كتاب الأيمان (1) والنذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2 الحلف الجائز هو بالله وبصفات ذاته والحلف بغيره ممنوع كالحلف بالأنبياء والآباء أو بالكعبة أو ما أشبه ذلك من المخلوقات 3 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا إلا بالله ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 4. فصل [1 - المحلوف به]: المحلوف به، ضربان: قديم ومحدث، فالقديم هو الله تعالى وصفات ذاته والكفارة تتعلق بهذا الضرب دون غيره، والمحدث ما عدى الباري وصفاته فلا كفارة في الحلف بشيء من ذلك 5. فصل [2 - في الحنث]: وإنما قلنا إن الحنث 6 في الحلف بالله تجب به الكفارة لقوله: {وَلَكِنْ1
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} 1 واتفق على أن اليمين بالله داخله في هذا 2، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" 3، ولا خلاف في ذلك.
فصل [3 - الحلف بأسمائه تعالى وصفاته]:
وجميع أسمائه تعالى تتعلق بها الكفارة كالرحمن والرحيم والعزيز والسميع والعليم وما أشبه ذلك، وكذلك صفات ذاته كعلمه وقدرته وجلاله وعظمته وكبريائه وعزته وكلامه وعهده وميثاقة وكفالته وحقه وسائر صفات ذاته 4، وإنما قلنا ذلك لأنها يمين بقديم غير مخلوق فكان كالحلف بالذات.
فصل [4 - الحلف بالعهد]:
فأما العهد 5 فالدليل على أنها يمين قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ 6 وذلك يدل على أن العهد والميثاق والكفالة أيمان، ولأن عرف الناس جار بالحلف بهذه الأشياء وهي من صفات الذات.
فصل [5 - في كون العهد والميثاق والكفالة يمين ولو أطلق]:
ويكون يمينا وإن أطلق 7 خلافًا للشافعي 8؛ لأنها صفة من صفات الذات فإطلاقها كتعينها أصله العلم والقدرة.
فصل [6 - فيمن قال على عهد الله وميثاقه وكفالته]:
وإذا قال على عهد الله وميثاقه وكفالته: فإن أراد التكرار أو التأكيد فكفارة واحدة، وإن أراد الاستئناف فلكل واحد كفارة، وذمة الله في معنى عهده 1.
فصل [7 - الحلف بأمانة الله]:
وأمانة الله يمين تكفر لأنها من صفات الذات فإن أراد الأفعال التي بين العباد فلا كفارة وهذا التفسير لأشهب.
فصل [8 - من قال: أقسم وأشهد وأحلف]:
إذا قال: أقسم وأشهد وأحلف فإن أراد بالله فهي يمين وإن أراد غيره أو أطلق 2 لم تكن يمينًا تكفر 3 خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها أيمان أراد بها الله أو لم يرده 4 والشافعي في بعض أقاويله أنها ليست بأيمان أراد بها الله أو لم يرده 5، فدليلنا على أبي حنيفة أن الإطلاق لا يتضمن محلوفا 6 به مخصوصا لأن القسم قد يكون بغير الله وكذلك الحلف فإذا ثبت ذلك فكان يمينا تعرف عن اسم الله وصفاته لفظا ونية وعرفًا فلا كفارة فيها كقوله والنبي والكعبة، ودليلنا على الشافعي أن القسم يمين لقوله تعالى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ 7 ولا فرق عند أهل اللغة بين قولهم أقسمت وحلفت 8، ومنه قوله تعالى {إِذْ أَقْسَمُوا
لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ 1} 2 معناه حلفوا 3، وقوله ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ 4 يريد نحلف 5.
فصل [9 - في قوله: أقسمت عليك]:
إذا قال أقسمت عليك لتفعلن كذا 6: فإن أراد سؤاله فلا كفارة عليه وليست يمين، وإن أراد اليمين كان على ما قدمناه 7.
فصل [10 - الحلف بما يفيد الخروج من الإِسلام إن لم يقع المحلوف عليه]:
إذا قال أشركت بالله أو أكفر بالله أو هو يهودي أو نصراني أو بريء من الله أو من الإِسلام أو من النبي أو القرآن أو الكعبة أو ما أشبهه ذلك فكل هذا لا كفارة فيه 8، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن ذلك كله أيمان 9؛ لأنها أيمان تعرت عن اسم الله وصفاته فلم يجب بالحنث فيها كفارة يمين أصله قوله والنبي والكعبة، ولأنه حلف بالبراءة ممن لا يجوز التبري منه كقوله هو بريء من الكعبة.
فصل [11 - أقسام الأيمان]:
الأيمان على ثلاثة أقسام لغو وغموس ومنعقدة:
واللغو هو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه ثم يتبين له أنه بخلافه فهذا لا أثم فيه ولا كفارة.
والغموس هو أن يحلف على الماضي متعمدا للكذب فهذا أعظم إثما من أن تكون فيه كفارة.
والمنعقدة هو الذي يجب بالحنث فيه الكفارة على ما سنذكره.
فصل [12 - في لغو اليمين]:
إنما قلنا إن اللغو ما وصفناه لأن من حلف على علمه أو غلبة ظنه ولم يوجد منه استخفافا بحرمة اليمين ولا جرأة ولا إقدام على التغرير بها لأنه علقها على وصف مراعى مطابقًا لها وهو عليه وغلبة ظنه ومطابقة له انعقادها على ذلك الوجه: فإن كان على ما حلف عليه فقد بر، وإن كان بخلاف ذلك فلا شيء عليه 1 لأن اليمين لم تنعقد لأنها وقعت محلولة.
فصل [13 - في قوله: لا والله وبلى والله]:
واختلف أصحابنا في قوله: لا والله وبلى والله وعلى سبق 2 اللسان: فقال ابن القاسم عن مالك ليس بلغو 3 لأن صفة اللغو ما ذكرناه، وقال إسماعيل بن إسحق وشيخنا أبو بكر الأبهري وغيرهما أنه من حيز اللغو لأنه لا يتأتى البر ولا الحنث فيه ولا يمكن الاحتراز منه.
فصل [14 - اليمين الغموس]:
وإنما قلنا إن الغموس لا كفارة فيها 4 خلافًا للشافعي 5، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ 6 وهذه محلولة غير منعقدة لأن المنعقدة ما أمكن حله إذا انعقد, لأن العقد في مقابلة الحل والماضي واقع على وجه واحد لا يمكن تغييره 7، ولأنها يمين لا يتأتى فيها بر ولا حنث كاللغو، ولأن
الكفارة معنى يرفع حكم اليمين فلم تتعلق بالحلف 1 على الماضي أصله الاستثناء، ولأن الحنث مخالفة الشيء المحلوف عليه لليمين وذلك يقتضي تقديم اليمين ليصح وصف الفعل إذا وقع بأنه حنث ومتى تأخرت عنه وقع عاريا من الحكم له بذلك فلا يصير محكوما له من بعد.
فصل [15 - اليمين المنعقدة]:
فأما المنعقد فهو ما تأتى البر والحنث فيه 2 وذلك هو الحلف على المستقبل وينقسم أربعة أقسام 3: أحدها أن يحلف لا فعلت، والثاني إن فعلت، والثالث لأفعلن، والرابع إن لم أفعل، فأما يمينه لا فعلت وإن فعلت فهو على بر لا يحنث إلا بأن يفعل ما حلف أن لا يفعله فتلزمه حينئذ الكفارة.
فصل [16 - البر والحنث]:
وإنما قلنا ذلك لأن الأيمان مترددة بين البر والحنث وترقبهما فالبر هو الموافقة مثل أن يحلف ليضربن عبده أو ليدخلن الدار فيفعل ذلك، والحنث بالمخالفة من أن يحلف أن لا يفعله فيفعله، وإذا ثبت ذلك فهذا إذا حلف أن لا يفعل هو وقت حلفه غير فاعل فهو على بر، وإنما الحنث مترقب فيما بعد فإن فعل حنث لأن المخالفة حينئذ وجدت منه فإن لم يفعل فهو على أصل البر وكذلك قوله: إن فعلت؛ فأما يمينه لأفعلن وإن لم أفعل فإنه على حنث يفعل فيبر، وإنما قلنا ذلك لأن المخالفة موجودة منه في الحال لأنه قال إن لم أضرب عبدي فهو في الحال غير ضارب فهذا حنث إذ الحنث ليس بكثر من المخالفة والبر مترقب فيما بعد: كالحالف لا فعلت لأن الموافقة موجودة والحنث مترقب فيما بعد، فإذا ثبت ذلك فإن الحنث لا يتحقق عليه إلا بأحد أمرين: إما بأن يأتي حال يستحيل معها فعل
المحلوف مثل أن يحلف ليأكلن هذا الرغيف فيحترق أو يأكله غيره فحينئذ يتحقق الحنث لأنا نيأس من بره فها هنا تنحتم الكفارة عليه 1 أو النذر إن كان نذرًا.
والآخر أن يكون ضرب أجلا مثل أن يقول: والله لأدخلن اليوم الدار فإن هذا على بر ما لم يتضيق الوقت فإذا خرج اليوم ولم يدخل حنث فإذا ثبت هذا فليس يفترق حكم الأفعال التي يحلف ليفعلنها أو إن لم يفعلها من كونها طاعة أو معصية في باب البر والحنث، وإنما يفترقان في أنه لا يؤمر بالبر في المعصية ويؤمر بالحنث لأن بره معصية مثاله: إذا احلف إن لم يشرب خمرا فيقال له أنت الآن على حنث وينبغي لك أن تكفر يمينك 2 لأن اليمين أو النذر لا يسقط عنك إلا أن تبر والبر حرام عليك واستدامة الحنث واجبه عليك لازمة لك فإن عصى وشرب الخمر فقد بر في يمينه بمعنى أنه وافقها ولم يحنث فسقط حكمها أصلًا وأثم بذلك الفعل لأنه في نفسه معصية سواء على يمين أو وقع منفردا.
فأما أفعال البر فإنه مختر فيها وكذلك الإباحة مثل يمينه أو ليصومن يومًا أو أن لم يكلم فلانًا أو يدخل الدار فإنه مختر في ذلك شاء يفعل فعل وحكم اليمين والنذر واحد في هذا الكتاب 3.
فصل [17 - الإستثناء في اليمين]:
للإستثناء تأثير في حل اليمين ورفع موجبها، والأصل فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف واستثنى رجع غير حانث" 4، ولا خلاف في ذلك 5.
فصل [18 - فيما يؤثر فيه الإستثناء]:
فإذا ثبت ذلك فإنما يؤثر في اليمين بالله أو بصفاته أو بالنذر الذي لا مخرج له وهو كل موضع تدخله الكفارة، وما عدى ذلك من يمين بطلاق أو عتاق أو حج أو مشي أو صدقة أو غير ذلك فلا يؤثر الإستثناء فيه 1، وهذا يرد في كتاب الطلاق 2.
فصل [19 - في قوله: إن شاء الله]:
لا يكون قوله: إن شاء الله استثناء إلا أن يقصد به الإستثناء ورفع اليمين ومنع عقدها 3، فأما إن قصد التبرك أو التأكيد أو سبق على لسانه أو كانت عادته أن لا يذكر شياء ليفعله إلا ويقرنه بالمشيئة اعتقادا أن الأشياء لا تكون إلا بمشيئة الله عَزَّ وَجَلَّ قصد التلفظ أو لم يقصد به شيئًا فإنه لا يكون استثناء، والأصل فيه أن الكلام إنما يتعلق به حكم إذا كان مقصودا, ولأنه معنى يرفع به حكم اليمين فاحتاج إلى نية الكفارة.
فصل [20 - اتصال الاستثناء باليمين]:
ومن حق الاستثناء أن يكون متصلا باليمين غير متراخ عنها 4 خلافًا لما يحكى عن ابن عباس من جوازه بعد حين 5 وعن غيره في اعتبار المجلس 6 لأن أهل اللغة لم يستعملوه إلا متصلًا ويستقبحونه متراخيا يبين ذلك أن القائل ضربت عبيدي إلا ميمونًا أن ميمونًا مضروب 7 إذ قاله متصلا فلو سكت ثم قال: بعد
زمن طويل إلا ميمونًا لعدوه هاذيًا هذا هو المتعارف من خطابهم، ولأن الاستثناء لما كان لا يفيد بانفراده لتعلقه بما تقدم لم يحسن إفراده عنه كما لا يحسن الابتداء به، ولأنهم يجرونه مجرى الشرط والتقييد وخبر المبتدأ وكل ذلك يجب اتصاله بالكلام، ولأن ذلك يؤدي إلى أن لا يوثق أحد من أحد بوعد أو وعيد وأن يتوقف في الأوامر والنواهي والأخبار بجواز ورود الاستثناء عليها بعد تراخي الوقت وهذا على طريقة من منع تأخير البيان من أصحابنا هذا حجة المسألة 1 من طريق اللغة.
فصل [21 - دليل وقوع الحنث]:
فأما ما يدل على وقوع الحنث وأن إيراد الاستثناء متراخيًا لا يؤثر في سقوط الكفارة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" 2 موضع الدليل: أنه قصد بيان ما يخرج به عن اليمين فلو كان الاستثناء مخرج عنها لذكره لأنه أخف من الحنث ومن الكفار، ولأن ذلك يؤدي إلى أن لا يحنث أحد في يمين لأنه إذا أراد المخالفة استثنى وانحلت يمينه، ولا يجوز التعلق في ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والله لأغزون قريشا" ثم سكت ساعة ثم قال: "إن شاء الله" 3 لأن ذلك امتثال لأمر لله تعالى لأنه كان أْنْسِيَ أن يصله بالكلام ثم ذكر وهذا تأويل أبي عبيد 4، وهذا إذا قطعه عن اليمين مختارا فأما إن انقطع عليه بسعال أو بسعال أو انقطع نفس أو تثاوب أو ما أشبة ذلك ثم وصله بيمينه فإنه يصح.
فإنما قلنا ذلك لأن هذا في حكم الواصل عن أهل اللغة والشرع لأنه كذلك في الشرط والتقييد فكذلك في الاستثناء ولأن مثل هذا لو تخلل بين قوله: لا إله وبين قوله: إلا الله لم يجعله كفرا وإن كان كفرا مع الاختيار كذلك ها هنا.
فصل [22 - الاستثناء بالنطق فقط]:
لا يكون الاستثناء إلا نطقًا فإن نواه أو عقده من غير نطق لم ينفعه 1 والأصل فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف فقال إن شاء الله رجع غير حانث" 2 وذلك يفيد النطق، لأنّه رفع لحكم اليمين كالكفارة ولو نوى أن عبده حر عن الكفارة لم يجز إلا أن يتلفظ به.
فصل [23 - في عقد اليمين من غير نطق]:
واختلف متأخرو أصحابنا في عقد اليمين من غير نطق فمنهم من قال: يصح ومنهم من قال: لا يصح بناء على عقد الطلاق بالقلب 3 فإن قلنا لا يصح فالباب واحد، وأن قلنا يصح فالفرق بين اليمين والاستثناء أن اليمين إيجاب وإلزام والاستثناء رفع وحل للوجوب وما طريقه الإلزام أغلط مما طريقه الإباحة والتحليل فجاز أن تنعقد اليمين بالقلب وأن لا ينعقد الاستثناء إلا باللفظ.
فصل [24 - النية مع عقد اليمين]:
ليس من شرطه أن ينوى 4 مع عقد اليمين لأن ذلك يوجب أن لا تحل 5 يمين ابتدئ عقدها دون نيته 6 وذلك باطل: فإذا ابتدأ غير ناوٍ ثم نوى قبل فراغه من اليمين جاز، وإن فرغ من التلفظ 7 بها ثم أتى به متصلا غير متراخ على
الحد الذي يأتي المواز لا يصح 1، فوجه قول مالك عموم الخبر, واعتبارًا به لو نواه الفراغ بعلة الاتصال مع النية، ووجه قول ابن المواز أن اليمين فرغ منها عارية من الاستثناء فوروده بعدها لا يؤثر كالتراخي، والأول أصح.
فصل [25 - حكم من حلف ألا يفعل شيئا ففعل بعضه أو أشياء ففعل واحدا]:
إذا حلف ألا يفعل شيئًا ففعل بعضه أو أشياء ففعل واحد منها حنث 2 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3؛ لأن اليمين على الجملة يتعلق بها وبأبعادها كالحالف 4 ليفعلن، ولأن المنع في الجملة يفهم منه منع البعض أصله منع الغير.
فصل [26 - إذا حلف على شيء بعينه]:
إذا حلف على شيء بعينه لا ينتفع به 5 فقد قطع المن عنه تعلقت يمينه بكل ما في بابه 6 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا يحنث إلا بما حلف عليه وحده 7؛ لأن من يمن غيره عليه 8 فيحلف مجيبًا له بأن يقول: والله لا شربت لك الماء فإنه يفهم منه أراد والله لا انتفعت بشيء من مالك أصلا ونصه على الماء تنبيه بالأدون 9 على جميع ما في بابه كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ 10، وإذا ثبت ذلك قلنا لأنه لفظ يفهم منه الامتناع من جملة الانتفاع فأشبه أن يتلفظ به.
فصل [27 - من حلف على شيء ثم فعله ساهيًا]:
ومن حلف لا أفعل شيئًا ففعله ساهيًا حنث 1 خلافًا للشافعي 2 لأنه حصل منه الفعل على وجه ينسب إليه وينفرد بإضافته إليه كالعامد، ويفارق المكره لأن الفعل لا ينسب إليه بل إلى من أكرهه، ألا ترى أنه لا يقال دخل فلان الدار وإنما يقال أُدخل.
فصل [28 - الاعتبار في الأيمان]:
الاعتبار في الأيمان بالنية فإن عدمت فالسبب الذي أثار اليمين ليستدل منه عليها فإن عدم 3 أجرى اللفظ على ما يقتضية عرف التخاطب 4 دون عرف الفعل في المحلوف عليه، فإن لم يكن عرف أجري على موضوعه 5 مثال ذلك: إذا حلف أن لا يأكل رأسًا فإن كانت له نية وإلا نظر في السبب فقصر على ما يقتضيه فإن كانت كل رأس ولا يراعى رؤوس الغنم أو الأبل أو البقر خلافًا لمن يراعي الاستعمال؛ لأن ذلك لا يؤثر في اللفظ لأنه 6 يختلف باختلاف العادات في البلاد، ألا ترى أن العرف في الخبز جار 7 في الحنطة في أغلب البلاد وسيما في البلاد الكبار المشار إليها، ثم لو حلف الخليفة في الملك العظيم لا آكل خبزًا حنث بأكل خبزًا الدخن، وكذلك لو حلف لا أكل لحمًا لحنث عندهم بأكل لحم الخنزير ولحم 8 بني آدم وإن لم يجر ذلك عرف استعمال، وفروع هذا الباب عظيمة لا يحتملها هذا المختصر.
فصل [29 - فيمن حرم على نفسه بعض ما يحل له سوى الزوجة]:
إذا حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أمة أو بعض ما يحل له سوى الزوجة فلا يحرم عليه ولا يؤثر ذلك القول شيئًا 1 خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يلزمه كفارة يمين في المأكول والمشروب دون الملبوس والطيب 2 , لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ 3، ولأنه حرم على نفسه ما لا يصح فيه طلاق ولا عتاق فلم يكن للتحريم تأثير أصله اللباس والطيب.
فصل [30 - إذا كرر اليمين]:
إذا كرر اليمين فإن أراد الاستئناف فلكل يمين كفارة وإن أراد التأكيد فكفارة واحدة وإن أطلق حمل على التأكيد 4، ولا يكون الاستئناف إلا بالقصد لأن الظاهر تأكيد والاستئناف إيجاب كفارة مبتدأة فلا تثبت إلا بالقصد 5.
فصل [31 - كفارة اليمين]:
كفارة اليمين أربعة أنواع: إطعام وكسوة وإعتاق وصيام وهي على التخيير بأيها شاء أن يكفر مع القدرة على الآخرين فعل إلا لصوم فإنه لا يجزيه إلا مع العجز عن هذه الأنواع الثلاثة.
فأما الأطعام فهو أن يطعم عشرة مساكين مدا لكل مسكين بالمد الأصغر إن كان بالمدينة، وإن كان بغيرها من الأمصار فوسطها من الشبع وهو رطلان من الخبز بالبغدادي, وشيء من الإدام وإن اقتصر على مد أجزأه.
والكسوة لكل إنسان قدر ما تجزيه 6 به الصلاة فللرجل ثوب وللمرأة ثوبان
درع وخمار ولا يجزيه 1 أن يصرف الكسوة والإطعام إلا إلى العدد المشترك وهو العشرة ولا يجزيه إلا المؤمنون الأحرار، وله أن يطعم الصغير ولكن قدر ما يكفي الكبير.
وأما الإعتاق فأن يحرر رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك ولا عقد عتق من تدبير أو كتابة أو استيلاد أو عتق إلى أجل أو من الأقارب وكل من يستحق عتقه بغير الكفارة سليمة غير معينة.
وأما الصيام فثلاثة أيام يستحب له متابعتها، وتجزيه إن فرقها 2.
فصل [32 - حصر الكفارة في الأنواع الأربعة]:
وإنما حصرنا الكفارة على الأنواع الأربعة لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ...﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 3 فأخبر أن ذلك جملة الكفارة فلم يبق زائد عليها ولا خلاف في ذلك 4.
فصل [33 - دليل التخيير في الكفارة]:
وإنما قلنا إنه مخير في الأنواع الثلاثة لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ...﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 5 وأو موضوعها التخيير ولا خلاف في ذلك 6، وإنما قلنا إن الصوم لا يجزوه مع القدرة على إحداهما 7 لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ 8 فشرط في كونه كفارة أن يكون عاجزًا عن الأنواع الثلاثة، ولا خلاف في ذلك 9.
فصل [34 - دليل التقدير في الإطعام]:
وإنما قدرنا الإطعام بالمد أو زيادة يسيرة 1، خلافًا لأبي حنيفة في قوله يخرج من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاعا 2 لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 3 والوسط هو أغلب عادات 4 الناس وهو ما بين الأقل والأكثر، ولأنه إطعام 5 في كفارة كالفطر في رمضان، وإنما فرقنا بين المدينة وغيرها لضيق العيش بها وتعذر الأقوات فيها واتساعه في غيرها 6.
فصل [35 - الدليل في تقدير الكسوة]:
وإنما قدرنا الكسوة بما ذكرناه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما يجزوه أقل ما يتناوله الاسم 7، لقوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ 8 وإطلاق ذلك لا يفهم منه المنديل وحده أو المئزر وحده ولأنه مصروف إلى المسكين في الكفارة فوجب أن يكون مقدرًا كالإطعام وإذا الكسوة المطلقة تنصرف 9 إلى الشرعية وليس ما يتعلق به حكم 10 في الشرع إلا ما قلناه.
فصل [36 - اشتراط العدد في الإطعام والكسوة]:
وإنما قلنا إن العدد مشترط في الإطعام والكسوة خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه
يجزيه 1 صرف الإطعام والكسوة إلى مسكين واحد في عشرة أيام 2، لقوله تعالى ﴿أو إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 3 فأخبر أن الكفارة صرف الإطعام إلى هذا العدد لأنه تعالى جعل لكل مسكين جزاء من الطعام فلم يجز أن يستبد بجميعه، ولأنه دفع جميع الكفارة إلى مسكين واحد فلم تجزه كما لو دفعها 4 في اليوم الأول.
فصل [37 - اشتراط كون المساكين مسلمين]:
وإنما شرطنا أن يكونوا مسلمين خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه دفعها إلى أهل الذمة 5، اعتبارًا بزكاة المال، ولأنه ناقص بالكفر كالحربي، ولأن كل من لا يجوز دفع زكاة المال إليه فكذلك الكفارة كالمرتد.
فصل [38 - اشترط كونهم أحرارا]:
وإنما شرطنا أن يكونوا أحرارا لأن العبد ليس بمسكين لاستغنائه بمنفعة سيده وكذلك المكاتب خلافًا لأبي حنيفة 6 لأنه باق على حكم الرق كالمدبر.
وإنما جوزنا إعطاءها للصغير لوجود الصفات المعتبرة فيه وهي كونه حرا مسلما مسكينا ويعطي ما يكفي الكبير وإلا كان ناقصًا 7 من المقدار.
فصل [39 - اشتراط كون الرقبة مؤمنة]:
وإنما اشترطنا في الإعتاق أن تكون الرقبة مؤمنة خلافًا لأبي حنيفة 8 لأنه تكفير بعتق فأشبه كفارة القتل واعتبارا بالمرتد والوثني.
وإنما منعنا أن يكون فيها شرك لقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 1 وبعض الرقبة ليس برقبة، ولأن التكفير إنما يكون بنوع دون الجمع بين البدل والمبدل.
فصل [40 - أن لا يكون في الرقبة عقد عتق]:
وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق لأن التحرير يقتضى ابتداء الإعتاق دون تخير عقد متقدم، ولأن عتق من فيه من عقود العتق مستحق على السيد 2 بغير الكفارة فأشبه أم الولد، وهذه علة جامعة لكل ما في هذا الباب.
فصل [41 - في كون الرقبة سليمة]:
وإنما قلنا سليمة خلافًا لداود في تجويزة إعتاق المعيبة 3، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 4 والإطلاق يقتضى رقبة كاملة والقطعاء والعمياء ناقصة، ولأنه نقص في الرقبة كالنقص في الدين.
فصل [42 - في كون الصيام ثلاثة أيام]:
وإنما قلنا إن الصيام ثلاثة أيام لورود النص بذلك والإجماع عليه 5.
وإنما استحببنا له أن يتابعها لأن ذلك أكمل وأفضل وأداءه 6 على الوجه الجائز بالإجماع.
وإنما أجزنا له تفريقها خلافًا للشافعي في أحد قوليه 7 لأن الظاهر مطلق غير مقيد، ولأنه نوع دون عدد يكفر به اليمين فجاز تفريقه أصله الإطعام والكسوة.
فصل [43 - في تقديم الكفارة على الحنث]:
وفي تقديم الكفارة على الحنث روايتان 1: إحداهما الجواز وهو قول الشافعي 2، والأخرى المنع وهو قول أبي حنيفة 3، فوجه الجواز قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" 4، وروي "فيأت الذي خير وليكفر عن يمينه" 5 وذلك يفيد التخيير، ولأنه معنى لرفع حكم اليمين كالاستثناء، ولأن الكفارة أقوى من الاستثناء لأنه يؤتى بها متصله ومنفصلة والاستثناء لا يؤتى به إلا متصلا فإذا أثر الاستثناء قبل الحنث فالكفارة أولى، ولأنه كفر بعد العقد فأشبه أن يكفر بعد العقد والحنث ووجه المنع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأت الذي هو خير ثم كفر عن يمينك" 6 وهذا نص، ولأنه حق في مال تعلق بسبب فلم يجز تقديمه على سببه أصله الزكاة، ولأن الكفارات 7 في الأصول يجوز تقديمها على ما يوجبها اعتبارا بالظهار والقتل.
فصل [44 - لا فصل بين الصيام وغيره في تقديم الكفارة على الحنث]:
وإذا قلنا بالجواز فلا فصل بين الصيام وغيره 8، خلافًا للشافعي 9؛ لأنه أحد أنواع الكفارة فأشبه الإعتاق والإطعام.
باب [في النذر]
النذر على ضربين 1 مجهول ومعلوم: فالمجهول هو الذي لا يبين مخرجه بنية ولا نطق مثل: أن يقول لله على النذر ولا يبين ما هو، فهذا يلزم فيه كفارة يمين، فإن سمى له مخرجًا ونوى به شيئًا.
سقط اعتبار الكفارة 2 وصار الحكم للمخرج الذي سُمِّي له وهذا هو الضرب الثاني من النذر وهو المعلوم الذي قد سُمِّي مخرجه وبيَّن المراد به، ولا يخلوا مخرجه من أربعة أقسام: أما أن يكون طاعة وقربة كالصلاة والصوم والحج وسائر ما يتقرب به.
أو أن يكون معصية كالقتل والزنا وشرب الخمر وغير ذلك.
أو أن يكون مكروها كنذر ترك التنفل والتطوع.
أو أن يكون مباحًا كنذر أكل بعض المباحات ولبس الثياب الفاخرة وغيرها والطيب والمشي في بعض الطرق وما أشبه ذلك، فالذي يلزم الوفاء به من هذا كله هو الطاعة والقربة دون ما عداها، فأما المعصية فيحرم الوفاء بها، وأما ترك التنفل فيكره الوفاء به، فأما المباح فلا يتعلق بنذره حكم أصلًا 3.
نوع آخر
والنذر ضربان: مطلق ومقيد.
فالمطلق هو أن يكون مستقلا بنفسه غير معلق 4 بغيره إما بأن يتبين مخرجه أو لا يتبين مثل أن يقول لله على نذر ويسكت أو يقول هو كذا وكذا.
والمقيد هو أن يعلقه بغيره ويجعله شرطًا فيه مثل أن يقول إن كان كذا وكذا فلا يلزمه النذر إلا بوجود ذلك الشرط، ثم ما يقيد به ينقسم إلى أربع أقسام كانقسام ما يحلف عليه وهو أن يقول لله عليَّ نذر صلاة أو صوم أو صدقة إن فعلت أو إن لم أفعل أو لأفعلن أو لا فعلت 1 وكذلك ما ليس من فعله كقوله إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي أو رزقني مالًا أو ما أشبه ذلك وكل هذا عندنا يلزم الوفاء به إذا وجد شرطه من غير اعتبار بشرطه أن يكون طاعة أو معصية أو مباحًا كاليمين سواء إلا إن متعلق النذر ينقسم إلى أربعة 2 أقسام كانقسامه في نفسه.
منه ما يجب فعله مثل أن يعلق النذر بواجب كقوله: لله علي نذر إن صليت الظهر في وقتها وما أشبه ذلك فهذا يلزم الوفاء به ويلزم فعل الشرط فإن اجترأ وأثم وأخر الصلاة عن وقتها شيء عليه من نذره 3 لأنه لم يوجد شرطه.
ومنه ما يحرم فعله كقوله لله علي نذر إن لم أشرب خمرًا فهذا لا يجوز فعله فإن شرب عصى وأثم وسقط عنه النذر.
ومنه ما يكره الوفاء به كقوله لله علي النذر إن تنفلت الليلة بصلاة يقصد ذلك منع نفسه من فعلها لا شوقًا إليها 4 فهذا يكره له الوفاء به ويستحب له أن يتنفل ويكفر فإن لم يتنفل حتى خرجت الليلة فلا نذر عليه، ومنه ما يكون الوفاء به مباحًا مثل أن يعلق النذر بما لا يحرم عليه فعله كان طاعة أو مباحا كما ينذر فعل طاعة بشرط طاعة كقوله لله علي أن أحج السنة إن صمت غدا أو بشرط مباح كقوله إن كلمت زيدا فيكون مخيرًا في ذلك إن فعله لزمه النذر وإن لم يفعله لم يلزمه 5.
نوع آخر
ولا يفترق الحكم 1 عندنا بأن يكون النذر 2 على وجه التبرر والرضا أو اللجاج 3 والغضب في جميع أحكامه، فأما التبرر والرضا فهو أن يكون على سبيل الشكر كقوله لله علي نذر إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي أو سلم مالي أو رزقني الحج أو ما أشبه ذلك، واللجاج أن يقصد منع نفسه من فعل سيئ ومعاقبتها بإلزام نفسه النذر كقوله لله علي نذر إن أكلت هذا الرغيف أو إن كلمت فلانًا أو بت في داري أو ما أشبه ذلك مما يقصد به غيظ نفسه والتشديد عليها فالحكم في ذلك كله سواء على ما بيناه 4.
فصل [1 - النذر المجهول]:
وإنما قلنا إن النذر المجهول ينعقد وتلزم فيه كفارة يمين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كفارة النذر كفارة اليمين" 5، وروي "من نذر نذرًا لم يسمه فعليه كفارة يمين" 6، ولأنه نذر مقصود به القربة فوجب أن يثبت حكمه كالمسمى؛ لأن معنى النذر الإيجاب وأدنى واجب مقدر كفارة يمين.
فصل [2 - وجوب الوفاء بنذر الطاعة]:
وإنما قلنا إن الوفاء بنذر الطاعة واجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطع الله فليطعه" 7، ولأن القول أحد نوعي الإيجاب بالشرع كالفعل.
فصل [3 - عدم الوفاء بنذر المعصية]:
وإنما قلنا إن ما عداه لا يوفى به لقوله - صلى الله عليه وسلم - "ومن نذر أن يعصيه 1 فلا يعصه" 2، وحديث أبي إسرائيل 3 لما رآه رسول لله - صلى الله عليه وسلم - حافيًا قائمًا في الشمس فقال: "مروه فليستظل ولينتعل" 4، ولأن الإيجاب فرع على الجواز فإن كان فعل العصيان غير جائز فهو على الوجوب أبعد، فأما المباح فلا يلزم لأن المقصود من النذر القربة والمباح لا قربة فيه.
فصل [4 - إثبات حكم مخرج النذر بالنطق والنية]:
وإنما قلنا إنه يثبت حكم مخرجه بالنية والنطق لأنهما طريقان لمعرفة المراد وثبوت أحكام الخطاب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "وإنما لامريء ما نوى" 5.
فصل [5 - النذر المطلق]:
وإنما قلنا إن النذر المطلق يلزم 6 حكمه خلافًا لبعض الشافعية 7، لعموم الأخبار، واعتبارًا بالمقيد بعلة 8 أنه ألزم نفسه على وجه النذر ما يجب الوفاء بجنسه.
فصل [6 - التسوية بين نذر اللجاج والتبرر]:
وإنما سوينا بين نذر اللجاج والتبرر خلافًا للشافعي في قوله أن نذر اللجاج تجب به كفارة يمين 9؛ لأن اختلاف الحال التي عقد عليها النذر لا يوجب
سقوط المنذور وإلزام غيره أصله حال التبرر، ولأنها قربة ألزمها نفسه على وجه النذر فإذا وجد شرطها لم يجز إسقاطهما كالحج.
فصل [7 - التسوية بين شروط النذر]:
وإنما سوينا بين شروط النذر لأن الإيجاب علق بوجوده وما كان كذلك فلا يراعى فيه صفة زائدة عليه كالطلاق والعتاق.
فصل [8 - فيمن قال: مالي في سبيل الله]:
ومن قال: مالي في سبيل الله أو هدي لزمه إخراج الثلث 1 خلافًا لمن قال: لا يلزمه شيء أصلا 2، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي لبابة 3 ونذر أن يختلع من جميع ماله: "يجزيك من ذلك الثلث" 4 واعتبارًا به إذا عين شيئًا من ماله، ولا يلزمه الكل خلافًا للشافعي، للخبر، ولأن المريض لما منع من إخراج كل ماله إنقاء على ورثته كان الحي أولى لحق نفسه.
فصل [9 - ولا تجزيه كفارة يمين]:
ولا تجزيه كفارة يمين 5 خلافًا لمن ذهب إلى ذلك 6 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يجزيك من ذلك الثلث" 7 فدل على أنه لا يجزيه دونه، ولأنه نذر إخراج مال كما لو عين.
مسألة [10 - فيمن نذر المشي إلى بيت الله]: إذا نذر المشي إلى بيت الله لزمه النذر فإن عَيَّن 1 حجا أو عمرة لزمه ما عينه وإن أطلق لزمه ما يختار منهما، ومنتهى المشي في الحج طواف الإفاضة وفي العمرة الفراغ من السعي فإن كان ضرورة وأراد الجمع في سفره بين فرضه ونذره مشي في عمرة ثم حج ويكون متمتعًا إن كانت عمرته في أشهر الحج، ولا يجوز له ترك المشي مع القدرة عليه والمشي من حيث حلف فإن عجز ركب ثم عاد قابلا فلفق مشيه وأهدى إن قدر وإلا فليهد ولا يعد، وكذلك العاجز عن المشي من أول مرة، وهذا 2 إذا كان ما ركب كثيرا فإن كان يسيرا أهدى ولا عود عليه وينتعل ناذر الحفاء ولا دم عليه 3. فصل [11 - دليل لزوم نذر المشي]: وإنما قلنا إن نذر المشي يلزم لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ 4 وفي حديث عقبة بن عامر 5 أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لتمشي أو لتركب وتهدى" 6، ولأنه قول ابن عمر 7 ولا مخالف له، وإنما قلنا إنه
يمشي في حج أو عمرة لأن الألفاظ إذا أطلقت ولها معهود في الشرع حملت عليه، كما لو نذر صلاة أو صومًا والمعهود من المشي إلى بيت الله إنه لأحد هذين النسكين فوجب انصراف 1 النذر إليه.
وإنما قلنا إنه إن عين أحدهما لزمه ما عينه لأن تعيينه قد أوجبه على نفسه كتعيين الصلاة والصوم، وإذا لم يعين كان مخيرا لأن التعيين لا يثبت إلا من جهته.
وإنما قلنا يمشي في الحج إلى آخر طواف الإفاضة لأن نذره تناول المشي في جميع الحج فما دام في الإحرام فعليه المشي ولا يخرج منه إلا بطواف الإفاضة، وفي العمرة بالفراغ من السعى.
وإنما قلنا في الضرورة إن له أن 2 يجعل مشيه في عمرة ليتم له غرضه من أداء الفرض والنذر 3 في سفر واحد.
وإنما قلنا إنه يلزمه المشي مع القدرة عليه للظاهر 4 والخبر الذي رويناه 5.
وإنما قلنا إن المشي من حيث حلف لأنه الموضع الذي تناوله الوجوب بالنذر دون غيره.
وإنما قلنا إنه إن عجز ركب لأنه في الخبر (لتمشي أو لتركب ولتهدى) 6 ولأن النذر تناول المعنى إلى مكة على صفة وهي المشي فإذا عجز عن صفة الذهاب لم يسقط عنه أصله 7، وإنما قلنا أنه يرجع من قابل إن أمكنه لأن المشي باق في ذمته لا يسقط عنه إلا بأدائه، وركوبه هو لتمام المناسك لا ليكون بدلا عن المشي.
وإنما قلنا إنه إذا عجز فلا يعود لأنه لا فائدة في عوده لأن العود إنما يراد ليكمل المشي، وإنما قلنا إن عليه الهدي خلافًا للشافعي 1، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لتمشي أو لتركب ولتهدي" 2 معناه إن عجزت، ولأنه إذا ألزم نفسه المشي فقد تعين عليه لزومه فصار كالتعيين بالشرع وما لزم بتركه الدم مع القدرة والعجز كالرمي إذا عجز منه.
وإنما قلنا إن الركوب اليسير ينوب عنه الدم لأنه لا حكم له مع المشي المقصود وهو الأكثر، وإنما قلنا إن من نذر المشي حافيا انتعل لأن الحفاء لا قربة فيه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي إسرائيل (مروه فلينتعل) 3.
فصل [12 - فيمن نذر المشي إلى مسجد رسول الله وإلى بيت المقدس]:
ومن نذر المشي إلى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إلى بيت المقدس للصلاة فيهما لزمه ذلك 4 خلافًا للشافعي 5 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. فذكر مسجده وبيت المقدس" 6، ولأنهما مسجدان تضاعف الصلاة فيهما بألف كالمسجد 7 الحرام، ولا يلزم نذر المشي إلى غيرها للخبر، ولأن المعنى فيهما معدوم في غيرهما.
فصل [13 - فيمن نذر ذبح ابنه]:
ومن نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه اهدي وإن نذره مجردا لا يقصد القربة فلا شيء عليه 8، وإنما قلنا ذلك لأنه إذا نذره على وجه القربة فإنما
أراد نذر الفداء عنه، لأن ذلك معهود في الشرع أن نحر الابن قد يكون على وجه القربة لأن إبراهيم عليه السلام تعبد بذلك، وصارت الأضحية أصلا في شرعنا تشبيها به فكان الناذر له على وجه القربة ناذرا للفداء عنه، وإن لم يرد القربة فلا شيء عليه لأنه نذر معصية مع التجريد.
فصل [14 - فيمن نذر أن يهدي شيئًا من ماله]:
ومن نذر أن يهدي شيئًا من ماله فإن كان مما يجوز أن يكون هديًا أهداه لأن أداء النذر مع الإمكان مستحق، وإن كان مما 1 لا يهدي مثله باعه واشترى به هديًا لأنه نذر أهداه فالكلام ينصرف إلى الوجه الذي يمكن إهداؤه عليه فإذا امتنع في عينه لزم في ثمنه 2 والله أعلم.