كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
والقول الثاني: أنها فيها حكومة لعدم وجود الدليل الدال على هذا التقدير الدقيق.
وهذه المسألة ليست كالمسألة السابقة لأنه لم يروى عن عمر إلاّ في الزند فإثبات باقي العظام إنما هو من باب القياس لا من باب النص.
والقياس على أثر قد لا يكون فيه قوة التنصيص ولهذا الأقرب في العظام الأربع أنّ فيها حكومة.
قال - رحمه الله - (وما عدى ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة)
ما عدى هذه الجراح العشر والعظام المذكورة وهي أربع مع الأول ست ما عدى كسر هذه العظام والجروح فيها حكومة وهذا إجماع
فقد أجمع الفقهاء على أنّ ما عدى هذه الأمور فيها حكومة لعدم الدليل على تقدير شيء معيّن فيها.
قال - رحمه الله - (والحكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوّم وهي به قد
برئت فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية.
كأن قيمته عبدا سليما ستون وقيمته بالجناية خمسون ففيه سدس ديته الحكومة كما ذكر المؤلف فالحقيقة عبارته جيدة وموضحة أنّ نقوم المجني عليه كعبد وننظر النقص في قيمته قبل وبعد الجناية فبمقدار النقص نعطيه من الدية فإن نقصت نصف قيمته نعطيه نصف الدية.
وإن نقص الربع فالربع وهكذا.
هذه هي الحكومة فإذا كانت قيمته كما قال المؤلف عبدا سليما ستون وقيمته بالجناية خمسون ففيه السدس , وإذا كانت قيمته مائة قبل الجناية وبعدها خمسين فله نصف بالنسبة لا بالقدر.
وإذا كانت قيمته مائة قبل وبعد ثلاثون.
الثلث.
وهكذا وأمرها ظاهر لكن في الحقيقة نحن نحتاج الآن إلى أمر آخر حتى نقدر الحكومة وهو لم أر من تعرض إليه وهو أنه ما نملك كم قيمة العبد أليس كذلك.
فكيف سنحدد الحكومة لم أجدهم تطرقوا إليها وينبغي في الحقيقة على المعاصرين من الفقهاء بحث مثل هذه المسألة لأنه لا يمكن أن تقول كم قيمته ونقدره عبد لأنه لا نعرف كم قيمة العبد فتحتاج إلى تأمل وهي خطرت في بالي الآن فلعلي أتأمل فيها لا حقا ونرى طريقة للتقدير سوى أن ننظر إلى القيمة قبل وبعد بالنسبة للعبد.
قال - رحمه الله - (إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدر فلا يبلغ بها المقدر (
إذا كانت الحكومة له في محل له مقدر لا نبلغ بها المقدر.
فالسمحاق الآن فيها دية أو حكومة؟ حكومة لأنها من الخمس التي ليس فيها دية فإذا جاء إنسان وقدر السمحاق بخمس من الإبل الآن بلغت السمحاق دية الموضحة هو يقول أنه إذا بلغت دية إحدى الجراحات في جنسها فإنه لا تبلغ ولا يعطى بقدرها إذا ماذا نصنع؟ قال الفقهاء ينظر الحاكم وينقص منها بحسب رأيه ولا يوجد لهذا ضابط إنما نقول للحاكم نقصّ من هذا التقدير عن الموضحة بما ترى أنت أنه مناسب للجرح.
بهذا يكون انتهى الباب ونأخذ إن شاء الله باب العاقلة.
باب العاقلة وما تحمل
قال - رحمه الله - (عاقلة الإنسان عصابته)
العاقلة مأخوذة في اللغة من العقل والعقل هو الدية سمي بذلك لأنه جرى العرف أنّ أولياء القاتل عاقلته يأتون بالإبل ويعقلونها ويربطونها في فناء أولياء المقتول.
وبهذا سميت الدية وإن لم تكن من الإبل من العقل وسمي الذين يدفعونها بناء على هذا عاقلة.
هذا من جهة اللغة.
أما من جهة الشرع فبيّنها المؤلف
فقال - رحمه الله - (عاقلة الإنسان عصباته كلهم من النسب والولاء قريبهم وبعيدهم حاضرهم وغائبهم حتى عمودي النسب)
قوله قريبهم وبعيدهم يعني وإن لم يرث بعضهم.
ولم يبّن المؤلف كيف نقسم الدية على هؤلاء العاقلة وذكر الفقهاء أنها تقسم بحسب رأي الحاكم فيفرض على كل واحد من العاقلة القدر الذي يتناسب مع قربه وبعده ومع حاله المادية فهو أمر يرجع إلى الحاكم.
نأتي أخيرا إلى العاقلة وهو الموضوع المهم من هم العاقلة؟
الحنابلة وغيرهم يرون أنّ العاقلة هم العصبة ويستدلون على هذا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الهذليتين في آخر قال وقضى بالدية على عصبتها وهذا في الصحيحين.
القول الثاني: أنّ العاقلة هم العصبة سوى الأب والابن فليس على الأب والابن أن يدفعا من الدية شيئا.
القول الثالث: أنّ العاقلة هم العصبة كلهم إلاّ الابن فقط واستدل أصحاب هذا القول على قولهم بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حكم بالدية على العاقلة برء زوجها وابنها وهذا الحديث الذي فيه التنصيص على التبريء فيه ضعف.
واستدلوا بدليل ثاني.
وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ورّث ابنها يعني من الدية هذا اللفظ صحيح وهو في البخاري لكن دلالته ليست صريحة وإنما يستشف منها أنّ الابن ليس من العصبة ولا يلزمه أن يدفع لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ورّثه.
وهذا القول الثالث اختاره ابن القيم ونصره.
أنّ العاقلة هم جميع العصبة إلاّ الابن فقط.
والإنسان يتردد بين القول الأول وهو مذهب الجمهور والقول الأخير لأنّ دلالة لفظ البخاري ليس بصريح فالإنسان يتردد بينهما في الحقيقة وإن كان مذهب الحنابلة فيه قوة لتنصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - على العصبة لكن يبقى أنّ الإنسان يتردد في أي القولين أما استثناء الأب فقول ضعيف ودليل الذين استثنوا الأب القياس على الابن قالوا إذا كان الشارع برأ الابن من دفع الدية فالأب من باب أولى وهذا القول ضعيف لأنّ القياس في مثل هذه الأمور غير وارد والمقصود بالعصبة كما سيأتينا في كلام المؤلف أي الذكور.
الدرس: (4) من الديات
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في درس الأمس الكلام على من هم العاقلة في الشرع وذكرنا الخلاف على ثلاثة أقوال والراجح منها توقفنا على
قول المؤلف - رحمه الله - (ولا عقل على رقيق)
لما بيّن المؤلف أنّ العاقلة هم العصبات أراد أن يبّين من يخرج ولا يكون من العاقلة فقال (لا عقل على رقيق) الرقيق لا عقل عليه يعني لا يتحمل من الدية شيء لأنه لا يملك فهو أسوأ حالا من الفقير فإنّ الفقير لا يجد شيئا يدفعه وأما العبد فهو لا يملك أصلا المال الذي بيديه ولهذا فهو لا يكلف بدفع الدية وهذا لا إشكال فيه.
ثم - قال رحمه الله - (وغير مكلف)
كالصغير والمجنون لا يحمل من الدية والعقل شيء حكي إجماعا وعللوا هذا بأنّ العاقلة تحمل نظرا لكونهم من أهل النصرة والتأييد , والمجنون والصغير ليس من أهل النصرة فلا يدخل في تحمل العقل.
يقول - رحمه الله - (ولا فقير)
الفقير هو من لا يجد نصابا إذا حال الحول زائد عن نفقته الأصلية , والفقير لا يتحمل من العقل شيء عند الجماهير وحكي إجماعا واستدلوا على هذا بأمرين الأول" أنّ العاقلة يحملون من العقل لأمرين: التناصر وهو موجود في الفقير.
والثاني المواساة وهي مفقودة في الفقير لأنه كيف يواسي غيره وهو لا يجد ما يكفيه هو بنفسه.
هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: القياس على الزكاة فإنها لا تجب على الفقير الذي لا يملك نصابا كذلك لا تجب عليه الدية.
والقول الثاني: أنها تجب على الفقير للعمومات لكونه داخلا في العصبة ولأنه من أهل النصرة والتأييد وهي المعنى الذي من أجله شرعت الدية على العاقلة.
والراجح المذهب إن شاء الله.
قال - رحمه الله - (ولا أنثى)
المرأة لا تدخل في تحمل العقل بالإجماع لأنها ليست من أهل التناصر فلا علاقة لها بالدية.
ثم - قال رحمه الله - (ولا مخالف لدين الجاني)
إذا كان أحد من عصبات الجاني ليس على دينه فإنه لا يتحمل من العقل شيئا لأنّ المخالف في الدين ليس من أهل النصرة وإذا كان السبب في إيجابها على العاقلة هو التناصر فهذا السبب مفقود فيمن يختلف في الدين مع الجاني وهذا صحيح.
قال - رحمه الله - (ولا تحمل العاقلة: عمدا محضا)
لعلكم تذكرون أنه في بداية كتاب الديات نص المؤلف على أنّ الدية إنما هي في الخطأ وشبه العمد وأنها هي التي يتحملها العاقلة وأنّ القتل العمد في مال الجاني وهذا تقدم معنا ولعل المؤلف أراد أن يؤكد هذا المعنى.
ثم - قال رحمه الله - (ولا عبدا)
المقصود هنا أنّ الجاني إذا قتل عبدا من العبيد فديته وهي قيمته كاملة في مال الجاني ولا تتحمل العاقلة منها شيئا.
إذن إذا قتل الجاني عبدا فديته وديته تقدم معنا أنها قيمته في مال الجاني ولا تتحمل العاقلة شيئا واستدل أصحاب هذا القول وهم الجمهور بأثر عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال وهو صحيح إليه لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولأنّ قتل العبد هو من باب إتلاف الأموال والقاعدة في إتلاف الأموال وجوبها في مال المتلف.
والقول الثاني: أنها تجب على العاقلة كقتل غير العمد لأنه قتل يجب فيه القصاص وتجب فيه الكفارة فيقاس على قتل الحر.
والراجح الأول لاسيما وقد صح عن ابن عباس ولا يعلم له مخالف.
ثم - قال رحمه الله - (ولا صلحا)
قوله ولا صلحا يعني ولا تتحمل العاقلة الصلح.
وصورة ذلك.
ما إذا ادعي على شخص أنه قتل خطأ أو شبه عمد وأنكر ثم إنّ هذا المنكر صالح أهل الدعوة صالحهم على مال معيّن فإنّ هذا المال لا تحمله العاقلة.
واستدلوا بدليلين: الأول: الأثر السابق عن ابن عباس فيه أيضا ولا صلحا , لا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا.
الدليل الثاني: أنّ هذا المال وجب عليه برضاه فإذا رضي هو به فيكون في ماله ولا تتحمل العاقلة منه شيء وصحيح أنّ هذا برضاه لأنه لو شاء لا استمر في الإنكار ولم يلزمه دية لكن لما صالحهم صار برضاه.
ثم - قال رحمه الله - (ولا اعترافا)
يعني أنّ العاقلة لا تحمل الدية إذا اعترف الجاني بأنه قتل شخصا خطأ أو شبه عمد , والسبب في هذا من وجهين: الأول: أيضا أثر ابن عباس فيه.
ولا اعتراف.
وهو كما تقدم صحيح.
الثاني: أنه لو ألزمنا العاقلة بتحمل الاعترافات لصار هذا بابا لفتح المواطئة بأن يواطئ أناسا على الاعتراف بالقتل الخطأ ثم يحمل العاقلة ويتقاسم بعد ذلك هو وأهل المجني عليه الدية.
الدليل الثالث: أنه حكي إجماعا وبهذا عرفنا أنّ قول المؤلف ولا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا.
هو نص أثر عن ابن عباس بهذا الترتيب لا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا.
يقول - رحمه الله - (لم تصدقه به)
يعني أنه إذا اعترف وأقرّ بأنه قاتل خطأ أو شبه عمد وصدقته العاقلة بأنه قتل فإنه تلزم العاقلة حينئذ بدفع الدية لأنّ الشبهة ارتفعت وكأنهم يرون أنّ أثر ابن عباس ليس على إطلاقه وإنما يحمل على ما إذا لم توافق أو تقّر العاقلة اعتراف الجاني.
وهذا صحيح لأنها إذا أقرّت وصدقت انتفت الشبهة وصار قتلا خطأ كسائر القتل الخطأ.
قال - رحمه الله - (ولا ما دن ثلث الدية التامة)
يعني أنّ العاقلة لا يحملون من الدية أقل من الثلث وإنما يحملون الثلث فأكثر أما ما دون الثلث فإنهم لا يحملونه , الدليل استدل الحنابلة بدليلين: الأول: أنه جاء في الحديث ليس على العاقلة ما دون الثلث
الثاني: أنّ تحميل العاقلة إنما كان مواساة للجاني لئلا تجحف الدية بماله وما دون الثلث لا يجحف ولا يضر بناء على هذا القول دية كثير من الشجاج ستخرج معنا أليس كذلك؟ لأنها ما يحمل إلاّ الثلث فأعلى إذن كل شجة ليس فيها الثلث فإنها لا تحمل لأنهم ما يحملون إلاّ الثلث فأكثر فالموضحة وما بعدها والجائفة وما تقدم معنا مما فيه دون الثلث كله لا تحمله العاقلة إنما تحمل من الثلث أو الدية كاملة.
والقول الثاني: للإمام الشافعي أنّ العاقلة تحمل ما قلّ وكثر من الدية.
ودليله - رحمه الله - العموم فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل العصبة الدية ولم يفرق ما بين دون الثلث والثلث فما فوق.
والراجح المذهب إن شاء الله.
فصل
قبل أن ننتقل لهذا الفصل قلنا أنّ الراجح لا تحمل إلاّ ما دون الثلث ومن أوجه الترجيح حتى يتبيّن لماذا مذهب الجمهور أقوى من مذهب الشافعي أنّ هذا قضى به عمر - رضي الله عنه - وهذا يؤيد قول الجمهور مادام قضى به عمر خليفة وأقرّه الصحابة - رضي الله عنه وعنهم - فهذا يقوي مذهب الجمهور.
ثم قال - رحمه الله - فصل
هذا الفصل في الكفارة والمقصود بيان كفارة الخطأ وشبه العمد , والكفارة في اللغة مأخوذة من الكَفَر وهي
الستر والتغطية لأنها تغطي أثر الذنب وتغطي الذنب نفسه.
وأما في الشرع / فالكفارة هي ما يجب في المال لقتل خطأ أو ظهار أو يمين أو نحوها مما يوجب الكفارات.
والكفارة من حيث هي كفارة القتل الخطأ وغيره مشروعة بإجماع الفقهاء لم يخالف في هذا أحد فيه خلاف في بعض الأعمال هل فيها كفارة أو لا كما سيأتينا الآن ولكن في الجملة مشروعية الكفارة مجمعة عليها بين علماء المسلمين - رحمهم الله -
قال - رحمه الله - (من قتل نفسا محرمة)
قوله من قتل نفسا محرمة يشمل إذا كان القاتل من المكلفين أو من غير المكلفين.
كأن يكون صغيرا أو مجنونا وإيجاب الكفارة على غير المكلف هو مذهب الحنابلة بل هو مذهب الجمهور من الفقهاء فهم يرون وجوب الكفارة في مال الصغير واستدلوا على هذا بالقياس على الزكاة فإنهم قالوا كما أنّ الزكاة واجبة في مال الصغير فكذلك تجب عليه الكفارة.
والقول الثاني: أنّ الكفارة لا تجب في مال الصغير وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - واستدل على هذا بالقياس على كفارة اليمين فإنها لا تجب على الصغير واستدل عليه أيضا بأنها عبادة والعبادات لا تطلب من الصغير وفي هذه المسألة إشكال كبير بعد التأمل لم يظهر لي أي قول من القولين ولم يترجح لاسيما رجحانا بيّنا.
ثم - قال رحمه الله - (من قتل نفسا محرمة)
النفس المحرمة إما أن تكون نفس المسلم أو نفس الذمي والمستأمن والمعاهد , أما نفس المسلم ففيها الكفارة بإجماع العلماء بلا مخالف وأما الذمي فذهب الحنابلة إلى أنّ فيه الكفارة لأنّ الله تعالى لما ذكر من بيننا وبينهم ميثاق جعل فيه كفارة.
والقول الثاني: أنه لا كفارة في قتل الذمي فإذا صدم الإنسان كافرا معاهدا أو ذمياً من أي ديانة كانت فلا كفارة لقوله تعالى ﴿ومن قتل مؤمنا﴾ [النساء/92] وهذا ليس بمؤمن.
والراجح والله أعلم مذهب الجمهور وهو الأول وجوب الكفارة لأنّ الله رتبّ الكفارة على قتل غير المسلم في الآية وهذا القول أرجح كما أنه أحوط.
ثم - قال رحمه الله - (من قتل نفسا محرمة خطأ)
تقدم معنا أنّ القتل إما أن يكون عمدا أو خطأ أو شبه عمد.
أما القتل الخطأ ففيه الكفارة بالإجماع وهو المقصود الأصلي بالكفارة.
القسم الثاني: قتل شبه العمد فالقتل شبه العمد فيه خلاف فالحنابلة يرون وجوب الكفارة فيها لأنّ شبه القتل شبه العمد بالقتل الخطأ أكبر من شبهه بالعمد يدل على هذا أنه لا قصاص فيه والدية فيها على العاقلة أليس كذلك؟ فشابه بهذا القتل الخطأ.
والقول الثاني: أنّ القتل شبه العمد لا كفارة فيه لأنه يشبه القتل العمد في أنّ في كل منهما القصد إلى الفعل.
والراجح أنّ فيه الكفارة لأنه تقدم معنا مرارا أنّ القتل شبه العمد يشبه القتل الخطأ أكثر من شبهه بالقتل العمد في مواضع كثيرة تقدمت معنا وكذا في هذا الموضع ففيه الكفارة.
القسم الأخير: القتل العمد فذهب الجماهير وحكي إجماعا أنه لا كفارة فيه واستدلوا بدليلين: الأول: أنّ الآية نصت على أنّ الكفارة
خطأ ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ﴾ [النساء /92]
الدليل الثاني: أنّ ذنب القتل العمد أعظم من أن تكفّره الكفارة.
والقول الثاني: أنّ فيه كفارة قياسا على القتل الخطأ وشبه العمد والراجح الأول وهو كما قلت مذهب الجماهير.
ثم - قال رحمه الله - (مباشرة أو تسببا بغير حق)
يعني سواء كان القتل خطأ قتلا مباشرا كأن يريد أن يقتل صيدا فيقتل معصوم الدم أو تسببا كأن يغرز سكينا يقع عليها مكلف أو يحفر بئرا يسقط فيه مكلف ونحو هذه الأشياء التي تكون سببا في قتل المعصوم سواء كان القتل بالمباشرة أو بالتسبب ففيه الكفارة.
ثم - قال رحمه الله - (فعليه الكفارة)
إذا قتل قتلا خطأ فعليه الكفارة والكفارة هي:
1 - عتق رقبة.
فمن لم يجد
2 - فصيام شهرين متتابعين
ولو أنّ المؤلف - رحمه الله - نص على الكفارة لكان أولى في الحقيقة لأنّ هذا الفصل موضوع لبيان الكفارة صحيح أنّ الكفارة مذكورة في كتاب الله بشكل واضح ولكن مع ذلك لو نص عليها لكان أولى عرفنا الآن أنّ الكفارة هي عتق أو صيام.
تقدم معنا في كفارة الظهار بحوث كثيرة تتعلق بالعتق وشروط الرقبة وبحوث كثيرة تتعلق بالصيام والمتابعة فيه وحكم الإخلال بالمتابعة فكل البحوث التي تقدمت معنا في كفارة الظهار تنطبق في كفارة القتل الخطأ تماما فهي هي أدلة وترجيح ومسائل فهي تتشابه تشابها تاما.
مسألة/ بقي معنا إطعام ستين مسكينا فالجمهور يرون أنه ليس في كفارة القتل إطعام ستين مسكينا واستدلوا على هذا بأنّ الله ذكر عتق الرقبة فقال ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء/92] ثم قال ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [النساء/92]
ولم يذكر إطعام ستين مسكينا ولو كان الإطعام واجبا لذكرته الآية مع خصال الكفارة.
والقول الثاني: أنّ من لم يجد عتق الرقبة ولم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين فإنه يطعم ستين مسكينا قياسا على الكفارات الأخرى كالظهار والوطء في نهار رمضان والراجح والله أعلم أنه ليس في خصال كفارة القتل الخطأ الإطعام لأنه لم يذكر في الآية وفي هذا شبه دلالة على أنه ليس من الخصال.
باب القسامة
قوله باب القسامة القسامة مصدر أقسم ومعنى أقسم أي حلف والقسامة مشروعة بالسنة فقط.
فليس فيها إجماع ولم تذكر في القرآن
وأما دليلها من السنة فهو أنّ محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل خرجوا إلى يهود خيبر فلما وصلوا إلى النخيل تفرقا فجاء محيصة بن مسعود ووجد عبد الله بن سهل مقتول بين النخل فذهب عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل وابنا عمه محيصة وحويصة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واتهموا يهود بأنهم قتلوه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تقسمون خمسين يمينا على رجل منهم فندفعه إليكم فقالوا يا رسول الله كيف نقسم ولم نشهد ولم نرى.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تقسم يهود لكم خمسين يمينا وليس لكم عليهم شيء فقالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال.
يعني أنهم لن يتورعوا عن القسم فواده النبي - صلى الله عليه وسلم -
من عنده من بيت المال.
هذا الحديث جعله الجنابلة أصل في القسامة أما مشروعية القسامة بين الفقهاء ففيه خلاف.
القول الأول هو ما سمعتم أنه مشروع وهذا دليله.
والقول الثاني: أنّ القسامة لا تشرع واستدلوا على هذا بأنّ القسامة على خلاف قواعد الشرع فإنّ قواعد الشرع تدل على أنّ البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر وفي هذه الصورة وهي القسامة جعلت اليمين على المدعي وهذا خلاف قاعدة الشرع.
والراجح أنّ القسامة مشروعة بلا إشكال إن شاء الله وأنّ القاعدة أنّ اليمين في حق أقوى المتداعيين وليست دائما في حق المدعى عليه وإنما خرج الحديث مخرج الغالب لأنّ المنكر غالبا أقوى من المدعي فجعلت اليمين في الحديث عليه وقد استوفى ابن القيم الكلام عن هذه المسألة وأطال جدا وبيّن أنّ القسامة مشروعة وأنها لا تنافي أصول الشرع وأنها بالعكس من هذا تؤدي مقاصد الشرع وذكر كلاما طويلا في ترجيح هذا القول وهو مشروعية القسامة.
قال - رحمه الله - معرفا لها (وهي: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم)
المؤلف يريد أن يعرف القسامة فقال هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم في الحقيقة المؤلف أغفل في التعريف أمرا ضروريا وجعله شرطا للقسامة وهو اللوث.
والواقع أنّ القسامة من حقيقتها الشرعية وجود اللوث ولهذا لو أخذنا هذا التعريف أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم لم يتضح المراد لأنّ هذه الأيمان المكررة في دعوى معصوم لا تقبل ولا ينظر إليها إلاّ مع وجود اللوث ولهذا فإنّ الفقهاء - رحمهم الله - قالوا يشترط للقسامة ثلاثة شروط وذكروا تكرار الأيمان والدعوى وقتل المعصوم واللوث.
فجعلوا اللوث من حقيقة القسامة.
نأتي إلى كلام المؤلف وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
بيّن المؤلف الشروط.
الشرط الأول والثاني.
الشرط الأول: أن تكون أيمان مكررة في دعوى فلا بد من تكرير الأيمان ولا بد أن يكون هذا التكرير في سياق الدعوى أما إذا كرر بدون دعوى فليست من القسامة إذا يجب أن يدعي أولا أنّ موليه قتل من الفئة الفلانية ثم إذا ادعى أقسم أيمانا مكررة.
هذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني: في قتل معصوم فإذا القسامة لا دخل لها في الشجاج والجروح إنما هي في القتل فقط ولم يبيّن المؤلف هل قوله في قتل معصوم عمدا أو خطأ أو شبه عمد وهذه المسألة فيها خلاف فمن الفقهاء من قال القسامة تختص بالقتل العمد ففي شبه العمد والخطأ لا قسامة ومن الفقهاء من قال بل القسامة تشمل جميع أنواع القتل وهي وإن جاءت في الحديث بسبب القتل العمد إلاّ أنّ هذا لا يجعلها
تختص به فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والراجح أنّ القسامة لا تختص بالقتل العمد بل تشمل القتل العمد وأيضا شبه العمد والخطأ.
ثم بدأ المؤلف ببيان الشرط الثالث وهو في الحقيقة كما قلت عمدة من عمد فقه القسامة وهي اللوث.
فقال - رحمه الله - (ومن شرطها اللوث)
اللوث هي القرينة الحالية أو القولية التي توجب الظن وإن لم توجد بيّنة تامة , هذا التعريف بعد البحث وجدت أنه خير التعريف في الحقيقة وأقربها لبيان حقيقة اللوث إذا هي قرينة وليست بيّنة ولكن هذه القرينة توجب الظن ويجب أن لا يعتمد على هذه القرينة إلاّ عند عدم وجود بيّنة تامة أما إذا وجدت البيّنة التامة فليس للوث أي قيمة لأنه يكتفى بالبيّنة التامة إذا عرفنا الآن ما هو اللوث.
ثم - قال رحمه الله - (وهي: العداوة الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضا بالثأر)
ذهب الحنابلة إلى أنّ اللوث هو العداوة أي يشترط لوجود اللوث وجود العداوة واستدلوا على هذا بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم -
أثبتها في قصة الأنصاري لوجود العداوة بين الأنصار ويهود خيبر ولهذا فهم يرون أنّ اللوث يكون بوجود العداوة فقط.
القول الثاني: أنّ اللوث أمر أعم من هذا فهو يشمل كل قرينة توجب التهمة وتدل على وقوع الجناية سواء كانت عداوة أو سواها ومثلوا على هذا بأن يجتمع النفر على شخص ويتفرقوا عنه وهو ميت أو أن نجد شخصا مقتولا وبجواره من يحمل السيف وفيه الدم ومثال ثالث هو أوضح وأقوى الأمثلة في الحقيقة وهو أن يشهد على أنّ فلان قتل فلان من لا تقبل شهادته في باب الجنايات كالمرأة والصبي والعبد فهؤلاء إذا شهدوا شهادتهم لا تكفي لإقامة الحد والقصاص أليس كذلك؟ لكنها توجب قرينة وتهمة أنّ من شهد عليه قام بالقتل حقيقة.
وهذا المثال في الحقيقة يبيّن قوة القول الثاني وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين وهو الصواب أنه يقصد باللوث كل ما أوجب تهمة.
مسألة / مشروعية القسامة تكون عند وجود قتيل لا يعلم قاتله بشرطه , وهي الشروط المذكورة في هذا الباب فإذا توفرت الشروط وهذا المعنى جاز حينئذ القسامة.
قال - رحمه الله - (فمن ادعي عليه القتل من غير لوث حلف يمينا واحدة وبرىء)
إذا ادعي على شخص أنه قاتل ولم يستطع المدعي أن يثبت وجود اللوث فليس على المدعى عليه إلاّ أن يقسم قسما واحدا ويبرأ لأنّ هذا الحكم في سائر الدعاوى ولأنّ عدم وجود اللوث يرفع وجوب تكرار الأيمان وهذا معلوم ولكن المؤلف أراد أن يقرر هذا الشيء ويبيّن أنّ التكرار يتعلق بوجود اللوث.
قال - رحمه الله - (ويبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم , فيحلفون خمسين يمينا فإن نكل الورثة أو كانوا نساء حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء)
ذكر المؤلف في هذين السطرين جملة من المسائل فقوله ويبدأ بأيمان الرجال.
المسألة الأولى: أنّ الذي يبدأ باليمين المدعي ثم ينقل إلى المدعى عليهم واستدل الحنابلة على هذا بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب من المدعين بدم عبد الله بن سهل أن يحلفوا.
والقول الثاني: أنه يبدأ بالمدعى عليهم لأنه في هذا الحديث في لفظ منه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر اليهود أن يقسموا قبل أن يطلب من أهل الميت.
وهذا اللفظ ضعيف ولهذا الراجح كما ذهب الحنابلة أنّ الذين يبدؤون باليمين هم أهل الميت الذين ادعوا.
قال - رحمه الله - (بأيمان الرجال)
في هذه العبارة دليل أو إشارة مسألة وهي أنّ الذي يحلف هم الرجال فقط لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم خمسون رجلا منكم فالنساء لا دخل لهم في اليمين إذا يقسم خمسون رجلا منكم.
ثم - قال رحمه الله - (من ورثة الدم)
في هذا دليل على أنّ الذين يقسمون هم الورثة فقط.
ومن لا يرث لا يقسم ولا يطلب منه ولا ينفعه أن يقسم وتقسم الأيمان على الورثة بحسب ورثهم فمن يرث النصف فعليه نصف الأيمان ومن يرث السدس فعليه سدس الأيمان ومن لا يرث إلاّ هو فيقسم كل الخمسين إذا للورثة ويقسم حسب ميراثهم.
ثم - قال رحمه الله - (فيحلفون خمسين يمينا)
وفي هذا دلالة على أنّ عدد الأيمان خمسون وهذا محل إجماع أجمعوا على أنّ عدد الأيمان خمسون يمينا لقول النبي يقسم خمسون رجلا فهذه المسألة لا إشكال فيها.
قال - رحمه الله - (فإن نكل الورثة أو كانوا نساء حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء)
في هذا ما تقدم أنّ اليمين لا تنصرف إلى المدعى عليه إلاّ إذا نكل المدعي أما إذا أقسم فإنه لا يطلب من المدعى عليه يمين بل يدفع إلى أهل القتيل من أقسموا عليه ليقتلوه لكن إنما ترد اليمين إذا أبى أو نكل المدعون عن القسم وهذا صحيح وأفادنا المؤلف أنه إذا أقسم المدعى عليهم فإنهم يبرأون ولا شيء عليهم لا كفارة ولا دية ولا قصاص لأنه لم يثبت في حقهم أو لم تثبت الجناية من الأصل لعدم وجود الدليل الكافي شرعاً فإذا أفادنا المؤلف أنها ترد إليهم وأنهم إذا حلفوا يبرأون والدليل على هذا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نكل أهل محيصة - رضي الله عنه - رد اليمين إلى اليهود ولم يلزمهم بشيء.
بهذا انتهى كتاب الديات
الدرس: (1) من الحدود
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.