كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
المثال الذي يبين الخلاف: لو أن رجلاً جاء إلى مكة في أشهر الحج واعتمر ولم ينو الحج أصلاً ولا التمتع ولم يخطر بباله بل كان ناوياً الرجوع إلى أهله ثم يسر له أن بقي في مكة إلى الحج ثم أحرم بالحج.
فـ:
o على القول الأول لا يعتبر متمتعاً.
o وعلى القول الثاني يعتبر من المتمتعين.
وهو القول الراجح إن شاء الله.
الشرط الرابع:
= عند الحنابلة -:
أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده لأنه بذلك يحصل له الترفه بترك أحد السفرين بينما إذا أحرم بالعمرة من مكة أشبه حاضري المسجد الحرام.
=والقول الثاني: أنه لا يشترط للإنسان أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده بل لو أحرم من أدنى الحل ثم أحرم بالحج بعد ذلك فهو متمتع ويجب عليه الدم وله أجر المتعة إن شاء الله.
والفرق بينهما يتصور في رجل سافر إلى مكة لا يريد العمرة ولا الحج في أشهره فلما وصل إلى مكة حضرته النية وأراد أن يحرم بالعمرة والحج.
o فعلى القول الأول: يشرط أن يرجع إلى ميقات بلده فإن أحرم من الحل فليس من المتمتعين.
o وعلى القول الثاني: وإن أحرم من الحل فهو متمتع له أحكام المتعة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،،،
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (5)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا بالأمس من بيان صفة التمتع والشروط الخاصة بالتمتع والشروط الخاصة بدم المتعة وبيان أنه لا يلزم من توفر شروط أحدهما توفر شروط الآخر، أي: أن شروط دم المتعة تختلف عن شروط التمتع، بمعنى أنه قد تصدق على شخص شروط الدم دون شروط التمتع وقد يقع العكس.
والمؤلف - رحمه الله - ذكر التمتع لكونه أفضل الأنساك ولكنه لم يذكر - رحمه الله - ما يتعلق بصفة الإفراد والقران.
o فالإفراد:
هو: أن يحرم الإنسان بالحج وحده ويمضي في الأنساك إلى أن يتحلل ويتم نسكه.
والإفراد ليس له عند أهل العلم إلا صورة واحدة فقط كما في التمتع فالإفراد والتمتع لكل منهما صورة واحدة فقط.
نأتي إلى القران.
o القران:
وله عند أهل العلم ثلاث صور:
- الصورة الأولى المعروفة والمتبادرة إلى الذهن: أن يحرم بالحج والعمرة في وقت واحد من الميقات ويتم الأنساك إلى أن يفرغ من حجه.
ويقول عند إرادة الإحرام: لبيك حجاً وعمرة، أو يقول: لبيك عمرة وحجا.
والأفضل أن يقول: لبيك عمرة وحجة ليتوافق لفظه مع لفظ الحديث.
وهذه الصفة مشروعة باتفاق أهل العلم بل تقدم معنا أن عدداً كبيراً من أهل العلم يرون أنها أفضل الأنساك. - الصورة الثانية: أن يحرم الإنسان بالعمرة أولاً ثم يدخل عليها الحج.
والدليل على جواز هذه الصفة: - حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها أحرمت بالعمرة ثم لما حاضت وخشيت فوات الحج أدخلت الحج على العمرة.
- والدليل الثاني: الإجماع وقد حكاه شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم - رحمهما الله -.
-
- مسألة/ وظاهر عبارات أهل العلم - رحمهم الله - أنه لا يشترط لهذه الصفة أن تكون بعذر بل يجوز للإنسان أن يدخل الحج على العمرة ولو بلا عذر.
والإجماع الذي حكاه الشيخان أيضاً مطلق لم يشترط أن يكون هناك عذر.
وهذا هو الصحيح: أنه يجوز مطلقاً.
ويشترط: = عند لحنابلة للصورة الثانية وهي أن يدخل الحج على العمرة - أن يكون إدخال الحج على العمرة قبل بداية طواف العمرة.
- مسألة/ وظاهر عبارات أهل العلم - رحمهم الله - أنه لا يشترط لهذه الصفة أن تكون بعذر بل يجوز للإنسان أن يدخل الحج على العمرة ولو بلا عذر.
- لأنه إذا بدأ بالطواف فقد بدأ بالتحلل.
= والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يدخل الحج على العمرة ولو بعد الشروع في الطواف. - لأن صورة القران تصدق عليه حينئذ ولو كان شرع في طواف العمرة.
والأقرب والله أعلم: القول الثاني وهو أنه يجوز إدخال الحج على العمرة ولو بعد الشروع في طواف العمرة.
وفهم مما تقدم أنه لا يجوز لإنسان أن يدخل نسك الحج على العمرة بعد الشروع في السعي، إنما الخلاف فيما إذا أدخل الحج على العمرة بعد الشروع بطواف العمرة فقط. - الصورة الثالثة: أن يحرم الإنسان بالحج مفرداً ثم يدخل عليه العمرة.
وهذه الصورة ممنوعة: = عند الحنابلة.
فإن فعل فإن إحرامه بالعمرة ملغي لا قيمة له وهو ما زال مفرداً.
واستدلوا على هذا بأمرين: - الأول: أنه روي عن علي - رضي الله عنه - النهي عن هذه الصورة.
وبهذا الأثر استدل الإمام أحمد - رحمه الله -.
- والثاني: أنه لا ينتفع بعمله هذا زيادة إذ عمل المفرد والقارن واحد.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام - رحمه الله -. = القول الثاني: جواز إدخال العمرة على الحج.
واستدلوا بدليلين: - الدليل الأول: قياساً على العكس: فإذا جاز إدخال الحج على العمرة فيجوز إدخال العمرة على الحج.
- الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم أولاً بالحج ثم أدخل عليه العمرة.
وهذا الحديث يستدل به بعض الفقهاء وتتبعت أحاديث الحج تتبعاً لا بأس به فلم أجد في الأحاديث التصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج أولاً ثم أحرم بالعمرة إنما فيه قوله في الحديث القدسي: (صل في هذا الوادي وقل عمرة في حجة).
فالفقهاء وشراح الأحاديث قالوا: لا يوجد - وهذا هو الأمر المهم - لا يمكن التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض إلا أن نفترض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج ثم أدخل عليه، وما دام لا يمكن التوفيق بين النصوص إلا بهذا القول صاروا يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة وإلا لا أعلم أنه يوجد حديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا صنع، ومن أدلة عدم الوجود أن الحفاظ المتأخرين من الشراح صرحوا أن اعتمادهم في إثبات هذه الطريقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - هو أنه لا يمكن الجمع بين النصوص إلا إذا حملنا عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا المحمل.
-
- مسألة: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج.
- هكذا هذا لفظه في البخاري.
وظاهر هذا اللفظ عكس ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني.
وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالعمرة أولاً ثم أدخل عليه الحج.
- مسألة: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج.
ولكن مع ذلك الشراح ذكروا أنه لا يمكن أن نحمل هذا الحديث على ظاهره بل نقول: أراد ابن عمر - رضي الله عنه - بهذا الكلام أن يبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج قارناً بغض النظر عن الصورة التفصيلية لكيفية نسكه فحملوه على هذا المحمل وإن كان الفظ صريحاً لكنهم لم يرتضوا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالعمرة أولاً وحملوا هذا اللفظ على أنه أراد الصورة العامة لا الصورة التفصيلية والذي دعاهم إلى هذا الحمل هو أنه لا يمكن التوفيق بين الأحاديث إلا إذا قلنا بهذا القول.
والراجح - والله أعلم - الجواز:
-
لأنه وإن استدل الإمام أحمد - رحمه الله - بأثر علي إلا أن أصحاب القول الثاني معهم ظاهر السنة - وليس صريحها - فهذا يجعل الإنسان يركن إلى هذا القول، ثم إذا أحرم الإنسان بالحج ثم أدخل عليه العمرة استفاد سقوط نسك العمرة عنه وتقرب إلى الله بالهدي لأن القارن يجب عليه الهدي، فبين أن لهذا العمل فائدة كبيرة.
ثم قال - رحمه الله تعالى -: وإذا حاضت المرأة فخشيت فوات الحج: أحرمت به وصارت قارنة.
هذه إحدى صور القران وهي الصورة الثانية.
ودليلها:
-
حديث عائشة - رضي الله عنها - الذي تقدم معنا أنها أحرمت بالعمرة ثم خشيت فوات الحج لأنها حاضت فأدخلت الحج على العمرة.
إذاً من خشي فوات الحج وهومحرم بالعمرة تمتعاً فإنه يدخل الحج على العمرة سواء كانت خشية الفوات بسبب الحيض بالنسبة للنساء أو بأي سبب بالنسبة للرجال، فما دام خشي أن يفوت الحج فالحل أن دخل الحج على العمرة.
= والقول الثاني: أن من أحر بالعمرة ثم خشي فوات الحج ولن يتمكن م إتمام العمرة كالحائض فحكمه أن يرفض العمرة وهو معذور بهذ الرفض لأنه لا يستطيع إتمام النسك.
وهذا مذهب الأحناف.
وهو غاية في السقوط والضعف: - لأنه مخالف لنص السنة الصريحة فإن هذه المسألة أفتى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمرها أن تحرم بالحج فكيف نقول بأن الحل أن ترفض العمرة ويكون رفضها مقبولاً في هذه الصورة لأنها معذورة. -
ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وإذا استوى على راحلته قال: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ)).
يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين الوقت الذي يشرع فيه التلبية، فهنا يريد المؤلف - رحمه الله - أن يتكلم عن التلبية وسبق أنه تكلم عن نية الإحرام وذكرت لك أن الحنابلة يفرقون بين نية الإحرام وبين التلبية فيجعلون وقت استحباب نية الإحرام بعد الصلاة وقت استحباب التلبية إذا استوت به راحلته، إذاً يفرقون بين وقت النية ووقت التلبية.
= والقول الثاني: أن وقت النية وقت التلبية واحد.
واستدلوا:
-
- بأن هذا هو ظاهر السنة أنه - صلى الله عليه وسلم - نوى ولبى في قت واحد.
وهذا القول الثاني ظاهر القوة وهو الصواب إن شاء الله.
نأتي الآن إلى مسألة: متى يشرع للإنسان أن يلبي؟ = عند الحنابلة إذا استوى على راحلته.
والمؤلف - رحمه الله - خالف في هذه المسألة المشهور من مذهب الحنابلة، فالحنابلة في المشهور عندهم يرون أن وقت التلبية بعد الإحرام أي بعد الصلاة.
إذاً ما مشى عليه المؤلف - رحمه الله - هنا هو أنه يحرم إذا ستوت به راحلته واستدل الحنابلة على هذا الحكم - يعني ما ذكره المؤلف - رحمه الله - هنا:
- بأن هذا هو ظاهر السنة أنه - صلى الله عليه وسلم - نوى ولبى في قت واحد.
-
- بحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استوى على راحلته أهل ولبى - صلى الله عليه وسلم -.
= القول الثاني: أن التلبية تكون بعد الصلاة فإذا صلى نوى ولبي.
واستدلوا على هذا:
- بحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استوى على راحلته أهل ولبى - صلى الله عليه وسلم -.
= القول الثاني: أن التلبية تكون بعد الصلاة فإذا صلى نوى ولبي.
-
- بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بعد الصلاة.
وهذا الحديث على شهرته وكثرة الاستدلال به إلا أنه لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نُقِلَ عنه نَقْلٌ صحيح أنه لبى بعد الصلاة.
= والقول الثالث: أنه إذا استوى على البيداء - يعني إذا على هذا المرتفع.
والبيداء مكان معروف قريب من ميقات أهل المدينة.
واستدلوا على ذلك:
- بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بعد الصلاة.
-
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استوى على البيداء أهل بالتلبية.
- وكان ابن عمر - رضي الله عنه - ينكر هذا القول إنكاراً شديداً ويقول: ما أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا لما استوى على راحلته.
والأقرب والله أعلم من هذه الأقوال أنه بعد الصلاة وإن كان حديث ابن عباس ضعيف لمن هذا ظاهر السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نوى ولبى في وقت واحد وذلك يكون بعد الصلاة.
ويؤيد ذلك أن ضعف حديث ابن عباس ليس ضعفاً شديداً وإنما ضعف بالإمكان أن يستأنس به.
الإضافة إلى أن عدداً من المعاصرين صح هذا الحديث.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -: يصوت بها الرجل.
يعني: أن المشروع في حق الرجل أن يرفع صوته قدر ما يستطيع.
وهذا معنى قوله: يصوت.
والدليل على ذلك:
-
ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أمرني جبريل أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال.
-
والدليل الثاني: أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يرفعون أصواتهم حتى تبح من شدة رفع الصوت.
ولما بين ما يتعلق بالرجل انتقل إلى المرأة: -
فقال - رحمه الله -: وتخفيها المرأة.
أي أن السنة في حق المرأة أن تلبي بصوت منخفض.
والراجح أن المراد بالانخفاض هنا: أي بحيث تسمع من بجوارها من النساء لا أن تلبي بصوت لا يسمعه من بجوارها - يعني لا تلبي ي نفسها وإنما تلبي بصوت منخفض يسمعه من بجوارها من النساء.
هذه هي السنة لأن التلبية نوع من الشعائر وإنما أمرنا المرأة بخفض الصوت خشية الافتتان ولأن صوت المرأة غالباً يؤدي إلى انشغال أذهان الرجال فلذلك أمرت بخفض الصوت وإلا فإن الأصل أن هذه شعيرة تحتاج إلى إعلاء.
فإذاً لا تتجاوز المرأة إسماع من بجوارها ولو كانت في مكان منعزل خاص بالنساء فإنها لا تعدى هذا الحد وهو أن تسمع من بجوارها.
باب محظورات الإحرام
- ثم قال - رحمه الله تعالى -: باب محظورات الإحرام.
الحظر في لغة العرب: المنع.
والمقصود بمحظورات الإحرام: ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام.
فالكذب يحرم على المحرم فعله لكن ليس بسبب الإحرام إنما بالتحري الأصلي.
إذاً المحظورات المقصودة في هذا الباب فقط ما يكون سبب المنع منه الإحرام وهي كما قال المؤلف - رحمه الله -: تسعة.
- قال - رحمه الله -: (1) حلق الشعر.
حلق الشعر من محظورات الإحرام.
وحلق الشعر ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: حلق شعر الرأس.
وهو من محظورات الإحرام: بالنص والإجماع. - أما النص فقوله تعالى: - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/196]. فهذه الآية نص في تحريم حلق شعر الرأس أثناء الإحرام.
- والثاني: الإجماع فقد حكى الإجماع أكثر من واحد ولا يعلم في هذه المسألة مخالف لصراحة النص في النهي عنه.
- القسم الثاني: ما عدا شعر الرأس من شعر البدن.
وفيه خلاف بين أهل العلم - رحمهم الله - على قولين: = القول الأول: وإليه ذهب الأئمة الأربعة والجماهير والجم الغفير من الفقهاء أنه من محظورات الإحرام.
قال الإمام أحمد لا أعلم أحداً فرق بين الرأس والإبط.
واستدلوا بدليلين: - الدليل الأول: القياس على شعر الرأس.
بجامع ترك الترفه أي أن الشارع إنما نهى المحرم عن أخذ شعر الرأس لأن لا يترفه والترفه حاصل بأخذ الشعور الأخرى. -
- الدليل الثاني: قوله سبحانه وتعالى - (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) -[الحج/29].
قضاء التفث فسره ابن عباس - رضي الله عنه - بأخذ شعر العانة والإبط وتقليم الأظافر.
وجه الاستدلال بالآية: أنه تعالى قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ والآية معطوفة على نحر الهدي.
فمعنى الآية أن الإنسان لا يقضي تفثه إلا بعد أن ينحر الهدي وما دام لم ينحر فهو محرم ويمنع من أخذ هذه الشعور وهو استدلال غاية في القوة كما ترى لا سيما وأن هذا التفسير مروي عن ابن عباس ولا يعرف له مخالف.
= القول الثاني: أن أخذ باقي الشعور جائز ولا يترتب عليه فدية وأن الممنوع فقط شعر الرأس.
وإلى هذا ذهب ابن حزم - رحمه الله -. واستدل على ذلك كما هي طريقته:
- الدليل الثاني: قوله سبحانه وتعالى - (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) -[الحج/29].
-
- بأنه ليس في النصوص مطلقاً المنع من أخذ باقي الشعور وإنما نص الله سبحانه وتعالى فقط على شعر الرأس.
وهو قول ضعيف جداً مخالف لظاهر الآية وللآثار عن الصحابة ولما عليه جماهير الفقهاء بل إن عبارة الإمام أحمد يفهم منها الإجماع حيث يقول - رحمه الله -: لا أعلم أحداً فرق بين شعر الرأس والإبط.
إذاً الراجح أن باقي الشعور كشعر الرأس وهي من محظورات الإحرام.
- بأنه ليس في النصوص مطلقاً المنع من أخذ باقي الشعور وإنما نص الله سبحانه وتعالى فقط على شعر الرأس.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى المحظور الثاني من محظورات الإحرام:
- فقال - رحمه الله -: (2) وتقليم الأظافر.
تقليم الأظافر من محظورات الإحرام.
فإن قلم المحرم أظافره فعليه فدية كما سيأتي تفصيل أحكامها.
وليس في النصوص ما يدل على أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام.
ولذلك الخلاف الذي سمعت في الشعر غير شعر الرأس وجد تماماً في حكم تقليم الأظافر سواء من حيث الأدلة ومن حيث القائلين فلا يختلف بشيء.
والراجح كذلك في هذه المسألة كالراجح في المسألة السابقة وهي أن تقليم الأظافر بمقتضى ظاهر الآية وفتاوى الصحابة من محظورات الإحرام وأن اختيار ابن حزم في هذه المسألة ضعيف.
ثم لما بين - رحمه الله - المحظور الأول والثاني انتقل إلى الضابط الذي تجب فيه الفدية في الشعور والأظافر:
- فقال - رحمه الله -: فمن حلق أو قلم ثلاثة: فعليه دم.
إذا حلق الإنسان ثلاث شعرا فصاعداً: فعليه دم.
فإن حلق شعره ففيه: طعام مسكين.
وإن حلق: شعرتين: فيه طعام مسكينين.
وإن حلق بعض شعرة: فيه ما في حلق الشعرة.
واستدلوا:
- بأن الثلاثة أقل الجمع.
= القول الثاني: لأبي حنيفة - رحمه الله - أن الفدية تجب إذا حلق ربع الرأس فصاعداً.
فإن حلق أقل من ذلك فلا فدية فيه.
= القول الثالث: للمالكية وهو أن الحلق الذي تجب فيه الفدية هو ما اتصف أحد صفتين إما أن يون فيه ترفه أو أن يكون فيه إزالة للأذى.
فإن حلق شعر يحصل به الترفه أو يحصل به إزالة الأذى: وجبت الفدية وإلا فلا.
ومعنى هذا القول: أن لا تجب الفدية إلا - في الحقيقة - عمم شعره بالحلق.
أما إذا حلق بعض الرأس فلا فدية فيه.
وهذا القول هو القول الصحيح.
فإن حلق الرأس أو أغلب الرأس ففيه الفدية.
وإن حلق دون ذلك ففيه طعام مسكين.
-
- مسألة/ والفقهاء الذين يقولون حلق ما دون الثلاث شعرات مثلاً ليس فيه فدية يرون مع ذلك أنه: محرم.
فهو محرم وإن ل تكن فيه فدية.
إذاً: الحديث الآن لا عن حكم الحلق وإنما عن متى تجب الفدية وقد سمعتم الخلاف والراجح إن شاء الله مذهب المالكية.
- مسألة/ والفقهاء الذين يقولون حلق ما دون الثلاث شعرات مثلاً ليس فيه فدية يرون مع ذلك أنه: محرم.
ثم قال - رحمه الله تعالى -: (3) ومن غطى رأسه بملاصق: فدى.
تغطية الرأس من محظورات الإحرام.
وهي في الجملة: محل إجماع.
-
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي سيأتينا: (ولا العمائم ولا البرانس) - فيما ينهى المحرم عن لبسه.
-
- ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصته ناقته: (ولا تخمروا رأسه).
إذاً من حيث الجملة دل على المنع منه النص والإجماع فلا إشكال فيه.
لكن من حيث التفصيل ففيه خلاف.
فتغطية الرأس تنقسم إلى قسمين:
- ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصته ناقته: (ولا تخمروا رأسه).
-
إما أن تكون بملاصق.
- أو أن تكون بغي ملاصق.
القسم الأول: أن تكون بملاصق.
يعني أن يغطي رأسه بما يلاصق الرأس هذا ينقسم إلى قسمين: -
إما أن يغطي بملاصق معتاد.
كالعمامة والطاقية أو الشماغ وما أشبه ذلك من الألبسة المخصصة للرأس. -
أو أن يغطيه بغير معتاد.
كأن يضع عليه قرطاس أو أن يضع عليه خرقه ليست مما أعد لستر الرأس.
والنوعان ممنوعان.
فإن غطى رأسه بملاصق معتاد أو غير معتاد فهو محرم وعليه الفدية.
القسم الثاني: أن يغطي رأسه بغير ملاصق.
وهو ينقسم إلى قسمين: -
الأول: أن يكون غير الملاصق غير تابع للمحرم، والتابع هو الذي يتحرك بحركة المحرم وغير التابع هو الذي لا يتحرك بحركة المحرم.
مثاله: أن يستظل تحت سقف مبني أو أن يستظل تحت خيمة فهذه لأمور ليست تابعة تحرك بحركة المحرم فهذه لا إشكال أنه لا فدية فيها لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضربت له خيمة بنمرة. -
الثاني: أن يكون غير ملاصق ولكنه تابع للمحرم.
كأن يستظل بمظلة شمسية أو بالسيارة أو بما أشبه هذه الأمور مما تحرك بحركة المحرم.
فهذه: = عند الحنابلة لا تجوز وفيها فدية.
واستدلوا على هذا: -
بأثر عن ابن عمر - رضي الله عنه - وبأنها تابعة لهذا المحرم.
= والقول الثاني: أنه لا بأس بالاستظلال بغي الملاصق ولو كان تابعاً. -
- لما ثبت في الحديث الصحيح أن بلالاً وأسامة بن زيد - رضي الله عنهما - كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر يستره بثوب إلى أن رمى جمرة العقبة.
فهذا الثوب الذي ستر به النبي - صلى الله عليه وسلم - تابع له ويتحرك بحركته بل إن الصحابي الجليل إما أن يكون بلال أو أسامة ولعله أسامة كان يقصد أن يتحرك إذا تحرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستمر الظل فوق رأسه - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا الحديث نص في المسألة.
ويجزم الإنسان ويقطع أن ابن عمر لم يعلم أن أسامة صنع هذا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا لم يكن ليخالف أو أن يكون الإسناد إلى ابن عمر لا يثبت.
المهم أن هذا الأثر ليس مما يتمسك به في مقابل الحديث الصحيح.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -: (4) وإن لبس ذكر مخيطاً: فدى.
لبس المخيط من محظورات الإحرام.
والمقصود بالمخيط: هو كل ما فصل على قدر عضو أو على قدر الجسم جميعاً.
فكل ملبوس فصل على قدر عضو من أعضاء الجسم أو على قدر الجسم كله فهو من محظورات الإحرام في باب اللباس.
والدليل على هذا:
- ما أخرجه في الصحيح عن ابن عمر أن الني - صلى الله عليه وسلم - سئل: ما يلبس المحرم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يلبس القميص ولا العمائم ولا البرانس ولا السراويلات ولا الخفاف إلا من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ثم نهى أن يلبس المحرم ثوباً مسه زعفران أو مسه ورس).
هذا الحديث: قاعدة في مسألة لبس المخيط والنهي عنه وتفصيل ما يجوز أن يلبس وما لا يجوز أن يلبس.
فكل ماذكر في الحديث وما يستوي معه في العلة فهو مما لا يجوز للإنسان أن يلبسه في الإحرام.
-
- مسألة/ لبس الإزار المخيط.
هذه المسألة الخلاف فيها طويل واشتهرت في هذا الوقت ولذلك سنفرد لها كلاماً خاصاً وربما يكون مكتوباً.
والراجح في هذه المسألة والله أعلم أنه لا يجوز لإنسان أن يلبس هذا اللباس ومن أقوى الأدلة أن هذا اللباس إذا فصل على هذه الهيئة فقد فصل على قدر جزء من البدن وهو: الجزء الأسفل.
- مسألة/ لبس الإزار المخيط.
وكما أن الثوب الذي يفصل على قدر الدن كله ممنوع كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (القميص) كذلك ما فصل على قدر الجزء الأسفل من البدن فهو ممنوع لكن هذه المسألة: الخلاف فيها قوي والذين قالوا: أنه يجوز لبسه فقهاء كبار وأدلتهم قوية جداً وقولهم معتبر وليس هناك إجماع على المنع من هذه اللبسة وإنما هي لبسة خلافية وإن شاء الله نحن نلخص لكم جميع الأدلة والأقوال في مجلس آخر وأرجو أن تكون مكتوبة لأن الناس بحاجة إليها ويتبين الأمر لكن مع ذلك من الخطأ البين المغالاة في هذه المسألة وكثرة النقاش وإخراجها عن أن تكون من مسائل العلم إلى أن تكون مسألة من المسائل التي يكثر فيها النقاش والخلاف.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -: (5) وإن طيب بدنه أو ثوبه، أو ادهن بمطيب، أو شم طيباً، أو تبخر بعود ونحوه: فدى.
التطيب من محظورات الإحرام بالإجماع في الجملة وبالنص.
-
- أما النص فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولا يلبس ثوباً مسه رس ولا زعفران).
واختلف أهل العلم في الحكمة التي من أجلها نهي المحرم عن لبس الثوب الذي فيه زعفران وورس: هل هو لطيب رائحة الزعفران؟ أو لأن الزعفران ممايتجمل بلونه؟ اختلفوا على قولين في هذه المسألة: = الجمهور على أن النهي لأجل الطيب لا لأجل الزينة وهذا هو الصواب.
ويحتمل أن يكون النهي لأجل الأمرين.
لكن الذي يعنينا الآن ولاشك أنه داخل في النص: مسألة الطيب.
- أما النص فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولا يلبس ثوباً مسه رس ولا زعفران).
- الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي وقصته الناقة: (ولا تحنطوه).
وفي لفظ صحيح إن شاء الله (ولا تطيبوه).
فدلت هذه النصوص على أن الطيب من محظورات الإحرام فإن تعطر المحرم أو مسه فإنه ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: أو شم طيباً.
((أنه لا يمكن القول أنه يقصد من أي سلعة بيعها)).
لأن هذا القصد موجود في جميع السلع.
فالمطعومات مثلاً المقصود منها الأكل وهو المقصود الأصل منها لا التجارة.
فمسألة البيع والاتجار ليست من مقاصد السلع الأساسية لأنها توجد في جميع السلع.
إذاً لا يعترض على الحنابلة بمثل هذا.
= القول الثاني: أن الشم ليس من محظورات الإحرام ولا حرج فيه وأن من شم طيباً فقد فعل أمراً مباحاً.
واستدلوا على هذا:
-
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر من الطيب عند الإحرام في جسده وهذا يستلزم ولابد أنه سيشم الطيب أثناء أداء النسك.
فدل هذا على أن الشم ليس من محظورات الإحرام إذ يلزم من تطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشمه، ولوازم أقوال وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - معتبرة شرعاً.
= القول الثالث: أن المحظور تقصد الشم فإن تقصد أن يشم فقد فعل محظوراً وإن شم عرضاً من غير قصد فإنه لا يقع في محظور.
وهذا القول مال إليه ابن القيم وهو في الحقيقة قريب من مذهب الحنابلة بل إن بعض الحنابلة صرح أن مقصودهم (شم الطيب) يعني إذا تقصد.
القول الثالث وجيه لكن الإشكال ما يزول وظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يميل لمذهب الحنابلة وأن الشم من محظورات الإحرام.
والحقيقة المسألة فيها إشكال ولذلك الأحوط أن لا يتقصد شم الطيب، فإذا لم يتقصد شم الطيب فلا إشكال أنه لم يقع في المحظور، فإن اعتبار شم الطيب من المحظورات مطلقاً ولو بغير قصد هذا خطأ لأننا نكاد نجزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شم الطيب الذي وضعه لا سيما وأنه كان يضع من أطيب الطيب كما في الحديث يعني من أحسن أنواع الطيب، فمثل هذا النوع لابد أن يشمه الإنسان، فالقول بأن شم الطيب من محظورات الإحرام مطلقاً ضعيف ويتنافى مع صنع النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالراجح إما القول الثاني أو القول الثالث.
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر من الطيب عند الإحرام في جسده وهذا يستلزم ولابد أنه سيشم الطيب أثناء أداء النسك.
-
ثم قال - رحمه الله تعالى -: أو تبخر بعود.
إذا تبخر بعود فقد وقع بمحظور من محظورات الإحرام، لأن العود هكذا يصنع به، إذاً لا يلزم أن يضع الإنسان الطيب لكن حتى لو تبخر بعود فقد وقع في المحظور لأن العود هكذا يوضع.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
(6) وإن قتل صيداً مأكولاً برّياً أصلاً ....
قوله: (وإن قتل) يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين أن قتل الصيد من محظورات الإحرام.
وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أن المحظور هو القتل.
والصواب أن المحظور هو القتل وملك الصيد بأي طريقة سواء كان بالشراء أو بالهبة أو بأي طريق من الطرق فإنه من محظورات الإحرام، فليس المقصود في الحقيقة القتل فقط وإنما أن يتملك المحرم الصيد بأي طريق من الطرق، وإنما يعبر الفقهاء كثيراً بالقتل لأنه الغالب في الحصول على الصيد.
والدليل على تحريم الصيد:
-
قوله تعالى: - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) -[المائدة/95].
فهذا النص صريح بأن الصيد من محظورات الإحرام. -
ثم قال - رحمه الله تعالى -: مأكولاً برّياً أصلاً.
الصيد الذي يحرم قتله له شروط اختصرها المؤلف - رحمه الله -:
ـ الشرط الأول: أن يكون مأكول اللحم، فإن قتل غير مأكول اللحم فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بأمرين
- الأول: أن الصيد عند الإطلاق يتناول مأكول اللحم لأن الناس يصيدون مأكول اللحم.
- الثاني: قوله تعالى - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) -[المائدة/95].
وجه الاستدلال: أن الآية منعت المحرم من قتل الصيد الذي يجوز له أن يقتله بدون إحرام وينتفع من هذا القتل وهو المأكول فقط، وهذا الاستدلال وجيه.
= والقول الثاني: أن المحرم ممنوع من قتل المأكول وغير المأكول، لعموم الآية.
والصواب مع القول الأول.
ـ الشرط الثاني: أن يكون متوحشاً أصلاً، ومقصوده أصلاً: أي أن الصيد المتوحش لو تأهل فلا يجوز أن نقتله والأهلي لو توحش يجوز أن نقتله.
لماذا؟ لأن الفقهاء يقولون: العبرة بالأصل لا بالوصف الطارئ، فالوصف الطارئ لا يؤثر في الحكم، فإذاً لو تأهل واستأنس حيوان بري فإنه لا يجوز أنقتله وكذلك العكس، فلو توحش حيوان أهلي فيجوز للمحرم أن يقتله فإذاً العبرة بالأصل لا بالوصف الطارئ.
ـ الشرط الثالث: أن يكون برياً لا بحرياً.
-
لقوله تعالى: - (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) -[المائدة/96].
فصيد البحر بالنسبة للمحرم جائز ولا حرج فيه.
إذاً يشترط في الصيد ليمنع هذه الشروط الثلاثة. -
ثم قال - رحمه الله تعالى -: ولو تولد منه ومن غيره.
تغليباً للحظر، فإذا اجتمع مبيح وحاظر غلب الحاظر.
وهي قاعدة شرعية صحيحة وفيها مؤلفات وأظن بعض إخوانا المعاصرين ألف فيها رسالة طيبة في تقرير قاعدة: ((إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب الحاظر)).
- ثم قال - رحمه الله تعالى -: أو تلف في يده: فعليه جزاؤه.
إذا تلف الصيد في يد المحرم ولو لم يصطده فعليه الضمان:
-
لأن يده يد اعتداء وكان الواجب إما أن يطلقه أو أن يرده إلى المالك.
ثم قال - رحمه الله تعالى -: ولا يحرم: حيوان إنسي ولا صيد البحر ولا قتل محرّم الأكل.
هذا تصريح بمفهوم الكلام السابق، تصريح بمفهوم الشروط السابقة، وأخذنا الكلام حول الإنسي وصيد البحر والخلاف في قتل المحرم محرم الأكل.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -: ولا الصائل.
الصائل: يجوز للإنسان أن يقتله ولو اجتمعت فيه الشروط:
- لأنه لما صال صار من جنس الدواب التي أمر الشارع بقتلها لأنها مؤذية.
فإذاً إذا دخل في زمرة الحيوانات المؤذية التي أمر الشارع بقتلها صار له نفس الحكم ولو كان مأكولاً وحشياً وانطبقت فيه الشروط.
-
- مسألة/ فإذا قتله لأنه صال عليه فهو ميتة ولو كان مأكول اللحم:
- لأن القاتل الآن ليس من أهل الصيد ولا من أهل التذكية فيجوز له أن يقتله ولكن لا يجوز له ولا لغيره أن يأكله.
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (6)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بدأ المؤلف - رحمه الله - بالمحظور السابع وهو عقد النكاح:
- فقال - رحمه الله -:
(7) ويحرم عقد النكاح.
وعقد النكاح من محظورات الإحرام التي اتفق الفقهاء عليها. - لدلالة السنة الصريحة على ذلك في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب).
والمقصود بالمنع هم ثلاثة:
- الزوج.
- والزوجة.
- والولي.
-
وأما الشاهد فلا يدخل في الحديث لكن ذكر الفقهاء أنه يكره له أن يشهد وهو محرم.
فإذا عقد المحرم عقد النكاح فإن العقد يبطل.
والدليل على ذلك: -
- أن النهي في الحديث يعود إلى ذات العقد: (لا ينكح).
وإذا عاد النهي إلى ذات العقد فهو باطل.
وعليه فإنه يلزم الزوج والزوجة إعادة العقد إذا عقداه أثناء الإحرام.
إذاً: الخلاصة أن عقد النكاح من المحظورات المتفق عليها على التفصيل الذي سمعت.
- أن النهي في الحديث يعود إلى ذات العقد: (لا ينكح).
قال - رحمه الله -: ولا فدية.
يعني: مع كون النكاح من المحظورات إلا أنه إذا وقع المحرم فيه فلا فدية عليه بل عليه الإثم والتوبة وفساد العقد دون الفدية.
والدليل على هذا:
- أنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل على وجوب الفدية على المحرم الذي عقد نكاح في أثناء الإحرام، والأصل براءة الذمة وحرمة مال المسلم لذلك قرروا أنه لا فدية.
ثم لما ذكر المؤلف - رحمه الله - النكاح ذكر الرجعة: - فقال - رحمه الله -: وتصح الرجعة.
الرجعة هي: أن يراجع المطلق زوجته الرجعية.
وسيأتينا في كتاب النكاح من هي الرجعية وغير الرجعية؟ وما هي الرجعة؟
والرجعة: = عند الحنابلة تجوز.
واستدلوا على جواز المراجعة بدليلين:
-
- الأول: أن الحديث نهى عن النكاح والرجعة ليست نكاحاً.
-
- الثاني: أن الأصل الجواز والمنع يحتاج إلى دليل.
= والقول الثاني: أن الرجعة أثناء الإحرام لا تجوز ولا تصح وعليه أن يراجع بعد الإحرام.
واستدلوا على هذا:
- الثاني: أن الأصل الجواز والمنع يحتاج إلى دليل.
- بأن الرجعة أثناء الإحرام غالباً ما تؤدي إلى وقوع الوطء وما أدى إلى محظور فهو محظور.
والصواب إن شاء الله مع القول الأول، فيجوز للإنسان أن يراجع زوجته ولا حرج عليه والمنع من مثل هذا بدون دليل مذهب ضعيف.
ثم انتقل المؤلف بعد أن انتهى من المحظور السابع إلى المحظور الثامن. - فقال - رحمه الله -: (8) وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول: فسد نسكهما، ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام.
الثامن من محظورات الإحرام هو: الجماع.
والجماع من أعظم المحظورات والله سبحانه وتعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - كما سيأتينا في فتاويهم - عظموا قضية الجماع والوطء وما يتعلق به، وعظموا تحريمه وعظموا فيه الفدية، لذلك سيأتينا في بعض المسائل أن الراجح في بعضها التشديد انطلاقاً من ملحظ وهو أن الشارع في جنس الوطء في الحج شدد الأمر من حيث التحريم والفدية، ولذلك تجد أن الصحابة - رضي الله عنهم - وعلى رأسهم ابن عباس - رضي الله عنه - شددوا في هذا الباب في أكثر من مسألة ستأتينا الآن.
نبدأ بالمسألة الكبيرة وهي:
ـ الجماع قبل التحلل الأول: فهو أعظم محظورات الإحرام.
والجماع قبل التحلل الأول محرم بإجماع الفقهاء لم يخالف فيه أحد.
- لقوله تعالى: - (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) -[البقرة/197] قال ابن عباس - رضي الله عنه - الرفث: الجماع ومقدماته.
والجماع قبل التحلل الأول ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن يكون قبل الوقوف بعرفة.
فإذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع الأمة، فقد أجمعوا على أن الحج فاسد.
واستدلوا على فساده: - بالآثار الصحيحة الثابتة المروية عن عمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- القسم الثاني: أن يكون بعد الوقوف بعرفة.
= وأيضاً ذهب إلى فساده الجماهير والجم الغفير من أهل العلم ولم يخالف في هذه المسألة إلا: = الأحناف: فهم يرون أن الجماع بعد الوقوف بعرفة لا يفسد الحج.
واستدلوا على هذا: - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الحج عرفة).
والصواب مع الجمهور: -
- لأن الآثار التي رويت عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تفرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة.
ولذلك تكون الخلاصة أن الجماع قبل التحلل الأول مفسد للحج مطلقاً بالإجماع قبل عرفة وعلى الصواب الذي عليه الجماهير: بعد عرفة.
- لأن الآثار التي رويت عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تفرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة.
ثم لما بين المؤلف - رحمه الله - مسألة حكم الجماع قبل الحلل الأول ذكر ما يترتب على هذا الحكم: فالأثر الأول:
- قال - رحمه الله -: فسد نسكهما.
وتحدثنا الآن عن أقسام فساد النسك.
الأثر الثاني:
- قال - رحمه الله -: ويمضيان فيه.
يعني أن من جامع قبل التحلل الأول: فسد نسكه ويجب عليه وجوباً أن يمضي في هذا النسك الفاسد.
ولا يعلم لهذا الحكم نظير في الشرع بأن يمضي الإنسان في عبادة فاسدة وهذا يؤكد ما ذكرت لكم سابقاً أن الشارع وفتاوى الصحابة تعظم هذا الأمر في الحج بشكل لافت للانتباه.
والدليل على وجوب المضي:
- الآثار: ذات الآثار المروية عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - التي دلت على الفساد فإنها دلت على وجوب المضي.
لكن وقع في هذه المسألة خلاف وهو وجوب المضي: = فالجماهير: ذهبوا - كما ذكرت لك - وحسب ما ذكره المؤلف إلى وجوب المضي.
= والقول الثاني: أن الحج يفسد ولا يمضي فيه بل ينصرف إلى أهله، وإلى هذا ذهب الفقيه ابن حزم - رحمه الله -. واستدل على ذلك: - بأن هذا عمل ليس عليه أمر الله ولا رسوله (أي المضي في الحج الفاسد).
والجواب على ما استدل به ابن حزم - رحمه الله -: أن هذا المضي إن كان الحج فاسداً فعليه أمر الله ورسوله بدلالة الآثار ولا يعلم مخالف بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. = القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - أن من أفسد نسكه بالجماع قبل التحلل الأول فإنه يتحلل بعمرة ويمضي إلى أهله.
والصواب: القول الأول: - لصراحة الآثار ووضوحها في مسألة وجوب المضي.
والأثر الثالث (الأخير): - قال - رحمه الله -: ويقضيانه ثاني عام.
وجوب القضاء ثاني عام محل اتفاق بين الفقهاء ودلت عليه الآثار، ويجب أن يقضي هذا النسك الفاسد من حيث أحرم به عام أول، وهذا أيضاً نوع من التشديد في جنس هذا المحظور.
وحكم هذا الحج الثاني - القضاء - وحكم الحج الذي مضى فيه: حكم الحج الصحيح في كل شيء.
فإذا أفسد المحرم نسكه ومضى فيه وألزمناه أن يمضي فيه فهذا الحج الذي مضى فيه له نفس أحكام الحج الصحيح من وجوب الكفارات ولزوم أداء الأركان والواجبات وأنه لو أفسده بجماع آخر فعليه أن يمضي فيه وأن يقضيه، وكذلك حجة القضاء تأخذ نفس الأحكام - أحكام الحج الصحيح.
إذاً بين المؤلف - رحمه الله - ثلاثة آثار للجماع:
- الأول: فساد النسك.
- والثاني: وجوب المضي.
- والثالث: عليه أن يحج من العام المقبل.
وبقي أثران: وهما الرابع والخامس: - فالأثر الرابع: الإثم العظيم ووجوب التوبة.
- والخامس والأخير: وجوب الفدية كما سيأتينا مفصلاً في باب الفدية.
فترتب على الجماع قبل التحلل الأول كل هذه الآثار.
بَيَّنَ المؤلف - رحمه الله - حكم الجماع قبل التحلل الأول ولم يتطرق إلى حكم الجماع بعد التحلل الأول.
فالجماع بعد التحلل الأول: محرم بالإجماع.
ولا يفسد النسك عند: = الجماهير.
= والقول الثاني: أنه يفسد النسك: - قياساً على الوطء قبل التحلل، بجامع أن الوطء قبل وبعد التحلل الأول كلاهما وقع في إحرام، والمقصود في إحرام بالنسبة لما بعد التحلل الأول، يعني: فيما تبقى من الإحرام.
إذاً هذا الحكم الأول وهو أنه محرم بالإجماع، والحكم الثاني: وهو أنه لا يفسد على الصواب الحج، والحكم الثالث:
ـ إن كان الجماع بعد التحلل الأول قبل طواف الزيارة: فسيأتينا تفصيله.
ـ وإن كان بعد طواف الزيارة: فلا يلزمه إلا المضي وإكمال النسك مع التوبة والفدية التي ستأتينا في باب الفدية لكن لا يلزمه شيء آخر.
إذاً: إذا جامع الإنسان بعد التحلل الأول بعد طواف الزيارة الذي هو طواف الركن فإنه لا شيء عليه إلا الإثم ويلزم منه التوبة والفدية وستأتينا في باب الفدية.
ـ وإن جامع قبل طواف الزيارة بعد التحلل الأول:
= فعليه عند الحنابلة: أن يخرج إلى الحل ويحرم من جديد ليطوف طواف الزيارة في إحرام صحيح:
- لأن هذا الجماع أفسد ما تبقى من إحرامه بعد التحلل الأول.
وقبل أن ندخل في تفصيلات القول الثاني يجب أن يستوعب الحكم: فالإنسان إذا تحلل التحلل الأول لم ينته من الإحرام كله وإنما بقي عليه من الإحرام ما يتعلق بالوطء فهو ما زال محرماً في هذا المحظور فقط هذا الإحرام المتبقي يفسد بهذا الوطء الذي وقع بعد التحلل الأول، إذاً عليه عند الحنابلة أن يخرج ويحرم ليأتي بالطواف وقد أحرم إحراماً صحيحاً بدل الذي أفسده بالوطء.
=القول الثاني: أن عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم إحراماً جديداً بالعمرة ويطوف ويسعى ويحلق ثم يطوف للزيارة، وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وهو منصوص الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام.
واستدل هؤلاء جميعاً:
-
أن ابن عباس - رضي الله عنه - أفتى بهذا لمن وقع منه الوطء بعد التحلل الأول وقبل طواف الزيارة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح وأنه لا يكتفى من الذي وقع منه الوطء مجرد الإحرام بل عليه أن يأتي بعمرة كاملة كما أفتى ابن عباس ولا يكتفى بالإحرام كما يصنع بعض الناس اليوم بناء على شهرة القول بالاكتفاء بالإحرام فقط بل يجب أن يأتي بعمرة كاملة ونستطيع أن نقول أن هذا مذهب الأئمة الأربعة وإن كان خلاف المشهور من مذهب الحنابلة لكن هو منصوص الإمام أحمد - رحمه الله -. إذاً الآن تبين معنا كل ما يتعلق بحكم الجماع بعد التحلل الأول.
ثم قال - رحمه الله -: في المحظور التاسع: وتحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل: لم يفسد حجه وعليه بدنة، ولكن يحرم من الحل لطواف الفرض.
المحظور الأخير وهو المحظور التاسع المباشرة، المباشرة محرمة وهي من محظورات الإحرام.
- لقوله تعالى: - (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَث) -[البقرة/197] وتقدم معنا أن الرفث فسره ابن عباس - رضي الله عنه - بالجماع ومقدماته، فالمباشرة لا تجوز للمحرم.
ـ فإن باشر فأنزل: فيترتب على هذا أحكام ذكرها المؤلف - رحمه الله -:
- الحكم الأول: أنه لا يفسد حجه.
ولو كان قبل التحلل الأول.
-
لأن إفساد الحج جاء في الآثار بالوطء فقط.
-
ولأن الوطء يختلف في أحكام كثيرة عن المباشرة منها: الحد فالحد يجب بالوطء دون المباشرة (حد الزنى يجب بالوطء دون المباشرة).
= والقول الثاني: أنه إذا باشر فأنزل فسد حجه. -
قياساً على الصيام فإن في الصيام الوطء والمباشرة كلاهما يفسد الصيام.
والجواب على هذا: أن هذا قياس مع الفارق الظاهر والواضح، ووجه النقض: أن محظورات الصيام الخاصة به (الأكل والشرب وما يتعلق بالصيام بالذات) كلها تفسده، بينما محظورات الحج ليس منها شيء يفسد الحج إلا واحد وهو: الوطء فامتنع لذلك القياس. -
ثم قال - رحمه الله -: وعليه بدنه.
إذا باشر فأنزل فعليه: بدنه.
= وهذا هو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على هذا:
- بالقياس: على الوطء، بجامع: حصول الإنزال في كل منهما.
يعني: يقيسون المباشرة على الوطء.
والجامع بينهما: حصول الإنزال.
= والقول الثاني: أنه لا تجب فيه إلا شاة. - قياساً على: ما إذا باشر ولم ينزل، والجامع بينهما: أن كلاهما مباشرة.
يعني: الأول والثاني كلاهما مباشرة وليست وطء.
قال الفقيه ابن مفلح: والقياسان ضعيفان.
إذاً: الآن:
= القول الأول: وجوب بدنه.
= والقول الثاني: وجوب الشاة فقط.
وعرفت دليل القول الأول ودليل القول الثاني.
والراجح والله أعلم وجوب بدنه، والدليل:
-
هو ما قاله الإمام أحمد - رحمه الله -: ابن عباس جعل عليه بدنه، هكذا يقول - رحمه الله -، وإذا كان القياسان ضعيفين بقي معنا الأثر، فتأخذ بالأثر ونترك الأقيسة الضعيفة.
إذاً نقول: إذا باشر الإنسان فأنزل فعليه بدنه كاملة.
وهذا كما قلت لك يحقق القاعدة التي ذكرتها وهو: ((أن الشارع عظم أمر الجماع وما يتعلق به)).
لوم يذكر المؤلف - رحمه الله - حكم ما إذا باشر ولم ينزل، ونحن عرفنا حكم المباشرة من حيث هي وحكم إذا باشر وأنزل.
بقي لنا: إذا باشر ولم ينزل، فإذا باشر ولم ينزل: = فالجمهور: على أن عليه شاة فقط.
يعني: فدية أذى.
وهذا هو القول الصواب: أن عليه شاة: -
لأنه بدون إنزال لا يمكن أن نقيس المباشرة التي ليس معها إنزال لا على الوطء ولا على المباشرة التي معها إنزال للفرق الواضح جداً بين الإنزال وعدمه وهو فرق مؤثر في الحكم بشكل واضح بحيث تكون الفدية بدل بدنه: شاة.
-
ثم قال - رحمه الله -: لكن يحرم من الحل لطواف الفرض.
ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أن من باشر فأنزل عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم ليطوف بإحرام صحيح، وهذا الظاهر الذي ذكره المؤلف - رحمه الله - مخالف لكلام جميع الأصحاب فإن أحداً من الحنابلة لم يجعل على المباشر إذا أنزل أن يخرج إلى الحل ويحرم ليطوف طواف الزيارة محرماً إحراماً صحيحاً وإنما ذكروا هذا الحكم فيمن جامع قبل طواف الزيارة بعد التحلل الأول، فهذا الحكم من أحكام الجماع بعد التحلل الأول ولذلك يذهب كثير من الشراح إلى أن ما ذكره المؤلف - رحمه الله - هنا من قبيل الوهم أو سبق القلم.
ثم قال - رحمه الله -: وإحرام المرأة: كالرجل إلاّ في اللباس، وتجتنب: البرقع والقفازين وتغطية وجهها، ويباح لها التحلي.
لما انتهى المؤلف - رحمه الله - من بيان كل ما يتعلق بمحظورات الإحرام بالنسبة للرجل انتقل ليفصل الكلام عن المرأة.
فذكر القاعدة العامة في المرأة وهي: (أن إحرام المرأة كإحرام الرجل في كل ما سبق ذكره) فكل ما ذكر من محظورات الإحرام فهي تنطبق على المرأة كما تنطبق على الرجل إلا ما سيستثنيه المؤلف - رحمه الله - وهو قد استثنى:
- فقال - رحمه الله -: إلا في اللباس.
المرأة تختلف عن الرجل في شيئين فقط:
- الأول: تغطية الرأس.
فهو محظور بالنسبة للرجل وليس بمحظور بالنسبة للمرأة. - الثاني: لبس المخيط.
فالمرأة تختلف عن الرجل في لبس المخيط ولا يجوز للرجل.
واستثناء هذين الأمرين بالنسبة للمرأة محل إجماع، وفيما عدا هذين الأمرين فالمرأة كالرجل في كل شيء.
ولما بين المؤلف ما هو محظور بالنسبة للرجل دون المرأة انتقل إلى الأشياء المحظورة بالنسبة للمرأة: - فقال - رحمه الله -: وتجتنب البرقع.
البرقع في لغة العرب في كتب اللغة هو: النقاب، فهم يفسرون البرقع بالنقاب تماماً بدون فارق بينهما عندهم، والنقاب هو: هو ما تلبسه المرأة على وجهها مفتوح ما قبل العينين للنظر، حتى أنهم ينصون أنه للنظر وليس للزينة، فإذاً كل لباس تلبسه المرأة على الوجه يكون مفتوح مقابل العينين للنظر فهو النقاب، والنقاب من محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة:
- لما رواه ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
وإلى المنع من النقاب وجعله من محظورات الإحرام للمرأة: = ذهب جماهير أهل العلم.
= والقول الثاني: أن النقاب ليس من محظورات الإحرام بل يجوز للمرأة أن تلبس ما شاءت نقاباً أو غطاء بلا فتحة، وهو مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا:
-
أنه ليس في السنة الصحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النقاب.
-
وأما حديث ابن عمر هذا فهو موقوف عليه ولا يصح رفعه، قالوا: وقد أعله بالوقف عدد من الحفاظ، والحديث في صحيح البخاري.
والجواب عن هذا الدليل: أن حديث النقاب: صحيح أنه قد أعله بعض الحفاظ بالوقف وجعلوه فتوى لابن عمر لكن ذهب آخرون من الحفاظ من المحققين إلى تصحيح رفعه وأنه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأس الذين صححوه مرفوعاً الإمام البخاري بل أورده في صحيحه، وتصحيح الحديث مرفوعاً هو الصواب فما ذهب إليه البخاري هو الصحيح إن شاء الله.
وبذلك يثبت صحة مذهب الجمهور: وهو أن النقاب من محظورات الإحرام. -
ثم قال - رحمه الله -: والقفازين.
هما ما يلبس في اليدين مفصلاً، وهو من محظورات الإحرام:
= عند الجماهير.
= والقول الثاني: أن القفازين ليسا من محظورات الإحرام.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إحرام المرأة في وجهها)، فدل الحديث على حصر المحظور في الوجه.
والجواب عليه: أن هذا اللفظ لا يصح مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – مطلقاً، وفي مقابل هذا: استدل أصحاب القول الأول بالسنة الصحيحة.
لذلك الراجح أن القفازين من محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة.
وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أن الجوارب والخفاف ليست من محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة لأنه نص على القفازين فقط فلا يجوز للمرأة أن تلبس ما يلبس في اليدين ولكن يجوز لها أن تلبس ما يلبس في الرجلين ونحن الآن عندما نقول يجوز لا نريد الحديث عن حكم تغطية الرجلين هل هي من العورة أو لا؟ فإن هذا البحث سيأتينا في كتاب النكاح.
فالبحث الآن في هل هو من محظورات الإحرام أو لا؟ فإذا قال الإنسان: يجوز فلا يعني أنه لا يجب، فربما أنه يجوز وأيضاً يجب.
إذاً لبس ما فصل على قدر القدم من خف أو جورب لا بأس به للمرأة وهو جائز لأن الحديث نص على شيء واحد وهو القفازين.
- ثم قال - رحمه الله -: وتغطية وجهها.
تغطية المرأة وجهها أثناء الإحرام من محظورات الإحرام وهو محل إجماع وحكاه أكثر من واحد من أهل العلم: أنه لا يجوز للمرأة أثناء الإحرام أن تغطي وجهها.
ويستثنى من هذا عند الفقهاء جميعاً إذا مر الرجال الأجانب فإنه يجب على المرأة أن تسدل الغطاء لتستر وجهها عن الرجال الأجانب.
-
- مسألة/ يفهم من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - وابن القيم - رحمه الله - أن المحظور بالنسبة للمرأة هو لباس معين وهو النقاب وليس المحظور هو تغطية الوجه، فهم يقولون: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع المرأة من ستر الوجه، لا وإنما منعها من ستر الوجه بشيء معين وهو النقاب، والجمهور لم يفهموا من حديث (لا تنتقب المرأة) هذا الفهم، وإنما فهموا من حديث لا تنتقب المرأة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النقاب لا لأجل النقاب وإنما لأجل أنه يغطي الوجه.
ويؤيد هذا الفهم - ويشكل في نفس الوقت على مذهب شيخ الإسلام وابن القيم - الإجماع الذي حكاه ابن حجر وغيره أن تغطية الوجه محظور عند جميع أهل العلم، فهذا الإجماع يسند فهم الجمهور للحديث وهو أن المراد من الحديث منع المرأة من تغطية الوجه سواء كان بغطاء معين وهو النقاب، أو بغير هذا الغطاء مما يستر به الوجه.
فإن قيل: إذا كان المقصود النهي عن تغطية الوجه فلماذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - نوعاً معيناً من غطاء الوجه وهو النقاب؟
- مسألة/ يفهم من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - وابن القيم - رحمه الله - أن المحظور بالنسبة للمرأة هو لباس معين وهو النقاب وليس المحظور هو تغطية الوجه، فهم يقولون: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع المرأة من ستر الوجه، لا وإنما منعها من ستر الوجه بشيء معين وهو النقاب، والجمهور لم يفهموا من حديث (لا تنتقب المرأة) هذا الفهم، وإنما فهموا من حديث لا تنتقب المرأة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النقاب لا لأجل النقاب وإنما لأجل أنه يغطي الوجه.
فالجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيراً ما يذكر غالب حال الناس، وكأن الغالب في ذلك الوقت لبس النقاب لا سيما أثناء السفر والحج يؤدى في سفر فلذلك نص على المنع منه.
وعلى كل حال: منع المرأة من تغطية الوجه محل إجماع ليس فيه خلاف فلا ينبغي للمرأة مطلقاً أن تغطي وجهها أبداً إلا في حال واحدة وهي إذا مر الرجال الأجانب قريباً منها أو أمامها لتستر وجهها عنهم، فيما عدا هذه الصورة فإنه يجب أن تبقى المرأة كاشفة للوجه، والفتاوى المنقولة عن عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين تفيد هذا المعنى لأنها كانت تقول: أنا نكشف حتى إذا مر الرجال الأجانب سدلنا، ويفهم من هذا أنهم كانوا يتحرون كشف الوجه ويغطونه إذا مر الرجال الأجانب.
-
- مسألة أخيرة/ ذهب بعض الحنابلة إلى أن المرأة إذا أرادت أن تستر وجهها لمرور الرجال الأجانب فإنه ينبغي أن تضع ما يبعد الغطاء عن الوجه.
لأنهم يرون أن المماسة مماسة الغطاء للوجه أيضاً هو من محظورات الإحرام.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: وهو خطأ على المذهب وعلى القول الصواب.
يعني خطأ على قواعد وأقوال المذهب وأيضاً خطأ من حيث النصوص لأنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل على وجوب مجافاة المرأة الغطاء عن وجهها إذا أرادت أن تسدل الغطاء بسبب مرور الرجال الأجانب بل في النصوص ما يدل على خلاف ذلك لأن ما جاء عن عائشة وغيرها من أنهن يسدلن عند مرور الرجال الأجانب لم يذكر فيه قضية المجافاة فهو قول ضعيف جداً.
- مسألة أخيرة/ ذهب بعض الحنابلة إلى أن المرأة إذا أرادت أن تستر وجهها لمرور الرجال الأجانب فإنه ينبغي أن تضع ما يبعد الغطاء عن الوجه.
- ثم قال - رحمه الله -: ويباح لها التحلي.
يعني: يباح للمحرمة أثناء الإحرام أن تتحلى وأن تلبس الحلي لدليلين:
- الأول: أن هذا مروي عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- الثاني: أنه لا يوجد في النصوص المنع من التحلي، والأصل بالنسبة للمرأة جواز التحلي وليس في النصوص ما يدل على أنه من محظورات الإحرام.
لكن مع ذلك مع كون التحلي جائزاً إلا أنه لا ينبغي أبداً أن تستعمل المرأة الحلي من ذهب أو فضة أو التزين أثناء الإحرام.
لا ينبغي.
لا نقول: مكروه ولا أي حكم شرعي لكن نقول لا ينبغي لأمرين:
- الأول: أن شأن الحج ترك الترفه وهذا مفهوم من النصوص العامة ومما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل حتى عن الأنبياء من قبله.
- الثاني: خشية أن يكون هذا التحلي والتزين سبباً في وقوع المحظور بالنسبة للمرأة المتزوجة.
فتفادياً لهذين الأمرين لا ينبغي مطلقاً أن تتحلى أو تتزين المرأة أثناء الإحرام.
باب الفدية
- ثم قال - رحمه الله -: باب الفدية.
الفدية مصدر فداه ومعناه: دفع فدية عنه، هذا من حيث اللغة.
ومن حيث الاصطلاح الفقهي: هو ما وجب بسبب إحرام أو حرام.
فكل ما يجب على الإنسان بسبب الإحرام أو بسبب الحرم فهو فدية سواء كان طعام أو صيام أو ذبح.
والفدية تنقسم إلى قسمين:
-
القسم الأول: الفدية التي على سبيل التخيير.
وهو نوعان: 1 - فدية الأذى.
2 - وفدية جزاء الصيد. -
القسم الثاني: ما هو على الترتيب وهو ثلاثة أنواع: 1 - دم المتعة والقران.
2 - ودم الوطء.
3 - ودم الإحصار.
فهذه ليست على التخيير وإنما على الترتيب. -
قال - رحمه الله -: مبيناً تفصيل الأحكام: يخيّر بفدية حلق وتقليم وتغطية رأس ...... الخ.
أفادنا المؤلف - رحمه الله - بهذه العبارة مسألتين:
- المسألة الأولى: التخيير.
- والثانية: وجوب الفدية في هذه الأمور التي ذكرها.
إذاً: تجب فيها فدية وأيضاً هي على سبيل التخيير. - الأول: وجوب الفدية.
أما وجوب الفدية في حلق شعر الرأس.
فدليله: -
- النص.
- والإجماع.
وتقدم معنا.
فإذا حلق الإنسان شعر رأسه وجبت عليه الفدية بالنص والإجماع لم يخالف في هذا أحد من أهل العلم:
- النص.
- لحديث كعب الذي سيأتينا وصريح الآية.
الثاني: سائر محظورات الإحرام المذكورة في هذا القسم: من الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط وأخذ الشعور عدا شعر الرأس.
= فالجماهير يرون أن الفدية تلزم في هذه المحظورات. - قياساً على فدية شعر الرأس.
= والقول الثاني: أنه لا فدية في هذه الأمور وإنما عليه التوبة والإنابة والإقلاع. - لعدم وجود دليل خاص يدل على وجوب الفدية في هذه المحظورات.
والراجح مع جماهير فقهاء المسلمين الذين رأوا صحة قياس هذه المحظورات على شعر الرأس.
إذاً انتهينا الآن من المسألة الأولى: وهي وجوب الفدية.
المسألة الثانية: التخيير.
فدية هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف على التخيير وليست على الترتيب بل الإنسان مخير فيختار ما شاء مما سيذكره المؤلف - رحمه الله - والدليل على ذلك:
-
ما أخرجه البخاري ومسلم أن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - لما تأذى من هوام رأسه شكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو انسك شاة) وعبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله (أو) في الحديث.
وفي بعض الألفاظ التي في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولاً قال له (أتجد شاة) ثم قال له بعد ذلك وأمره بالصيام والإطعام، وهذا اللفظ يحمل على الألفاظ الأخرى التي بينت أن النبي - صلى الله عليه وسلم –خيره، لكنه يدل على أنه ينبغي للإنسان إذا استطاع أن يبدأ بالذبح. -
قال - رحمه الله -: بين صيام ثلاثة أيام.
الأول: من أنواع الفدية صيام ثلاثة أيام.
وصيام ثلاثة أيام لا يشترط فيه أن تكون هذه الأيام متتالية:
-
لعدم وجود دليل على اشتراط هذا الشرط.
هذا أولاً.
ثانياً: يجوز أن يصوم في أي مكان في الحرم وخارج الحرم بإجماع أهل العلم.
فليس للصيام مكان خاص: -
للإجماع.
-
ولأن منفعة الصيام خاصة للصائم ولا تتعداه إلى غيره.
-
ثم قال - رحمه الله -: أو إطعام ستة مساكين.
لكل مسكين: مدُّ بُر أو نصف صاع من تمر أو شعير.
تقدم معنا أن: الحنابلة يرون أن الكفارات مد من البر أو نصف صاع من غيره من الأطعمة، وذلك لنفاسة البر بالنسبة لغيره من الأطعمة.
= والقول الثاني: أن عليه نصف صاع مهما كان نوع الطعام.
بدليل:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) وهذا في البخاري ولم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين البر وبين غيره من الأطعمة.
فإذاً تبين أن الصواب أنه نصف صاع فمجموعها سيكون ثلاثة آصع على من وقع في محظور من المحظورات واختار أن يطعم أن يخرج ثلاثة آصع بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم -،وهي تقدر بالكيلوات المعاصرة - بالأوزان المعاصرة - = (ستة كيلوات ومائة وعشرون جرام)، ومعلوم أن إخراج ستة كيلوات ومائة وعشرون جرام من أي نوع من الأطعمة مهما ارتفع فسيكون أقل من الذبح بكثير، لأن ستة كيلو سواء كان من الرز الجيد أو من البر أو من أي نوع من الأطعمة أو من التمر فلن يكون بقيمة ذبيحة مهما كان، ولذلك من الرفق بالحاج الفقير أن يرشد إلى هذا الأمر، ولعل من حكمة الشارع التخيير لأجل هذا.
((((الأذان)))).
قال الشارح حفظه الله:
نتم قبل أن نأخذ الأسئلة مسألة الأنواع المخير فيها.
- قال - رحمه الله -: بعد أن بينا الصواب في مقدار كفارة إطعام ستة مساكين:
أو ذبح شاة.
يشترط في هذه الشاة التي تذبح أن تتوفر فيها شروط الأضحية.
والشاة في لغة العرب: تطلق على الذكر والأنثى وعلى الماعز وعلى الضأن.
فالعرف الآن الموجود عندنا يختلف عن اللغة لأن العرف أن الشاة تطلق على الضأن لكن في لغة العرب يطلقون الشاة حسب ما وقفت عليه تصريحاً في كتب اللغة أنها على الماعز والضأن والذكر والأنثى.
إذاً: الخيار الثالث أن عليه ذبح شاة إذا اختار هذا الخيار من الأنواع الثلاثة.
وهل هذا التخير على سبيل المصلحة أو على سبيل التشهي؟ الصواب: أنه على سبيل التشهي وليس على سبيل المصلحة.
يعني: لا ننظر إلى مصلحة الفقير أو نقول يجب عليك أن تنظر إلى مصلحة الفقير وإنما يختار من وقع في أحد هذه المحظورات ما شاء من الأنواع الثلاثة التي هي الإطعام والصيام والذبح.
انتهى الدرس،،،
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (7)
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب الفدية
تقدم معنا أن الفدية على قسمين:
-
فدية تجب على الترتيب.
- وفدية تجب على التخيير.
وأن المؤلف - رحمه الله - بدأ بالفدية التي تجب على التخيير وأخذنا أنواعاً من الفدية التي تجب على التخيير وبقي النوع الأخير من محظورات الإحرام التي تجب فيها الفدية على التخيير. -
فيقول - رحمه الله -: وبجزاء صيد: بين مثل إن كان، أو تقويمه.
الصيد تقدم معنا أنه من محظورات الإحرام والمؤلف - رحمه الله - يريد أن يبين كيفية جزاء الصيد، وذكر - رحمه الله - الترتيب الذي يجب على من قتل الصيد.
ودليل الترتيب:
-
- قوله تعالى: - (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) -[المائدة/95].
فبينت الآية الترتيب الذي يجب على من كَفَّرَ في جزاء الصيد.
- قوله تعالى: - (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) -[المائدة/95].
-
يقول - رحمه الله -: وبجزاء صيد: بين مثل إن كان ... الخ ..
الصيد ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: المثلي.
والمقصود به: ما له شبيه ونظير من النعم.
والمقصود بالنعم: البقر والغنم والإبل.
والتشابه المقصود في هذا القسم هو: التشابه في الشكل والصورة لا بالثمن. - القسم الثاني: ما ليس له نظير من الصيد.
وهو ما ليس له نظير ولا شبيه من النعم.
هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: كيفية تحديد المثل: إذا قتل المحرم الصيد فكيف نحدد المثل؟ تحديد المثل: على أنواع: - النوع الأول: أن يحكم به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
كما ثبت في الحديث الصحيح الذي صححه البخاري وأحمد وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل في الضبع كبشاً.
فإذا وجدنا أن الصيد حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يجوز أن نخرج عن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإجماع. - النوع الثاني: أن يحكم به الصحابة - رضي الله عنهم -.
فإذا حكم الصحابة ثم قتل محرم شيئاً نظير ما حكم به الصحابة فاختلف الفقهاء على قولين:
= القول الأول: أنه يجب المصير إلى مثل ما قدرت به الصحابة هذا الصيد.
= والقول الثاني: أنه يجتهد اجتهاداً جديداً.
والصواب مع الذين قالوا: نكتفي بحكم الصحابة.
-
النوع الثالث: أن لا يحكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة - رضي الله عنهم - وحينئذ نرجع إلى قول عدلين عارفين بصفات الصيد ليحكما بالمثل من النعم.
إذاً عرفنا الآن كيف نعرف المثل بالنسبة للصيد إذا صاده المحرم. -
قال - رحمه الله -: وبجزاء صيد: بين مثل إن كان، أو تقويمه.
إذا قتل المحرم الصيد فنقول: أنت مخير:
-
إما أن تخرج المثل.
-
أو تقوم المثل - سيأتينا الخلاف في مسألة التقويم - فإذا قومت المثل فتشتري به طعاماً وتطعم المساكين لكل مسكين - على المذهب - مد أو تصوم بقدر هذه الأمداد أياماً.
في هذه المسائل خلاف سيأتينا لكن المقصود الآن أن يتصور الإنسان كيف يكون جزاء الصيد.
إذاً نقول: أنت مخير إذا عرفنا المثل فإما أن تخرج المثل - تذبح المثل - أو تقيم المثل وتشتري به طعاماً فتطعم كل مسكين مد أو تصوم بقدر هذه الأمداد، فإذا قدرنا أن قيمة المثل يستطيع أن يشتري بها صاعاً من طعام واختار الصيام فكم سيصوم؟ أربعة أيام.
لأن الصاع أربعة أمداد.
إذاً الآن تصورنا، ونأتي إلى الخلاف الذي في تفصيل المسائل. -
قال - رحمه الله -: وبجزاء صيد: بين مثل إن كان، أو تقويمه.
التقويم عند الحنابلة يكون للمثل لا للصيد.
واستدلوا على ذلك:
-
بقوله تعالى: - (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) -[المائدة/95] والإشارة في الآية إلى المثل لا إلى الصيد.
فإذاً الحنابلة يرون أنه يقوم المثل.
= القول الثاني: أن التقييم يكون للصيد. -
لأنا إنما عدلنا إلى المثل بدل، فإذا سقط البدل رجعنا إلى الأصل والأصل الصيد.
والصواب مع الحنابلة: لظاهر الآية. -
ثم قال - رحمه الله -: بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً.
وهذا القول الثاني هو الصواب: أنه نصف صاع مطلقاً.
ومما يستأنس به لترجيح هذا القول: أنه أيسر من جهة الصيام، - فأيهم أكثر أن يصوم على قول الحنابلة أو أن يصوم بعدد الأيام على القول الثاني؟
على القول الثاني بلا إشكال لأنا إذا قدرنا أن قيمة الطعام يشترى بها صاع فعند الحنابلة سيصوم بدل الصاع أربعة أيام وعلى القول الثاني الذي يعضده أثر ابن عباس سيصوم يومين فقط، وهذا مما يستأنس به وليس من المرجحات وإنما رجحنا هذا القول لأثر ابن عباس.
-
ثم قال - رحمه الله -: أو يصوم عن كل مد يوماً.
-
لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ -[المائدة/95].
-
- مسألة/ إذا قدر المثل بقيمة وأراد أن يشتري طعاماً فلم يجد طعاماً يستغرق جميع الثمن فهل يجوز أن يشتري بهذا المال بعض الطعام ويصوم عن الباقي؟ أو يجب أن ينتقل إلى الصيام ولا يجمع بين الصيام والإطعام.
الجواب: ذهب الإمام أحمد واختاره ابن المنذر وغيره من المحققين إلى أنه لا يجمع في مثل هذه الصورة بين الإطعام والصيام، بل ينتقل مباشرة إلى الصيام إن لم يجد يكفي ليشتريه، نص الإمام أحمد على هذا واختاره ابن المنذر وهذا هو الصواب.
وتكاد هذه المسألة في وقتنا أن لا تقع وذلك لوفرة الطعام ولله الحمد وتتالي النعم ولكنها في القديم قد يتصور بحيث لا يجد الإنسان في منى ولا في عرفة ولا في مكة طعاماً يشتريه.
- مسألة/ إذا قدر المثل بقيمة وأراد أن يشتري طعاماً فلم يجد طعاماً يستغرق جميع الثمن فهل يجوز أن يشتري بهذا المال بعض الطعام ويصوم عن الباقي؟ أو يجب أن ينتقل إلى الصيام ولا يجمع بين الصيام والإطعام.
- ثم قال - رحمه الله -: وبما لا مثل له: بين إطعام وصيام.
إذا لم يكن للصيد مثل بأن أتينا بأهل الخبرة العدول وقالوا: بأن هذا الصيد ليس له نظير من بهيمة الأنعام فحينئذ هو مخير بين الإطعام والصيام، وفي مثل هذه الصورة سيكون التقويم بلا شك لأنه لا يوجد مثل نقومه أصلاً، لكن هل نقوم الصيد وننظر في ثمنه - إذا اختلفت القيمة - في محل الصيد أو في مكة؟ الجواب: أنا ننظر إلى قيمة الصيد في مكان الصيد الذي صيد فيه لا في مكة مهما اختلف الثمن:
-
لأن مكان الصيد هو المكان الذي وقع فيه المحظور ففيه يقوم الصيد.
-
وقوله - رحمه الله -: وبما لا مثل له: بين إطعام وصيام.
كما سبق على التفصيل السابق في كيفية حساب الطعام: لكل مسكين نصف صاع وعلى المذهب مد.
وفي كيفية الصيام على ما تقدم تماماً.
وبهذا انتهى المؤلف من الكلام عن الفدية التي على التخيير وانتقل إلى الكلام عن الفدية التي هي على الترتيب.
- ثم قال - رحمه الله -: وأما دم متعة وقران: فيجب .... الخ.
تقدم معنا أن هذا الباب يتكلم فيه عما وجب بسبب الحرم أو بسبب الإحرام، ودم المتعة والقران وجبا بسبب الإحرام وهما دم شكران، يعني: شكر على نعمة إتمام النسك لا جبران: يعني: بسبب الإخلال بالنسك.
فدم المتعة والقران يجبان:
أولاً: دم المتعة يجب على المتمتع أن يهدي بإجماع المسلمين بلا خلاف.
-
لقوله تعالى: - (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/196]. فوجوب الهدي في المتعة دل عليه النص من القرآن وإجماع أهل العلم والسنة المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
ثم يقول: وقران.
= ذهب الجماهير - وحكي إجماعاً - إلى وجوب الدم على القارن.
واستدل الجمهور - رحمهم الله - بدليلين: -
الأول: ما استفاض واشتهر ونقل عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يدخلون القارن في مسمى المتمتع.
فدل ذلك على استوائهما في وجوب الهدي. -
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن عائشة بقرة وقد كانت قارنة.
-
الثالث: أن كلاً من المتمع والقارن ترفه بترك أحد السفرين والإتيان بالنسكين في سفر واحد فإذا استويا في هذه الجهة استويا في وجوب الهدي.
= والقول الثاني: وينسب لداود الظاهري أنه لا يجب على القارن هدي. -
لأن الآية نصت على المتمتع.
وهو قول غاية في الضعف مخالف لفقه الصحابة وهي ظاهرية وجمود غير محمود في هذه المسألة لأنه خالف الجمهور - أو الإجماع كما حكي - ثم خالف ما روي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم.
قوله - رحمه الله -: وأما دم متعة وقران: فيجب الهدي.
يجب الهدي بالآية وبالنصوص الأخرى بالنسبة للقارن، وفي وقت وجوب الهدي خلاف بين أهل العلم سيأتينا في صفة الحج، والقول الأقرب الذي يذكر الآن أنه فجر يوم العيد فإذا طلع الفجر فقد وجب الهدي.
- ثم قال - رحمه الله -: مبيناً الترتيب - لأننا قلنا أنه بدأ ببيان ما يجب ترتيباً: فإن عدمه.
أي أنه لا يجوز الانتقال عن الهدي والذبح إلا إذا لم يستطع سواء كان لم يستطع لعدم وجود الأضاحي والهدي أو لم يستطع لعدم وجود المال بحوزة الحاج أو لم يستطع لأي سبب كان فإذا لم يستطع فإنه ينتقل إلى المرتبة الثانية.
- قال - رحمه الله - فإن عدمه: فصيام ثلاثة أيام.
صيام ثلاثة أيام هذا منصوص عليه في الآية - (.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) -[البقرة/196]. فوجوب صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأهله محل إجماع إذا عدم الهدي أو إذا لم يستطع أن يذبح المتمع أو القارن لكن تتعلق بهذه الثلاثة أيام بعض المسائل:
- المسألة الأولى: متى يجوز للحاج الذي عدم الهدي أن يشرع في الصيام؟ الجواب: وقت جواز بداية الصيام ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون قبل الإحرام بالعمرة - ونحن نتكلم عن المتمتع والقارن - فقبل الإحرام بالعمرة لا يجوز بالإجماع أن يصوم الإنسان الثلاثة أيام التي بدل هدي التمتع إلا رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - وهي خطأ قطعاً على الإمام أحمد ولذلك يقول ابن قدامة: نزه الله الإمام أحمد عن هذه الرواية - وصدق لأن هذه الرواية خطأ وهو قول خطأ مخالف للإجماع إذ كيف يشرع بأعمال الحج وهو لم يحرم بالعمرة أصلاً فالخطأ من الذي نقل هذه الرواية عن الإمام أحمد - رحمه الله -. إذاً تكون المسألة إذا زيفنا هذه الرواية: إجماع.
القسم الثاني: بعد العمرة.
فاختلف الفقهاء في هذه المسألة: في متى يجوز بداية الصيام بعد العمرة على أقوال:
= القول الأول: أنه من بداية الإحرام بالعمرة، وهذا مذهب الحنابلة واختاره شيخ الإسلام.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فإذا دخلت العمرة في الحج صارت الأعمال الخاصة بهما تفعل من حين الإحرام بالعمرة.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز البداية بالصيام إلا بعد إتمام نسك العمرة.
= والقول الثالث: أنه لا يجوز أن يبدأ الإنسان بالصيام إلا إذا شرع في أعمال الحج.
واستدلوا:
- بالآية: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ).
فالآية صريحة أن الصيام لهذه الثلاثة أيام يكون في الحج لا في العمرة.
والراجح بلا إشكال إن شاء الله مع الحنابلة وهو أنه من حين يحرم بالعمرة التي يريد أن يتمتع بها إلى الحج فإنه يجوز له أن يبدأ بصيام ثلاثة أيام لأن العمرة دخلت في الحج ولأنه بدأ في نسك الحج متمتعاً، فمذهب الحنابلة والذي اختاره شيخ الإسلام هو القول الصواب.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - لبيان ما هي الأيام التي يستحب تخصيصها بالصيام فـ - قال - رحمه الله -: والأفضل كون آخرها يوم عرفة.
الأفضل: = عند الحنابلة أن يصوم الحاج اليوم السابع والثامن والتاسع فيبدأ الصيام من اليوم السابع، ويستحب على هذا عندهم أن يحرم بالحج استحباباً من اليوم السابع:
- خروجاً من الخلاف في متى يجوز البداية بصيام الثلاثة الأيام؟.
= القول الثاني: أنه يبدأ باليوم السادس فيصوم اليوم السادس والسابع واليوم الثامن.
واستدلوا: - بأن هذه الأيام هي أفضل الأيام لأن لا يصوم في اليوم التاسع والشارع الحكيم لا يحب الصيام في اليوم التاسع بل نهى عنه ولكن في حديث ضعيف، لكن كون الشارع لا يحب الصيام في هذا اليوم هذا بالإجماع ولا إشكال فيه، وعلى هذا استحب أصحاب هذا القول أن يبدأ بالإحرام في اليوم السادس ليخرج من الخلاف السابق.
= القول الثالث: أن المستحب للحاج أن يصوم في أيام التشريق. - لقول عائشة - رضي الله عنها - لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، وإلى هذا القول مال شيخنا - رحمه الله - ورأى أن هذا القول متوجه إن قيل به.
والأقرب والله أعلم: القول الثاني وهو البداية في اليوم السادس بالصيام لا بالإحرام لأن المعروف والمشهور عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الصحيحة أنهم أحرموا في اليوم الثامن.
وإذا كان الراجح أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بالصيام من بعد إحرامه بالعمرة فيصوم في اليوم السادس ولو لم يحرم وفي اليوم السابع ولو لم يحرم وفي اليوم الثامن وهو محرم، ويكون هذا القول هو أرجح الأقوال وهو أنه يستحب أن يبدأ في السادس ولو لم يحرم بل ربما نقول يستحب أن يصوم في اليوم السادس وأن لا يحرم إلا في اليوم الثامن لأن الظاهر من آثار الصحابة أنهم صنعوا كذلك لأن عدداً كبيراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرموا متمتعين وكثير منهم لم يكن واجداً للهدي فالظاهر من حالهم أنهم - رضي الله عنهم - أنهم صاموا في اليوم السادس والسابع والثامن، وعلى هذا يدل أثر ابن عمر وعائشة وغيرهما من الآثار المروية عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصيام يكون في اليوم السادس والسابع والثامن، فهذا القول هو الراجح.
وأما القول الذي ذكره شيخنا - رحمه الله - فالذي يظهر لي أنه ضعيف من جهتين:
-
الجهة الأولى: أنه لا قائل بهذا القول فلا أعلم أن أحداً من الفقهاء قال باستحباب الصيام في أيام التشريق بل اختلفوا على القولين الذين ذكرتهما لك.
-
الثاني: أنه يفهم من حديث عائشة أن صيام أيام التشريق رخصة وليس بعزيمة فهي تقول: (لم يرخص) والأصل في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب وذكر لله، فكأنه رخص لبعض الصحابة الذين لم يصوموا في اليوم السادس والسابع والثامن أن يصوموا أيام التشريق وفرق بين أن نقول هذا رخصة وبين أن نقول أنه هو الأفضل.
وقد أشار شيخنا - رحمه الله - في الممتع إلى أنه يقول: إن قيل بهذا القول أو إن كان قيل بهذا القول فكأنه هو أيضا - رحمه الله - لم يمر عليه أحد قال بهذا القول.
وعلى كل حال الراجح هو القول الثاني وأن الأفضل صيام السادس والسابع والثامن لوجود الآثار الصحيحة الدالة على هذا الأمر ولأنه يفهم من حديث عائشة عدم استحباب الصيام.
ثم قال - رحمه الله -: وسبعة إذا رجع إلى أهله.
السبعة يصومها الحاج إذا رجع إلى أهله، والآية صريحة في ذلك: - (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) والفقهاء أجمعوا على أن هذا هو المندوب بأن يصوم سبعة إذا رجع إلى أهله، واختلف الفقهاء: هل الشارع العظيم أمر بصيام السبعة عند الأهل تخفيفاً أو هو نسك مقصود؟ اختلفوا على قولين:
= القول الأول: أنه سبحانه وتعالى أمر بهذا تخفيفاً.
وبناء عليه: إذا أراد الحاج أن يصوم سبعة أيام في مكة قبل أن يرجع إلى أهله فلا حرج عليه ويكون بريء الذمة من هذه السبعة الأيام.
= والقول الثاني: أن هذه الأيام السبعة لا يجزئ صيامها إلا إذا رجع إلى أهله.
واستدلوا على ذلك:
-
بالآية.
-
واستدلوا عليه أيضاً: بقول النبي - صلى الله عليه وسلم – (من لم يجد الهدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) وهو حديث صحيح.
والصواب والله أعلم أن الصيام يجوز في مكة وإذا رجع إلى أهله: -
لأن الظاهر من النصوص أن هذا الحكم شرع تخفيفاً على المسلمين.
-
ويدل عليه أيضاً كما سيأتينا قريباً أن أهل العلم أجمعوا على أن الصيام في كفارات المحظورات يجوز في أي مكان من الحل والحرم، فإجماعهم على تلك المسألة يعطي تصوراً أن الصيام في الحج أمر شرع فيه التخفيف والمطلوب من الحاج أن يصوم هنا أو هناك، لكن الشارع خفف عليه بتأخير سبعة أيام إلى أن يرجع إلى أهله.
-
ثم قال - رحمه الله -: والمحصر إذا لم يجد هدياً: صام عشرة أيام ثم حلّ.
دلت عبارة المؤلف - رحمه الله - أن المحصر عليه هدي: وهذا بإجماع أهل العلم. -
ودلت عيه الآية: - (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/196].
-
ودل عليه الإجماع ولا إشكال فيه ثبوته.
ثم إذا لم يتمكن فعليه أن يصوم عشرة أيام على مذهب الحنابلة وهذا وجه الترتيب، إذاً: عليه أن يذبح إذا أحصر فإن لم يستطع فعليه أن ينتقل إلى المرتبة الثانية وهي الصيام، وسيفرد المؤلف - رحمه الله - باباً خاصاً بحكم الإحصار وسنذكر الخلاف في مسألة وجوب الصيام على من لم يجد الهدي في بابه إن شاء الله. -
ثم قال - رحمه الله -: ويجب بوطء في فرج: في الحج بدنة.
إذا وطء الإنسان في الحج فعليه بدنه، ومقصود المؤلف - رحمه الله - إذا كان قبل التحلل الأول.
والدليل على وجوب البدنة:
- الآثار المستفيضة عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم معنا: عمر وابنه وابن عباس وأبو هريرة وعدد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه البدنة تذبح في القضاء لا في سنة ارتكاب المحظور، فإذا حج من قادم ذبح هذه البدنة ولا يذبحها في سنة ارتكاب المحظور.
والدليل على ذلك: - آثار الصحابة - رضي الله عنهم -.
- فإن كان الوطء بعد التحلل الأول: فالواجب عليه: = عند الحنابلة: شاة.
- لأن الوطء بعد التحلل الأول أخف من الوطء قبل التحلل الأول فلا يقاس عليه.
= القول الثاني: أنه يجب عليه بالوطء بعد التحلل الأول بدنه.
والدليل على ذلك: - أثر ابن عباس - رضي الله عنه - حيث أفتى أن من وطئ ولو بعد التحلل الأول فعليه بدنه، قال شيخ الإسلام ولا يعلم لابن عباس مخالف، يعني من الصحابة وهذا القول الثاني هو الراجح، وإذا كنا أوجبنا على المباشر الذي باشر وأنزل بدنه على القول الصواب فكيف بمن وطئ ولو بعد التحلل الأول.
-
- مسألة/ - مهمة جداً -: مقصود الفقهاء بقولهم: التحلل الأول: أي بعد رمي جمرة العقبة سواءً قلنا أن التحلل يحصل بالرمي وحده أو يحصل بالرمي ومعه شيء آخر فعلى القولين المقصود به هو رمي جمرة العقبة، وهذا تنبيه مهم جداً قد يغفل عنه من يفتي في هذه المسألة، وهذا هو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام.
ثم قال - رحمه الله -: وفي العمرة شاة.
إذا وطئ الإنسان في العمرة فعليه شاة:
= وإلى هذا ذهب الجمهور: سواء كان الوطء قبل الطواف، أو بعده، وقبل السعي، أو بعد الطواف والسعي وقبل التحليق، في أي موضع من مواضع العمرة فعليه شاة.
= والقول الثاني: أن عليه بدنه وهو وجه للشافعية.
والصواب أن عليه شاة:
- لأن ابن عباس أفتى من وطئ في العمرة أن عليه شاة فقط وكما أخذنا قوله في البدنه نأخذ قوله في الشاة بالنسبة للعمرة.
-
- مسألة/ يجب بالوطء بالعمرة ما يجب بالوطء في الحج من:
- فساد النسك.
- ووجوب المضي.
- وأن عليه الإثم.
- وأن عليه الفدية وهي على الصواب شاة كما تقدم معنا.
وإلى هذا ذهب الجماهير - الأئمة الأربعة - على خلاف بينهم في مسألة أخرى، لكن من حيث فساد العمرة بالوطء فقد اتفق الأئمة الأربعة على أن فيه ما في إفساد الحج.
-
- مسألة /
-
فإن كان الوطء قبل الطواف والسعي فهو بإجماع الأئمة الأربعة أنه يترتب عليه ما ذكرنا.
-
وإن كان بعد الطواف والسعي فيفسد عند الحنابلة فقط ولا يفسد عند الحنفية ولا عند المالكية.
-
وإن كان بعد الطواف وقبل السعي فسد عند الجميع إلا الأحناف.
وأضعف الأقوال مذهب الأحناف.
وأقوى الأقوال وألصقها بفقه الحج والعمرة مذهب المالكية وهو أنه إذا كان بعد الطواف والسعي ولم يبق عليه إلا التحليق فإنه لا يفسد النسك لأنه في الحقيقة شرع في التحلل وانتهى من جملة الأنساك بالنسبة للعمرة فلم يبق إلا التقصير، وإذا أردنا أن نقارنه بالحاج نجد أن الحاج يحصل له التحلل الأول بعد الرمي مع بقاء مناسك كثيرة، فهنا من باب أولى، ولا أذكر في هذه المسألة - أنه مر علي - آثار , نعم.
أفتى الصحابة في العمرة لكن أنه يفسد بعد الطواف أو بعد الطواف والسعي بهذ التفصيل فلا أذكر الآن آثار لكن من حيث النظر مذهب المالكية هو أقوى الأقوال. -
ثم قال - رحمه الله -: وإن طاوعته زوجته لزمها.
إذا طاوعت الزوجة الزوج فعليها مثل ما على الزوج تماماً، جميع الأحكام الخمسة ..
= والقول الثاني: أنها وإن طاوعته فالفدية على الزوج دون الزوجة لأنه جماع واحد فلا يوجب كفارتين.
والصواب مع الجمهور الذين يرون أن عليها كفارة إذا طاوعته.
- وإذا أكرهها فإن على الزوج كفارة وليس على الزوجة كفارة وليس على الزوج أن يخرج كفارة أخرى عن زوجته التي أكرهها، لأن هذا يقال فيه جماع واحد لا تجب فيه كفارتان.
(فصل) يعني في بيان بعض الأحكام التفصيلية للفدية. - يقول - رحمه الله -: ومن كرر محظوراً من جنس ولم يفد: فدى مرة.
إذا كرر الإنسان محظوراً من جنس واحد كأن يتطيب ثم يتطيب مرة أخرى ثم يتطيب مرة ثالثة سواء كان هذا الطيب في عضو واحد أو في أعضاء فهو ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يفدي قبل أن يكرر.
فحينئذ يجب عليه فدية أخرى لأنه سبب آخر كما لو أقسم يميناً ثم حنث وكفر وأقسم يمينا آخر، وكما لو اقترف حداً ثم أقيم عليه العقوبة ثم اقترف هذا الحد مرة أخرى.
-
القسم الثاني: أن يكرر المحظور الذي من جنس واحد قبل أن يكفر.
فحينئذ تجب عليه كفارة واحدة فقط.
لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة مطلقاً ولو تكررت فيؤخذ من الآية أن هذه الفدية تجب ولو تكرر المحظور.
إذاً عرفنا الآن الحكم إذا كرر المحظور الذي هو من جنس واحد سواء كرره قبل أو بعد أن يفدي. -
ثم قال - رحمه الله -: بخلاف صيد.
فالصيد يجب بعدده كفارات ولو كثر. -
لقوله تعالى: - (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ) -[المائدة/95].
كل ما تقتل ففيه جزاء ولو كان القتل الجماعي للمصيد تم بإطلاق واحد فإنه يجب بعدد المقتول كفارات، وهذا لا إشكال فيه لأن الآية صريحة بأنه يجب في كل مقتول من الصيد فدية خاصة، ولا يستثنى من هذه القاعدة وهي ارتكاب محظور من جنس واحد عدة مرات إلا في الصيد فقط. -
ثم قال - رحمه الله -: ومن فعل محظوراً من أجناس: فدى لكل مرة.
إذا فعل محظوراً من أجناس فهو ينقسم إل قسمين:
- القسم الأول: أن يكون لكل جنس كفارة مختلفة: كأن يلبس المخيط ويجامع.
فهذان المحظوران لكل منهما كفارة وحينئذ يجب عليه أن يكفر بعدد المحظورات قولاً واحداً عند الحنابلة، ولا إشكال. - القسم الثاني: أن يكرر محظوراً من أجناس لكن كفارته واحده كأن يغطي رأسه ويلبس المخيط ويتطيب ويحلق شعره، هذه الأفعال لها كفارات من جنس كفارة واحدة ففي هذا القسم الأخير خلاف:
= فالمذهب: أنه يجب عليه بعدد المحظورات فإذا غطى رأسه وتطيب فعليه كفارتان.
واستدلوا: - بالقياس على إقامة الحد في المعاصي التي فيها حدود وعلى كفارة اليمين إذا تكررت.
= والقول الثاني: أنه إذا فعل محظورات من أجناس لها كفارة واحدة فتكفيها كفارة واحدة ولو تعددت فإذا غطى وتطيب ولبس فكفارة واحدة.
والصواب مع القول الأول مع الحنابلة: - لأن هذه أجناس تختلف.
-
ولأن الاتحاد في الكفارة لا يعني أن تتداخل ولذلك لو أقسم الإنسان أن لا يسافر وأن لا يكتب وأن لا يقرأ ثم خالف في الجميع فالكفارة واحدة ومع ذلك يجب عليه الكفارة في كل يمين فاتحاد جنس الكفارة لا أثر له.
لذلك نقول أن الراجح إن شاء الله مع الحنابلة وهو أنه يجب أن يكفر كفارات بعدد ما ارتكبه من المحظورات. -
ثم قال - رحمه الله -: رفض إحرامه أو لا.
رفض الإحرام هو نية الخروج من النسك بلا مبرر شرعي، ولا يستطيع الإنسان أن يخرج من النسك أبداً في الشرع إلا بثلاث طرق:
-
أن يتم أعمال النسك.
-
أن يحصر فيتحلل.
-
أن يشترط في أول الإحرام ثم يقع ما اشترط منه فيتحلل.
فيما عدا هذه الثلاثة الأنواع لا يمكن للإنسان أن يخرج من الإحرام مطلقاً.
فإذا رفض المحرم الإحرام فإنه لا يقبل منه إجماعاً، ويترتب على هذا: أن ما فعله من محظورات الإحرام تبقى فيها الفدية ولو كان رفض الإحرام لأن رفضه للإحرام مرفوض إجماعاً، إذاً عرفنا الآن معنى رفض الإحرام وكيف ينتهي الإنسان من النسك وماذا يجب على من ارتكب محظورات الإحرام بعد أن رفض الإحرام. -
ثم قال - رحمه الله -: ويسقط بنسيان: فدية.
المقصود بالنسيان هنا: الأعذار سواء كانت نسياناً أو جهلاً أو إكراهاً أو أي عذر معتبر شرعاً.
يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين هنا الأشياء التي تسقط بالأعذار الشرعية من كفارات محظورات الإحرام والأشياء التي لا تسقط.
الحنابلة يقسمون محظورات الإحرام إلى قسمين:
- القسم الأول: ما ليس فيه إتلاف وهو الذي بدأ به المؤلف - رحمه الله -.
- القسم الثاني: ما فيه إتلاف وهو الذي ثنى به المؤلف - رحمه الله -. نأخذ القسم الأول: إذا ارتكب الإنسان محظوراً ليس فيه إتلاف كاللبس والطيب وتغطية الرأس فقد: = ذهب الجماهير: أنه لا فدية عليه إذا كان ارتكبه بعذر من نسيان أو جهل أو إكراه.
- لقوله تعالى: - (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) -[البقرة/286].
- ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
= القول الثاني: أنه لا يعفى عن كفارة محظورات الإحرام ولو فعلت نسياناً.
((الأذان)).