كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
(ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع)
قوله عند الحرة لم يبيّن المؤلف ماذا يجب عليه عند الأمة, فلنذكر الأمة ثم نرجع لتفصيل الحرة لأنّّ المؤلف سيستمر في تفصيل الأحكام المتعلقة بالحرة.
الأمة يجب على الزوج أن يبيت عندها ليلة من كل سبع ليالي, لأنّ أكثر ما يجمع الإنسان على زوجته الأمة ثلاث حرائر، لكل حرة ليلتان وللأمة كم؟ ليلة واحدة فست للحرائر وواحدة لمن؟ للأمة، فإذا لها ليلة من كل سبع، هذا ما يتعلق بالأمة نرجع إلى تفصيل الحرة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويلزمه ........... وينفرد إن أراد في الباقي)
المؤلف يريد أن يتحدث عن قسم الابتداء، وقسم الابتداء هو القسم إذا كان له زوجة واحدة, فيجب عليه أن يبيت عندها ليلة من كل أربع وينفرد بالثلاث, هذا مذهب الحنابلة دليلهم: القصة المشهورة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنّ امرأة جاءت إلى عمر رضي الله عنه، وأثنت على زوجها خيراً وذكرت من قيامه وصيامه، فأثنى عليها عمر خيراً، وقال لها جزاك الله خيراً فاستحت المرأة فخرجت، فقال كعب بن سوار وكان حاضراً, يا أمير المؤمنين لما لم تعدي المرأة على زوجها, قال وما ذاك؟ قال إنما أتت شاكية، فإنّ زوجها إذا كان يقوم الليل ويصوم النهار ليس لها منه شيء، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عليَّ بزوجها فلما جاء قال لكعب احكم، فقال - رضي الله عنه - إنّ أكثر ما يجمع الحر أربع زوجات، فحكمي أنّ لها ليلة من كل أربع.
فقال عمر بن الخطاب، إنّ حكمك أعجب من فهمك، ثم قال اذهب فأنت قاضي البصرة.
هذا الأثر عمدة الحنابلة, فإنّ عمر بن الخطاب حكم بهذا الحكم بعد مداولات في مجلس القضاء مع حضور الصحابة وأطبقوا - رضي الله عنهم - أنّ المرأة الحرة في قسم الابتداء لها ليلة من أربع, وله أينفرد بنفسه في الثلاث الباقية.
القول الثاني: أنّ هذا القسم يرجع فيه إلى العرف, وهذا القول أضعف الأقوال.
القول الثالث: أنّ الحكم بما يبيت الزوج من الليالي عند زوجته يختلف باختلاف الأحوال واستدلوا على هذا بأنه ليس من حسن العشرة أن ينفرد الإنسان عن زوجته بلا سبب لمدة ثلاث ليالي، ويبقى معها لمدة ليلة واحدة، وليس له زوجات سواها.
وأجابوا عن أثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأنها فتوى خاصة وحادثة عين.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهو أنه يختلف باختلاف الظروف والزوج والزوجة، الراجح أيُّ القولين أرجح هذه المسألة تأملت فيها كثيراً ويظهر لي أنّ الراجح بوضوح جداً مذهب الحنابلة، السبب في ذلك أنه لا يظهر مطلقاً عند تأمل الأثر
أنّ هذا الأثر فتوى خاصة أو حادثة عين أو تتعلق بفتوى شخصية, لأنّ أمير المؤمنين لا يعرف المرأة ولا الرجل وهي فتوى في مجلس عام، لا يظهر مطلقاً منها أنها فتوى خاصة, ولم يذكر في الأثر أي ملابسات تختص بالمرأة أو بالرجل, ولهذا أنا أرى أنّ اختيار شيخ الإسلام
في هذه المسألة فيه ضعف وأنّ هذه الفتوى التي بمحضر الصحابة وتكاد تكون إجماع لا يمكن أن ترد بمثل هذه التعليلات.
نقول إن شاء الله الراجح أنه يجب على الإنسان أن يبقى ليلة من ثلاث في قسم الابتداء.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة)
الوطء واجب على الزوج وجوباً إذا لم يكن معذوراً بمرض ونحوه, واستدلوا على هذا بأنّ المقصود من عقد النكاح إحصان المرأة، وإعطاءها الحقوق, وهذا لا يكون مع الامتناع عن الوطء.
الثاني: أنّ ترك لوطء ليس من المعاشرة بالمعروف.
القول الثاني: أنه لا يجب على الزوج أن يطأ، واستدلوا على هذا بأنّ الوطء حق من حقوق الزوج, فكيف نوجب على الإنسان حق من حقوقه، والراجح أنه يجب عليه أن يطأ لأنّ الوطء حق مشترك وليس حقاً خاصاً بالرجل, بل يجب عليه أن يطأ.
وسيبيّن المؤلف - رحمه الله - مقدار هذا الوجوب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة)
كما قلت لما بيّن الوجوب بيّن مقدار هذا الوجوب, فالحنابلة يرون أنه يجب أن يطأ مرة واحدة كل أربع أشهر, واستدلوا على هذا بأدلة: بأنّ الله تعالى حدّ للمولي أربعة أشهر, فدل على أنّ هذا غاية ما ينتظر الإنسان في الوطء.
القول الثاني: أنّ الوطء يرجع فيه إلى العرف، وهذا أيضاً أضعف الأقوال, لأنه لا يمكن أن نعتبر الأعراف في أمور يختلف فيها الناس.
القول الثالث: أنه يجب أن يطأ زوجته بما يحصل لها به الكفاية ولو كثر ما لم يضر ببدنه أو بطلبه المعاش، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام، وهو قول قوي جداً, بهذين الشرطين فيجب أن يعف زوجته، وأن يطأها الوطء الذي تحصل به الكفاية بهذين الشرطين:
1 ـ أن لا يضر ببدنه.
2 - وأن لا يضر بمعاشه.
((انتهى الدرس)).
الدرس: (15) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه ... )
إذا سافر الزوج لعذر وحاجة سقط حقها من القسم والوطء، ولو طال السفر مادام لعذر.
أما إذا لم يكن له عذر يمنع الرجوع ففي الحكم تفصيل كما يلي:
إن كانت مدة السفر ستة أشهر فأقل فإنه لا حرج على الزوج ولا يطالب بنفقة ولا وطء، وإن كان أكثر من ستة أشهر فإنه يجب عليه أن يعود متى طلبت الزوجة ذلك.
إلى هذا ذهب الإمام أحمد, إلى هذا التقسيم والتفريق ذهب الإمام أحمد واستدل على ذلك بالقصة المشهورة التي حدثت في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو أنّ امرأة خرج زوجها للجهاد, وأصابها الضر من طول غيابه, فدخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على ابنته حفصة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وقال كم تصبر المرأة
على فراق زوجها, فقالت سبحان الله مثلك يسأل مثلي عن هذا؟! فقال أمير المؤمنين إنما أردت صالح المسلمين, فقالت - رضي الله عنها - تصبر المرأة من خمسة أشهر إلى ستة أشهر, فجعله عمر بن الخطاب حداً لغياب الرجل.
إذاً عرفنا مستند الحنابلة في هذا التقسيم, ثم بيّن المؤلف الحكم فيما إذا زاد.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن سافر فوق نصفها)
يعني فوق نصف ماذا؟ السنة.
(وطلبت قدومه وقدر لزمه)
إذا سافر أكثر من ستة أشهر بغير عذر ولا حاجة, فإنه إذا طلبت الزوجة قدومه لزمه وجوباً, والسبب في ذلك أنّ قدوم الزوج في هذه الحالة حق من حقوق المرأة, فلا يجب إلاّ بطلبها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وقدر لزمه)
يعني إن طلبت المرأة قدومه , ولم يقدر أن يأتي لعدم أمن الطريق أو لعدم وجود وسيلة النقل أو لأيِّ سبب من الأسباب التي لم يتمكن معها من القدوم, فإنه لا يجب عليه والحالة هذه أن يقدم, لأنه لا يستطيع, ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها.
إذا عرفنا الآن الحكم فيما إذا سافر الزوج, وتفريق الحنابلة بينما إذا كان ستة أشهر فأقل وبينما إذا كان أكثر من ستة أشهر، وكما تلاحظ الشيخ المؤلف ذكر الحكم فيما إذا كان فوق ستة أشهر، ولم يذكر الحكم فيما إذا كان أقل من ستة أشهر وذكرته لك.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإن أبى أحَدَهُما فُرّقَ بينهما بطلبها)
(فإن أبى أحَدَهُما) صحح النسخة التي بين يديك, لأنه الصواب الفتحة، الضمير في أحدَهمُا يرجع إلى القدوم من السفر أو الوطء، يعني إن أبى أن يطأ الوطء الواجب, أو أبى أن يقدم في الصور التي يجب عليه أن يقدم، فإنه يلزمه الحاكم بذلك، وجعلوا الإلزام إلى الحاكم لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى اجتهاد وتقدير, تقدم معنا مراراً أنّ كل أمر يحتاج إلى اجتهاد وتقدير فإنه يرجع فيه إلى الحاكم لئلا يقع النزاع، ولهذا عبر المؤلف بقوله (فُرِّق بينهما بطلبها) وقال فُرِّق المقصود به الحاكم، وبطلبها تقدم معنا أنّ السبب أنّ التفريق يكون بطلب الزوجة، لأنه حق من حقوقها, فلا يجب إلاّ بعد الطلب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد)
يعني يسن للإنسان إذا أراد أن يطأ أن يسمي وأن يقول الوارد, ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - (لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله, قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإذا قسم بينهما ولد لم يضره الشيطان)، فهذا الحديث اشتمل على التسمية واشتمل على ذكر الوارد, وهذه السنة واضحة.
مسألة / هل يختص هذا الدعاء بالرجل, وقع بين الفقهاء خلاف، فمن العلماء من قال هذا الذكر خاص بالرجل عند إرادة الجماع دون المرأة لقوله - صلى الله عليه وسلم - (لو أنّ أحدكم).
القول الثاني: أنّ هذا الذكر لا يختص بالزوج بل يشمل الزوج والزوجة الرجل والمرأة, وعلل أصحاب هذا القول قولهم بأنّ الأذكار الواردة في السنة سواء كانت أذكار صباح ومساء أو طبعاً شراب أو مبيت قد تذكر بلفظ التذكير ولا يعني هذا تخصيص الرجل بها دون المرأة, فكذلك هذا الحديث, وإن خرج مخاطباً به الرجل فإنه لا يعني أنه لا يتناول المرأة, وإلى هذا القول ذهب المرداوي - رحمه الله - ورجح أنه لا يختص بالرجل وهو الصحيح إن شاء الله.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويكره كثرة الكلام , والنزع قبل فراغها)
من قول الشيخ (وتسن التسمية ..... ) بدأ بذكر آداب الجماع, والآداب تشتمل المسنونات والمكروهات، فإنّ تجنب المكروهات من جملة آداب الجماع، فأخذنا الأدب الأول وهو التسمية مع الذكر.
ثم بدأ بالمكروهات فقال (ويكره كثرة الكلام ......... ) يكره للرجل وللمرأة أثناء الجماع أن يكثرا من الكلام, واستدلوا على هذا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلّمن أحدكم في الجماع فإنّ منه يكون الخرس والفأفأة) فدل هذا الحديث على كراهية الكلام أثناء الجماع, وهذا الحديث ضعيف, والمكروه عند الحنابلة كما تلاحظ في كلام المؤلف كثرة الكلام, أما الكلام بلا كثرة فليس بمكروه, والأقرب والله أعلم أنّ الكلام أثناء الجماع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مباح وهو أن يتكلم بكلام ليس له علاقة بأمر الجماع.
القسم الثاني: مستحب وهو أن يتكلم بكلام يحقق المقصود من الجماع, وهو كمال الاستمتاع كما قال الفقهاء، وعلم من هذا التقسيم أنّ القول بالكراهة ليس بصحيح إذ لا دليل يدل على الكراهة مطلقاً, لكن نقول إما أن يكون مباحاً أو أن يكون مستحباً على ما تقدم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والنزع قبل فراغها)
يعني ويكره للزوج إذا جامع زوجته أن ينزع قبل فراغها, والمقصود بالنزع أن ينتهي من الجماع قبل فراغ زوجته من حاجتها, فهذا العمل مكروه, والدليل على الكراهة من وجهين:
الوجه الأول: قوله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/19] وهذا ليس من العشرة بالمعروف.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا قضى أحدكم حاجته فلا يعجل حتى تقضي حاجتها) هذا الحديث فيه ضعف.
لكن في الحقيقة هو صحيح المعنى ويتوافق مع الآية ويتوافق مع قواعد الشرع، فنقول إنّ نزع الرجل قبل أن تقضي الزوجة حاجتها من الجماع مكروه لهذه النصوص, وذهب بعض الفقهاء إلى أنه محرم, والذي ذهب إلى أنه محرم هو شيخنا - رحمه الله - فإن كان سبق بالقول إلى التحريم فهو قول وجيه جداً، وإن لم يسبق فيكون الراجح الكراهة فقط.
والسبب في أنّ قول التحريم قوي إن كان قيل به, أنّ نزع الرجل قبل أن تقضي الزوجة حاجتها، مُضِر جداً بالزوجة وقد يكون له آثار سلبية أكثر من لو لم يجامع أصلاً, وهذا الأمر مضادة للمقصود الشرعي من الجماع, وإذا كان الجماع كما تقدم معنا واجباً في الشرع فإنّ ما يضاد هذا الواجب ويؤدي إلى عكس النتيجة القول بتحريمه وجيه جداً، وعلى كل حال المهم أنّ نزع الرجل قبل أن تقضي زوجته حاجتها يدور بين الكراهة والتحريم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والوطء بمرأى أحد)
يعني ويكره أن يطأ بمرأى أحد من الناس, ويلتحق بالوطء بمرأى أحد التقبيل والمباشرة والضم ونحوها, فهذه الأمور مكروهة بمرأى أحد، تعليل الكراهة: أنّ قيام الزوج بهذا العمل بمرأى أحد هو من الدناءة التي ينبغي أن يترفع عنها المسلم.
ومقصود الحنابلة بمرأى أحد يعني مع ستر العورة, أما مع انكشاف العورة فمحرم كما تقدم معنا في شروط الصلاة في الشرط المتعلق بوجوب ستر العورة، فمقصود الحنابلة هنا يعني مع ستر العورة فإذا استتر الزوجان وجامعها بمرأى من الناس فإنّ هذا مكروه، كما تسمع وهو في الحقيقة كما قال الحنابلة من الدناءة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والتحدث به)
يعني ويكره أن يتحدث الزوج بما صنع مع زوجته, أو تتحدث الزوجة بما صنعت مع زوجها في الجماع.
دليل الكراهة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر يوماً ثم قال للرجال (لعل بعضكم يتحدث بما يكون بينه وبين أهله (، فسكت الرجال، فانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النساء فقال: (لعل إحداكن تتحدث بما يكون بينها وبين زوجها) فسكت النساء, ثم قامت امرأة وقالت يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تفعلوا فإنّ مثل ذلك كمثل الشيطان لقي شيطانة فجامعها في الطريق والناس ينظرون)، فهذا الدليل الصحيح دليل على كراهية أن يتحدث الزوج والزوجة بما يجري بينهم.
الدليل الثاني: ما جاء في الصحيح أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عدّ من يتحدث بما يكون بينه وبين أهله من شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
القول الثاني: أنّ التحدث به محرم, واستدل هؤلاء بأنّ الأدلة التي استدل بها الذين قالوا بالكراهة تدل على التحريم لا الكراهة، وهذا صحيح واضح جداً, لأنّ جماع الشيطان والشيطانة في الطريق الممثل به محرم، كما أنّّ الفعل الذي يؤدي إلى أن يكون الإنسان
من شرار الخلق عند الله يوم القيامة لا شك أنّ هذا محرم, وهو مؤكد بثلاثة:
الأول: أنه من شرار الخلق.
... الثاني: عند الله وهو مذكور في الحديث.
... الثالث: يوم القيامة.
فهو من شرار الخلق، ويوم القيامة عند الله، على كل حال القول بالتحريم هو الصحيح وهو الذي تدل عليه هذه النصوص الصحيحة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويحرم جمع زوجتيه في مسكن واحد)
المسكن: تعريفه هي الغرفة المسقوفة التي لها دهليز، هذا تعريفه في اللغة.
وأما تعريف البيت فهو كتعريف المسكن تماماً، البيت والمسكن واحد.
المصطلح الثالث الدار وهي ما تشتمل على عدة مساكن, يعني على عدة غرف, فالدار فيها عدة مساكن أو عدة بيوت.
المؤلف يقول لا يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجتيه في مسكن واحد، يعني في غرفة واحدة, ولو كانت الغرفة كبيرة جداً، والسبب في ذلك أنّ جمعهما يؤدي إلى وقوع الزوجتين في المحظور بسبب الغيرة والتنافس, كما أنّ في جمعهما في غرفة واحدة إضرار عظيم وظاهر
بالزوجتين، لأنّ وجود الضرة معها في نفس الغرفة يؤدي إلى الغيرة من أيّ تصرف يكون من الزوج وهذا إضرار بهما.
وما ذكره المؤلف من أنّ هذا محرم صحيح, مع القدرة في أن يسكنهما في أكثر من غرفة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(بغير رضاهما)
أما برضاهما فلا بأس، فإذا رضيت الزوجتان في السكن في غرفة واحدة فلا حرج، لأنّ الحق لهما, فإذا تنازلا عن حقهما فلا بأس، فإذا سكنت الزوجتان في غرفة واحدة, في مسكن واحد أو في بيت واحد, فهل يجوز أن يبيت هو مع الزوجتين في فراش واحد؟
الجواب: يجوز أن يبيت في فراش واحد برضاهما أيضاً، إذا رضيت الزوجتان له أن ينام بينهما في فراش واحد.
وهل يجوز أن يكون اللحاف واحد.
أو يشترط أن ينام بينهما وكل منهما له لحافه.
الجواب: يجوز برضاهما أن يكونوا في لحاف واحد, فإذا مع رضا الزوجتين يجوز أن يسكن في غرفة واحدة وينام في فراش واحد ويتغطى بلحاف واحد.
مسألة / وهل يجوز أن يجامع إحداهما بوجود الأخرى؟
الجواب: لا يجوز أن يجامع إحداهما بوجود الأخرى, ولو مع الرضا, هنا لا نقول برضاهما ولا بغير رضاهما, لا يجوز ولو مع الرضا.
لأنّ هذا فيه مضرة ظاهرة على الزوجة التي لم تجامع, ولو رضيت كما أنّ في هذا دناءة في الحقيقة، لا يجوز أبداً وإن كانت زوجته أن يجامعها بوجود الزوجة الأخرى.
علم من هذا التقسيم, أنّ وضع الزوج إحدى الزوجتين في طابق والأخرى في طابق آخر جائز عند الفقهاء بل وضع كل واحدة في غرفة في بيت واحد في دور واحد جائز عند الفقهاء, بشرط أن يكون هذا مسكن مثلها كما سيأتينا في باب النفقات.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وله منعها من الخروج من منزله)
للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من المنزل, فهذا حق من حقوق الزوج, بل هو من أعظم حقوق الزوج بعد حق الاستمتاع، وعموم كلام المؤلف يشمل ما لو منعها من زيارة والديها, ولو كانا مريضين, وهذا صحيح, لأنّ حق الزوج بالنسبة للمرأة مقدم على حق الوالدين، الدليل على هذا من عدة أوجه أو نصوص:
النص الأول: قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء/75] وقد فسر بعض السلف هذه الآية, أي أمرهم نافذ عليهم.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة/228] وهذه الدرجة تشمل الطاعة.
الدليل الثالث: وهو في الحقيقة نص في المسألة: قوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا استأذنت أحدكم زوجته إلى المسجد فلا يمنعها)، فإنّ صريح مفهوم الحديث, أنها إذا استأذنت إلى غير المسجد فله أن يمنعها.
الدليل الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد, لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)، وهذا الحديث إسناده إن شاء الله حسن، وكما ترى النصوص، وعدم الخروج إلاّ بإذن الزوج نصوص ظاهرة جداً وكثيرة، وسيأتينا في النصوص أنّ هذا من أعظم الحقوق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويستحب إذِنُهُ أن تُمَرِّض محرمها)
ويستحب يعني للزوج أن يأذن لها في تمريض محارمها, والدليل على أنّ هذا مستحب قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/19] فإنّ هذا من العشرة بالمعروف.
والدليل الثاني: أنّ في الإذن في تمريض محارمها, إعانة على صلة الرحم، وصلة الرحم مندوبة والإعانة عليها مندوبة، إذا يستحب له ويتأكد في حقه أن يأذن بالتمريض.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وتشهد جنازته)
يعني ويستحب له أن يأذن لها بأن تشهد جنازة محارمها, وفي استحباب هذا الأمر نظر, بأنّ المرأة منهي عنها إتباع الجنائز.
فنقول للزوج ينبغي أن تمنعها لأنّ في منع الزوج من إتباع زوجته للجنازة تحقيق لرغبة الشارع فنقول لا ينبغي الإذن لها في إتباع الجنازة، لكن قول المؤلف - رحمه الله - (ويستحب بإذنه أن تمرض محارمها)، لا يظهر لي أنّ مقصود المؤلف حصر الاستحباب على تمريض المحارم بل حتى الزيارة التي هي من صلة الرحم، أو زيارة الوالدين، أو الأخوات التي تكون ضمن النطاق المشروع يستحب له أن يأذن لها، لأنّ هذا من صلة الرحم, ولعل المؤلف مثّل بالتمريض
لأنّ الاستحباب فيه ظاهر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وله منعها من إجارة نفسها)
وله منعها من إجارة نفسها, بلا نزاع وتعليل ذلك أنها إذا أجرت نفسها فقد منعته من الاستمتاع في زمن الإيجار, ونحن قلنا أنّ الاستمتاع حق من حقوق الزوج في كل الأوقات, فإذا أجرت نفسها فقد منعته من هذا الحق, وعموم عبارة المؤلف يشمل إجارة الأعمال وإجارة الزمان, يعني يشمل ما إذا استأجرت في عمل معيّن أو استأجرت في زمن معيّن, وهذا صحيح فإنه يشمل الأمرين، لكن ذكرنا في باب الإجارة, لما تحدث المؤلف عن هذه المسألة وهي أنه يشترط في استئجار الزوجة إذن الزوج, قلت هناك أنه إذا عملت المرأة في البيت عملاً لا يضر الزوج فإنه ليس له حق في المنع, لأن هذا العمل لا يضره, وهذا صحيح وهنا نقول صحيح أنّ العمل داخل البيت الذي لا يضر الزوج ليس له حق في المنع, لكن إذا زعم الزوج أنّ عمل المرأة في البيت يقضي عليه أوقات طويلة ويشغل الزوجة عن أن تستعد له وأن تقوم بحاجته على الوجه الكامل فله حق في المنع, إنما يتصور عدم الحق في المنع فيما إذا كانت تعمل عملا ً محدوداً داخل البيت، ولا يضر هذا بحقوق الزوج أبداً, هنا نقول ليس للزوج الحق في منع زوجته من العمل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ومن إرضاع ولدها من غيره إلاَّ لضرورته)
وله الحق في منع زوجته من إرضاع ولدها من غيره, ولو كان ولدها فله المنع من إرضاعها, والسبب في هذا أنّ زمن الإرضاع حق من حقوق الزوج وهي إذا أرضعت الطفل فإنها تمنع الزوج من حق الاستمتاع في مدة الإرضاع، وهذا صحيح لأنّ الزوج له حق الاستمتاع في كل الزمن, ومفهوم عبارة المؤلف يستثني ما إذا كان الولد لها منه, فحينئذ ليس له أن يمنعها, لعموم قوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة/233] وهذه الآية وإن كان لفظها خبر إلاّ أنها بمعنى الأمر يعني المقصود من الخبر الأمر، فليس له أن يمنعها من إرضاع ولدها إذا كان منه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(إلاّ لضرورته)
هذا الاستثناء يرجع إلى ولدها من غيره, فإذا كان الولد من غيره بلغ إلى مرحلة الضرورة بحيث لم يقبل أن يشرب الحليب إلاّ من أمه أو لم توجد امرأة يمكن لأهل الولد أن يستأجروها له حينئذ يجوز لها أن ترضعه, وليس للزوج الحق في منعها ولا ينظر في منعه.
لأنه وصل حال الطفل إلى حدّ الضرورة, بقينا في مسألة وهي أنه وإن كان للزوج الحق في منعها من إرضاع ولدها من غيره إلاّ أن هذا مكروه, أقل أحواله أنه مكروه لأنه يتنافى تماماً مع العشرة بالمعروف, لأنّ منعه زوجته من إرضاع ابنها ولو كان من غيره ليس من المعاشرة بالمعروف، لما يعلم من رغبة الأم لابنها ورغبة الابن لأمه وحاجته إليها في مثل هذا السن وهو سن الرضاعة , فلا شك أنّ أقل أحواله الكراهة, بهذا انتهينا من فصل وننتقل لفصل متعلق بالقسم.
فصل
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم , لا في الوطء)
المؤلف يريد من هذا الفصل أن يبيّن أحكام القسم بين الزوجات, وصدر الشيخ الباب بقوله وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم، المساواة بين الزوجات في القسم دلت عليه النصوص بشكل واضح وهو أصل المسائل في الباب، والدليل على وجوب القسم من وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/19] وهذا ليس من العشرة بالمعروف.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء/129]
الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - (من كان له زوجتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشِقه مائل).
الدليل الرابع: الإجماع، فإنه لا يحفظ أنّ أحداً خالف في وجوب العدل في القسم, فإذا القسم من الأمور المهمة ومن الظلم البيّن الإخلال به، وهذه نصوص تشهد بالوجوب بوضوح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(لا في الوطء)
يعني لا يجب عليه أن يعدل في الوطء, فهو يجب عليه أن يبيت عندها, أما الوطء فلا يجب عليه أن يعدل فيه, فله أن يطأ إحداهما أكثر من الأخرى, والدليل على هذا من وجهين: الأول: الإجماع، فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب عليه أن يعدل في الوطء.
الثاني: وهو تعليل وجيه, أنّ الوطء سببه الشهوة والميل وهذا الأمر خارج عن تصرف الرجل, فالشهوة والميل أمر نفساني لا يمكن للزوج أن يتحكم فيهما, وإذا أمرناه بالعدل في الوطء فقد ألزمناه بما لا يستطيع.
مسألة / قال الإمام أحمد - رحمه الله - لكن لا ينبغي للزوج أن يجمع نفسه لإحدى زوجتيه, معنى هذا الكلام لا ينبغي للإنسان إذا كان له زوجتان أن يوفر نفسه في الجماع إلى أن يأتي إلى من يريد ثم يجامع قصداً هذا لا ينبغي، وتلاحظ من كلام الإمام أحمد.
أنّ هذا ليس بمحرم لكنه لا ينبغي, والمسألة مفروضة فيما إذا أعطى إحدى زوجتيه حقها من الجماع, فإذا أعطاها الحق الواجب العدل فيما زاد عن الواجب لا يجب, لكن يقول الإمام أحمد لا ينبغي أن يجمع نفسه لإحدى زوجتيه, لأنّ هذا ليس من مكارم الأخلاق، وليس من العشرة بالمعروف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وعماده الليل لمن معاشه النهار)
الضمير يرجع إلى القسم, وكون الليل عماد القسم بلا خلاف بين الفقهاء, والسبب في ذلك أنّ الليل هو وقت السكن والرجوع والنوم، فيجب عليه أن يعدل فيه, وأما النهار فهو وقت طلب المعاش، والمؤلف بيّن حكم الليل وأما النهار فهو تبع لليل في وجوب العدل، والدليل على أنّ النهار تبع لليل في وجوب العدل أنّ عائشة - رضي الله عنها - قالت توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يومي, ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - توفي ضحى يعني في النهار مع ذلك اعتبرت وفاته في يومها - رضي الله عنها - فدل هذا على أنّ اليوم تبع لليل في القسم.
مسألة / هل يجعل اليوم السابق لليل أو اليوم اللاحق لليل هو التابع للمقسوم لها؟
نحن قلنا الآن يجب أن يقسم وأنّ القسم يكون في الليل، فهل يجعل اليوم السابق أو اللاحق؟ الجواب له أن يجعل السابق أو اللاحق إن شاء جعل اليوم السابق لليل وإن شاء جعل اليوم اللاحق لليل, وتعليل ذلك أنّ له أن يتقدم أو يتأخر, أنّ العدل لا يختل بذلك
هي لها ليلة ويوم, يعني ليل ونهار سواء كان هذا النهار قبل أو بعد يتحقق المقصود بهذا أو هذا.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والعكس بالعكس)
لمن كان معاشه بالليل، فعماد القسم يكون بالنهار، وتنقلب الأحكام تماماً إذا كان معاشه بالليل, كمن يكون دوامه ليلاً في وقتنا هذا فعماد القسم النهار بالنسبة له لأنه وقت السكن والنوم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويقسم لحائض , ونفساء , ومريضة , ومعيبة , ومجنونة , مأمونة وغيرها)
يقصد بغيرها كالتي آلى منها أو ظاهر أو المحرمة بالحج أو المحرمة بالعمرة، ما هو مقصود المؤلف في هذا الكلام، مقصود المؤلف أنه يجب عليه أن يقسم للزوجة وإن كان لا يمكن أن توطأ في هذا الوقت، لأي سبب من الأسباب التي ذكرها، إذا هذا هو ضابط هذه المسائل
أنه يجب عليه أن يقسم لزوجته وإن كانت لا يوطأ مثلها لعارض في هذا الوقت، تعليل وجوب القسم وإن لم يمكن الوطء أنّ المقصود من القسم بالإضافة إلى الوطء ما يحصل من الإستئناس والسكينة لوجود الزوج وقربه من زوجته وهذا يحصل بالنوم ولو لم يوجد وطء،
ووجوب القسم لمن لم يمكن أن توطأ محل إجماع فيجب عليه أن يبات عندها وإن لم يتمكن من الوطء لحيض أو إحرام أو نفاس أو غيرها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن سافرت بلا إذنه, أو بإذنه في حاجتها, أو أبت السفر معه, أو المبيت عنده في فراشه فلا قسم لها ولا نفقة)
ذكر المؤلف أربعة مسائل:
المسألة الأولى: إن سافرت بلا إذنه.
... المسألة الثانية: إن سافرت بإذنه في حاجتها.
الثالثة: إذا أبت السفر معه.
... الرابعة: إذا أبت المبيت عنده في فراشه.
نحن سنتكلم عن ثلاث مسائل من هذه المسائل الأربعة, وهي المسألة الأولى والثالثة والرابعة.
ثم نتكلم بكلام آخر عن المسألة الثانية وهي ما إذا سافرت بإذنه في حاجتها، المؤلف جمع بين هذه المسائل والواقع أنّ الأحكام تختلف، نأتي إلى المسائل الثلاث الأولى وهي:
سافرت بلا إذنه، أو أبت السفر معه، أو أبت المبيت عنده في فراشه, إذا فعلت ذلك فلا قسم لها ولا نفقة.
أما من جهة القسم فلا قسم لها بالإجماع, في هذه المسائل الثلاث, لأنها بعصيانها فوتت على نفسها حق القسم, لأنها سافرت بلا إذنه أو أبت المبيت عنده.
وأما النفقة ففيه خلاف, وليس محل إجماع كالقسم, والصحيح في النفقة أنه لا نفقة لها أيضاً, وهذا هو الصحيح من المذهب.
وهو الصحيح من حيث الدليل, وستأتي هذه المسألة في كتاب النفقات، لكن نقول الصحيح إن شاء الله أنه لا نفقة لها في هذه المسائل الثلاث يعني إذا سافرت بلا إذنه, أو أبت السفر معه أو أبت المبيت عنده في فراشه، فلا قسم ولا نفقة, إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ القسم محل إجماع والنفقة محل خلاف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(أو بإذنه في حاجتها)
إذا سافرت بإذنه في حاجتها ففيه خلاف، فالمذهب كما ترون لا قسم لها ولا نفقة, لأنها سافرت لحاجتها فسقط حقها.
القول الثاني: أنّ لها القسم والنفقة, والسبب في ذلك أنها وإن سافرت في حاجتها إلاّ أنها سافرت بإذنه فلما أذن لها لم يسقط حقها لا في القسم ولا في النفقة.
القول الثالث: أنها إذا سافرت بإذنه في حاجتها سقط حقها في القسم وبقي حقها في النفقة.
والسبب في هذا أنها لما سافرت بإذنه النفقة باقية، وأما القسم فهي التي فوتت على نفسها القسم بسفرها فأسقطت حقها بهذا السفر وإن كان بإذنه، هذا القول الثالث اختاره ابن عبوس من الحنابلة، وابن عقيل، وهو كما ترى قوي جداً ووجيه.
سؤال / على القول لا قسم ولا نفقة ما معنى هذا القول وهي مسافرة؟ كيف يدخل القسم والنفقة وهي مسافرة؟
يثبت حقها إذا رجعت يقضيها.
على القول بوجوب أو بثبوت القسم والنفقة بإذنه فإنّ الحكم إذا رجعت قسم لها بقدر ما غابت، فإذا غابت خمسة أيام يعطيها كم؟
خمسة أيام بقدر ما غابت يعطيها، وكما ترون أنه إذا سافرت لحاجتها كيف نقول إذا رجعت يعطيها كل الأيام التي سافرت فيها لهذا مضرة للزوجات الأخريات كم أنّ السفر كان لحاجتها هي.
مسألة / ذكر المؤلف ما إذا سافرت بإذنه لحاجتها, بقينا فيما إذا سافرت لحاجته هو، فإذا سافرت لحاجته لم يسقط قسم ولا نفقة فإذا رجعت قسم لها ويستمر في الإنفاق مدة السفر, لأنّ السفر كان لقضاء حاجة الزوج.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه أو له فجعله لأخرى جاز)
إذا وهبت إحدى الزوجات نصيبها لزوجة معينة أو وهبته للزوج وجعله هو لزوجة معينة جاز, تعليل ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنّ سودة - رضي الله عنها - جعلت يومها لعائشة - رضي الله عنها - وهذا نص في المسألة.
التعليل الثاني: أنّ الحق لا يخرج عنه وعنها، فإذا رضي بذلك جاز ونفذ، فإذا للزوجة أن تتنازل عن ليلتها لمعينة أو للزوج ليجعلها حيث شاء، وأيهما أفضل أن تتنازل لمعينة أو للزوج فيجعلها هو حيث شاء؟
أنا أرى أنها تهب يومها لزوجة وليس للزوج لماذا؟ التعليل هو أنه إذا وهبت للزوجة جاز بالإجماع، وفي الآخر خلاف فخروجاً من هذا الخلاف ينبغي للزوجة أن تعطيها زوجة معينة؟ وأيضاً تعليل فعل سودة جميل, لأنه هذا تأسي بسودة وليس كما فعلت أحق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإن رجعت قسم لها مستقبلاً)
إذا رجعت فالحكم ينقسم إلى قسمين:
1 - أن يكون التنازل عن الليلة مقابل عوض وأن يكون بغير عوض، فإن رجعت بعد أن تنازلت بغير عوض جاز لها الرجوع في المستقبل بالإجماع، لأنّ هذا من الحقوق المتجددة.
2 ـ أن تكون تنازلت مقابل عوض حينئذ ليس لها الرجوع لأنّ المعاوضات لازمة، إذا هذا حكم الرجوع لكن ينبغي أن تعلم أنّ المعوضة في التنازل عن ليلة محل خلاف والحنابلة يرون أنه لا يجوز ولكن القول الصحيح أنّ للزوجة أن تتنازل عن ليلتها مقابل عوض ونحن ذكرنا التفصيل بناء على القول الصحيح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(مستقبلاً)
يعني ما مضى ليس لها أن تتراجع عنه، فإذا قالت أنا تنازلت عن سبع ليالي للتجربة, والآن رجعت فاقسم لي سبع ليالي ليس لها ذلك لماذا؟ لأنّ هذا التنازل في حكم الهبة المقبوضة، والهبة المقبوضة لا يجوز الرجوع فيها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ولا قسم لإمائه , وأمهات أولاده , بل يطأ من شاء متى شاء)
الإماء وأمهات الأولاد ليس لهن قسم, والدليل على هذا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ جاريتين يطأهما ولم يقسم لهما.
الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء/3] يعني أنّ ما ملكت اليمين لا يجب فيه العدل.
الثالث: الإجماع فإنهم أجمعوا أنه لا يجب أن يقسم للأمة فلا إشكال في الأمة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار , وثيباً ثلاثاً)
قلنا في أول القسم كنا تحدثنا في أول الفصل عن قسم الابتداء، ما معنى قسم الابتداء؟ إذا كان له زوجة واحدة.
أما هذا فالقسم إذا كان له أكثر من زوجة، إذا تزوج البكر فإنه يمكث عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب فإنه يمكث عندها ثلاثاً.
والدليل على هذا حديث أنس - رضي الله عنه - أنه قال من السنة إذا تزوج البكر أن يمكث عندها سبعاً وإذا تزوج الثيب أن يمكث عندها ثلاثاً، هذا نص في التقسيم الذي ذكره المؤلف.
الدليل الثاني: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سلمة (إنه ليس بك هوان على أهلك إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لهن) أو قال (سبعت للبواقي) فهذا الدليلان نص على مسألة أنه إذا تزوج البكر قام عندها كم؟ سبعاً وإن تزوج الثيب أقام عندها كم؟ ثلاثاً، ولا إشكال في هذه المسألة لأنّ النص صريح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن للبواقي)
يعني وإن أحبت البكر أو الثيب؟ إذا الضمير يرجع على الثيب إن أحبت الثيبة بقي عندها سبعاً لكن إن بقي عندها سبعاً سبع للبواقي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن سبعت لك وإن سبعت لك سبعت للبواقي)، هنا إشكال كيف يسبع للبواقي ولها حق في ثلاث.
كان المتبادر للذهن أن يربع أليس كذلك؟ لأنّ الثلاث حق أصلي.
أجاب الفقهاء على هذا الإشكال بأنّ المرأة الثيب إذا تزوجها الرجل فلها حق في الثلاث ما لم تتصل بالسبع، فإن اتصلت سقط حقها بالثلاث يعني لها حق في ثلاث غير متصلة بأربع فإن اتصلت سقط حقها, هكذا أجابوا عن الحديث.
القول الثاني: أنه إذا سبع للثيب, فإنه يربع للبواقي، لأنّ الثلاث حق أصلي لها, فإذا يقسم للبواقي الزائد عن هذا الحق الأصلي، وهذا القول قول وجيه من حيث النظر لكن مع ذلك مرجوح لمخالفته السنة الصريحة لهذا الراجح المذهب.
فصل
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(النشوز ... )
النشوز لغة: يطلق على المكان المرتفع من الأرض كأن المرأة ارتفعت عليه واستعصت وهو مشتق من نشز على وزن فلس.
أما اصطلاحا فسيذكره المؤلف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(النشوز: معصيته إياه فيما يجب عليها)
قصر المؤلف النشوز على الزوجة والصواب أنه يكون منهما ولهذا فالتعريف الأقرب:
(امتناع الزوجين أو أحدهما عن أداء الحق الواجب عليه بلا عذر)
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإذا ظهر منها أماراته .... )
الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة يعتبرون النشوز يحصل بأحد أمرين:
- امتناعها عن الاستمتاع.
- الخروج بلا إذن ونحوه كأن تغلق الباب دونه أو تمتنع عن السفر معه.
فهذا هو المقصود بالحق الواجب إلا أن المالكية أضافوا ترك الفرائض فجعلوه من النشوز، وظاهر كلام الفقهاء أن ترك الخدمة ليس من النشوز، أما على القول بندبه فظاهر، وأما على القول بوجوبه فكذلك لم يذكروه من النشوز أي الامتناع عن الخدمة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع مطلقاً أوتجيبه متبرمة) والتبرم هو التثاقل في الاستجابة (أو متكرهة)، يعني مع كراهة الاستجابة فعلمنا من كلام المؤلف أنّ الامتناع عن الاستجابة تماماً نشوز، كما أنّ التكره والتبرم أيضاً ماذا؟ نشوز وليس من علامات النشوز.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وعظها) اتفق الجماهير على أن التأديب على الترتيب فلا ينتقل إلى الثاني إلا بعد تجربة الأول وهكذا، لكن اختلفوا متى يبدأ بأول مراحله، فالقول الأول: وهو المذهب ومذهب الشافعية يبدأ بالوعظ من حين ظهور الأمارات، ولو لم يظهر النشوز فعلاً.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية والحنفية لا يبدأ بالوعظ إلا بعد ظهور النشوز فعلاً.
والأقرب الأول لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن ... ﴾ فعند الخوف من النشوز يبدأ بالوعظ.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وعظها) المرحلة الأولى من العلاج أن يعظ، يشمل عدة عناصر: العنصر الأول: أن يخوفها بالله، وأن يبيّن لها أنّ عملها من الآثام التي يجب أن تتوب عنها.
ثانياً: يبيّن لها عظم المعصية، يعني أولاً يخوفها بالله ثم يبيّن لها أنّ المعاصي لها آثار سيئة على قلب وبدن المسلم.
الثالث: أن يبيّن لها ما يترتب على النشوز من ترك النفقة والهجر والضرب, هذه ثلاث عناصر في الوعظ، ويختلف الناس في الوعظ بحسب الحال وبحسب المرأة والرجل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن أصرت هجرها) قوله فإن أصرت يعني فإن أظهرت النشوز حينئذ ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي الهجر فإن أصرت هجرها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء, وفي الكلام ثلاثة أيام) قسم الشيخ الهجر إلى قسمين: قسم الأول: الهجر في المضجع.
القسم الثاني: في الكلام.
القسم الأول الهجر في المضجع، اختلف الفقهاء فيه فمنهم من قال الهجر في المضجع يحصل بترك الجماع، ومنهم من قال في المضجع يحصل بأن يوليها ظهره, ومنهم من قال الهجر في المضجع يحصل بأن ينام في مكان آخر.
والصواب أنّ الهجر يقصد منه جميع هذه الأمور، ويستعمل الزوج من هذه الأمور ما يرى أنه الأوفق لحال الزوجة، وهذا من بلاغة وإعجاز القرآن, لأنه أمر بالهجر أو أرشد إلى الهجر وأطلق ولم يبيّن كيفية الهجر ليرجع الزوج إلى المناسب لحالته، فيستخدمه في الهجر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(في المضجع ما شاء , وفي الكلام ثلاثة أيام)
للزوج أن يهجر زوجته ثلاثة أيام ولا يزيد, ولو لم ترتدع بالهجر ثلاثة أيام, فإنه لا يجوز له أن يهجر أكثر من ثلاثة أيام.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يحل للمرء أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام).
القول الثاني: أنّ له أن يهجر ما شاء إلى أن تتأدب، لأنّ هذا الهجر يقصد منه التأديب، ولعل الأقرب أنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وله أن يستخدم أساليب أخرى لم ينهى عنها الشارع في التأديب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإن أصرت , ضربها ضرب غير مبرح)
إذا أصرت انتقل إلى المرحلة الثالثة, وهي الضرب والضرب يشترط له شروط:
الأول: أن يظن نفع الضرب في حال زوجته، فإذا ظن أنّ الضرب لا ينفع فلا يجوز له أن يستخدم هذا الأسلوب.
الشرط الثاني: أن يضربها ضرباً غير مبرح، ولا يجوز له أن يضرب ضرباً مبرحاً وهو إجماع ولو ظن أو جزم أنّه إن ضرب فإنها سترتدع لا يجوز له أن يضرب إلاّ ضرباً غير مبرح لأنّ هذا ليس من العشرة بالمعروف, ولأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشد ونص على أنّ الضرب يكون غير مبرح.
((انتهى الدرس)).
الدرس: (16) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب الخلع
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(باب الخلع)
هذا الباب من الأبواب المهمة , لأنّ حاجة الناس إليه كثيرة.
ووضع المؤلف باب الخلع بعد النشوز من الترتيب الحسن, لأنه إذا لم ينفع العلاج القرآني في النشوز, فإن الحل سيكون إما بالطلاق أو بالخلع, وقدّم الخلع هنا لأنّ الطلاق له كتاب خاص.
الخلع في لغة العرب هو: النزع والتجريد, ووجه التسمية أنّ كلاً من الرجل والمرأة إذا حصل بينهما عقد النكاح صار لباساً للآخر فإذا خالعته كأنها نزعت هذا اللباس.
وأما في الشرع: فالخلع فراق الزوج زوجته بعوض, هذا حقيقة الخلع.
والخلع مشروع بالكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [النساء/3] ورفع الجناح يدل على الجواز.
وأما السنة فحديث ابن عباس - رضي الله عنه - وما فيه من قصة ثابت, وستأتينا لأنّ هذا الحديث هو أصل الباب.
وأيضاً أجمعت الأمة على مشروعية الخلع, ولم يخالف في هذا إلاّ بكر المزني وهو تابعي مشهور - رضي الله عنه ورحمه - ولكن استقرّ الأمر على أنّ الخلع مشروع جائز.
بهذا عرفنا تعريف الخلع لغة وإصطلاحاً وأنه مشروع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(من صح تبرعه من زوجة , وأجنبيّ صحّ بذله لعوضه)
ذكر المؤلف هنا الضابط فيما يصح أن يبذل العوض, فالضابط أنّ كل من صح تبرعه صح أن يبذل العوض, وخرج بهذا من لايصح تبرعه, ومن أمثلته: المحجور عليه لسفه, لا يجوز له ولا يصح من أن يبذل العوض في الخلع, لأنّ الخلع فيه تبرع ولا يجوز له أن يتبرع، فإذا كانت المرأة سفيهة محجور عليها لسفهها فلا تستطيع أن تخالع.
مسألة/ لا تسطيع أن تخالع ولو أذِن لها الولي, لأنّ الولي ليس له الحق فالإذن بالتبرعات.
والقول الثاني: أنها إذا خالعت بإذن الولي وكان في هذا الخلع مصلحة لها جاز وإلاّ فلا, فإذا أذن لها الولي لأنّ مصلحتها في المخالعة فحينئذ يصح الخلع, ويصح بذل هذه المرأة للعوض, وهذا القول الأخير إن شاء الله أقرب وهو إختيار العلامة المر داوي - رحمه الله -.
مسألة /ذكرنا حكم المحجور عليها لسفه, أما المحجور عليها لفلس فهذه يصح تصرفها في الذمة, ولهذا يصح أن تخالع, ويثبت العوض في ذمتها, لأنّ لها تصرفاً صحيحاً في الذمة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(من زوجة , وأجنبيّ (
أخذنا التفصيل في الزوجة، نأتي إلى الأجنبي يصح عند الأئمة الأربعة, أن يبذل عوض الخلع رجل أجنبي أو إمرأة أجنبية, ولو بغير رضا الزوجة, واستدل الأئمة على هذا بأنّ هذه معاضة فجازت من الأجنبي.
القول الثاني: أنّ الأجنبي لا يصح أن يبذل عوض الخلع, وهذا مذهب الفقيه الكبير أبي ثور - رحمه الله -.
واستدل على هذا بأنّ بذل العوض لمخالعة زوجة الغير سفه, لأنه لا فائدة للباذل من هذا البذل, إذ ماذا ينتفع الإنسان من بذله عوضاً لخلع زوجة الآخر.
القول الثالث: أنه يصح للأجنبي بشرط أن يكون القصد من المخالعة تخليص الزوجة من رقّ الزوج لمصلحتها، يعني وإلاّ فلا يجوز، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله - وهو قول قوي, فإذا بذل العوض بقصد مصلحة الزوجة, فهو جائز وهو إن شاء الله مثاب على هذا العمل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإذا كرهت خُلُق زوجها, أو خَلقهُ , أو نقص دينه , أوخافت إثماً بترك حقِّهِ أُبيح الخل)
انتقل المؤلف لبيان متى يجوز للمرأة أن تطلب الخلع، وذكر أربعة أمثلة, يجوز فيها للمرأة أن تطلب الخلع.
المثال الأول: إذا كرهت خُلُق الرجل, يعني كرهت أخلاقه وتصرفه معها وفي البيت.
الثاني: إذا كرهت خَلقَه, فإذا صارت تكره خلقه وترى أنه لايعجبها, فلها حينئذ أن تطالب بالخلع.
الثالث: نقص دينه, إذا كرهت منه نقص دينه, بأن لا يأتي بالفرائض على وجهها, أو ألاّ يصلي مع الجماعة, أو أن يتعاطى الذنوب أياّ كان نوعها, فإن هذا من الأسباب المسوغة لطلب الخلع.
الأخير: خافت إثماً بترك حقه, إذا خافت إثما بترك حقه جاز لها أن تخالع, ولو كانت لا تعيب خلَقه ولا خُلُقه ولا دينه فإنه أحياناً تكره المرأة الرجل بلا سبب, وتكون هذه الكراهة من أسباب عدم قيامها بالواجب عليها, حينئذ يجوز لها أن تخالع, الدليل على جواز الخلع في هذه الصورة الآية والحديث:
أما الآية فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [النساء/3] فنصت على أنه إذا خافت ألاّ تقيم حدود الله أي ألاّ تؤدي الواجب عليها جاز لها أن تخالع.
وأما الحديث فهو حديث ابن عباس الذي أشارت إليه, فإنّ زوجة ثابت بن قيس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت يارسول الله لا أنا ولا ثابت.
وفي رواية في الصحيح، قالت لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين, ولكني أكره الكفر, ومقصودها بالكفر أي كفران العشير, والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمعها تقول لا أعيب خلق ولا دين, أقرّها على أنها لو كانت تعيب عليه خلق أو دِين جاز أن تخالعه, فأخذنا من مجموع الآية والحديث, أنه إذا وجدت هذه الأسباب ونظائرها جاز للمرأة أن تطلب الخلع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإلاّ كره ووقع)
مقصود المؤلف بقوله وإلاّ كره ووقع يعني أنه مع استقامة الحال يكره للمرأة أن تطلب الخلع, واستدلوا على الجواز بقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ [النساء/4] فدلت الآية على أنّ المرأة إذا طابت نفسها بشيء من المهر عوضاً جاز مطلقاً, وإلى هذا ذهب الجماهير يعني ذهبوا إلى الجواز مع الكراهة.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - ومذهب داود الظاهري واختاره من المحققين ابن المنذر - رحمه الله - أنه لا يجوز في هذه الحالة الخلع, واستدلوا بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: أنّ الآية إنما أباحت الخلع إذا خافوا ألاّ يقيموا حدود الله, ومع استقامة الحال, لا يتحقق الشرط.
الدليل الثاني: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أيما امرأة طلبت الطلاق من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة) والخلع نوع من الفراق فيقاس على الطلاق.
الدليل الثالث: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (المختلعات والمتبرجات هنّ المنافقات)، وحملوا الحديث على المختلعات بغير سبب لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّ إمرأة ثابت على طلب الخلع, لكن هذا الحديث الأخير ضعيف.
والراجح والله أعلم القول الثاني, وفي ظنيّ أنّ هذه المسألة نظرية, لأنّ المرأة لماذا تطلب الخلع مع استقامة الحال, يعني يبعد أن تطلب الخلع مع استقامة الحال، لكن لو فرض أنّ إمرأة مستقيمة الحال مع زوجها وأرادت أن تخالع هكذا, فإنّ الحكم أنّ الجمهور يرون أنّ عملها مكروه , والصحيح أنّ عملها محرم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإن عضلها ظلماً للافتداء)
إذا عضلها ظلما للافتداء فإنّ الخلع لا يصح, لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة/229] فالآية نصّت أنه لا يحل للإنسان أن يعضل المرأة لتفتدي منه.
وعضل المرأة يكون بالتضييق عليها أو بالضرب أو بمنع الحقوق أو بمنع النفقة.
القول الثاني: أنه إذا عضلها لتفتدي ظلماً, فإنّ الخلع صحيح والعوض حق يكون للزوج لكن مع الإثم, وهذا مذهب الأحناف.
القول الثالث: أنه إذا عضلها لتفتدي منه, فافتدت منه فإنّ الخلع صحيح ولكن مجاناً فيرد العوض, وهذا مذهب للإمام مالك - رحمه الله - معاملة له بنقيض قصده, فالإمام مالك ألزمه بالخلع يعني بالبينونة الصغرى مع عدم أخذ العوض, كأنه أراد أن يعاقبه على قصده السيئ, انظر الفرق بين مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة, تماماً هذا في أقصى الشمال وهذا في أقصى اليمين, وتوّسط بينهما الإمام أحمد, والأقرب والله أعلم مذهب مالك, لأنه عهد في الشرع معاقبة الإنسان بنقيض قصده, فهذا الغال يحرق رحله, ومن امتنع من الزكاة أخذت شطر ماله, فإذا نرى أن الشارع قد يعاقب الإنسان بنقيض قصده, كما أنّ في هذا ردعاً للأزواج الظلمة وإغلاقاً لباب مضايقة المرأة لتفتدي منه بغير حق , فإنّ بعض الأزواج إذا كره زوجته ولم يجد عليها أي خطأ ويريد استرداد المهر صار يظلمها ويعضلها ويضايقها حتى تفتدي, ولاشك أنّ هذا ظلم, لأنه إذا أراد هو أن يطلق فليطلق وليبقى المهر عند الزوجة, لكن بعضهم يتخذ هذا الأسلوب حيلة لاسترداد المهر, وهو مردود عليه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ولم يكن لزناها)
هذه العبارة استثناء من العبارة السابقة, يعني إن عضلها لزناها صح لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء/19] والآية نصّ في أنّ إذا أتت المرأة بفاحشة جاز للرجل أن يعضلها وأن يضايقها بمختلف التصرفات حتى تفتدي منه, لأنّ هذه المضايقات والعضل بحق, فهذه الصورة المستثنى من الأول.
المستثنى الثاني قوله (أونشوزها أو تركها فرضاً ففعلت) يعني إذا عضلها لأنها نشزت عليه بترك الطاعة أو بترك الفرائض, فإنه يجوز له أن يعضلها, وأن يضايقها لتفتدي منه, لأنّ العضل بالضرب ومنع الحقوق حينئذ بحق, وإذا كان بحق جاز له أن يأخذ العوض المترتب عليه، فاستثنى المؤلف من العضل هاتين الصورتين فقط، إذا أتت بفاحشة أوكان العضل بسبب النشوز.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(أو خالعت الصغيرة , والسفيهة , والمجنونة , والأمة بغير إذن سيدها لم يصح)
إذا خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة لم يصح, وهذا تأكيد لما سبق لأنه تقدم معنا أنّ من لا يصح تبرعه لا يصح بذله للعوض في الخلع, وهؤلاء المجنونة والصغيرة والسفيهة لا يصح أن يتبرعوا فلا يصح أيضاً أن يبذلوا العوض في الخلع, ويأتي معنا الخلاف السابق إذا بذلوه بإذن الولي, على المذهب لا يصح وعلى القول الثاني يصح, وتقدمت هذه المسألة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والأمة بغير إذن سيدهالم يصح)
يعني ولا يصح للأمة أن تخالع بغير إذن سيدها, تعليل ذلك: أنّ التصرف في الشرع فرع عن الملك, والأمة لا تملك فلا تتصرف، لهذا نقول لا يصح تصرفها وهو باطل إلاّ في حالة واحدة إذا أذن لها السيد.
القول الثاني: أنه يصح للأمة أن تخالع إذا خالعت في ذمتها, ولا يصح أن تخالع إذا خالعت بمعيّن, لأنه إذا خالعت بذمتها فإنّ هذا لايضر السيد وبإمكانها إذا عتقت أن تؤدي ما عليها لأنه في ذمتها والصواب إن شاء الله أنّ الأمة لاتخالع إلاّ بإذن السيد مطلقاً، لأنها في ملكه وتصرفها يجب أن يكون تحت إمرته وإذنه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظه , أو نيته)
هذا الحكم راجع لجميع المسائل التي ابتدأها بقوله (فإن عضلها ظلماً لتفتدي) بمعنى أنه لما بيّن مجموعة من المسائل لايصح فيها الخلع أراد أن يبيّن ماذا يكون حكمه إذا لم يصح الخلع , فذكر أنه إن خالع بلفظ صريح الطلاق أو بكنايته مع النية, فهو طلاق رجعي، وإن كان بغير لفظ صريح الطلاق ولابنيته فهو لاشيء، إذا عرفنا الآن فهذه المسائل التي حكمنا عليها أنّ الخلع لايصح ماذا يكون بعد ذلك؟ فعند الحنابلة أنّ هذا الخلع الذي لايصح إن كان بلفظ الطلاق الصريح أو بكنايته مع نيته فهو طلاق, وإن كان بغيرهما فهو؟ لاشيء، ولا يعتبر شيئاً, وسيأتينا مسألة هذا الطلاق، هل الخلع بلفظ الطلاق طلاقاً أو فسخاً؟
فصل
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والخلع بلفظ صريح الطلاق , أو كنايته.
وقصده طلاق بائن)
هذه المسألة التي ابتدأ فيها المؤلف هذا الفصل من أهم المسائل, يقول المؤلف رحمه الله (والخلع بلفظ صريح الطلاق بائن ( .....
ذكر الشيخ صورتين يكون الخلع فيهما طلاق بائن ومقصوده بكلمة بائن أي بينونة صغرى
الصورة الأولى: إذا كان بصريح لفظ الطلاق أو بكنايته مع النية, وإلى هذا القول ذهب الأئمة الأربعة, بل ابن قدامه هو إجماع أنّ الخلع إذا كان بهذا اللفظ فهو طلاق بائن, استدلوا على هذا الحكم الجماهير بأدلة:
الدليل الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري لثابت: خذ الحديقة وطلقها تطليقه، فقالوا النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يتكلم باللفظ الشرعي فقوله طلقها تطليقه, يعني أنّ هذا الفسخ يكون طلاقاً لكنه بائن بسبب وجود ماذا؟ العوض.
الدليل الثاني: أنّ هذا مروي عن ثلاثة من الصحابة عثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -.
الدليل الثالث: أنّ الفرقة التي يملكها الرجل إنما هي الطلاق فإذا فارق زوجته فقد طلقها, هذه أدلة الجماهير.
نأتي الجواب على الأدلة أما الجواب عن الدليل الأول: فإنّ هذا اللفظ وإن كان في صحيح البخاري إلاّ أنه معلول ولايثبت وهو شاذ، بل من جملة من أشار إلى ضعفها الإمام البخاري في الصحيح فهذا اللفظ لا يثبت إنما اللفظ الصحيح أنه قال - صلى الله عليه وسلم - خذ الحديقة وفارقها.
الدليل الثاني: الآثار المروية عن الصحابة وقد نصّ الإمام أحمد أنه لا يثبت منها شيء، هي ضعيفة ولا تثبت عن أحد من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
أما الدليل الثالث: فهو استدلال بمحل النزاع هو يقول لاتوجد فرقة إلاّ طلاق، ونحن نقول توجد فرقة هي فسخ وليست طلاق, فليس له أن يستدل بمحل النزاع.
القول الثاني: ولاشك أنه لايغيب عن ذهنك أنّ القول حكي إجماعاً, القول الثاني رواية عن الإمام أحمد وهي مذهب قدماء أصحابه كما يقول شيخ الإسلام وهو إختيار ابن القيم وإختيار شيخ الإسلام - رحمهما الله - ولما رأيت أنّ شيخ الإسلام يقول أنّ هذا رواية عن الإمام أحمد واختيار قدماء أصحابه تعجبت من حكاية ابن قدامة الإجماع, لو أنّ شخصاً آخر غير ابن قدامة حكى الإجماع لكان الأمر قريب لكن ابن قدامة أحد المخالفين في الرواية, كما أنّ قدماء الأصحاب وهو يعرفهم اختاروا هذا القول فلا أدري ما وجه حكاية الإجماع هل هو لم يقف على أقوالهم أو يرى أنهم رجعوا، هو في الحقيقة محل إشكال كيف يحكي الإجماع.
أدلة القول الثاني الدليل الأول: أنّ هذا ثابت بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه يعتبر هذه الصيغة فسخاً وليست طلاقًا.
الثاني: أنّ الله تعالى ذكر في القرآن الطلاق ثم الطلاق يعني ذكر التطليقتين ثم الخلع ثم الطلاق, قال ابن عباس ولو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق في كتاب الله أربعة, والأمة أجمعت أنّ الطلاق ثلاث مرات، الراجح إن شاء الله القول الثاني وضابط هذا القول أنّ أي فرقة تمت بعوض فهي فسخ وليست طلاق مهما كانت صيغة الفراق هذا هو الضابط للقول الثاني, إذا عرفنا الآن الحكم فيما إذا خالع بلفظ صريح الطلاق أوبكنايته مع النية.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن وقع بلفظ الخلع , أو الفسخ , أو الفداء ولم ينوه طلاقاً كان فسخاً لاينقص عدد الطلاق)
إذا خالع بغير اللفظين السابقين, لا بصريح الطلاق ولا بكنايته مع النية، وإنما خالع بألفاظ أخرى, كلفظ الخلع أو الفسخ فإنّ الحكم عند الحنابلة أنه فسخ وليس بطلاق, ولا ينقص به عدد الطلاق, وهذا القول من مفردات الحنابلة, والجماهير أيضاً حتى في هذه المسألة على أنه طلاق, واستدلوا بالآثار المروية عن عثمان وعلي وابن مسعود, فإنها عامة تشمل الخلع الذي يكون بلفظ الطلاق أو بلفظ الفسخ، واستدل الحنابلة بأثر ابن عباس حيث اعتبر هذا فسخاً ولم يعتبره طلاقاً, وإذا كنّا نرجح أنّ الخلع بلفظ صريح الطلاق فسخ فإذا بلفظ الفسخ أو الخلع فمن باب أولى سيكون ماذا؟ فسخاً وليس طلاقاً ولاينقص به عدد الطلاق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق ولو واجهها به)
معنى ولو واجهها به يعني ولو قال لها في وجهها أنت طالق, ذهب الحنابلة إلى أنّ المختلعة في عدة الخلع لا يلحقها طلاق, واستدلوا بدليلين:
الدليل الأول: أنّ هذا مروي عن ابن عباس وعن ابن الزبير - رضي الله عنهما -.
الثاني: القياس على المطلقة إذا انقضت العدة, والجامع ما هو الجامع في هذا القياس؟ عدم إمكانية المراجعة في الصورتين هذا هو الجامع، وهو جامع صحيح.
القول الثاني: للأحناف أنّ الطلاق يقع عليها إذا واجهها به, واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال للمختلعة في عدتها أنت طالق فقد طلقت, فالحديث فيه قيد أن تكون في عدتها وفيه قيد أن يواجهها به، يعني بلفظ الطلاق
والجواب: أنّ هذا الحديث لا أصل له أشد من أن يكون ضعيفاً لا أصل له, والراجح إن شاء الله أنه لايقع عليها طلاق في زمن العدة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ولا يصح شرط الرجعة فيه)
اشتمل كلام المؤلف على مسألتين:
المسألة الأولى: أنه لا رجعة في الخلع سواء قلنا هو فسخ أو طلاق, لأنّ الله سبحانه وتعالى سمى العوض فداء, ولا يكون فداء إلاّ بذلك, يعني بأن لا يملك المراجعة, وهذا واضح.
المسألة الثانية: أنه لو شرط المراجعة, فلا يصح أيضاً ويكون الخلع صحيحاً والشرط فاسداً, استدلوا على هذا بأنّ هذا الشرط منافي مقتضى العقد والمقصود منه, فإنّ مقصود المرأة من بذل العوض هو ماذا؟ ألاّ ترجع إليه، ولهذا صححنا العقد وأبطلنا الشرط هذا مذهب الحنابلة وهو واضح.
القول الثاني: أناّ نصحح الشرط ولكن يرد الزوج العوض ويكون طلاقاً رجعياً, واستدل هؤلاء بأنّ شرط الرجعة لا يجتمع مع العوض فيتساقطان ويبقى أصل الطلاق.
القول الثالث: أنّ الشرط صحيح والعقد صحيح, فيملك الزوج العوض ويملك أن يراجع, لأنّ المرأة رضيت بالشرط بطوعها, ولأنّ الشروط في المعاوضات صحيحة، وشيخ الإسلام يميل لهذا القول, تصحيح الشرط والعقد, والصحيح إن الله المذهب، لأنّ أصل الخلع والمقصود منه أن تملك المرأة نفسها, وأن لا يتمكن الزوج من مراجعتها, فاشتراط ما يسقط هذا المقصود هو في الحقيقة اشتراط اسقاط المقصود بالخلع، والشارع الحكيم إنما شرع عقود المعيّنة لتحقيق المقاصد منها, ولهذا البيع لما كان المقصود منه تلبية حاجات بعض الناس من بعض, لما فقد هذا القصد في الربا أبطله الشارع, كذلك نقول نحن هنا المقصود الشرعي في الخلع لا يجوز شرط اشتراط ما يسقطه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(إن خالعها بغير عوض , أو بمحرم لم يصح)
ذكر الشيخ مسألتين:
الأولى: إذا خالعها بغير عوض، هذه المسألة أيضاً مسألة ينبني عليها عدة فروع إذا خالعها بغير عوض لم يصح
الخلع والسبب في هذا أنّ الله تعالى علّق في القرآن الخلع عل وجود الفدية, فإذا لم توجد الفدية لم يصح الخلع، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام.
القول الثاني: أنّ الخلع بغير عوض صحيح, ويكون طلاقاً بائناً واستدل أصحاب هذا القول بالقياس على الطلاق بجامع أنّ في كل من الصورتين مفارقة يعني في كل من الصورتين قصد المفارقة, وهذا القول اختيار شيخ الإسلام, فيكون للشيخ في هذه المسألة قولان.
تنبيه!!! على القول الثاني إذا صححنا الخلع بغير عوض يجب أن يكون طلاقاً بائناً ولايكون فسخ, والسبب في ذلك أننا لو صححناه فسخاً لا أمكن للإنسان أن يطلق بلا عدد كما كان في الجاهلية, والطلاق بلا عدد منسوخ في الشرع, ولأجل أن نجعله مغلق نقول هو طلاق بائن ويحسب من الثلاث ولا يكون فسخاً، الأقرب والله أعلم أنّ الخلع لايصح بلا عوض.
وإذا أراد أن يفارق زوجته فليكن بالطلاق، لكن أصحاب القول الثاني إنما صححوا الخلع بلا عوض لأنه قد يكون مقصود الزوج أن يقطع الطريق على نفسه في مراجعة زوجته ولا يريد أن يأخذ عوض، وهذا لا يكون إلاّ بالخلع بلا عوض واضح, بعض الناس الآن يعلم أنّ بقاء زوجته معه مضر عليه في دينه ولكن نفسه تتوق إلى هذه الزوجة, ولا يريد أن يأخذ منها مال فالطريقة لكي يتخلص من هذه الزوجة أن يطلقها طلاقاً بائناً لا رجعة فيه, ولا يريد هو أن يطلق بالثلاث لأنه لايريد أن يستنفذ الطلقات, حينئذ ليس أمامه إلاّ الخلع بشرط عدم العوض وهذا الذي جعل شيخ الإسلام في الاختيار الثاني يصحح الخلع بلا عوض.
نأتي إلى المسألة الثانية وهي إذا كان الخلع محرماً, الخلع المحرم على قسمين:
القسم الأول: أن يكون محرماً بعلم الزوجين يعني أن يعلم الزوجان أنه محرم, فإذا علم الزوجان أنه محرم فالخلع باطل لأنّ العوض محرم.
القول الثاني: أنه صحيح وللزوج مهر المثل, وهذا القول الثاني هو الصحيح، ولو قيل أنّ للزوج قيمة هذا العوض المحرم لكان وجيهاً جداً لا نقول له مهر المثل, بل نقول له قيمة هذا العوض المحرم.
القسم الثاني: إذا كانا لا يعلمان أنّ العوض محرماً, فحينئذ يصح الخلع حتى عند الحنابلة, وله بدله، له بدل هذا العوض المحرم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته)
هذه العبارة تعود للمسألتين السابقتين, وهي الطلاق بغير عوض, والثانية بعوض محرم, فلما قرر المؤلف أنّ الطلاق بغير عوض أو على عوض محرم لا يصح, أراد كذلك أن يبيّن ماحكم هذا الخلع, والحكم عند الحنابلة أنه إن كان بلفظ صريح الطلاق أو بنيته, فله طلاق رجعي, وإن كان بغير لفظ صريح الطلاق ولا بنيته فهو لا شيء بناء على أنّ الحنابلة يرون أنّ الطلاق بغير عوض لا يصح.
إذاً سيكون القول الثاني بناء على تصحيح الطلاق بغير عوض سيكون حكمه في هاتين الصورتين طلاق بائن بينونة صغرى ويحسب من عدد الطلقات, إذاً الآن نرجع لمسألتنا, الشيخ يقول هنا (ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) وإن كان بغير لفظ الطلاق ولا نيته فهو عند الحنابلة لاشيء بناء على أنّّ الطلاق بغير عوض لايصح عند الحنابلة, وعلى القول بأنّ الطلاق بغير عوض يصح ويكون طلاقاً بائناً يحسب من الثلاث يكون طلاقاً بائناً يحسب من الثلاث, واضح وهذا كله مفرع على قضية أنّ الخلع بلفظ صريح الطلاق أو بنيته يكون طلاقاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وما صح مهرا صح الخلع به)
لإطلاق الآية ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ [البقرة/229] فأيّ شيء تفتدي به فهو صحيح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويكره بأكثر مما أعطاها)
هذه المسألة في حكم أخذ الزوج أكثر من المهر الذي بذله في العقد, فالحنابلة يرون أنه يجوز للإنسان أن يأخذ أكثر مما أعطى, لكن مع الكراهة، دليل الحنابلة على أنه يجوز مع الكراهة الجمع بين أدلة الأقوال التي ستأتي.
القول الثاني: وهو مذهب الجمهور الجواز بلا كراهة, واستدل الجمهور على الجواز بلا كراهة بأمرين:
الأمر الأول: إطلاق الآية فإنّ الله شرع الافتداء ولم يقيّد هذا الافتداء بشيء.
الثاني: أنه صح عن الصحابة جواز الخلع بكل شيء, حتى خلعت المرأة في زمن الصحابة بكل شيء حتى ما تربط به رأسها, كل شيء، كل ما تملك ومع ذلك صححه بعض الصحابة, وهو صحيح وثابت عنهم.
القول الثالث: عكس الحنابلة أو عكس الجمهور أنه لا يجوز الزيادة مطلقاً, بل لا يأخذ إلاّ ما أعطى, واستدلوا على هذا بدليلين:.
الدليل الأول: أنّ هذا مقتضى العدل, فتفتدي نفسها منه بما ملكها به أليس كذلك؟
الثاني: قالوا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لثابت خذ الحديقة ولا تزداد, فنهاه عن الزيادة وهذا اللفظ لايصح.
الراجح مذهب الجمهور وهو الجواز بلا كراهة لأنّ هذا دلّ عليه الأثر وظاهر القرآن.
مع هذا المحاكم يعملون بعمل جيد في الحقيقة, سألت أنا بعض القضاة ماذا تصنعون إذا طلب الزوج مبلغاً كبيراً, فهم في الحقيقة يتوسطون وهو قول نحن انتهينا من المسألة العلمية والترجيح, لكن من حيث تأديب الناس والتعامل معهم قول ممتاز جداً, وهو أنهم يسمحون بالزيادة غير المفرطة، يعني له أن يزيد لكن بلا مبالغة, فهو قول يعني من حيث العمل جيد جداً، نقول خذ لكن بلا مبالغة لاسيما إذا كان من الزوج شيء من التفريط والخطأ وهذا من السياسة الشرعية المحمودة في الواقع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح)
الزوج إذا طلق زوجته وهي حامل, فيجب عليه أن ينفق عليها كما سيأتينا في كتاب النفقات, سواء قلنا أنّ النفقة للحمل كما هو مذهب الحنابلة, أو النفقة لها بسبب الحمل, على أي من القولين يصح أن تخالع بهذه النفقة, فتقول النفقة التي تجب عليك لزمن العدة هي عوض الخلع فيصح والمؤلف يريد أن يشير إلى مسألة, وهي أنّ هذا يصح وإن كنا لا نعلم مقدار النفقة، فقد تكون نفقة كبيرة وقد تكون قليلة, ومع ذلك يصح, وهذه المسألة في الحقيقة ترجع إلى المسألة التالية.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ويصح بالمجهول)
يعني وبالمعدوم الذي ينتظر وجوده, أما المعدوم الذي لا ينتظر وجوده فلا يصح, ذهب الحنابلة إلى أنه يصح الخلع بالعوض المجهول واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول: القياس على الوصية.
الدليل الثاني: أنّ الخلع هو عبارة عن إسقاط, فالزوج يسقط حقه من البضع, ونحن مرّ معنا مراراً أنّ الإسقاطات فيها تسامح، وهذا قاعدة في الفقه أنّ ما يكون من باب الإسقاطات فيه تسامح.
القول الثاني: أنّ الخلع بالمجهول يصح, لكن يجب عليها مهر المثل، نحن نقول القول الثاني يصح ويجب عليها مهر المثل, والقول الأول يصح وللزوج ما أعطت, أي شيء تعطيه هو العوض لأنّا نصحح العوض المجهول.
القول الثالث: أنّ الخلع بالمجهول لا يصح, لأنّ الخلع وإن كان فيه شائبة التبرع, إلاّ أنه في الأصل معاوضة, والجهالة لا تصح في المعاوضات، يبدوا لي أنّ شيخ الإسلام يرى المذهب, والسبب في هذا أنّ الشيخ - رحمه الله - صرّح بصحة الخلع الذي فيه غرر، والغرر والجهالة شيء واحد في الفقه، هو لم يصرح فيما وقفت عليه صحة الخلع بالمجهول لكن صرّح بصحة الخلع مع وجود الغرر، فينبغي أن يصحح هذا على كل حال الراجح أنه لا يصح إلاّ أن يكون العوض معلوماً وهو القول الثالث, لأنّ تصحيح الخلع بعوض مجهول يفضي غالباً إلى الشقاق والنزاع, لاسيما وأنّ الخلع يحصل عادة مع الوفاق أو مع النزاع؟ مع النزاع فإنه يندر أن يكون الخلع مع الوفاق فغالباً ما يكون مع النزاع, فإذا زاد هذا النزاع نزاعاً آخر بسبب الجهالة استحكمت العداوة والفرقة، ولهذا نقول إن شاء الله الأصح أنه لابد أن يكون معلوماً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإن خالعته على حمل شجرتها , أو أمتها , أو ما في يدها , أو بيتها من دراهم أو متاع , أو على عبد صح)
هذه المسائل هي تفريع على القاعدة أو على الضابط وهو تصحيح الخلع بالمجهول, لما صحح الخلع بالمجهول أراد أن يذكر مسائل تنبني على هذا الضابط, وذكر ثلاث نماذج من المسائل, المسألة الأولى: (إذا خالعته على حمل شجرتها أو أمتها)
المسألة الثانية: (إذا خالعته على ما في يدها أو ما في بيتها من دراهم أو متاع)
المسألة الأخيرة: (إذا خالعته على عبد وأطلقت ولم تبيّن) ففي الصور الثلاث الخلع صحيح, فإذا خالعته على حمل شجرتها أو أمتها فليس له إلاّ ما تحمل الشجرة وكذلك إذا خالعته على حمل الشاة فليس له إلاّ ما تحمل هذه الشاة, ولو حملت الشاة ومات الولد الذي في بطنها ليس له إلاّ هذا الذي في بطنها, لأنها خالعته على الذي في بطنها, كذلك إذا خالعته على ما في يدها أو ما في بيتها من الدراهم ليس له إلاّ ما في يدها وليس له إلاّ ما في بيتها, ولو كانت الدراهم أقل من ثلاث, التعليل أنها خالعته على ما في يدها وهذا ما في يدها ليس في يدها إلاّ درهم واحد, وهو رضي بأن تخالعه على ما في يدها.
القول الثاني: أنه إذا خالعها على ما في يدها أو ما في الدار من دراهم, ثم تبيّن أنه أقل من ثلاث فله ثلاث يعني دراهم, لأنّ كلمة دراهم لا تصدق على أقل من ثلاث، والراجح المذهب ليس له إلاّ ما في يدها, لأنه رضي بما في يدها وهذا ما في يدها.
وأنا أقول هذا الراجح بناء على جواز الخلع بالمجهول، أو متاع إذا خالعته على ما في بيتها من متاع فله ما في البيت من متاع سواء كان المتاع قليل جداً أو كان المتاع كثير جداً له ما في البيت من متاع أيّاً كان قدره.
أو على عبد إذا خالعته على عبد ليس له إلاّ عبد لكن كيف نحدد هذا العبد, بالنسبة لمتاع البيت وما في يدها واضح.
لكن إذا خالعته على عبد وأطلقت فله أقل ما يصدق عليه مسمى العبد, وليس له أن يعترض لأنها خالعته على عبد وأطلقت ورضي.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقلّ مسماه , وعدم الدراهم ثلاثة)
له مع عدم الحمل يعني إذا خالعته على حمل أمتها ولم تحمل، أو خالعته على المتاع فلما دخلنا البيت لم نجد فيه متاعاً مطلقاً، أو خالعته على عبد ووجدنا أنها لا تملك أيّ عبد كان, حينئذ له أقل المسمى من الحمل والمتاع والعبد, فإذا خالعته على حمل شاة فله أقل ما يسمى حملاً سواء كان ذكر أو أنثى أو كبير أو صغير أو أي من نوع من أنواع الشياه , وكذلك العبد وكذلك الحمل, لأنّ الذمة تبرأ بأقل مسمى العوض المذكور.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ومع عدم الدراهم ثلاثة)
لأنّ أقل مايسمى دراهم ثلاثة, إذاً الآن إذا خالعته على ما في يدها فإن كانت اليد فارغة كم له؟ وإن كان في اليد درهم واحد فصار أنفع له أن تكون اليد فارغة أو مليئة؟ الأنفع له أن تكون فارغة, لأنها إذا كانت واحدة فليس له على المذهب إلاّ هذا الدرهم وإذا كانت فارغة فسيكون له ثلاثة.
فصل
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإذا قال: متى , أو إذا , أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق طلقت بعطيته)
هذا الفصل المؤلف أراد منه بيان مسألة مهمة, عقد الفصل لتحقيق هذا المقصد وهو أنّ الطلاق على عوض كالخلع في أنّ الزوج لا يملك مراجعة زوجته, لأنّ المقصود من الطلاق على عوض أن تفتدي نفسها وأن تتخلص من ضرره وإذا مكناه من المراجعة ذهب هذا الغرض, إذاً مرة أخرى مقصود المؤلف من هذا الفصل بيان أنّ الطلاق سواء كان معلق أو منجز إذا كان على عوض فهو كالخلع في ماذا؟ في عدم جواز المراجعة, وذكرت التعليل على هذا.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن تراخى)
أفادنا المؤلف - رحمه الله تعالى - مسألتين:
المسألة الأولى: أنّ الزوج إذا استخدم هذه الألفاظ صار التعليق لازماً من جهته وليس له الرجوع فإذا قال متى أعطيتني ألفاً فأنت طالق، أصبح لازماً ولا يملك الرجوع ولا فسخ التعليق, واضح.
فيبقى الأمر بيد المرأة إلى ما لا نهاية تعليل هذا قالوا أنّ هذه الصيغة اشتملت على تعليق وعوض, أليس كذلك لأنه يقول متى أعطيتني ألفاً فأنت طالق اشتملت
على التعليق والعوض لأنه يقول متى أعطيتني كم؟ ألفاً قالوا والمرجح والمغلب في هذه الصيغة هو التعليق لا العوض ولهذا يكون التعليق لازما في حق الزوج , وهذا مذهب الجمهور.
القول الثاني: أنّ هذا التعليق ليس بلازم بل للزوج فسخه متى شاء , واستدل أصحاب هذا القول بأنّ حقيقة هذا التعليق أنه تعليق مقابل بعوض فهو بالبيع أشبه منه بالتعليق, وهو يفارق التعليق المحض, التعليق المحض كأن يقول إذا دخل زيد فأنت طالق هذا تعليق محض, هل يوجد عوض في هذا التعليق, إذاً هو تعليق محض فالتعليق المربوط بعوض يفارق التعليق المحض لأنّ التعليق المحض هو في الواقع ايقاع للطلاق وغاية ماهنالك أنه مؤخر، بخلاف التعليق الذي معلق بعوض فالمقصود منه المعاوضة وبهذا أصبح بين الصورتين فرق، وهذا الفرق البديع في الحقيقة ذكره شيخ الإسلام وانتصر لهذا القول الثاني وقوله وجيه وقوي, وعلمنا من هذا التفريق أنّ هناك فرق بين أن يقول الرجل لزوجته إن أعطيتني ألف فأنت طالق وبين أن يقول إن خرجت من هذا الباب فأنت طالق.
ففي الصورة الأولى يملك الفسخ وفي الصورة الثانية لا يملك الفسخ.
انتهينا من المسألة الأولى التي دلت عليها عبارة المؤلف.
المسألة الثانية: أنّ هذا الحق يثبت على التراخي, فهو مطلق وليس على الفور بل على التراخي متى أعطته الألف في أيّ وقت طلقت.
القول الثاني: أنه إن استخدم متى فهو على التراخي, وإن استخدم إذا وإن فهو على الفور, واستدلوا على هذا بأنّ متى موضوعة للتراخي فأفادت التراخي وأما إذا وإن فإنها لا تدل على التراخي والأصل في العقود والمعاوضات الفور أوالتراخي؟ الفور، وعلى هذا القول إذا قال لها إذا أعطيتني ألفاً فأنت طالق وانقضى المجلس ولم تعطيه ألفاً ثم أعطته بعد يوم فإنها لا تطلق وعلى المذهب تطلق, إذاً اشتمل هذا الكلام على مسألتين مهمتين للغاية, وقد يفعل كثير من الرجال هذا التطليق, فيقول لها إن أعطيتني المهر فأنت طالق، فعلى المذهب أشبه مايكون أنّ المرأة ملكت أمر نفسها, فتستطيع متى شاءت أن تعطيه الألف وتصبح طالق, لأنّ هذا الحق لازم وعلى التراخي, فهي مسألة مهمة وأخذنا الآن التفصيل فيها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن قالت إخلعني على ألف , أو بألف , ففعل بانت واستحقها)
هذه المسائل تختلف عن المسائل السابقة في أمرين: ما هي المسائل السابقة؟ إذا قال متى أعطيتني ألف فأنت طالق وما معها من المسائل، هذه المسائل تختلف عنها بأمرين: الأمر الأول أنّ هذا التعليق تعليق جائز وليس بلازم, فللمرأة الفسخ متى شاءت.
((الآذان))
الأولى: أنها تملك الفسخ متى شاءت المرأة فسخت هذا العقد لأنه معاوضة والمعاوضات تفسخ.
والثانية: أنه على الفور وليس على التراخي لما تقدم وذكرته الآن, إذاً بين المسألتين فرق, الشيخ يقول هنا - رحمه الله - (وإن قالت إخلعني على ألف) وكذلك إذا قالت طلقني على ألف الحكم واحد.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(واستحقها)
يعني إذا أعطاها الألف، في مسألة المرأة وإن قالت إخلعني على ألف ففعلت، يعني إذا قالت إخلعني على ألف وأعطته الألف استحقها وطلقت، ومقصود المؤلف أنها إذا قالت إخلعني على ألف وأعطته الألف فقد خلعت ولا يشترط أن يقول الزوج خالعتك أو طلقتك مقابل الألف لا يشترط، لأنّ الجواب معاد فيه السؤال، فإذا قالت طلقني على ألف وأخذ الألف.
وقال أنت طالق , فكأنه قال أنت طالق على هذه الألف، إذاًً يستحق العوض بمجرد ما يأخذه ويطلق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثاً استحقها)
إذا قالت طلقني واحدة فطلقها ثلاثاً، استحق الألف لماذا؟ لأنه أعطاها ما تريد وزيادة.
القول الثاني: أنه لا يستحق العوض لأنّها طلبت واحدة ولم تطلب ثلاثة, وقد يكون للمرأة غرض في الطلقة الواحدة لا في الثلاث، لأنّ الطلقة الواحدة بالإمكان المراجعة, بينما الثلاث لا تراجع إلاّ بعد زوج آخر وفي قول ثالث وسط: بين القولين وهو قول جميل وهو أنه إن رضيت المرأة فله العوض وإن لم ترض فليس له العوض.
فإذا قالت طلقني واحدة فطلقها ثلاثاً, نقول للمرأة هل ترضين في الطلاق؟ فإذا رضيت أخذ العوض وإذا لم ترضى لم يأخذ العوض.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وعكسه بعكسه)
يعني إذا قالت طلقني ثلاثاً, وطلقها واحدة, فإنه لا يستحق العوض, لأنها طلبت ماذا؟ ثلاث وهو أعطاها واحدة , ولأنّ المرأة قد يكون لها قصد أن لا ترجع إليه إلاّ بعد زوج آخر.
القول الثاني: أنها إذا طلبت ثلاث وطلقها واحدة فله ثلث العوض, لأنه أعطاها بعض ما طلبت فاستحق بعض العوض وهذا القول وإن كان ظاهره قوي ويتوافق مع المنطق, إلاّ أنّ الراجح المذهب, لأنّ المرأة لم تطلب الثلاث إلاّ وهي تريد الثلاث والواحدة لا تحقق لها الغرض المقصود من طلبها للخلع.
((انتهى الدرس)).
الدرس: (17) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها)
يعني أن الأب لا يملك أن يخالع مع زوجة ابنه الصغير ولا يملك أيضا أن يطلقها .. هذا مذهب الحنابلة ..
واستدلوا بأدلة منها:
1 - قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، ومن أخذ بالساق هو الزوج.
2 - أن هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر الخطاب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما ـ.
3 - أن في هذا التصرف من الأب إسقاطا لحق الابن وليس له أن يسقط حق ابنه.
القول الثاني: أن الأب له أن يفعل ذلك، أي للأب أن يفعل ذلك.
واستدلوا على جوازه بأن الأب إذا كان يملك أن يزوج ابنه فيملك أن يفسخ النكاح بخلع أو طلاق.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، إلا أنه يستثنى ما إذا كان الخلع في مصلحة الابن مصلحة ظاهرة واضحة لا تردد فيها حينئذ يجوز للأب أن يخالع ابنه لتحقيق هذه المصلحة وإلا فإنّ الأصل أنه لا يجوز له أن يخالع، وهذا هو الأقرب المتوافق مع فتاوى الصحابة.
قبل أن ننتقل عن هذه المسألة حديث (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) حديث إسناده فيه ضعف وضعفه البيهقي وابن الجوزي ولكن معناه إن شاء الله صحيح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ولا خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها)
يعني ولا يملك الأب أن يخالع ابنته الصغيرة بشيء من مالها، وتقدمت هذه المسألة عند قول المؤلف (كل من صح تبرعه صح بذله للخلع) ذكرنا هل للأب أن يخالع عن ابنته أو لا.؟ ذكرنا الراجح أن له ذلك إذا كانت المصلحة في المخالعة .. وأن هذا اختيار الشيخ المرداوي.
قبل أن ننتقل أيضا للمسالة الثالثة، بالنسبة للأب مع الابن ذكرنا أنه لا يملك أن يخالع ولا أن يطلق .. هذا الحديث يتعلق بالأب أما غيره من الأولياء فإنهم لا يخالعون ولا يطلقون .. حكي إجماعا .. لكن هذا الإجماع ليس بتام فإن بعض الحنابلة يرى أن من كان له حق التزويج فإن له حق المخالعة، لكن الصواب أن غير الأب ليس له علاقة ولا يملك أن يخالع أو يطلق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق)
يعني إذا خالعت المرأة زوجها على مال معين فإن هذا الخلع لا يسقط غيره من الحقوق كأن يكون على الزوج نفقة أو يكون على الزوج مهر مؤخر هذه الحقوق وغيرها من الحقوق تبقى لأنه لا علاقة للخلع بغيره من الحقوق الواجبة للمرأة أو للزوجة في ذمة الزوج.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوجدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت)
صورة هذه المسألة: أن يقول الزوج لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق فهنا علق الطلاق على صفة وهي دخول الدار، ثم لما علق الطلاق على هذه الصفة أبانها بخلع أو طلاق أو بأي طريقة للإبانة، ثم لما أبانها دخلت الدار، ثم لما تزوجها مرة أخرى ودخلت الدار مرة أخرى حينئذ يقع الطلاق عند الحنابلة، وعللوا هذا بأن المرأة وجد منها الصفة المعلق عليها الطلاق في نكاح صحيح فاجتمع وجود الصفة والنكاح الصحيح فوقع الطلاق وهذا تعليل واضح.
القول الثاني: وهو مذهب الجماهير وأكثر أهل العلم أنه في هذا المثال لا يقع الطلاق.
واستدلوا على هذا بأن التعليق انحل بدخول الدار في المرة الأولى واليمين إذا انحلت لا تعود، فإذا دخلت الدار مرة اخرى في النكاح الثاني فإنها لا تطلق وهذا القول واضح القوة وهو الراجح بلا تردد إن شاء الله فإذا دخلت مرة أخرى لم تطلق.
مسألة:
إن علق الطلاق على صفة ثم أبانها ثم رجعت ولم توقع هذه الصفة حال الإبانة ثم لما ردّها في النكاح الثاني أوقعت الصفة هذه المسألة فيها خلاف أيضاً، لكن الخلاف في هذه المسألة عكس الخلاف في المسألة السابقة ففي هذه المسألة وقوع الطلاق هو مذهب الجمهور لأن اليمين لم تنحل، وقد وجدت الصفة في نكاح صحيح فوقع الطلاق.
القول الثاني: أن اليمين تنحل بمجرد الطلاق، وأنها إذا فعلت الصفة لا تطلق ويبدوا والله أعلم أن مذهب الجمهور أقرب وهو وقوع الطلاق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(كعتق وإلا فلا)
الخلاف في العتق كالخلاف في الطلاق تماماً، إلا أنه يوجد بينهما فرق واحد وهو أنه في العتق عن الإمام أحمد رواية ثانية عدم الوقوع، بينما في الطلاق لا يوجد عنه رواية بعدم الوقوع، وهذا غريب يعني عن الإمام أحمد في المسألة الأولى رواية واحدة خالف فيها الجماهير، بل خالف فيها ما اعتبره بعضهم إجماعاً.
وعادة الإمام أحمد في مثل هذه المسائل أن يكون له رواية أخرى لكن لم ينقل عنه - رحمه الله - وغفر له وأسكنه فسيح جناته إلا هذه الرواية.
وبهذا يكون انتهى كتاب النكاح ولله الحمد وهذا بتوفيق الله وإعانته وننتقل إلى كتاب الطلاق.
((انتهى الدرس)).