كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
والصواب أن العبارة صحيحة ولم أقف على أحد من الحنابلة عبَّر بغير هذا التعبير فكلهم يعبر بالمكفول به.
هذا من جهة.
من جهة أخرى: كلمة المكفول به: صحيحة.
لأن المكفول به في الواقع في الكفالة هو بدن من عليه دين لا الدين نفسه.
إذاً: المكفول به: إذا تأملت فستجد أنه فعلاً هو البدن وهو المكفول.
فإذاً كلمة المكفول به: تساوي كلمة المكفول والمعنى صحيح التعبيرين.
وبهذا التعبير عبر كل الحنابلة.
فهو تعبير صحيح من حيث النقل عن الحنابلة ومن حيث المعنى.
ـ المسألة الثانية: أنه لا يشترط رضى المكفول.
فإذا كفل شخص شخصاً عند آخر فالكفالة صحيحة ولو سخط المكفول.
واستدلوا على هذا:
- بالقياس على الضمان.
= والقول الثاني: أنه يشترط رضى المكفول فإن لم يرض لم تصح الكفالة.
واستدل أصحاب هذا القول على قوهم: - بأن موضوع الكفالة إحضار بدن المكفول فإذا لم يرض المكفول لن يتمكن الكافل من إحضاره فإذا لم يحضره لم يحصل المقصود.
والصواب أنه لا يشترط رضاه ما دام الكافل رضي أن كفل مع علمه بعدم رضى المكفول وإلتزامه إحضاره فهذا شيء إليه وعليه إما أن يحضر المكفول أو إذا عجز - كما سيأتينا - يضمن الدين.
فما دام رضي بهذا الحكم فليس للمكفول حق أن يرضى أن يسخط. - قال - رحمه الله -:
- فإن مات.
يعني: المكفول.
قال في آخر العبارة: بريء الكفيل.
ولن يلزمه بعد ذلك شيء لاضمان البدن ولا ضمان المال.
واستدل الحنابلة على هذا: - بأن المكفول لا يستطيع الحضور وحضوره متعذر فإذا سقط حضور الأصل فكيف بالفرع الذي يلوم بإحضار هذا الأصل الذي لا يستطيع الحضور.
فالميت لا يمكن لأحد أن يلزمه بالحضور في مجلس الحكم أو الحضور لأداء الدين لأنه ميت.
وإذا كان لا نلزم المكفول فكيف نلزم الكافل.
= والقول الثاني: التفصيل: ـ إن كان الكافل توانى وتساهل إلى أن مات المكفول وجب عليه أن يلتزم الحق ولا يسقط ولا يبرأ.
ـ وإلا فإنه يبرأ.
= والقول الثالث: أن الكافل إذا مات المكفول لا يبرأ مطلقاً بل عايه أن يلتزم الحق.
وعللوا هذا: - بأن الدائن إنما رضي بأن يقرض هذا الشخص لوجود الكفيل فإذا مات الكفيل لا يذهب حق الدائن وإنما يلزم الكافل بأداء الحق لأن الدين بني عليه.
يعني: لأن المقرض إنما أقرض بناء على وجود الكفيل.
وهذا القول الأخير هو الصحيح وممن اختاره من المحققين شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله -. وهو قول عند التأمل تجد أنه قول قوي.
- ثم قال - رحمه الله -:
- أو تلفت العين بفعل اللَّه تعالى.
يقصد المؤلف - رحمه الله - بقوله: (تلفت العين) يعني: العين المضمونة.
فإذا تلفت العين المضمونة بفعل الله فحكم المسألة كحكم لو مات المكفول تماماً خلافاً وأدلة وترجيح.
وهذه هي المسألة التي قلت لك أنها تؤكد أن المؤلف - رحمه الله - أراد في صدر اباب الكفالة بذات الأعيان لا ببدن من عليه أعيان مضمونة.
لأنه الآن هنا أوجب إحضار نفس العين إذا تلفت بغير فعل الله كما هو مفهوم العبارة فدلت هذه العبارة على أنه يريد ذات الأعيان المضمونة لا بدن من عليه ضمان الأعيان المضمونة.
فهذا يؤكد صحة ما تقدم إن شاء الله.
وقوله - رحمه الله -: (أو تفلت العين بفعل الله) مفهوم العبارة أنها إذا تلفت فعل الآدمي فإن الكافل لا يبرأ.
- لأنه إنما أقيم لمثل هذا.
يعني طلب كافل لمثل هذا: حتى لا يذهب حق المكفول له. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو سلم نفسه: بريء الكفيل.
يعني: أو سلم المكفول نفسه للمكفول له فحينئذ يبرأ الكفيل. - كما أنه لو سدد المدين الدين بريء الضامن فكذلك هنا لأن موضوع الكفالة هنا البدن فإذا سُلِّم بريء الكفيل.
وبهذا انتهى الفصل الخاص بالكفالة وننتقل إلى
باب الحوالة
. باب الحوالة
- قال - رحمه الله -:
- باب الحوالة.
الحوالة: مشتقة في لغة العرب من النقل والتحويل.
وهي في اصطلاح الفقهاء نقل الحق من ذمة إلى ذمة أخرى.
والحوالة مشروعة بالسنة والإجماع.
ـ أما السنة فما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع).
وهذا الحديث صريح في الحوالة.
ودلت عليه الآثار فإن عدداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل بالحوالة منهم أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -. وغيره من الصحابة.
وإنما ذكرته لأنه من الخلفاء الراشدين.
وأما الإجماع فقد أجمعوا في الجملة على مشروعية الحوالة وإن اختلفوا في بعض الصور لكن في الجملة هي مشروعة بإجماع الفقهاء.
-
- مسألة/ والصواب أن الحوالة ليست من بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس استيفاء الحق فهي بذلك من عقود الإرفاق وليست من عقود المعاوضات.
والقول بأنها من البيوع قول ضعيف: يعني: من المعاوضات، بل هي من عقود الإرفاق إن شاء الله والمقصود منها استيفاء الحق فقط فليس موضوع الحوالة الربح ولا المعاوضة ولا الاستزادة إنما فقط استيفاء الحق.
وهذه القاعدة مهمة جداً لأنا سنحتاج إليها في كثير من مسائل الترجيح لأن الإنسان إذا أراد أن يرجح يحتاج أن يرجع إلى أصل ينطلق و [ ... ] منه في مسائل الفقه.
فالأصل في هذا الباب هو كما قلت لكم أنه استفياء الحق.
- مسألة/ والصواب أن الحوالة ليست من بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس استيفاء الحق فهي بذلك من عقود الإرفاق وليست من عقود المعاوضات.
- يقول - رحمه الله -:
- لا تصح.
مقصوده: لا تصح الحوالة إلى بثلاثة شروط، إن فقد شرط منها بطلت الحوالة.
وربما لو صرح الشيخ بهذا المعنى لكان أوضح فلو قال: لا تصح إلا بثلاثة شروط لكان أوضح. - قال - رحمه الله -:
- إلاّ على دين مستقر.
هذا هو الشرط الأول: أن الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر.
واستدلوا على هذا: - بأن موضوع الحوالة نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فإذا لم يكن الدين ثابتاً في ذمة المحال عليه لم تصح الحوالة أن المحال عليه ربما أبطل الدين.
ومثلوا على هذا: بدين المكاتبة.
فإن المكاتب له أن يبطل المكاتبة فلا يصح أن نحيل على دين المكاتبة.
ومثلوا على ذلك: أيضاً: بثمن المبيع في زمن الخيار فهذا أيضاً غير مستقر إذ ربما اختار الفسخ أحدهما أو كلاهما.
فإذاً: الدين المستقر هو الدين الذي لا يكون عرضة للسقوط بل هو ثابت وكل دين عرضة للسقوط فهو دين غير مستقر.
وهذا الشرط صحيح.
فلا يصح أن نحيل إلا على دين ثابت مستقر. - يقول - رحمه الله -:
- ولا يعتبر استقرار المحال فيه.
يعني لا يعتبر أن يكون الدين المحال مستقراً.
فإذا اشترى شخص من آخر سلعة بثمن معين واشترط الخيار فله أن يحيل بهذا الدين على دين آخر ثابت.
(أن يحيل بثمن هذه السلعة التي هي في زمن الخيار على دين آخر مستقر).
لأن الدين المحال لا يشترط أن يكون مستقراً.
واستدلوا على هذا:
- أن المدين له أن يدفع هذا الدين ابتداء فله أن يحيل به.
ومعنى: (له أن يدفع هذا الدين ابتداء) أن هذا الثمن غير المستقر يملك المشتري أن يدفعه وإن كان في زمن الخيار.
فإذا كان يملك أن يدفعه في زمن الخيار فيملك أن يحيل به على دين آخر مستقر.
وهذا أيضاً حكم صحيح.
ثم بدأ - رحمه الله - بالشرط الثاني: - فقال - رحمه الله -:
- ويشترط: اتفاق الدينين.
يشترط اتفاق الدينين.
ودليل ذلك في الجملة: - أن موضوع الحوالة نقل الحق من ذمة إلى ذمة ولنقل هذا الحق من ذمة إلى ذمة لابد أن يتساوى الحقان في الصفات.
والمؤلف - رحمه الله - فصَّل في هذا الشرط: - فقال - رحمه الله -:
- ويشترط اتفاق الدينين جنساً.
يشترط أن يكون جنس الدين المحال والمحال عليه: واحداً.
فلا يجوز أن نحيل بالذهب على الفضة.
ولا بالفضة على الذهب.
ولا بالقمح على الشعير.
وبالشعير على التمر.
وهكذا.
يجب أن يكون الجنس متحداً.
دليل هذا الشرط: - أنه إذا اختلف الجنس خرج عن كونه من عقود الإرفاق إلى عقود المعاوضات لأنه إذا اختلف الجنس لابد أن نراعي الثمن فصارت معاوضة ونحن نقول أن الحوالة من عقود الإرفاق.
فهذا الشرط وهو اشتراط اتفاق الجنس: صحيح. - يقول - رحمه الله -:
- ووصفاً.
يعني: ويشترط أن يكون وصف كلٍ من الدين المحال والمحال عليه: متحداً.
والمقصود بالوصف هنا: كما صرح كثير من الحنابلة: الجودة والرداءة وهو في الحقيقة معنىً أعم من الجودة والرداءة لكن الغالب أن يكون هذا المقصود.
بناء على هذا: لا يجوز أن نحيل بصحاح على مكسة.
فإذا كان مطلوب من الشخص مائة درهم صحيحة لا يجوز أن نحيل هذا الدين على شخص آخر يطلب منه مائة درهم مكسرة.
ولا يجوز أن نحيل مغشوش على سليم ولا بسليم على مغشوش.
ولا يجوز أن نحيل قمحاً سليماً جيداً من إنتاج هذه السنة على قمح قديم فاسد.
وهكذا.
- لأنا إذا أحلنا خمسة على ستة صارت المسألة معاوضة وصار المحال يكسب على المحيل وموضوع الحوالة أن لا كسب فيها إنما استيفاء فقط.
وهذا القول صحيح أو وهذا الشرط صحيح.
أنه يجب أن يتساوى [ ... ]. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يؤثر الفاضل.
مقصود المؤلف - رحمه الله - بهذه العبارة أنه لا يؤثر أن: ـ تحيل بعض الدين على دين مساوي.
ـ أو تحيل الدين على بعض الدين الذي في ذمة الآخر.
مثال الصورة الأولى: أن يحيل الإنسان بخمسة على خمسة من عشرة.
فإذا كان زيد مطلوب خمسة آلاف وهو يطلب عمرو عشرة آلاف فأحال الشخص الذي يطلبه خمسة آلاف على خمسة من العشرة التي عند زيد فلا بأس. - لأن الفاضل وهي الخمسة الأخرى لا تؤثر في العقد.
كذلك العكس/ لو أحال بخمسة من عشرة على خمسة.
بأن يكزم زيد مطلوباً عشرة آلاف وهو يطلب عمرو خمسة آلاف فأحال الدائن بخمسة من العشرة على الخمسة التي عند زيد فلا حرج. - لأن زيادة الدين لا تؤثر أيضاً في صحة الحوالة.
وهذا معلوم لكن المؤلف - رحمه الله - أراد أن يبين أن الفاضل لا يؤثر على الباقي. - ثم قال - رحمه الله -:
- وإذا صحت: نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبريء المحيل.
إذا استوفت الحوالة الشروط اللازمة للصحة نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه لاولا يرجع الحق مطلقاً ولو تعذر إيفاء المحال عليه بالدين أو أفلس أو مات أو ماطل.
فإنه لا يرجع المحال على المحيل مطلقاً متى استوفت الشروط.
وإلى هذا القول ذهب الجماهير - الجماهير من الفقهاء ذهبوا إلى أنه إذا استوفت الشروط فإنه ليس للمحال أن يرجع على المحيل مطلقاً ولو تعذر استيفاء الحق.
واستدلوا على هذا بأدلة: من أقواها: - الحديث: فقالوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره فقال: (إذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل).
والأمر في (فليحتل) للوجوب.
وهذه خارج الصحيحين.
وفي اللفظ الآخر - في الصحيحين -: (من أتبع على مليء فليتبع).
هذا الدليل الأول. - الدليل الثاني: أنه روي عن علي بن أبي طالب أنه رأى أن لا يرجع المحال على المحال عليه.
فقد أحال رجلاً - هو - رضي الله عنه - يطلبه على رجل آخر فمات المحال عليه فرجع الدائن إلى علي فلم يقبل رجوعه - رضي الله عنه -.
- الثالث: قالوا: أن الحوالة مشتقة من النقل فهي تنقل الحق من ذمة إلى ذمة.
والمنقول لا يعود.
وطريقة الإمام أحمد - رحمه الله - أن الأصل الثابت الذي دل عليه نص لا يترك لفتوى صحابي على أني أكاد أقطع أن بين الصحابة خلاف في هذه المسألة لكن يحتاج ربما الإنسان إلى توسع في البحث لننظر هل خالف الإمام علي أحد أو لا؟ وإلا كما ذكرت يتحرج الإنسان في الحقيقة من مخالفة هذا الأثر لولا وجود هذه الملابسات.
- يقول - رحمه الله -:
- ويعتبر رضاه.
هذا هو الشرط الثالث.
يعني: رضا المحيل. - لأن المحيل لا يلزم بقضاء الدين الذي عليه من دين آخر له إلا برضاه.
وإذا كان هذا هو الشرط الثالث علمت أن المؤلف في الحقيقة قدم وأخر.
لأنه يقول: (وإذا صحت) وهذه العبارة يؤتى بها بعد إتمام الشروط.
فلو أخر قوله وإذا صحت إلى بعد (ويعتبر رضاه) لكان من حيث الترتيب الفقهي أوجه. - قال - رحمه الله -:
- لا رضى المحال عليه.
يعني: لا يشترط رضى المحال عليه.
وهذا مذهب الجماهير. - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط في الحديث رضى المحال عليه.
- ولأن المحيل إذا أحال على المحال عليه فكأنه وكَّل شخصاً ليقبض دينه وهذا جائز بالإجماع بلى رضى المحال عليه.
=والقول الثاني: أنه يشترط رضى المحال عليه. - لئلا يحيل عليه رجلاً رجلاً شرساً سيء الأخلاق صعب المطالبة.
فيقول المحال عليه للمحيل لا أرضى أن تحيل علي فلاناً فإنه صعب والمعاملة معه عسرة وقد أتأذى من مطالبته ... إلى آخره.
وهذا مذهب الأحناف.
وهذا القول ضعيف.
لأنا نقول للمحال عليه لئلا تتأذى أدِّ ما عليك لأن ذمته مشغولة بالحق فلا يعتذر بسوء المعاملة. - قال - رحمه الله -:
- ولا رضى المحتال على مليء.
يعني: لا يشترط رضى المحتال بشرط أن تكون الحوالة على مليء.
فإذا أحيل على مليء وجب عليه أن يحتال.
وانتقل الحق بغير إرادته من ذمة المدين الأصلي إلى ذمة المحال عليه.
استدب الحنابلة والجمهور على هذا: - بالحديث.
وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) والأمر في الحديث للوجوب عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا أيضاً:
- بأن للمحيل أن يوكل من يقبض عنه بلا رضاه وله أن يوكل من يسدد عنه بلا رضاه فكأنه وكل المحال عليه بسداد الدين.
ثم إذا تبين أنه ليس بمليء رجع: عند الحنابلة وعند غيرهم.
- لأن الشرط تخلف.
والمسلمون على شروطهم. - يقول - رحمه الله -:
- ومن أُحيل بثمن مبيع ... فبان البيع باطلاً: فلا حوالة.
إذا أحيل بثمن مبيع ثم بان البيع باطلاً فلا حوالة.
صورة المسألة/ أن يحيل المشتري البائع بقيمة الثمن على شخص ثالث.
مدين للمشتري ثم تبين أن البيع باطل بأن كان المبيع ملكاً لشخص آخر غير البائع أو تبين أن المبيع - أنه خمر أو خنزير أو كل عين لا يصح العقد عليها حينئذ لا حوالة.
يعني: تبطل الحوالة.
وعللوا ذلك: - بأن الحوالة تمت على ثمن المبيع وهنا لا يوجد ثمن للمبيع لأنه لا يوجد بيع أصلاً. - يقول - رحمه الله -:
- أو أُحيل به عليه.
صورة المسألة/ أن يحيل البائع على المشتري بثمن السلعة بدين سابق عليه.
في الصورة الأولى: من المحيل؟ المشتري.
في الصورة الثانية: المحيل من؟ البائع.
والإحالة في الصورتين على ثمن السلعة.
ثم إذا تبين أن البيع باطل للأسباب السابقة فلا حوالة.
وهذا الحكم صحيح. - ثم قال - رحمه الله -:
- وإذا فسخ البيع: لم تبطل.
إذا فسخ البيع: يعني: لخيار أو لعيب أو لتدليس فإن الحوالة لا تبطل بل تبقى صحيحة.
وظاهر كلام الشيخ المؤلف - رحمه الله - أن الحوالة إذا فسد البيع صحيحة قبل القبض وبعد القبض.
والصواب أن في المسألة تفصيلاً.
في الصورة الأولى أن يحيل ......... ((أقيمت الصلاة ... انتهى الدرس)).
الدرس: (26) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في الدرس السابق في الكلام عن الحوالة إذا أحال البائع المشتري وتبين أن البيع باطل ورأي الحنابلة في هذه المسألة وكنا توقفنا على المسألة الأخرى وهي: إذا تبين أن البيع فاسد وليس بباطل والحنابلة يفرقون بين أن يتبين أن البيع باطل أو يتبين أنه فسخ بالفساد.
فيما يتعلق بالبطلان: تقدم معنا.
- يقول المؤلف - رحمه الله -:
- وإذا فسخ البيع: لم تبطل.
يعني: وإذا فسخ البيع بسبب من الأسباب الموجبة للفسخ: كالعيب أو الخيار أو أي سبب يوجب الفسخ وأشهرها العيب والخيار.
فإذا فسخ البائع والمشتري العقد وقد أحال المشتري البائع بالثمن فإنه عند الحنابلة: تصح الحوالة مطلقاً.
ومعنى: (مطلقاً) أي: قبل وبعد القبض.
وفي الحقيقة المسألة فيها تفصيل.
وللمسألة صورتان:
- الصورة الأولى: أن يكون بعد القبض.
صورة المسألة: أن يحيل المشتري البائع بالثمن على طرف ثالث ويقبض البائع الثمن من المحال عليه.
فيتم القبض ففي هذه الصورة: الحوالة صحيحة قولاً واحداً عند الحنابلة بلا خلاف لأن القبض تم وصح.
وإذا صح القبض وتم ترتبت عليه آثاره. - الصورة الثانية: أن يكون ذلك أي: الفسخ قبل القبض.
مثل/ أن يحيل البائع أم أن يحيل المشتري البائع بالثمن وقبل أن يقبض البائع من المحال إليه الثمن: انفسخ العقد بعيب أو بخيار أو لأس سبب من أيباب الفسخ.
فالحنابلة يصححون الحوالة حتى قبل القبض.
فالحكم عند الحنابلة قبل وبعد واحد.
ويستدل الحنابلة على هذا: أي تصحيح الحوالة ولو قبل القبض: - بأن هذه الحوالة: حوالة صحيحة استوفت الشروط فصحت ولزمت وانتقل الحق تماماً من ذمة المشتري إلى ذمة المحال عليه.
وصار المشتري بريء الذمة والمسألة بين البائع والمحال عليه.
= القول الثاني: أن الحوالة قبل القبض لا تصح.
وعلى هذا لا يبرأ المحيل وهو المشتري.
ويخرج البائع لا دائناً ولا مديناً لأن العقد انفسخ ورجع الثمن.
ويرجع المشتري يطالب المحال عليه كما كان قبل العقد.
وإلى هذا ذهب عدد من المحققين من الحنابلة وهذا القول هو الصحيح: أنه قبل القبض لا تصح الحوالة لأنا تبينا أن لا ثمن ولا عقد.
وإذا كانت العلة في بطلال الحوالة في مسألة بطلان البيع أنه تبينا أن لا ثمن على المشتري كذلك هنا تبينا أن لا ثمن وإن اختلف السبب إلا أن النتيجة واحدة وهي أنه لا ثمن.
فتلخص معنا الآن: أن الحوالة تصح في صورة واحدة وهي ما إذا قبض الثمن. - يقول - رحمه الله -:
- ولهما أن يحيلا.
يعني: وللمحال أن يرجع فيحيل مرة أخرى لتبرأ ذمته.
فإذا أحال المشتري البائع ثم تبينا البطلان فللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه.
يعني: يرجع الوضع كما كان.
وهذا التقرير من الحنابلة يدل على رجحان القول بأنه إذا انفسخ البيع فلا حوالة وإلا ما معنى أن نصحح الحوالة ثم نقول: يرجع كل ما كان على وضعه الأول بأن يحيل من أحيل عليه مرة أخرى.
إذاً صارت النتيجة واحدة سيقوم البائع بإحالة المشتري على من أحاله المشتري عليه.
إذاً النتيجة واحدة.
وهذا يدل كما قلت - إن شاء الله - على رجحان بطلان الحوالة فيما إذا لم يقبض الثمن.
وبهذا انتهى باب الحوالة وننتقل إن شاء الله إلى
باب الصلح
. باب الصلح
-
قال - رحمه الله -:
-
باب الصلح.
الصلح في لغة العرب: اسم بمعنى المصالحة.
ويقصد بالمصالحة ضد المنازعة والمخاصمة.
وقيل أنه رفع المنازعة.
والاختلاف لفظي.
وأما في الاصطلاح: فإن الصلح: عقد يرفع المنازعة برضا الطرفين.
والصلح: مشروع بالكتاب والسنة. -
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير.﴾ [النساء/128] والشاهد قوله تعالى: (والصلح خير).
-
وأما من السنة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الصلح جائز بين المسلمين).
-
وأيضاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب من غرماء جابر - رضي الله عنه - أن يضعوا عنه من الدين صلحاً.
والصلح عند فقهاء المسلمين له أنواع: -
صلح بين الأزواج.
-
وصلح بين الكفار والمسلمين.
-
وصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
وهذه الأنواع كلها لا تقصد بهذا الباب فلكل منها باب مستقل وسيأتي.
إنما الذي يقصد هنا: الصلح في الأموال: فهو باب معقود خاصة للصلح في الأموال.
والصلح: أي على أموال: إلى قسمين: -
صلح على إنكار.
-
وصلح على إقرار.
وبدء المؤلف - رحمه الله - بالقسم الأول: وهو الصلح على إقرار وأخر الكلام عن الصلح على إنكار. -
فقال - رحمه الله -:
-
إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه.
قوله - رحمه الله -: (إذا أقر له بدين) كما قلت لك بدء بالصلح على إقرار.
والصلح على إقرار: أيضاً هو ينقسم على قسمين: -
القسم الأول: الصلح على غير الجنس.
يعني: على غير جنس الحق. -
والقسم الثاني: صلح على جنس الحق.
نبدأ بالقسم الأول: لأنه أقل القسمين أحكاماً وهو واضح.
ـ القسم الأول هو: الصلح على غير جنس الحق.
وصورته/ أن يدعي زيد على عمرو سيارة فيقر له عمرو بها ويصالحه عنها ببيت.
فجنس الحق المدعى به الآن هو: السيارة.
وصالحه على غير جنسها وهو: البيت.
وهذا القسم صحيح بالاتفاق وهو بيع يلزم له ليصح جميع شروط البيع.
والدليل على هذا:
-
أن صورة المسألة الحقيقية مبادلة عين بعين.
أو معاوضة عين بعين وهذه حقيقة البيع.
ـ القسم الثاني: المصالحة على جنس العين المدعى به وهو الذي ذكره المؤلف: -
فيقول - رحمه الله -:
-
إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه.
(إذا أقر له بدين) يعني: إذا أقر له بدين معلوم.
فأسقط حقه: صح.
وسيأتينا دليل الصحة.
وحقيقة الإسقاط في الدين: إبراء.
هو عقد إبراء.
فالصلح هنا: حقيقته الإبراء.
الثاني: (أو عين) يعني: إذا أقر له بعين وصالحه على بعضها.
كأن يقول: أقر لك بخمسين صاعاً من القمح ويصطلحا على أن للمقر ربعها.
فهذا أيضاً كما سياتينا صحيح.
وحقيقة هذا العقد: أنه عقد هبة.
ومعنى أنه عقد هبة: أنه تشترط فيه شرط الهبة التي ستأتينا في باب الهبة والعطايا.
إذاً حقيقة العقد الأول أنه: إبراء.
وحقيقة العقد الثاني أنه: هبة. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي: صح.
يعني: صح هذا العقد.
والدليل على صحة هذا العقد من النص ومن المعقول: -
أما من النص: فحديث جابر - رضي الله عنه - فإنه ثبت في الصحيح: ان جابر - رضي الله عنه - اشتكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الدين الذي عليه وكان تمراً فطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من غرمائه أن يضعوا عنه فأبوا.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجابر: اجعل كل تمر عندك على حدة: أي كل نوع منه على حدة فجعل جابر - رضي الله عنه - العجوة على حدة وعذق زيد على حدة فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعلى التمر ثم قال يا جابر: كل للقوم فصار جابر - رحمه الله - يكيل للناس ويقضي الناس كلهم فلما قضى الناس جميعاً نظر فإذا التمر لم ينقص شيئاً.
- اللهم صل وسلم على نبينا محمد.
فهذا الحديث عظيم وفيه فوائد كثيرة:
-
منها: أنه لا حرج على الرجل الشريف كبير القدر أن يدخل في صلح مالي.
فهذا لا حرج فيه ولا غضاضة ولا يقال: لا ينبغي لمثله الدخول في العقود المالية فهذا جابر - رضي الله عنه - دخل. -
ومنها: أنه لا حرج على الرجل الشريف أن يتولى بعض أمور أصحابه.
فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يقسم التمر وكيف يكيل للناس وجلس أثناء قضاء الناس حوائجهم. -
ومنها: - وهو أيضاً مفيد ومهم - أنه لا حرج على المطلوب إذا رفض ولو كان الطالب كبير القدر لأن الحقوق المالية أساسها يرجع إلى الرضا.
فلا حرج على الإنسان أن يرفض إذا لم ير أن هذا مناسباً له.
ولهذا ليس في الحديث مطلقاً أي إشارة إلى لوم هؤلاء الذين كانوا يطلبون جابر لما أبوا أن يجيبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا لا ينفي أن يكون أنه من المروءة وحسن الخلق إجابة الرجل الذي له قدر في الإسلام لكن لو لم يجب فلا حرج ولا لوم على من رد طلبه فهذا هو الدليل من النص. -
وأما الدليل من المعقول:
-
فهو أن حقيقة هذا الصلح: إما أن يكون إبراء أو هبة وللإنسان أن يهب أو أن يبرئ ما شاء من ماله ما دام جائز التصرف.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
صح إن لم يكن شرطاه، ولا يصح ممن لا يصح تبرعه.
لما ذكر المؤلف - رحمه الله - هذا الحكم ذكر شروط هذا الحكم وذكر شرطين: -
الشرط الأول: أن لا يكون هذا الصلح على سبيل الاشتراط.
وتلاحظ أن عبارة المؤلف - رحمه الله -: (شرطاه) وأطلق.
فهو يتناول المُقِرْ والمُقَرّ له. -
فالمُقَرّ له: شرطه أن يقول: وهبتك نصف ما لي على أن تقر لي به.
فإذا وقع العقد بهذا الشرط: فالصلح باطل.
- لأن المقر له صالح عن ماله ببعضه ففيه هضم لحقه. -
النوع الثاني: أن يكون المشترط: المُقِر.
كأن يقول: لا أقر لك حتى تعطيني نصفه.
فهذا الصلح بهذا الشرط أيضاً باطل.
وهو أقبح من الأول: لأنه من أكل أموال الناي بالباطل.
إذ يجب عليه أن يقر بلا عوض. -
الشرط الثاني: الذي ذكره المؤلف.
هو: أن يكون الإقرار ممن يصح تبرعه.
-
لأن حقيقة هذا النوع: تبرع.
والتبرع لا يكون إلا ممن يجوز تبرعه.
فلا يجوز لولي اليتيم أن يصالح هذا الصلح ولا لولي الوقف ولا للمضارب المؤتمن ولا لكل من لا يجوز له أن يتبرع.
واستثنى الفقهاء من هذا الحكم: استثناء لطيف مفيد وهو: أن يدور الأمر بين أن يصالح ويكسب البعض أو أن لا يصالح ويخسر الكل.
فإذا دار الأمر بين أن يخسر الكل بلا صلحأو يكسب البعض مع الصلح جاز له أن يصالح لأن حقيقة هذا الصلح من حظ المصالح عنه.
وهو مثلاً: اليتيم أو الوقف حسب صور من لا يجوز له أن يتبرع.
أما ما عدا هذه الصورة المستثناة فإنه لا يجوز له أن يصالح على هذا الوجه.
إذاً يقول المؤلف - رحمه الله -: (إذا لم يكن شرطاً .... إلى آخره: بقي الشرط الثالث لم يذكره المؤلف - رحمه الله - وهو: (أن هذا الصلح: أن لا يكون بلفظ الصلح.
السبب: أن هذا فيه أيضاً هضم للمقر له لأنه صالح عن ماله ببعضه.
فالتعليل هو نفس التعليل السابق.
إذاً: تعليل اشتراط هذا الشرط هو كتعليل اشتراط أن لا يشترط المقر له نصف ما عليه - السابق.
= والقول الثاني: أنه يصح بلفظ الصلح وبأي لفظ بشرط أن يكون المعنى المراد معلوماً.
ومعنى المراد هنا: إما هبة أو إبراء.
فإذا عرف المقصود صح العقد بلفظ الصلح أو بأي لفظ كان.
لأنه تقدم معنا أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني فاللفظ ليس هو الذي تنبني عليه الأحكام وإنما المعاني. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط فقط.
وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط دون الوضع / فإذا كان زيد يطلب عمرو مائة ألف فوضع بعضه وأجل باقيه فقال: أبرأتك من خمسين وأجلت لك خمسين.
صح الإسقاط دون التأجيل.
أما الإسقاط فهو يصح: لأنه إبراء.
وللمكلف الرشيد البالغ العاقل أن يبرأ من شاء لأن هذا من التصرفات المالية التي يؤذن بها لمن جاز تصرفه.
وأما التأجيل فلأن قاعدة المذهب كما تقدم معنا في كتاب القرض أن الحال لا يؤجل.
أي شيء حال فإنه لا يمكن أن يتأجل بالشرط والعقد.
فهذه المسألة مبنية تماماً على المسألة السابقة التي هي تأجيل القرض.
وأخذنا الخلاف هناك في هذه المسألة وأن الأقرب إن شاء الله أن المؤجل إذا أشترط تأجيله صح ولزم.
إذاً: عرفنا الآن أن:
= القول الثاني: صحة الإسقاط والتأجيل.
- لما تقدم من الخلاف في تأجيل القرض.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً ... لم يصح.
هذه المسألة هي المسألة التي تسمى مسألة:""ضع وتعجل"".
وهي مسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة.
حكم المسألة/ اتفق الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء على أن:""ضع وتعجل"" لا تجوز.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة: - الدليل الأول: أن هذا مروي عن عمر وابنه - رضي الله عنهما -. وهذا في الحقيقة محل الإشكال - كما سيأتينا.
- الدليل الثاني: أن حقيقة العقد معاوضة عن الأجل - عن التأجيل أو التعجيل.
والتأجيل والتعجيل لا يباع ويشترى. - الدليل الثالث: أن هذا الوضع مقابل الأجل وهو حقيقة الربا.
هذه أدلة الجماهير.
وكما قلت: مراراً: هذه المسألة لاشك ولا ريب أنها محل تورع واحتياط وأنه إذا لم يتورع من أراد أن يتورع في المعاملات المالية في مثل:""ضع وتعجل"" فأين سيتورع؟ كيف وعامة فقهاء المسلمين على هذا القول وروي عن أكثر من صحابي.
ففي الحقيقة هي محل تورع وشبهة.
لكن من حيث الأدلة نستطيع أن نقول أن القول الثاني: أرجح.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو بالعكس.
يقصد بقوله: (أو بالعكس) المسألة السابقة: إذا صالحه عن الحال ببعضه مؤجلاً تماماً.
تقدم معنا هذه الصورة وأن الحنابلة يقولون: يصح الإسقاط دون التأجيل.
وأن الصواب صحة الإسقاط والتأجيل.
وهو في الحقيقة: محض تعاون من الدائن مع المدين: لأنه أرفقه في شيئين: - التأجيل.
- والإسقاط.
فهو في الحقيقة: إرفاق منه لا يمنع. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه.
صورة المسألة / أن يقول: لا أقر لك بهذا البيت إلا إذا أبحتني الانتفاع به سنة.
فالصلح باطل.
فإن أسكنه البيت فهو تبرع محض له أن يخرجه متى شاء.
= والقول الثاني: أنه لا فرق بين هذه المسألة وبين الإبراء والهبة في المسألة الأولى.
إذا أقر له بدين أو عين صححنا الإبراء والهبة كذلك هنا نصحح هذا الصلح ونشترط فيه ما اشترطنا في الصورة الأولى.: أن لا يكون بشرط من المقر ولا من المقر له وأن يكون من جائز التصرف.
فالأقرب صحة هذه المسألة ولا فرق بين أن يكون الصلح على عقار أو دار وبين أن يكون على عين تقسم أو على دين في الذمة لا فرق أبداً بين الصورتين ففي كل منهما إبراء أو هبة. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو يبني له فوقه غرفة.
يعني: يقول: لا أقر لك بالبيت إلا إذا بنيت لي فوقه غرفة.
ففي المسألة الأولى اشترط منفعة وفي المسألة الثانية اشترط ملك عين وهي الغرفة.
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة اماماً من حيث قول الحنابلة والقول الثاني وأيضاً من حيث الراجح. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو صالح مكلفاً ليقر له بالعبودية.
يعني: رجل صالح رجلاً آخر على أن يقر له بالعبودية: فقال: أعطيك مائة ألف صلحاً وتقر بأنك عبداً لي.
فهذا الصلح باطل.
لأمرين:
-
الأمر الأول: أنه لا يجوز للإنسان أن يرق نفسه.
وليس هذا باختياره.
بل الحر حر شرعاً والعبد عبد شرعاً. -
الثاني: أن هذا محرم على المقر له.
لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض: لم يصح.
(أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض: لم يصح.) أي: هذا الصلح.
- لم يصح هذا الصلح: أيضاً لأمرين: -
الأمر الأول: أنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها مقابل عوض مالي بل المرأة لا تحل للرجل إلا بعقد شرعي لا بعوض مالي.
-
الثاني: لأن المقر له لا يجوز له أن يطلب فرجاً محرماً.
فهذا الصلح لا يصح وهو باطل. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وإن بذلاهما له صلحاً عن دعواه: صح.
أي: بذل كل من العبد والمرأة العوضين له أي: للمقر له صلحاً: جاز.
جاز: من جهة المقر له.
ومن جهة: المقر.
أما من جهة المقر: وهو العبد - إذا افترضنا أن المقر الآن هو ليصالح - أما من جهة المقر وهو العبد والزوجة فلأنهما يدفعان الخصومة عن أنفسهما.
وهذا مطلب شرعي صحيح.
وأما من جهة المقر له: فلأنه لا يخرج عن أن يكون معاوضة عما يعتقد أنه ملك له.
فهذه العبارة من المؤلف - رحمه الله -: نحمل على ما إذا اعتقد المقر له أن هذا الرجل فعلاً عبد من عبيده وأن هذه المرأة فعلاً زوجة.
فيكون ما يأخذه عن العبد عوض وما يأخذه عن الزوجة خلع.
ويجوز للرجل أن يعاوض عن ماله أو أن يخالع زوجته.
إذاً: يصح أن يبذله له - يصح العقد وما يأخذه كل منهما فهو جائز.
فإن كان المقر له يعلم أنه كاذب وأن الرجل ليس بعبد له وأن المرأة ليست بزوجة له فما يأخذه محرم وهو من أكل المال بالباطل وما يدفعه العبد والمرأة صحيح لأنهما أرادا تخليص أنفسهما. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وإن قال: ((أَقِرْ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيْكَ مِنْهُ كَذَا)) ففعل: صح الإقرار لا الصلح "
-
أما الإقرار فيصح: لأنه أقر بحقه عليه: فإقراره واجب عليه.
-
وأما الصلح فهو باطل: لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ عوضاً على أمر واجب عليه.
ونحن فررنا أن إقراره بهذا الحق واجب فكيف يأخذ على واجب مالاً.
إذاً: لا يجوز للإ؟ نسان أن يقول: أقر لي بديني وأعطيك منه كذا: لا يجوز هذا.
وبهذا انتهى القسم الأول وهو: الصلح على إقرار.
وانتقل المؤلف - رحمه الله - إلى القسم الثاني: الصلح على إنكار.
فصل
[القسم الثاني: الصلح على إنكار]
- فقال - رحمه الله -:
- (فصل) ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله، ثم صالح بمال: صح.
يقول - رحمه الله -: ((فصل) ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر) يعني: ثم صالح عليه صح الصلح.
وهذا كما قلن الصلح على إنكار.
ونزلزا الساكت منزلة المنكر: لأنه لم يقر والإنسان إما أن يقر أو أن ينكر.
فهو لم يقر فهو منكر.
وهذا الصلح: أي: على إنكار: جائز عند جماهير أهل العلم.
الإمام أحمد والإمام مالك والإمام أبو حنيفة كلهم يصححونه وجمهور السلف.
واستدلوا على تصحيح هذا الصلح: - بعموم قول النبي ثم قال - رحمه الله -:: (الصلج جائز بين المسلمين).
فهو عام يتناول الصلح على إقرار ويتناول الصلح على إنكار. - وكذلك: عموم الآية وهي: قوله: (والصلح خير).
يعني بكل أنواعه.
= والقول الثاني: وهو مذهب الإمام الشافعي: أن الصلح على إنكار لا يصح.
واستدل على هذا: - بأنه كيف يصالح على أمر لم يثبت له.
فهو كما لو باع شيئاً لا يملكه.
لأنا نفترض أن المقر عليه: أنكر.
إذاً: لم يثبت الحق إلى الآن للمدعي فكيف يصالح على أمر لم يثبت له يقول الإمام الشافعي.
هذا من أكل أموال الناس بالباطل.
والجواب على هذا الدليل القوي: أن المدعي يصالح عن أمر يعتقد أنه ملكاً له.
هو لم يثبت قضاء لكنه هو يعتقد أنه من أملاكه.
فصالح عليه بناء على هذا الأصل.
وأن المدعى عليه فإنه يصالح لدفع الخصومة عن نفسه والشرع لا يمنع الإنسان عن أن يدفع الخصومة والوضاعة عن نفسه.
فإن من الناس من يحب أن يفتدي ذهابه إلى المجكمة أو اليمين بحضرة القاضي أو في حضرة المحكم بكب ما يملك لا يحب أن يدخل باليمين: إما لأنه لا يحب أن يخاطر بدينه كما فعل ابن عمر - رضي الله عنه - فإنه امتنع عن اليمين مع علمه بصدق نفسه تورعاً.
أو لأنه لا يريد أنه من أشراف الناس أن يبذل اليمين أو يدخل مجلس القاضي وهذه الأمور يقرها الشارع فلا حرج للإنسان أن يمتنع عن مثل هذا.
إذاً: تبين أن المدعي والمدعى عليه لهم علل صحيحة في إجراء الصلح ولو كان على إنكار.
إذاً فالراجح إن شاء الله مذهب الجماهير.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله.
يعني: وهو يجهل الدين الذي أنكره أو الدين الذي سكت عنه.
إذا كان يجهل ثبوته: صح الصلح على إنكاره.
لأن الأصل براءة الذمة.
بين المؤلف - رحمه الله - الآن لنا الحكم فيما إذا كان يجهل الدين الذي أنكره أو الدين الذي سكت عنه: فما الحكم فيما لو علم أنه بريء ولا دين عليه؟ وبين المؤلف - رحمه الله - الحكم فيما لو كان يجهل.
فما الحكم لو كان يعلم أنه بريء؟ / زيد ادعى على عمرو.
وعمرو أنكر.
قلنا له: أنت الآن تنكر هذه الدعوى.
قال: نعم أنا أنكرها.
أنا أجهل أن زيد يطلبني شيء.
نقول: هذا الصلح صحيح.
لأنه يجهل.
والأصل براءة الذمة.
/ لو كان زيد يعلم أن عمرو لا يطلبه.
ما يجهل - يعلم: من باب أولى.
ولذلك لم يذكرها المؤلف - رحمه الله - أنه إذا كان في الجهل ففي العلم من باب أولى. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ثم صالح بمال: صح.
على الخلاف السابق بين الجماهير والشافعية. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وهو للمدعي: بيع.
يعني: والصلح على إنكار بالنسبة للمدعي بيع.
ومعنى أنه بيع: يشترط له جميع شروط البيع.
/ فإذا لدعى عمرة على زيد سيارة وأنكر زيد ثم تصالح على أن يعطيه عن السيارة عشرة آلاف صلحا.
فحقيقة هذا العقد أنه بيع يشترط له شروط البيع.
فإن كان صرقاً: اشترطنا له شروط الصرف.
فهو بيع من كل وجه.
وسيفرع المؤلف - رحمه الله - على هذا الحكم. -
قال - رحمه الله -:
-
يرد معيبه ويفسخ الصلح.
يعني: إذا صالحه على عين: وأخذها صلحاً عن العين التي ادعاها ثم تبين أن في الثمن عيباً فله الرد وله الفسخ وله القبول مع الأرش كما تقدم معنا في مسألة الرد بالعيب.
فإذا ادعى عليه السيارة وصالحه بخمسين صاع من البر فهذا العقد حكمه حكم البيع.
والثمن في المثال هو: الخمسين صاعاً.
فإذا تبين أن في الخمسين صاعاً عيب فيه تسويس في خراب خفيف الوزن.
أي عيب من عيوب القمح.
فللمدعي الآن أن يرد بالعيب ويفسخ وله أن يقبل ويأخذ الأرش.
لماذا؟ لأنه من عقود البيع.
ويستثنى من هذا: صورة مهمة ولطيفة جداً من الحنابلة - من الحنابلة وغيرهم من الفقهاء:
/ وهي أنه إذا وقع الصلح على بعض العين المدعاة فلا خيار عيب له ولا فسخ.
لماذا؟
-
الصورة/ إذا صالحة على بعض اعين المدعاة - في المثال السابق - أخذ عن السيارة قمح - فإن صالحه على بعض العين المدعاة فقال: أنا أدعي عليك: خمسين صاعاً من القمح فصالحه على نصفها وأخذها فلما وصل إلى البيت وجد أنه معيب.
فهنا ليس له الرد بالعيب.
لماذا؟ لأنه في هذه الصورة إنما أخذ ماله وهل يرد الإنسان ماله بالعيب.
لأنه هو يدعي أن هذا القمح ملكاً له.
فحينئذ نقول: إذا وجدته معيباً فليس لك الخيار. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ويؤخذ منه بشفعة.
وهذا أيضاً مبني على أن العقد من عقود البيع.
فإذا صالحه عن السيارة ببيت هذا البيت ملك للمدعى عليه ومعه شريك: فالآن هو صالحه على بعض البيت والبيت ملك للمدعى عليه ونصفه ملك لشخص ثالث.
فإذا وهبناه أو أعطيناه المدعي وشفَّع شريك المدعى عليه: صحت الشفعة.
لأنا نعتبر أن العقد عقد بيع.
وماذا يترتب على هذا؟ أن ننزع البيت من المدعي ونعطيه: المشفِّع.
وبذلك يكون موضوع الصلح انتهى فلابد من صلح جديد على عوض يتراضاه الطرفان.
إذاً: له أن يشفع: شريك المدعى عليه: له أن يشفع لأن هذا يعتبر عقد بيع وعقد البيع فيه التشفيع. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وللآخر: إبراء فلا رد ولا شفعة.
(وللآخر: إبراء) يعني: ويعتبر الصلح بالنسبة للآخر: إبراء.
وجه ذلك: أن غاية ما حصل أن بقيت السلعة التي يعتقد أنها ملكه في يده.
- أن السلعة التي بقيت معه تعتبر ملكه بقي في يده.
لماذا؟ لأن المدعى عليه ينكر أن تكون هذه السلعة للمدعي ويعتبرها له.
فإذاً العقد بالنسبة له عقد إبراء. -
يقول - رحمه الله -:
-
فلا رد.
/ صورة المسألة/ إذا ادعى زيد على عمرو أن هذه السيارة له/ المدعى عليه: عمرو.
فصالحه عمرو عن السيارة بمائة ألف.
لما ركب السيارة وجدها معيبة.
نقول: ليس لك الرد بالعيب.
لماذا؟ لأن هذه السيارة ملكك ولم تعاوض عنها عقد معاوضة للمدعي.
فهي ملكك بقيت في يدك.
فليس لك الرد. -
يقول - رحمه الله -:
-
ولا شفعة.
كذلك ليس في هذه العين شفعة لأنها ملكه بقيت في يده.
/ صورة المسألة/ أن يدعي زيد على عمرو نصف البيت الذي هو فيه.
ونصفه يكون لمن؟ لشخص آخر.
ثم يصالح عمرو زيد على البيت الذي هو فيه الآن ويعطيه ثمناً له خمسين ألفاً.
فهل لشريك زيد أن يُشَفِّع؟
((الآن: زيد يسكن في بيت له نصفه.
ادعى عمرو عليه أن هذا البيت ملكاً له - يعني لعمرو - صالحه زيد فقال: هذا البيت لي وأنا صأصالحك عنه بخمسين ألف ريال.
تم الصلح.
لما علم جار زيد أنه وقع صلح قال أنا سأشَفِّع وآخذ هذا البيت منك.) ( ..... ) لأنه بقي في ملكه.
والشفعة إنما تكون في أي عقد؟ في عقد البيع.
يعني: عند انتقال السلعة أو شقص العقار إلى شخص آخر.
هنا لا يوجد انتقال أنه يعتقد أن ملكه ما زال باقياً في يده.
وهذا قد يتوهم بعض الناس أن له الشفعة في مثل هذه الصورة.
والصواب: أن العقد عقد إبراء.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
وإن كذب أحدهما: لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام.
(وإن كذب أحدهما) سواء كان المدعي أو المدعى عليه فما أخذه محرم عليه.
((الأذان)) -
يقول - رحمه الله -:
-
وإن كذب أحدهما: لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام.
وهذا يشمل إذا كان الكاذب المدعي أو كان الكاذب المدعى عليه.
وإذا كان كاذباً فالعقد والصلح والتسليم والاستلام في الظاهر وفي معاملات الناس: صحيح ونافذ.
وأما في الباطن: فهو محرم على الكاذب.
وذلك لأن الكاذب أخذ مال غيره بغير حق.
وأكل مال الناس بالباطل محرم. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ولا يصح: بعوض عن حد سرقة وقذف.
يعني: معنى المسألة/ أنه لا يجوز أن يصالح إنسان سارقاً أو قاذفاً أوشارباً للخمر أو زانياً على أن لا يرفعه للسلطان بعوض معلوم متفق عليه.
هذا الصلح: باطل.
فإذا وجده سكراناً أو يزني أو سمعه يقذف وأراد أن يرفعه إلى السلطان.
فقال: اترك رفعي إلى السلطان وأعطيك كذا وكذا.
لا ترفعني إلى السلطان وأعطيك كذا وكذا.
فهذا الصلح باطل.
بل ومحرم.
لأمور: -
الأمر الأول: أن الرفع إلى السلطان ليس من الحقوق التي يأخذ الإنسان عنها عوضاً.
-
ثانياً: أن هذا من المصالحة على حقوق الله.
وموضوع الصلح هو ما يقع بين العباد في حقوقهم.
-
وثالثاً: لأن هذا الصلح لو صححناه لأصبح وسيلة لتعطيل الحدود.
وذكر بعض الفقهاء ضابطاً مريحاً لطالب العلم: وهو: ((أن الصلح إنما يجوز عن الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها فقط)).
مثال ذلك/ القصاص حق يجوز الاعتياض عنه: بأخذ الدية.
فيجوز أن تصالح عن القصاص بأخذ عوض كالدية أو أقل أو أكثر.
وممن ذهب إلى جواز أخذ أكثر من الدية بالذات في القصاص عدد من الصحابة منهم الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم -. القصاص من الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها.
مثال ثان/ بدل العين المتلفة.
أليست من الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها؟ بدل العين أو المبيع المعيب: فيجوز الاعتياض عنه.
كل هذه الأمور يجوز الصلح عنها أما حدود الله فهي ليست مما يجوز الاعتياض عنه فلا يجوز الصلح فيه. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ولا حق شفعة.
حق الشفعة: وحق الخيار: لا يجوز الاعتياض عنه. -
أما حق الشفعة فهو موضوع.
يعني: فالمنع منه: لأنه موضوع لدفع الضرر بالشراكة.
فإذا رضي بالصلح تبين أنه لا ضرر عليه فسقط حقه.
((أما الشفعة فلأنها موضوعة لدفع الضرر الحاصل بالاشتراك فإذا رضي الشريك بالصلح تبين أن لا ضرر عليه فسقط حقه)).
وإذا سقط حقه وبطل العوض لا يرجع للشفعة.
= والقول الثاني: أن المصالحة عن حق الشفعة صحيح لأن حق الشفعة من الحقوق المالية.
يعني: من الحقوق التي تؤول للمال فيصح أخذ العوض عنها.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
الدرس: (27) من البيع
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- يقول المؤلف - رحمه الله -:
- ولا حق شفعة.
تقدم معنا الكلام عن الشفعة والخيار وذكر الخلاف في الشفعة والخيار.
إذاً: قوله: (ولا حق شفعة ولا خيار) ذكرنا الخلاف والراجح جواز الحق في الشفعة: يعني: جواز الصلح بعوض عن حق الشفعة وحق الخيار. - ثم قال - رحمه الله -:
- وترك شهادة.
معنى قوله: (وترك شهادة).
يعني: ولا يصح أن يصالح على ترك شهادة سواء كانت الشهادة لإثبات حق من حقوق الله أو إثبات حق من حقوق العباد.
صورة المسألة/ أن يقول رجل لمن يشهد عليه: (لا تشهد علي بوجوب الزكاة ولك كذا وكذا).
هذا بالنسبة لحق الله.
وبالنسبة لحق العبادة أن يقول: (لا تشهد علي بثبات الدين ولك كذا وكذا).
فهذا الصلح على ترك الشهادة: محرم.
لأنه صلح يؤدي إلى محرم.
لأن كتم الشهادة التي توصل الحق إلى أصحابه: محرم.
فالصلح على محرم: محرم.
ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً).
- يقول - رحمه الله -:
- وتسقط الشفعة والحد.
أي: أن مذهب الحنابلة أنه مع إبطال الصلح على حق الشفعة إلا أنه مع ذلك يسقط حقه في الشفعة لأنه كما تقدم معنا لما صالح تبينا أنه لم يتضرر من المشاركة فسقط حقه في الشفعة.
وهذا مبني على ما تقدم من أن الحنابلة يرون أنه لا يصح الصلح على الشفعة.
= وعلى القول الثاني: الذي تقدم وهو صحة الصلح على الشفعة لا نحتاج إلى مسألة يسقط أو لا يسقط حقه من الشفعة لأنا نصحح الصلح أصلاً.
يقول: (ويسقط الحد).
يقصد بالحد هنا: حد القذف.
وفي الحقيقة لو صرح بهذا لكان هو الأحسن والأسلم إذ مقصود الحنابلة بسقوط الحد سقوط حد القذف فقط.
وسقوط حد القذف في هذه المسألة مبني على مسألة أخرى وهي: هل القذف من حقوق الله أو من حقوق الآدمي: أي: من حقوق المقذوف؟ فإن كان من حقوق الله لم يسقط ولو صالح عليه.
وإن كان من حقوق الآدمي: سقط إذا صالح عليه.
لأنا تبينا أنه رضي بالتنازل عن حقه في إقامة حد القذف على قاذفه.
والحق إليه، فلما أسقطه سقط.
إذاً: الحنابلة يسقطون الشفعة والحد مع إبطال الصلح.
إلا أن الصلح الذي تم صار علامة وقرينة على أن صاحب الشفعة وصاحب الحد تنازلوا عن حقوقهم.
و [ ..... ] بهذا انتهى الكلام عن الصلح وانتقل المؤلف - رحمه الله - ليتكلم عن أحكام الجوار بين الجارين بداية من قوله: (وإن حصل ... إلى آخره). - قال - رحمه الله -:
- وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره: أزاله.
عبر المؤلف - رحمه الله - بقوله: (إن حصل).
ليشمل ما إذا وجد الغصن بلا فعل من الجار بأن يمتد وينمو إلى أن يصل إلى هواء جاره أو بفعله بأن يوجه الأغصان إلى بيت الجار: فيشمل الجميع.
والغالب أن حصول الأغصان في بيت الجار يكون بغير فعل مالك الشجرة.
فالمؤلف - رحمه الله - يقول: إذا حصل ووجدت الأغصان في بيت الجار فإنه يجب على الجار أن يزيل هذا الضرر بإبعاد الغصن.
والدليل على هذا:
- أن الهواء بالنسبة للجار ملك له ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بملك غيره إلا بإذنه.
وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله -: أن الجار صاحب الشجرة لا يجب عليه إزالة الغصن إلا إذا طلب منه جاره ذلك فإن سكت فإنه لا يجب على الجار أن يزيل الغصن ولو تأذى جاره ولو رأى أنه متأذي.
إنما يجب في صورة واحدة ونهي: ما إذا طلب الجار منه ذلك.
والصحيح أن الإنسان إذا رأى أغصان شجرته آذت جاره فإنه يجب عليه وجوباً أن يزيل هذا الضرر ولو بلا طلب من الجار. - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى بالجار فكيف بالإضرار به.
- وثانياً: لأنه - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
والضرر منفي ويجب أن يرفع ولو بلا طلب من المتضرر.
فالأقرب والله اعلم أنه يجب عليه أن يبادر بإزالة الضرر إذا علم أن الأغصان تضر.
وإذا رأى أو ظن أن الأغصان وإن وجدت في بيت جاره فإنها لا تضره فإنه والحالة هذه لا يجب عليه أن يزيل الأغصان إلا بطلب الجار.
والمؤلف - رحمه الله - يقول: (في هواء غيره أو قراره) يعني: إذا امتدت الأغصان في الهواء فوصلت إلى هواء الجار أو دبت على الأرض ووصلت إلى أرض الجار ففي الصورتين يجب عليه وجوباً أن يزيل الضرر إذا طلبه جاره.
وعلى القول الثاني: يجب أن يبادر بإزالة الضرر متى علم بوجوده ولو بلا طلب من الجار.
إذاً: يستوي الأمر بين أن تكون الأغصان في الهواء أو يدب دبيباً على الأرض فالأمر واحد.
المهم أو قاعدة المسألة: أنه لا يجوز الانتفاع بملك الغير إلا بإذنه.
سواء كان الهواء أو الأرض. - ثم قال - رحمه الله -:
- فإن أبى: لواه إن أمكن، وإلاّ فله قطعه.
إن أبى: يعني: صاحب الأغصان.
لواه: يعني: صاحب الهواء.
وأرجعه إلى بيت صاحب الشجرة.
فإن لم يندفع قطعه.
وهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (إن أمكن وإلا فله قطعه).
حكم المسألة/ أنه إذا أبى الجار مالك الشجرة أن يزيل ضرر الأغصان فللجار مالك الهواء أن يزيل هذا الضرر لكن يجب عليه وجوباً أن يتدرج في إزالة الضرر.
فإن أمكن إزالة الضرر بمجرد اللي والإبعاد: فيجب أن يقتصر على ذلك.
فإن قطعه مع إمكان إزالته باللي: ضمنه.
وإن لم يمكن إزالته مطلقاً إلا بالقطع: فله أن يقطعه ولا ضمان عليه.
لأن حكم هذه المسألة كحكم دفع الصائل.
وهذه الشجرة كالصائل على ملك جاره.
وسيأتينا أن دفع اصائل يجب أن يتم بالتدريج: يبدأ بالأهون فالأهون.
عكس ما يفعله بعض الناس: التدريج عنده أن يبدأ بالأصعب وهذا لا يجوز وهو يضمن ولو تأذى إذا بدأ بالأعلى: ضمن.
ولاحظ عدالة الشرع إذ أن صاحب الشجرة أبى أن يزيلها ومع ذلك نلزم المتضرر أن يدفع الضرر بالتدريج مع ان المالك للأغصان أبى أن يزيل الضرر.
لكن مع ذلك يجب أن يزيله بالتدريج فإن تعدى مرحله قبل أخرى ضمن.
وظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أنه لا يجب على المالك بنفسه أن يزيل الضرر لأن المؤلف - رحمه الله - أسند إزالة الضرر إلى مالك الهواء.
وعلل الحنابلة ذلك: أي: عدم وجوب إزالة الأغصان على المالك:
- بأن هذا الامتداد والنمو حصل بغير فعله.
فلم يجب عليه إزالته.
بناء عليه: فللجار أن يقول لجاره: إن تأذيت بالأغصان فأنت تصرف بها إزالة أو قطعاً أو لياً أو ربطاً .. إلى آخره.
ولا يجب على المالك أن يزيل هو.
إذا تضررت فأزله أنت لأن نمو هذه الأشجار بغير إرادتي.
هذا هو مذهب الحنابلة فعلاً ولا يجب عليه هو أن يزيل ولا أن يحظر من يقلم الأشجار ولو تضرر الجار.
= والقول الثاني: انه يجب على المالك أن يزيل. - لأنه وإن كان بغير فعله إلا أنه نماء ملكه.
فوجب عليه هو أن يزيله.
ويترتب على هذا الخلاف نفقة الإزالة إذ قد تكون نفقة الإزالة مرتفعة فيما إذا كانت الأشجار كثيرة.
والراجح إن شاء الله: القول الثاني.
-
- مسألة/ تتعلق بهذا الحكم وهي: أنه يجوز أن يتصالح الجاران على ثمن لإبقاء الأغصان.
كأن يقول: ادفع لي كذا وكذا وأسمح بامتداد الأغصان.
وهو صلح جائز ولا حرج فيه.
- مسألة/ تتعلق بهذا الحكم وهي: أنه يجوز أن يتصالح الجاران على ثمن لإبقاء الأغصان.
وأشبه ما يكون بالإجارة.
كأنه اجره الهواء.
والهوار تبع للقرار كما تقدم معنا.
-
- مسألة/ ولهم أن يتصالحوا على الثمرة بجزء معلوم.
كأن يقول: دع الأغصان كما هي.
وما فيها من ثمرة: لك نصفه ولي نصفه.
فإن قيل: كيف يصح هذا الصلح والثمرة مجهولة: إذ قد تكون ثمرة هذا الجزء من الشجرة كثيرة وقد تكون قليلة وقد لا تنبت الشجرة.؟ فالجواب: أن هذا الصلح هو في الحقيقة من باب تبادل المنافع لا من باب البيع الذي يشترط فيه العوض والعلم ونفي الجهالة.
كأنه قال: لي هوائك ولك الثمرة.
فهو من باب تبادل المنافع لا أكثر.
فجازت فيه الجهالة.
- مسألة/ ولهم أن يتصالحوا على الثمرة بجزء معلوم.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى موضوع آخر:
- فقال - رحمه الله -:
- ويجوز في الدرب النافذ: فتح الأبواب للإستطراق.
الدرب النافذ هو: الدرب المفتوح الذي لا ينغلق على مجموعة معينة من الجيران.
هذا هو الدرب النافذ.
المؤلف - رحمه الله - يقول: (ويجوز في الدرب النافذ: فتح الأبواب للإستطراق) يجوز للإنسان إذا كان بيته على درب نافذ لا على درب مغلق أن يفتح ما شاء من الأبواب وأن يستطرق هذا الطريق.
يعني: يجعله طريقاً له في دخوله وخروجه.
والدليل على جواز هذا: - أن هذا الطريق ملك لجميع المسلمين وهو من جملة المسلمين فجاز له أن ينتفع ويرتفق به.
لأن الطريق المفتوح لا يعتبر ملك للبيوت التي عليه.
وإنما هو ملك لجميع المسلمين لأنه مفتوح.
فيمر من عند هذا الطريق من بيته على الطريق ومن بيته في مكان آخر.
بخلاف الطريق المغلق كما سيأتينا فإنه لا يمر به غالباً إلا أصحاب البيوت.
أليس كذلك؟! إذ يقل أو يندر أو لا يوجد أن يمر إنسان من طريق مسدود ليس له فيه بيت.
فإن قيل: ربما جاء للزيارة: فهذا نادر لا حكم له.
إذاً الخلاصة أن الطريق المفتوح للجميع يجوز للإنسان إذا كان بيته عليه أن يفتح باباً وأن يستطرق فيدخل ويخرج وينتفع بالطريق لأنه من جملة المسلمين الذين يملكون هذا الطريق.
ثم ذكر المؤلف - رحمه الله - مسألة أخرى تتعلق أيضاً بالطريق المفتوح. - فقال - رحمه الله -:
- لا إخراج روشن وساباط.
يعني: لا يجوز أن في الدرب المفتوح إخراج الروشن والساباط.
الروشن: هو الشرفة التي تبنى لها القواعد في أصل جدار البيت وتمتد إلى الخارج.
ويظهر لي أنها أشبه ما تكون في وقتنا الحاضر بالبلكونة.
وأما الساباط: فهو ما يشغل جميع الهواء ويتكيء على البيتين.
وهذا في القديم كثير جداً.
وفي الحديث: لا يوجد.
فما نرى الساباط الآن في البيوت المسلحة لكن لو دخلت أحد الأحيار القديمة فستجد الساباط وهو البناء الذي يمتد بين البيتين فإنه كثير جداً.
- بأنها تؤذي وتضر المارة ضرراً ظاهراً وتضيق الطريق.
فإن قيل: ما الفرق بين الدكة وبين اتخاذ الناس المجالس وقد أذنت السنة به بشروطه؟ ما الفرق بين أن يجلس الإنسان على حافة الطريق وبين أن يتخذ دكة؟ الجواب: الفرق بينهما: أن الدكة دائمة ومستقرة والجلوس عارض ويزول.
وفرق بين ما يدوم وما يزول.
وهذا القول الذي حكي الإجماع عليه: صحيح والدكة مؤذية بلا إشكال وتضيق الطريق وهي دائمة وضررها من حيث تضييق الطريق أمر ظاهر جداً ولعله لهذا أجمع عليه بخلاف الروشن والساباط فإنه لا يؤذي ولا يضيق الطريق فإن الإنسان يمر من تحته.
بل إن له بعض الأحيان منافع إذ قد يستظل الإنسان به من حر الشمس أو من نزول المطر. - ثم قال - رحمه الله -:
- وميزاب.
أي: ولا يجوز للإنسان أن يجعل الميزاب ممتداً إلى الطريق المفتوح النافذ.
والمنع من اتخاذ الميزاب من مفردات الحنابلة.
وكذلك الروشن والساباط من مفردات الحنابلة.
استدل الحنابلة على المنع من اتخاذ الميزاب بأدلة: - الدليل الأول: أنه يؤذي المارة بخروج الماء عليهم.
ويؤذي المارة بجعل الطريق طيناً. - واستدلوا على هذا أيضاً: بأنه انتفاع بملك غيره بلا إذنه.
فعلى هذا يجب على صاحب البيت أن يجعل مخرج المياه إلى الداخل لا إلى الخارج.
= والقول الثاني: أن اتخاذ الميزاب جائز ولا حرج فيه بل قال شيخ الإسلام: هو السنة.
أي: اتخاذه.
لوجوده في العهد النبوي.
واستدلوا على الجواز أيضاً: - أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مر على دار العباس وفيها ميزاب فقال العباس لعمر - رضي الله عنه - أتقلعه وقد وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر - رضي الله عنه - والله لا تضعه إلا على ظهري.
- رضي الله عنه وأرضاه - فصعد على ظهره ووضع الميزاب في مكانه.
فهذا دليل من وجهين: - الوجه الأول: أن الذي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. - الوجه الثاني: أنه معتاد في العصر النبوي.
وهذا الأثر لا يصح.
ولا أظن أن عمر بن اخطاب يجهل مثل هذه السنة وهي مشهورة.
الراجح: القول الثاني: وهو جواز وضع الميزاب.
ومما يدل على رجحان هذا القول أن وضع الماء إلى الداخل مؤذي جداً ويسبب الضرر على أهل البيت.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يفعل ذلك في ملك جار.
الإشارة بقوله - رحمه الله -: (ذلك) إلى وضع هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -: الساباط والروشن والميزاب والدكة.
فليس له أن يجعل هذه الأشياء في ملك جاره.
وهذا صحيح: لأن ملك اجار ملكاً خاصاً ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بالملك الخاص إلا بإذن صاحبه.
فلا يجوز أن يبني البلكونة خارجة عن حدود أرضه ولا أن يجعل الميزاب إلى جاره لأن هذه الأراضي أموال خاصة لا يجوز للنسان أن ينتفع منها بشيء إلا بإذن صاحبها.
وهذا الحكم ثابت ولو كان الجار لم يبني إلى الآن ولا يتضرر بسقوط الماء عليه لأن الإنسان حر في ملكه تضرر أو لم يتضرر.
فلا يجوز أن يفعل ذلك إلا بإذن جاره. - ثم قال - رحمه الله -:
- ودرب مشترك: بلا إذن المستحق.
انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى النوع الثاني من الطرق وهو الدرب المشترك.
ويمكن أن تقول: الدرب غير النافذ لأنه يلزم من كونه غير نافذ أن يكون مشتركاً بين البيوت التي عليه.
فهذا الدرب لا يجوز أيضاً أن يضع الإنسان فيه الروشن أو الساباط ولا الميزاب ولا أن يضع دكة بجوار بابه.
هذه أربعة أبنية لا تجوز عند الحنابلة لا في الدرب النافذ ولا في الدرب غير النافذ.
نحن الآن في الدرب غير النافذ.
لا يجوز وضع هذه الأشياء لأن الدرب النافذ ملك لأصحاب البيوت التي تطل عليه فقط غلا يجوز أن نفعل ذلك إلا بإذنهم فإذا أذنوا وهم أصحاب الحق: جاز وإلا فلا.
لأنه من الانتفاع في ملك الغير بغير إذنه.
= القول الثاني: الجواز.
واستدلوا أيضاً: - بأن لصاحب البيت أن ينتفع بالطريق استطراقاً وجلوساً فكذلك أن يبني هذه الأبنية.
ويشترط على هذا القول: أن لا تضر بأصحاب الطريق.
سواء كان هذا الضرر معهوداً أو غير معهود.
فلا يجوز إذا كانت هذه الأبنية تضر أن تبنى.
والخلاف في هذه المسألة قريب من الخلاف في المسألة السابقة إلا أن الجواز في مسألة الطريق النافذ أقوى من الجواز في مسألة الطريق غير النافذ.
لماذا؟ لأن أصحاب الطريق غير النافذ أخص من أصحاب الطريق النافذ.
- لأن أصحاب الطريق غير النافذ هم فقط أصحاب البيوت التي على الطريق.
وأما أصحاب الطريق النافذ فهو جميع المسلمين ومنهم صاحب هذا الروشن أو الساباط.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وليس له وضع خشبه على حائط جاره: إلاّ عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلاّ به.
أفاد المؤلف - رحمه الله - أنه يجوز للجار أن يضع خشبه على جدار جاره بشروط. - الشرط الأول: أن لا يكون في الوضع ضرر على الجدار.
وهذا الشرط محل إجماع. - الشرط الثاني: أن يكون بحال الضرورة لوضع خشبه على جدار جاره.
فإن لم يكن بحال ضرورة وإنما حاجة فقط فإنه لا يجوز.
ومثل المؤلف - رحمه الله - على الضرورة بأن لا يستطيع تسقيف الغرفة إلا بوضع الخشب على جدار الجار.
ومن المعلوم أن تسقيف الغرفة ضرورة لأنه لا يمكن للإنسان أن يعيش في غرفة مفتوحة الغما.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره).
والحديث نص في المسألة.
= القول الثاني: أنه لا يجوز مطلقاً أن يضع الإنسان خشبه على جدار جاره ملطقاً. - لأن جدار الجار ملك خاص لا يجوز الانتفاع به إلا بإذنه.
= القول الثالث: أنه يجوز وضع الخشب على جدار الجار ولو للحاجة بلا ضرورة.
فيكون الشرط عند أصحاب القول الثالث عدم الضرر فقط.
ما هو دليلهم؟ - الحديث السابق: وجه الاستدلال: الإطلاق.
فهو وجه الاستدلال فإن الحديث عام: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره) فلم يخصص بحال الضرورة أو حال الحاجة أو سوى ذلك.
فاشتراط الضرورة لا دليل عليه.
وإلى هذا القول: ذهب ابن عقيل من الحنابلة.
وهو في الحقيقة من وجهة نظري هو الراجح: لأن الحديث عام وتخصيصه بلا مخصص لا معنى له.
وما دمنا نشترط أن لا يكون هناك ضرر على الجار فبأي حق يمنع.
-
- مسألة/ على القول بأنه للجار أن يضع خشبه على جدار جاره - على هذا القول - له أن يضع ولو لم يأذن الجار ولو امتنع وعلى الحاكم أن يجبره.
-
- مسألة/ لو حكم حاكم - يعني: قاضي - بعدم جواز وضع الخشب على جدار الجار فللقاضي الآخر إذا عرضت عليه أن ينقض الحكم وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله - على ذلك.
والسبب أنه خالف بذلك حديثاً صريحاً صحيحاً.
وإذا خالف حكمه حديثاً صريحاً صحيحاً وجب نقضه.
- مسألة/ لو حكم حاكم - يعني: قاضي - بعدم جواز وضع الخشب على جدار الجار فللقاضي الآخر إذا عرضت عليه أن ينقض الحكم وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله - على ذلك.
ونحن لا نقول ينقض مباشرة لكن نقول إذا عرضت القضية على قاض آخر فله أن ينقض الحكم السابق لمخالفته لصريح السنة.
-
- مسألة/ على القول بجواز وضع الخشب على جدار الجار لا يلزم الجار بإنشاء جدار آخر في منزله لوضع الخشب عليه ولو أمكن.
إذاً تبين الآن أن الراجح هو: جواز وضع الخشب على الجدار إما في حال الضرورة الحاجة على حسب الخلاف.
كيف نجيب على دليل أصحاب القول الثاني: والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
تقدمت معنا قاعدة مفيدة في الترجيح: ((أن الدليل الخاص بالمسألة مقدم على الدليل العام ولو كان الدليل العام صحيحاً ومتوجهاً)).
لكن ما دام في المسألة دليل خاص فلا ننظر إلى الأدلة العامة.
- مسألة/ على القول بجواز وضع الخشب على جدار الجار لا يلزم الجار بإنشاء جدار آخر في منزله لوضع الخشب عليه ولو أمكن.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وكذلك المسجد وغيره.
يعني: والحكم في وضع الخشب على جدار المسجد كالحكم في وضعه على جدار الجار تماماً.
بالتفصيل السابق.
فيجوز أن يضع بالشروط التي ذكرها الحنابلة.
= وعن الإمام أحمد - رحمه الله - رواية ثانية أنه لا يجوز وضع الخشب على جدار المسجد وإن جاز وضعه على جدار الجار.
واستدل الإمام أحمد - رحمه الله - بأن الحديث نص على جدار الجار ولم يذكر جدار المسجد.
واختار هذه الرواية: من الحنابلة أبو بكر: وهو من كبار الحنابلة وله ترجمة ممتعة لو رجعتم إليها لكان مفيداً.
والراجح: القول الأول: وهو أن المسجد كغيره.
والمرجح لهذا القول: أن حقوق الله يدخل فيها المسامحة أكثر من حقوق العباد لكرمه وفضله.
فإذا جاز في جدار الآدمي ففي جدار الوقف من باب أولى. - ثم قال - رحمه الله -:
- وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره، فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه: أُجبر عليه.
ذكر المؤلف - رحمه الله - مسألتين: - المسألة الأولى: إذا انهدم الجدار الذي بني بين الجارين وهو ملك لهما.
يعني: ملك مشترك.
فإذا انهدم وطلب أحدهما من الآخر أن يشتركا في البناء والترميم وجب وجوباً على الآخر أن يجيب.
وهذه المسألة أيضاً من مفردات الحنابلة.
واستدلوا على هذا الحكم: - بأن ترك بناء الجدار يؤدي إلى الإضرار وهو ملك لهما فوجب عليهما أن يشتركا في بنائه.
= القول الثاني: أنا لا نجبر الجار على بناء الجدار.
واستدلوا بدليلين:
- الأول: أن الإنسان لا يلزم بتعمير ملكه.
فلا يلزم يتعمير ما ملكه مع غيره. - الثاني: أن الإنسان لا يلزم بالنفقة على غير المحترم.
ويقصدون بالمحترم: الذي له نفس.
يهلك إذا لم ينفق عليه.
وإذا لم يجب عليه فلا يجوز أن نلزمه بغير واجب.
وإلى هذا ذهب ابن قدامة.
فمال إلى أنه لا يلزم.
إذا لم يرد بناء جدار لايلزم.
أي القولين أرجح؟ في الحقيقة تتجاذب المسألة أدلة قوية لكن الراجح فيما يبدو لي: أنه لا يلزم إذا أبدى عذراً صحيحاً ويلزم بدون ذلك.
فإذا أبدى عذراً واضحاً لم نلزمه وإذا امتنع إضراراً ألزمناه.
وهذا القول وسط لا ضرر عليه إذا امتنع بسبب وجيه ولا نلزمه بعد ذلك وإذا اعتذر بعذر غير وجيه نلزمه.
وفي الغالب الذي يتولى تقدير عذر الممتنع هو: القاضي بلا شك.
ليخرج من الخلاف بين الأشخاص ويفصل القاضي بين الخصوم. - المسألة الثانية: إذا خيف ضرره.
إذا خيف ضرر الجدار بأن ينهدم وجب على كل منهما إقامة الجدار والنفقة عليه.
وهذا لا إشكال فيه.
لأن بقاء الجدار مع خوف الانهدام فيه ضرر ظاهر.
والهلاك بسقوط الجدار على الإنسان غالب.
فيجب وجوباً النفقة عليه إذا خيف ضرره.
فإذا انهدم رجعنا إلى المسألة السابقة. - ثم قال - رحمه الله -:
- وكذا النهر والدولاب والقناة.
يعني: والحكم نفسه إذا تهدم الدولاب أو القناة أو النهر وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يصلحها وجب على الجميع الاشتراك في الإصلاح.
والنهر: هو الماء الجاري الذي يشتط منه للمزارع أي من النهر الكبير.
فهذا النهر الصغير يسمى أيضاً نهراً.
والدولاب: هي آلة تستعمل في إخراج الماء إما عن طريق الإدارة بالحيوانات أو بالماء.
والقناة: حسب ما يقول الحنابلة: هي الآبار التي تحفر متقاربة يخرج الماء منها على سطح الأرض.
هكذا فسر الحنابلة القناة مع أن الذي يتبادر إلى الذهن من كلمة القناة أنها قناة ممتدة لتوصيل الماء.
لكن هم يرون أنها الآبار.
فهذه الأشياء إذا انهدمت وتعطلت وجب على الشريكين الاشتراك في إصلاحها.
والقول بوجوب إصلاح مثل هذه الأشياء - الثلاثة الأخيرة - أوجه وأوجب من القول بوجوب إصلاح الجدار.
لأن هذه الأشياء إذا تعطلت مات الزرع.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
وأي ضرر أعظم من أن يترك الإنسان زرعه الذي تعب عليه طوال السنة بلا سقي فيموت ويخسر ما استدان في إقامته.
فيجب في الحقيقة.
والقول بالوجوب متوجه جداً في مثل هذه الأشياء.
نفس الشيء: اليوم لو اشترك الجاران بالمزرعة بحفر بئر ووضع الماكينة التي تخرج الماء فخربت فيجب وجوباً عند الحنابلة وهو القول الأقرب أن يشترك في إصلاحها وسقي الماء بها لأن تركها فيه ضرر ظاهر.
وبهذا انتهى باب الصلح وندخل إن شاء الله في
باب الحجر
.. ((الأذان)).
باب الحجر
- قال - رحمه الله -:
- باب الحجر.
الحجر في اللغة: المنع والتضييق.
وغالب استخدامات الحجر عند الفقهاء في الحجر الحسي كما سيأتينا وهو المنع من البيع والشراء.
والعوام اليوم يستخدمون الحجر في الحجر المعنوي.
وفي الحقيقة لم يتبين لي هل لغة تستخدم في الحجر الحسي والمعنوي.
يعني: في المنع سواء كان منعاً حسياً أو معنوياً.
أو لا تستخدم إلا في الحسي.
لم يتبين لي من كتب اللغة ما يفيد هذا الأمر إنما العوام يستخدمونها اليوم.
فإذا حصل نقاش ومناظرة يستخدمون كلمة حجره.
يعني: منعه وضيق عليه.
فهي من جهة المعنى صحيحة لكن هل تستخدم أو لا.
وشرعاً: الحجر هو منع الإنسان من التصرف بماله.
وأصل المشروعية: قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء .. ﴾ [النساء/5].
وينقسم الحجر إلى قسمين: - لحظ النفس.
كالحجر على الصغير أو السفيه أو المجنون. - والحجر لحظ الغير.
كالحجر على المفلس أو على المريض إذا تبرع بأكثر من الثلث وهو لحظ الورثة.
نكتفي بهذا .. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...
الدرس: (28) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا أن الحجر له قسمان:
- محجور لحظ نفسه.
- ومحجور لحظ غيره.
فالمؤلف - رحمه الله - بدأ بالكلام عن المحجور لحظ غيره: لأنه الأكثر وقوعاً والحاجة إليه أكثر.
كما أن ضياع الأموال بالنسبة للمحجور عليه لحظ غيره أكثر منها بالنسبة للمحجور عليه لحظ نفسه.
وسيبين المؤلف - رحمه الله - أنواع المدين المحجور عليه لحظ نفسه.
وسيأتينا اقتصاراً حتى تتصور المسأة أنها ثلاثة أقسام.
وأن الذي يحجر عليه منها قسم واحد - سيأتينا: - فالقسم الأول: - إجمالاً -: هو الذي لا يستطيع أن يوفي الدين.
- القسم الثاني: هو الذي يستطيع أن يوفي الدين.
- القسم الثالث: هو الذي يستطيع أن يوفي بعض الدين.
فقسمة المدين هنا ثلاثية.
وسيأتينا الآن حكم كل واحد من هؤلاء الأقسام.
فالقسم الأول: - يقول المؤلف - رحمه الله -:
- ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه: لم يطالب به.
هذا هو القسم الأول: الذي لا يقدر على وفاء شيء من دينه وهو المسمى عند الفقهاء بالمعسر.
فهذا لا يملك ما يؤدي به أي شيء من الدين.
ولاحظ عبارة المؤلف - رحمه الله -: (على وفاء شيء من دينه) يعني: لا يستطيع أن يوفي أي شيء من دينه فهو معسر وحكمه في الشرع: أنه لا يطالب.
ولهذا قال المؤلف - رحمه الله -: (لم يطالب به).
إذاً المعسر لا يجوز أن نطالبه. - لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة/280] فأمر الله بإنظاره إلى أنى يتيسر له ما يسد به الدين.
وحكم مطالبته وهو معسر: محرم.
والطالب: آثم.
لأمرين: - أولاً: لأنه خالف الآية.
- وثانياً: لأنه آذى أخاه المسلم فإن هذا الشخص لا يستطيع أن يسدد فلا تزيده المطالبة إلا إحراجاً ومضرة.
ولا يجوز أن يحجر عليه: وهذا الذي يهمنا - ولهذا: - يقول المؤلف - رحمه الله -:
- وحرم حبسه.
فلا يطالب ولا يحبس ولا يحجر عليه.
وكل هذه المسائل مبنية على المسألة الأولى وهي: أنه لا يجوز أن يطالب.
فمن لا يجوز أن يطالب لا يجوز أن يحبس ولا يجوز تبعاً لهذا أن يحجر عليه.
لأن أول مراحل المعاملة مع المدين: الطلب.
فإذا لم يجز أن نطلب: سقط كل ما بعد الطلب من الحبس والحجر.
إذاً: المعسر لا يطالب ولا يحجر عليه ولا يحبس.
ومن وجهة نظري لو أن المؤلف - رحمه الله - صرح أنه لا يحجر عليه وإن كان مفهوماً من كلامه لكن لما كان الباب مخصص للحجر وهو لبيان حكم الحجر بالذات كان من امناسب أن يقول ولا يحجر عليه.
وهو أهم من الحبس في مثل هذا السياق لأنه إذا لم يحجر عليه فمن باب أولى: لم يحبس.
ثم انتقل إلى القسم الثاني:
- فقال - رحمه الله -:
- ومن ماله قدر دينه .. إذا كان عنده من المال ما يفي بالدين أو عنده ما يزيد عن الدين فهذا هو القسم الثاني وسيبين المؤلف - رحمه الله - الأحكام التي تترتب على مقدرة الإنسان على وفاء الدين.
- فيقول - رحمه الله -:
- لم يحجر عليه.
هنا صرح بالحكم: فقال: (لم يحجر عليه).
والدليل أنه لا يحجر عليه: - أنه لا حاجة للحجر لأنه يستطيع وفاء الدين بما عنده من مال.
- (أنه لا حاجة للحجر في مثل صورة هذا المدين لأنه يستطيع أن يوفي بما عنده من مال.
فلا يجوز أن نحجر عليه ولو بطلب الغرماء.
لكن سيبين المؤلف - رحمه الله - الأحكام التي تترتب على القدرة: - فيقول - رحمه الله -:
- وأمر بوفائه.
- المرحلة الأولى للمدين القادر على الإيفاء: ليس أن يؤمر بوفائه: المرحلة الأولى: أن يوفي هو وجوباً.
فإن لم يفعل فإنه آثم. - المرحلة الثانية: أن يأمره الحاكم بوفاء الدين.
فحينئذ يجب عليه هو أن يمتثل ويجب على الحاكم أن يأمره بالوفاء.
ودليل هذين الحكمين: يعني: أنه يجب أن يبادر بالوفاء وأنه يجب أن يأمره الحاكم إذا لم يفي: - قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مطل الغني ظلم).
والظلم محرم في جميع الشرائع السماوية وبالأخص في شريعتنا فهو من الأخلاق المحرمة بالإجماع.
المهم هذا هو الدليل على أنه يجب أن يفي ثم إذا لم يفعل فيجب على الحاكم أن يطلبه.
وأفاد الحديث أن مطل الغني محرم: لأنه ظلم.
بقينا في:
-
- مسألة/ وهي مهمة: متى يعتبر من يستطيع أداء الدين مماطل:
= عند الحنابلة: يعتبر مماطلاًَ إذا طولب بالدين ولم يسدد فحينئذ نعتبره مماطلاً.
فبمجرد ما يمتنع عن سداد الدين فنقول: أنت مماطل.
لأنك تستطيع ولم تفعل وهذا حقيقة المماطلة.
- مسألة/ وهي مهمة: متى يعتبر من يستطيع أداء الدين مماطل:
= عند الحنابلة: يعتبر مماطلاًَ إذا طولب بالدين ولم يسدد فحينئذ نعتبره مماطلاً.
ويحتمل أن نقول: أن المماطلة يرجع فيها إلى العرف: فالانتظار يوم أو يومين أو الانتظار إلى مجيء مبلغ مالي للمدين معين سياتي بعد فترة لا يعتبر من المماطلة.
لكن إذا طالت القضية وأعطى موعداً أكثر من مرة فمع أنه يستطيع أن يوفي في المرة الأولى فحينئذ نعتبره مماطل.
الذي يريد أن أقوله: أنه لا نعتبره مماطل من أول مرة كما هو رأي الحنابلة: أنه إذا طولب ولم يسدد فهو مماطل.
أقول أنه لو رجع في تحديد المماطل إلى العرف لكان أولى فإن الناس لا يعتبرون الإنسان مماطلاً بالرفض من أول مرة لا سيما إذا كان عنده سبب وجيه.
ثم انتقل إلى المرحلة الأخرى: إذا لم يفي.
- فقال - رحمه الله -:
- فإن أبى: حبس بطلب ربه.
إن أبى هذا المستطيع وفاء الدين فإنه يحبس.
لكنه لا يحبس إلا بطلب صاحب الدين لأنه من حقوق صاحب الدين وليس من الولايات العامة التي يفعلها الحاكم بلا طلب من صاحب الحق بل هو حق خاص إنما يحبس إذا طلب.
وحبس المدين إذا لم يوف ما عليه: مذهب الجماهير من السلف والخلف.
وأول من حبس على الدين شريح - رحمه الله - ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي يحبسون وإنما كانت الطريقة في العهد النبوي والقرون المفضلة أن يلازم الدائن المدين إلى أن يفي بما عليه ولم يكونوا يحبسون.
لكن من المعلوم أنه بعدما كثرت أقضية الناس وخف دينهم في وقت شريح وهو في وقت مبكر احتاج الحاكم أن يحبس وأصبح أداء الحقوق يكاد يتعذر عند المماطلين بدون الحبس.
فالحبس مشروع.
والدليل على مشروعيته مع عمل السلف الصالح به: - قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته).
فالعقوبة هي الحبس ونحوه.
وأما العرض: فهو أنه يجوز للدائن إذا ماطله المدين - يجوز له ولا حرج عليه أن يقول للمدين الواجد: يا ظالم يا باغي يا معتدي ولا حرج عليه.
لأن هذا الذي امتنع من أداء الدين أحل عرضه الدائن بمقتضى الشرع. - ثم قال - رحمه الله -:
- فإن أصر.
أي فغن أصر بعد الحبس فإنه يعزر إما بالضرب أو بالتشهير أو بما يراه الحاكم مناسباً لحال هذا المعتدي.
وظاهر ترتيب المؤلف - رحمه الله - أن الحاكم ينبغي أن يبدأ أول ما يبدأ بالحبس ثم بعد ذلك تتدرج العقوبات.
والصحيح أن للحاكم أن يبدأ بغير عقوبة الحبس: إذا رأى أن غير عقوبة الحبس كالتشهير أبلغ وأزجر لهذا المدين المماطل فيبدأ مباشرة بالتشهير.
وإن رأى أن الضرب أبلغ في حقه ضربه ولم يحبسه.
وإن رأى أن الحبس هو المفيد في مثل حاله.
وإن رأى أن يجمع عليه بين الحبس والضرب والتشهير وغيرها من العقوبات التعزيرية فله ذلك.
إذاً: ما هي القاعدة؟ القاعدة: ((أن يعزره بما يجعل هذا المدين يسدد ما عليه)) حسب ما يرى من مصلحة.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولم يبع ماله: باعه الحاكم وقضاه.
فإن لم تنفع تلك العقوبات فإنه يقوم الحاكم ببيع مال المدين وإيفاء الدائن حقه.
وتولي الحاكم بيع ما للمدين الغني: مذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة: - الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كثر الدين على معاذ حجر عليه وباع ماله.
- والدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب لما كثرت الدون على أحد الحجاج من الصحابة خطب في الناس وقال من كان له دين على فلان فليبكر غداً فإنا بائعوا متاعه.
وهذان الأثران المرفوع والموقوف ضعيفان لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن عمر - رضي الله عنه -. - الدليل الثالث: أن بيع المدين ماله ليوفي الدائن واجب عليه.
وتقدمت معنا قاعدة: (أنه إذا وجب على الإنسان واجب ولم يقم به قام به الحاكم)) تقدمتن معنا مراراً فهنا كذلك نقول: هذا واجب على المدين لم يقم به قام به الحاكم مكانه. - والدليل الرابع: لأن لا تضيع أموال الناس.
فإذاً إذا لم يمتثل المدين بعد هذه العقوبات التعزيرية قام الحاكم ببيع المال ووفاء الدين.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز للحاكم أن يبيع المال بل يجبر مالك السلعة على أن يبيعها هو ويسدد الدائن. - لأنه ليس للحاكم أن يتصرف في ملك غيره بغير إذنه.