شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 2-22
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوقف

صفحات 2-22
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

الدليل الثاني: أنّ الشارع الحكيم, ينهى عن كل ما فيه بغضاء وتشاحن بين المسلمين, فضلاً عن الأخوة وتفضيل بعضهم على بعض في الأعطيات من أكبر أسباب التشاحن والفساد كما مشهور ومنظور, ويدل على هذا الأصل العظيم, أنّ الشارع حرّم أن ينكح الرجل عمة المرأة عليها، أو خالة المرأة عليها, وأجمع الفقهاء أنّ العلة في المنع من أن يجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها أن لا يقع بينهما تنافر وتباغض وتشاحن, وهما قريبتان, فهذا الأصل دّل على المنع من التفضيل في الأعطيات التي يعطى الأولاد.
والدليل الثالث والأخير: أنه صح عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - النهي عن التفضيل وإيجاب المساواة.
القول الثاني: وهو مذهب الجمهور من المتأخرين الأئمة الثلاثة - رحمهم الله وغفر لهم وجمعنا وإياهم في جناته - ذهبوا إلى أنّ التسوية بين الأولاد مستحبة, وأنّ التفضيل مكروه ولا يحرم, واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (أشهد على هذا غيري)، وفي هذا التصريح بصحة العقد, لأنه إذا طلب منه أن يشهد عليه غيره, فيه التصريح بصحة العقد.
والجواب عن هذا الاستدلال أنه كما قال ابن حزم عن استدلال قريب من هذا الاستدلال في مسألة العطية, أنّ هذا من عجائب الدنيا، وهذا صحيح, الاستدلال بهذا الحديث الذي يعتبر من أقوى الأدلة على التحريم, الاستدلال به على الجواز من عجائب الدنيا، وجه ذلك أنّ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أشهد على هذا غيري) لا يؤخذ منه مطلقاً الجواز, والسبب في ذلك أنّ هذا الأسلوب من الأساليب العربية المعروفة التي لا تستخدم لبيان الجواز, كما جاء في الأثر أنهم قالوا (إذا لم تستحي فافعل ما تشاء) فهل هذا الأمر حقيقي أو يراد منه التوبيخ؟ وكما جاء في الأثر أو صح عن علي - رضي الله عنه - أنه قال للدنيا غُري غيري، فهل مقصود علي - رضي الله عنه - فعلاً أنه يريد أنّ الدنيا تغّر غيره, أو يريد الابتعاد عن الدنيا, فكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنعمان (أشهد على هذا غيري) ما هو إلاّ من التوبيخ, وبيان أنّ هذا العمل محرم, وهو في الحقيقة استدلال غاية في البعد.

الدليل الثاني: للجمهور أنّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - نحل عائشة - رضي الله عنها - عشرين وسقاً ولم يعطي غيرها بدليل أنه ردّ الهبة لما قرب من الوفاة, وهذا أقوى دليل لهم, لكن الجواب على هذا من أوجه: الوجه الأول: أنه يحمل على أنّ باقي الورثة رضُوا وسمحوا بأن يعطي عائشة لكونها أم المؤمنين أو لأيّ سبب آخر.
الأمر الثاني: أنّ أبا بكر الصديق أعطاها لمعنى يوجب التفضيل, والإعطاء لمعنى يوجب التفضيل جائز, كأن يكون أشدّ فقراً, أو أشدّ حاجة، وأما بالنسبة لعائشة - رضي الله عنها - فلا نعرف ما هو المعنى الذي يوجب التفضيل، والذي يجعل الإنسان يحمل هذا الأثر على هذه المحامل, وإن كان فيها شيء من البعد, الذي يجعلنا نجزم بأنّ أحد هذه المحامل هو المراد أنه صح عن أبي بكر المنع من التفضيل، وإذا صح عن أبي بكر المنع من التفضيل, علمنا أنه لماّ فضلّ إنما فضل لسبب مبيح شرعاً.
الدليل الثاني: أنّ عمر بن الخطاب وأيضاً عبد الرحمن بن عوف, فضلوا بعض أبنائهم, والجواب على هذا, هو الجواب على أثر أبي بكر - رضي الله عنه - تماماً.
واستدل الجمهور بدليل آخر وهو أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (هل تحب أن يكونوا لك في البِرّ سواء) فقال - رضي الله عنه – نعم، فهذا إشارة إلى المعنى الذي من أجله منع من التفضيل وهو أنه لكي يكونوا في البِرّ سواء، إذاً لم يكونوا في البر سواء فله أن يفضل، وهذا أيضاً استدلال بالأقيسة البعيدة عن روح النص, فإنّ النص واضح جداً في المنع من ماذا؟ في المنع من التفريق وهو صريح جداً في تحريمه, والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة, ولو لم يكن من أسباب الترجيح إلا أنه مذهب عامة السلف, يعني من الصحابة والتابعين لكان كافياً في الترجيح, فضلا عن الحديث نص في المقصود, ولذلك ألّف عدد من الأئمة رسائل خاصة في نصرة قول السلف، منهم ابن القيم ومنهم الأمير الصنعاني - رحم الله الجميع - ألّفوا رسائل خاصة في نصرة القول الأول الدال على التحريم.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (بقدر إرثهم (

لما قرر الشيخ وجوب التسوية انتقل إلى كيفية التسوية, الحنابلة يرون أنّ كيفية التسوية تكون بقدر الإرث, فللذكر مثل حظ الأنثيين واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث النعمان (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، وإذا كان المطلوب العدل, فإنه لا أعدل من قسمة الله, فإنه لا يوجد قسمة أعدل من قسمة الله, هذا أولاً.
ثانياً: وهو دليل قوي جداً أنّ عطاء بن أبي رباح - رضي الله عنه - قال ما كانوا يعطون إلا على كتاب الله, أو ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله، ومثل عطاء من كبار التابعين إذا قال ما كانوا فهو يشير إلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - القول الثاني: أنّ التعديل يكون بالتسوية, فيعطى الذكر كما تعطى الأنثى تماماً, واستدلوا على هذا أيضاً بأدلة: الدليل الأول: أنه في لفظ من ألفاظ حديث النعمان, أنه قال (سوي بينهم)، والجواب على هذا أنّ اللفظ الذي فيه سوي بينهم ليس في الصحيحين، وأنه ليس في الصحيحين إلا الأمر بالتعديل, اتقوا الله واعدلوا, والتعديل يفارق التسوية تماماً, هذا دليل أول مع جوابه.
الدليل الثاني: أنه روي من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (سووا بين أولادكم بالعطية فلو كنت مفضلاً لفضلت النساء) وهذا الحديث حديث منكر لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الدليل الثالث لهم: وهو دليل وجيه، وهو من وجهة نظري أقوى دليل للجمهور الذين يرون أنّ التعديل يكون بالتسوية, قالوا إنّ المقصود في الإرث الإعطاء على وجه التعصيب, ونفع الميّت, ولذا فضّل بينهم بحسب قربهم وبعدهم.

أما المقصود من العطية في الحياة فهي المواساة وصلة الرحم, وإذا كان المقصود صلة الرحم فالذكر كالأنثى في ذلك، وإلى هذا يشير قوله - صلى الله عليه وسلم - (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء)، وكونهم في البر سواء يستوي فيه الأنثى والذكر، هذا الدليل الأخير وجيه, ولولا أثر عطاء لكان قول الجمهور وجيه, أنّ التعديل يكون بالتسوية, لكن مع وجود أثر عطاء ومع المعاني التي ذكروها من أنّ قسمة الله هي أعدل القسم يكون الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة, وهو أنّ التعديل يكون بقسمتها على حسب ما جاء في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن فضّل بعضهم سوّى برجوع, أو زيادة) فإن فضّل بعضهم, يعني فإن خالف الأمر الشرعي وفضّل بعضهم فإنه يسوي إما برجوع بأن يأخذ العطية, أو بزيادة أي بأن يزيد الناقص إلى أن يستووا, وقوله (سوّى) يعني وجوباً، والدليل على وجوب الرجوع ما جاء في الصحيح أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للنعمان (فأرجعه) أو (فأعده) وهذا نص صريح في وجوب الرجوع عن العطية أو الهبة التي فيها تفضيل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن مات قبله ثبتت) فإن مات الواهب قبل الرجوع والتسوية ثبتت العطية، ومعنى ثبوت العطية أنه لا يجوز لباقي الورثة أن يطالبوا المعطى, وليس لهم حق عنده, استدل الحنابلة على هذا بأنّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ولو كنت حزتيه لكان لك، فدّل اللفظ على أنّ عائشة لو كانت حازته لم يملك الورثة الرجوع.
والقول الثاني: أنه يجب الرجوع ولو بعد الموت, واستدلوا على هذا بأنّ هذه العطية, حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها بأنها جور، والجور هو الظلم, والظلم لا يقرّ مهما كان الأمر، وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالرجوع في هذه العطية مطلقاً.

واستدلوا بدليل قوي أصحاب القول الثاني, وهو أنّ أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أمروا قيس بن سعد أن يعود في الهبة التي أعطاهم إياها والده لماّ ولد له ولد لا يعلم به, يعني أنّ والد قيس سعد - رضي الله عنه - أعطى أولاده هبة وقسّم أولاده, ولم يعلم أنّ إحدى النساء حامل, ثم توفيّ, فلما ولد هذا الولد, أمر أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ابنه قيس أن يرجع في الهبة, بمعنى أن يعطي هذا الابن المولود نصيبه, وفي هذا رجوع بعد الموت, والراجح إن شاء الله هو وجوب الرجوع بعد الموت، مذهب الحنابلة ضعيف وأثر أبي بكر الصديق, تقدم الجواب عنه وهو أنه عطية صحيحة لها ما يبررها شرعاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلاّ الأب) ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة, لا يجوز الرجوع في الهبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ليس لنا مثل السوء, لا يجوز الرجوع في الهبة, والعائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يحل للرجل أن يهب ثم يعود في هبته) وهذا أمر واضح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (إلاّ الأب) أي فله الرجوع, للأب الرجوع خاصة في الهبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يحل لرجل أن يهب ثم يرجع في هبته إلاّ الأب فيما يعطي ولده)، وهذا الحديث صححه عامة المتأخرين, ولم أرى للمتقدمين فيه كلام بعد مراجعة يسيرة, ربما نجد لهم كلام, لكن بعد مراجعة يسيرة, لم أجد لهم كلام في هل هذا الحديث أو الاستثناء صحيح أو معلول, على كل حال عامة المتأخرين يصححون إسناد هذا الحديث فظاهره الصحة، وهو دليل على استثناء الأب.
مسألة: رجوع الأب لابد أن يكون بالقول الصريح, وهناك فرق بين رجوع الأب في هبته التي أعطاها ابنه, وبين تملك الأب من مال ابنه, ففي التملك يكفي القبض مع النية أو القول, أما في الرجوع فلابد من الرجوع الصريح بالقول, فإذا أعطى الأب ابنه شيء ثم أخذه, ولم يصرّح بالرجوع فلا يعتبر رجوع, وتبقى العين ملك للابن, إذاً الخلاصة أنه لابد من التصريح في الرجوع بالنسبة للأب إذا أراد أن يعود في هبته.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

(وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضرّه ولا يحتاجه) للأب أن يأخذ وأن يتملك من مال ابنه, وقبل أن نأتي لمسألة تملك الأب من مال الابن, في مسألة الرجوع ذكرنا حكم رجوع الأب أليس كذلك؟ نقول مسألة: الأم اختلفوا فيها هل لها أن ترجع أو ليس لها أن ترجع؟ على قولين: الراجح إن شاء الله أنّ لها أن ترجع, وإلى هذا مال الشيخ الحارثي لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم (إلاّ الوالد فيما يعطي ولده)، فالأم تدخل دخولاً أولوياً في هذا اللفظ, كما أنّ ما يثبت من الحقوق للأب فإنه يثبت للأم, لأنها أعظم حقاً من الأب.
نأتي إلى مسألة تملك الأب من مال الابن, ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ابنه ما شاء, بشروط ستأتينا.
واستدلوا على هذا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنّ أطيب ما أكلتم ما كسبتم, وإنّ أولادكم من كسبكم) فصرّح النبي ـ صلى الله عليه وسلم - أنّ الولد من جملة كسب الأب, فيجوز له أن يتملك من ماله ما شاء, بالشرط الذي سيأتينا، واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنت ومالك لأبيك) مسألة: وهل الأم مثل الأب في جواز التملك من مال الابن؟ فيه خلاف، فمن الفقهاء من قال أنه لا يجوز التملك إلاّ للأب، وعن الإمام أحمد روايات صريحة في هذا، واستدل الإمام أحمد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنت ومالك لأبيك) قال والأب ليس كالأم, واستدل بأنّ الأب منوط به النفقة دون الأم, واستدل بلفظ للحديث السابق (إنّ أطيب كسب الرجل) فخص الرجل.
والقول الثاني: أنّ الأم كالأب, يجوز لها أن تتملك من مال الابن لعموم (وإنّ أولادكم من كسبكم)، ولأنّ حق الأم أعظم من حق الأب، ولأنّ الأم لا يجوز لها على الصحيح, أن تفضّل في الأعطية بين أولادها, كما لا يجوز للأب تماماً، فإذا منعناها من التفضيل فلها حق التملك، وهذا القول إن شاء الله هو الصحيح, أنّ للأم أن تتملك من مال الابن, كما أنّ للأب أن يتملك من مال الابن، وبهذا علمنا أنه على القول الصحيح, الأم تساوي الأب في جميع المسائل السابقة, ما هي المسائل؟ المسألة الأولى: تحريم التفضيل.
المسألة الثانية: جواز الرجوع في الهبة.

المسألة الثالثة: جواز تملك الأب من مال الابن.
فبهذا تنضبط إن شاء الله معنا المسألة, لأنّ بعض الفقهاء قد يرّجح أنّ الأم كالأب في بعض هذه المسائل دون بعض، لكن الأقرب إن شاء الله, أنها كالأب في جميع المسائل، وبهذا تنضبط وتتضح معنا مسائل الهبة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (من مال ولده مالا يضره ولا يحتاجه) ظاهر عبارة المؤلف أنّ مالا يضره غير مالا يحتاجه, أنّ مالا يحتاجه شيء ومالا يضره شيء آخر, وفي الحقيقة أنّ عبارة الفقهاء ومنهم الحنابلة تدّل على أنّ الشرط هو واحد, وهذا الشرط هو أن لا يتملك من مال ابنه ما يضره, ومن أمثلة الضرر أن يتملك ما يحتاجه.
إذاً الواقع أنّ الشرط هو واحد, ولو قال الشيخ أن لا يتملك ما يضره كالمال الذي يحتاجه لكان أوضح، من أمثلة ما يضره أن يتملك الأب رأس مال الابن الذي أعدّه للتجارة, إذا لم يكن عند هذا الابن إلاّ رأس المال هذا ليتاجر به لنفقته، فإنه لا يجوز للأب أن يتملك مثل هذا المال, كذلك لا يجوز له أن يتملك ما تعلّق به حقوق للابن, كالرهن, والديون التي في الذمم، مثل هذه الأمور لا يجوز للأب أن يتعرض لها, الرهون ونحوها.
والقاعدة العامة التي تضبط معنا المسألة, والأمثلة كثيرة, هي أن لا يتملك من مال ابنه ما يضر الابن, من ذلك مثلاً لا يجوز أن يتملك الأمة التي تسرّاها الابن, وإن كانت الأمة ليست زوجة, لكن مع ذلك لاشك أنّ تملك الأب لهذه الأمة يضّر بالابن, إذاً الأمثلة كثيرة لكن الضابط هو أن لا يتملك ما يضرّ الابن.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن تصّرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع, أو عتق ,أو إبراء, أو أراد أخذه قبل رجوعه, أو تملكِهِ بقول, أو نيةٍ وقبض معتبرٍ لم يصح بل بعده) خلاصة هذا البحث أنه لا يجوز للأب أن يتصرف في مال الابن, ولو فيما وهبه إياه إلاّ بعد القبض, ويشترط في هذا القبض, أن يكون مع نية أو قول, أما قبل القبض فإنه لا يجوز للأب أن يتصرف في مال الابن، التعليل: قالوا أنّ مال الابن قبل القبض, مال مملوك للابن ملكاً تاماً, فلا يتسلط الأب على التصرف في مال ابنه, وهذا صحيح فإذاً نقول للأب يشترط لتتصرف في مال الابن, ماذا؟ أن تقبضه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

(وقبض معتبر) القبض المعتبر هو القبض الذي تقدم معنا في البيوع, قبض كل شيء بحسبه, المنقول والعقار والمكيل والموزون, حسب ما تقدم معنا في الخلاف يتأتى هنا, فإذا أراد أن يقبض عقار من مال الابن فبالتخلية, منقول فبنقله, مكيل فبكيله, على حسب ما تقدم معنا في القبض الذي مرّ في كتاب البيوع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ببيع, أو عتق) واضح.
(أو إبراء) يعني أو إبراء غريم الولد, أو إبراء الأب من دين الابن, كلاهما لا يجوز, لأنّ هذا الإبراء وقع قبل أن يتملك الابن المال, ولا يجوز للأب أن يتملك مال الابن, إلاّ بعد أن يتملك الابن هذا المال, ومادام المال في ذمة الغريم فإنه لم يتملكه التملك التام, فلا يجوز للأب أن يصدقه لا عن نفسه ولاعن غريمه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه) لا يجوز للولد أن يطالب أباه بدين, سواء كان كما تقدم سبب الدين ثمن مبيع أو كان سبب الدين قرضاً اقترضه الأب.
(ونحوه) مثل قيم المتلفات, وأروش الجنايات, فإذا أتلف الأب على الابن عيناً محترماً بتعدّ أو تفريط, فإنّ قيمة المتلف تثبت في ذمة الأب، لكن لا يجوز للابن أن يطالبه بها, الدليل على هذا أنّ رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبيه يطالبه ديناً, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنت ومال لأبيك)، فإذاً حديث (أنت ومالك لأبيك) جاء بسبب وهو ماذا؟ مطالبة الابن لأبيه بالدين، فأفتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ ليس له ذلك لأنه هو وماله للأب.
الدليل الثاني: أنّ هذا قد يكون من العقوق, وأنا أقول قد يكون, لأنه قد لا يكون من العقوق، لكن قد يكون من العقوق, وذلك فيما إذا لم يكن للابن حاجة, أو كان الأب فقيراً.
((الآذان)) القول الثاني: أنه إذا كان في الابن حاجة للمال, والأب في غنى تجوز المطالبة.

والقول الثالث: أنّ المطالبة تجوز مطلقاً, لأنّ الأب مدين, والابن دائن, وللدائن أن يطلب المدين, والراجح مذهب الحنابلة للحديث, لأنه ليس في الحديث تفصيل, وإلاّ فإنّ القول الثاني وجيه جداً, وفيه تفصيل طيّب, فمادام الابن بحاجة, والأب غني فلماذا لا يسدد ما عليه لابنه, على كل حال مادام الحديث عام فالراجح إن شاء الله هو مذهب الحنابلة, لأنّ الحديث يقوي مذهبهم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (إلاّ بنفقته الواجبة عليه, فإنّ له مطالبته بها, وحبسه عليها) النفقة الواجبة, تجوز المطالبة بها، لأنّ في هذا حفاظاً على النفس المعصومة, فله أن يطالب أباه بالنفقة، كما أنّ الأب مقصّر وظالم لمنع النفقة.
وقبل أن ننهي هذا الفصل نرجع إلى قول المؤلف (وليس للولد مطالبة أبيه بدين) فقوله بدين, مفهوم العبارة أنّ للولد أن يطالب أبيه بعين, فإذا كانت العين موجودة فله أن يطالب أباه بهذه العين, بعد البحث لم أر للحنابلة دليل في التفريق بين العين والدين, لم يذكروا دليلاً, ولعلهم يستدلون بأنّ في قصة الرجل الذي جاء بأبيه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان مديناً, وفي الحقيقة التفريق بين العين والدين في مطالبة الأب ضعيف, لأنّ المقصد الأول هو عظم حق الأب مما يمتنع معه المطالبة بالحقوق والإلزام بها, سواء كان دين أوعين, ونحن نقول إذا كان دليل الحنابلة الحديث, فالحديث قصة عين, وليس فيها ما يدل على أنه لو كان يطالبه بعين, لأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمطالبة , بل الظاهر من تعليل النبي بالمنع وهو قوله (أنت ومالك لأبيك) أنه يشمل ما إذا كانت المطالبة بدين أو ما إذا كانت بعين.
فصل في تصرفات المريض المقصود بالتصرفات هنا التبرعات لا المعاوضات فقوله التصرفات لفظ عام يقصد به فقط التبرعات، أما المعاوضات كأن يبيع وأن يشتري أو أن يرهن أو أن يجري أي عقد من عقود المعاوضات فتصرفه صحيح كالسليم, إذاً الكلام في هذا الفصل عن تصرفات المريض مرض الموت المخوف فيما إذا تصرّف تصرفاً فيه تبرع.
وبدأ المؤلف بالمريض الذي مرضه غير مخوف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (من مرضه غير مخوف, كوجع ضرس, وعين, وصداع يسير فتصرفه لازم كالصحيح)

تصرف المريض مرضاً غير مخوف، كتصرف الصحيح تماماً, لأنّ الغالب عدم الهلاك بمثل هذا المرض, هذا من جهة من جهة أخرى، لأنّ الأصل في تصرفات المسلم العاقل الذي تصح تصرفاته, الأصل فيها الصحة، ولهذا نقول تصرفات هذا المريض صحيحة، مادام مرضه ليس مخوفاً, والمؤلف مثّل بأمثلة كوجع ضرس وعين وصداع يسير, هذه أمثلة للأمراض غير المخوفة, والمرض غير المخوف يتضح تماماً, إذا أخذنا المرض المخوف, ووضعنا له ضابطاً ينضبط به.

((انتهى الدرس)).

الدرس: (5) من الوقف

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنت تحدثت في الدرس السابق عن المرض غير المخوف وبينت الحكم الذي ذكره المؤلف عن المرض غير المخوف وتوقفنا على المرض لمخوف.
قال - رحمه الله -: وإن كان مخوفاً كبرسام ..... المرض المخوف عرفه المؤلف بالمثال فذكر مجموعة من الأمثلة للأمراض المخوفة.
وحده شيخ الإسلام بقوله: (المرض المخوف هو ما يكثر الموت منه) فيكون ضابط المرض المخوف هو كل مرض يغلب أن يموت المريض منه.
هذا الضابط يغني عن كثرة الأمثلة لاسيما مع اختلاف مستويات العلاج من زمن إلى آخر.
فكثير من الأمثلة التي ذكرها المؤلف قد لا تكون اليوم من الأمراض التي تقتل صاحبها غالباً لكن نقف مع الأمراض التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -: يقول - رحمه الله -: كبرسام.
البرسام مرض يصيب الدماغ.
وربما أفقده الوعي أو أفقده الفهم والإدراك وله تأثيرات مختلفة لكن الغالب على من يصاب به الموت ولهذا مثل به - رحمه الله -. يقول - رحمه الله -: وذات الجنب.
ذات الجنب هي القرحة التي تصيب الجنب من الداخل فإذا انفجرت أدت إلى الوفاة.
ولهذا جعلها من جملة الأمراض التي تسبب الموت.
يقول - رحمه الله -: ووجع قلب.
يعني: إذا مرض القلب بوجع فإنه غالباً ما يسبب الموت.
وبالنسبة لوقتنا هذا وجع القلب قد يكون بسبب كبير كالجلطة فهو خطير.
وقد يكون بسبب نوع من الإرهاق فلا يكون خطيراً.

ومع ذلك اليوم إذا كان الإنسان مريض بالقلب بالصمامات أو بجلطات أو بضعف العضلة في جميع الأحوال اليوم يعامل مريض القلب كالصحيح ولا يعامل كمن هو في مرض الموت لأنه ليس الغالب الموت ففي الحقيقة وجع القلب ينقسم إلى قسمين: ـ أن يكون وجعاً طبيعياً يعالج ويبقى المريض يتصرف في حياته كتصرف الأصحاء مع أخذ العلاج فهذا تصرفاته معتبرة وصحيحة وليست كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
ـ والثاني: أن يصاب بجلطة تفقده الوعي أو تدخله العناية المركزة ويصبح في حالة حرجة فلاشك أنه لو أفاق وتكلم فإن تصرفاته تعتبر من تصرفات المريض التي سيبين لنا المؤلف - رحمه الله - ما هو حكمها؟.
يقول - رحمه الله -: ودوام قيام.
يعني: دوام الإسهال.
فالإنسان إذا دام معه الإسهال أهلكه لأن الإسهال يعني عدم استمساك ما في المعدة وعدم انتفاع الجسم مما يأكله الإنسان وبهذا يهلك مع الاستمرار.
فإذا استمر الإسهال لاشك أنه مرض قاتل.
لكن اليوم ولله الحمد أمكن التحكم بمثل هذا وإيقافه.
لكن لو فرضنا أن إنسان أصيب بإسهال ولم يتمكن الأطباء من إيقافه وأشرف على الهلاك فإن تصرفاته تصرفات المريض المخوف.
يقول - رحمه الله -: ورعاف.
مقصوده: يعني: ودوام رعاف.
ولاشك أن النزيف - الرعاف إذا دام فهو من أخطر الأمراض.
أي: نزيف أي طريقة من طرق خروج الدم إذا لم يتمكن الأطباء من إيقافه فهو من أخطر الأمراض سواء كان النزيف داخلي وهو الأخطر أو كان خارجي كالرعاف والجرح.
وعلى كل حال إذا دام ولم يتمكنوا من إيقافه ووصل إلى مرحلة حرجة من المرض فهو يعتبر مريضاً مرضاً مخوفاً.
يقول - رحمه الله -: وأول فالج.
الفالج هو مرض يصيب إما الشق الأيمن أو الأيسر من الجسد أو الشق الأعلى أو الأسفل من الجسد أو يصيب كل الجسد.
فإذا أصاب الجسم أدى إلى تخدره وشلله.
فالفالج: عندهم يعتبر من الأمراض المخوفة لكن قيده المؤلف بقوله: (أول فالج).
من أشبه ما يكون من أمراضنا بأمراض الفالج الجلطات التي تؤدي إلى شلل في جسم الإنسان لاسيما إذا كانت الجلطة في الدماغ فإنها غالباً ما تؤثر على أعصاب الإنسان.

وما ذكره المؤلف من أن الفالج في أوله خطير صحيح إلى الآن إذا أصيب الإنسان بجلطة دماغية فإنه في أول الإصابة تعتبر حالته خطره ثم كل ما يتقدم الوقت يعتبر من صالح المريض وهو علامة على خروجه من مرحلة الخطورة وكل ما يتقدم الوقت يكون إشارة إلى خروجه من حالة المرض الشديد.
فقوله: (أول) صحيح.
أول ما يصاب الإنسان بالجلطة ويرقد فإن تصرفاته تعتبر تصرفات مريض يحكم عليها بما سيأتي ثم إذا عتق وتعدى مرحلة الخطورة فإن تصرفاته تصرفات صحيحة.
يقول - رحمه الله -: وآخر سِل.
السل مرض يصيب الرئة فيعطل عملها على الوجه المطلوب وقد يؤدي إلى تعطليه كلياً.
والسل: آخره خطير.
وأوله ليس بخطير.
بمعنى: أنه إن استمر ولم يعالج ووصل إلى مراحله الأخيرة فإنه يصبح حينئذ مرضاً خطيراً مؤدياً إلى الوفاة.
أما إذا أصيب الإنسان بهذا المرض ثم أمكن العلاج في وقت مبكر فتصرفاته حين كان مريضاً في أوله صحيحة وليست كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
يقول - رحمه الله -: والحمى المطبقة.
يعني: الحمى الدائمة التي تستمر ولا ترتفع عن بدن الإنسان.
وهذا المرض خطير بإجماع العقلاء، استمرار الحرارة خطير بإجماع العقلاء سواء كانوا من الأطباء أو من غيرهم لأن استمرار ارتفاع حرارة الإنسان دليل واضح على وجود الخلل الكبير في البدن.
فإن أمكن التحكم بالحرارة بتنزيلها كما هو المشهور الآن أية طريقة إما بالتبريد أو بعلاج كيمائي فلا يعتبر من المرض المخوف.
وأما إذا حاولوا في المريض أن تنزل حرارته ولم يتمكنوا لأي سبب واستمر فإنه كما قال الحنابلة يعتبر دخل مرحلة الخطر وتكون تصرفاته كتصرفات المريض المخوف.
يقول - رحمه الله -: والربع.
الربع هي الحرارة التي تأتي كل أربعة أيام وهي في الحقيقة نوع من دوام الحرارة، إلا أنها ترتفع ثم ترجع ترتفع ثم ترجع في اليوم الرابع.
وهذه بالتجربة عند المتقدمين تؤدي إلى الهلاك إذا استمرت.
ثم لما انتهى من تعداد الأمراض المخوفة رجع إلى شيء أعم من تعداد الأمراض المخوفة: فقال - رحمه الله -: وما قال طبيبان مسلمان عدلان.
اليوم لو أنا نقول: أن الضابط في اعتبار المرض مخوف أو غير مخوف هو حكم الأطباء.

ولسنا بحاجة إلى تعداد الأمراض ولا يمكن أن يستقل الإنسان باعتبار تصرفات هذا المريض من تصرفات المريض مرضاً مخوفاً بمجرد معرفة اسم المرض بل يجب أن نرجع في وقتنا هذا بالذات إلى حاجة الأطباء ونصدر عن قولهم هل هو: يعتبر مرضاً يؤدي إلى الوفاة أو مرض يمكن أن عالج.
وذلك بسبب التقدم المهول للطب الحديث بما يكفي في كف صفة أو حالة المريض بدقة وهل هو يعتبر في مرحلة حرجة وخطرة أو ليس كذلك.
فهذا السطر الأخير من كلام المؤلف - رحمه الله - ينبغي في وقتنا أن يعتمد وأن لا ننظر إلى التسميات وإنما ننظر إلى شهادة الأطباء في كل [الأمراض] بلا استثناء.
لكن نأتي إلى مناقشة كلام المؤلف يقول - رحمه الله -: وما قال طبيبان.
يعني: = أن الحنابلة يرون أنه يشترط أن يشهد بذلك طبيبان فإن شهد طبيب فإنه لا عبرة بشهادته.
وعللوا هذا:

  • بأن هذه الشهادة تتعلق بحق الموصي والورثة وهو حق مالي فاحتجنا إلى شهادة اثنين.
    = والقول الثاني في المسألة: أنه يكتفى بشهادة الطبيب الواحد الثقة.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن عمر - رضي الله عنه - لما طعن شهد له الطبيب بأنه لا أمل للبرء في جرحه فأوصى عمر بناء على شهادة هذا الطبيب وقبل الصحابة وصية عمر المبنية على شهادة الطبيب واعتبروها صحيحة ونافذة وهذا كالإجماع على أن شهادة الطبيب الواحد تكفي.
    فيما يظهر أن الراجح هو القول الثاني.
    لكن لو قيل أن هذا يختلف باختلاف الأمراض فمثل جرح عمر - رضي الله عنه - لما شرب اللبن وخرج مع العرق هذا لا يحتاج إلى دقة في الطب أنه مهلكة.
    كذلك بعض الأمراض المعاصرة إذا وصلت إلى مراحلها الأخيرة لا تحتاج إلى طبيب حاذق فاهم حتى يحكم أن هذا مريض مرض الموت.
    لكن في بعض الأمراض تلمس اختلافاً بين الأطباء اختلافاً كبيراً جداً.
    وأعرف حالة لأحد المرضى أخبره الطبيب أنه لا مجال للعلاج ولا يوجد أي أمل في الشفاء وأن عليه أن يوصي وأن أيامه تتراوح بين عشرة أيام إلى أربعة عشر يوماً.
    ثم ذهب من هذا الطبيب إلى طبيب آخر وأعطاه دواء مركز صار من ثمار هذا الدواء توازن بعض الأشياء .. المهم أن الرجل حي وإلى الآن موجود.

وهذا المثال الذي وقفت عليه بنفسي ينبئك عن أنه في بعض الأمراض أنه يشترط أن يشهد اثنان من الأطباء أو ثلاثة حتى نتأكد أن تصرفات هذا المريض فعلاً تحمل على تصرفات المريض مرضاً مخوفاً، ولا أظن أن هذا المثال الذي ذكرت وحيد بل له أشباه ونظائر كثيرة.
لذلك نقول إذا كان المرض من الأمراض التي تختلف فيها وجهات النظر أو من الأمراض التي يسارع الأطباء بالبحث عن علاج لها وقد يكتشف في مكان لا يعلمه الطبيب الآخر حينئذ لابد من استشارة أكثر من طبيب حتى نحكم على تصرفاته المالية بأنها تصرفات مريض مريضاً مخوفاً.
يقول - رحمه الله -: مسلمان.
يعني: يشترط في الطبيب أن يكون من المسلمين ليكون عدلاً تقبل هذه الشهادة منه.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط إلا أن يكون ثقة عدلاً حاذقاً ولو لم يكن من المسلمين.
بدليل:

  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ في الهجرة دليلاً من غير المسلمين، فهذا يدل على جواز الاعتماد على قول الكافر الثقة.
    وأظن أن هذا الخلاف اليوم محسوم عملياً فإن اليوم الاعتماد على خبر الطبيب غير المسلم هو عمل الناس.
    لاسيما وأنه يوجد عدداً من الأطباء غير المسلمين يكون عنده من الحذق والمعرفة والخبرة ما لا يوجد عند بعض المسلمين، فلذلك استقر العمل الآن على قبول شهادته وقوله وهذا هو الأقرب إن شاء الله.
    يقول - رحمه الله -: ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطلق ... انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى نوع آخر من الأشخاص الذين يحكم على تصرفاتهم بأنها تصرفات المريض مرضاً مخوفاً، إلا أنهم ليسوا بمرضى.
    فهم في حكم المريض مرضاً مخوفاً، ولو لاحظت فستجد أن من وقع في بلده الطاعون ومن أخذها الطلق ليست مريضة وليس مريضاً هو بحد ذاته ليس مريضاً.
    وألحقوا بهذين المثالين: ـ من حكم عليه بالقصاص، فإنه ليس مريضاً ولكنه يشبه المريض مرضاً مخوفاً.
    ـ وألحقوا به: المقاتل عند التحام الصفين مع التساوي.
    ـ وألحقوا به: من سقط من شاهق يموت منه غالباً.
    وإذا تأملت فستجد أمثلة كثيرة لهذه الأشياء التي ذكرها الحنابلة.
    دليل الحنابلة في إلحاق هذه الأشياء بمرض الموت:
  • قالوا: أن الموت والعطب بهذه الأشياء أكثر منه في المريض مرضاً مخوفاً فهي أولى بالحكم.
    هذا الدليل لجملة الأشياء التي ذكرت وهي أمثلة ثلاثة أو أربعة.
    لكن في المسألة خلاف نأخذ المسائل التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -: الأولى: قال - رحمه الله -: ومن وقع الطاعون ببلده.
    ذكرنا أن مذهب الحنابلة أن حكمه حكم المريض مرضاً مخوفاً وذكرنا تعليلهم.
    = والقول الثاني: أن تصرفاته كتصرفات الصحيح.
  • لأنه ليس بمريض بل صحيح معافى.
  • ولأن الطاعون أصاب الشام في عهد الصحابة ولم ينقل أنهم أمروا من في الشام بأن لا يتصرفوا إلا كما يتصرف المريض مرضاً مخوفاً.
    والراجح بلا إشكال إن شاء الله الثاني.
    المسألة الثانية: قال - رحمه الله -: ومن أخذها الطلق.
    إذا أخذ المرأة الطلق فعرفنا مذهب الحنابلة ودليلهم.
    = القول الثاني: أن تصرفاتها كتصرفات الصحيح، فلو تبرعت وهي تلد فتبرعها صحيح.
    والسبب في ذلك:
  • أن الغالب على من أخذها الطلق السلامة وليس الموت فإلحاقها بالمريض مرضاً مخوفاً فيه نظر ظاهر.
    وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
    يبقى بعض المسائل في الحقيقة من الأمثلة التي ذكرت قد تكون أقوى من الأمثلة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -. ـ فالإنسان إذا قدم للقصاص: = فمن الفقهاء كالحنابلة من ألحقه بالمريض مرضاً مخوفاً.
    = ومنهم من قال: بل ربما عفا من له الحق في العفو قبل تنفيذ القصاص ولهذا فنعتبر تصرفاته تصرفات الصحيح.
    وفي الحقيقة المسألة هذه محتملة [ويغلب - ويقرب] عندي أنه إذا قدم للقصاص فتصرفاته كتصرفات المريض، أما وهو في الحبس وينتظر القصاص فهذا تصرفاته تصرفات الصحيح لأن الأمل في العفو كبير.
    ـ بالنسبة لمن سقط من شاهق يغلب على الظن أنه يموت فتصرفاته وهو ساقط كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
    بل هو أولى من المريض مرضاً مخوفاً لأن نسبة الموت من السقوط من شاهق مرتفع جداً تقرب من التسع وتسعين بالمائة، ولا ينجو إلا شيء مخالف للعادة.
    إذاً: الأمثلة التي ذكرها الفقهاء تختلف قوة وضعفاً.
    فالأمثلة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - ضعيفة وبعد الأمثلة التي ذكرت القول بأنها تلحق بمرض الموت قول وجيه وقوي.

ما ذكر المؤلف - رحمه الله - حدود مرض الخوف وأمثلته وضوابطه ذكر الحكم: فقال - رحمه الله -: لا يلزم تبرعه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث: إلاّ بإجازة الورثة لها إن مات منه.
هذا الخلاصة والأهم.
وهي أن صرفات المريض مرضاً مخوفاً حكمها حكم الوصية فلا تنفذ للوارث ولا بأكثر من الثلث للأجنبي.
فنعامل تصرفات المريض مرضاً مخوفاً كما نعامل وصيته تماماً حكمها حكم الوصية.
وهذا كمعنى قول المؤلف - رحمه الله -: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء).
وقوله: (ولا بما فوق الثلث: إلاّ بإجازة الورثة لها) أي: أن حكمها حكم الوصية.
وسيأتي في الوصية تفصيل هذين الحكمين.
والذي يعنينا الآن أن تصرفات المريض حكمها حكم الوصية.
وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دليل لأن هذا الرجل مسلم عاقل حي كيف نحكم على تصرفاته بأنها ملغاة وأنها كتصرفاته في الوصية.
والجواب على هذا الإشكال: أن هناك في الشرع أدلة واضحة وقوية تدل على هذا الحكم.

  • الدليل الأول: والأقوى: أن رجلاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يملك ستة أعبد فأعتقهم في مرضه المخوف فاستدعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وجزأهم فأعتق اثنين وأرق أربعه، وذلك بالقرعة.
    فالنبي - صلى الله عليه وسلم - تعامل مع تصرف هذا المريض كما يتعامل مع الوصية أنفذ الثلث ورد الباقي.
    وهذا الدليل في الصحيح وهو في الحقيقة عمدة المسألة.
  • الدليل الثاني: الذي يذكره الفقهاء كثيراً هو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تصدق عليكم عند موتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم) هذا الحديث فيه ضعف لكن له شواهد كثيرة.
    ويقوى بالحديث السابق فهو إن شاء الله صالح للاستدلال فهذان دليلان واضحان على هذا الحكم المهم الذي يتعلق بتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
    يقول - رحمه الله -: إذا مات منه وإن عوفي فكصحيح.
    يعني أن هذا الحكم إنما هو إذا استمر به المرض إلى أن مات فحكمه حكم الوصية.
    أما إذا عوفي ولو كان أصيب بمرض مخوفٍ بالإجماع ثم عوفي فإن تصرفاته تكون صحيحة وتكون من رأس المال لا من الثلث.
    وذلك: - لأن تصرفه لم يصادف مانعاً شرعياً فصح ولزم.

فإذا قال الأب في مرضه المخوف لزوجتي العمارة الفلانية فحكم تصرفه الآن وهو في مرض الموت المخوف حكم الوصية.
والوصية لوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة لكن لو عوفي بعد هذا المرض وشفاه الله برحمته فإن هذا البيت يكون ملك للزوجة.
لأن هذا التصرف تصرف صحيح.
وهذا واضح.
مسألة أخرى: لو تصرف الإنسان تصرفاً مالياً في مرض غير مخوف ثم مات من هذا المرض فإن تصرفه صحيح من رأس المال ولا يعامل كما تعامل الوصية.
إذاً: ينحصر الحكم في شخص واحد وهو من أصيب بمرض مخوف واستمر معه إلى أن مات، لابد من هذين الشرطين: ـ أن يصاب بمرض مخوف ـ وأن يستمر المرض إلى الموت، وهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله - إذا مات منه)، يعني إذا استمر إلى الموت.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى نوع آخر من الأمراض.
فقال - رحمه الله -: ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش: فمن كل ماله والعكس بالعكس .. المؤلف - رحمه الله - يريد أن يتكلم عن الأمراض الممتدة فالأمراض الممتدة يعني: التي تطول مع صاحبها وتبقى معه زمناً طويلاً.
حكمها: = عند الحنابلة: أنها إن ألزمته الفراش فتصرفاته كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
وإن لم تلزمه الفراش فتصرفاته كتصرفات الصحيح.
هذا هو التفصيل عند الحنابلة.
الدليل:

  • قالوا: الدليل على هذا أن المرض الممتد إذا ألزم صاحبه الفراش فإن الغالب منه الموت فأخذ حكم المريض مرضاً مخوفاً.
    ومثل الحنابلة على هذا: بالأمراض التي ذكر.
    (كالجذام)، لو ألزم صاحبه الفراش، فإن الجذام من حيث الأصل لا يعتبر مرضاً مخوفاً لكن لما ألزم صاحبه الفراش عاملناه كما نعامل المرض المخوف.
    (أو سل) في ابتدائه لأنه في انتهائه يعتبر مخوفاً.
    (أو فالج) في آخره لا في ابتدائه لأنه في ابتدائه يعتبر مرضاً مخوفاً ولو لم يلزم الفراش.
    إذاً هذه الأمثلة التي مثل بها المؤلف - رحمه الله - كأنه يقول: إذا أصيب الإنسان بمرض غير مخوف وامتد وألزمه الفراش بهذه الضوابط الثلاثة: فإنه يعامل معاملة المريض مرضاً مخوفاً.
    وتقدم دليلهم.
    = القول الثاني: أن المرض الممتد إذا ألزم صاحبه الفراش فإنه لا يعتبر حكمه حكم المريض مرضاً مخوفاً.
  • أنه لا يغلب في مثل حالتهم الهلاك، هذا أولاً.
  • ثانياً: أنا نجد الرجل الهرم الكبير يلزم الفراش ويبقى سنين في الفراش ولا نعتبره مرضاً مخوفاً.
    وهذا القول الثاني هو الصواب وعليه العمل.
    فإن الناس لا يتعاملون مع المريض الذي لزم الفراش بسبب شدة المرض أن تصرفاته تصرفات المريض مرضاً مخوفاً.
    فالإنسان إذا أصيب بشلل مثلاً ولزم الفراش مع أن تصوره ومعرفته وعبادته كاملة، إنما أصيب بشلل بالأعضاء وألزمه الفراش عند الحنابلة يجب أن نعامله معاملة المريض مرضاً مخوفاً وعلى القول الثاني وهو الصواب أنه يعامل معاملة الأصحاء من حيث التصرفات المالية.
    ثم قال - رحمه الله -: ويعتبر الثلث عند موته.
    يعني: أن المعتبر في كون العطية الثلث أو أقل أو أكثر هو عند الموت.
    فإن أوصى بمال هو النصف حين الوصية ثم أصبح الثلث عند الموت فيعتبر الثلث.
    وإن أوصى بوصية هي الثلث عند الوصية ثم أصبحت النصف عند الموت فهي النصف وترد إلى الثلث.
    إذاً المعتبر حال الموت.
    إذاً: لا نعتبر لا حال التبرع ولا الحال التي قبل الموت وإنما نعتبر حال الموت.
    وذلك لأنه في هذه الحال - حال الموت - ينتقل المال إلى الورثة أو المعطى.
    قال - رحمه الله -: ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية ... لما بين المؤلف - رحمه الله - أن العطية في مرض الموت حكمها حكم الوصية أراد أن يبين الآن الفروق التي بين الوصية والعطية في مرض الموت.
    وكأنه يقول: إن العطية في مرض الموت وإن شابهت الوصية في كثير من الأحكام إلا أنها تختلف عنها في باقي الأحكام فليست تتساوى معها تماماًَ بل تشبهها في شيء وتفارقها في شيء.
    يقول - رحمه الله – مبيناً الفرق الأول: ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية.
    هذا هو الفرق الأول: في العطية نبدأ بالأول فالأول وفي الوصية نساوي بين الجميع المتقدم والمتأخر.
    والسبب في ذلك: - أن العطية تلزم حين صدورها فتصبح لازمه، أما الوصية فهي تبرع مضاف لما بعد الموت فيقع جملة واحدة فيتساوى أصحابه.

مثال هذا: إذا أوصى لزيد ألف ولعمرو بألف ولخالد بألف ثم مات.
الوصية الأولى في السنة الأولى والوصية الثانية في السنة العاشرة والوصية الثالثة في السنة العشرين من حياته فالآن هل نعامل هؤلاء الثلاثة معاملة واحدة ويتحاصون أو نقدم الأول فالذي يليه.؟ معامله واحدة.
المثال الآخر: إذا أعطى في مرضه المخوف زيد ألف ثم بعد يوم أعطى خالداً ألف ثم بعد يوم أعطى زيدا ألفاً ثم مات كم الآن مجموع العطايا؟ ثلاثة آلاف.
لما بحثنا في تركته وجدنا أن الثلث ألف فهل نقسم الألف بين الثلاثة أو نعطيها الأول؟ نعطيه الأول.
والثاني والثالث؟ يسقطان.
وهذا فارق جوهري وكبير بين العطية التي في حكم الوصية والوصية.
ولهذا بدأ به المؤلف - رحمه الله -. ثم قال - رحمه الله -: في الفرق الثاني: ولا يملك الرجوع فيها.
يعني: لا يملك الرجوع في العطية بينما يملك الرجوع في الوصية.
ـ أما العطية فلأنها لازمة كما تقدم معنا، فلا يملك الرجوع فيها.
ـ وأما الوصية فسيأتينا أنه يجوز الرجوع فيها قولاً واحداً، وهذا فارق أساسي بينهما.
يقول - رحمه الله -: ويعتبر القبول لها عند وجودها.
يعني: يعتبر القبول للعطية عند وجودها بينما يعتبر القبول للوصية بعد الموت.
فقبوله أو رده أي الموصى إليه قبل الموت لا عبرة به بينما في العطية وإن كانت حكمها حكم الوصية إلا أن القبول يعتبر قبل الموت وذلك لأن العطية تمليك في الحياة والوصية تمليك بعد الممات.
فهذا هو الفرق بينهما فقبول هذه يكون في الحياة وقبول تلك يكون بعد الممات.
يقول - رحمه الله – في الفارق الأخير: ويثبت الملك إذاً.
يعني: يثبت الملك في العطية من حين القبول وهو في أثناء الحياة ويثبت الملك في الوصية بالقبول بعد الموت.
ولهذا نقول: إذا أعطى عطية في مرض الموت المخوف وقبل المعطى فإن العطية وما يترتب عليها من نماء منفصل أو متصل كله للمعطى من حين القبول في الحياة لأنه تملكها من ذلك الحين بشرط أن تخرج من الثلث.
لأن العطية في مرض الموت المخوف حكمها حكم الوصية والوصية لا تخرج إلا من الثلث.
فهذه أربعة أشياء تختلف فيها العطية مرض الموت عن الوصية وهي فروق مهمة جداً ومؤثرة.

وبهذا ولله الحمد نكون انتهينا من كتاب الوقف وننتقل إلى كتاب الوصايا.

الدرس: (1) من الوصايا

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل