كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والمتهم لغرض له وقد لا يرضى العدل المرضي على حسب اختياره فليس على رضا الإنسان لأموره غمار 1 فلم يكن قوله هذا مؤثرًا في التزكية.
فصل [1 - في قبول شهادة من عرفه القاضي بالعدالة والرضا]:
ومن عرفه القاضي بالعدالة والرضا قبل شهادته ولم يحتج إلى أن يشهد عنده بتزكية، وكذلك المشتهر بالصلاح والدين لأن الغرض بالتزكية أن يعلم الحاكم أنه من أهل الشهادة فإذا عرف منه أغناه عن التزكية، وليس ذلك حكمًا بالعلم لأنه أمر يظهر ولا يخفى أعني العدالة والفسق، ولأنه قد يتوقف عن قبول شهادته ويقبله غيره من الحكام ولو كان حكمًا لم يجز نقضه، وإذا كان الحاكم لا يعرفه لم يثبت عدالته إلا بشهادة عدلين وبأن يعلمه صاحب مسائله بما عرف من حديثه لأنه خليفته وقائم في التزكية والجرح مقامه، والتعديل الذي يكونا شهادة لا يكون إلا باثنين 2.
فصل [2 - في تعارض الجرح والتعديل في التزكية]:
إذا عدل رجلان رجلًا وجرحه آخران ففيها روايتان: 3 إحداهما أن ينظر إلى أعدل البينتين فيؤخذ بها، والأخرى أن شهادة الجرح أولى من التعديل.
فوجه الأولى تعارض البينتين في أمر طريقه الاجتهاد فوجب الحكم بأعدلهما، أصله في الأموال، ووجه الثانية أن الجرح يخفى ولا يظهر فالشاهدان به عرفا من حال المجروح ما خفي عن المعدلين فكانت شهادتهما أولى، ولأن ذلك كالخبرين الحاظر والمبيح إذا تعارضا أن الحاظر أولى.
باب [- في حكم تحمل الشهادة]
تحمل الشهادة فرض في الجملة، لقوله تعالي ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 1 وذلك من أفضل البر لأنه يتعلق به حفظ أموال الناس وحقوقهم وحقوق الله تعالى وإقامة حدوده، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ 2، وقوله ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 3 وذلك على عمومه في التحمل والأداء، وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ 4 قال سفيان بن عيينة 5: هو ما يدفع الله بالشهود من التجاحد والتظالم 6، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ 7. فصل [1 - في أن تحمل الشهادة من فروض الكفايات]: إذا ثبت أن ذلك فرض في الجملة فإنه من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين فهو جار مجرى غسل الميت ودفنه والصلاة عليه ومجرى الجهاد
وغيره من فرائض 1 الكفايات والدليل على ذلك 2 أنها براءة للتوثق وحفظ الحقوق فإذا حصل هذا المعنى بالبعض سقط عن الباقين كما ذكرناه.
فصل [2 - في تعين فرض تحمل الشهادة]:
وإذا ثبت، فقد يتعين فرضها في بعض المواضع وقد لا يتعين: (فالمواضع التي يتعين) 3 أن يدعى الشاهد إلى تحمل الشهادة وهناك جماعة كبيرة ممن يتحملها فإنه يجب على اثنين منهم بغير أعيانهم فمن قام منهم بها سقط عن الباقين.
وأما المواضع التي يسقط فيها فهو أن يدعى إلى تحمل شهادة قد تحملها غيره فلا تلزمه الإجابة لأن الغرض قد سقط بمن قام بها وتحملها، وأما المواضع التي يتعين فيها فرضها فمثل أن يدعى إلى تحملها وليس هناك غيره فتلزمه الإجابة وكذلك لو كان هناك من يتحملها إلا أنه يتعذر وجودهم أو يخاف بانتظارهم فوات الحادث مثل موت الموصي أو جحود المقر أو ما أشبه ذلك فتلزمه الإجابة وهذا إذا لم يكن له ما يعذر به فإن كان له عذر من مرض أو زمانه أو حق مثل ذلك الحق يخاف فوته وما أشبه ذلك من الأعذار لم 4 يلزمه.
فصل [3 - في حكم أداء الشهادة]:
فإذا ثبت تحملها على الوجه الذي ذكرناه، فأداؤها فرض أيضًا على الكفاية وحكمها حكم التحمل في التعيين وغيره، فإن دعي إلى إقامتها وهناك من يقيمها غيره لم تلزمه الإجابة لأن المقصود من الأداء إثبات الحق عند الحاكم فإذا حصل المقصود سقط الغرض، وكذلك إن كان من يسقط الغرض به كالصلاة على الجنازة، وأما إن دعي ولم يكن قد أشهد سواه أو أشهدوا سواه ولكن تعذر إحضارهم لبعد أو غيبة أو موت أو مرض فإنه يتعين عليهما الحضور والأداء
لأن في امتناعهما إتلاف الحق وإضاعته، والدليل على وجوب الأداء في الجملة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 1 قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ 2 وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 3، ولا خلاف في ذلك 4 والله أعلم.
باب [- في أقسام البينة]
البينة مرتبة بحسب الحقوق المشهود فيها والمحتاج إلى إقامتها وما هي عليه من التوسعة والتضييق والتخفيف والتثقيل وإمكان التوثق وتعذره على ما نبينه من بعد، والبيانات على اختلاف مراتبها في القوة والضعف لا تخرج من أقسام 1:
أحدها: أربعة شهود رجال بالغون، والثاني: شاهدان رجلان، والثالث: شاهد وامرأتان، والرابع: شاهد ويمين المدعي، (والسادس: شاهد المدعي ونكول المدعى عليه، والسابع: امرأتان ونكول المدعى عليه) 2 والثامن: يمين المدعي ونكول المدعى عليه، والتاسع: يمين المدعي مع قوة السبب، والعاشر: امرأتان بانفرادهما والحادي عشر: شهادة الصبيان في الموضع الذي ذكرناه، والثاني عشر: أيمان الأولياء في الدم مع اللوث، والثالث عشر: شهادة السماع، والرابع عشر: كتاب قاض إلى قاض، والخامس عشر: معرفة العفاص والوكاء في اللقطة لأن ذلك كالبينة، وربما أغفلنا شيئًا يجري ما ذكرناه فنبينه بقدر ما أوردناه عليه.
فصل [1 - في الحقوق المشهود بها]:
الحقوق المشهود بها على ستة أضرب: أحدهما أحكام تثبت في البدن (ليست بمال ويطلع عليها الرجال على غالب الحال، والثاني أحكام تثبت بالبدن تتعلق بالمال، والثالث أحكام تثبت في البدن لا يطلع عليه الرجال بل النساء كعيوبهن والولادة) 3، والرابع: شهادة على مال، الخامس: شهادة على
ما كان المقصود منه المال وهذا كالقسم الذي قبله وإن انفرد عنه، السادس ما يجمع القسمين من هذه الأقسام أو أكثر.
فإذا ثبت هذا فانقسام البينات على الحقوق على وجوه أحدها: ما لا مدخل فيه لشهادة النساء أصلًا ولا يقبل فيه إلا الرجال، والآخر ما يقبل فيه الرجال والنساء ولا يقبل فيه النساء بانفرادهن، والثالث ما تقبل فيه النساء بانفرادهن، والرابع ما يقبل فيه الرجل الواحد والمرأتان مع يمين المدّعى ثم بقية الأقسام على ما قدمناه.
فصل [2 - في الأحكام التي تثبت في البدن ليست بمال]:
أما الأحكام التي تثبت في البدن ليست بمال ويطلع عليها الرجال في غالب الحال كالزنا والقذف والقتل والنكاح والرجعة والطلاق والإعتاق والإحصان 1 والتعديل والتجريح ورؤية الأهلة والشهادة على الشهادة 2 وما أشبه ذلك فهذا لا يقبل فيه إلا الرجال.
فالأربعة في الشهادة على إثبات الزنا وذلك على ثلاثة أوجه: إما شهادة على رؤية الزنا فهو المتفق عليه، وإما شهادة على الشهادة به وإما الشهادة على كتاب الحكم به وهذان مختلف في الشهادة بهما 3: فقيل يكفي شهادة اثنين على شهادة كل واحد من الأربعة وعلى كتاب الحاكم به، وقيل لا يكفي إلا أربعة على كل واحد من الأربعة وكذلك على كتاب القاضي.
وأما الشاهدان فلسائر الأحكام التي تثبت في البدن وفي المال مما عددناه.
وأما الشاهد والمرأتان والشاهد ويمين المدعى والمرأتان واليمين فلحقوق الأموال وما المقصود منه المال، وأما المال فمثل أن يشهدوا أن فلانًا أقرض 4
فلانًا ما لا أو أودعه أو أعاره أو غصبه وما أشبه ذلك، وما المقصود منه المال كالبيع والإجارات والشفعة والرهن والقراض والمساقات والصلح والكفالات وجنايات الخطأ والعمد التي لا قود فيها وما ضارع ذلك مما يكون المقصود منه المال فهذا كله يثبت بالشاهد والمرأتين وبالشاهد ويمين المدعي.
وأما الشاهد ونكول المدعى عليه يقبل في كل موضع قبل فيه الشاهد واليمين والمرأتان واليمين، وقد اختلف في قبوله في الطلاق والعتاق فعنه في ذلك روايتان وكذلك في نكول المدعى عليهم مع اللوث وقد بيناه في موضعه، وأما الأحكام بالبدن المتعلقة بالمال مثل الشهادة على الوكالة بطلب المال وعلى إسناد 1 الوصيه التي ليس فيها إلا المال فقد اختلف أصحابنا فيها فقال مالك وابن القاسم وابن وهب يجوز فيها شاهد وامرأتان، وقال أشهب وعبد الملك لا تقبل فيها إلا رجلان.
وأما المرأتان ونكول المدعى عليه فإنه يقبل في كل موضع يقبل فيه الشاهد (واليمين وليس في كل موضع يقبل فيه الشاهد) 2 والنكول، وكذلك يمين المدعي مع النكول، وأما يمين المدعي مع قوة السبب فمثل يمين المشتري 3 في الاختلاف في ثمن المبيع بعد قبض السلعة لأن يمينه 4 قد قوي بالقبض، فأما المرأتان بانفرادهما ففي حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبًا كالولادة والاستهلال والرضاع وعيوب النساء وما أشبه ذلك.
وأما شهادة الصبيان واللوث واللقطة فقد ذكرناه وأما شهادة السماع ففي ما يتغير 5 ولا يزول وذلك مثل النسب والموت والولاء والحبس المتأبد وقيل في النكاح.
فأما كتاب القاضي فإنه يقبل في كل شيء من الحقوق والحدود ولا يثبت إلا بشاهدين إلا ما ذكرناه من الخلاف في كتابه بشهادة الزنا عنده، هذا جملة من القول في أقسام البينة والأحكام المشهود فيها ونحن نتكلم على تفصيلها.
فصل [3 - في إثبات حد الزنا]:
فأما قولنا إن الحد في الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال فقد بيناه في كتاب الحدود وقد ذكرنا توجيه الخلاف فيما يتعلق به، وإنما منعنا أن لا يقبل في أحكام الأبدان التي يطلع عليها الرجال إلا شهادة رجلين خلافًا لأبي حنيفة 1 أنه يقبل في جميعها شهادة النساء مع الرجال كالطلاق والرجعة والنكاح وغير ذلك إلا ما أوجب قتلًا أو حدًّا، فلقوله تعالى في الطلاق والرجعة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2 وهذا كناية عن ذكرين، واعتبارا بالقتل، وما يوجب الحد بعلة أنه من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال وهذا علة تستمر في التعديل والتجريح وكل ما هو من بابه.
فصل [4 - في قبول الشاهدين والشاهد والمرأتين في المال]:
وإنما قلنا إن الشاهدين والمرأتين يقبلان في المال أو ما يكون المقصود منه المال، لقوله جل ذكره ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ 3، ولا خلاف في ذلك 4.
فصل [5 - في الحكم بالشاهد واليمين في المال وحقوقه]:
وإنما قلنا إن الشاهد واليمين يحكم به في المال وحقوقه خلافًا لأبي حنيفة في منعه الحكم به على كل وجه 1، لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قضى باليمين مع الشاهد 2، ولأن كل حجة يسقط بها المدعى عليه عن نفسه المطالبة جاز أن تكون في جنبة المدعي، أصله البينة، ولأن الأصول موضوعة على أن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين سببًا لقوة سببه، وأن البينة يطالب بها أضعفهما سببًا لضعف سببه ألا ترى أنها تجب بالابتداء على المنكر لقوة سببه على المدعي لأن الأصل براءة ذمته مما أدعي عليه، وإذا صح ذلك فسبب المدعي قد قوي بالشاهد فوجب أن يكون اليمين في جنبته.
فصل [6 - في قصر الحكم باليمين والشاهد في الأموال دون الأبدان]:
وإنما قلنا إن ذلك في الأموال أو ما يتعلق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين والشاهد وقصرهم إياها على هذا النوع 3، ولأن حقوق الأموال أخفض رتبة من حقوق الأبدان بدلالة قبول النساء فيها، (وقد اختلف قوله في جراح العمد هل يجب القود فيها بالشاهد) 4 واليمين فعنه فيه روايتان: إحداهما أنه يجب به التخيير بين القود والدية ومن جنس 5 عمده ما لا يجب فيه إلا مال بخلاف النفس، والأخرى أنه لا يجب لأنه من حقوق الأبدان وهو الصحيح.
فصل [7 - في قبول شهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وحقوقها]:
وإنما قلنا إنه يقبل في الأموال وحقوقها شهادة امرأتين ويمين المدعي خلافًا للشافعي 1؛ لأنهما قد أقيما في الشرع مقام رجل واحد في الشهادة على الأموال لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ 2 فإذا جاز أن يحكم بشهادة الرجل مع اليمين جاز أن يحكم بشهادة امرأتين مع اليمين، ولأنهما إحدى شرطي شهادة المال كالشاهد الواحد، ولأنه سبب مؤثر في الحكم قويت به حجة المدعي فجائز 3 أن يحلف معه، أصله الشاهد الواحد.
فصل [8 - في الحكم بالشاهد الواحد ونكول المدعي عليه]:
وإنما قلنا إنه يحكم بالشاهد الواحد ونكول المدعى عليه خلافًا للشافعي 4 لأن النكول سبب مؤثر في الحكم فوجب إذا انضاف إلى الشاهد الواحد أن يحكم به، أصله يمين المدعي، ونبين تأثيره في الحكم أنه إذا نكل المدعى (عليه انتقلت اليمين إلى جنبة المدعي) 5 فحلف وكان نكوله كشاهد، ولأن الشاهد 6 أقوى من يمين المدعي بدليل أنه إنما يحتاج إلى اليمين مع عدم الشاهد وأن اليمين مختلف في دخولها في بينة المدعي والشاهد غير مختلف فيه، وأن
الشاهد يدخل في البينة في جميع الحقوق وأن اليمين 1 مضاف إليه وهو لا يضاف إليها وإذا ثبت تأكيده على اليمين ثم كان النكول إذا اجتمع مع أضعف السببين 2 يحكم به كان إذا انضاف إلى الأقوى والآكد أولى.
فصل [9 - في ثبوت الوكالة بالمال بشهادة رجل وامرأتين]:
ووجه القول في الوكالة بالمال إنها تثبت بشهادة رجل وامرأتين أنها شهادة على مقصود به المال كالشهادة على البيع والإجازة، ووجه منع قبولها أن الوكالة فعل بدن ليست بمال قال عبد الملك: لأن الشاهد واليمين لا يقبل فيهما فكذلك الرجل والمرأتان لأن أحدهما لا يقبل إلا حيث يقبل الآخر.
فصل [10 - في الحكم بشهادة امرأتين مع النكول]:
وإنما قلنا يحكم بشهادة امرأتين مع النكول لأنها أحد شرطي شهادة المال كالشاهد الواحد.
فصل [11 - في الحكم بيمين المدعي ونكول المدعى عليه]:
وإنما قلنا إنه يحكم بيمين المدعي ونكول المدعى عليه في الأموال وما يتعلق بها لأنها سببان مؤثران في تنفيذ الحكم فإذا اجتمعا وجب الحكم بهما كالشاهد واليمين وذلك أن النكول مؤثر في وجوب الحكم به إذا انضم إليه شاهد وامرأتان وكذلك كون اليمين في جنبة المدعى.
فصل [12 - في عدم الحكم بمجرد النكول]:
ولا يحكم بمجرد النكول دون أن ترد اليمين على المدعي فيما ترد فيه فإذا حلف حكم له على المدعى عليه 3، وقال أبو حنيفة إذا نكل المدعى عليه عن
اليمين كررت عليه ثلاث فإن حلف وإلا حكم عليه بنفس نكوله ولا ترد اليمين على المدعي هذا إذا كانت الدعوى في المال.
واتفقوا على أنه لا يحكم بالنكول في قتل العمد وجراحه، ثم اختلفوا في حكمه فعند أبي حنيفة أنه يحبس إلى أن يحلف أو يعترف، وعند أبي يوسف يحكم عليه بالدية 1 فالكلام معهم في موضعين: أحدهما: هل يحكم بالنكول بمجرده أم لا، والآخر هل يلزم رد اليمين على المدعي أم لا.
فدليلنا على أنه لا يحكم بمجرد النكول اتفاقنا على أنه لا يحكم به في دعوى دم العمد فكذلك في سائر الحقوق بعلة أنه نكول عن اليمين توجهت على المدعى عليه ولأنه نكول لا يحكم به دم العمد فلذلك في غيره أصله الأول والثاني ولأن البينة حجة للمدعي في إثبات ما يدعيه واليمين حجة للمنكر فيها ينفيه وقد ثبت أن المدعي لو قعد عن إقامة البينة لم يسقط حقه ولم يحكم عليه بضد ما ادعاه فكذلك المدعى عليه إذا قعد عن اليمين لأن المدعى عليه لو أمسك عن جواب المدعي أو قال لا اعترف ولا أنكر ولا أحلف لم يلزمه فهذا حكم وهو نكول على الأمرين عن الاعتراف وعن اليمين فكان بنكوله عن اليمين وحدها أولى.
ودليلنا على وجوب اليمين مع النكول قوله - صلى الله عليه وسلم - في القسامة "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا لم نحضر قال: فتبرأ لكم اليهود بخمسين يمينا" 2 وهذا رد اليمين، ولأن ذلك إجماع لأنه مروي عن عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب 3 رضوان الله عليهم ولا مخالف لهم ولأن الأصول موضوعة على أنه لا يحكم للمدعي على سبب واحد وإنما يحكم بسببين كالشاهدين، أو كشاهد ويمين، أو كشاهد وامرأتين، أو شاهد ونكول، فأما النكول وحده فإنه
سبب واحد فلابد أن ينضاف إليه غيره فإذا ثبت ذلك فليس إلا يمين المدعي، ولأن اليمين في الدعوى يتوجه على أقوى المتداعيين سببا ولذلك وجبت في الأصل على المنكر وانتقلت إلى المدعي إذا كان له شاهد، وإذا 1 ثبت ذلك فالمدعي في هذا الموضع أقوى سببا من المنكر لأن ذلك قد أضعف جنبته 2 بنكوله فانتقلت اليمين إلى جنبة المدعي.
فصل [13 - في الحكم باليمين مع قوة السبب]:
وأما اليمين مع قوة السبب فقد بيناه فيما تقدم من اختلاف الزوجين في قبض الصداق ومقداره والمتبايعين في مقدار الثمن والعرف في التداعي ووجه ذلك أن العرف أصل يقوى به سبب المدعي فإذا كان كذلك انتقلت اليمين إلى جهته كما لو كان معه شاهد ألا ترى أن العرف يرجع إليه ويحكم به إذا لم يكن هناك غيره مثل الخلاف إذا وقع في النقد والسير والحمولة وغيرها.
فصل [14 - فيما تقبل فيه شهادة النساء]:
وإنما قلنا إن شهادة النساء مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا من أحكام الأبدان في الجملة بانفرادهن 3 مثل عيوب النساء والولادة وما في معنى ذلك لأن الشهادة رتبت في الشرع على حسب الأشياء المشهود بها وتأكدها وضعفها وإمكان التوصل إلى إثباتها: فجعل في الزنا أربعة رجال لأنه غلظ فيه فجعل التغليظ من وجهين: أحدهما الجنس والآخر العدد، وجعل في القتل وغيره من حقوق الأبدان شاهدان رجلان فغلظ فيه من وجهة الجنس فقط لأنه لم يطلب
فيه من الستر ما طلب في الزنا، وجعل فيه القسامة مع اللوث لتأكد أمره لئلا يجتري الناس على الدماء.
وجعل في الأموال شهادة النساء مع الرجال لأنها أحفظ حرمة من الأبدان ودعت الضرورة في هذا الموضع أعني الولادة وما تعلق بها إلى قبول شهادتهن منفردات كما دعت إلى قبول شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح لأنها لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى إضاعة دمائهم كذلك في هذا الموضع لو لم تقبل شهادة النساء في الولادة وما يجري مجرها لأدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: أما إلى إضاعة الحقوق المتعلقة بها أو إلى أنا يحضر الرجال هذه المواضع ويطلعوا على عورات النساء وذلك باطل فلم يبق إلا قبولها.
جملة ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات ما ذكرناه من عيوب النساء التي لا يطلع عليها سواهن من الولادة والاستهلال والرضاع وما أشبه ذلك، ولا خلاف في هذا إلا في الرضاع فعندنا أنهن يقبلن فيه بانفرادهن عن الرجال، وقال أبو حنيفة 1 لا يقبلن فيه على انفرادهن 2، ودليلنا أنه لا يحضره الرجال في الغالب فجاز أن يقبلن فيه منفردات كالولادة والاستهلال، ولأنها شهادة على عورة لشهادة النساء مدخل فيه كالولادة.
فصل [15 - فيما ينضم إلى شهادة النساء]:
إذا ثبت أنّه لا يحتاج في ذلك إلى شهادة الرجال فعنه في شيء ينضم إلى شهادتهن روايتان: 3 إحداهما أنه لا يكفي في ذلك إلا أن يفشى ذلك عند الجيران أو يظهر وينشر، والأخرى أن شهادتهن مقبولة وإن لم يفشى *.
فوجه الأولى أن الرضاع وإن كان مما ينفرد به النساء فيتعلق به أحكام شرعية ولا يكاد يخفى أمره غالبا بل يظهر وينتشر ويفشو أمره ولا يكتم 1 فإذا شهدن به ولم يكن شيء مما ذكرناه ضعفت الشهادة ودخلها التهمة.
ووجه الثانية اعتباره بسائر العورات اللاتي يقبلن فيها وهذه أصح 2.
فصل [16 - في العدد الذي يكفي من النساء في الشهادة]:
وإنما قلنا إن العدد الذي يكفي منهن اثنتان خلافًا للشافعي في قوله أربع 3 ولغيره في قوله ثلاث 4 لأن كل جنس قبلت منه شهادة في شيء على انفراد (كفى منه شخصان أصله الرجال) 5، وإنما قلنا لا تكفي امرأة واحدة خلافًا لأبي حنيفة في قوله إذا كن ما بين السرة والركبة قبل فيه امرأة واحدة 6، لأنها شهادة في حق فلم يثبت بشهادة شخص واحد أصله سائر الحقوق لأن شهادة الرجل آكد وأقوى من شهادة النساء فإذا لم تقبل شهادة من رجل واحد فشهادة امرأة واحدة أولى.
فصل [17 - في قبول شهادة المرأة في الاستهلال]:
وإنما تقبل في الاستهلال 7 خلافًا لمن منع ذلك 8 اعتبارًا بالولادة والرضاع لأنّه لا يطلع عيه الرجال في غالب الحال.
فصل [18 - في قبول الشهادة على السماع]:
وإنما قلنا إن الشهادة على السماع 1 تقبل فيما لا يتغير حاله ولا ينتفل الملك فيه 2 لأن الضرورة تدعو إلى قبولها وإلا تلف الحق المشهود به لأن البينة لا تبقى على مر السنين وتطاول الأوقات وكان ثبوت الحق المشهود به مما يؤمن تغيره وزواله كالولاء الذي لا يصح نقله عن الملك بل يبقى ميراثًا وكالموت والنسب والوقف المحرم وما أشبه ذلك فجازت فيه شهادة السماع.
وصفتها أن يشهد شاهدان إنا لم نزل نسمع أن فلان بن فلان على مر السنين وتطاول الأوقات وليس للعدد 3 الذي يسمع منه الشهود حد محصور أكثر من ثلج النفس وثقتها إلى خبرهم فهي في معنى الخبر في المتواتر، ووجه قوله في النكاح إنها تقبل فيه أنه أمر ثابت لا يتغير إذا مات أحد الزوجين فأشبه الولاء والوقف، ووجه قوله إنه لا تقبل فيه أن أصله غير 4 مستقر بدليل جواز التنقل فيه فكان كالشهادة على الأملاك أنها تثبت بالسماع.
فصل [19 - في قبول كتاب القاضي إلى القاضي]:
وإنما قلنا إن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل وإنه يلزم المكتوب إليه تنفيذ ما فيه للضرورة إلى ذلك 5 لأنه لو لم يقبل لأدى إلى تلف الحق المشهود به لأن البينة التي للمدعي قد تكون بغير البلد الذي يحتاج إلى إقامتها به فلا يجوز تكليفهم السفر إليه ليشهدوا به وقد لا يكون هناك من يعرفهم بالعدالة فلم يبق إلا
شهادتهم في الموضع الذي هم به وكتاب الحاكم الذي يشهدون عنده إلى الحاكم الذي يحتاج إليه في إقامة الشهادة عنده بما ثبت عنده من الحق بشهادتهم وعلى ذلك مضى أمر السلف.
وإنما قلنا إنه لا يثبت إلا بشاهدين دون طابع 1 القاضي لأنه سبب يجب به تنفيذ الحكم فوجب أن لا يكون إلا بشاهدين أصله إقرار المدعي عليه، ووجه قوله في الزنا إنه يثبت الكتابة بشاهدين أن الشهادة بالكتاب 2 غير الشهادة بالزنا فإذا ثبت الكتاب بشاهدين فالحد يقام بشهادة الأربعة الذين شهدوا عند الحاكم الأول، ووجه القول بأنه لا بد من أربعة أن الحد يقام بكتاب الحاكم وما يقام به الحد من الشهادة لا يكون إلا بأربعة أصله الشهادة المباشرة.
فصل [20 - فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه]:
اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه هل يصلح تحملهم الشهادة أم لا وكذلك الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختمه وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم فعنه في ذلك روايتان 3: إحداهما أن الشهادة جائزة وإن لم يقرأ الكتاب والأخرى أنهم لا يشهدون به إلا أن يقرءوه وقت تحمل الشهادة، فوجه الجواز أنه أشهدهم على إقراره بما في الكتاب، عرفوه فصح تحملهم الشهادة أصله إذا قرآه عليهم، ولأن عمال النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت ترد عليهم كتبه فيعملون بما فيها من غير أن يقرءوها.
واستدل القاضي إسماعيل ابن إسحق بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع كتابا إلى عبد الله بن جحش 4 وأمره أن
يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه 1، ولأن الإنسان قد يكره أن يعلم غيره ما أقر به 2 ويحب طي ذلك وإخفاءه فلو لم تجز الشهادة عليه إلا إذا أظهره ونشره للحق في ذلك ضرر ومشقة، ووجه المنع قوله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ 3 وإذا لم يقرءوا الكتابة لم يعلموا ما يشهدون به فلم تجز شهادتهم، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن رأيت مثل الشمس فاشهد" 4 ولأن الخط قد يعمل عليه ويزور فلا يؤمن ذلك في الكتاب المطوي فإذا قرأه وعرف ما فيه أمنوا الحيلة فيه.
...
باب [شهادة الأعمى]
شهادة الأعمى جائزة في كل ما وقع له العلم به، وإنما يمنع فيما طريقه الرؤية فقط فيقبل على ما يلمسه أنه حار أو بارد أو لين أو خشن وفيما يذوقه أنه حلو أو حامض وفيما يشمه وكذلك فيما يسمعه 1، والدليل على ذلك أن العمى لا يؤثر في العلم بما يشهد من ذلك فكان فقد البصر كفقد غيره من الأعضاء في أنه لا يمنع قبول ما يتحمله من الشهادة به، فأما شهادته بالإقرار وما طريقه الصوت فيقبل عندنا سواء تحملها أعمى أو بصير ثم عمي خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنها لا تقبل إذا تحملها أعمى 2؛ لأن الصوت طريق لمعرفة الأشخاص والتمييز بين الأعيان شرعًا وعادة: أما الشرع فدليل مالك رحمه الله أن الصحابة والتابعين رووا عن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعلوم أنهم سمعوا منهن من وراء حجاب وإنما كانوا يميزون بين أشخاصهن بالصوت، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم 3، ولم يكونوا يفرقوا بينهما إلا بالصوت، ولأن الإقدام على الفروج أغلظ من الشهادة عليه بالحقوق وقد ثبت أن الأعمى يطأ زوجته وهو لا يعرفها إلا بالصوت فدل 4 ذلك إجماع على أن الصوت طريق يميز به بين الأشخاص.
وأما العادة 5 فهي أن الأعمى إذا تكرر عليه سماع صوت زوجته وولده
وصديقه وطال اجتماعه معه وكثير ألفه له وطروقه لسمعه وقع له العلم بذلك وبعد شبهه 1 بغيره وميز بين أشخاصهم لسماعه وصار ذلك له طريقا مستمرًا لا يخالجه 2 فيه شك ولا ريب، وإن جاز أن يخفي عليه إذا غير صوته في بعض الأوقات فإنه إذا تبينه زال عنه الشك فحكمه في هذا حكم البصير إذا رأى الشخص في الظلمة وأنه إذا تبينه وتأمله عرفه، وكذلك لو رأى من بعد عهده به أو من كان بعهده أمرًا والتحى فإنه يشتبه عليه اشتباها إذا حقق التأمل زال عنه، وإذا ثبت ذلك صح أن الصوت طريق يميز به بين الأشخاص فقبلت شهادة الأعمى معه.
فصل [1 - شهادة الأخرس، والشهادة على الشهادة]:
شهادة الأخرس جائزة إذا فهمت إشارته 3 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4 لأن الشهادة علم يؤديه الشاهد إلى الحاكم فإذا فهم منه بطريق يفهم من مثله قبلت كالناطق إذا أداها بالصوت، ولأنها معنى يحتاج إلى النطق ليقع الفهم به فإذا تعذر النطق به جاز أن تقوم الإشارة مقامه إذا وقع الفهم بها أصله الإقرار والطلاق.
الشهادة على الشهادة جائزة وهو قول كافة الفقهاء 5 إلا من حكي عنه 6 منعها 7؛ لأن عليًا رضي الله عنه أجازها 8 ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه، ولأن الشهادة طريقها الأمانة كالأخبار فإذا جاز النقل في أحدهما فكذلك في الآخر، ولأن شهادة العدل علي شهادة نفسه معنى يسوغ للحاكم الحكم به فجاز أن يشهد به عنده ويحكم به إذا شهد عنده الإقرار.
فصل [2 - في جواز الشهادة على الشهادة في الحقوق والحدود كلها]:
وتجوز في الحقوق والحدود كلها 1 خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها لا تجوز في القتل ولا في الحدود 2 ولأنه حق مشهود به فجاز أن تسمع فيه الشهادة على الشهادة كسائر الحقوق.
فصل [3 - في حكم ما إذا شهد اثنان على شهادة اثنين]:
إذا شهد اثنان على شهادة اثنين فإن شهد كل واحد منهما على شهادة كل واحد من الشاهدي الأصل قبلت 3 الشهادة، وإن شهد واحد على شهادة واحد وآخر لم تقبل 4 لأن شهادة كل واحد معنى يثبت عند الحاكم فلا يثبت بأقل من اثنين، وقد ذكرنا الخلاف في نقل الشهادة على الشهادة في الزنا وفي كتاب القاضي إلى القاضي بالزنا 5.
فصل [4 - في كفاية شهادة اثنين على اثنين]:
ويكفي أن يشهد اثنان على اثنين، وقال عبد الملك ولا يحوز إلا أن يشهد على الآخر اثنان سوى الاثنين الذين شهدا 6 على الأول وهو أحد قولي الشافعي 7، وإنما قلنا ذلك لأن شهود الفرع نقلوا 8 عن شهود الأصل والحق يثبت بشهود الأصل فصار الشاهدان كأنهما يشهدان بحقين فلم يحتج إلى غيرهما.
فصل [5 - رجوع الشهود عن شهادتهم]:
إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أن شهدوا وقبل حكم الحاكم، قبل رجوعهم ولم يحكم بتلك الشهادة في كل شيء شهدوا به وكذلك إن رجع بعضهم 1 خلافًا لمن قال إنه يحكم ولا يلتفت إلى رجوعهم 2 لأن الحكم إنما يكون بشهادة يثبت عليها ورجوعهم عنها يجعلهم بمنزلة من لم يشهد فيصير الحكم للثاني من قوليهما دون المرجوع عنه كالحاكم إذا اجتهد ثم بان له الخطأ قبل تنفيذ الحكم.
فصل [6 - رجوع الشهود بعد استيفاء الحكم]:
فإن رجعوا بعد استيفاء الحكم لم ينتقض برجوعهم ثم لا يخلو المشهود به أن يكون مالًا أو طلاقا أو قتلًا أو حدًّا، ولا يخلو رجوعهم أن يكون إخبارا عن غلط أو تعمد كذب 3 فمن شهد بمال فلما حكم به قالا غلطنا في الشهادة لم ينتقض الحكم ولم يرجع على من أخذ المال ويغرمانه للمشهود عليه، وإن رجع أحدهما غرم نصف الحق وقال عبد الملك في الغلط لا يرجع عليهما بشيء.
وإن قالا تعمدنا الكذب رجع عليهما بغير خلاف وكذلك لو رجع أحدهما بإكذاب نفسه غرم نصف المال، فإن شهدا بقتل أو قطع ثم رجع أحدهما أو كلاهما بعد الآخر غرمًا الدية إن كان غلط وإن كان عن عمد يقتص 4 منهما (ويغرمان الدية أيضًا هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب يقتص منهما) 5 في العمد وإن رجع أحدهما فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
وإن شهدا بطلاق ثم رجعا لم يغرما للزوج الصداق، فإن شهدا أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فاغترمه الحاكم نصف الصداق ثم رجعا غرما النصف الذي غرمه، ولو شهدا على دخوله بزوجته عنده وهو مقر بالنكاح 1 منكر للدخول ثم رجعا عن شهادتهما غرما نصف الصداق، ولو شهدا أنه أعتق عبدا له ثم رجعا عن شهادتهما 2 غرما قيمته، ولو كانت الشهادة بتنجيز 3 عتق مكاتب غرما قيمة كتابته أو ما بقي منها فإن شهدا بإعتاق أم ولد فلا غرم عليهما.
فصل [7 - في القول بأن رجوعهم بعد استيفاء الحق لا ينتقض به الحكم]:
وإنما قلنا إن رجوعهم بعد استيفائهم 4 الحق لا ينقض به الحكم خلافًا لمن حكي عنه ذلك 5 لأن رجوعهم إن كان إكذابًا لهم لأنفسهم فذلك تفسيق منهم لأنفسهم والحكم لا ينقض بقول فاسق وإن كان عن غلط فيجوز أن يكونوا غلطوا في الثاني فلا يقبل قولهم وقد تعلق بالأول حق للمشهود له فلم يجز إبطاله بدعواهم.
فصل [8 - في غرامه ما رجع عليه الشهود]:
وإنما قلنا إنهم يغرمون ما أغرم المشهود عليه من المال خلافا لعبد الملك في منعه ذلك بالغلط 6 لأنهم في العمد مقرون بإتلاف مال غيرهم لأنهم اضطروا الحاكم إلى أن أغرمه ما شهدوا به فلزمهم غرمه، وقلنا ذلك في الغلط لأنهم بإتلافهم كالعمد، وقلنا في رجوع أحدهما أنه يغرم النصف لأن الإتلاف
لم يكن به وحده ولزم قدر ما أتلف بشهادته كالمشتركين في قتل خطأ يلزم كالواحد منهم من الدية بقسطه وكذلك المخطيء مع العامد يلزم المخطىء نصف الدية.
فصل [9 - في الرجوع عن الشهادة بقتل أو قطع]:
وإنما قلنا في الرجوع عن الشهادة بقتل أو قطع أنه إن كان ذلك بغلط غرما الدية لما قدمناه، لا يقتص منهما لأن القصاص لا يكون إلا في العمد المحض.
ووجه القول أنه لا يقتص منهما في العمد أن شهادتهما سبب لا مباشرة فلا يجب بها القود، ولأنه غير ملجيء لأن الحاكم قد كان يمكنه أن ينعزل 1 فلا يحكم.
ووجه إيجاب القود ما روي عن علي رضوان الله عليه أنه جاءه شاهدان فقالا: نشهد أن هذا سرق فقطعه ثم جاآه بآخر فقالا أوهمنا هو هذا فرد قولهما الثاني، وقال: لو أعلمكما تعمدتما لقطعتكما 2، ولم يحفظ خلاف عليه ولأن الشهود إذا كان ظاهرهم العدالة وأدوا الشهادة إلى الحاكم لزمه الحكم بشهادتهم في حقوق الله ولمن 3 يطلبه إذا ثبت له من الآدميين فقد صار ملجأ بشهادتهما فكان الشاهد 4 كالمكره لغيره على القتل ويلزمه القود ولا يجب على هذا أن يكون على الحاكم القود كالمكره لأن القاتل مكرها مباشر بما لم يكن له أن يباشره، والحاكم لم يباشر قتلًا محرما وإنما باشر أمرًا أوجبته الشريعة فاقترقا.
وإنما قلنا إنهما إذا شهدا بطلاق قبل الدخول أو بعده ثم رجعا فلا غرم عليهما
خلافًا للشافعي في قوله يرجع عليهما بمهر المثل أو بكمال المهر 1 لأن بالدخول قد استحق عليه المهر كاملا وبالعقد نصفه وإن كان لم يدخل لم يتلفا على الزوج شيئًا بشهادتهما فلا يلزمهما غرم.
فصل [10 - في رجوع الشهود بالزوجية وبالطلاق]:
وإنما قلنا إنهما إذا شهدا بالزوجية وبالطلاق قبل الدخول ثم رجعا فإنهما يغرمان نصف المهر لأنهما قد أتلفاه عليه بشهادتهما فلزمهما غرمه اعتبارًا بشهادة المبتدأة بالمال ويفارق الأول لأن المهر كان مستحقًا عليه بالعقد الثابت.
فصل [11 - في رجوع الشهود بزوجة يقر بنكاحها]:
وإنما قلنا إنهما إذا شهد بدخوله بزوجة يقر بنكاحها ثم رجعا فإنهما يغرمان نصف الصداق فلأن ذلك القدر هو الذي أتلفاه بشهادتهما لأن النصف مستحق عليه بالعقد فلم يتلفاه عليه لما قدمناه، والثاني لا يستحق إلا بالدخول والدخول لم يثبت إلا بقولهما فإذا رجعا عن الشهادة فقد اعترفا أنهما أتلفاه عليه فيلزمهما غرمه.
فصل [12 - في رجوع الشهود بعتق عبده]:
وإنما قلنا إنهما إذا شهدا عليه بعتق عبده ثم رجعا أنهما يغرمان قيمته لأنهما أتلفاه عليه فيلزمهما غرم قيمته كما لو شهد عليه بمال لرجل، وقلنا في المكاتب يغرمان الكتابة لأنها المتلفة دون الرقبة، وقلنا في أم الولد لا يغرمان لأنهما لم يتلفا بشهادتهما إلا الاستمتاع ولا قيمة لذلك.
فصل [13 - إذا حكم بشهادة شهود ثم قامت بينة بعد ذلك بفسقهم]:
إذا حكم الحاكم بشهادة شهود ثم قامت بعد الحكم بينه بفسقهم فلا ضمان عليه فيما أتلف بشهادتهم ولو قامت بينه برقهم أو كفرهم ضمن، والفرق أن
العدالة والفسق طريقهما الاجتهاد وإذا انفرد الحاكم 1 باجتهاد لم ينقض باجتهاد مثله، وليس كذلك الحكم بشهادة العبيد والكفار 2 لأن ذلك لا اجتهاد فيه إذ لا يخفي الكفر والرق لأنهما خلافه أمر ظاهر فالحكم مع ذلك مقصر في اختبار 3 حال الشهود فضمن الحاكم بتفريطه.
...
باب [- في الدعوى والبينات]
إذا تداعى 1 رجلان شيئًا فالتقسيم يرجع إلى ثلاثة أشياء، أحدها إلى اليد والثاني إلى البينة والثالث إلى صفة الدعوى، فأما حكم اليد فينظر فإن كانت الدعوى متساوية مثل أن يدعي كل واحد جميعه فإن لم يكن في أيديهما وكان في يد من لا يدعيه لنفسه لم يحكم لأحدهما إلا ببينة فإن أقام أحدهما بينه حكم له به، وإن أقام الآخر بينة نظر إلى أعدل البينتين فحكم به فإن تساويا في العدالة 2 عرضت اليمين عليهما فإن نكل أحدهما حكم للحالف وإن حلفا قسم بينهما وإن نكلا تركا على ما كانا عليه، وإن كان ذلك الشيء في أيديهما فالحكم فيه مثل مالوا لم يكن في أيديهما سواء.
وإن كان في يد أحدهما فهو أولى به من المدعى الذي لا يد معه فيحكم له به مع اليمين، فإن نكل حلف المدعي وحكم له به وإن نكل أقر على 3 يد من هو في يده فإن أقام المدعي بينة فالبينة أولى من اليد ..
وإن أقام صاحب اليد بينه حكم بأعدل البينتين فإن تساويا سقطتا وكان صاحب اليد أولى، وسواء كانت الدعوى في ملك مطلق غير مضاف إلى سبب (أو في مضاف إلى سبب) 4 يتكرر أو لا يتكرر فالمطلق أن يقيم بينة بأن (هذا العبد ملكه وأن) 5 هذا الشيء له هكذا مطلقا، وغير المطلق هو المضاف إلى سبب
وهو أن يبين سبب الملك مثل أن يقيم بينة بأن هذا العبد ملكه ولد في ملكه وأن هذه الدابة نتجت في ملكه وأن هذا الثوب ملكه 1 نسج في ملكه، ثم هذا السبب على ضربين متكرر يمكن أن يتكرر في الملك مثل الغراس إذا قال كل واحد منهما غرسته في ملكي فهذا يمكن أن يتكرر بأن يغرس دفعتين وكذلك نسج الثوب الخز على ما يقوله أهل صنعته يمكن أن ينسج دفعتين، ومنه ما لا يمكن تكراره كالولادة والنتاج ونسج لثوب القطن.
وأما التقسيم على البينة فهو أن يقال إذا تداعى رجلان شيئًا فلا يخلو أن يكون مع كل واحد بينة أو لا بينة أو مع أحدهما أو أن تكون البينة مع أحدهما ولا بينة مع الآخر فإن أقام كل واحد منهما بينة نظر إلى أعدلهما فحكم به، وإن تساويا عرضت الأيمان عليهما فإن حلفا حكم به لصاحب اليد (منهما أو قسم بينهما إن لم يكن يدا وكان في أيديهما، وإن لم تكن مع أحد منهما بينة عرضت الأيمان عليهما فإن حلفا قسم بينهما، (وإن كان مع أحد منهما يد كان لصاحب اليد) 2، وإن كان مع أحدهما بينة ولا بينة مع الآخر حكم به لصاحب البينة سواء كان صاحب اليد أو الخارج إلا أن صاحب اليد لا يكلف بينة ابتداء لأن اليد مغنيه عنها) 3.
وأما التقسيم 4 على صفة الدعوه لا يخلو أن تكون الدعوى متساوية أو مختلفة 5: فإن كانت متساوية فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانت مختلفة مثل ثوب أو كيس 6 يدعي أحدهما جميعه ويدعي الآخر نصفه، أو يكون بين ثلاثة يدعي أحدهم كله والآخر نصفه ويدعي الثالث ثلثه فإن تقسيم اليد والبينة
على ما قدمناه لا يخلو أن يكون في أيديهم أو في يد غيرهم ممن لا يدعيه لنفسه أو في يد أحدهم، ثم لا يخلو أن يكون مع أحدهم بينة أو أن يكون مع كل واحد منهم بينة: فإن كان مع أحدهم بينه حكم له به كان في يده أو في أيديهم أو في غيرهم، وإن كان مع كل واحد منهم بينة حكم بأعدلها أو لا بينة لهم جميعًا عرضت الأيمان عليهم ثم قسم بينهم، فإن لم يكن في أيديهم قسم على موجب دعواهم، وإن كان في أيديهم فاختلف في ذلك على وجهين: أحدهما أنه يقسم على عددهم والآخر على موجب دعواهم على ما نبينه من بعد ونحن نتكلم على تفصيل الجملة 1 وموضع الخلاف منها.
فصل [1 - أدلة الحكم فيما إذا لم يكن الشيء المدعى عليه في أيديهما أو كان في يد من لا يدعيه]:
وإنما قلنا إنه إذا لم يكن الشيء المدعى عليه في أيديهما أو كان في يد من لا يدعيه لنفسه أو لم يكن في يد أحد فإنه لا يحكم به لأحدهما إلا ببينة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دم قوم وأموالهم" 2، وقال للمدعي "شاهداك أو يمينه" 3، ولأنهما متساويان في الدعوى لا يرجع أحدهما على الآخر فلم يكن أولى منه.
فصل [2 - في الحكم لمن أقام البينة منهما]:
وإنما قلنا إن من أقام البينة منهما حكم له به لقوله - صلى الله عليه وسلم - "البينة على
المدعي" 1، وقوله "شاهداك أو يمينه" 2 ولأنه قد أتى بالسبب الدال على صدقه فيما ادعاه فوجب الحكم به له، وإنما قلنا إن الآخر إذا أتى ببينة نظر إلى أعدلهما فرجحت على الأخرى، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الزيادة في العدالة لا يقع بها ترجيح 3، لأن الشهادة تقف صحتها على العدالة وهي مبنية 4 على الاجتهاد فكانت الزيادة فيها مطلوبة لأنها أبلغ في التوثيق وأقرب إلى صحة ما يشهد به، ولأن الشهادة أقوى من الخبر لأنه نص فيها على العدد فلم يقبل فيها قول العبد ولا المرأة بانفرادهما وفي الخبر لم ينص على عدد ولم يمنع في العبد ولا المرأة، ثم كانت صفة العدالة يقع بها الترجيح في الخبر فمن كان (أعدل وأوثق كان) 5 أولى بأن يصار إلى خبره كان في الشهادة أولى ولا يلزم على ما قلناه زيادة لأنه منصوص عليه فأغنى عن الاجتهاد.
فصل [3 - إذا تساويا في الشهادة]:
وإنما قلنا إذا تساويا في العدالة سقطتا لأن إحداهما ليست بأولى من الأخرى فكانا كمن لا بينة معهما، وإنما قلنا تعرض الأيمان عليهما فلأن اليمين أحد الحجج للمدعي، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم به للحالف لأنه قد ساوى صاحبه بالبينة وزاد عليه باليمين فكان أرجح منه، وإن حلفا قسم بينهما لأن التقادم إذا وجد لم يكن أحدهما أولى من الآخر لتساويهما فيما يقتضي الحكم به لمن يثبت له فلم يبق إلا ما قلناه، وقد قال مالك إلا أن يكون ذلك
الشيء شيئًا 1 مما يرى الإِمام أن يقف الحكم فيه فلا يقسم بينهما والنظر هو الأول، وإنما قلنا إنهما إذا نكلا تركا على ما كانا عليه فلأن تساوي 2 البينتين يمنع الحكم مع إحداهما، وإنما عرضنا الأيمان عليهما ليرجع أحدهما فيحكم له فأما إذا لم يوجد ذلك فقد أضعفا دعواهما فتركا على ما كان عليه.
فصل [4 - إذا كان الشيء المدعى في أيديهما]:
وإنما قلنا إن الشيء المدعى إذا كان في أيديهما فالحكم فيه مثل ما قدمناه فإنه لا رجحان لأحدهما على الآخر لأن اليد وإن كان الترجيح يقع بها لمن 3 حصلت له فقد تساويا فيها فكان كتساويهما في البينة.
فصل [5 - إذا كان الشيء المدعى في يد أحدهما]:
وإنما قلنا إن كان في يد أحدهما كان أولى من المدعي الذي لا بينه له مع يمينه لأن اليد ظاهرها يدل على الملك فقد حصل أقوى سبب من المدعي فكانت البينة على الخارج.
وإنما كانت اليمين على صاحب اليد لأنَّه مدعى عليه وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "اليمين على المدعى عليه" 4، ولأنه أقوى سببا باليد والحيازة واليمين تكون في جنبه أقوى المتداعين سببا، وإنما لم يحكم له بمجرد اليد دون اليمين لأن السبب الواحد لا يحكم به دون أن ينضاف إليه غيره كالشاهد الواحد.
فصل [6 - إذا نكل المدعى عليه]:
وإنما قلنا إنه إذا نكل انتقلت اليمين (إلى جنبة المدعى لأن سببه قد ضعف بنكوله فصار المدعى أقوى سببا منه فانتقلت اليمين إلى جهته) 5 كما أن
المدعى عليه يكون اليمين في جنبته لقوه سببه ببراءة الذمة في الأصل وإذا كان مع المدعي شاهد انتقلت اليمين إليه لقوة سببه.
إنما قلنا إنه إذا حلف المدعي حكم له به لأنه قد اجتمع له سببان يمينه ونكول خصمه وذلك مؤثر في الحكم، وإنما قلنا إنه إذا نكل أقر صاحب اليد لأن نكوله 1 أضعف دعواه وصار كأنهما لم يتأتيا بشيء ورجح الآخر عليه باليد.
فصل [7 - إذا كان للمدعي بينة]:
إنما قلنا إذا كان للمدعي بينة كانت أولى من اليد لأنها أرجح منها لأن البينة تشهد بما لا تشهد به اليد لأن اليد مبهمة 2، والبينة مفسرة، وإنما يحكم لليد بالظاهر ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "البينة على المدعي" 3 ولم يفرق، وفائدة ذلك أنه إذا أقامها حكم له بها.
وإنما قلنا إن صاحب اليد إذا أقام بينة رجح بأعدل البينتين لما بيناه أن الغرض بالبينة العدالة والحكم بها موقوف على حصولها فوجب الترجيح بالزيادة فيها.
فصل [8 - إذا تساوى المدعيان]:
وإنما قلنا إنهما إذا تساويا حصل التهاتر وحكم به لصاحب اليد خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن بينة الخارج أولى إذا كانت في مال مطلق أو مضاف إلى سبب يتكرر 4 لما روي أن رجلين تداعيا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيرا فجاء هذا ببينة فقضى به
لمن هو في يده 1، ولأنها متداعيان يتساويا في إقامة البينة وانفراد أحدهما باليد فوجب أن تقدم بينته لأجل اليد أصله الدعوى في الملك المضاف إلى سبب لا يتكرر كالولادة والنتاج 2، ولأن كل واحد منهما مساو لصاحبه في الدعوى قبل البينة إلا أن صاحب اليد أقوى وأرجح بثبوت يده على الشيء المدعي فلما انفرد بذلك قوي أمره فقدم على المدعي لرجحانه باليد، وهذه حالهما بعد البينة لأنهما قد تساويا فيها وسقطتا وصار كأنهما لم يكونا فانفرد صاحب اليد بيده كما كان قبل البينة، وإنما عرضنا الأيمان عليهما بعد تهاتر البينتين اعتبارًا بحال الابتداء.
فصل [9 - الاختلاف في الدعوى]:
فأما اختلاف الدعوى مثل أن يتداعى رجلان ثوبا أو كبشًا 3 وهو بأيديهما يدعي أحدهما الكل والآخر النصف أو ثلاثة ويدعى الثالث الثلث فقد ذكرنا أن أصحابنا يختلفون في كيفية قسمته بينهم فمنهم من يقول تقسم بينهم على عدد المدعين 4 بالتسوية ومنهم من يقول يقسم بينهم على صفة اختلاف الدعوى.
وصورة القول الأول أن يتداعى رجلان كبشًا أو ثوبًا وهو بأيديهما يدعي أحدهما الكل والآخر النصف فيكون بينهما نصفين وكذلك إن ادعاه ثلاثة يدعى الثالث الثلث يكون بينهم أثلاثا، وصورة الحكم على موجب الاختلاف في الدعوى في المسألة الأولى أن يحكم لمدعي الكل بثلاثة أرباع المدعى ولمدعي النصف بربعه فيقسم بينهم على أربعة أسهم.
وفي المسألة الثانية إذا ادعى أحدهم الكل والثاني النصف والثالث الثلث يقسم بينهم على ستة وثلاثين جزءًا 1 منها لمدعي الكل خمسة وعشرون ولمدعي النصف سبعة ولمدعي الثلث أربعة أسهم، واحتج من ذهب إلى القول الأول بأنهم متساوون 2 في أسباب الحكم والترجيح لأنهم قد تساووا في اليمين وفي الحيازة لأن مدعي الأكثر مساو لمدعي الأقل في اليد، وإنما يزيد عليه بالدعوى وذلك لا يوجب زيادة في الحيازة، وإذا لم يكن معهم ما يرجح به أحدهم على الآخر وجب تساويهم في القسم فأما إذا لم يكن في أيديهما فعلى موجب الاختلاف.
واحتج من ذهب إلى القول الثاني بأن قال إذا ادعى أحدهما الكل وادعى الآخر النصف فمدعي النصف مقر بأنه لا حق له في النصف الآخر فصار النصف الذي يدعيه كان كمدعي الكل قد حازه وليس أحد يخاصمه فيه فيكون له ويصير التداعي في النصف الباقي فيقسم بينهما لتساويهما في حيازته، وكذلك في المسألة الثانية يقال لمدعي النصف ومدعي الثلث أنتما مقران بأن بالنصف الباقي لا حق لكما فيه فسلماه إلى مدعيه إذ لا خصومة بينكما وبينه فيه فيصير النصف لمدعي الكل (ويحصل التداعي بين مدعي النصف ومدعي الثلث) 3 فيقال لمدعي الثلث أنت معترف بأن السدس الزائد على الثلث لا حق لك فيه فسلمه إلى من يدعيه فيصير بين مدعي الكل وبين مدعي النصف وأيديهما متساوية فيه فيقسم بينهما نصفين فيصير لمدعي الكل سبعة أسهم من اثنى عشر سهما ولمدعي سهم من اثنى عشر بهما ثم يبقى الثلث وهم يتداعونه بالسوية وأيديهم عليه متساوية فيقسم بينهم على موجب دعواهم بالسوية فيكون لكل واحد سهم وثلث (فيصير لمدعي الكل ثمانية وثلث من اثنى عشر سهمًا ويصير لمدعي النصف سهمان وثلث من اثني عشر سهمًا، ولمدعي الثلث سهم وثلث) 4 فيضرب في مخرج
الكسر لتسلم السهام فيكون سته وثلاثين وكذلك الاعتبار في اختلاف التداعي في الأنصباء.
ومن أصحابنا من يقول في التداعي إذا اختلف ما يدعيه كل واحد منهما أنهما إذا أجمعت الدعاوى فكانت زيادة على المال كالعول قسم بينهم على موجب العول فضم الدعوتين ثم ينظر إلى ما اجتمع بيده فجعل النصاب الذي يقسم عليه وهذا على القول بأن القسم موجب الدعوى وبيانه: إذا تداعى رجلان ثوبًا وادعى أحدهما جميعه والآخر نصفه يكون كأن المسألة عالت بالنصف فيكون من ثلاثة لمدعي الكل الثلثان ولمدعي النصف الثلث.
(وإذا ادعى أحدهما الكل والآخر النصف والآخر الثلث) 1: قسم المدعي بينهم على أحد عشر سهما لمدعي الكل ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعى الثلث اثنان قال: لأنهم إذا تساووا في اليد وضاق المال على الدعاوى لم يكن أحدهم بأولى من الآخر فيجب أن يتساووا في النقص 2.
فصل [10 - إذا تداعيا ثوبًا بأيديهما]:
ولو تداعيا ثوبًا بأيديهما فقال أحدهما: لي نصفه، والنصف الثاني لزيد، وقال الآخر لي نصفه، ونصفه لزيد ولا شيء لك فيه: قسم بينهما لأن كل واحد منهما يقر للغائب بنصيب الآخر الذي قد حازه فلا يكون للمقر له شيء 3.
فصل [11 - فيمن ادعى تزوج امرأة تزويجا صحيحا]:
إذا ادعى أنه تزوج امرأة تزويجًا صحيحًا سمعت دعواه ولم يكلف أن يذكر شرائط النكاح 4 خلافًا لأحد قولي الشافعي في قوله إن الدعوى لا تسمع إلا
بأن يذكر شروط الصحة فيقول تزوجتها بولي وشهود عدول بإذنها إن كانت ممن تستأذن 1، ودليلنا أنه دعوى عقد صحيح فوجب استماعها أصله إذا ذكر 2 شروط صحتها، ولأنه عقد معاوضة فوجب أن يسمع الدعوى فيه على الصحة مجملة من غير اعتبار بذكر شروط الصحة أصله البيع.
فصل [12 - إقرار أحد الابنين بمن ادعى دينا على أبيهم الميت]:
إذا مات رجل وترك ابنين فادعى رجل على الميت دينا فأقر له أحدهما فإن كان ممن تقبل 3 شهادته (وشهد له به حلف المدعي واستحق جميع الدعوى وإن كان ممن لا) 4 تقبل شهادته ولكنه لم يكن يشهد لزمه نصف ما اعترف له به وهو مقدار ما كان نصيبه لو اعترف الابن الآخر أو قامت له بينة 5 وقال أبو حنيفة يلزم المقر الإرث في حصته 6.
وإنما قلنا إنه إن شهد به لزم مع اليمين جميع الدعوى لأنها دعوى مال فقبل فيها الشاهد مع اليمين كسائر الدعاوي، وإنما قلنا إن شهادة الابن مقبولة لأن شهادة الأخ على أخيه مقبولة فيما يتعلق بدفع معرة عن الشاهد أو الأخ، ولأن التهمة عنه زائلة في ذلك، وإنما قلنا إنه يلزمه بإقراره لأنه مقر بأن غيره يستحق ما لا في يده فلزمه دفعه إليه.
وإنما قلنا إنه لا يلزم الآخر شيء بإقرار أخيه لأن إقرار الإنسان 7 على غيره غير مقبول، وإنما قلنا لا يلزم المقر أكثر من قدر ما كان يلزمه لو أقر الآخر لأن
إقراره عليه وعلى أخيه فلم يلزم ظلم غيره، ولأنه معنى يستحق في المال مقدم على الميراث فوجب إذا اعترف به بعض الورثة أن تلزمه في حصته دون حصة من لم يعرف أصله الوصية.
فصل [13 - اختلاف الزوجين في متاع البيت]:
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فادعى كل واحد منهما أنه له ولا بينة لهما ولا لأحدهما نظر: فإن كان من متاع النساء فهو للمرأة مع يمينها، وإن كان من متاع الرجال فهو للرجل مع يمينه، وقال سحنون ما يعرف لأحدهما فهو له بغير يمين وما كان يصلح لهما جميعًا فهو للرجل مع يمينه، وقال المغيرة هو بينهما بعد أيمانهما وسواء كان اختلافهما قبل الطلاق أو بعده كانت الدار بينهما أو لأحدهما أو بكراء كان الاختلاف منهما أو ورثتهما أو من ورثة أحدهما مع حياة الآخر كانا حرين أو عبدين أو إحداهما كانت الزوجة مسلمة أو ذمية.
والمتاع الذي يصلح للنساء كالحلي وثياب النساء والغزل والجهاز والمتاع والذي يصلح للرجل كالسيف والدرع والرمح وسائر السلاح وثياب الرجل وكتب العلم والأدب، والذي يصلح لهما جميعًا كالدراهم والدنانير وغير ذلك مما لا يختص في العرف بأحدهما سواء كانت أيديهما عليه شاهدة مثل أن يكونا قابضين عليه حكما مثل خشب موضوعة في الدار 1.
ووافقنا أبو حنيفة في ذلك كله إلا في الذي يصلح لهما فإنه فرق في ذلك بين الرجل إذا كان حيا أو ميتا فقال: إن كان حيا فهو له وإن كان ميتا فهو للمرأة 2، وقال الشافعي من أقام البينة علي شيء فهو له وإلا كان بينهما بعد أيمانهما 3.
فصل [14 - في أن ما يصلح لأحدهما يكون له]:
وإنما قلنا إن ما يصلح لأحدهما يكون له لأن اليد لما كانت مؤثرة في الملك ودلت عليه بدليل أن من ادعى عمامة على رأس رجل فإن القول قول من هي عليه، وقد ثبت أن لكل واحد من الزوجين يدا في الدار بدليل أن أجنبيًّا لو أدعى بعض ما فيه فتنازعاه أو أحدهما فيكون القول قوله دون الأجنبي فوجب إذا تنازعا أن يعتبر أظهرهما في الدعوى ومن يشهد له العرف بقوة دعواه وقد ثبت أن اليد تتفاضل فيكون بعضها أقوى من بعض كالراكب والممسك باللجام، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون أقوى اليدين أولاهما بالمدعى لشهادة العرف له.
ولا يلزم عليه الدباغ والعطار إذا تنازعا فادعى الدباغ المسك وادعى العطار الجلود لأن أيديهما غير متساوية وقد ورد الظاهر والسنة بما قلناه وهو قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ 1، وقوله عَزَّ وَجَلَّ في قصة يوسف عليه السلام 2 ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ 3 فجعل قوة دعوى كل واحد منهما على ما يشهد عليه الغالب فكذلك في مسألتنا الغالب والعرف أن النساء يتخذن ما يصلح لهن والرجال يتخذون ما يصلح لهم وإذا صح ذلك ثبت ما قلناه، وروي أن رجلان تنازعا في خص 4 فحكم به لصاحب القمط 5 6 وهو يؤيد ما نقوله من الحكم بالأشبه في الدعاوى.
فصل [16 - الحكم فيما كان يصلح لهما]:
ووجه قوله إنه يحكم به لمن يصلح بيمينه أن الحكم في الأصول لا يكون إلا
بشيئين فلم يجز الحكم له بمجرد العرف لأن ذلك حكم بسبب واحد، ووجه قول سحنون إنه له بغير يمين أن يده والعرف الشاهد له سببان فلم يحتج إلى يمينه.
ووجه قول مالك إن ما كان لهما كان للرجل أن جنبته 1 أرجح لأن البيت له وهي متابعة له فيه والظاهر ما يكون في بيت الرجل له إلا ما يشهد العرف أن الأغلب كونه للمرأة.
وإنما شرطنا اليمين ليحصل له سببان يحكم له بهما، ووجه قول المغيرة أنه بينهما وأن أيديهما متساوية ولا شبهة فيحكم به، والبيت منسوب إليهما لا إلى الرجل وحده فلم يبق إلا أن يكون بينهما بعد 2 أيمانهما كالمتداعيين شيئًا بأيديهما.
فصل [17 - في عدم التفريق إذا كان الزوجان حرين أو عبدين]:
وإنما لم يفرق بين أن يكونا حرين أو عبدين وسائر ما ذكرناه لأن كل ذلك لا يؤثر في الدعوى بقوة ولا ضعف ولا شبهة فلذلك استوى الحكم في جميعه وإنما لم نفرق بين الحياة والموت لأن الورثة يقومون مقام مورثهم على سبيل ما كان له أن يفعل ألا ترى أنه لو اشترى بالخيار لم يكن لهم أن يفرقوا المبيع على البائع وكان لهم اختيار الجميع أو رده وكذلك ها هنا.
فصل [18 - إذا مات رجل وعليه دين وله دين فيه شاهد واحد]:
إذا مات رجل وعليه دين وله دين فيه شاهد واحد فللورثة أن يحلفوا مع الشاهد ويستحقوا الدين، فإذا حلفوا وأخذوا المال قضي منه الدين ثم أخذوا (الباقي ميراثا فإن لم يفضل شيء فهم مخيرون إن شاءوا حلفوا مع الشاهد ويستحقون الدين فإذا حلفوا أخذوا المال فقضوا منه الدين ثم أخذوا) 3 فضلا
إن كان وإن شاءوا لم يحلفوا وليس للغرماء إجبارهم على اليمين فإن لم يحلفوا حلف الغرماء واستحقوا الدين في ديونهم فإن كان فيه فضل عن ديونهم لم يستحقه الورثة فإن أرادوا من بعد أن يحلفوا لم يكن لهم ذلك إلا أن يكون لامتناعهم أولا وجه مثل أن يقولوا لم نعلم أنه يفضل منه شيء وكنا نرى أن الدين يستغرقه فيكون لهم أن يحلفوا (ويستحقوا الباقي، وإن كان امتناعهم على وجه النكول والترك لم يكن لهم أن يحلفوا من بعد، وكذلك) 1 لو ادعى إنسان على الورثة أن ميتهم أوصى له بمال وأقام على ذلك شاهدا واحدا فله أن يحلف معه فإن نكل الوارث أو مدعي الوصية للورثة وبرأ وحلف الورثة لمدعي الوصية وبرؤوا من نكل منهم لزمه ما يدعي عليه مع الشاهد، ويقيم الورثة الذين بقدر مواريثهم والموصى لهم يقسمون على حسب ما يدعى من الوصية، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم فلمن حلف نصيبه من الدين أو الوصية ولا شيء لمن لم يحلف، ولا يشارك الحالف في قسطه ولكن يعرض اليمين على المدعى عليه ويكون الحكم على ما بيناه 2. فصل [19 - في حلف الورثة مع شاهد ميتهم]: وإنما قلنا إن للورثة أن يحلفوا مع شاهد ميتهم لأنهم يقومون مقام (الموروث في حقوق الإرث فلما كان للميت لو كان باقيا أن يحلف مع شاهده كان ذلك) 3 للورثة بعده، وإنما قلنا إنهم إذا أخذوا المال بالشاهد وأيمانهم قضوا منه الدين ثم ورثوا الباقي لأن الدين مقدم على الميراث 4 لقوله تعالى ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ 5 فإذا قضوا استحقوا الباقي لوجوبه لهم ...