وإلا فعبدي حر]:
إذا قال: لفلان علي 5 ألف درهم وإلا فعبدي حر لزمه الألف لأن قوله وإلا فعبدي حر حلف على تقرير الإقرار.
فصل [16 - إذا قال: له علي دينار ولم يبين]:
إذا قال: له علي دينار ولم يقل جيدا ولا رديا ولا وازنا ولا ناقصًا ومات حكم عليه بدينار جيد وازن بنقد ذلك البلد 6 لأن إطلاق الكلام محمول على
التعارف كالبيع والشراء والإجارة، وإن كان نقد البلد مختلفًا فاختلف أصحابنا: قال محمد بن عبد الحكم: يلزمه دينار من أي نقد البلد مختلفًا ويحلف إن طلب ذلك المقر له، وقال شيخنا أبو بكر الأبهري 1: يحتمل هذا والأجود أن يلزم الورثة أوسط النقود.
فصل [17 - الإقرار للأجانب الذي لا يتهم لهم]:
الإقرار للأجانب الذين لا يتهم لهم في الصحة والمرض سواء يتحاصون بينهم على قدر حقوقهم لا يقدم من أقر له في الصحة على من أقر له في المرض 2، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يبدأ غرماء الصحة على غرماء المرض فيوفون ديونهم فإن فضل كان للغرماء المقر لهم في المرض 3 , لأن المقر ممن لا يتهم المقر في إقراره فأشبه إذا أقر له في الصحة، واعتبارًا أنه إذا قامت له البينة.
فصل [18 - إذا أقر في مرضه المخوف لوارث]:
إذا أقر في مرضه المخوف لوارث نظر: فإن كان ممن يتهم في إقراره له لم يقبل إقراره، وإن كان ممن لا يتهم في إقراره له قبل 4 مثل أن يترك ابنا وابنة وزوجة ومولى أو بعض العصبة الأباعد فيقر له بدين 5 فهذا يبعد أن يتهم له في العادة فيقبل (إقراره، وقال: أبو حنيفة لا يقبل إقراره لوارث جملة 6 وقال: الشافعي يقبل) 7 على كل وجه 8.
فدليلنا على أبي حنيفة أن منع إقراره للوارث للتهمة بالأزواء 1 ولمحبة صرف ماله إلى الأقرب إليه ومن يعلم محبته له من ورثته فإن انتفى هذا المعنى وجب قبوله، ودليلنا على الشافعي أنه لما كان متهمًا في إقراره له بالدين ليزوي عنه من الورثة وجب رد إقراره له وإلا كان في ذلك ذريعة إلى تمكينه في الأزواء، ومن الوصية للوارث وإذا كان كذلك وجب منعه.
فصل [19 - إقراره للصديق الملاطف]:
وفي إقراره للصديق 2 الملاطف روايتان 3: إحداهما رده، والأخرى قبوله ويكون في الثلث، فوجه الرد أنه متهم في إقراره له أن يكون أراد إزواء المسلمين أو الأباعد من عصبته والوصية له بزيادة على الثلث فجعله إقرار له فيجب رده، ووجه القبول أن أكثر ما في ذلك أن يكون هبة ووصية فالذي يخشى منه أن يكون من رأس المال، فإذا أحسمنا هذا الباب فجعلناه من الثلث جاز.
فصل [20 - فيمن ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث]:
إذا ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث: فإن النسب لا يثبت لأنه مقر على غيره ويعطيه عندنا ثلث ما في يديه 4 وهو قدر ما يخصه من الميراث على هذا المقر لو أقربه الأخ الآخر، وعلى هذا الحساب يثبت 5 الإقرار من بعض الورثة لوارث.
فصل [21 - في الرد على قول الشافعي أنه لا يعطى شيئًا]:
وقال: (الشافعي لا يعطى شيئًا 6، وقال أبو حنيفة يعطيه نصف ما في
يدية 1 فدليلنا على) 2 الشافعي أن إقراره يتضمن شيئين: أحدهما على نفسه، والآخر على غيره فالذي على نفسه استحقاق المقر له ما في يده من المال زيادة على قدر ميراثه، والذي على غيره كون المقر به ابنًا لأبيه فقُبل إقراره على نفسه ولم يقبل على غيره، ولأن الميراث يستحق بنسب وبسبب ثم أنه لو قال هذه المرأة زوجة أبي ومات عنها وهي زوجته لا أعلمها ماتت منه فأنكر ذلك الابن الآخر فإنه يؤخذ منه قدر نصيبها 3 من الميراث مما في يده ولا تثبت الزوجية 4، وكذلك في اعترافه بالنسب 5. فصل [22 - في الرد على قول أبي حنيفة أن يعطيه قدر ما تضمنه إقراره]: ودليلنا على أبي حنيفة أن الواجب أن يعطيه قدر ما تضمنه إقراره وذلك هو قدر ما حصل في يده من الزيادة على ميراثه لأن تمام الميراث في يد الابن الآخر فلم يلزم المقر دفع ما ظلم الجاحد للمقر له 6. فصل [23 - لو ترك ابنا واحدا ثم أقر لرجل بأنه أخوه ابن أبيه]: ولو ترك ابنا واحدا لا وارث له غيره فأقر لرجل بأنه أخوه ابن أبيه لأعطاه 7 نصف ما في يده ولم يثبت نسب 8 (المقر له، خلافًا للشافعي في قوله إنه يثبت نسبه 9 10 , لأنه إقرار في حق غيره فلم يقبل كما لو كانا اثنين فأقر
أحدهما وجحد الآخر، ولأن إقراره ليس بأكثر من شهادته وشهادة الواحد غير مقبولة فإقراره على الغير أولى، ويفارق الجماعة لأن شهادتهم تقبل في حق الغير.
فصل [24 - إذا قال لك وأنا غير بالغ]:
إذا قال: أقررت لي بمائة دينار وأنت بالغ، فقال بل أقررت بها لك وأنا غير بالغ: قال محمد بن عبد الحكم القول قول المقر مع يمينه، وأظن غيره من أصحابنا من يقول القول قول المدعي 1، فوجه الأول أن المدعي [يدعي] 2 إلحاق دين بذمة المقر والمقر ينفي ذلك فلا يقبل منه إلا ببينة، ووجه الثاني أن الإقرار متفق على حصوله إلا أن المقر يزعم أنه لا حكم له فلا يقبل منه إلا أن تقوم له بينة بما يدعيه، وكذلك لو كان مجنونًا فبريء فاختلفا في الإقرار 3، فأما لو ادعي أنه كان مجنونًا وقال أقررت لك في حال الجنون ولم يعلم أنه كان 4 مجنونًا والمدعي يزعم أن الإقرار وقع في الصحة فلأصحابنا فيها مذهبان:
أحدهما أن القول قول المقر مع يمينه 5 ووجه هذا اعتباره به إذا قال: أقررت لك وأنا صبي لأنه أضاف الإقرار إلى حال لا يتعلق بها حكم، والآخران القول قول المدعي، والفرق على هذا بينه وبين الصبي أن الصبي معلوم حصوله والمدعي زعم بعد زواله فيحتاج إلى بينة، وليس كذلك الجنون لأنه لم يثبت ما يدعيه المقر منه فلم تقبل إضافته الإقرار إلى حال لا يعلم أنه كان عليها، ومثل ذلك لو قال: قذفتني وأنت بالغ، فقال: قذفتك وأنا صبي الحكم فيه واحد، ولو أقر وهو بالغ عاقل أنه كان استهلك له مائة دينار حال صغره أو جنونه غرم له لأن هذه أحوال يثبت معها حكم لزوم المال بالاستهلاك بدليل أن البينة لو قامت بذلك للزمه فكذلك إقراره يلزمه به ما يلزمه بالبينة.
فصل [25 - إذا قال له أقررت لك في حال لست أدري حال صغر أو بلوغ أو عقل أو جنون]:
ولو ادعي عليه 1 أنه أقر له بمائة دينار وهو بالغ عاقل: فقال أقررت لك في حال لست أدري هل كانت حال صغر أو بلوغ أو عقل أو جنون 2: فقال محمد بن عبد الحكم لا يلزمه بذلك بشيء لأنه لم يقر على نفسه بما يلزمه بشيء، وفيها نظر، ويشبه أن يلزمه على قول من ذكرناه من أصحابنا لأن هذا ليس بجواب فيلزم أبدا إلى أن يقر وهو كمن قيل له: أقررت لي بألف وأنت بالغ، فقال: لا أدري هل تستحق عليَّ هذه الألف أم لا 3 أنه لا يترك وما يدعيه.
فصل [26 - إذا أتى بالإقرار على وجه الشكر والتحدث به لا على وجه الإقرار]:
إذا أتى بالإقرار على غير وجه الإقرار بل على وجه الشكر والتحدث به، مثل أن يجري ذكر إنسان قد مات فوصف بأنه كان يسعف من يسأله ويقرضه فيقول رحم الله فلانًا لقد سألته مرة أن يقرضني شيئًا وأنا مضيق أو مفلس فأجاب مسألتي فيقوم ورثة ذلك الإنسان فيطالبون هذا المقر ففيها روايتان 4: إحداهما أن ذلك إقرار، والأخرى أنه ليس بإقرار ولا يلزم به شيء.
فوجه الأولى أنه معترف بأن الرجل دفع إليه المال على وجه القرض ومدع للبراءة منه فلا يقبل منه إلا ببينة أصله الإقرار المبتدأ عند دعوى الخصم، ووجه الثانية أنه لم يورده على وجه الإقرار وإنما أورده على وجه الشكر أو لغير ذلك، ولفظ الإقرار مفتقر في كونه 5 إقرارا إلى القصد لذلك، وهذه الرواية أحسن وأوقع في مقتضى العادة والأول أقيس.
فصل [27 - التفريق بين الإقرار بأن هذا سرج دابة فلان وبين أن هذا باب داره]:
فرق محمد بن عبد الحكم بين أن يقر بأن هذا سرج دابة فلان أو لجام دابته وبين أن يقر بأن هذا باب داره فزعم في السرج واللجام أنه لا يكون إقرار بأنه يكون لفلان، وفي هذا الباب يكون إقرار به لصاحب الدار 1 قال: لأن الباب من الدار فإذا ثبت أن الدار لفلان فما كان منها فقد تضمنه هذا الإقرار، وليس كذلك السرج واللجام لأنه ليس بجزء من الدابة بل هو غيرها فكأنه قال: هذا السرج به دابة فلان وهذا اللجام يلجم به دابته، وفي موضع آخر سوى بينهما إما قولًا له آخر حكاه عن غيره، ووجه ذلك أنه أضاف ما أقر به إلى ملك المقر له فيضمن الإقرار له كباب الدار.
...
(بسم الله الرحمن الرحيم) (1)