شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحة 7
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ما يجبر عليه المالك في حق البهائم عند عجزه عن القيام بحقها

قال رحمه الله: [فإن عجز عن نفقتها أجبر على بيعها].
بعد أن بين رحمه الله الأصل وهو: وجوب النفقة على البهيمة، شرع في المسائل الطارئة، وقدمنا أن هذا من دقة العلماء رحمهم الله، ومن تسلسل الأفكار عندهم، فإنهم يذكرون الأصل ويذكرون ما خرج عن الأصل، وهو المستثنيات والأمور الطارئة فمما امتازت به الشريعة في أحكامها وتشريعاتها أنها لا تقف فقط عند الحكم، بل إنها تبين الحكم والأثر المترتب على الحكم، وما يطرأ مما يمنع من وقوع الأثر أو كمال الأثر أو يضر بالأثر، ولا شك أن العلماء رحمهم الله اعتنوا به، ولذلك بين المصنف ذلك بقوله: [فإن عجز].
وعجز المالك أمر طارئ والأصل أنه ينفق، لكنه إذا عجز أو كان فقيراً لا يستطيع أن ينفق، فالحكم ما سيذكره المصنف رحمه الله.

إجباره على البيع أو التأجير

قال: (أجبر على بيعها).
أي: أجبر على بيع بهائمه التي عجز عن الإنفاق عليها، وهذا هو الأصل.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله فيه على قولين مشهورين: فجمهور العلماء على أن المالك إذا عجز عن شراء العلف وقال: لا أستطيع، وليس عندي مال أنفق منه على بهائمي؛ فإنه يجبر على بيع بهائمه على التفصيل الذي سنذكره.
وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه لا يجبر، واستدل بأن الحق للبهيمة، والحقوق في القضاء تقام حينما يطالب بها صاحبها، أما إذا لم يطالب بها صاحبها فلا يطالب بها غيره، والبهيمة لا يمكن أن تطالب بحقها؛ لأن القضاء في الإسلام حيادي لا يميل لأحد الخصمين، ولذلك لا يحكم على الخصم إلا إذا طلب خصمه.
وهذا أصل، حتى إن بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة لما ولي القضاء أراد اثنان من أصحابه أن يبينوا له فقه القضاء، فاختصما إليه وقال أحدهما: لي عند فلان كذا وكذا، فقال له: ما تقول؟ قال: صدق، فسكت المدعي، فقال القاضي: أعطه حقه، فقال صاحب الحق: ومن أمر القاضي أن يسأل خصمي أن يعطيني حقي.
ثم قالوا: إنما أردنا أن نبين لك أن للقضاء فقهاً غير الفقه الذي تعلمته.
وهذا أصل عند الجمهور، يقولون: من حيث الأصل فإن القاضي حيادي لا يميل لأحد الخصمين دون الآخر، فإذا حكمنا على رب البهيمة أن يبيعها فما هو مستند هذا الحكم؟ أين الدعوى؟ وأين ما يثبتها؟ الدعوى متعذرة لأن صاحب الحق وهو البهيمة لا يمكن أن تطالب بحقها، وإثباتها ممكن عن طريق الحسبة، بأن يشهد عليه جيرانه أو رفقاؤه، لكن الإشكال في أصل الدعوى، فالإمام أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعذر عندهم في هذه المسألة أن يحكم قضاءً، ولكنه يجب عليه ديانة أن يبيعها إذا عجز ولا يجب عليه قضاءً، وفرق بين الديانة وبين القضاء، فمعنى الديانة أنه مطالب فيما بينه وبين الله أن يبيعها، لكن لا يحكم عليه بذلك حكماً شرعياً قضائياً.
والجمهور رحمهم الله قالوا: للسلطان ولاية عامة، وهذا أصل في الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم: (فالسلطان ولي من لا ولي له) وهذه البهيمة لا ولي لها فهي كالمجنون إذا لم يكن له ولي، فحينئذٍ يتصرف السلطان بالولاية العامة، وهذا أصلٌ صحيح، وقول الجمهور في هذه المسألة أرجح وأظهر إن شاء الله وأولى بالصواب، وبناءً على هذا يجبر قضاءً على البيع.
ثم إذا ترجح القول بالإجبار ففيه تفصيل: إن كان عنده بهيمة واحدة فحينئذٍ لا إشكال في أنه يجبر على بيعها، لكن الإشكال إذا كان عنده أكثر من بهيمة وعجز عن إطعام الكل، نقول له: بع بعضها بالقدر الذي تستطيع به أن تنفق على الباقية، فلو كان عنده مثلاً عشر من الغنم، ويمكنه أن يبيع رأسين يتمكن من خلالهما من النفقة على البقية، نقول له: بع الرأسين وأنفق على البقية.
ثم إذا أجبر على البيع فلا يجبر على بيع كرائم ماله، وإنما ينظر إلى الأخف؛ لأن ما جاز للضرورة يقدر بقدرها؛ لأن المقصود أن ينفق على بهائمه، فلو بيعت الكريمة تضرر ببقاء غيرها مما هو دونها، وبناءً على ذلك لا يُجبر على بيع كل بهائمه.
هذه المسألة الأولى.
ثانياً: أنه لا يجبر على بيع كرائم ماله إلا في مسائل، وهو أن يكون كل ماله كريماً كما ذكرنا في الزكاة، وهذا أصل عام؛ فحينئذٍ يجبر على بيع الكريم، ويكون البيع بقدر الحاجة، أي: أن يباع من الرءوس على قدر الحاجة مما تحصل به الكفاية والقيام على نفقة البهائم الباقية.
قال رحمه الله: [أو إجارتها] بعض العلماء يقول: لا يجبر على البيع إذا أمكنت الإجارة؛ لأن إبقاء اليد أولى من إلغائها، كما في قضاء داوود وسليمان عليهما السلام، فإن الله عز وجل أثنى على حكم سليمان وقدمه على حكم داوود؛ لأن سليمان عليه السلام أبقى يد الملكية في قصة الغنم الذي نفشت في غنم القوم.
وبناءً على ذلك نقول: لو قلنا له: بعها.
مع إمكان الإجارة فقد أزلنا يد الملكية جبراً، وإزالة يد الملكية جبراً خلاف الأصل؛ لأن الأصل أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسٍ منه، فنحن لا نجبره على البيع متى لم يمكن الإيجار، لكن في بعض الأحيان قد تكون الإجارة أضر عليه من البيع، وهذا في أحوال خاصة، فقد تكون إجارتها تحتاج إلى قيام على علفها ومؤنتها، وقد تتعب من خلال إجارتها، فعلى كل حال ينظر القاضي، فإن كان الأخف ضرراً عليه أن يبيع بدأ بالبيع وقدمه على الإيجار مع أنه نقلٌ للأصل، وذلك لوجود ما ذكرناه، وأما إذا كانت الإجارة ممكنة فإنها مقدمة على البيع في الأصل.

إجبار مالك البهيمة على الذبح

قال رحمه الله: [أو ذبحها إن أكلت].
إن لم يمكن بيعها وإجارتها، أو عرضت للبيع فلم ترغب، وعرضت للإجارة فلم ترغب، أو كانت لا تؤجر مثلاً، ففي هذه الحالة قال بعض العلماء: يؤمر بذبحها إن كانت تؤكل؛ لأنه إذا ذبحها باع لحمها.
وأولاً: إذا ذبحها قطع عنها العذاب؛ لأنها إذا بقيت تعذبت.
وثانياً: ممكن عن طريق ذبح بعضها أن يحصل اكتفاء للباقي، وهذا أصل، أعني أن إتلاف البعض لاستبقاء الأغلب مشروعٌ شرعاً، ودليل ذلك قصة موسى عليه السلام مع الخضر، فإن الخضر عليه السلام كسر لوحاً من السفينة ليبقي السفينة، وحينئذٍ فذبح بعض البهائم من أجل أن يشتري العلف للبقية، أو ذبحها من أجل بيع لحمها لإطعام الباقية سائغ على هذا الأصل.
وهذا يظهر في مسألة الأوقاف والتصرف في مال اليتيم بإتلاف بعضه، كذلك أيضاً في ذوات الأرواح جاء ما يقرر هذا الأصل، وذلك أن يونس عليه السلام لما كان في السفينة وتعرضت للغرق، واحتاجوا إلى أن يلقوا بشخص منهم، فساهم فخرجت القرعة على نبي الله يونس فرمي في البحر، وهذا أصل عند بعض العلماء، فيقولون: إنه إذا كان لا يمكن نجاة الكل إلا بهلاك البعض قدم بقاء الأكثر، وهذه لها مسائل تفصيلية وكلام طويل لعلماء الأصول، ومنها مسألة تترس الكفار بالمسلم، وفيها تفصيلات في ذوات الأرواح بالنسبة للآدميين.
بالنسبة للحيوان هنا فإنه إذا أمكن ذبح البعض حتى يكفي الطعام للبعض الآخر جاز ذلك، وهذه لها أصول عامة حتى في الأرزاق؛ فذبح بعض البهائم التي يملكها من أجل أن يصبح الطعام كافياً للبقية، سائغ للأصل الذي ذكرناه، أو تذبح لأجل أن لا تبقى فتموت حتف نفسها؛ لأن موتها حتف أنفها يضيع حق المالك، وموتها بالذكاة يبقي استفادة المالك، فحينئذٍ يقال له: اذبحها؛ لأنه لو تركها تموت حتف نفسها تعذبت، فلا هو يستفيد ولا هي تستفيد، ولكن إذا ذكيت استفادت هي فاستراحت، ثم أيضاً هو استفاد بالانتفاع بلحمها، فهذا من حيث الأصول الشرعية سائغ.

ذبح الرحمة وموت الدماغ

وتفرعت على هذه المسألة مسألة قتل الحيوان للرحمة، وهي: إذا كان الحيوان قد أنفذت مقاتله، وتفرعت عليها المسألة المعاصرة في موت الدماغ، وهل يجوز سحب الأجهزة على المريض إكلينيكياً وسريرياً أو لا؟ فهل هذه الحياة في حكم الحياة المستقرة، أو هل الحياة المنعدمة في حكم المستقرة؟ اختلف العلماء رحمهم الله في مسألة من أنفذت مقاتله، هل حياته حياة مستقرة أو في حكم العدم؟ فبعض العلماء يقول: حياته مستقرة، وبعضهم يقول: حياته في حكم العدم، إذا قلنا: إن من أنفذت مقاتله كمن ضرب في مكان لا يشك أنه لو ترك سيموت، مثل البهيمة تصدم بالسيارة، وتقطع على أنها لو تركت دقائق ستموت، أو تسقط من مكان عالي وتدركها وهي ترفس فلو تركت ستموت، أو يأتي السبع فيفترسها فيبقى فيها شيء من الحركة، فهل هذه الحركة في حكم الحياة المستقرة وحينئذٍ إذا ذكيت جاز أكلها؟ أو هي في حكم العدم وحينئذٍ إذا ذكيت لا يحل أكلها؛ لأنها أنفذت مقاتلها فهي متردية أو مقتولة حتف نفسها ميتة؟ فبعض العلماء يقول: إنها في حكم العدم، وإذا قيل: إنها في حكم العدم فإن الذكاة لا تؤثر، وظاهر الحديث أن الشاة التي بقر بطنها الذئب فكسرت المرأة الحجر وذكتها، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم أكلها؛ يدل على أن الحركة حياة، وحينئذٍ فما دام قلب المريض يتحرك فهو حي، وما دامت الحياة فيه فلا يجوز سحب الجهاز، ويكون حينئذٍ محظوراً.
حتى ولو كانت حركة لا إرادية التي هي الحركة الأخيرة، وذلك استصحاباً للأصل؛ ولأن تشخيص الدماغ فيه اضطراب بين الأطباء، وحتى على تحديد هذا التشخيص لا يتيسر إلا في مستشفيات متقدمة، وهذا يخاطر بأرواح الناس.
وهناك مبررات كثيرة ذكرناها في أحكام الجراحة، لكن الذي يهمنا هنا: أن الحيوان يقتل رحمة به على هذا الوجه؛ لأنه لو بقي دون إطعامٍ على الوجه المعروف تعذب، ولا يجوز تعذيب الحيوان، أما الآدمي فلا يجوز قتله، فلو أن إنساناً أصيب بالسرطان -أعاذنا الله وإياكم- وقطع الأطباء على أنه لا يعيش؛ فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يقتله، لأن الله حرم هذه النفس، وللمعاني المعتبرة شرعاً في ورود هذا البلاء عليه؛ لأن البلاء مقصود شرعاً، فالله أرحم به من خلقه، ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29].
سبحان الله! كيف جمال هذا القرآن وعظمته؛ لأنه تنزيل من حكيم خبير ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:1]، والله عز وجل يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:29].
أحد الأوجه في تفسير الآية: أن أنفسكم إخوانكم؛ وذلك مثل قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:61] يعني على إخوانكم، فقيل معنى: (لا تقتلوا أنفسكم) أي: إخوانكم، فجعل المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ... ) والجسد الواحد نفس واحدة، فلما قال: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) عقب ذلك بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)) فإذا تبجح أحد وقال: نريد أن نرحمه، فقد كذبه الله عز وجل، وقال: أنا أرحم بعبدي الذي ابتليته، وأنا أرحم بعبدي الذي أسقمت بدنه، وأنزلت به البلاء.
ولذلك ليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه، هذا شيء بيد الله، يقف الأطباء عند إمكانياتهم وحدودهم التي يقفون عندها والباقي لله عز وجل مالك كل شيء وخالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
والطب له هدفان: الوقاية والعلاج، وإذا خرج عن هذين الهدفين فليس بطبٍ شرعي، ولذلك إذا قال: نقتله، فلا هو علاج ولا وقاية، فالقتل ليس بوقاية، فهذا ليس بطبيب! وليس هذا تخصصه، ولا من شأنه، وليس له أن يتدخل بين العبد وربه، فهو الذي ابتلاه وهو الذي يدبر أمره.
وكذلك إذا وجدتهم يدخلون في هندسة وراثية أو غيرها فإنهم يكونون قد خرجوا عن مقصود الطب إلى العبث، فهذا عبث وتصرف في خلقة الله عز وجل التي خلق عليها العباد.
والله شرع الطب دواءً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن شريك في السنن: (أنه جاءه الأعراب فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ قال: تداووا عباد الله، فإن الله ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء) فجعل الطب علاجاً للأسقام، وفي حكم العلاج الوقاية، وما عدا ذلك فليس بطب، فحينئذٍ قتل الرحمة ليس بعلاج ولا دواء.
وإن قلنا في البهيمة: إنها تقتل؛ فإنما ذلك لأنه يستطاب لحمها، ويجوز أكله، من المشاكل الآن أنه من ذهب يبحث في مسائل فقهية فيما يسمى بالاجتهاد المقيد، وهو أن يأتي إلى مسألة ويجمع ما فيها ثم ينظر فيها ويخرج بخلاصة الواقع أن هؤلاء الباحثين الذين لا يعرفون مصطلحات العلماء ولا ضوابطهم يجنون كثيراً ببحوثهم، ولذلك ينبغي على طالب العلم ألا يتقبل البحوث الفقهية إلا ممن كان عنده دراية وخبرة بمتون العلماء وأساليبهم، ومصطلحات وضوابط أهل العلم في الحكم؛ لأنه في هذه الحالة سيتعرض للزلل بلا شك.
فبعض الذين يبيحون قتل الرحمة يقولون: إن العلماء أجازوا قتل البهيمة، وذلك لأنها إذا بقيت تعذبت، فالبهيمة إذا جاز قتلها لأنها تتعذب فالآدمي أعظم حرمة! فانظر كيف يقيسون؟! فإذا قرر الأطباء أنه ميت ومتعذب ومتضرر بهذا المرض؛ فليسقوه داءً وليحقنوه حقنات ويقضوا عليه، وهذا القضاء أرحم به، ويقولون: عند الطبيب رسالة وهي رحمة المريض، فحينئذٍ ينبغي أن يرحمه بهذا العقار الذي يقضي عليه ويريحه، ثم يريح أهله من عناء التكاليف المادية والعناء النفسي لمتابعته، هذه مبرراتهم.
فنقول لهم: إن العلماء رحمهم الله لما أجازوا قتل البهيمة قيدوها بما إذا أكلت، ومعناه: أنها إذا لم تؤكل صار ضرباً من الفساد، والآدمي لا يؤكل، فإذاً الذبح كان متعلقاً لإفادة الغير، وأما الآدمي فلا يذبح ولا يؤكل، فإذا ثبت هذا سنقول: إن هذا الفهم جاء عوره من عدم النظر لضوابط العلماء، ولذلك قال المصنف: (إن أكلت) يعني: إن كانت تؤكل، وهذا قول يدل على أنه لا يجوز ذبحها إذا كانت مما لا يؤكل.
فلو كانت عنده بهيمة لا تؤكل كالحمار -أكرمكم الله- ففي هذه الحالة يقال له: أنفق عليه أو بعه أو أجره، لكن لا يؤمر بذبح الحمار لأنه لا يؤكل.

الأسئلة

حكم ضرب البهائم في السباق أو الحرث

السؤال

هل ضرب البهائم للإسراع في السباق أو المضي في الحرث والعمل أمر جائز، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: ضرب البهيمة لتسرع أجازه جمهور العلماء رحمهم الله، والمنصوص في كتبهم الجواز إذا وجدت حاجة، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما ضرب البهيمة.
وفي حديث جابر في الصحيحين قال: (كنت أسير على جملٍ فأعيى، فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم فنخسه - وفي رواية - فضربه، فسار سيراً حثيثاً) حتى إن جابراً عجز عن أن يكبح جماح البعير، وهذا من معجزاته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فرواية: (فضربه) أشكلت عند العلماء على حيث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ضرب بهيمة ولا ضرب إلا في سبيل الله).
وأجيب برواية: (فنخسه بقضيبٍ)؛ لأنها مفسرة، وراية: (فضربه) مجملة، والقاعدة: أن المجمل محمولٌ على المبين المفسر.
فضرب البهيمة للإسراع يجوز عند الحاجة وبقدر الحاجة؛ بشرط ألا يكون تعذيباً للبهيمة، فأجاز العلماء الضرب لكن شريطة ألا يكون تعذيباً.
لكن إذا أسرعت وجاء يزيد في سرعتها حتى ربما يتسبب بحادث، وفي هذه الحالة لو ضربها عذبها؛ لأن هذه غاية ما في البهيمة، فإذا ضربها ازداد في تعذيبها، وأصبح عندها عذاب السير والضرب، ففي هذه الحالة يمنع، لكن لو كان عنده ظرف يحتاج معه إلى أن يسرع لحاجة، والبهيمة نزلت عليها السكينة فعطلت مصالحه فاحتاج إلى ضربها، فله أن يضرب ولا بأس، لكن يضرب الضرب المشروع دون أن يكون على سبيل التعذيب.
إذاً يفصل: إذا كان قد ضره سير البهيمة، وكانت البهيمة متلكئة وإذا ضربت سارت فهي التي جنت على نفسها، أما إذا كانت تسير سيرها وتقوم بواجبها، وليس عندها تقصير؛ فهذا يكون ضرباً للأذية والإضرار، ولا يجوز تعذيب الحيوان والإضرار به من هذا الوجه.
والعلماء نصوا على جواز ضرب البهائم في الحدود التي يحتاج إليها؛ لأنه قد يتعطل الإنسان عن مصالحه، وقد يحتاج إلى ضرب البهيمة لأنها قد تؤذي وتضر ولا يكبح جماحها إلا بالضرب، فتضرب، وهكذا الآدمي شرع الله الضرب له عقوبة، وشرع الله عز وجل الضرب عقوبة لضياع حقوق الله عز وجل وضياع حقوق الآدمي (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فإذا أتلفت البهيمة ضربت حتى تكبح جماحها.
وهكذا في بعض الأحيان يهيج بعض الدواب ولا ينتهي كبح جماحها إلا بالضرب، فتضرب، فعلى كل حال يجوز الضرب عند الحاجة، لكن بشرط أن يقدر بقدر هذه الحاجة، وبشريطة ألا يوجد أسلوب بديل يكبح هذا الجماح، أو يحقق المصلحة التي يرجوها الإنسان من ضربه للبهيمة، والله تعالى أعلم.

الجمع بين جواز إشعار البهيمة وحرمة أذيتها

السؤال

أشكل علي عدم جواز الإضرار بالأذية، مع أن الإشعار فيه إيلامٌ لها؛ فأرجو التوضيح أثابكم الله؟

الجواب

الإشعار فيه خلاف بين العلماء، والمانع منه سببه هذا؛ لأنه يقال: فيه تعذيب للحيوان، وتعذيب الحيوان ممنوع، نقول: إن الأصل أن يكون السؤال: هل البهيمة مخلوقة لنفسها، أو مخلوقة لغيرها؟ قال الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:13] فهي مسخرة للآدمي، ولمصالح الآدمي، وتنقسم إلى مصالح في عقد نفسه ومصالح بينه وبين ربه، فالذي خلق البهيمة أذن له أن يشعرها، وهذا شيء بسيط جداً، والإشعار تطيقه البهيمة، لكن لو جئت تنظر إلى أن الإشعار عذاب لها فركوبك فوق البعير أعظم إيلاماً من الإشعار.
ولو جئت تقارن بين إشعار البعير مع ركوبك عليه الشهر والشهرين والثلاثة لوجدت أن الإشعار ليس بشيء، فلا يدخل الإنسان الأغلوطات على السنة، فهي واضحة، وهذا التعذيب لا يأتي شيئاً أمام المصلحة الشرعية المترتبة على هذا الإشعار، من توحيد الله سبحانه وتعالى، والتقرب إليه جل جلاله، فالعبد وما ملك ملك لله، ولكن الله سبحانه يجعله يتقرب إليه بهذا، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:37] يعني: الإخلاص والتوحيد.
سبحان الله! يأمر بهذا وهو أغنى ما يكون عن خلقه: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني).
فالشاهد: أن هذا إيلام بسيط جداً لا يأتي شيئاً أما المصالح التي تفعلها هذه البهيمة، وهذه هي السنة، وما علينا إلا أن نرضى بما شرع الله عز وجل، وليس للعقل مجال أمام النقل، فالنقل ثبت بهذا، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قلد هديه وأشعره صلوات ربي وسلامه عليه؛ فتبقى السنة كما وردت، والله تعالى أعلم.

صفة الإقعاء المنهي عنه في الصلاة

السؤال

ما صفة الإقعاء المنهي عنه في الصلاة، أثابكم الله؟

الجواب

الإقعاء فيه صفات اختلف العلماء رحمهم الله فيها، لكن من صفاته: الصورة الأولى: أن ينصب القدمين ويفضي بإليتيه إلى الأرض بين القدمين المنصوبتين.
هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يجلس جلوس الكلب -أكرمكم الله- فينصب ساقيه مع الفخذ ثم يرد يديه إلى الخلف، مثل الكلب إذا أقعى وجلس، وهذه صورة شبه متفق على تحريمها، وغالباً ما يفعلها البعض من الجهلة إذا أراد يقوم من الركعة الثانية أو الرابعة، فإنه يرجع ثم ينصب قدميه ويديه وراء ظهره، مثل الكلب يرحمكم الله حينما يجلس ينصب قدميه ثم يقعي، فهذا الإقعاء محرم.
وورد عن بعض العلماء أن من الإقعاء نصب القدمين وجعل الإليتين على العقبين، وهذا من الإقعاء؛ لكن هذا ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فلعه، فرُخِّص فيه، واختلفت أقوال العلماء: منهم من رخص فيه في التشهد، ومنهم من خصها فيما بين السجدتين، هذا بالنسبة للإقعاء الذي اختلف العلماء رحمهم الله فيه، والله تعالى أعلم.

جواز التعزية بالعناق والمصافحة

السؤال

ما السنة في التعزية، هل هي بالمصافحة، أو المعانقة، أو بوضع اليد على الكتف، أثابكم الله؟

الجواب

التعزية تكون بالمصافحة، وتكون بالمعانقة، لورود السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمصافحة هي الأصل، وذلك بأن تصافح أخاك وتسلم عليه ثم تعزيه.
والمعانقة تكون من الرحمة، ولذلك قرر الأئمة رحمهم الله أن العناق ينظر في سببه، فإذا وجد له سبب فهو مشروع، وإذا لم يوجد له سبب فهو ممنوع، ومن هنا قرر الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنة: أن العناق يجوز عند حصول فرح، كأن تهنئ أخاك المسلم فتضمه إليك وتعانقه، فرحاً بنعمة الله عز وجل وخاصة نعمة الدين والطاعة، ويكون أيضاً عند الحزن تضمه إليك من أجل أن تشعره بأخوتك بقوته، وتطفئ ما في قلبه، ويكون أيضاً عند السفر إذا أراد أن يسافر تلتزمه وتعانقه، وإذا قدم من سفر، وقال: على ذلك جرت السنة.
أما حديث: (لا عناق إلا من سفر) أولاً: فيه ضعف، وثانياً: حسن بالطرق لكن المحققون من أهل الحديث ذكروا أن هناك اختلافاً في الألفاظ يؤثر في التحسين، وكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يستشكل هذا.
وأجيب عن ذلك بأن هذا الحديث لا يعارض ما هو أصح منه، لأن قوله: (لا عناق إلا من سفر) جاء من باب أن الشريعة قد تطالب بالكمال، فالمعنى أن أكمل ما يكون العناق من سفر، وهذا موجود في الشريعة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا ربا إلا في النسيئة) وليس المقصود بأن ربا الفضل جائز، وهنا ليس المعنى أن غير العناق من السفر محرم، وكقوله: (الحج عرفة) والمراد المبالغة في الشيء، وهذا واضح.
ويدل لهذا ما في الصحيحين من قصة كعب بن مالك رضي الله عنه: أنه لما نزلت توبته وجاء بعد صلاة الفجرة ودخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقام لي أبو طلحة فالتزمني فحفظت له هذا، وهذا يدل على مشروعية العناق عند وجود الموجب والسبب.
ومثل القيام للداخل والزائر، كلها إذا وجد السبب فلا بأس فيه ولا حرج.
وهذه الأمور بعض الأحيان تأتي عفوية بدون أن يكون الإنسان قاصداً أن العناق لمعنى أو اعتقاد، ولذلك تجد في بعض الأحيان أنك لا ترى أخاً أو قريباً لا قدر الله أصابه كربة أو نكبة إلا وتضمه إليك، فأنت لا تستطيع أن تملك نفسك، فهذا شيء ينبعث من النفوس من أسباب الرحمة، والفرح والحزن، لكن يحذر مما كان فيه غلو أو تكلف الشخص يعانق وبعد عشر دقائق يأتي يعانق مرة ثانية، يعانق أول النهار ثم يأتي آخر النهار ويعانق، حتى تكون كالشغل، فهذا التكلف والمبالغة لا أصل له؛ لأنها تحظر ويمنع منها، أما عند وجود السبب الموجب فلا بأس أن تضم أخاك إلى صدرك.
أما وضع اليد على الكتف: فاختلف فيه العلماء رحمهم الله، ومن مشايخنا المتأخرين وغيرهم من يراه بدعة؛ لأن الأصل المصافحة والعناق، وبعض مشايخنا رحمة الله عليه يفصل فيه ويقول: إن لمس الكتف إذا كان أثناء الحزن إذا رأيت أخاك اشتد بكاؤه وعظم، فأمسكت بكتفه تصبره أو تثبته فلا بأس به، أما الذي يحدث من الوقوف وكل واحد يمر ويمسك كتف الثاني فهذا لا أصل له عند الكل.
لكن إذا كان واقفاً على القبر ووجدته حزيناً، فتمسك بعضده أو بساعده تذكره؛ لأنك بالقرص والمسك كأنك تذكره بالصبر، وتذكره أن يتعزى ويتجلد، وفي بعض الأحيان قد تكون يده في يدك فتضغط عليها، هذه الأشياء يراد بها التنبيه فقط.
أما الذي يفعل من الوقوف فيأتي يمسك كتف هذا ثم كتف هذا، فلا له أصل، ماذا يفعل بالكتف، المصافحة فيها فضيلة المصافحة، ومعناها الشرعي، ولها أصل في السنة، وتتحات بها الخطايا، فهذا هو المنضبط، والحرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه خير، وكذلك ترك هذه الأمور التي لا يسمح بكونها أموراً في شرع الله عز وجل، وإنما يجارون بها عاداتهم وتقاليدهم.
وانظر إلى الأمر العجيب الغريب؛ فلو جئت إلى قوم يمسكون ويعزون بالأكتاف وقلت لهم: لا تفعلوا هذا.
أنكروا عليك، فهذا يزيدها بدعة، لأن التشبث والتمسك بها والإصرار عليها يجعلها كالسنة، وكالأمر المعتقد فيه، وهذا ما يسميه العلماء بدلالة الحال؛ لأن الشخص في بعض الأحيان يأتي بدلالة الحال، وإن لم يقل: أنا أعتقد أنها سنة، لكن الإصرار والحرص عليها، وأنه لا يمكن أن يتركها؛ لا شك أنه يشكك في أمره.
أما إذا كان واقفاً مع أخيه على القبر وتوفي والده أو قريبه، ثم أراد أن يسليه فأمسك بيده، أو رأى أن الحزن قد اشتد به، فشده كأنه يذكره بالله عز وجل، ويذكره بالصبر عند المصيبة، فهذا الإمساك لا بأس به ولا حرج، والله تعالى أعلم.

ما ورد من الدعاء بين العلمين في الصفا

السؤال

هل ورد بين العلمين دعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أثابكم الله؟

الجواب

لا أحفظ في هذا شيئاً صحيحاً مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول بين العلمين: (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم) وهذا استحبه بعض العلماء رحمهم الله لوروده عن السلف، وأشار إليه بعض الأئمة.
ثم لا شك أن أدعية الصحابة رضوان الله عليهم من جوامع الدعاء، وبعضها قد تكون فيه سنة محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصفا حفظ هذا عن عبد الله بن مسعود، ولذلك استحب بعض العلماء هذا الدعاء.
وكذلك استحب بعضهم الدعاء على الصفا بما كان من دعاء عبد الله بن عمر: (اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60] وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم كما رزقتني الإسلام فأسألك أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني عليه).
وهذا من أعظم الدعاء.
وكان من دعائه كما في الصحيح: (اللهم حببني إليك، وحببني إلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وإلى خلقك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين)، وأشار إلى هذا شيخ الإسلام رحمه الله في شرح المناسك لوروده عن السلف، والصحابة وهم خيار سلف الأمة بعد نبينا صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم أجمعين، والله تعالى أعلم.

حكم الجمع بين الصلاتين إن كان سيصل قبل دخول وقت الثانية

السؤال

هل يجوز للمسافر القادم إلى مكة جمع صلاة العشاء مع صلاة المغرب وهو يعلم أنه سوف يصل إلى مكة قبل العشاء، أثابكم الله؟

الجواب

إذا كنت في السفر وأردت أن تجمع بين الصلاتين وأنت راجع إلى موطنك، فيشترط أن يدخل عليك وقت الثانية قبل وصولك إلى البلد، فإذا كنت راجعاً إلى مكة فيشترط أن يؤذن عليك أذان العصر وأنت في السفر، ولو قبل دخول مكة بدقائق، لأنه إذا أذن عليك الأذان وأنت في السفر وجبت عليك الصلاة ركعتين، وأما إذا أذن عليك بعد دخولك مكة، فقد وجبت عليك أربعاً وأنت قد صليت ركعتين.
ومن هنا قرر العلماء والأئمة رحمهم الله أن شرط صحة جمع التقديم أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية، فإذا لم يستمر إلى دخول وقت الثانية فإنه أذن لك أن تصلي الرباعية الأولى ركعتين ولم يؤذن لك بقصر الرباعية الثانية وهي العصر، ومن هنا كان لابد من دخول وقت الثانية والعذر باق، فإذا لم يدخل فإنه لا يصح الجمع، ويجب عليك إعادة صلاة العصر على أصح قولي العلماء رحمهم الله، وهو مذهب الجمهور، والله تعالى أعلم.

اشتراط التتابع في الصيام في كفارة اليمين

السؤال

هل يشترط التتابع في الصيام عن كفارة اليمين، أثابكم الله؟

الجواب

في هذه المسألة قولان للعلماء، وجمهور العلماء على أنه لا يشترط التتابع؛ لأن الله تعالى أمر بصيام ثلاثة أيام ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:89] فآية المائدة مطلقة، ولم تبين وجوب التتابع في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين، وذهب الحنابلة رحمهم الله إلى وجوب التتابع واستدلوا بقراءة عبد الله بن مسعود: (فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فقالوا: إن هذا يدل على أنه يجب التتابع في صيام الثلاثة الأيام في الكفارة.
وهذه المسألة أصولية؛ أعني: هل يجوز الاحتجاج بالقراءة الشاذة في إثبات الأحكام أو لا؟ وإذا قلنا قراءة شاذة فليس فيها انتقاص للقراءة، لأن الوصف للأقوال والقراءات بالشذوذ المراد به عدم جريان العمل عليه، فالقراءة الشاذة لا يقرأ بها؛ لأنها نسخت في العرضة الأخيرة.
وضوابط الشذوذ في القراءات معرفة: ومنها مخالفة اللغة، والرواية، وهذا أمر يقرره أئمة القراءات.
أما من حيث الاحتجاج بالمتن فالأشبه أنه يصومها ثلاثاً متتابعات، ويحرص على التتابع فيها، وهذا أسلم، ويكون ورود العرضة الأخيرة بغير تقييد: (فصيام ثلاثة أيام) لا ينقض الأصل الذي جاء في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فهذه المسألة القول بالتتابع فيها قوي جداً، فيأخذ بها المسلم ويحرص على صيام أيام الكفارات متتابعات.
لكن الإشكال الذي ينبغي التنبيه له، وتنبيه الناس عليه: أن بعض العوام يعتقد أنه إذا حلف في يمين أن عليه أن يصوم ثلاثة أيام مباشرة، والواقع أن صيام الثلاثة الأيام لم يوجبه الله سبحانه وتعالى إلا عند العجز، وكفارة اليمين جمعت بين التخيير والترتيب، فهي في خصالها الأولى وهي: عتق الرقبة، وأن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم تخييرية، إذا فعل واحدة من هذه الثلاث الخصال أجزأه، سواء قدر على غيره أو لم يقدر.
وأما الخصلة الأخيرة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة:89] فتدل على وجوب الترتيب، واشتراط العجز، لأنه لما علقها بفقدان الاستطاعة دل على أنه لا يصح له أن يصوم الثلاثة الأيام إلا عند عجزه عما تقدم، فبناءً على ذلك يجب عليه أن يراعي الترتيب، فإذا صام الثلاثة الأيام وهو قادرٌ على إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؛ فإنه لا يصح صيامه ولا يجزيه، ويعتبر صيام نافلة، ويجب عليه أن يعتق إن وجد الرقبة، أو يطعم العشرة مساكين أو يكسوهم، وهذا محل إجماعٍ بين العلماء رحمهم الله، أعني أنه لا يجوز صيام الثلاثة الأيام متى قدر على واحدة من الثلاث الخصال: العتق أو إطعام العشرة المساكين أو كسوتهم، والله تعالى أعلم.

حكم الدعاء بأمور الدنيا في مواطن إجابة الدعاء

السؤال

ما حكم الدعاء في أمور الدنيا في مواطن إجابة الدعاء أثناء الصلاة، أثابكم الله؟

الجواب

الدعاء بأمور الدنيا جائزٌ على أصح قولي العلماء، ولا بأس للمسلم أن يدعو بدفع مكروه دنيوي، أو تحصيل أمرٍ دنيوي في صلاته، خلافاً للحنابلة رحمهم الله، واستدل الحنابلة على المنع بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيءٌ من كلام الناس) قالوا: وأمور الدنيا من كلام الناس.
واستدل الجمهور بالأحاديث الصحيحة، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم) والمغرم الدَّين، وهو من أمور الدنيا.
وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر دعائه: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) وهذا يشمل جميع ما فيه الخير من أمور الدنيا، ولذلك اعتبر من جوامع دعائه، فالصحيح أنه لا بأس أن يدعو.
وأقوى الأدلة للجمهور على هذه المسألة، قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (ثم ليتخير من المسألة ما شاء) يعني بعد التشهد، وهذا عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه، وليس هناك ما يدل على التخصيص، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يصح فيها شيء من كلام الناس) إنما جاء في مواضع الذكر المخصوصة؛ لأن صورة السبب قطعية الدخول في الحكم، فهذا ليس له علاقة بالدعاء لأن له أصلاً دل عليه، وإذا تعارض الأصل العام مع الأصل الخاص قدم الأول، وقوله: (ثم ليتخير من المسألة ما شاء) جاء بياناً لأصلٍ خاص وهو الدعاء، وأما قوله: (لا يصح فيها شيء من كلام الناس) فجاء على سبيل العموم، فيقدم هذا الخاص الوارد في أصل المسألة وهي الدعاء في أمور الدنيا، وهو الأشبه والأرجح إن شاء الله.
ولكن من الحرمان أن يدعو الإنسان في الأماكن الفاضلة التي ترجى فيها الإجابة بالدنيا، ومنها الدعاء أدبار الصلوات، ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام: (أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، وأدبار الصلوات المكتوبة) فأدبار الصلوات أماكن ترجى فيها الإجابة، فيخصها الإنسان بالدعوات العظيمة، وأن تكون همته للآخرة، ولذلك عجب الله من قومٍ دعوا بالدنيا فقال: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:200]. فالمنبغي أن الإنسان يتشوف إلى ما هو أعظم، ولا مانع أن يسأل الله في الدنيا الحسنة، وبذلك أقول: إنه ينبغي للمسلم أن يتخير لهذه الأماكن الفاضلة ما يناسبها من جوامع الدعاء وخير الدين والدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

صلاة المسبوق في الجنائز

السؤال

فاتتني بعض التكبيرات في الصلاة على الميت، فوجدت الإمام في الدعاء، فكيف أتم الصلاة، وهل صلاة الجنازة تقضى، أثابكم الله؟

الجواب

هذه المسألة فيها وجهان للعلماء مشهوران، فبعض العلماء يقول: إذا دخلت مع الإمام فإنك تعتبر بحاله، فإذا دخلت في تكبيرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فعليك أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتسقط عنك الفاتحة، وإذا دخلت مع الإمام وهو يدعو، فإنك تدعو وتسقط عنك الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من حيث الأصل أقوى.
وبعضهم يقول: إن صلاتك مع الإمام تعتبر فيها حالك، فتبدأ بقراءة الفاتحة ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو إن وسعت تكبيرة الدعاء، وهذا مبني على قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) فلما عبر عليه الصلاة والسلام بقوله: (أتموا) دل على أن صلاتك مع الإمام هي الأولى، وإذا كانت صلاتك مع الإمام هي الأولى فمعنى ذلك أنك لا تتقيد به، لأنك إذا أدركته في الركعة الأخيرة -من الظهر مثلاً- وهي الأولى بالنسبة لك؛ قرأت الفاتحة وسورة على هذا القول، وكذلك إذا أدركته في العشاء، فإنك تقرأ الفاتحة وسورة، ولكن لا تجهر لمكان المتابعة، لأنه لا تجوز المخالفة الظاهرة في القول والعمل.
وبناءً على ذلك فالأمر مثلما ذكرنا: أن المذهب الذي يقول تدخل بحال الإمام، أشبه من حيث الأصل، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فلا تختلفوا عليه) وبناءً على ذلك لو دخل مع الإمام على حاله كان أشبه، فإن ترجح عنده القول الثاني ودخل بأنه مبتدئ، فدخل بقراءة الفاتحة ثم كبر التكبيرة الثانية وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فله وجه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب الحضانة [1]

لقد اعتنى الإسلام بالقاصرين من الصغار والمعتوهين والمجانين ونحوهم، فجعل لهم حق الحضانة على الأقربين، وقد بينت الشريعة أحكام الحضانة، وحقوق المحضون، وشروط الحاضن، وترتيب الأقرباء في ولايتها؛ بياناً قائماً على تحقيق مصلحة المحضون.

مشروعية الحضانة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الحضانة] الحضانة مصدر مأخوذ من قولهم: حضن الشيء يحضنه حضانة إذا ضمه إليه، والحضن الصدر مما دون الإبط إلى الكشح.
وسميت الحضانة بهذا الاسم لاشتمالها على ضم المحضون، وهو الشخص الذي يعجز عن القيام بأمور نفسه؛ لصغر أو جنون أو عتهٍ أو غير ذلك.
وباب الحضانة يتعلق بالقيام على حقوق الضعفاء من الصبيان والصغار والمجنون والمعتوه.
ومناسبة باب الحضانة لما قبله: أن المصنف رحمه الله بيّن حقوق النفقات، فناسب بعد ذلك أن يبين حقاً خاصاً للصغير والمجنون، وهو حق الحضانة.
وتقديم باب النفقات على باب الحضانة مبني على أن النفقات لا تختص بنوع معين من كل وجه، ولكنها أشمل وأعمّ من الحضانة، ولكن الحضانة يراها بعض العلماء خاصة بالصغير فلا تشمل الكبير كما عند المالكية، وإن كان جمهور العلماء رحمهم الله على أن الحضانة تشمل الصغير، وتشمل الشيخ الكبير والزمن ومن في حكمهم.
ونظراً لأن الحضانة تختص بنوع خاص، فالأنسب أن يبدأ بالحق العام قبل الحق الخاص، من باب التدرج من الأعلى إلى ما هو دونه.
والحضانة: هي القيام بأمور من لا يستقلّ بنفسه، وتربيته ودفع الضرر عنه أو ما يهلكه.
ولذلك تشتمل الحضانة على القيام بمصالح الصغار، ورعاية هذه المصالح بما يكون فيه الخير إذا كان المحضون صغيراً أو مجنوناً، أو للشيخ الكبير الزمن إذا تحمّل وليّه مصالحه وقام على رعايته.
والحضانة القيام بتحصيل المصالح من رعاية المحضون في نومه ويقظته، وبمتابعة أحواله، والإنفاق على تعليمه، وتأديبه وتقويمه، ودلالته على ما يصلح دينه ودنياه وآخرته، فالصبي والصغير سواء كان ذكراً أو أنثى يحتاج إلى من يرعى شئونه ويقوم بأموره، فيرعى شئونه مادياً ومعنوياً.
والحضانة تتكفل بذلك كله، والإسلام جعل هذه الحضانة إلى شخص مخصوص بشروط مخصوصة لابد من توفرها فيه، وجعل لهذه الحضانة أموراً ينبغي على الحاضن أن يقوم بها على وجهها، وجعل لها أمداً وغاية تنتهي عند بلوغها إليه، وكل هذا يبينه العلماء رحمهم الله في باب الحضانة.
يقول المصنف رحمه الله: (باب الحضانة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بحضانة الصغير ومن في حكمه، ويشمل هذا ثلاثة جوانب: الجانب الأول: بيان من هو الشخص الحاضن؟ ومن هو الأولى والأحق بالحضانة؟ الجانب الثاني: بيان من الذي يحضن؟ وهو الشخص المحضون.
الجانب الثالث: بيان صفة الحضانة والمسائل والأحكام المتعلقة بها.

أدلة مشروعية حضانة الصغير

قال المصنف رحمه الله تعالى: [تجب لحفظ صغير ومعتوه ومجنون].
(تجب) بمعنى تثبت، فالحضانة ثابتة إما بسبب الصغر أو الجنون أو العته، وبناءً على ذلك لا حضانة لكبير بالغٍ إذا كان عاقلاً، إلا إذا كان شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يقوم بأموره ومصالحه، فأفتى طائفة من أهل العلم بأنه في حكم الشخص المحضون، لكن هذا فيه تفصيل: إذا غاب عنه عقله، فيلحق بالمجنون ولا إشكال، وكذلك إذا كان فيه خرف أو سفه.
فبين المصنف رحمه الله أنها تثبت إذا كان المحضون صغيراً، سواء كان ذكراً أو أنثى، والسبب في هذا: أن الصغير ضعيف العقل لا يحسن رعاية مصالحه والقيام على نفسه، وبناءً على ذلك لابد من شخص يقوم عليه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:37] فجعلها في كفالة من هو أكبر، وهذا يدل على أن الصغير يحتاج إلى من يكفله ويقوم على رعايته.
قال بعض العلماء: الحضانة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما دليل الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:37]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه.
وأما دليل السنة فأحاديث، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتِ أحق به ما لم تنكحي).
فقوله عليه الصلاة والسلام: (أنتِ أحق به) إثبات للحضانة، وهذا الحديث حسن الإسناد، من رواية الوليد بن مسلم عن عمرو بن شعيب، والرواية في السنن بالعنعنة، والوليد مدلس، ولكن هناك رواية في البيهقي صرح فيها بالتحديث، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يحسنه طائفة من العلماء رحمهم الله، ويختارون أنه من قبيل الحسن.
وأما الحديث الثاني فهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقد صححه غير واحد من العلماء والأئمة، وفيه: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه) وهذا الحديث الثاني يستدل به العلماء على انقطاع الولاية بعد الحضانة في مسألة التخيير بعد سبع سنين وسيأتي الكلام عليها.
وأجمع العلماء رحمهم الله على أن الصغير ذكراً كان أو أنثى تثبت الحضانة في حقه، وذلك على التفصيل الذي سنذكره في قرابة المحضون أو من هو أولى بحضانته.
ثم إن دليل العقل يؤكد ما تقدم، فإن الصغير قاصر في نظره قاصر في رعاية مصالحه، وبذلك أمرنا الله بالحجر عليه، قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5]، وأمر بالحجر على اليتامى، فهذا يدل على أن الصغير يحتاج إلى من يرعاه، وإذا كان الصغير غير قادر على رعاية مصالحه، فإنه ينبغي أن تسند الرعاية إلى من هو أهل، وأحق من يقوم بذلك قرابته.

حضانة المعتوه والمجنون

قوله: [ومعتوه ومجنون].
العته ضرب من الجنون، والجنون ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الجنون المستديم.
القسم الثاني: الجنون المتقطع.
فإذا كان الشخص به جنون فإنه يولى عليه من يقوم على شأنه ورعاية مصالحه، وهذا قول الجمهور رحمهم الله، وهو أن الحضانة تثبت للكبير إذا كان بالغاً مجنوناً.
وأما العته فيقولون: إنه ضرب من الخرف، بأن يكون ناقص العقل، ليس مجنوناً ولا عاقلاً من كل وجه، أو أنه يميز الأمور بعض الأحيان ويخلط بعض الأحيان، وهذا نوع من العته، وقد يكون العتة بسبب الحوادث، كأن يضرب على رأسه، فيصبح عنده نوع من الخلط وعدم تمييز الأمور، نسأل الله السلامة والعافية.
فالمقصود أنه إذا كان قاصراً في مصالحه لنفسه، سواء كان سبب القصور صغر السن، أو عدم وجود العقل، أو ضعف العقل والإدراك، فإنه يولى عليه من يقوم عليه.

أحق الناس بالحضانة

وقوله: [والأحق بها أم].
هذا ترتيب للأشخاص الذين لهم حق الحضانة، فالحضانة تثبت للأم، ثم أمها وإن علت بمحض الإناث، ثم الأب وأمه وإن علت كأمه وأم أمه، وهي جدة المحضون، وبعد ذلك للجد ثم أمه وإن علت بمحض الإناث، ثم للأخت الشقيقة، ثم للأخت لأم، ثم للأخت لأب، ثم بعد ذلك الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب، ثم العمة الشقيقة، ثم العمة لأم، ثم العمة لأب، ثم بعد ذلك تثبت الحضانة لخالة الأم الشقيقة، ثم لخالة الأم لأم، ثم لخالة الأم لأب، ثم عمة الأب الشقيقة، ثم عمة الأب لأم، ثم عمة الأب لأب، ثم بعد ذلك بنت الأخ الشقيق، ثم بنت الأخ لأم، ثم بنت الأخ لأب، ثم بنت الخالة الشقيقة، ثم بعد ذلك لبنات أعمام الأب الأشقاء، ثم بنات العمات الشقيقات على الترتيب الذي تقدم.
فعمات الأب الشقيقات، ثم بعد ذلك بنات العمات الشقيقات، ثم بنات العمات لأم، ثم بنات العمات لأب، ثم بعد ذلك لأقرب عاصب من أولياء المحضون.
هذا بالنسبة للأصل في الترتيب، وروعي فيه تقديم جهة تقديم الأم؛ لأن الحضانة بالإناث ألصق منها بالذكور، ولذلك قدم النبي صلى الله عليه وسلم حضانة الأم على حضانة الأب، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث المرأة: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي)، فالذي اختصم هنا عندنا الأب وهو الزوج، والأم وهي الزوجة، فبين عليه الصلاة والسلام بقوله: (أنتِ) خطاباً للزوجة وهي أم المحضون (أحق به ما لم تكنحي) أي: ما لم تتزوجي.
فهذا أصل عند العلماء رحمهم الله في أن جهة الأمومة مقدمة، ويراعى في الحضانة جهة الأمومة، وهذا لا شك أنه عين الحكمة والصواب، فإن الطفل والصغير يحتاج إلى الرعاية والحنان من الأم، والحنان من الإناث أكثر من الحنان من الذكور والرجال.
والرعاية لمصالح الصغار من الإناث أبلغ من رعاية الذكور، فإن في الرجال من الخشونة والعنف والقوة ما لا يخفى، وفي الإناث من اللين والصبر وتحمل أذية الأطفال والصغار ما لا يخفى، فأعطى الله عز وجل كل ذي حق حقه.
ومن هنا قدمت جهات الأمهات، فمثلاً: إذا وُجدت أخت لأب وأخت لأم قدمت الأخت لأم على الأخت لأب، وإذا وجدت عمة لأم وعمة لأب قدمت العمة لأم على العمة لأب.
وهكذا.
فهذا كله راعى العلماء رحمهم الله فيه الأصل الشرعي من تقديم الإناث على الذكور.
إذاً: الأولى والأحق الأم، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) فقوله عليه الصلاة والسلام: (أنتِ أحق) فيه دليل على أن الأم مقدمة في الحضانة، وهذا بإجماع العلماء من حيث الأصل على أن الأم أولى وأحق بالحضانة، ولذلك هي التي تقوم على تربية ولدها ورعاية شئونه، فأولى من حضن الصبي وقام به الأم.
وقوله: [ثم أمهاتها القربى فالقربى] لأن أم الأم كالأم، وهي أم؛ ولذلك تنزل منزلة الأم عند فقد الأم، وهي بعد الأم في الترتيب، ثم أم أم الأم، وهي جدة أم المحضون.
وقوله: [ثم أب] من أهل العلم من قدم الأب على أم الأم، ومنهم من جعل جهة الأم مقدمة على الأصل في رعاية الشرع لها، فقالوا: إن الأب يكون بعد فقد أم الأم، أو وجود مانع في أم الأم، والأب له حق، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للمرأة: (أنت أحق به) و (أحق) صيغة أفعل في لغة العرب تدل على اشتراك شيئين فأكثر، وأن أحدهما أعظم مزية من الآخر، فإذا قيل: محمد أعلم من علي، فهم أن محمداً وعلياً كل منهما عالم، ولكن منزلة محمد أعلى من منزلة علي في العلم.
فصيغة أفعل، تقتضي التشريك والمزية بالتفضيل، لكن لما قال عليه الصلاة والسلام: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) أثبت عليه الصلاة والسلام للأب حقاً، ولكنه بين أن الأم أولى، وإلا لأبطل دعوى الأب من أصلها، وقال: لا حق له في ذلك، ولكنه لما قال: (أنت أحق) دل على أن للأب حقاً في حضانة ولده.
ولأن في الأب من الشفقة والحنان والرعاية والقيام بالمصالح ما لا يخفى، وفيه من القدرة على رعاية مصالح الصغير ما ليس في الأم، خاصة عند وجود الحاجة لحقوق الصغير عند الناس أو نحو ذلك، أو يحتاج الصغير إلى تعليم أو تأديب أو دلالة على صنعة أو حرفة، فالأب هو الذي يتولى إخراجه لذلك والقيام عليه ومتابعته وأمره بذلك وحثه عليه.
وقوله: [ثم أمهاته].
أي: أمهات الأب، أمه وأم أمه وإن علت بمحض الإناث.
وقوله: [ثم جد] لأن الجد منزل منزلة الأب، والجد أب من وجه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:78] فالجد بمنزلة الأب، وعلى ذلك أصول الشريعة، فإذا لم يوجد الأب، أو كان في الأب مانع، انتقلت الحضانة إلى الجد.
وقوله: [ثم أمهاته كذلك].
أي: ثم أمهات الجد لهن الحق في الحضانة؛ لأنهن منزلات بمنزلة الأب.
فإذاً: أصبح عندنا في الأصول الجهات التالية: الأم، ثم تليها أمها وإن علت، ثم الأب، وتليه أمه وإن علت، ثم الجد، وتليه أمه وإن علت، فهذه ستة أنواع كلها مرتبة من جهة الأصول: إما من جهة الأب أو من جهة الأم.
وقوله: [ثم أخت لأبوين].
أي: أخت شقيقة.
فإذا لم يوجد أحد من الأصول الستة انتقلت الحضانة إلى فرع الأصل، والأصل عندنا من جهة الأب والأم، وأصل الأصلين من جهة الإناث، ومن جهة الذكر بالنسبة للأب، وبعد ذلك انتقل إلى فرع الأصل وهي الأخت، وقد بينا أن الأخت هي التي شاركتك في أحد أصليك أو فيهما معاً.
فهنا الأخت الشقيقة لها حق الحضانة، وفيها من الشفقة والحنان والعطف لأنها صنو المحضون، ولا شك أنها ترعى مصالح أخيها؛ لأنها أدلت من جهتين.
ثم تليها الأخت لأم؛ إعمالاً لأصل الشريعة بتقديم جهات الأمهات على جهات الآباء، ثم الأخت لأب.
وقوله: [ثم لأم، ثم لأب] كل هؤلاء النسوة الثلاث من جهة الأخوة، فتقدم الشقيقة، ثم بعدها الأخت لأم ثم بعدها الأخت لأب، فإذا لم يوجد شيء من الأصول أو وجد وفيه مانع كأب كافر أو أم كافرة والعياذ بالله، وليس هناك من قرب بعد الأصول إلا الأخت الشقيقة، فانتقلت الحضانة إليها، فإن لم توجد الأخت الشقيقة أو بها مانع انتقلت إلى الأخت لأم، فإن لم توجد أو فيها مانع انتقلت الحضانة إلى الأخت لأب.
وقوله: [ثم خالة لأبوين].
أي: تستحق الحضانة الخالة الشقيقة، وهي كل أنثى شاركت الأم في أصليها، وأما الخالة لأب أو لأم فإنها شاركت في أحد الأصلين، فالخالة تنزل منزلة الأم في الحضانة، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه لما فتح مكة جاءت بنت حمزة تقول: يا عم يا عم يا عم! فقال علي رضي الله عنه لـ فاطمة: دونك بنت عمك خذيها واحتمليها، فحملتها فاطمة، فاختصم فيها جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب).
فهذه بنت حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بنت أخيه من الرضاعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم عمها، وبعض مشايخنا رحمة الله عليهم يأخذون ملحظاً بسيطاً وهو أن هذه بنت صغيرة يتيمة عقلت عمها من الرضاع ونادته: يا عم يا عم! وهو عم من الرضاع، فكيف ببنات اليوم تجهل عمها من النسب! انظر كيف يراعى تربية البنات وكيف كانت الأم تربي، لأن أباها حمزة رضي الله عنه استشهد في أحد، وهذا في فتح مكة، والمسافة بعيدة، ومع هذا عقلت عمها من الرضاع، فما بالك بعمها من النسب، وكذا قرابتها من النسب؟! لأن البنت كانت تربى في حجر أمها، وكانت الأم لا تفرط في فلذة كبدها، أما اليوم إذا دخل عليها عمها أو خالها أو قريبها من النسب، فربما جهلته والعياذ بالله، كل هذا بسبب قطيعة الرحم أو بسبب إسناد التربية إلى المربيات والعاملات، وترك الأمهات لواجبهن من الرعاية.
الشاهد أن هذه الصغيرة عقلت وصاحت، فاختصم فيها هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب يقول: إنها بنت عمي، وكذلك يقول جعفر رضي الله عنه وأرضاه، لكنه قال: وخالتها تحتي، وقال زيد بن حارثة: إنها ابنة أخي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين زيد بن حارثة وحمزة رضي الله عنهما.
فقال عليه الصلاة والسلام: (الخالة بمنزلة الأم) وهذا من أقضيته عليه الصلاة والسلام، قضى في هذه الخصومة وفصل بالحق الذي فصل به ربه سبحانه وتعالى وهو خير الفاصلين.
وهذا في الحقيقة ينبغي أن يلحظ في أن علياً رضي الله عنه وجعفراً كل منهما أدلى بالسبب الذي هو من جهة العصبة، فكل منهما يعتبر ابن عم من جهة العصبة، فالقرابة موجودة، لكنَّ جعفراً رضي الله عنه وأرضاه فضل من جهة وجود الزوجة التي هي خالة، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: (الخالة بمنزلة الأم) وفضلت من هذا الوجه.
ومحل الشاهد في قوله عليه الصلاة والسلام: (الخالة بمنزلة الأم) حيث دل هذا الوصف على أن الخالة تنزل منزلة الأم.
ومن هنا أجمع العلماء رحمهم الله أن الخالة لها حق في الحضانة.
وقوله: [ثم عمات كذلك] تقدم الشقيقة منهن لأنها أدلت من جهتين، ثم تقدم العمة لأم، ثم العمة لأب.
وقوله: [ثم خالات أمه] انتقل إلى خالات الأم، والخئولة جاءت من جهة الأم، ويقدم فيها خالة الأم الشقيقة، وهي التي شاركت أم الأم في أصليها، ثم تقدم الخالة لأم على الخالة لأب.
وقوله: [ثم خالات أبيه] أي: أن الخئولة من جهة الأم مقدمة على الخئولة من جهة الأب، يقدم فيها الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب، على التفصيل الذي تقدم.
وقوله: [ثم عمات أبيه] عمات الأب يراعى فيهن نفس الترتيب: فالعمة الشقيقة، ثم العمة لأم، ثم العمة لأب، هذا من جهة عمات الأب، ولا حق لعمات الأم، وذلك لأنهن يدلين بأب الأم، وهو من ذوي الأرحام وليس من العصبة.
ومن هنا فلا حق لعمات الأم من جهة الترتيب الذي ذكرناه في الحضانة.
وقوله: [ثم بنات إخوته وأخواته] بنت الأخ الشقيق، ثم بنت الأخ لأم، ثم

إذا امتنع من له الحضانة أو كان غير أهل انتقلت

وقوله: [وإن امتنع من له الحضانة].
هل الحضانة حق واجب لا اختيار فيها للحاضن؟ أم أنها حق تخييري بأن يقال له: هذا حقك، إن شئت أن تلي حضانة الصغير فلك ذلك، وإن شئت أن تترك فلك ذلك، فينتقل الحق إلى من بعده؟ فيه وجهان للعلماء رحمهم الله: فبعض العلماء يقول: الحضانة حق واجب، وأصحاب هذا القول منهم من يفصل ومنهم من يطلق.
فمن يفصل يقول: إذا كان الشخص المحضون لا يقبل غير الأم، أو لا يقبل غير الأب، وثبتت ولايته دون وجود من هو أحق قبله، فإنه يجب على الأب أو الأم الحضانة، وليس لأحدهما حق الترك والتولي، فإذا تركه أحدهما أجبره القاضي أو الإمام الوالي على القيام بحق الحضانة، هذا على القول بوجوبها.
والذين قالوا بعدم الوجوب يقولون: إذا تخلى وقال: لا أستطيع أو لا أريد أن أحضنه، فإنها تنتقل الحضانة إلى من بعده.
فمثلاً: إذا كانت هناك أخت شقيقة وأخت لأم وأخت لأب، وبينا أن الأخت لأم لا تكون حاضنة للصغير مع وجود الشقيقة، فلو أن الشقيقة قالت: لا أريد الحضانة، وقلنا: من حقها ذلك، انتقل حق الحضانة إلى الأخت لأم، وقس على هذا.
فتبين أنه إذا امتنع الأقرب وكان من حقه أن يمتنع، انتقلت الحضانة إلى من بعده.
وقوله: [أو كان غير أهل] الحضانة لها شروط لابد من توفرها للحكم بأهلية الحاضن للحضانة: من إسلام وبلوغ وعقل وحرية وحسن ولاية، وعدم وجود مرضٍ معدٍ.
ونحو ذلك من الشروط، فإذا توفرت هذه الشروط حكم بالحق لصاحبه لاستحقاقه للحضانة.
فإذا وجد فيه مانع كأن يكون كافراً، أو ارتد -والعياذ بالله- فكفر، سقط حقه في الحضانة، فتنتقل الحضانة إلى من بعد هذا الشخص الذي فيه المانع.
وقوله: [انتقلت إلى من بعده] أي: بالترتيب الذي ذكره رحمه الله، فمثلاً: لو كان عنده عمة شقيقة وعمة لأم وعمة لأب، وكانت العمة الشقيقة كافرة أو مرتدة، فحينئذٍ تنتقل الحضانة إلى العمة لأم، وهكذا لو وجد مانع في العمة لأم كأن تكون مجنونة فإنها تنتقل الحضانة إلى العمة لأب، وهكذا تنتقل الحضانة لمن هو أقرب.

موانع الحضانة

مانع الرق

وقوله: [ولا حضانة لمن فيه رق] شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان الشروط التي ينبغي توفرها في الحاضن، فيشترط فيه: أن يكون حراً، والرقيق ليس أهلاً للحضانة من حيث الجملة، والسبب في ذلك: أن الشرع نزع الولاية عن العبد فهو لا يلي أمر نفسه، حتى إن ماله لا يملكه، إنما هو ملك لسيده إلا ما ملّكه، قال صلى الله عليه وسلم: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فأخلى يده عن أن يتصرف في ماله، فكيف يتصرف في غيره؟ فهو لا يملك النظر في نفسه فأولى ألا يتولى أمر غيره، والإسلام في مسألة الرق لا يخصها بجنس ولا بلون ولا بطائفة ولا بزمان ولا بمكان، وإنما جعل ذلك راجعاً إلى وجود الكفر بنعمة الله عز وجل والمحاربة لدين الله، فإذا كان الشخص بهذه المثابة سقطت عنه الأهلية حتى صار كالبهيمة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:44]، وحينئذٍ يباع ويشترى ويملك.
وعلى كل حال فالرقيق ليس له حق في الحضانة؛ لأنه لا يملك أمر نفسه، فمن باب أولى ألا يلي أمر غيره، ولأنه مشغول بخدمة سيده، فكيف يتفرغ للقيام برعاية هذا الصبي أو هذه الصبية؟! ولذلك لو قيل: إن لهم الولاية لضاعت حقوق الشخص المحضون؛ لأنه إما أن يضيع حق سيده، وإما أن يضيع حق الشخص المحضون، فقالوا: نبقيه على الأصل من أنه مطالب بحق سيده.
والبعض يستغرب من الفقهاء أن يقولوا هذا، وهذه أصول شرعية، فالشرع أثبت الملكية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:5 - 6]، فجعلهم ملك يمين، فجعل الأمة ملك يمين لسيدها، وجعل المملوك مشغولاً بخدمة سيده.
وبناءً على ذلك: لا يستطيع العبد القيام برعاية الشخص المحضون، ومن هنا أسقط جمهور العلماء رحمهم الله الحق في الولاية للرقيق على المحضون.

مانع الفسق

وقوله: [ولا لفاسق].
الفسق: أصله من فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، فأصله الخروج، وسمي الفاسق فاسقاً؛ لأنه خرج عن طاعة الله، والفسق فسقان: فسق مخرج من الملة وهو فسق الكفر، وفسق لا يخرج من الملة وهو فعل كبيرة من الكبائر، أو الإصرار على صغيرة من الصغائر.
والفاسق له أحوال: فتارة يكون فسقه مؤثراً في الحضانة، وتارة لا يؤثر في الحضانة.
والمسألة هي: هل الفاسق يتولى الحضانة، أو لا يتولاها؟

الجواب

من أعدل الأقوال أننا ننظر في فسقه: فإن كان فسقه متعدياً مؤثراً في الحضانة لم يكن له حق في الحضانة؛ لأن المقصود من الحضانة يفوت بولايته، ومقصود الشرع من ولايته أن يقوم بحقوق الحضانة، ومثل هذا لا يؤمن منه.
وأما إذا كان فسقه لا يؤثر في الحضانة، فإنك قد تجد الشخص مثلاً مقصّراً ويقع في بعض المحرمات، ولكنه من أغير الناس على عرضه، ومن أحفظ الناس لحقوق القرابة، وقد تجد عنده أخطاء وزلات ولكنه من أصدق الناس قولاً، ومن أحسنهم معاملة، فليس كل فسق يؤثر في الحضانة.
ولذلك فإن من أعدل الأقوال في المسألة قول من قال أن ننظر في فسقه: فإن كان فسقه يضيع الحضانة ويؤثر فيها فلا يتولاها، مثلاً: شخص معروف والعياذ بالله ببعض المعاصي من شرب خمر أو فعل محرم من الكبائر، أو مستهتر بالحقوق والواجبات، فمثل هذا لا يعطى حق الحضانة، لكن لو كان يشرب الخمر، ولكن يؤمن شره وضرره على المحضون، أو كانت امرأة قذفت فحكم بفسقها، لكنها من أحرص الناس على أولادها، ومن أحفظهم لحق الولد أو لحق بنات أخيها أو بنات أختها، فإن الحضانة تنتقل إليها ولا يؤثر فسقها بالقذف في الحضانة؛ لأن القذف مما يوجب الفسق.
فالشاهد من هذا: أن الفسق إذا أثر في الحضانة نزع الصبي والصغير ولم يكن للشخص حق في الحضانة، وأما إذا لم يؤثر فإن الحق ثابت في ذلك مع وجود الفسق.

مانع الكفر

وقوله: [ولا لكافر].
الكافر ليس له حق في الحضانة، على مذهب جمهور من علماء رحمهم الله، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141] وإذا جعلنا لهم حق الحضانة كان نوع ولاية، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولأن الكافر يؤثر على الصغير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه) فبين أن الصغير يتأثر بمن يليه، قال: (فأبواه) ولأن الغالب في الحضانة أن تكون للأبوين.
ومن هنا قطع جمهور العلماء رحمهم الله ولاية الكافر في الحضانة، وهذا هو الصحيح؛ لأن أصول الشريعة تقوي هذا القول وتشهد بصحته.

مانع زواج المرأة بأجنبي

وقوله: [ولا لمزوجة بأجنبي] الأم لها حق الحضانة ما لم تتزوج، فلو طلقها زوجها فإنها أحق بولدها وبحضانته، فإذا تزوجت نظرنا في هذا الزوج: إن كان أجنبياً عن الصبية التي هي بنتها فإن الحضانة تنتقل من الأم، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي)، فلما قال: (ما لم تنكحي) أخلى يدها عن الولاية بوجود النكاح.
وأما إذا كان الشخص الذي تزوجها بينه وبين المحضون محرمية، ففي هذه الحالة لا تنتقل ولا تسقط الحضانة عن الأم، واستدلوا على ذلك بقصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه قال: إنها بنت عمي وخالتها تحتي، فهو ليس أجنبياً عنها، قالوا: هناك قرابة بين جعفر وبين حمزة رضي الله عنهما، وهنا يقولون: بسبب الرضاع الذي بين جعفر وحمزة استحق أن يليها؛ لأنه ليس بأجنبي عن هذه البنت.
ومن أهل العلم من قال: إذا كان قريباً ولو بالنسب التي هي قرابة العصبة غير المحرمية فإن له حقاً، وحينئذٍ تعتضد الزوجة بهذا القريب ولو لم يكن محرماً في ولايتها على بنتها.
وعلى هذا فالخلاصة: إن كان قريباً له محرمية فلا إشكال في إبقاء الحضانة عند الزوجة، وإن كانت قرابته لا توجب المحرمية، فاختيار طائفة من أهل العلم رحمهم الله وخاصة في مذهب الحنابلة أنه يكون للمرأة حق الحضانة وذلك لوجود القرابة بين زوجها وبين هذه البنت المحضونة.
وقوله: [من محضون] أي: الشخص المحضون أجنبي.
وقوله: (من حين عقد) إذا قلنا: إن المرأة إذا تزوجت تسقط حضانتها يرد

السؤال

هل تسقط بمجرد العقد أم لابد أن يدخل هذا الزوج الأجنبي بها؟ وجهان للعلماء: فمن أهل العلم من قال: لا تسقط حضانة الزوجة إلا بدخول الزوج، وهو مذهب المالكية ومن وافقهم رحمهم الله.
ومنهم من قال: مجرد العقد يوجب سقوط الحضانة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة رحمهم الله.
وقد استدل الذين قالوا: إن مجرد العقد يوجب سقوط الحضانة؛ بقوله عليه الصلاة والسلام: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي)، والمرأة توصف بكونها منكوحة بمجرد العقد، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] فدل على أن المرأة تكون منكوحة بمجرد العقد.
إذا ثبت هذا فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) وقد نكحت وتزوجت، سواء دخل بها أو لم يدخل.
ومذهب الحنابلة والشافعية على أن العبرة بالعقد أقوى أثراً، ومذهب المالكية ومن وافقهم أقوى نظراً، مع أن الأثر يحتمل؛ لأن العلماء اختلفوا: هل النكاح حقيقة في العقد أو حقيقة في الوطء؟ خلاف مشهور.
بعض العلماء يقول: حقيقة في العقد، وبعضهم يقول: حقيقة في الوطء، ومنهم من يقول: حقيقة فيهما.
والسبب في ذلك: أن القرآن ورد فيه النكاح بمعنى الدخول، وورد فيه النكاح بمعنى العقد، وأكثر ما ورد بمعنى العقد.
وقالوا: إن النكاح بمعنى الدخول دليله قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230] فجاءت السنة وبينت أن النكاح هنا المراد به الدخول، وليس مجرد العقد، فصار قوله: ((حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)) المراد به الدخول.
ومن هنا يقولون: إن النكاح حقيقة في العقد وحقيقة في الوطء، فإذا كان حقيقة فيهما يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) يحتمل الوجهين: ما لم تنكحي، أي: تعقدي، ويحتمل: ما لم تنكحي، أي: يدخل زوجك بك.
فالمالكية يقولون: لما احتمل الأمرين اعتضد بالأصل، وهو أن الخطر على الشخص المحضون لا يتأتى إلا بعد الدخول، ويكون تقصير الزوجة لانشغالها بالزوج بعد الدخول لا قبل الدخول، فهو أقوى من جهة النظر؛ لأن الأثر من ناحية إطلاق النكاح حقيقة على الدخول أيضاً فيه إشكال.
لأن بعض العلماء يرى أن آية البقرة في الطلاق ثلاثاً هي في النكاح، لكن جاءت السنة بزيادة شرط الدخول.
وعلى كل حال فالمسألة محتملة، أما من حيث النظر والقوة في المعنى فلا شك أن الدخول هو المعتبر.
وقوله: [فإن زال المانع رجع إلى حقه].
أي: فإن زال المانع عن الشخص المحضون رجع إلى حقه، فإذا أسلم الكافر وأفاق المجنون رجع إلى ولايته للحضانة.

الأسئلة

الحضانة رعاية معنوية لا نفقة فيها

السؤال

فضيلة الشيخ! إن كان الذي له الحق في الحضانة فقيراً، وكان الذي يليه موسراً، هل يقدم الموسر على الفقير نظراً لمصلحة المحضون، أثابكم الله؟ بعض العلماء يرى أن الحاضن له أجرة، فإذا كان فقيراً صار من باب أولى وأحرى، والسائل يظن أن الحاضن هو الذي ينفق ويقوم على المحضون بالنفقة.
فليعلم أن باب الحضانة يشمل أخذ الصغير لتعليمه وتأديبه وتربيته ورعايته، وليس في المسألة إنفاق؛ بل الحضانة رعاية معنوية للشخص وتصريف أموره المادية، لكن لا يدفع الحاضن من ماله، فلينتبه لهذا! فإذا كان الأقرب فقيراً والأبعد غنياً، فنقول: الحاضن له أجرة في الحضانة، فإذا كان له أجرة صار الفقير أولى من جهتها، أي: صارت المسألة بالعكس، أولى لفقره وأولى لقربه، وبناءً على ذلك صار السؤال معكوساً من هذا الوجه.
وعلى كل حال فالحاضن لا يدفع من جيبه شيئاً، فالأصل أن ينفق من مال الشخص المحضون، وإذا كان صغيراً فمن مال والده، على التفصيل الذي ذكرناه في النفقات، فالنفقات لها باب مستقل، ويتولى الإنفاق عليه من ذكرنا من قرابته بالضوابط التي بيناها في باب النفقات، لكن هنا مسألة الرعاية والقيام على المصالح، والله تعالى أعلم.

إجراء الأحكام التكليفية على المعتوه

السؤال

هل المعتوه تجري عليه الأحكام؟ وهل هو مكلف؟

الجواب

الأصل أن العته نوع من الضعف في العقل، فإذا فقد الإنسان الإدراك للأمور وتمييزها سقط عنه التكليف، فهو إنسان غير مكلف؛ لأنه في حكم المجنون.
أما العته الذي فيه خرف ونوع من التمييز وله عقل، فطائفة من العلماء رحمهم الله يقولون: إن الشخص يكون في بعض الأحيان من أذكى خلق الله، ولكن فيه قصور، لأن الذكاء شيء والعقل شيء آخر.
ومن هنا فالعته لا يؤثر في العقل من كل وجه، ويؤثر في شخصية الإنسان من ناحية تمييز الأمور وإدراكه لها، لكن لا يصل به إلى حد الجنون، فإذا وصل به إلى حد الجنون لم يكن معتوهاً بل يكون مجنوناً.

انتقال الحضانة من الأم إلى أم الأم

السؤال

الأم إذا نكحت هل تنتقل الحضانة إلى أم الأم، أم إلى الأب مباشرة؟

الجواب

ذكرنا أن الحضانة للأم، ثم لأم الأم وإن علت بمحض الإناث، وهي أولى من الأب، لأن شفقة الأم أقوى من شفقة الأب، وأم الأم بمنزلة الأم، وأصول الشريعة دالة على هذا، وأقوى الأقوال عند أهل العلم رحمهم الله: أن أم الأم مقدمة على الأب، والله تعالى أعلم.

معنى المأثم المغرم

السؤال

في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) فما هو المأثم والمغرم أثابكم الله؟

الجواب

فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا بأن الإنسان إذا غرم وأصابه الدين وتحمل وقع في الإثم، ولذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعد فلا يفي) أي: يقول سأعطيك غداً، ثم لا يتيسر له السداد، فيصبح مخلفاً لوعده كاذباً في قوله، فاستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحال، كما ثبت في حديث دعاء التشهد وهو حديث صحيح: قالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من هذا وقال: (إذا غرم الشخص حدث فكذب، ووعد فأخلف) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من غلبة الدين، لأن الدين إذا غلب الإنسان كذب في قوله، وأخلف في وعده، وهذه من الفتن العظيمة.
ولذلك لا تظهر قوة الإنسان في دينه وصدقه في إيمانه بمثل ما إذا ابتلي بالدنيا فصدق مع الله عز وجل، فالدنيا بلاؤها عظيم، ومن هنا قال عمر رضي الله عنه: (لا تغرنكم دندنة الرجل في صلاته، انظروا إليه في ديناره ودرهمه).
فالشخص إذا ابتلي في الدنيا وأصبح غارماً مديوناً اضطر إلى أن يكذب ويخلف الوعد، ويقع في المزالق التي لا تحمد عقباها: إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر بوادٍ حول واديها فعلى الإنسان أن يبتعد عن أمور الدنيا خاصة تحمل الديون في التجارات أو في أمور غير واضحة، فهذه لا تحمد عقباها، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم وهو يبين حال الاستدانة وعدم سداد الناس حتى يقع الإنسان في غلبة الدين، ويقع في خلف الوعد والكذب إذا حدث، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) وهذا يدل على أن الإنسان إذا أخذ الديون ينبغي عند أخذه أن ينظر إلى أمرين: أولاً: حسن النية في السداد.
ثانياً: وجود غلبة الظن على أنه سيسدد.
ولا يجوز أن يخاطر بأموال الناس، خوفاً من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، فالتساهل في هذه الأمور لا ينبغي.
وكم من إنسان تراه مستقيماً على دين الله عز وجل وطاعته ومحبته ومرضاته، فإذا علم الشيطان ضعفه في الدنيا استدرجه حتى يقع فيها، ويمنيه ويعده بالوعود الكاذبة حتى يقع في غلبة الدين، وعندها لا يهنأ له عيش، ولربما تصيبه دعوات السوء والعياذ بالله؛ لأنه قد يضر الناس -والعياذ بالله- في حقوقهم.
المقصود أن غلبة الدين لا خير فيها، فقد تهلك الإنسان وتفتنه في دينه ودنياه، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يقضي عنا وعنكم الدين، ونعوذ بوجهه الكريم وسلطانه القديم من فتنة الدين والدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

الصلاة على فراش في طرفه نجاسة

السؤال

إذا صليت على فراش كبير وفي طرفه نجاسة هل تصح الصلاة، أثابكم الله؟

الجواب

إذا كانت النجاسة في مكان المصلي أثرت في صلاته، وحينئذٍ لا يصح أن يكون الموضع الذي يليه نجساً أو عليه نجاسة، فإذا صلى على موضع نجس بطلت صلاته.
والأصل في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه صلّى بنعلين، ثم خلع النعلين أثناء الصلاة، فخلع الصحابة النعال، فلما سلّم عليه الصلاة والسلام قال: ما شأنكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: أما إنه قد أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين) فدل على أنه لا يجوز أن يصلي على الموضع النجس والمكان النجس، والله تعالى أعلم.

كيفية قضاء السنة الراتبة

السؤال

إذا فاتت السنة الراتبة قبل الصلاة فهل تقضى بعد الصلاة أثابكم الله؟

الجواب

يشرع قضاء الرواتب بعد الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى راتبة الظهر، وذلك بعد صلاة العصر وقالت له أم سلمة رضي الله عنها: (رأيتك تصلي ركعتين لم أرك تصليهما من قبل؟ قال: هما سنة الظهر، أتاني وفد عبد قيس فشغلوني عنهما آنفاً).
وفي هذا الحديث من الفقه والفوائد شيء كثير، منها: سؤال العالم عما خالف من حاله وهيئته، خاصة فيما يختص بأمور الشرع، فإن الغالب فيها أن يكون لها سبب وموجب.
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك فعل الراتبة في وقتها لانشغاله بالدعوة، ومن هنا استدل به على جواز تأخير الرواتب إذا اشتغل طالب العلم بالدرس، أو بمحاضرة، وأراد أن يؤخر الراتبة، فهذا الحديث أصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الراتبة لدعوة وفد عبد قيس، فلما ترك الراتبة لوفد عبد قيس دل على تقديم العلم والنفع المتعدي على النفع القاصر؛ لأن فضل العلم والدعوة أعظم من فضل العبادة.
الراتبة فضيلتها قاصرة، والعلم فضيلته متعدية، ولذلك تجد بعض الجهال يستعجلون في انتقاد الغير ويعتبون على طلاب العلم حينما لا يرونهم يصلون راتبة المغرب ويزدحمون للعلم، وهذا من جهلهم بالسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم صح عنه تأخير الراتبة، فلا ينكر على طلاب العلم حيث إن لهم وجهاً من السنة.
وسبب هذا أن فضل العلم والدعوة متعدٍ، خلافاً للرواتب والعبادة القاصرة، فأخذ من هذا أن الفضل المتعدي مقدم على الفضل القاصر، ومنه أخذت القاعدة أيضاً: أن ما يمكن تداركه، إذا ازدحم مع الذي لا يمكن تداركه، قدم الذي لا يمكن تداركه على الذي يمكن تداركه.
ومن هنا قال بعض العلماء: إذا أراد أن يصلي راتبة الظهر وحضرت صلاة جنازة قدمت الجنازة على راتبة الظهر؛ لأن راتبة الظهر يمكن تداركها والجنازة لا يمكن تداركها، حتى قال بعض العلماء: له أن يقطع راتبه الظهر، ولكن هذا محل نظر؛ لأن الأصل يقتضي عدم إبطال النوافل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] فهو ينوي في قرارة قلبه أنه لولا اشتغاله بالنافلة لصلى على الجنازة حتى يكتب له الأجر، لكن إذا لم يجد أحداً يصلي عليها فحينئذٍ يكون من باب ترك الأقل المستحب لما هو أوجب وآكد، وهذا إذا ضاق الوقت.
أما بالنسبة للأصل الذي ذكرناه في مسألة الرواتب، فإنه يشرع قضاء الرواتب القبلية، وكان بعض العلماء رحمهم الله يشدد ويقول: حديث أم سلمة رضي الله عنها في قضاء البعدية وليس في قضاء القبلية، ويقول: إذا فاتت القبلية فلا يقضيها، وهذا محل نظر.
وقال: إن السبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته راتبة الظهر وصلى بعد العصر ركعتين، وهاتان الركعتان قد صليتا بعد الظهر فصدق عليهما أنهما بعدية، لكن إذا كانتا قبلية وفاتت، فإنها تفوت بفوات القبل، وهذا من جهة النظر والعقل، لكن هذا القول مردود بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضاء راتبة الفجر، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قضاها بعد وقتها.
وأجيب عن هذا الجواب بأنه قضاها مرتبة، أنه عليه الصلاة والسلام فعلها بعد للفرض، لكن رد هذا بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث من قوله: (لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتي الفجر) وفي أحد الأوجه في تفسير هذا الحديث أن المراد به قضاء راتبة الفجر عند من يقول بجواز قضائها بعد تسليم الإمام، ويستثنيها من النهي عن الصلاة بعد الصبح.
وأياً ما كان فإن حديث أم سلمة رضي الله عنها لو نوزع فيه وقيل: إنه فعلها بعدية، فإنه يقال: العبرة بفوات المكان، لأن البعدية بين الظهر والعصر، وقد فعلها عليه الصلاة والسلام بعد العصر.
ومن هنا يوجد عند العلماء شيء يسمونه الأصل، أي: تتقيد فيه بالوارد، فإذا تيسر الوارد كان لك أجر المتابعة كاملة، وإن تركت الوارد وفعلت غير الوارد وكان الأصل دالاً على غير الوارد كان لك أصل الأجر.
مثال ذلك: النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه دعا في السجود، وقال: (اللهم يا مصرف القلوب صرّف قلبي لطاعتك، اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك) فأنت إذا دعوت بهذا الدعاء أجرت في الأصل بالدعاء في السجود، وأجرت بالمتابعة في نوعية الدعاء.
لكن لو أنك دعوت في سجودك بغير هذا الدعاء الوارد كان لك الأصل، فنحن نقول: الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الراتبة في غير وقتها، فكون هذه الراتبة جاءت في صفتها بعدية ليس هو المراد، إنما المراد هو مشروعية القضاء.
وحينئذٍ يصلح أن يكون الحديث دليلاً على قضاء القبلية وقضاء البعدية على حد سواء، والله تعالى أعلم.

تزاحم العبادات

السؤال

أحياناً تزدحم على طالب العالم بعض الأمور المختلفة، كزيارة الرحم وطاعة الوالدين وما لديه من دروس، فكيف يتعامل مع هذه المهام بالطريقة المثلى أثابكم الله؟

الجواب

هذا سؤال يحتاج إلى نظر، أولاً: من حيث الأصل يقدم الواجب على غير الواجب، فبر الوالدين فرض، وهذا الفرض مقدم على غيره من حقوق الآخرين، فإذا سألك والداك، أو احتاج الوالد منك أن تأتي عنده في القرية، أو في المزرعة أو التجارة، فعليك أن تقدم هذا الواجب، وتتقرب إلى الله عز وجل بذلك.
إذاً: الواجبات تقدم على غير الواجبات، مثل شخص أو جماعة دعوك في سفر لعمرة أو للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك، تقول: الدعوة مستحبة وبر الوالدين واجب، والواجب مقدم على المستحب.
إذا ازدحمت الواجبات قُدِّم الآكد على غير الآكد، فمثلاً: إذا نظرنا إلى حق القريب نجده من حيث الأصل حق واجب على المسلم أن يصله، هذا القريب قد يكون مريضاً يحتاج أن تكون معه، أو جاءته ضائقه أو ظرف يريدك أن تكون معه، وهناك مثلاً صديق عنده ظرف ويحتاج أن تكون معه، فإذا نظرت وتأكد عليك أن هذا الصديق ليس له غيرك والقريب ليس له غيرك بعد الله عز وجل، فحينئذٍ يقدم الحق الآكد وهو حق القريب، فتقدم حق القريب ثم الأقرب فالأقرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم أدناك أدناك) فجعل الحقوق مرتبة، والله عز وجل جعل لكل شيء قدراً.
فالمسلم ينظر دائماً للحقوق المؤكدة، فالفضائل والمستحبات والمندوبات يقدم فيها المتعدي على القاصر، وهذه قاعدة في التفضيل، وكما ذكرنا في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد عبد قيس، فإنه يقدم الشيء الذي لا يمكن تداركه، مثلاً: لو كان عندك أثناء الإجازة أشياء لو أخرتها لم يمكن تداركها، وأشياء من المستحبات لو أخرتها عن الإجازة أمكن تحقيقها في غير الإجازة ولو بعض الشيء، فتقدم الذي لا يمكن تحقيقه بعد الإجازة مطلقاً على الشيء الذي يمكن تحقيقه بعد الإجازة بعض الشيء.
هذه كلها أمور لها قواعد وضوابط إذا ازدحمت؛ كأن تكون كلها علوماً، وهذه العلوم لا تدري هل تذهب لهذه الحلقة أو إلى هذه الحلقة أو هذه الحلقة، فإذا كانت الحلقة في علم يحتاج إليه كأن تكثر أخطاء الناس فيه، أو كان عالمه يضبطه أكثر أو يتقنه أكثر، أو كان لا يتيسر لك في غير الإجازة، فتقدم بهذه الوجوه، وتراعي التفضيل من هذه الوجوه، وهذا ليس خاصاً بالإجازة، فهذه أصول عامة، وعند العلماء مبحث في التفضيل تكلموا عليه في كتب القواعد الفقهية في قواعد التفضيل.
فعلى كل حال، تقدم الأشياء الواجبة على الأشياء المندوبة والمستحبة، وتقدم الواجبات المؤكدة على الواجبات غير المؤكدة، ويراعي في هذا كله النية الصالحة، أعني: أن تنوي في قرارة قلبك أنه لولا انشغالك بهذا الشيء لفعلت ذلك الشيء، حتى تؤجر بعملك ونيتك، وجمع الخير كله تقوى الله عز وجل وسؤال العلماء.
فينبغي لكل إنسان أن يرجع إلى أهل العلم: (وما خاب من استخار ولا ندم من استشار) فالذي يسأل أهل العلم ويرجع إليهم في الأمور الشرعية لا شك أنه سيكون على بصيرة من أمره، ويوفق ويسدد.
ومن العجيب -وليس هذا من الله ببعيد- أنك عندما تستشير أحداً من أهل العلم، فيشير عليك بمشورة، أن الله يجعل البركة فيما أشار به، إن عاجلاً أو آجلاً أو هما معاً، ومن أراد فليجرب.
فهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى خاصة إذا رزق من يستشيره العقل، فإذا ازدحمت عندك الأمور فإن كانت شرعية فارجع إلى أهل العلم، وإذا كانت أموراً دنيوية فارجع إلى أهل العقل والأمانة، فإنهما شرطان لابد من توفرها فيمن تستشير.
فالذي عنده عقل أبعد منك نظراً، وأعرف منك في الحظوظ والمفاسد والمصالح، وكذلك وأما الأمانة فلأنه قد يكون عاقلاً فاهماً لكن لا أمانة عنده، وليس عنده نصيحة.
فإذا رزقك الله عز وجل استنارة العلم والعقل، فإنك موفق، ومن هنا كان يقول بعض العلماء رحمهم الله: من الناس من رزق العلم أكثر من العقل، فعنده علم كثير لكن عقله صغير، ومنهم من رزق عقلاً أكثر من العلم، فعقله أكبر من علمه، وهذا موجود في الناس، وبعض الناس طالب علم علمه قليل، إلا أن عنده من رجاحة العقل وبعد النظر الشيء الكثير، وهذه هبة من الله عز وجل، ومن الناس من جمع الله له بين الحسنيين: العلم والعقل، فهذا خير المنازل وأفضل ما يكون.
فإذا أراد الإنسان أن يستشير فإن كان لأمرٍ ديني فلا إشكال أنه يرجع إلى أهل العلم، وإن كان في أمر دنيوي فإنه يرجع إلى من هو أعقل: شاور أخاك إذا نابتك نائبة يوماً وإن كنت من أهل المشورات فالعين تبصر ما دنى ونأى ولا ترى ما بها إلا بمرآة فتستشير العاقل الحكيم الذي تأمنه على دينك وعرضك وأهلك.
وهنا ننبه على مسألة مهمة جداً، وهي أن بعض طلاب العلم تنزل مسائل شرعية، فيأتي شخص ويقول: والله ما أدري أفعل كذا أو كذا والدي يأمرني! والدتي تأمرني! أو كذا، أمر يتعلق بالدين، فتجد هذا يعطيه رأياً، والآخر يعطيه رأياً.
والمنبغي على طالب العلم ألا يفتي في المسائل الشرعية إلا إذا كان أهلاً، فالعجب أنك تسمع بعض طلاب العلم يجيبه ويعطيه قاعدة وأصلاً، يفتي ويُنظِّر ويقعد ويستدل وهو ليس بأهل لذلك، فلا يتقحم المسلم النار على بصيرة، هذه نار الله الموقدة، القول على الله بدون علم، حتى في الرأي يجب ألا تستهين بهذه الأمور، فلا تأتِ لأخيك بأمر شرعي ولو في طلب العلم، فتقول: افعل كذا واترك كذا يا إخوان! تحسبوه هيناً وهو عند الله عظيم.
الأمور الشرعية تناط بأهل العلم، ويرجع فيها إلى أهل العلم الذين هم أعلم وأحكم، فنحن نقول هذا لأنه يأتينا بعض الأخيار ويقولون: قال لي بعض طلاب العلم: لا تفعل كذا! وافعل كذا! وبعضهم يقول: إن فعلت كذا أثمت! فهذا لا يجوز، فإن تحليل الحرام كتحريم الحلال.
والمنبغي الرجوع إلى من أمر الله بالرجوع إليه من أهل العلم وتقوى الله عز وجل.
وعلى كل شخص يستشيره أخوه أو يشاوره أن ينصح له، وخاصة إذا أراد الإنسان أن ينصح فيستنصح الأخيار والأتقياء.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهيئ لنا من أمورنا رشداً، وأن يسلك بنا أفضل السبل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب الحضانة [2]

ترتكز الحضانة على حفظ الصغير عما يضره في دينه أو دنياه، فإذا أراد الحاضن أن يسافر ويأخذ المحضون معه ففي هذه الحالة لابد من مراعاة الأحكام والشروط التي تتعلق بهذه المسألة، كما أن المحضون تنتهي حضانته عند أجل معلوم بينه الفقهاء رحمهم الله، وذكروا تفصيلات ما للحاضن وما عليه.

أحكام سفر الحاضن بالمحضون

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وإن أراد أحد أبويه سفراً طويلاً].
شرع المصنف رحمه الله في بيان بعض المسائل والأحكام التي تترتب على الحضانة، وهذه المسائل تكثر فيها الخصومات والنزاعات بين قرابة الولد المحضون من والد ووالدة أو حاضر من القرابة، فيختلفون فيمن يتولى حضانة الطفل.
وقد بين المصنف الشروط التي ينبغي توافرها، وبعد ذلك رتب أولياء وقرابة الطفل المحضون، ثم شرع بعد ذلك في جواب سؤال مفترض: وهو أننا إذا علمنا من هو الأحق بالحضانة، وفوجئنا أنه يريد أن يسافر بهذا المحضون أو يخرج به، فما الحكم؟ وهذه المسألة على صور: منها ما يتعلق بسبب الخروج والسفر، ومنها ما يتعلق بالمسافة التي يريد أن يخرج إليها هذا المسافر، ومنها ما يتعلق بحال الشخص أثناء السفر، هل هو مأمون أو غير مأمون؛ وكذلك أيضاً حال الطريق التي يريد أن يسلكها أثناء السفر، وحال البلد الذي يريد أن ينزل فيه.
ومن هنا يتبين فضل الله عز وجل على علماء الفقه الإسلامي حيث لم يطلقوا الأحكام دون نظر إلى صفات مهمة تؤثر في أصل المسألة.
فالحضانة في أصلها قائمة على الحضن والرعاية والصيانة، فالذي يتولى الحضانة يقوم على حفظ الصغير عما يضره في دينه ودنياه، وهذا الأمر الذي هو الأساس لا بد أن يرتبط بالصفات والأحوال التي يتم بها السفر، وبالجهة التي يسافر إليها، والشخص الذي يتولى السفر به.
ومن هنا ضبط المصنف رحمه الله مسألة السفر بضوابط: أولاً: إذا أراد الزوج أو الزوجة السفر فلا إشكال إذا كان سفرهما إلى نفس البلد، أو ينتقلون من مدينة إلى مدينة آمنة، ويكون الاثنان مع بعضهما، وحينئذٍ لا تقع خصومة غالباً؛ لأنه إذا انتقل به الوالد أو الوالدة سيكونان مع بعضهما، أو على الأغلب في حالٍ قريب من حال البعض، إلا أن من أهل العلم من يقول: الأب أحق به على كل حال؛ لأن السفر خطر، ويعظم ضرره ويكثر شره، فلا أمانة إلا بالله ثم بالوالد؛ لأن الوالد أقدر على الحفظ والصيانة من الوالدة، والله عز وجل وصف النساء بالضعف، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إني أحرّج حق الضعيفين: المرأة واليتيم)، فالمرأة ضعيفة في أصل خلقتها وتكوينها الفطري، ومن هنا يقولون: إذا أرادا أن يخرجا فالأصل أن تكون الحضانة للوالد وحينئذٍ يكون أحق بهذا الولد.
وبناءً على هذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصغير لأمه: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، فينتزع الولد عند السفر من الأم، ويعطى إلى الأب في حال السفر، حتى يصلا إلى المدينة أو القرية أو المكان المراد، ثم يُرَدُّ الولد إلى أمه.
إذاً: هذا الحكم في حال السفر إذا كانا مسافرين إلى بلدٍ واحد، لكن إذا كانا مسافرين إلى بلدين مختلفين؛ هل الأحق به الوالد أم الأم؟ نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن الأم أحق بولدها ما لم تنكح وتتزوج؛ لأن الأم تحفظ الصغير وتقوم على شئون تربيته وإصلاح حاله حتى يميز، لكن إذا سافرت به، فإن الوالد يرفض ذلك، فنقول: هل نرده إلى أبيه أو نبقيه مع أمه؟ بعض العلماء يقول: إنه يبقى مع أمه؛ لأن الأم هي الأصل، والقاعدة تدل على استصحاب الأصل والأصل أنه عند أمه، فيستصحب الأصل، واستصحاب الأصل دلّت عليه الأصول الشرعية، وهو مسلك في الفقه الإسلامي لا إشكال فيه.
والذين قالوا: يكون عند الأب؛ قالوا: إن استصحاب الأصل شرطه أن لا يرد عارض يوجب الانتقال عن هذا الأصل، والعارض هنا: أن الأم ضعيفة ولا تقوى على حفظ الولد، وعليه فينتقل إلى الوالد.
والمصنف رحمه الله ضبط المسألة حين اشترط أن يكون السفر آمناً، وبناءً على ذلك: إذا كان مخوفاً، فمن أهل العلم من قال: السفر المخوف يكون المرد والمعوّل فيه على الله ثم على الأب، وهذا القول تدل عليه الأصول، فإن الأب أقدر على حفظ الولد وعلى صيانته، وأيضاً فكلهم متفقون على أن الأنثى إذا عقلت واستغنت عن والدتها وجب ردها إلى أبيها حتى يزوجها، وكأن الأب أقدر على حفظ العرض من الأم، فإذا كنا قد اتفقنا أنه في حال اكتمال عقل المرأة بعد السابعة تدفع لأبيها، فكذلك هنا.
فإذاً: قولنا إن الأب أحق من حيث الأصل أقوى للعارض؛ لكن حق الأم جاء في النص: (أنت أحق به ما لم تنكحي) ولم يفرق، من كونها في حضر أو سفر.
ومن هنا يقول بعض العلماء: أنا أستمسك بالأصل، وهو أن السنة دلت على أن الأم أحق به ما لم تطرأ طوارئ، سواء كانت في السفر أو أثناء السفر أو المدينة المسافر إليها.
وإذا قلنا إن الحضانة ترد إلى الأب إذا كانت الأم تريد أن تسافر، فإن كان الذي يريد أن يسافر هو الأب فلا إشكال، وهو البقاء على الأصل، وهو أن الطفل عند الأم، والحقيقة أن هذا القول هو أعدل الأقوال: أعني أن نبقى على الأصل في الحضانة، ولكن إذا كان السفر مخوفاً واحتيج إلى رعاية وصيانة فإننا نرد الولد إلى والده؛ لأنه أقدر على حفظه وصيانته، حتى ينتقل إلى المكان الذي ينتقل إليه ويعود الأمر إلى ما كان.
بالنسبة للسفر هناك سفر لضرورة أو واجب ديني مثل السفر للحج أو للعمرة، فمثلاً: لو أن القاضي قضى بانتقال الولد إلى والده وثبتت الحضانة للوالد، وقد تزوجت الأم ونكحت، ثم أراد الأب أن يسافر إلى الحج أو العمرة، فعلى الأصل الذي قررناه فإنه يسافر، ونقول: إن الولد يرجع إلى أمه؛ لأن السفر فيه خطر وضرر على الولد، وليس بمتعين خروج الولد، وهذا إذا كان السفر لحاجة دينية واجبة.
أما الواجب الدنيوي مثل أن يحتاج الوالد أن يسافر لعلاج مريض والولد في كفالته وحضانته، فهل يسافر به أو يتركه؟ نقول: يبقيه عند أمه؛ لأن العلة التي كنا نقول: إن الأم لو كانت هي التي تحضن الطفل وأرادت أن تسافر والسفر مخوف، فإننا نرده إلى أبيه، والسفر من حيث هو مخوف وفيه ضرر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب)، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن السفر عذاب، وهو على الصغار أشد عذاباً وأعظم بلاء، وبناءً على ذلك نقول: يوضع الولد في هذه الحالة عند أمه وتقوم على رعايته.
إذاً: بين المصنف رحمه الله حال السفر إذا كان الطريق آمناً، أما إذا كان مخوفاً وأحدهما مسافر والآخر غير مسافر فإنه يكون الحق للذي لا يسافر؛ لأنه ألزم للأصل الذي ذكرناه، ولأن الحضانة شُرِعت للصيانة والحفظ، والخروج يفوت ذلك، فوجب بقاء المحضون عند الحاضن غير المسافر.
وقوله: [وإن أراد أحد أبويه سفراً طويلاً] لماذا قال المصنف: وإن أراد أحد أبويه ولم يقل: وإن أراد الحاضن؟ نقول: الحضانة هي صيانة الصغير وحفظه والقيام على شئونه ورعايته، لكن هذا الحق يرتبط به حق آخر للوالد أو الوالدة إذا حُكِم به لضده.
فمثلاً: الأم إذا ثبتت لها الحضانة وقضى القاضي أنها أحق بحضانة الولد، وكانا في نفس المدينة أو نفس القرية وليس هناك خروج، فالوالد يتولى تعليم الولد ورعايته وإطعامه وشرابه، وتتولى الأم مرضه وسقمه، فلو أنه مرض أو أصابته علة أو آفة فإنه ينقل إلى الأم، وإذا اصطلحوا على أن الأم تأتيه وتمرضه في بيت والده فلا إشكال.
فالأم أحق به في حال المرض حتى ولو كان الحاضن الوالد؛ لأنها أقدر على هذا الشيء، وانظر كيف أن علماء الإسلام ينظرون إلى الأشياء التي تؤثر وتحقق المصالح وتدرأ المفاسد، فالحضانة المقصود بها تحقيق مصلحة الصبي ودرأ المفسدة والشر عنه، فحيثما وجد السبب الموجب لتحقيق هذا الأصل فإننا معه، سواء مع الوالد أو مع الوالدة.
فإذا ثبت أن الطرف الآخر له حق، فحينئذٍ إذا أراد أن يسافر أحدهما ضاع حق الآخر؛ لأننا إذا قلنا: إنه يريد أن يسافر إلى بلد لا يوجد فيه الآخر، فلو أن الأب حكم له القاضي بأنه حاضن، وأراد أن يسافر بابنه إلى الخارج لسياحة أو نزهة، فإن الأم ستقول: أنا أتضرر بخروج ولدي وأخشى على الولد، والعكس لو قضى القاضي للأم أنها أحق وأخذت صغيرها، فأرادت أن تسافر به ولو لصلة رحم أو زيارة قرابتها، يقول الوالد: أنا أريد أن أرى ابني، وأخشى على ابني من هذا السفر، فلها الحق في الحضانة ما دامت مقيمة، أما إذا أرادت أن تخاطر بالطفل فلا.
إذاً: هذه هي المسألة، ولذلك تدور أقوال العلماء وتفصيلاتهم حول تحقيق مصلحة الصبي ودفع الضرر عنه.
إذاً: علينا أن نلزم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأم أحق، والتفصيل الذي ذكرناه بالأصول الشرعية في ترتيب المستحق للحضانة، ثم إذا طرأ أي طارئ يتحقق به الضرر أو تزول به المصلحة ويحصل في ذلك شر على الصبي، ونظرنا في سببه، فإنه يجب منع ذلك السبب سواءً كان سفراً إلى بلدٍ آمن أو بلد غير آمن، أو كان الطريق مخوفاً أو الشخص نفسه الذي يسافر مخوفاً، فكل هذا ينظر فيه القاضي؛ ولذلك ترد هذه المسائل إلى القضاة للنظر في الأصلح والأفضل للصغير، وهو الأسلم.
ومن هنا كان الأصل الشرعي أن يُنظر إلى مصلحة الصبي، فنحن لا نضبطه بهذه الأوصاف كقاعدة كلية، ولكن نقول: إنه متى كان السفر يترتب عليه الضرر للصغير والمسافر أحد الوالدين وجب بقاء الصبي مع الذي لا يسافر، وأما إذا كان السفر غالبه السلامة أو يؤمن على الصبي من ضرره أو ضرر البلد الذي سيسافر إليه والشخص الذي يسافر معه، فحينئذٍ لا إشكال أن الحاضن يبقى حقه في الحضانة.

حكم استصحاب المحضون في السفر الطويل

وقوله: [سفراً طويلاً].
هنا

السؤال

إذا كانت الأم حاضنة لولدها فأرادت أن تخرج إلى غير سفر، فمثلاً: حصلت مناسبة في ضاحية المدينة، فهل من حقها الخروج؟ نفس الشيء لو كان الحاضن هو أبوه ثم وقعت مناسبة في ضاحية المدينة أو أطراف المدينة، فهل من حقه أن يخرج به؟ قال المصنف: (سفراً)، ويشترط في السفر أن يكون طويلاً، فيخرج ما كان في الحضر؛ لأنهم في الحضر أشبه بالمكان الواحد أو بالمدينة الواحدة، وحينئذٍ فلا إشكال، لكن مع هذا لا يجوز للوالد ولا للوالدة أن يخرجا بهذا الصغير إلى مكانٍ فيه ضرر، كأن يخرجا إلى أطراف المدينة وفيها السباع والهوام، وفيها مثلاً المزارع والآبار، فقد يسقط الصبي في بئر، وقد يتعثر في شيء.
فإذاً: مسألة السفر ليست هي التي ينحصر فيها الضرر فقط، فالواجب شرعاً على الوالد أو الوالدة: أنه متى ما أدرك أن خروجه بهذه الصغيرة أو هذا المحضون فيه ضرر، فعليه أن يرده إلى الطرف الثاني كي يتولى حفظه ورعايته، هذا هو الواجب شرعاً؛ صيانة لحق الصبي المحضون ونصيحة له، وهذا هو الواجب على الوالدين، أما من لم ينصح لولده فلا خير فيه؛ لأن أولى الناس بأن ينصح لهم هم أقرب الناس من الإنسان.
وقوله: [إلى بلد بعيد ليسكنه].
أي: كأن يريد أن ينتقل، فيتضرر الطرف الثاني، فالأم تريد أن ترى ولدها، والوالد يريد أن يرى ولده، وبعض العلماء يقول: ننظر في البلد الذي تزوج فيه، فمن كان فيه فهو أحق، وبعضهم يقول: ننظر إلى أخف البلدين وأكثرهما أمناً.
والحقيقة أن هذه المسألة إذا نظر فيها القاضي ووجد أن هناك ضرراً على الصبي في سفره منعه، وإن كان الضرر في إقامته أمر بسفره لانتقاله مع من يسافر بشرط أن يكون محافظاً عليه، فقد يكون بقاء الصبي فيه ضرر، مثل ما يقع في بعض الأمكنة، حيث يدخلها فساد في أخلاقها، فهذا ضرر ديني، أو يدخلها فساد في صحتها من انتشار الأضرار والأمراض ونحو ذلك، فهذا فساد دنيوي، أو يكون فيها فقر وشدة مئونة، فأراد أن يتحول إلى ما هو أرفق، فهذا كله ينظر فيه القاضي إلى ما فيه مصلحة المحضون.
وقوله: [وهو وطريقه آمنان].
أي: أما إذا كان الطريق مخوفاً فلا؛ ولذلك يقول بعض العلماء: إذا كان الطريق مخوفاً فالحق للمقيم، فلو أن زوجاً وزوجة اختلفا في الولد، وقضى القاضي أنه للزوجة، فإذا أرادت الزوجة أن تسافر في طريق مخوفٍ رد الولد إلى والده، وقيل لها: سافري وحدك، أو اجلسي مع ولدك، وهذا عين العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض؛ لأن المراد حفظ الطفل، والصبي بريء ولا يحمل تبعة غيره؛ ولذلك إذا كان الطريق مخوفاً كأرض مُسبعة، أو أرضٍ فيها هوام، أو يريد أن يركب به البحر والبحر هائج، أو يركب بوسيلة خطرة فيخاطر بها، فلا يجوز.
وهذه مسائل تساهل فيها كثير من الناس إلا من رحم الله، فاليوم الناس بين إفراط وتفريط، فتجد حتى الآباء قد يتقصد الواحد منهم أذية الأم وجرح مشاعرها وإخافتها وإقلاقها وإزعاجها، ويبحث عن أي شيء يسيء إلى أهل زوجته، ويزعج هذه الزوجة المسكينة الضعيفة بأخذ ولدها إلى الأسفار أو الأمكنة المخيفة، وقد يستخدم ذلك لأغراضٍ يريدها لنفسه، وحتى مثلاً لو أنه طلقها فقد يحتال ليكون الولد عند أمه أو عنده، وبعد ذلك يضغط عن طريق الولد حتى يرد الزوجة إليه.
وهذا كله من الظلم: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:227]، وإن لله ليملي للظالم ولكن لا يهمله، وويلٌ للظالم إذا نزلت به نقمة ربه، فالله سبحانه وتعالى عزيزٌ ذو انتقام وهو بالمرصاد، لا تخفى عليه خافية، وبالأخص مسائل الوالدة وولدها؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من فرق بين أمٍ وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)، وهذا في بيع أمهات الأولاد، ومع أن للرجل حق البيع والملكية، ومع هذا ضرب الله هذا الوعيد.
ومن هنا ينبغي أن ينتبه الوالد إلى أن أذية الأم وإضرارها بولدها ظلم عظيم، ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضرب المثل في عظيم رحمته سبحانه وتعالى بين للناس بالتمثيل الذي لا يقصد به التشبيه، جاءت المرأة بالسبي تصيح ولهى على ولدها حتى رأته، فلما أخذته ضمته ضَمة، فقال عليه الصلاة والسلام: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟! قالوا: لا، قال: والله أرحم بعباده من هذه بولدها)، فجاء بأعظم شيء في هذه الدنيا حناناً ورحمة وشفقة وهو حنان الأم وعاطفتها تجاه الولد، وهذا الأمر تظافرت به نصوص الكتاب والسنة، فاستغلال هذه العاطفة بالسفر بمحضون، أو استغلال هذه العاطفة لإقلاق الأم وإزعاجها بأخذ المحضون في الأماكن المخيفة وتعريضه للخطر؛ لا شك أنه من أعظم الضرر والأذية، والله يقول بعد الطلاق: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:237] فإذا حصل الطلاق والفراق بين الزوجين فليذكر الزوج فضل زوجته وفضل أهلها، والزوجة تذكر فضل زوجها وفضل أهله.
كذلك أيضاً استغلال أهل الزوجة لحكم القاضي بأنهم أحق بالولد من منعهم الوالد من رؤية ولده وأذيته إذا جاء يرى ولده، والتضييق والتشويش عليه، والأعظم من هذا والأدهى والأمر أن يسيء الوالد أو الوالدة إلى الولد بتكريهه للطرف الثاني، ويغرس في قلبه كراهيته وعقوقه لوالده وتمرده عليه والعكس، فالوالد يغرس في ولده الكراهية لأمه، فيحاول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، سواء كان بالأساليب القولية أو الفعلية تنفير هذا الضعيف المسكين وإبعاده عن والدته، وكل هذا من الظلم، ولا شك أنه من خيانة الأمانة.
فإذا كانت الأم عندها ولدها فعليها أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى يحصي عليها ما تقوله وتشهد به، فلذلك لا يجوز أن تملأ قلوب الذرية الضعيفة من الأبناء والبنات غيظاً على الوالد، فاستغلال الحضانة لأذية الطرف الثاني ظلمٌ عظيم، وقد انتشر هذا الأمر بين الناس إلا من رحم الله، وعلى الخطباء والأئمة أن ينبهوا الناس على هذا الموضوع المهم الذي غفل عنه الكثير، واستغلال الحضانة للأذية والضرر وقطع الرحم والظلم للأطفال والتضييق عليهم، والجبروت بالتسلط من الآباء على أبنائهم، فمنهم من يحبس الولد ويضربه ضرباً شديداً، أو يفزعه ويقلقه حتى لا يصل إلى أمه.
أقول: إن الأمر تعدى إلى ما هو أسوأ وأعظم مما رأيناه وعرض علينا من خلال فتاوى الناس وأسئلتهم، إلى درجة أن الولد ليكره والدته، وسحر الولد حتى يكره أباه وقرابته، وإلى الله المشتكى، فإذا نزع الدين من القلوب فلا تسأل عن حال صاحبه، ولكن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5]، وإن الله يستدرج الظالم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فالعبد عليه أن يحذر من عقوبات الله، ومن أخذات الله وسطواته عز وجل، فيحذر مثل هذه الأمور التي يجاوز فيها قدره، ويتعدى فيها حده، فيظلم الظلم المبين، فإن من أعظم الظلم بعد الشرك بالله عز وجل: عقوق الوالدين، فإذا كان الحاضن يستغل الحضانة لعقوق الوالدين، والحاضنة تستغل الحضانة كذلك، فلماذا الحضانة؟ الحضانة أصلها التربية والرعاية والتنشئة على الخير والصلاح والبر، وإذا بها على العكس تماماً.
ومن هنا: على الآباء أن يتقوا الله في أبنائهم وبناتهم، وعلى الأمهات أن يتقين الله عز وجل، وليعلموا أنها أمانة، وأن العبد يوم القيامة تصور له الأمانة فيرمى في نار جهنم، ويقال له: أدّ أمانتك، فينزل إلى قعر نار جهنم، حتى إذا صعد إلى أعلاها ردت عليه ثانية فيرجع والعياذ بالله، فهو يتقلب في دركات الجحيم من عذابه حتى يؤدي أمانته.
وهذا على قدر الأمانة التي يضيعها، فما بالك بأعظم الأمانات بعد توحيد الله وهو بر الوالدين، إذا كان ربى ولده وربت الأم ولدها على بغض أبيه والنفرة منه وأذيته وإضراره، وإعطائه المغريات حتى يكرهه منذُ نعومة أظفاره، نسأل الله السلامة والعافية، فيربى بطريقة حقد وهو جاهل مسكين، على كراهية والده أو العكس، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيذنا من منكرات الأخلاق وشأن أهل النفاق، وأن يرزقنا الأمانة، وأن يعيذنا من الخيانة فإنها بئست البطانة! الواجب النظر إلى مصلحة الصبي ومصلحة الصبية وما يتحقق به درأ الشر عنهما، فيقضي القاضي بما هو أرفق وأصلح، فحضانته لأبيه، كما ذكرنا؛ لأنهم غلبوا الجانب الأقوى، فإذا كان يريد أن يسافر إلى بلد يسكنه والطريق آمن فإننا نحكم بأن الحضانة للوالد كما اختاره المصنف رحمه الله؛ لأن الرعاية والصيانة من الوالد أقوى، فإن كان هو المسافر فإنه سيحفظه، ولا ضرر على الصبي، وإن كان هو المقيم فلا إشكال، ولكن الأمر يرجع إلى حال الشخص المحضون.
بعض الأحيان يكون الوالد في شغل وهم وغم، ويكون معتنياً بالدنيا وقد أخذت الدنيا مجامع قلبه لا يلوي فيها على ولد، ولا يفكر فيها في تنشئته ومصلحته، وكل هذه أمور ينبغي أن تربط بالقاضي فينظر فيها الأصلح، والفقهاء رحمهم الله حينما ينصون على مثل هذه المسائل فيقصدون ذلك عند انتفاء الموانع وعدم وجود الدوافع، لترجيح إحدى الكفتين للوالدة أو الوالد.

حكم سفر أحد الأبوين لحاجة أو سكنى بمرافقة المحضون

وقوله: [وإن بعد السفر لحاجة].
مثل السفر من المدينة إلى مكة للحج أو العمرة، فهي حاجة دينية، أو أراد أن يسافر من المدينة إلى الرياض للتجارة.
وقوله: [أو قرب لها].
أي: للحاجة، ولما قال: للحاجة خرج السفر بدون حاجة مثل النزهة والسياحة، فهذا يمنع، ويبقى الولد عند الشخص المقيم منهما على الأصل الذي قرره المصنف رحمه الله.
فإذا كان يريد أن يسافر لغير حاجة كالنزهة مثلاً ويريد أن يأخذ الولد معه، فلا يأخذه؛ لأن السفر خطر عليه وسواء بعد السفر أو قصر.
وقوله: [أو للسكنى].
كأن يريد أن ينتقل فيسكن في موضع بعيد عن الموضع الذي كان فيه، فيحكم به في هذه الصور للأم، لأن الأم هي الأحق في الأصل، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، ولأن هذا الخروج يضر بالولد عند اختلاف الأحوال، وانتقاله يضر بمصلحة الولد.
ومن هنا يبقى في البلد والمكان الذي هو فيه، ولا يخرج الولد.
فحينما يريد أبوه أن يسافر لعمرة نقول له: اذهب إلى العمرة واترك الولد عند أمه، أو أراد أبوه أن يسافر للتجارة نقول له: اذهب إلى تجارتك واترك الولد عند أمه، وهذا فيما إذا قضى القاضي بأن الحضانة للوالد.
أما إذا كانت الحضانة للأم، فنقول: يبقى الحكم كما هو، لكن إذا كان عند الأب وأراد أن يسافر للحج والعمرة وقال: أنا أريد أن أحج وأريد الولد أن يذهب معي.
نقول: لا.
بل يبقى عند أمه، فهي أحق وأولى؛ لأن مصلحة الصبي أن لا يسافر، وهذا إذا كان دون التمييز؛ لأن الصبي إذا ميز خُيّر بين والده ووالدته، والمرأة ترجع إلى أبيها.

سن تخيير المحضون بين أبويه

وقوله: [فصل: وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلاً خُير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما].
هذه مسألة التخيير إذا بلغ الغلام سبع سنين، ولما قال المصنف: الغلام، خرجت الجارية، والحضانة تستمر إلى سبع سنين، وإذا بلغ الغلام والجارية سبعاً، فالجارية التي هي البنت ترد إلى أبيها إذا كانت الأم هي الحاضنة.
فمثلاً: طلق رجلٌ امرأته وعندهم بنت، فقضى القاضي بأن البنت لأمها، فبقيت عند أمها تربيها وتقوم على شئونها والأب يصرف عليها حتى بلغت سبع سنين، فبعدها تدفع إلى أبيها؛ لأن الأب أقدر على حفظ البنت، وصيانتها مما يضرها في عرضها، وهي أحوج في هذه الحالة إليه، وأيضاً هو أولى بتزويجها، لأنه وليها، فترد البنت إليه، ومن هنا ذكر المصنف الغلام؛ لأن البنت إذا بلغت السبع رُدت إلى أبيها، وتحديد السبع السنين مبني على سن التمييز.
وهناك سن للتمييز وسن للرشد والعقل الذي هو البلوغ، وهو أن يكون بالغاً سن الحلم، فأما سن التمييز فهو السن الذي يميز فيه الصبي الأمور، وبعض العلماء يضبطها بالعدد، فيقول: سبع سنين، وبعضهم يضبطها بالحال، فيقول: أن يفهم الخطاب ويحسن الجواب، فمثلاً لو قيل له: ماذا تفعل؟ يقول: أفعل كذا وكذا، نقول للذي يفعل: لماذا تفعل؟ يقول: أفعل من أجل كذا.
فإذا فهم الخطاب وأحسن الجواب، فإنا نحكم بتمييزه ولو لم يبلغ سبع سنين؛ لأن الأطفال يختلفون، وهذا القول لا شك أنه صحيح، فإن الأطفال يختلفون فهماً وإدراكاً، ولذلك كان الضبط بالحال له وجهُ، لكن لما جاءت السنة بالأمر بالصلاة لسبع، صار أصلاً غالباً أنه لا يصل إلى سبع إلا وقد ميز، والاستئناس بالمشروع والوارد أفضل وأولى، والأصل أن نقدم الوارد على غير الوارد، ومن هنا صارت السبع ميزاناً، وقد مرت بنا مسائل كثيرة في العبادات والمعاملات ربط العلماء بها الحكم بالسبع سنين.
فبين المصنف رحمه الله أن سن التمييز هو السبع، والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختلف الرجل مع زوجه والحديث صحيح على شرط مسلم (خير النبي صلى الله عليه وسلم الغلام، وأمر أباه أن يجلس في ناحية وأمه في ناحية، فقال له: هذا أبوك وهذه أمك اختر أيهما شئت، فاختار أمه) وهذا بالنسبة للغلام الذكر، فيبقى مع من يختار منهما، وحينئذٍ قضى العلماء رحمهم الله بهذا الحكم، وأجمعوا على مسألة التخيير.
وانظر سمو منهج هذه الشريعة الإسلامية في المحضون، فإنه إذا كان دون الإدراك ودون التمييز ينظر إلى مصلحته والأرفق والأعدل به، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمه أولى به؛ ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم وقضى الصحابة رضوان الله عليهم أن الأم أحق، فقال عليه الصلاة والسلام: (أنت أحق بها ما لم تنكحي).
وعمر بن الخطاب في قصته المشهورة لما فصل القضية في الرجل الذي اختطف ولده من عند جدته وأمه، فاشتكته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فقال له: ريحها وحضنها أطيب له منك، يعني: من الوالد؛ لأنه في هذه الحالة أحوج ما يكون إلى اليد الحانية والأم المشفقة، فجعل الأصل في حضانة الصغير أن تتولاها الأم، ثم بعد ذلك إذا ميز الصبي فلا يكره على والدٍ ولا على والدة.
فهذه هي الحرية المعقولة، المنضبطة المبنية على أسس سليمة صحيحة، فيخير؛ لأن هذا من الوحي، وهي الحرية المبنية على الحق الذي قصه رب العالمين الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين، ففصل الله عز وجل بهذا، فيقال له: اختر أيهما شئت: إن اختار الوالد فيكون مع والده، وإن اختار الوالدة فيكون مع والدته.
ولو أنه غير هذا الاختيار، فاختار الأسبوع الأول أن يكون مع الوالد، فقال: أريد أبي فيرجع إلى أبيه، وإذا قال: أريد أمي فيرد إلى أمه ولا يكره، ولا يضيق عليه، ويجعل الأمر على الشيء الذي يرتاح إليه الطفل، فإذا كان يرتاح للوالد والوالدة حرص كلٌ منهما على الإحسان إليه والملاطفة به، خاصة من بعد السبع السنين، فهو يحتاج إلى شيء من الإحسان والبر حتى يعقل الأمور ويميز، فإذا وصل إلى سن الرشد، فلا إشكال حينئذٍ، ومن هنا قضى العلماء رحمهم الله بالتخيير، لكن هذا التخيير له أصول؛ كأن يكون منضبطاً، فإذا اختار الوالد من أجل العبث واللعب منع من ذلك.
ومن هنا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله عن صبيّ أنه خيره القاضي، فقال له: هذه أمك وهذا أبوك فاختر أيهما شئت، فاختار أباه، فقضى القاضي أنه لأبيه، فقالت المرأة الموفقة العاقلة الحكيمة: يرحمك الله أيها القاضي، سله لماذا اختار أباه؟ فسأله القاضي: فقال هذا الصبي: إن أمي تبعث بي إلى المعلم فيضربني، وأما أبي فيبعثني إلى الأولاد فألعب معهم، فقال القاضي: هو لأمه؛ لأنه إلى الآن لم يميز وأصبح تخييره قائماً على الهوى، وتبين أن الوالد لا يريد مصلحته، فإذاً: ليست القضية قضية حرية منفردة؛ لأن الصبي لا عقل عنده، ولم يصل إلى سن الإدراك، فإذا كانت المصلحة في بقائه عند أمه أبقاه؛ لأن أمه ستعلمه، قالوا: وإنما لم يخير لأن الوالد عليه أمانة التعليم والرعاية للولد، فضيع هذه الأمانة، حتى أن الأم صارت هي التي تقوم على تعليم الولد.
ونسأل الله السلامة والعافية من أمور تتقرح لها القلوب، لو أن الإنسان يسمع أقضية الناس وفتاويهم لتقرح قلبه مما يسمع ويرى من إهمال الآباء لحقوق الأولاد، يتزوج الرجل وينجب، ثم يبحث عن الثانية والثالثة، ويطلق السابقة ولا يبالي بأولاده ولا ينظر إليهم.
إنما المهم أن يشبع شهوته وغريزته دون التفات إلى هذه الحقوق وإلى ما فيه مصلحة الولد، فهذه أمانة ومسئولية عظيمة، فالتخيير شرطه أن لا يكون فيه ضرر على الولد، فإذا كان فيه ضرر على الولد رجع إلى الأصل، فإذا كانت الأم عُرِفت بصلاحها واستقامتها وعنايتها وضبطها للولد وكانت بيئة الوالد فيها إفساد وإضاعة ومجون وهوى، فحينئذٍ للقاضي أن يتدخل.
فيختار جمعٌ من العلماء والأئمة والمحققين: أن الشرع ينظر إلى التخيير فيما فيه مصلحة الولد كما ذكرنا، لكن شريطة أن تكون منضبطة بالأصول الشرعية، إذ لا يعقل أن نقول: يقضي القاضي بأنه لأبيه، وأبوه يفسده، ولا يمكن أن نقول: إن القاضي يقضي بحكم الله عز وجل بما فيه ضرر للولد وفساد، فالتخيير ضبطه بعض العلماء بشرط ألا يكون موجباً لضرر على الولد في دينه أو دنياه.

حكم بقاء المحضون عند من لا يصونه ولا يصلحه

وقوله: [ولا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه] أي: حتى ولو قضى القاضي واختار أباه؛ ثم إذا بالولد تردت أخلاقه وساءت أموره، فأصبح والده في شغله وتجارته، وكان الولد أولاً عند أمه ترعاه وتحفظه وتصونه وتعلمه الأخلاق الفاضلة وتقوم على شأنه، فشهد الشهود أنه حينما كان عند والدته كانت أحواله مرضية مستقيمة طيبة، وعندما ذهب عند والده فسدت أخلاقه وأحواله، فحينئذٍ إذا أثبتت الأم هذا بالبينة أو أثبت قرابتها ذلك قضي برجوعه إلى أمه، ولا يقر ولا يترك عند من يفسده ولا يصونه بل يهمله ولا يحافظ عليه.

من أحق بالمحضونة بعد السبع

وقوله: [وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع] أي: من جهة صيانة العرض، ولأنه أقدر من الأم التي قد لا تستطيع أن تدفع عن ابنتها الضرر، وهو أحق من جهة الولاية في تزويجها، ومن هنا فإن العمل عند أهل العلم رحمهم الله على أن البنت تنتقل إلى أبيها بعد السبع.
وقوله: [ويكون الذكر بعد رشده حيث شاء].
هذه المرتبة الثالثة، وهذا غير التمييز بالقضاء الذي قضيناه في الحضانة، فإنه إذا ميز يخير، فإذا وصل إلى سن الرشد فإن أراد أن يكون عند والده أو والدته أو يكون مستقلاً، فالأمر إليه، لكن يجب عليه أن يبر والديه، ويكون قريباً منهما وأن لا يبتعد عنهما؛ خاصة إذا كانا بحاجة إليه، ولا يجوز سفر الولد إلا بإذن والديه إذا كان معهما في المدينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحيٌ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد).
ومن هنا أجمع جماهير السلف والخلف رحمهم الله على أنه لا جهاد إلا ببر الوالدين، وأنه يجب استئذان الوالدين ما لم يكن جهاده فرض عين، وهي الثلاثة الأحوال التي تقدمت معنا في باب الجهاد، فحينئذٍ لا يستأذن الوالدين ويسقط إذن الوالدين؛ لأن الدفاع في هذه الحالة دفاع عن الوالدين، لكن لا يجوز للإنسان أن يضيع حق والديه خاصة عند المشيب والكبر، والوالد يحتاج إلى قرب ولده منه، والوالدة كذلك تحتاج، فلا بد أن يكون قريباً منهما، وأن يحسن إليهما ويبرهما.
وقوله: [والأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها] ولذلك فإن الوالد أقدر على حفظ العرض، وهو أحق من جهة الولاية على عقد النكاح، ومن هنا فإن العمل عند أهل العلم رحمهم الله والفتوى على أن البنت تكون عند والدها ولا تكون عند والدتها في هذه السن.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
ما يجبر عليه المالك في حق البهائم عند عجزه عن القيام بحقهاإجباره على البيع أو التأجيرإجبار مالك البهيمة على الذبحذبح الرحمة وموت الدماغالأسئلةحكم ضرب البهائم في السباق أو الحرثالسؤالالجوابالجمع بين جواز إشعار البهيمة وحرمة أذيتهاالسؤالالجوابصفة الإقعاء المنهي عنه في الصلاةالسؤالالجوابجواز التعزية بالعناق والمصافحةالسؤالالجوابما ورد من الدعاء بين العلمين في الصفاالسؤالالجوابحكم الجمع بين الصلاتين إن كان سيصل قبل دخول وقت الثانيةالسؤالالجواباشتراط التتابع في الصيام في كفارة اليمينالسؤالالجوابحكم الدعاء بأمور الدنيا في مواطن إجابة الدعاءالسؤالالجوابصلاة المسبوق في الجنائزالسؤالالجوابباب الحضانة [1]مشروعية الحضانةأدلة مشروعية حضانة الصغيرحضانة المعتوه والمجنونأحق الناس بالحضانةإذا امتنع من له الحضانة أو كان غير أهل انتقلتموانع الحضانةمانع الرقمانع الفسقالجوابمانع الكفرمانع زواج المرأة بأجنبيالسؤالالأسئلةالحضانة رعاية معنوية لا نفقة فيهاالسؤالإجراء الأحكام التكليفية على المعتوهالسؤالالجوابانتقال الحضانة من الأم إلى أم الأمالسؤالالجوابمعنى المأثم المغرمالسؤالالجوابالصلاة على فراش في طرفه نجاسةالسؤالالجوابكيفية قضاء السنة الراتبةالسؤالالجوابتزاحم العباداتالسؤالالجوابباب الحضانة [2]أحكام سفر الحاضن بالمحضونحكم استصحاب المحضون في السفر الطويلالسؤالحكم سفر أحد الأبوين لحاجة أو سكنى بمرافقة المحضونسن تخيير المحضون بين أبويهحكم بقاء المحضون عند من لا يصونه ولا يصلحهمن أحق بالمحضونة بعد السبع
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل