كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
قال شيخنا حفظه الله: • قال - رحمه الله -: كتاب الزكاة
[المسألة الأولى:] عقب المؤلف الصلاة بالزكاة لأمرين:
- الأول: اقتداء بالكتاب الكريم ففيه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.
- الثاني: أن الزكاة الركن الثاني من أركان الاسلام بعد الصلاة فذكرها - رحمه الله - بعد الصلاة.
ـ المسألة الثانية: الزكاة في:
- اللغة: معناها: النماء والزيادة والطهارة والبركة والمدح.
فكل هذه المعاني تصدق عليها.
إلا أن المعنى الأقرب الذي تتفرع عنه المعاني هو: الزيادة والطهارة. - وفي الشرع: فهي إخراج مال مخصوص لأناس مخصوصين على صفة مخصوصة.
• قال - رحمه الله -:
تجب بشروط خمسة.
الزكاة لا تجب إلا إذا تحققت فيها خمسة شروط وإلا فإنها لاتجب.
والزكاة تتعلق بأموال معينة وهي في الشرع أربعة فقط: فما عدا هذه الأربع لا تجب فيها الزاكاة ولا ينظر في تحقق الشروط أصلاً لأنها ليست من الأموال الزكوية - أي ما عدا هذه الأربع.
والأموال الأربع هي:
1 - بهيمة الأنعام.
2 - والخارج من الأرض.
3 - والذهب والفضة.
4 - وعروض التجارة.
•
قال - رحمه الله -:
تجب بشروط خمسة: حرية.
- فالأول الحرية: فإنه يشترط لوجوب الزكاة أن يكون مالك المال حراً فإن كان عبداً فإنها لا تجب عليه الزكاة.
والدليل على هذا من وجهين: - الأول: الإجماع.
فإنه حكي الإجماع على أن الزكاة لا تجب على العبد.
إلا ما يذكر من الخلاف عن عطاء وأبي ثور.
أما ما عداهما فهم يرون أن الزكاة لا تجب على العبد. - الثاني: أن الزكاة فرع عن الملك.
والعبد ماله لسيده.
بناء على هذا: ما يكون في يد العبد من مال تجب زكاته على سيده.
• ثم قال - رحمه الله -: وإسلام.
-[الثاني: الإسلام] يعني: ويشترط لوجوب الزكاة أن يكون مالك المال: مسلماً.
ـ ومعنى أنه شرط وجوب: أي أنه شرط أداء.
ويتفرع على هذا: أنه إذا أسلم لا يؤمر أو يطالب بقضاء الزكاة.
ـ وأما أنه واجب بمعنى: أنه يعاقب على تركه فهو واجب بهذا الاعتبار حتى على الكافر.
ـ إذاً: إذا قيل لك: هل تجب الزكاة على الكافر؟
فتقول: - باعتبار الأداء: لا.
- وباعتبار العقوبة: نعم.
والدليل على عدم وجوب الزكاة على الكافر:
- الأول: حديث معاذ المشهور: حيث أمره بأن يأمرهم بشهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة.
ثم قال: (فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) فنص الحديث على أن وجوب الزكاة يكون بعد الاسلام. - الثاني: أن الزكاة عبادة والكافر ليس من أهل العبادات.
- الثالث: الإجماع.
فقد أجمعوا على أن الكافر لا تجب عليه الزكاة.
فهذه المسألة لا إشكال فيها.
• ثم قال - رحمه الله -: وملك نصاب.
-[الثالث: ملك النصاب].
ملك النصاب من شروط وجوب الزكاة.
والنصاب هو: القدر الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة.
وبلوغ النصاب شرط بالإجماع: - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس نوق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة) وهذا الحديث في البخاري.
فنص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن المال إذا لم يبلغ النصاب الشرعي ليس فيه صدقة أي: ليس فيه زكاة.
-
- مسألة: من ملك النصاب فهو غني شرعاً.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم).
فكل من أخرج الزكاة بعد أن يبلغ ماله النصاب فهو غني في الشرع.
• ثم قال - رحمه الله -: واستقراره.
-[الرابع: استقراره].
الضمير يعود على الملك: أي استقرار الملك.
وعَبَّرَ غير المؤلف - رحمه الله - من الحنابلة: بقوله: (تمام الملك).
إذاً الشرط: استقرار الملك وتمامه.
ومعنى: استقرار الملك: أي أن لا يتعلق به حق الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء.
وبالإمكان أن نضيف ضابط يسهل الأمر فنقول: - (أن لا يكون المال عرضة للزوال).
وهذا الضابط يمكن أن يؤخذ من أمثلة الفقهاء، فمن أمثلة عدم استقرار الملك: ـ مال المكاتب: فلا زكاة فيه لأن المكاتب قد ينصرف عن المكاتبة ويعجز نفسه ولا يدفع المال.
والمكاتب هو: من اتفق مع سيده أن يدفع له مبلغاً معيناً يكون العبد بعده حراً وعادة ما يكون المال الذي يدفعه المكاتب لسيده أقساط أو منجماً فبإمكانه أن يعجز نفسه في أي وقت ولذلك نقول مال المكاتبة ليس مستقراً.
- مسألة: من ملك النصاب فهو غني شرعاً.
من الأمثلة أيضاً على المال الذي لم يستقر الملك فيه:
ـ ربح المضارب: فإذا أعطى شخص شخصاً مالاً ليضارب به ونتج عن هذا المال ربح فإن هذا الربح بعضه للمضارب وبعضه لرب المال.
فهذا الربح ليس فيه زكاة إلا بعد القسمة.
لماذا؟ - لأن ربح مال المضاربة تعوض به خسارة رأس المال.
فإذاً لا يمكن أن نوجب على المضارب زكاة إلا إذا تمت القسمة بعد استكمال رأس المال.
هذان مثالان لمسألة استقرار الملك.
واستقرار الملك محل إجماع.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومضي الحول.
-[الخامس: ومضي الحول] يشترط لوجوب الزكاة مضي الحول: أي أن يملك الإنسان حولاً كاملاً.
والدليل على اشتراط مضي الحول من وجوه:
- الأول: حكي فيه الإجماع.
- الثاني: فيه حديث رواه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول).
وهذه الأحاديث ضعيفة لكنها تقوى بالآثار. - الثالث: وهو الآثار.
فقد صح عن أبي بكر وعلي وعثمان - رضي الله عنهم - أنهم اشترطوا الحول لوجوب الزكاة.
وهذا صحيح عنهم - رضي الله عنهم أجمعين -. - الرابع: - وهو أيضاً من الأدلة القوية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث عمال الصدقة والسعاة في كل سنة مرة واحدة.
فإذاً اشتراط الحول ثابت ولله الحمد.
ثم لما ذكر مسألة اشتراط الحول بدأ فيما يستثنى: • فقال - رحمه الله -: في غير المعشر.
المعشر: هي الحبوب والثمار.
فالزروع والثمار لا يشترط لها الحول بل متى نبتت وخرجت وصلحت وجبت فيها الزكاة بعد الحصاد. - لعموم قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
وسميت المعشرات بذلك: لأنه يؤخذ منها العشر أو نصف العشر كما سيأتينا.
فهذا الأمر الأول الذي يستثنى.
• ثم قال - رحمه الله -: إلاّ نتاج السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصليهما: إن كان نصاباً، وإلاّ فمن كماله. - نتاج السائمة وربح التجارة: لا يشترط فيه الحول.
[= الأول: نتاج السائمة]:
ـ فإذا جاء عمال الصدقة إلى من يملك المواشي ونتجت - يعني ولدت هذه المواشي قبل حولان الحول بشهر فكانت مثلاً: تسعين شار ثم أصبحت مائة والعشر الزائدة لم تأت إلا قبل حولان الحول بشهر واحد فإن عامل الصدقة يأخذ الزكاة من المائة.
- لأنه لا يشترط في نتاج السائمة أن يحول عليه الحول بل حولها حول أصلها.
وأصلها: يعني الأمهات.
والسائمة: هي التي ترعى الحول ويقصد بها الآن بهيمة الأنعام: البقر والغنم والإبل.
ـ فالبقر والغنم والإبل: لا يشترط في نتاجها يعني فيما تلده أن يحول عليه الحول بل يأخذ الساعي الزكاة من مجموع - الأغنام مثلاً - وإن كان بعضها نتج أثناء الحول.
ما الدليل؟ - الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث السعاة إلى أصحاب المواشي فيأخذون الزكاة من الموجود كله ولا يسألون عن ما ولد أثناء الحول.
- الدليل الثاني: أنه صح عن الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يجعلون حول المولود من بهيمة الأنعام حول أصله.
= الثاني: ربح التجارة: ربح التجارة لا يشترط له الحول بل حول الربح حول الأصل.
ـ فإذا ملك الإنسان مائة ألف وتاجر بها ثم ربحت بعد ستة أشهر خمسين ألف وحال الحول على المائة وخمسين ألفاً فالزكاة تجب فيها مع أن الذي حال عليه الحول كاملاً المائة ألف والخمسين ربح لكن الفقهاء يقولون: ربح التجارة تابع لأصله فلا يشترط له حول جديد.
الدليل على هذا من وجهين: - الأول: أن ربح التجارة تابع لأصله.
والتابع لا يفرد بحكم. - الثاني: أن المسلمين ما زالوا يخرجون صدقة عروض التجارة ويخرجون الزكاة من رأس المالل والأرباح ولو كانت حاصلة أثناء الحول.
ـ إذاً: الذي يستثنى من الحول فقط ثلاثة أشياء:
1 - المعشرات.
2 - ونتاج السائمة.
3 - وربح التجارة.
فيما عدا هذه الثلاثة أموال كل شيء يحتاج إلى حول.
وهذه قاعدة تريح طالب العلم.
ـ مثال ذلك:
- رجل يملك خمسين رأس من الغنم وفي أثناء الحول اشترى خمسين أخرى.
فالخمسين الجدد التي اشتراها أخيراً: هل نقول: حولها حول الأول أو تحتاج إلى حول جديد؟ الجواب: أنها تحتاج إلى حول جديد: لأنها ليست من الثلاثة.
- رجل يملك مائة ألف ثم بعد مضي ستة أشهر وهبت له خمسين ألف أو ورث خمسين ألف.
فهذه الخمسين: تحتاج إلى حول جديد لأنها ليست من الأشياء المستثناة.
إذاً نقول: ما عدا هذه الثلاثة أشياء يحتاج إلى حول جديد.
وعرفنا الآن نتاج السائمة وربح التجارة • يقول - رحمه الله: فإن حولهما حول أصليهما: إن كان نصاباً.
يشترط في عدم اعتبار حول جديد لنتاج السائمة أن يكون الأصل بلغ النصاب.
فإن لم يكن بلغ النصاب فإنه لا يبدأ الحول إلا من بلوغ النصاب.
ـ مثال ذلك: رجل يملك أربعاً من الإبل.
ثم في أثناء الحول ولدت واحدة فصار المجموع خمسة.
فإن الحول يحتسب من ولادة هذه الخامسة.
لماذا؟ لأنته يقول: بشرط أن يكون حول أصلهما أذا كان يبلغ النصاب.
• قال: وإلا فمن كماله: أي وإلا نبدأ احتساب الحول من كمال النصاب ولو كان الكمال حصل بنتاج السائمة أو بربح التجارة.
• ثم قال - رحمه الله -: ومن كان له دين أو حق من صداق أوغيره.
المؤلف - رحمه الله - يريد أن يبين في هذه العبارة حكم زكاة الدائن ثم سيذكر بعدها حكم زكاة المدين.
وهاتان مسألتان غاية في الأهمية لا سيما في وقتنا هذا فإنه لا يخلوا أحد من أن يكون دائن في الغالب أو مدين.
نبدأ بما بدأ به المؤلف - رحمه الله - وهو أن يكون دائناً: ـ من كان له دين.
الدين في اللغة: كل ما كان غائباً فهو دين في لغة العرب.
وفي الشرع: - وهو الذي يهمنا -: اسم للمال الواجب في الذمة بدلاً عن قرض أو مبيع أو منفعة أو إتلاف.
فمن خلال هذا التعريف أيهما أعم: القرض أو الدين؟ - الدين: لأن القرض نوع من أنواع الدين.
عرفنا الآن الدين لغة واصطلاحاً.
الأذان ... انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس توقف الكلام عن زكاة الدين: يعني: زكاة مال الدائن.
وقلت أن مسائل زكاة الدين مسائل مهمة وتشتد حاجة الناس إليها.
وذكرت تعريف الدين لغة واصطلاحاً.
وأضيف الآن وأقول: أن حكم زكاة الدين فيه اختلاف شديد بين أهل العلم وتعدد في الأقوال وتتداخل، فهي من المسائل التي قد تعتبر مشكلة.
ونأتي إلى حكم زكاة الدين:
ينقسم الدين إلى قسمين:
ـ القسم الأول: الدين المرجو.
ـ والقسيم الثاني: الدين غير المرجو.
- فالدين المرجو: هو الدين على غني باذل.
- والدين غير المرجو: هو الدين على معسر أو مماطل.
نأتي إلى: القسم الأول: الدين المرجو - وقد عرفت ما هو الدين المرجو - اختلف فيه الفقهاء على أقوال: = فالقول الأول: للجمهور: أنه تجب فيه الزكاة لكل سنة.
إلا أن بعض الجمهور قال: يجوز له أن يؤخر إخراج الزكاة إلى حين القبض ثم يخرج زكاة السنين جميعاً.
واستدل هؤلاء بعدة أدلة: - الدليل الأول: أنه جاء في الآثار عن عدد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إيجاب الزكاة.
- الدليل الثاني: أن الدين المرجو كالدين الذي في يده [لا يجب أن يزكيه].
- الدليل الثالث: عموم الأدلة.
ـ وثانياً: الآثار المتكاثرة عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها الأمر بإخراج الزكاة عن مال الصبي.
فهذا القول هو القول الراجح.
وهو منذهب الجماهير.
= والقول الثاني: عدم الوجب.
واستدلوا:
- بأن الزكاة عبادة والصبي ليس من أهل العبادات.
- وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة ... ).
والصواب مع الجماهير.
لكثرة الآثار ولأن ظواهر النصوص ربط الزكاة بالمال لا بالمزكي.
[ثم ننتتقل إلى زكاة المدين بعد أن بينا أحكام زكاة الدائن:].
• قال - رحمه الله -: ولا زكاة في مال: من عليه دين ينقص النصاب، ولو كان المال ظاهراً.
تنقسم الأموال في الشرع إلى قسمين: - ونحن الآن في صدد الكلام عن زكاة المدين.
ـ القسم الأول: أموال ظاهرة.
ـ والقسم الثاني: أموال أو باطنة. - فالأموال الظاهرة:
تعريفها: هي الأموال التي لا يمكن إخفائها.
وتعدادها هي: - الزروع.
- والثمار.
- والمواشي. - وأما الأموال الباطنة:
تعريفها: هي الأموال التي يمكن إخفائها.
وتعدادها هي: - الذهب والفضة.
- وعروض التجارة.
-
- مسألة: جنح كثير من المتأخرين بل من المعاصرين إلى أن عروض التجارة أصبحت من الأموال الظاهرة لا من الأموال الباطنة في وقتنا هذا: - لا تساع التجارات وتنوعها وتنوع طريقة العرض فيها.
والصواب: أن عروض التجارة من الأموال الباطنة كما هو مذهب الجماهير.
وعلة كون عروض التجارة من الأموال الباطنة: أن المنظور فيها إلى القيمة.
فهي باعتبار القيمة لا تعرف.
لا كما ظن بعض أهل العلم أن المنظور فيها إلى طريقة العرض وكثر أو قلة البضائع.
فليس الأمر كذلك.
بل هي من الأموال الباطنة باعتبار الثمن وقيمة العروض.
ولذلك يحصل كثيراً أن تدخل محلاً ولا تتصور أن تبلغ البضاعة الموجودة في هذا المحل هذا المبلغ الكبير من حيث القيمة ويتفاجأ الإنسان أنه قيمة هذه البضائع تبلغ مبلغاً كبيراً.
وهذا دليل على أنها باطنة.
لأن المنظور فيها للقيمة.
ولا نريد الإطالة في هذه المسألة.
لكن هذا هو الراجح مع كذر أقوى دليل وهو أنها باطنة باعتبار الثمن.
وقبل نأتي إلى حكم زكاة المدين نبين ما معنى أنه لا زكاة على المدين؟ ـ معنى أنه لا زكاة على المدين:
- مسألة: جنح كثير من المتأخرين بل من المعاصرين إلى أن عروض التجارة أصبحت من الأموال الظاهرة لا من الأموال الباطنة في وقتنا هذا: - لا تساع التجارات وتنوعها وتنوع طريقة العرض فيها.
أن المسلم إذا أراد أن يخرج الزكاة يخصم من الأموال التي بيده قدر الدين الذي عليه ويزكي الباقي إن بلغ نصاباً.
فهذا معنى أنه لا زكاة على المدين عند من يقول بهذا القول.
نأتي إلى الأحكام:
ـ أولاً: حكم زكاة المدين في الأموال الباطنة - ونبدأ بها لأنها الأهم - وقد عرفنا ما هي الأموال الباطنة:
= القول الأول: أنه لا تجب الزكاة على المدين في الأموال الباطنة.
وإذا قلنا لا تجب الزكاة - عرفنا ما معنى لا تجب الزكاة وليس المقصود لا تجب مطلقاً كما قد يفهم البعض - ولكن المعنى هو ما ذكرت لك كما قرره الفقهاء.
وإلى هذا القول ذهب الجماهير من الصحابة والسلف والتابعين وتابعوهم وجمهور الأئمة وعامة العلماء.
واستدلوا بأدلة كثيرة:
- الدليل الأول: ما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه خطب الناس وقال: قد جاء شهر زكاتكم فأخرجوا ديونكم لتزكوا أموالكم.
وجه الاستدلال: أنه لم يأمر بإخراج الزكاة من مبلغ الدين الذي سيقضى. - الدليل الثاني: إجماع الصحابة.
وممن أشار إلى هذا الإجماع ابن سيرين والزهري وذكره غيرهما من العلماء المتأخرين لكن من السلف أشار هذان الإمامان إلى الإجماع. - الدليل الثالث: - مع إجماع الصحابة: الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم -.
مثال ذلك: إذا كان الإنسان يملك ألف وهو مدين بألف ويملك سيارة زائدة عن حاجته بألف فكم سيزكي؟
ألف.
مع أنه مدين بألف.
لكن الدين يقابله العرض الذي يساوي ألف.
وتطبيق هذا الشرط لا بد منه.
وإذا طبقنا هذا الشرط يندر أن يخصم الإنسان من الوعاء الزكوي لديه مقدار الدين لأنه غالباً يكون عنده عروض أخرى تصلح لسداد الدين.
ـ بناء عليه: ليس من المقبول أن يقول شخص: أنا مدين بمائة ألف وهو يملك سيارات واستراحات وأراضي.
فنقول له: إذا كنت مديناً فسدد الدين من غير الزكاة وإنما مما تملك من العروض سواء كانت أراضي أو استراحات أو سيارات زائدة عن حاجتك.
-
- مسألة: رجل يملك عشرة آلاف: وهو مدين بخمسة آلاف وعنده سيارة هي السيارة التي يتنقل عليها.
فكم سيزكي؟ خمسة آلاف.
ويصح هنا أن يخصم مقدار الدين من الزكاة لأن السيارة التي معه تقوم بحاجته التي لا يستغني عنها.
إذاً: لا بد أن ننتبه لهذا الشرط.
وهذا الشرط اشترطه جمهور الفقهاء ونص عليه الإمام أحمد وهو شرط صحيح.
ـ ثانياً: بقينا في الأموال الظاهرة: والأموال الظاهرة هي: الزروع والثمار والمواشي كما تقدم معنا.
اختلف فيها الفقهاء على قولين: = القول الأول: أنه لا يخصم الدين من الزكاة في الأموال الظاهرة.
فإذا كان عند الإنسان مائة من الإبل وهو مدين بعشرة آلاف فالواجب أن يخرج زكاة كم؟ مائة من الإبل.
ولا يخصم مقدار الدين من الزكاة في الأموال الظاهرة.
وإلى هذا ذهب الجمهور.
واستدلوا بأدلة قوية جداً:
- مسألة: رجل يملك عشرة آلاف: وهو مدين بخمسة آلاف وعنده سيارة هي السيارة التي يتنقل عليها.
- الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء - رضي الله عنهم - كانوا يبعثون عمال الصدقة - السعاة - إلى أصحاب الإبل والمواشي فيأخذون منهم الصدقة ولا يسألون عن مقدار الدين.
- الدليل الثاني: أن الزهري وابن سيرين نصوا على أن الإنسان يخصم الدين من العين دون المواشي والثمار ونسبوا هذا إلى الصحابة فقالوا: كانوا - يعني الصحابة -.
= والقول الثاني: أنه يخصم الدين حتى من الأموال الظاهرة.
واستدلوا: - بما استدل به الجمهور بمسألة الأموال الباطنة.
والجواب عليه: أن الأدلة التي استدل بها الجمهور في المسألة الأولى وهي الأموال الباطنة هي بنفسها تفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة كما نقلنا عن ابن سيرين والزهري فإنهم نصوا على الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة.
فالسلف أنفسهم يفرقون بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة.
والراجح القول الأول.
فصار القول الراجح: التفريق بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة.
وهذا مذهب الجمهور وممن رجحه من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -.
وبهذا اكتمل الكلام عن مسألة الأموال الظاهرة والباطنة في زكاة المدين.
•
قال - رحمه الله -:
ولا زكاة في مال: من عليه دين ينقص النصاب، ولو كان المال ظاهراً.
فعرفنا أن: = مذهب الحنابلة أنه يخصم الدين من الزكاة في الأموال الظاهرة وكذلك في الأموال الباطنة على حد سواء.
وتقدم معنا الراجح وهو: أنه لا يخصم في الأموال الظاهرة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وكفارة كدين.
مقصود المؤلف أن دين الآدمي يخصم وكذلك دين الله.
أي التسوية بين دين الآدمي والدين الذي لله سواء كان الدين الذي لله مما له مطالب كالزكاة أو مما ليس له مكالب كالكفارات.
والدليل على أن دين الله كدين الآدمي فيخصم من الزكاة:
- قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البخاري: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).
فهذا نص أن دين الله كدين الآدمي.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن ملك نصاباً صغاراً: انعقد حوله حين مَلَكَهُ.
يعني: إذا ملك الإنسان من الموشي قدر النصاب إلا أنها صغيرة فتجب فيها الزكاة إذا حال الحول إذا بلغت صاباً.
ولا يشترط في المواشي أن تبلغ سناً معينة لكي تجب فيها الزكاة.
واستدل هؤلاء: - بعموم ما أخرجه البخاري: (في كل أربعين شاة شاة).
وهذا عام سواء كانت هذه الأربعين صغيرة أو كبيرة.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن نقص النصاب في بعض الحول ... انقطع الحول.
إذا نقص النصاب أثناء الحول انقطع الحول.
مثال ذلك: رجل يملك خمساً من الإبل وهو النصاب ثم بعد مضي ستة أشهر ماتت واحدة أو ذهبت لأي سبب فأصبح المجموع: أربع.
فإذا أصبح المجموع أربع انقطع الحول من حين ينقص النصاب.
فإذا اكتمل النصاب مرة أخرى استأنفنا الحول من جديد.
الدليل:
- أن اشتراط النصاب في كل الحول دلت عليه النصوص فإذا تخلف النصاب في بعض الحول انقطع.
• ثم قال - رحمه الله -: أو باعه.
يعني: إذا باع النصاب أو باع بعض النصاب انقطع الحول أيضاً.
فإذا كان يملك ثلاثين من البقر ثم باع منها خمساً في أثناء الحول انقطع الحول.
فإذا اشترى ما يكمل النصاب استأنف الحول من جديد.
والدليل: - هو: نفس الدليل السابق.
• ثم قال - رحمه الله -: أو أبدله بغير جنسه.
إذا باعه أو أبدله بغير جنسه: انقطع الحول.
وتقدم معنا صورة البيع.
أما صورة الإبدال: فهي أن يبيع النصاب معاطاة وبعبارة أخرى: المؤلف - رحمه الله - يقول: إذا باعه أو أبدله وسيأتينا أن البيع هو عبارة عن إبدال فلذلك هم يصدرون تعريفه بقولهم: مبادلة مال بمال.
فلماذا فرق المؤلف - رحمه الله - بين البيع والإبدال؟ - نقول: نحمل الإبدال على أحد صورتين: ـ الصورة الأولى: أن يكون: - البيع يقصد به: مبادلة عين بنقد.
- والإبدال: مبادلة عين بعين.
والذي يسمى المقايضة.
ـ الصورة الثانية: أن يكون المقصود: - بالبيع: البيع الذي يتم بالإيجاب والقبول. - وبالمبادلة: المبادلة التي ننم عن طريق المعاطاة بدون صيغة إيجاب وقبول.
بناء على هذا: إذا أعطى رجل رجلاً آخر ثلاثين من البقر وأخذ منه عشرين من الإبل.
فهل هذا بيع أو إبدال؟ الجواب: - باعتبار المصطلح الخاص الذي نتكلم به: إبدال.
وإذا باع الثلاثين بعشرة آلاف درهم؟ بيع.
إذاً هذا مال بمال أو مال بنقد.
إذا باع ثلاثين من البقر بعشرة آلاف درهم بإيجاب وقبول.
قال: بعت.
وقال الآخر: اشتريت.
وتمت المبادلة فهذا: بيع.
وإذا كان عن طريق المعاطاة بأن يعطيه البقر ويأخذ النقد بدون كلام وإنما عن طريق المعاطاة فهو: مبادلة.
والأمر بسيط لكن نريد أن نعرف لماذا غاير المؤلف - رحمه الله - وفاوت بين البيع والإبدال فخرجوه على أحد هذه التخريجات.
• ثم قال - رحمه الله -: لا فراراً من الزكاة: انقطع الحول.
فصار الحول ينقطع: - إذا نقص النصاب.
- أو باع النصاب.
- أو أبدل النصاب.
ففي هذه الصور الثلاث ينقطع الحول.
وإذا اكتمل النصاب بدأ الحول من جديد.
قال: لا فراراً من الزكاة:
فإن كان يريد الفرار من الزكاة فإن عمله لا يقطع الحول.
بناء على هذا: إذا ملك الإنسان ثلاثين من البقر فلما بقي على حولان الحول شهر باع البقر بعشرة آلاف درهم ثم بعد عشرة أيام أو أقل أو أكثر اشترى الثلاثين أو غير هذه الثلاثين.
فهل يستأنف الحول أو لا؟
نقول: ما دام قصدك قطع الحول فتستمر على حولك الأول كأنك لم تصنع شيئاً.
- لأن القاعدة تقول: (أن الحيل لا تسقط الواجبات).
بدليل أن الله سبحانه وتعالى ذم اليهود الذين احتالوا على صيد السمك في يوم السبت والأحد وذمهم بذلك واعتبر عملهم محرم مع أن الصورة جائزة.
وكذلك كل الحيل. - ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لعن المحلل والمحلل له) ولماذا لعنه؟ لأنهم يحتالون على العقود الشرعية.
إذاً إذا كان قصد الإنسان الحيلة فلا يعتبر أن الحول انقطع ... • ثم قال - رحمه الله -: وإن أبدله بجنسه: بنى على حوله.
إذا أبدل النصاب بجنسه فإنه لا ينقطع الحول.
فإذا كان الإنسان يملك ثلاثين من البقر وباعها بثلاثين من البقر أخرى فإن الحول يستمر ولا ينقطع.
لكن إذا أبدل ثلاثين من البقر بعشرين من الإبل ينقطع الحول لأن البقر جنس والإبل جنس آخر.
إذاً إذا أبدل الإنسان الشيء بجنسه فإنه لا ينقطع.
استثنى الحنابلة من هذه القاعدة وهي: أنه إذا أبدله بغير جنسه انقطع: استثنوا الذهب والفضة وعروض التجارة. - فإذا أبدل الإنسان دراهم بدنانير لا ينقطع الحول.
- وإذا أبدل دراهم بعروض تجارة أو دنانير بعروض تجارة لا ينقطع الحول.
والصواب أنه: لا يستثنى إلا فقط عروض التجارة.
أما الذهب والفضة فهما جنسان إذا أبدل أحدهما بالآخر انقطع الحول إلا إذا كان الإبدال على سبيل التجارة فإنها تصبح الآن عروض تجارة.
فالآن: الذين يتعاملون بالعملات ما نقول: إذا اشتريت بالريال السعودي جنيه مصري أنه انقطع الحول أو درهم إماراتي أو أي عملة أخرى ما نقول انقطع الحول لأنهم الآن يبادلون هذه العملات على سبيل التجارة ونحن نقول أنه إذا أبدله بجنسه أو بغير جنسه ما دام على سبيل عروض التجارة فإن الحول لا ينقطع.
لكن لو أن قائلا قال: أنا أحتاج بدل الدراهم دنانير فاستبدل دراهمه بدنانير لينتفع بها لا للتجارة فإنه عند الحنابلة لا ينقطع الحول.
والصواب أنه ينقطع: لأن الذهب جنس والفضة جنس آخر.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتجب الزكاة: في عين المال، ولها تعلق بالذمة.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة وهي: هل تجب الزكاة في عين المال أو في الذمة على أقوال كثيرة:
= المذهب خلاف ما ذكره المؤلف: فالمذهب أن الزكاة تجب في عين المال.
واستدلوا:
- بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم ... ﴾.
- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في كل أربعين شاة شاة).
وقالوا: إن في في هذه النصوص للظرفية يعني أن مقدار الزكاة واجب في عين المال.
بناء على هذا القول: - لو تلف النصاب لم يلزمه شيء لأن الوجوب يتعلق بالعين والعين تلفت.
وبناء على هذا القول: - لا يجوز له أن يتصرف بمقدار الزكاة من المال.
ويترتب على هذا القول أيضاص أشياء كثيرة.
وأرغب من كل طالب - وإن شئتم أن تعتبرونه ملزماً - أن يراجع آخر قواعد بن رجب فإنه في آخر قواعد بن رجب ذكر عدة مسائل ينبني عليها فروع كثيرة منها: هل تجب أو تتعلق الزكاة بعين المال أو بالذمة ثم ذكر ما يترتب على كل قول في تفريع بديع جداً يصقل طالب العلم ويدربه على فهم ما يترتب على القول.
فإنا أرجو من جميع الإخوة أن يقرأوا هذا الموضع وهو في آخر قواعد ابن رجب.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا يعتبر في وجوبها: إمكان الأداء.
ليس من شروط الزكاة إمكان الأداء بل تجب ولو لم يتمكن من الأداء.
مثال عدم التمكن من الأداء:
- أن يكون المال غائباً.
- أو أن يكون المال ديناً.
فهل يتمكن الإنسان أن يخرج الزكاة من المال الغائب؟ لا.
لا يتمكن ومع ذلك نقول تجب الزكاة ولولم يتمكن من الأداء.
الدليل: - قالوا: الدليل: قياساً على سائر العبادات فإن الصوم يجب على المريض وإن كان لا يستطيع.
فإذاً لا يشترط في وجوب الزكاة إمكان الأداء.
-
- مسألة: يشترط لوجوب الإخراج إمكان الأداء.
فإذا لم يتمكن من الأداء لم يجب عليه أن يخرج الآن وله أن ينتظر إلى أن يتمكن.
فتحصل عندنا الفرق بين وجوب الزكاة ووجوب الإخراج.
فالأداء شرط في الإخراج.
وليس شرطاً في الوجوب.
• ثم قال - رحمه الله -: ولا بقاءُ المال.
يعني: أنه لا يشترط لوجوب الزكاة بقاء المال فلو تلف رالمال كله لوجبت الزكاة فيه.
وهذا القول يتوافق مع القول بأن الزكاة تجب في الذمة أو في العين؟؟
- مسألة: يشترط لوجوب الإخراج إمكان الأداء.
- في الذمة.
وهذا مما يقوي القول الذي رجحه شيخ الاسلام - رحمه الله -. إذاً الحنابلة يرون أنه يجب عليه أن يخرج الزكاة ولو تلف كل المال.
الدليل: - قالوا: الدليل أن هذا مال وجب في ذمته فيجب أن يخرجه ولو تلف كدين الآدمي.
إذا كان الإنسان مطلوب مائة ألف ريال واحترق كل ما يملك من المال فهل يسقط هذا الدين؟ أو يبقى في ذمته؟ يبقى.
فكذلك دين الله وهو الزكاة.
= والقول الثاني: أن المال الزكوي: - إذا تلف بغير تفريط ولا تعدي فإنه لا يجب عليه أن يخرج شيئاً.
- وإن تلف بتفريط أوتعدي وجب عليه أن يخرج مقدار الزكاة.
وهذا القول اختيار شيخ الاسلام واختيار ابن قدامة.
لكن ابن قدامة بين التفريط فقال: والتفريط أن يتأخر بالإخراج مع إمكان الأداء.
وظاهر كلام غيره من الفقهاء أن التفريط لا يتعلق بمسألة الإخراج وإنما يتعلق بكيفية حصول التلف:
فإن كان لم يفرط بأن جائه آفة سماوية أو حريق ليس له يد في منعه فإنه لا يلزمه إخراج شيء.
وإن فرط بأن وضع المال في مكان لا ينبغي أن يوضع فيه أو قرب النار المهم فرط بإتلافه بأي طريقه فإنه تجب عليه.
هذا ظاهر كلام الفقهاء فيما عدا ابن قدامة الذي يرى أن التفريط هو بمجرد التأخر في إخراج الزكاة.
وهذا القول الذي مال إليه ابن قدامة قوي جداً ويتوافق مع ما سيأتينا من وجوب إخراج الزكاة فوراً.
ولذلك أنا أميل إلى هذا الضابط وهو أنه: إذا أخر إخراج الزكاة مع قدرته على إخراجها ثم تلف المال ولو بغير تفريط منه وجب عليه أن يؤدي الزكاة.
لأن التفريط حصل بالتأخر في إخراج الزكاة.
وهذا الضابط الذي ذكره ابن قدامة جيد وقوي.
• ثم قال - رحمه الله -:
والزكاة كالدين في التركة.
الزكاة كالدين في التركة يعني: أنها مقدمة على الورثة وعلى الوصية.
فإذا مات الإنسان ولم يخرج زكاة ماله فإنا نخرج الزكاة قبل أن ننفذ الوصية أو نقسم التركة على الورثة.
وسواء في ذلك كان إخراج الزكاة من الميت على سبيل الجواز أو على سبيل التحريم: يعني: سواء كان أخرها قداً وهو آثم بذلك وارتكب محرماً أو مات قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة ففي الصورتين يجب أن يخرج الزكاة من مال الميت.
لأن الزكاة فيها حق للفقراء فيجب أن يصل إليهم ولو كان الميت أخر إخراج الزكاة تعدياً وظلماً.
لكن إن كان الميت لم يتمكن من الإخراج أجزأت عنه ولا إثم وإن كان أخرها عمداً وقصداً وتعدياً وظلماً فإنا ندفعها للفقراء ومع ذلك يأثم بتركه الزكاة.
إذاً الزكاة كالدين في التركة تماماً تستوي مع دين الآدمي.
بقينا في مسألة: هل هي مثل دين الآدمي أو أقل من دين الآدمي إذا تعارض دين الله ودين الآدمي؟
الصواب: أنهما بمنزلة واحدة فنسدد دين الله ودين الآدمي بالمحاصة إذا لم يتسع المال للجميع.
أما إذا اتسع المال للدينين فلا إشكال فسنسدد دين الله ودين الآدمي.
وهذا الكلام الذي قلته فيما يتعلق بالزكاة ينطبق على غيره من ديون الله كالكفارات مثلاً.
فلو مات وعليه كفارة يمين فنفس الكلام يجب أن نخرج كفارة اليمين قبل أن ننفذ الوصية أو نقسم التركة.
باب زكاة بهيمة الأنعام
• ثم قال - رحمه الله -:
باب زكاة بهيمة الأنعام.
بدأ المؤلف بباب زكاة بهيمة الأنعام قبل غيرها من الأموال الزكوية اقتداء بكتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الذي كتبه لأنس حين ذهب إلى البحرين فإن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - بدأ بزكاة بهيمة الأنعام قبل زكاة غيرها من الأموال الزكوية.
فتأسياً بهذا الكتاب نبدأ بزكاة بهيمة الأنعام.
• يقول - رحمه الله -:
تجب في إبل وبقر وغنم.
وجوب الزكاة في الإبل والبقر والغنم محل إجماع.
فلم يخالف فيه أحد ولله الحمد والنصوص الصريحة الصحيحة أخرجها البخاري وغيره دالة على وجوب الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة.
وفهم من هذه العبارة أن الزكاة لا تجب في غير الإبل والبقر والغنم.
فمثلاً: لا تجب في الضباء البرية ولا تجب في البقر الوحشي ولكنها تجب في الجواميس لأن الجواميس نوع من أنواع البقر.
وقوله: الإبل والبقر والغنم.
دليل على أن الزكاة تجب في هذه الأصناف مهما تنوعت ماختلفت أشكالها ومسمياتها ما دامت إبلاً أو بقر أو غنم فالماعز والشياه في هذا سواء.
• ثم قال - رحمه الله -:
إذا كانت سائمة الحول أو أكثره.
يشترط لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام
الأذان ....
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب زكاة بهيمة الأنعام
تكلمت بالأمس عن زكاة بهيمة الأنعام من حيث مشروعية الزكاة وإجماع الأمة عليه وما هي بهيمة الأنعام وتوقفنا عند شرط من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام وهي:
- أن تكون سائمة.
• يقول المؤلف رحمه الله: تجب في إبل وبقر وغنم: إذا كانت سائمة الحول أو أكثره.
السائمة في لغة العرب: الراعية.
وفي الاصطلاح في هذا الباب: هي التي ترعى المباح أكثر الحول وتكتفي به.
وكونه في خمس وعشرين: بنت مخاض.
هذا جاء صريحاً في حديث أبي بكر ونص عليه نصاً رضي الله عنه.
وهو محل إجماع.
ويجوز أن يخرج بدل بنت مخاض ابن لبون إذا لم نجد بنت مخاض بالإجماع لأنه في حديث أبي بكر نص على ذلك.
•
ثم قال رحمه الله:
وفيما دونها: في كل خمس شاة.
في كل خمس فيما دون الخمس والعشرين: شاة.
وهذا الحكم محل إجماع ودل عليه النص.
فدل عليه النص والإجماع لأنه في حديث أبي بكر: (في كل خمس شاة).
ولو أن المؤلف بدأ بأنه: في كل خمس شاة قبل الخمس والعشرين لكان هو الموافق للترتيب التصاعدي.
• ثم قال رحمه الله:
وفي ست وثلاثين: بنت لبون.
بنت اللبون هي: التي تم لها سنتان.
وسميت بذلك لأنه في الغالب تكون الأم وضعت فهي ذات لبن فهي بنت ذات لبن.
إذا بلغت الإبل ستاً وثلاثين فإنها يجب أن نخرج زكاتها بنت لبون وهذا جاء نص في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
• ثم قال رحمه الله:
وفي ست وأربعين: حقة.
والحقة: ما تم لها ثلاث سنين وهو منصوص عليه أيضاً في حديث أبي بكر رضي الله عنه.
وسميت حقة: - إما لأنها استحقت ضرب الفحل.
- أو أنها استحقت أن يحمل عليها.
باعتبار أنها وصلت مرحلة من العمر تتحمل الأمرين.
• ثم قال رحمه الله: وفي إحدى وستين: جذعة.
وهي ما تم لها أربع سنين.
وهذا هو أعلى سن تجب فيه الزكاة.
وهذا من رحمة الله وتخفيفه على الناس بينما نجد في الأضاحي أقل سن يجزئ هو الخمس كما سيأتينا.
بينما في الزكاة اختلف الأمر فصار أرفع سن تجب فيه الزكاة هو أربع سنوات.
• ثم قال رحمه الله: وفي ست وسبعين: بنتا لبون.
وفي إحدى وتسعين: حقتان.
فإذا زادت عن مائة وعشرين ((وَاحِدَةٌ)): فثلاث بنات لبون.
كل هذا نص في حديث أبي بكر: - أنه في ست وسبعين بنتا لبون.
- وفي إحدى وتسعين حقتان.
- فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون.
ففي مائة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون.
ثم يستقر الأمر في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
وسنلقي الضوء في الجدول المرفق الذي استلمتموه عن كيفية توزيع الأنصباء.
لكن قبل ذلك نريد أن نذكر الأحكام التي تتعلق بالإخراج قبل دراسة المتن.
- جاء في حديث أبي بكر رضي الله عنه أن من لم يجد السن المطلوب ووجد أعلى منه فإنه يجوز لعامل الصدقة أن يأخذ الأعلى ويعطي صاحب البهائم شاتين.
أو العكس: إذا لم يجد إلا أقل فإن العامل يأخذ الأقل ويعطي صاحب الإبل العامل شاتين.
مثال ذلك: وجبت عليه بنت مخاض ولم يجد في إبله إلا بنت لبون.
فماذا يصنع؟ نقول: أعط العامل بنت لبون وخذ منه شاتين.
العكس: وجبت عليه بنت لبون ولم يجد إلا بنت مخاض: فنقول: أعط العامل بنت مخاض وأعطه معها شاتين.
وهذا القدر الذي ذكرته الآن منصوص عليه في حديث أبي بكر في الصحيح.
ــ مسألة: إذا لم يجد إلا أربفع بمرتبتين - يعني: وجب عليه بنت مخاض ولم يجد بنت لبون ولا بنت مخاض ووجد حقة: فحينئذ نقول تعطيه الحقو وتأخذ أربع شياه.
هذا الحكم: أنك تأخذ أربعةشياه مقيس على ما ذكر في حديثص أبي بكر وليس من المنصوص عليه لكن قياسهم صحيح وهو قول الحنابلة وهو الراجح إن شاء الله.
فإذا لم نجد إلا أكثر: وجبت عليه بنت مخاض ولم يجد إلا جذعة فيأخذ ست.
.. وهكذا.
إذاً عرفنا الآن أن من لم يجد إلا أقل أو أعلى فإنه يأخذ أو يدفع حسب الموجود.
ــ المسألة الثانية هذا العمل وهو أخذ شاتين أو دفع شاتين حسب الموجود يسمى: الجبران ولا يدخل إلا في الإبل فقط لأن النص لم يأتي إلا في الإبل.
أما ما عداها من بهائم الأنعام فلا يدخل فيها ما يسمى بالجبران.
نقف بعض الشيء مع الجدول .... ((ثم تكلم الشيخ حفظه الله عن الجدول وفصل فيه فيستحسن أخذها من التسجيل بمتابعة الجدول)).
ثم قال الشارح حفظه الله: إذاً المسألة أصبحت مسألة حسابية بعد أن فهمت فقه المسألة.
فيبقى الآن أن تعرف الحساب وهذا أمر يرجع لكل شخص ومعرفته بتحديد كم في العدد من أربعين وكم في العدد من خمسين.
فلا نقف طويلاً مع الأمثلة بعد أن عرف الإنسان فقه الأنصباء وكيفية التعامل معه.
فصل
[في زكاة البقر]
ثم نرجع إلى المتن:
• قال رحمه الله:
(فصل)
يعني في بيان أحكام زكاة البقر.
• قال رحمه الله:
ويجب في ثلاثين من البقر.
وجوب الزكاة في البقر ثابت بالنص والإجماع.
- فالإجماع: أجمع أهل العلم رحمهم الله أن تجب الزكاة في البقر.
- أما النص: فما جاء في حديث أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أسمن ما كانت وأكمل ما كانت ثم تطأ عليه بأظلافها وتنطحه بقرونها) أو قال بأخفافها (ثم ترجع عليه كلما انتهت إلى أن يقضى بين العباد).
ففي هذا الحديث بيان أن الزكاة واجبة أن ترك الزكاة من كبائر الذنوب لأنه رتب على ترك الزكاة وعيد خاص يقع يوم القيامة.
وزكاة البقر لم تذكر في كتاب أبي بكر وإنما جاءت في حديث معاذ في السنن وهو حديث صحيح إن شاء الله بين فيه النبؤي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن كيف يأخذون الزكاة من البقر.
وذكر أهل العلم رحمهم الله من شراح الأحاديث والفقهاء كلهم أن البقر لم تذكر في حديث أبي بكر لأن أهل الحجاز وأهل نجد قلما يتعاملون بالبقر فلما ذهب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن وفيها البقر بين لهم - صلى الله عليه وسلم - كيفية أخذ الزكاة من البقر.
وكيفية أخذ الزكاة من البقر أسهل من الإبل بكثير:
• فيقول رحمه الله:
ويجب في ثلاثين من البقر.
تبيع أو تبيعة.
التبيع والتبيعة: ما له سنة واحدة.
وسمي بهذا الاسم لأنه يتبع أمه في ذهابها ومجيئها.
فتبين أن ما دون الثلاثين من البقر لا زكاة فيه.
وهذا باتفاق الأئمة الأربعة رحمهم الله.
لأنه في حديث جابر نص على أنه: أمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيع أو تبيعه.
فدل على أن ما دون الثلاثين لا زكاة فيه.
وفي مسألة: البقر نستطيع أن نضع ضابط يسهل على الإنسان معرفة كيفية إخراج الزكاة بالنسبة للثلاثين.
فنقول: يجزئ الذكر في الثلاثين ومضاعفات الثلاثين.
ففي الثلاثين: تبيع.
وفي الستين: .....
وفي التسعين: .....
في كل مضاعفة للثلاثين يجزء الذكر.
ويجوز إذا قلنا يجزئ الذكر أنه تخرج تبيع أو تبيعة.
• كذلك نأتي إلى قوله رحمه الله:
وفي أربعين: مسنة.
المسنة ما لها: سنتان.
فالمسنة يجزئ في الأربعين مسنة.
ثم نقول: مضاعفات الأربعين كذلك فيها مسنة.
فالثمانين كم فيها؟ ...... وهكذا.
إذاً تضيف أربعين وتضيف مع كل أربعين مسنة.
وفي قوله: في كل أربعين مسنة علمنا أنه لا يجزء المسن.
وإنما في الأربعين لا بد من إخراج أنثى ولا يجزئ الذكر.
ــ مسألة: هل يجزئ في الأربعين تبيعان؟
اختلف الفقهاء في هذا:
= فمنهم من قال لا يجزئ في الأربعين تبيعان.
لأنه في حديث معاذ نص النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأربعين فيها مسنة.
= والقول الثاني: أنته يجزئ تبيعان.
واستدل هؤلاء بأنه إذا كان يجزء التبيعان في الستين فمن باب أولى أن يجزئ في الأربعين.
وهذا القول هو الصواب.
لأن الستين أكثر من الأربعين والنعمة في الستين أكبر منها في الأربعين فإذا أجزأ تبيعان في الستين فكذلك في الأربعين.
• ثم قال رحمه الله:
وفي ستين تبيعان.
وهذا يتفق مع القاعدة: أن الثلاثين ومضاعفاتها فيها ذكر.
فالثلاثين تبيع وبطبيعة الحال الستين فيها تبيعان.
• قال رحمه الله:
ثم في كل ثلاثين: تبيع، وفي كل أربعين: مسنة.
إذاً اتضح الأمر أنه في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة.
فالسبعين: فيها تبيع ومسنة.
مائة وعشرين: ثلاث مسنات أو أربعة أتبعه.
فهو مخير بينهما.
وهكذا بعملية حسابية يستطيع الإنسان أن يعرف كيفية إخراج زكاة البقر بعد أن ذكرنا الأمثلة.
• ثم قال رحمه الله:
ويجزئ الذكر: هنا، وابن لبون مكان بنت مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكوراً.
المؤلف رحمه الله يريد بهذه العبارة بيان متى يجوز أن نخرج الذكر في الزكاة سواء كان في الإبل أو في البقر أو في الغنم.
لا يجوز أن نخرج الذكر في الزكاة إلا في ثلاث مواضع:
- الموضع الأول: يقول: هنا.
ويقصد بقوله هنا: التبيه.
فإنه يجوز في الثلاثين أن نخرج تبيع. - الموضع الثاني: ما تقدم معنا: أنه يجوز أن نخرج بدل بنت مخاض ابن لبون.
- الموضع الثالث والأخير: إذا كان النصاب كله ذكور.
فإذا كان الإنسان يملك أربعين من البقر كلها ثيران.
فالأربعين الأصل أنه يجب أن يخرج مسنة لكن نقول الآن أن تخرج بدل الأنثى ذكر لأنه جميع القطيع ذكران أي ثيران.
الدليل على الجواز: - أن الزكاة وجبت على سبيل المواساة والإنسان إنما يواسي الغير بما يجد.
= القول الثاني: أنه لا يجوز في الصورة الثالثة إخراج الذكر بل يجب أن نخرج الأنثى.
- لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نص في الأحاديث أحياناً على الذكر وأحياناً الأنثى ولا يجوز أن نخرج عما نص عليه الحديث بلا دليل شرعي.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أنه يجوز ابن لبون بدل بنت مخاض فقط وبين أنه يجوز التبيع مع التبيعة فقط ففيما عداه لا يجوز أن نخرج إلا الإناث تماشياً مع النص.
فنقول لصاحي الماشية يجب عليك وجوباً أن تشتري أنثى توافق النصاب المفروض وتخرج هذه الأنثى.
والأقرب والله أعلم.
مذهب الحنابلة.
لأن هذا الرجل لا يملك الآن إلا الذكور ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهو إنما أخرج الزكاة مواساة لإخوانه ولا يجب عليه أن يواسيهم بما لا يجد.
ولا شك أن الاحتياط أن يخرج أنثى في غير الصورتين وهو الأبر لذمته أن يخرج أنثى لكن لا أرى أنه يجب عليه وجوباً.
فيكوزن الراجح بهذه المسألة أنه يجوز أن نخرج الذكور إذا كان النصاب كله ذكور.
قال الشيخ حفظه الله: - قبل أن ننتقل إلى الغنم نلقي نظره على الجدول ......... ((ثم تكلم عن الجدول يحسن استماعه من التسجيل)).
فصل
[في زكاة الغنم]
• ثم قال رحمه الله:
(فصل) ويجب في أربعين من الغنم: شاة.
وفي مائة وإحدى وعشرين: شاتان، وفي مائتين وواحدة: ثلاث شياه.
ثم في كل مائة: شاة.
وجوب الزكاة في الغنم أيضاً محل إجماع.
ودل عليه النص والإجماع.
- أما الإجماع: فحكاه ابن المنذر وغيره ممن يعتنون بذكر الإجماعات.
- وأما النص فالغنم مذكورة في حديث أبي بكر الذي كتبه في كتابه الذي كتبه لأنس في البحرين وبين أنه أخذه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والفروض المذكورة في زكاة الغنم كما بينها المؤلف موجودة في نصها في حديث جابر.
فنأخذ الجدول لأنه يتوافق مع ما ذكره المؤلف رحمه الله .... ((ثم تكلم عن الجدول وبين وضرب أمثلة حفظه الله يحسن أخذها من التسجيل)).
ثم قال حفظه الله: (إذاً أنصبة البقر والغنم أسهل من أنصبة الإبل وأقل تفصيلاً .... ثم انتقل المؤلف إلى مسألة الخلطة.
• فقال رحمه الله: والخُلطة تصير المالين كالواحد.
في الخلطة مسائل كثيرة: ــ المسألة الأولى: أن الخلطة تؤثر في النصاب دون الحول.
ــ المسألة الثانية: الخلطة تؤثر في بهيمة الأنعام دون غيرها من الأموال الزكوية فلا تؤثر في الحبوب والثمار ولا في الذهب والفضة ولا في عروض التجارة ولا في غيرها من الأموال الزكوية.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن الخلطة تؤثر في بهيمة الأنعام ولا يوجد دليل على أنها تؤثر في غيرها فنبقى على أنها لا تؤثر إلا في بهيمة الأنعام.
ــ المسألة الثالثة:
الخلطة في اللغة: هي الشركة.
وفي الاصطلاح: تنقسم إلى قسمين:
- خلطة أعيان.
- وخلطة أوصاف.
ـ فخلطة الأعيان هي: أن يشترك اثنان فأكثر في بهيمة الأنعام بلا تميز بين ماليهما.
مثاله: أن يرث رجلان مائة من الإبل فهذه المائة هي ملك لهما على سبيل الشيوع - مشاعة بينهما - فليس لكل واحد منهما جزء محدد.
وكأن يشتريا.
ـ وخلطة الأوصاف: هي أن يجتمع المالان في أشياء معدودة - سيأتي ذكرها - مع تميز مال كل واحد من الشريكين.
مثاله: إذا ملك زيد خمسين من الإبل وعمرو خمسين من الإبل وصارت هذه الإبل تجتمع ويكون مجموعها مائة فتجتمع في المرعى وفي الأكل وفي غيرها مما سنذكره فهذه تعتبر خلطة أوصاف وليست خلطة أعيان.
ففي خلطة الأوصاف: هل يعرف كل واحد من الشريكين ماله وما عليه؟ نعم.
أما في خلطة الأعيان فالأمر مشاع لا يتحدد مالكل واحد منهما.
= ذهب الجماهير - كما هو مذهب الحنابلة -: إلى أن الخلطة تؤثر في الزكاة.
واستدلوا: - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة).
فدل على أنهما إذا اجتمعا وجمعا المالين أو فرقاهما أثر. - نمثل لمسألة لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع:
إذا ملك كل واحد من الشخصين عشرين من الشياه.
إذا استقل كل واحد منهما فهل نجب عليه الزكاة؟ وإذا اجتمعا؟ تجب.
إذاً هذا يتعلق بقوله: ولا يفرق بينهما خشية الصدقة. - الجمع: إذا كان لزيد أربعبن وعمروا أربعين وخالد أربعين.
فلو اجتمعوا لوجب عليهم شاة واحدة ولو تفرقوا لوجب ثلاث شياه لكل واحد شاة فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجوز أن تجمعوا بين هذه الشياه بقصد الفرار من الزكاة.
=القول الثاني: أن الخلطة لا تؤثر في الزكاة لا زيادة ولا نقصاً بل كل واحد من الشريكين يزكي ماله بحسب مقداره.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بالعمومات.
كقوله: (في كل خمس شاة) (في كل ثلاثين في البقر (تبيع) فهذا الحديث عام يشمل ما إذا كانت الأنعام مجتمعة وما إذا كانت متفرقة.
والجواب عليه: كما تقدم معنا: أن الخاص مقدم على العام.
وأن عموم أدلة القول الثاني تخصص بالأدلة الخاصة لأصحاب القول الأول وهم الجمهور.
والراجح: أن الخلطة تؤثر.
• يقول رحمه الله: والخلطة تصير المالين كالواحد.
يعني: في الزكاة.
من حيث المقدار وما يؤخذ منهما.
ــ مسألة: لا تؤثر الخلطة إلا إذا اشتركا في الشياه: - فمنهم من قال خمس.
- ومنهم من قال سبع.
- ومنهم من قال غير ذلك.
على المذهب هي خمسة أشياء: - الأول: المراح.
ويقصد بالمراح مكان المبيت. - الثاني: الفحل.
ويقصد بالفحل: أن لا يخصص فحل أحد المالين لضرب هذا المال فقط.
بل يكون الفحل مشاع للجميع.
ولا يقصد الفقهاء بقولهم الفحل أنه يجب أن يكون فحل واحد لجميع الغنم مثلاً بل الشرط أن لا نخصص فحلاً معيناً لفئة من الأموال فنترك المجموعتين على سجيتها بدون أن نخصص فحلاً معينا لأحد المالين. - الثالث: المسرح: وهو المكان الذي تجتمع فيه البهائم لتذهب إلى المرعى
- الرابع: الراعي.
- الخامس: مكان الحلب.
فيجب أنه يشترك المالان في هذه الخمسة أمور فإن لم يشتركا في جميع هذه الخمسة فلا يعتبر المال مخلوطاً وكل يخرج زكاته بحسب ماله.
وهذا عند الحنابلة.
والغالب في الخلط: أن يكون بسبب اتحاد الراعي.
فإذا كان يوجد في المدينة شخص يرعى الغنم ومعروف برعيه لها صار كل مجموعة من الناس يعطيه عدد من الغنم فتجتمع عند هذا الراعي من هذا خمس ومن هذا خمس إلى أن تجتمع عنده أعداد كبيرة فيأخذ حكم الخلطة ونقول أخرج الزكاة من مجموع ما لديك من الأغنام مثلاً مع العلم أنه قد يكون لكل واحد من الذي أعطوه شاة واحدة لكن أعطاه أربعين شخص أربعين شاة فوجبت فيه الزكاة شاة واحدة.
إذاً عرفنا الآن أن الخلطة تؤثر وعرفنا شروط تأثير الخلطة وعرفنا أن الصواب أنه يرجع في تحديد الخلطة إلى العرف الدارج بين الناس.
والراعي يخرج من أموالهم ثم يرجعون على بعضهم بالسوية.
فلو أن لشخص عشرين والآخر له عشرين وأخرجنا شاة من عشرين زيد فإن عمراً يعطي زيد نصف قيمة الشاة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في آخر الحديث: (وما كان من الخليطان فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية).
يعني يرجع بالقيمة على من دفع.
باب زكاة الحبوب والثمار
بعد أن أنهى رحمه الله الكلام عن زكاة بهيمة الانعام انتقل إلى باب زكاة الحبوب والثمار وهي ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
- أما الكتاب فآيات كثيره منها قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال ابن عباس: حقه الزكاة.
- وأما الإجماع فحكاه غير واحد من أهل العلم وهو إجماع في الجملة لأنه سيأتينا الإختلاف في الحبوب والثمار التي تجب فيها والتي لا تجب فيها.
فالإجماع يقصد به في الجملة فتجب الزكاة في الحبوب والثمار. - وأما السنة فأحاديث مستفيضة كثيرة سيأتينا أفرادها أثناء بحث الباب.
• قال رحمه الله: تجب: في الحبوب كلها ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر: كتمر وزبيب.
يريد المؤلف رحمه الله في هذه العبارة أن يبين الضابط الذي تجب فيه الزكاة في الحبوب والثمار فيقول: في الحبوب كل وفي كل ثمر يكال ويدخر.
= ذهب الحنابلة إلى أنه كل ما يكال ويدخر من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة ولذلك قال: في الحبوب كلها.
بناء على أن الحبوب كلها مما يكال ويدخر.
فالحنابلة يرون: أن كل حب أو ثمر يكال ويدخر فإنه تجب فيه الزكاة.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الاوق فدل على أن ما لا يكال لا تتعلق به الزكاة.
فهذا دليل الكيل.
وأما دليل الادخار فقالوا: - أن النعمة تتم وتكمل في الادخار يعني فيما يدخر دون ما لا يدخر فلا تجب فيه الزكاة.
فيشترط في الحبوب والثمار لكي تجب فيها الزكاة أن تجمع بين وصفين: - الادخار.
- والكيل.
وهذا مذهب الحنابلة.
وأنا عندي توقف في هذا الحديث ففي تصحيحه وتضعيفه إشكال فإن له شواهد ممكن أن تقويه وفي المقابل متنه غريب وفي اسناده ارسال ومما يزيد الاشكال أن الذين تكلموا فيه المتقدمون.
وكما تلاحظ الخلاف بين البيهقي وهو من المتقدمين والدارقطني.
فأوجد هذا نوع إشكال ففي تصحيحه وتضعيفه فيه نوع توقف عندي لكن مع ذلك أقول أن مذهب الحنابلة هو الصواب لأن في حديث الاوساق الإشارة الواضحة إلى مسألة الكيل.
وحديث معاذ إن صح يحمل على أنه لا يوجد في ذلك الوقت في اليمن مما تأخذ منه الزكاة إلا هذه الأربع أصناف .. (((الأذان))).
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما بين المؤلف الانواع التي تجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار انتقل بعد ذلك إلى بيان شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار.
- فالشرط الأول: أن يبلغ النصاب.
وعبر عن هذا بـ: • قوله - رحمه الله -: ويعتبر: بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي.
اشتراط بلوغ النصاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليس فيما دون خمس أوسق صدقة).
فنص على أن الصدقة لا تجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق.
والخمسة أوسق تساوي بميزاننا الحديث ستمائة واثنا عشر كيلو.
فإذا ملك الانسان هذا المقدار وجبت عليه الزكاة.
وتحديده بستمائة واثنا عشر كيلو مما اختلف فيه المعاصرون ولكن نختار هذا التقدير لكون شيخنا - رحمه الله - صنعه بيده.
فقام بقياس المقدار بيده - رحمه الله -. والاختلاف بينهم أمره يسير.
فيكون النعتبر والمعتمد إن شاء الله هذا الرقم: 612 كيلو.
• ثم قال - رحمه الله -: وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض: في تكميل النصاب.
أي إذا وجدت ثمرة واحدة لها أنواع فإن هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب ولا يعتبر كل نوع على حدة.
فمثلاً: إذا قلنا تجب الزكاة في العنب.
فإن العنب منه الأحمر ومنه الأبيض ومنه الطائفي ومنه البلدي وله أنواع معروفة فجمع هذه الانواع تضم بعضها إلى بعض فيما لو كانت مزرعة الإنسان تحتوي على جميع هذه الانواع فإذا بلغت النصاب المعتبر وجبت فيها الزكاة.
إذاً: الأنواع المختلفة لجنس واحد يضم بعضها إلى بعض.
ثم أراد المؤلف - رحمه الله - أن يبين حكم الجنس بعد أن بين حكم النوع.
وقبل ذلك نشير إلى أن قوله: (وتضم ثمرة العام الواحد) فالذي يضم ثمرة عام واحد أما ثمرة الأعوام المختلفة فلا يضم بعضها إلى بعض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث السعاة في كل سنة مرة واحدة.
فإذاً لا نضم بعضها إلى بعض فلو فرضنا أن الثمرة بقيت في بعض الشجر إذا أمكن ذلك إلى أن طلع الثمر من السنة القادمة فإنه لا يضم ثمر هذه السنة إلى ثمر السنة القادمة.
• ثم قال - رحمه الله -:
لا جنس إلى آخر.
يعني: لا يضم جنس من الحبوب أو الثمار إلى آخر.
فلا يجوز أن نضم البر إلى الشعير.
ولا التمر إلى العنب.
لأن هذه أجناس مختلفة لا يكمل نصاب بعضها من بعض لاختلاف الجنس وإنما يضم إلى بعضها إلى بعض إذا كانت أنواع مختلفة لجنس واحد.
• ثم قال - رحمه الله -: - مبيناً الشرط الثاني:
ويعتبر أن يكون النصاب: مملوكاً له وقت وجوب الزكاة.
- الشرط الثاني: أن يكون المال الزكوي من الحبوب والثمار مملوكاً للإنسان وقت وجوب الزكاة.
وسينص المؤلف - رحمه الله - في الفصل اللاحق على وقت وجوب الزكاة.
ووقت وجوب الزكاة هو: صلاح الثمر واشتداد الحب.
فبالنسبة للثمر: أن يصلح: بأن يحر أو يصفر.
وبالنسبة للحب: أنه يشتد.
فإذا وصلت الحبوب أو الثمار إلى هذه المرحلة فقد بلغت وقت الوجوب.
فمن شروط وجوب الزكاة: أن يكون المال مملوك للإنسان وقت الوجوب. - فإذا باع المزارع الثمرة قبل بدو الصلاح - وجوب الزكاة - فالزكاة على المشتري.
لأن المشتري هو الذي سيصادف وقت وجوب الزكاة. - وإذا باع الإنسان ثمرة بستاه بعد بدو الصلاح فالمشتري لا زكاة عليه وتكون الزكاة على البائع.
فيجب أن يخرج زكاة هذه الثمرة التي باعها.
ولما قرر المؤلف - رحمه الله - هذا الشرط: أنه لا تجب الزكاة إلا على من ملك النصاب وقت وجوب الزكاة وعرفت الآن متى يكون وقت وجوب الزكاة - انتقل إلى التفريع على هذا الشرط:
•
فقال - رحمه الله -:
فلا تجب فيما: يكتسبه اللقاط.
اللقاط: هو الذي يتتبع المزارع ليأخذ ما سقط منه سوار من الحب أو من الثمر.
فلو فرضنا أن هذا اللقاط أخذ من الأرض ما يبغ نصاباً فلا زكاة عليه لأن الشرط لم يتحقق في حقه فإنه ملك هذه الثمار والزروع بعد وقت الوجوب.
ونحن عرفنا أنه إذا ملك الإنسان الحبوب والثمار بعد وقت الوجوب فإن الزكاة لا تجب عليه.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو يأخذه بحصاده.
يعني: ولا تجب الزكاة على من أخذ الزرع بحصاده.
وصورة هذا: أن يقول شخص لآخر: قم بحصاد الزرع ولك ثلث ما نتج.
فإذا حصده وأخذ الثلث وبلغ الثلث نصاباً فإنه لا زكاة عليه لأنه ملكه بعد وقت الوجوب وهو: اشتداد الحب ز
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا فيما: يجتنيه من المباح كالبطم والزَعْبَل وبزر قطونا، ولو نبت في أرضه.
هذه الأشياء مباحه.
ومعنى أنها مباحه: أي أنها لا تملك إلا بعد الأخذ وهب قبل الأخذ ملك لجميع المسلمين.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ).
فالكلأ ونحوه مما ينبت بغير فعل الآدمي لا يملك إلا بالأخذ فقبل الأخذ هو مباح لجميع المسلمين.
فإذا أخذ الإنسان من هذه الأشياء المباحة ما يبلغ نصاباً فإنه لا زكاة عليه.
والتعليل: أن هذه الأشياء لا تملك إلا بالأخذ.
فإذاً هي وقت الوجوب لم تكن مملوكه لهذا الشخص.
ويستثنى من هذا: - إذا سقط في أرض الإنسان بذر مما اعتاد الآدمي على وضعه في الأرض فإنه تجب عليه الزكاة ولو سقط بغير قصد منه.
فلو أن شخصاً وقع أو سقط في أرضه المملوكة له بذر وأنبتت الأرض قمحاً ولم يكن وقوع هذا البذر بقصد منه وإنما بغير قصد منه فيجب عليه مع ذلك أن يزكي هذا الذي نبت في أرضه لأن هذا مما يملك وليس من الكلأ الذي يباح لجميبع الناس.
إذاً: هذه المسائل الثلاث مفرعة على الشرط الثاني: ما يأخذه اللقاط وما يأخذه بحصاده وما يجتنيه من المباح.
فصل [في قدر الواجب في الحبوب والثمار]
• ثم قال - رحمه الله -:
(فصل)
المؤلف - رحمه الله - يريد أن يبين في هذا الفصل القدر الواجب ويريد أن يبين متى يكون وقت الوجوب وسيبين جملة من المسائل المهمة جداً والتي تتعلق بالحبوب والثمار.
• قال - رحمه الله -:
يجب: عُشر فيما سُقي بلا مؤونة.
كلمة مؤنة هنا في هذه النسخة (نسخة الهبدان) يبدو أنها خطأ من الطابع أو شيء من هذا .. المهم أن النون عليها ضمة والصواب فتحة.
وأيضاً تضاف بعد الواو المهموزة واواً أخرى.
العشر هو: الواحد من عشرة.
فيجب في الزرع والثمر الذي سقي بغير بمؤونة العشر: بالإجماع.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فيما سقت السماء أو العيون أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر).
وهذا الحديث في البخاري ومسلم ولا إشكال في صحته.
إذاً إذا كان الزرع سقي بالسماء - يعني بالمطر - أو من خلال العيون التي تخرج من غير فعل آدمي أو كان عثرياً وهو الماء الذي يتجمع في البرك من غير فعل الإنسان ففي كل هذه الأحوال التي نص عليها الحديث يجب على المزارع أن يخرج العشر لأنه سقي بلا مؤونة.
وهذه الأشياء المذكورة في الحديث ذكرت على سبيل التمثيل.
فكل زرع سقي بلا مؤونة ففيه العشر.
ـ مسألة: كل عمل يقوم به المزارع مرة واحدة في السنة ثم لا يعود إليه إلا من السنة القادمة فإن الزرع يعتبر سقي به بلا مؤونة.
مثاله: إذا قام المزارع بشق حفرة ليأتي الماء من النهر إلى المزرعة مرة واحدة في أول السنة ثم صار الماء يأتي من النهر إلى المزرعة بلا عمل من المزارع فهذا يعتبرربلا مؤونة لأنه عمل في السنة مرة واحدة.
مثال آخر: إذا قام المزارع بتركيب الدولاب الذي يخرج الماء من النهر إلى المزرعة مرة واحدة والذي يدير الماء هو النهر لا الحيوانات فإنه يركبه في السنة مرة واحدة ثم لا يعود إليه فهذا يعتبر بلا مؤونة.
هذه الأشياء التي ذكرت في الحديث والتي ذكرتها الآن مما مثل به الفقهاء فكلها أمثلة.
والقاعدة: أن ما سقي بلا مؤونة فيه العشر.
• ثم قال - رحمه الله -: ونصفه معها.
يعني ويجب نصف العشر في الزرع الذي سقي بمؤونة. - للحديث السابق وللإجماع.
ـ مسألة: توضح المقام: كل ما احتاج المزارع لإخراجه من الأرض وإيصاله للزرع إلى آله فهو بمؤونه.
والمقصود بقول الفقهاء هنا: (آله) يعني تدار من قبل الآدمي.
أي بصنع وعمل الآدمي.
فإذا وضع آلة تدار بالحيوانات أو بالكهرباء أو بغيره من الوقود الذي تدار به الآلات فإنه يعتبر بمؤونة.
أما الآلة التي تدور بمرور الماء في النهر فهذه بغير صنع الآدمي وإنما بمجرد جريان النهر.
بناء على هذا: ما يوجد من آلات حديثة يخرج الماء عن طريقه في وقتنا المعاصر - كالدينموات والمكائن - فكل هذا يعتبر بمؤونة.
لأن المزارع احتاج في إخراج الماء إلى الزرع إلى آله وهذه الآلة تدار من قبل الإنسان.
عرفنا الضابط فيما سقي بمؤونة وعرفنا الحكم وهو: وجوب نصف العشر.
• ثم قال - رحمه الله -
وثلاثة أرباعه بهما.
يعني إذا سقي بمؤونة النصف وسقي بلا مؤونة النصف الآخر فإنه يجب فيه ثلاثة أرباع بإجماع الفقهاء.
- لأن هذا مقتضى العدل.
فإذا سقي ستة أشهر بمؤونة وسقي ستة أشهر أخرى بلا مؤونة فإن فيه ثلاثة أرباع إذا افترضنا أن النبتة بقيت هذا المقدار: اثنا عشر شهراً فإذا كانت عادة تبقى ستة أشهر فإذا سقيت ثلاثة بمؤونة وثلاثة بلا مؤونة ففيها كما قال المؤلف: ثلاثة أرباع.
• ثم قال - رحمه الله -: فإن تفاوتا: فبأكثرهما.
يعني إذا تفاوت السقي بين أن يكون تارة بمؤونة وتارة بلا مؤونة فـ: = عند الحنابلة يعتبر بأكثرهما.
والمقصود بالأكثرية هنا: الأكثر نفعاً ونمواً لا عدداً ووقتاً.
وهذا مهم في فهم مذهب الحنابلة.
فإذا افترضنا أن المزارع سقى الشجرة لمدة شهر بلا مؤونة وسقاها لمدة عشرين يوماً بمؤونة والذي أثر في نضج الثمرة ونموها السقي الأخرين لمدة عشرين يوماً ففيه النصف لأن السقي الذي أثر هو الذي بمؤونة.
الدليل: - قالوا: أن اعتبار كل سقيه ومعرفة مقدار كل سقيه أمر يشق فنرجع إلى الأكثر كما في السوم - في البهائم السائمة فإن في السائمة اعتبرنا الأكثر فكذلك هنا.
= القول الثاني: أنه إذا تفاوت السقي بمؤونة وبغير مؤونة يؤخذ بالقسط منهما.
لأنا إذا اعتبرنا القسط في النصف فكذلك فيما دون النصف أو أكثر من النصف.
يعني: أصحاب هذا القول يقولون: - عند جميع العلماء: إذا سقي النصف والنصف ففيه ثلاثة أرباع فإذا كنتم تعتبرون النصف حداً طبيعياً فكذلك إذا تفاوت فكان أكثر من النصف وأقل من النصف فكذلك يجب أن نراعي الحساب بحسب السقي.
فنعتبر هذا الأمر بالنسبة فالأكثر هو المعتبر.
وهذا القول الثاني هو: مقتضى العدل.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومع الجهل العشر.
يعني إذا قال المزارع أنا لا أدري أيهما أكثر السقي بمؤونة أو بغير مؤونة ولا أعرف مقدار كل منهما فنقول الواجب عليك حينئذ العشر.
لدليلين:
- أولاً: ليخرج من العهدة بيقين.
- ثانياً: لأن الأصل في الحبوب والثمار وجوب العشر وإنما خفف إلى النصف إذا كان يسقى بالمؤونة.
فنرجع إلى الأصل.
إذاً إذا قال المزارع أنه يجهل: نقول: الواجب عليك العشر.
ولو قيل في هذه المسألة أن المزارع يقدر ويحتاط لكان له وجه قوي جداً.
فنقول: قدر واحتط في هذا التقدير ثم زك بحسب النسبة.
فإذا قال: أنا لا أدري الزرع بقي لمدة ستة أشهر ولا أدري كم سقي بمؤونة وبغير مؤونة؟ نقول: هل تجزم بشهرين؟ فإذا قال: لا.
نقول: شهر ونصف.
إذا قال لا أجزم.
إذا قلنا فشهر؟ فقال: الشهر قطعاً.
أنه مر عليه شهر سقي بمؤونة.
فنقول: اعتبر هذا الذي تجزم به واخصم من الزكاة بمقداره.
أما على المذهب فإنه بمجرد ما يجهل نسبة كل منهما فيجب عليه مباشرة أن يخرج العشر.
ثم انتقل المؤلف إلى بيان وقت الوجوب: • فقال - رحمه الله -: وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر: وجبت الزكاة.
= ذهب الجماهير إلى هذا الضابط.
أنه إذا اشتد الحب وبدا الصلاح فقد حصل وقت الوجوب.
واستدلوا على هذا: - بأنه حينئذ يقصد بالأكل والاقتيات.
فإذاً وقت الوجوب هو اشتداد الحب وبدو الصلاح.
وبدو الصلاح يعني: أن تحمر أو تصفر الثمرة إذا كانت مما يحمر أون يصفر.
ويأتي معنا ما تقدم من المسائل المهمة التي كثير من الناس يضطرب فيها فيقول من يخرج الزكاة.
هل الذي يشتري المزرعة يخرج الزكاة أو مالك المزرعة يخرج الزكاة؟ وقد عرفنا من هو الذي يخرج الزكاة؟ وهو: الذي تكون الثمرة مملوكة له وقت الوجوب سواء كان البائع أو المشتري.
فأي إنسان يملك الثمرة أو الزرع وقت الوجوب فهو الذي مخاطب بوجوب إخراج الزكاة.
وغالباً سيكون: المالك - البائع - لأنه لا يجوز أصلاً بيع الثمر قبل بدو الصلاح.
فدائماً سيكون من يجب عليه الزكاة هو: المالك - البائع.
لأنه أصلاً لا يجوز له أن يبيع إلا بعد الصلاح.
إذاً: لو قيل: هل لهذه المسألة فائدة؟
نقول: نعم لها فائدة لأنه يوجد صور فيها خلاف لكن أجاز بعض أهل العلم شراء الثمر فيها قبل بدو الصلاح.
من أمثلة هذه الصورة: أن يشتري الإنسان الثمر قبل بدو الصلاح بشرط القطع ثم يبقيها من غير حيلة.
فلو جاء إنسان ليشتري ثمر النخيل لهذا العام قبل بدو الصلاح نقول له: لا يجوز أن تشتري قبل بدو الصلاح.
فإذا قال: سأشتري ثم أقطع مباشرة ولن أنتظر النضج لأني سأستعمل هذه الثمار لإعلاف الدواب.
نقول: إذا كان ستقطع مباشرة فيجوز أن تشتري قبل بدو الصلاح.
ثم لما اشترى بدا له أن يترك الثمرة - من غير حيلة بحيث يكون نوى من الأصل فحينئذ يجوز له أن يشتري وأن يبقي الثمرة ويكون الزكاة على امشتري في هذه الصورة.
فالمهم نقول: من ملك هذه الحبوب والثمار وقت وجوب الزكاة فهو الذي يجب عليه أن يخرج الزكاة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا يستقر الوجوب: إلاّ بجعلها في البيدر، فإن تلفت قبله بغير تعد منه: سقطت.
البيدر هو: اسم للمكان الذي تجمع فيه الثمار ليتم نضجها ويبسها.
فالمؤلف - رحمه الله - يقول: لا يستقر الوجوب إلا بجعلها بالبيدر.
يعني: إذا خرصنا الثمر على رؤس النخل وعرفنا مقدار الزكاة فيه ثم قبل أن تحصل هذه الثمرة وتجعل في مكان جاف تحت الشمس لتيبس فقبل ذلك أصابتها جائحة فإنه لا يجب على مالك الثمرة الزكاة.
= وهذا مذهب الجمهور.
واستدلوا على ذلك:
- بأن هذه الثمرة قبل التحصيل ليست في يده ولا تحت تصرفه ولو أصابتها جائحة بعد البيع لرجع البائع على المشتري فإذا تلفت لم تجب فيها الزكاة.
لكن اشترط المؤلف - رحمه الله - كما تلاحظ في المتن شرطاً: أن يكون ذلك بغير تعد منه: • فقد قال - رحمه الله -: فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت.
إذا تلفت بغير تعد من المزارع قبل أن يجعلها في البيدر سقطت.
أما إذا تلفت بتعد منه فإنها لا تسقط.
مثال التعدي: أن يتساهل المزارع قبل جني الثمرة ويرش هذه الثمرة بالسم القاتل للحشرات المضرة ولكن يتساهل ويفرط ويكثر من الرش ولا يراعي الطريقة الصحيحة للرش فيؤدي ذلك إلى فساد الثمر.
فعلى المذهب يجب على المزارع أن يضمن الزكاة لأنها فسدت بتفريط منه.
وعرفنا بهذه للمؤلف: أن الثمرة من حيث التعدي والتفريط ووجوب الزكاة لها ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أن تفسد قبل وجوب الزكاة: يعني: قبل بدو الصلاح: فحينئذ: لا تجب الزكاة ولو فسدت بتعدي وتفريط المزارع.
لأن الزكاة لم تجب في ذمته أصلاً قبل وقت الوجوب. - النوع الثاني: الذي ذكره المؤلف عندنا هنا: أن تتلف بعد وجوب الزكاة وقبل جني الثمرة: فإن فرط ضمن وإن لم يفرط لم يضمن.
- النوع الثالث: أن تتلف الثمرة بعد جنيها ووضعها في البيدر: فحينئذ يجب على المالك أن يضمن الزكاة ولو كان التلف بغير تفريط ولا تعدي.
إذاً هذه ثلاثة أنواع مهمة جداً للمزارعين: متى يجب عليه أن يضمن.
- ومتى يجب أن يضمن؟.
بالنسبة للنوع الأول وهو: إذا تلفت قبل وجوب الزكاة لا إشكال أنه لا يضمن لأنها لم تجب أصلاً سواء كانت بتعدي أو تفريط أو بغير تعدي أو تفريط.
وبالنسبة للنوع الثاني والثالث: = القول الثاني: أن المزارع لا يضمن مطلقاً في أي مرحلة من مراحل الثمرة إلا بالتعدي والتفريط. - تعليل ذلك: أن يد المزارع على الثمرة يد أمانة والقاعدة تقول: ((أن يد الأمانة لا تضمن إلا بتعدي أو تفريط)).
وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله.
ـ مسألة: - تبين ثمرة الخلاف - إذا خذ الإنسان التمر ووضعه في الجريد أو في البيدر لينضج أن ليتم نضجه ويبسه واحترق بغير تفريط ولا تعدي منه: فما الحكم؟ = عند الحنابلة: يضمن.
لأنه بعد جني الثمرة.
= وعلى القول الصواب: لا يضمن.
إذا تلفت الثمرة بعد وقت الوجوب وقبل الجني بغير تعد ولا تفريط فعلى القولين لا يضمن لا عند الحنابلة ولا عند أحاب القول الثاني.
إذا تلفت الثمرة قبل وجوبها بتعد وتفريط: لا يضمن.
إذا تلفت قبل جنيها بتعد وتفريط: يضمن عند الجميع.
وإذا تلفت بعد جنيها بتعد وتفريط: يضمن.
إذاً يضمن دائماً بتعد وتفريط إلا إذا كان ذلك قبل الوجوب.
• ثم قال - رحمه الله -
ويجب: العشر على مستأجر الأرض.
يعني: أن الذي يجب عليه إخراج الزكاة هو: المستأجر لا مالك الأرض.
لأن المستأجر الذي زرع هو المالك الحقيق للثمرة لا صاحب الأرض.
يدل على هذا: أن من استأجر حانوتاً فإن وجوب زكاة التجارة عليه على مؤجر الحانوت فكذلك من أجر أرضاً لمن يزرعها فالزكاة على الزارع لا على مالك الأرض.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله للكلام عن العسل:
• فقال - رحمه الله -:
وإذا أخذ من ملكه أو مواته من العسل مائة وستين رطلاً عراقياً ففيه: عشره.
بين المؤلف - رحمه الله - في هذه العبارة مسألتين:
ـ المسألة الأولى: النصاب وهي مائة وستين رطلاً.
الدليل على هذا التقدير:
- أنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قدر نصاب العسل بهذا المقدار وهو يساوي: بالكيلوات المعاصرة 62كيلو تقريباً.
= القول الثاني: لأبي حنيفة أن الزكاة تجب في العسل في قليله وكثيره. - لعموم قوله تعالى: - (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ .. ) -[البقرة/267]. فإنه يعتبر العسل من جنس الخارج من الأرض فتجب عنده في القليل والكثير.
والصواب.
أنها لا تجب إلا إذا بلغت هذا المقدار لوروده عن عمر - رضي الله عنه -. ـ المسألة الثانية: عند قوله: (ففيه عشره) يعني: أن الزكاة تجب في العسل وإلى هذا ذهب الإمام أحمد - رحمه الله -. وهو مذهب الحنابلة والمذهب الشخصي للإمام أحمد.
استدلوا على هذا بأمرين: - أولاً: أحاديث مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب الزكاة في العسل على بعض أهل اليمن.
ولا يصح في وجوب زكاة العسل حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقاً.
فجميع الأحاديث المرفوعة التي تفيد وجوب زكاة العسل ضعيفة. - ثانياً: أنه صح عن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر رجلاً من أهل اليمن أن يخرج زكاة العسل الذي يملك نحله ومقابل ذلك يقوم عمر - رضي الله عنه - بمنحه مساحة من الأرض لنحله ويحميها له فقال: نحمي لك وتخرج الزكاة.
= القول الثاني: أنه لا تجب الزكاة في العسل. - لأن الأصل براءة الذمة وحرمة مال المسلم.
- ولأنه لم يثبت في حديث صحيح وجوب الزكاة في العسل.
والقول الثاني هو الصواب.
والقول الأول يتعين فيه الاحتياط لأنه مروي عن عمر - رضي الله عنه - ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالفه أو اعترض عليه.
فينبغي لمن ملك عسلاً أن يحتاط ويخرج العشر من القيمة أو من نفس العسل.
وكما قلت الاحتياط في هذا في الحقيقة متعين - نقول الاحتياط متعين لا الزكاة ..
• ثم قال - رحمه الله -:
والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية.
الركاز عرفه المؤلف.
فهو ما يوجد من دفن الجاهلية.
يعني: ما يجده الإنسان مدفوناً عليه من العلامات ما يدل أنه دفن في العهد الجاهلي.
فتبين من هذا أنه إذا وجد مدفوناً عليه من العلامات ما يدل أنه دفن في عهد المسلمين فليس من الركاز.
وهو كذلك ويعتبر من اللقطة.
ثم بين المؤلف - رحمه الله - حكمه:
• فقال - رحمه الله -:
فيه الخمس في قليله وكثيره.
الركاز: تميز بأحكام يختص يها لا يشترك معه غيره من الأموال الزكويه:
- منها: أن الزكاة تجب في قليله وكثيره.
- ومنها: أنه لايشترط له حول وأنه - كما قلنا لا يشترط له نصاب.
- ومنها: أن مصرفه في مصالح المسلمين لا كما في الزكاة في الأصناف الثمانية التي ستأتينا.
إذاً اختلف عن غيره من الأموال الزكوية بهذه الثلاثة أمور.
الدليل على هذا: - قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وفي الركاز الخمس).
وقوله: الخمس.
قال الحنابلة: المقصود بالخمس هنا ال في الخمس للعهد الذهني يعني: الخمس المذكور في كتاب الله (لله ولرسوله) يعني بعبارة أخرى: الخمس الذي يجب في الفيء وهو يصرف في مصالح المسلمين العامة.
فإذا أخرج الخمس من الرماز مهما كانت قيمة هذا الركاز فإن الباقي له قد ملكه إياه الشارع مهما كان نوع الموجود فما دام له قيمة وثمن سواء كان من الذهب أو الفضة أو من غيرهما.
فإذا وجد معدناً نفيساً ففيه الخمس ولو لم يكن من الذهب والفضة.
باب زكاة النقدين
.
• ثم قال - رحمه الله -:
باب زكاة النقدين.
يجب في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالاً .. الخ.
الذهب تجب في الزكاة بالإجماع فلم يخالف في هذا أحد من أهل العلم ولله الحمد.
وقد دل على وجوبه: الكتاب والسنة.
- أما من الكتاب: فقوله تعالى: - (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) -[التوبة/34].
ومن المعلوم أن البشارة بالعذاب الأليم لا تكون إلا على ترك واجب بل على ترك فريضة.
-
ومن السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ثم أحمي عليها في نار جهنم ثم كوي بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس).
ولا يخفى مقدار المبالغة في العذاب المذكور في هذا الحديث فإنه ذكر أنها تصفح صفائح من نار ومع هذا يحمى عليها في نار جهنم ومع هذا يبقى يكوى عليها لمدة طويلة وهي خمسين ألف سنة ومع هذا يكوى في أكثر من موضع ومع هذا يكوى في أماكن يشتد فيها الألم وهو الجنب والظهر والجبين ومع هذا يكوى في موقع فيه إهانة وتوبيخ وهو الجبين.
فلاحظ كيف شدد في العذاب على تارك الزكاة ولهذا اتفقوا على أن تارك الزكاة مرتكب كبيرة.
• قال - رحمه الله -: يجب في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالاً: ربع العشر.
مع اتفاق العلماء على وجوب الزكاة في الذهب إلا أنه ليس في السنة حديث صحيح يدل على نصاب الذهب وهذا من الغرائب ومن حكمة الله.
إذاً: ما هو الدليل؟ الدليل: ذكروا أشياء: -
الأول: الإجماع فإن أهل العلم أجمعوا على أن نصاب الذهب عشرين دينار إلا واحد من السلف خالف وهو الحسن البصري فقال: النصاب أربعين مثقالاً.
إذاً الدليل الأول الإجماع إلا ما يذكرلا عن الحسن. -
الثاني: روي في الباب أحاديث عن عائشة رضي الله عنها وعن علي - رضي الله عنه - ولكنها ضعيفة.
-
الثالث: فيه آثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلا إشكال إن شاء الله في أن النصاب هو عشرون مثقالاً.
ـ مسألة - مهمة جداً -: هل نصاب الذهب يعتبر نصابا مستقلا أو يعتبر بالفضة؟ أي: إذا وجدنا عشرين دينار قيمتها أقل من مائتي درهم فهل تجب فيها الزكاة؟ وأيضاً: إذا وجدنا أقل من عشرين دينار لكن قيمتها مائتي درهم فهل تجب فيها الزكاة؟ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين: = القول الأول: أن الذهب له نصاب مستقل لا يعتبر ولا يرتبط بالفضة فيجب لكي نخرج زكاة الذهب أن يبغ عشرين مثقالاً برأسه.