شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 289-328
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 289-328
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

لأنه شرط استطاع أن يحصله فوجب أن يصلي به مستأنفاً قياساً على المتيمم إذا حضر الماء في أثناء الصلاة والأقرب والله اعلم القول الأول وهو مذهب الحنابلة • ثم قال - رحمه الله - وإلا ابتداء أي وإن كانت السترة بعيدة عرفاً وتحصيلها يستلزم حركة كثيرة فإنه يجب عليه أن ينصرف من الصلاة ويستر عورته ويستأنف الصلاة من جديد يبدأها من جديد إذاً فرق المؤلف - رحمه الله - بين كون السترة قريبة وبين كون الستر بعيدة وهذا التفريق صحيح فما ذكره المؤلف - رحمه الله - في الصورتين يتوافق إن شاء مع الأصول الشرعية ظو ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى مبحث آخر وهو ما يكره وما يحرم في الصلاة • فقال - رحمه الله - ويكره في الصلاة السدل عرفنا الآن أن السدل مكروه وأن الكراهة تختص بالصلاة بقي أن نعرف ما هو السدل؟ وما هو الدليل على الكراهة؟ السدل هو أن يطر ح الرداء على كتفيه من غير أن يرد طرفيه على منكبيه وقيل أن السدل هو نفس الإسبال واختاره من الحنابلة ابن عقيل لكن ضعفه شيخ الاسلام - رحمه الله - وقيل أن يلقي بالثوب على رأسه ويجعل طرفي الرداء يميناً وشمالاً منسدلان من غير أن يردهما على عاتقيه أو على منكبيه كم صار من قول في تفسير السدل؟ ثلاثة الدليل حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السدل في الصلاة وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد بل قال ابن المنذر - رحمه الله - لا نعلم في النهي عن السدل حديثاً ثابتاً والقول الثاني أن السدل لا يكره لأنه لا يوجد دليل صحيح على الكراهة واختار هذا القول ابن المنذر - رحمه الله - وهذا القول هو الصواب لكن مع ذلك ينبغي للإنسان أن يتجنب السدل لأنه صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه النهي عنه فينبغي للإنسان أن يتجنب السدل احتياطاً لكن كما قلت من حيث الأدلة لا يوجد دليل من السنة على كراهية السدل • ثم قال - رحمه الله - واشتمال الصماء أي ويكره في الصلاة اشتمال الصماء حكم اشتمال الصماء

عند الحنابلة مكروه ولكن بشرط أن لا يكون عليه إلا ثوب واحد فإن كان عليه ثوبان جاز ت هذه اللبسة بلا كراهة إذاً ما هو شرط الكراهة عند الحنابلة أن يكون لا بساً ثوباً واحداً عرفنا الآن حكم اشتمال الصماء عند الحنابلة تعريف اشتمال الصماء هو أن يضع وسط الرداء تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر كالاضطباع في الإحرام تماماً وإنما جاز في الإحرام لأن المحرم يكون عليه ثوبان وهذا التفسير تفسير عامة العلماء وجمهور السلف بل روي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والقول الثاني في التفسير أن اشتمال الصماء هو أن يشتمل بثوبه على جسده بحيث يلف جسده كله ولا يجعل ليديه مخرجاً وهذا تفسير أهل اللغة إذاً عندنا تفسيران لاشتمال الصماء الأول لجمهور الفقهاء والثاني لأهل اللغة والراجح التفسير الأول وممن رجح هذا التفسير ونصره ابن قدامة - رحمه الله - فإنه قال الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة وصدق فهم أعلم بمعاني الحديث من أهل اللغة الذين يفسرون تفسيراً لغوياً صرفاً والدليل ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اشتمال الصماء الحكمة من النهي: خشية انكشاف العورة والحكمة من النهي على تفسير أهل اللغة هي أن من اشتمل الصماء لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضرر في ما لو طرأ عليه طارئ بسبب أنه لا يستطيع أن يخرج يديه عرفنا الآن معنى اشتمال الصماء والدليل على المنع منها وترجيح أي المعنيين فيها

  • مسألة هل يختص النهي عن اشتمال الصماء في الصلاة أو هو ممنوع منه في الصلاة وخارج الصلاة؟ الجواب قال ابن رجب - رحمه الله - ليس في الحديث تخصيص النهي حال الصلاة فالصواب أنه ينهى عن هذه اللبسة داخل الصلاة وخارج الصلاة خلافاً لتقييد المؤلف لأنه يقول يكره في الصلاة • ثم قال - رحمه الله - وتغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه يكره للإنسان أن يصلي وهو مغطي لفمه أو لوجهه الدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يغطي المصلي فاه وإسناد هذا الحديث ضعيف

الدليل الثاني أن لا يتشبه بالمجوس والتشبه بغير المسلمين محرم الدليل الثالث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المصلي أن يسجد على سبعة أعظم ومنها الأنف فإذا غطاه فلن يسجد عليه

  • يستثنى من هذا الحكم إذا غطى الإنسان أنفه أو فمه لسبب صحيح كما إذا تثاءب أو وجد ريح شديدة تضره أو لأي سبب صحيح فإذا وجد هذا السبب ارتفعت الكراهة • ثم قال - رحمه الله - وكف كمه ولفه يكره للمصلي أن يكف الثوب أو أن يلفه وهذا يتناول الكم والطرف الأسفل من الثوب الدليل على النهي: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أكف شعراً ولا ثوباً وهذا في الصحيحين إذاً يكره للإنسان أن يكف ثوبه سواء فيما يتعلق بطرف الثوب الأسفل أو الكم
  • مسألة: فإن كف ثوبه أو شعره فإنه فعل مكروهاً والصلاة صحيحة بالإجماع وهذا النهي بالنسبة للثياب يختص بالثياب التي من شأنها ألا تُكَفْ أما الثياب التي اعتاد الناس على أن تكف أحيانا وتبقى مسدولة أحياناً فلا تدخل في النهي كالشماغ في المعاصرين فإنه أحياناً يبقى مسدول وأحياناً يكف وهذا مما جرت به العادة فيجوز للإنسان أن يكف أو أن يسدل ولا يدخل في النهي: بينما الثياب فمن المعلوم أن الناس جرت عادتهم على إبقائها بلا كف ولا طي بالنسبة للكم أو بالنسبة لأسفل الثياب • ثم قال - رحمه الله - وشد وسطه كزنار أي يكره للمصلي أن يشد وسطه بما يشبه الزنار وهو ما يشد به أهل الذمة أوساطهم والزنار رابط مخصوص يربط به الوسط عند أهل الكتاب وله صفة مخصوصة فمن شد وسطه بهذا الرابط الذي يشبه الزنار فهو مكروه عند الحنابلة الدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من تشبه بقوم فهو منهم وهذا الحديث إسناده جيد والقول الثاني أن شد الوسط بما يشبه الزنار محرم لأن التشبه محرم وقد ذكر شيخ الاسلام - رحمه الله - أن أقل درجات هذا الحديث أن يدل على التحريم فهذه أقل درجاته وإذا كان النهي سببه التشبه فلا يختص بالصلاة بل يحرم في الصلاة وخارج الصلاة

إذاً النهي لا يختص بالصلاة لأن سببه التشبه والتشبه لا يجوز لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أن الإنسان لو شد وسطه بما لا يشبه الزنار فلا بأس وهذا هو الصحيح وقد كان لأسماء رضي الله عنها نطاقان تشد بهما وسطها وثبت عن عدد من الصحابة شد الوسط بما لا يشبه الزنار • ثم قال - رحمه الله - بدأً بالمحرم وتحرم الخيلاء في ثوبه وغيره الخيلاء في الثوب وفي غير الثوب كالعمامة ونحوها محرمة الدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ... وجر الثوب خيلاء محرم وهو من الكبائر مسألة فإن جَرَّ ثوبه لغير خيلاء فاختلف الفقهاء منهم من قال يجوز جر الثوب لغير الخيلاء لأن الحديث جاء فيمن جره خيلاء والقول الثاني أنه يحرم الإسبال مطلقاً للخيلاء ولغير الخيلاء واستدلوا بدليلين الأول قوله - صلى الله عليه وسلم - ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار وهذا حكم آخر وعقوبة أخرى لمجرد الإسبال الدليل الثاني أن عمرو بن زرارة رضي الله عنه رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - مسبلاً فنهاه وغضب فقال رضي الله عنه إن في ساقي حموشه فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وزجره وقال إن الله لا يحب المسبل والحديث حسن ففي هذا الحديث أن عمرو رضي الله عنه أسبل لا للخيلاء وإنما لتغطية عيب ساقيه ومع ذلك نهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أن النهي لا يختص بالخيلاء وإنما الخيلاء تسبب زيادة الإثم وعظيم العقوبة الراجح القول الثاني أن الإسبال محرم مطلقاً ومن الفقهاء من قال كل مسبل فقد اختال أراد أو لم يرد فهؤلاء يناقشون في أصل المسألة ويقولون لا يثبت أن يوجد رجل يسبل قصداً من غير خيلاء وممن نصر هذا القول ابن العربي المالكي - رحمه الله - وعلى كل سواء قلنا أن كل مسبل فهو مختال أو قلنا أنه يتصور أن يوجد مسبل لا يختال فالراجح أن الإسبال محرم مطلقاً ولا يجوز وهو من الكبائر مع الخيلاء وبدون الخيلاء الأذان انتهى الدرس

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

• قال المؤلف - رحمه الله -: والتصوير واستعماله.

أي: ويحرم التصوير.
والتصوير محرم وهو من الكبائر والاحاديث والنصوص في تحريم التصوير كثيرة جداً منها:

  • قوله - صلى الله عليه وسلم - (إن المصورين يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خقلتم).

  • ومنها قوله: - صلى الله عليه وسلم -: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة).
    وستأتي معنا أحاديث أخرى.
    ويفهم من عموم قول المؤلف - رحمه الله -: (والتصوير).
    أنه يحرم سواء كان له ظل أو لم يكن له ظل.
    وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه النصوص:

  • كحديث علي - رحمه الله - الثابت الصحيح أنه قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا أدع صورة إلا طمستها.
    ومعلوم أن الطمس يكون للصور المسطحة لا للصور المجسمة.
    فتبين من هذا كله: أن التصوير: =عند الحنابلة: محرم.
    سواء له كان له ظل أو لم يكن له ظل.
    والمقصود بالتصوير المحرم هو: تصوير ذوات الأرواح.
    أما تصوير ما ليس له روح مما يوجد في الطبيعة كالأشجار أو مما صنعه الإنسان كالمصنوعات الحديثة ونحوه فهو جائز بلا إشكال.

  • مسألة / يذهب حكم التصوير أي: يزول التحريم إذا زال من الصورة الرأس.
    فإن زال من الصورة غير الرأس بقي التحريم ولو كان الذي زال تزول معه الحياة.
    إذاً الشيء الوحيد الذي إذا زال زال حكم الصورة هو: الرأس.
    لدليلين:

  • الأول: حديث جبريل أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - (مر برأس التمثال يقطع فيصيركهيئة الشجرة).

  • والثاني: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما الصورة الرأس).
    وهذا الحديث اختلفوا فيه: رفعاً ووقفاً:

  • والأقرب والله أعلم: أنه موقوف ومع ذلك هو قوي لأن القول بأنه ليس مما يقال من قبل الرأي وجيه.
    إذاً: الجزء الوحيد الذي يذهب حكم الصورة معه هو الرأس.
    • ثم قال المؤلف - رحمه الله -: واستعماله.
    أي: يحرم استعمال الصور.

وليس مقصود المؤلف - رحمه الله -: يحرم استعمال التصوير.
لأهذا تكرار لا فائدة منه.
لأنه إذا قال: (يحرم التصوير) فلا فائدة في أن يقول: (يحرم استعماله) لأن استعمال التصوير هو التصوير.
وإنما الذي يستعمل هو المُصَوَّر.
فلا يجوز أن يستعمل لا في اللباس ولا في ستر الجدر ولا في أي نوع من أنواع الاستعمال.
الدليل على ذلك:

  • ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وقد سترت سهوة لها بقرام - والقرام هو: الستر الرقيق - فيه تصاوير فهتكه وغضب وتغير وجهه - صلى الله عليه وسلم - وقال: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة).
    فدل هذا الحديث على أن استعمال الصور لا يجوز.
    واستعمال الصور في اللباس: أشد تحريما منه في ستر الجدر بسبب: أن الانسان يصلي عادة في ما يلبس.

  • مسألة / هل يزول تحريم الصور استعمال الصور بكونها ممتهنة؟ الجواب: في هذا خلاف بين أهل العلم: = فذهب الجمهور من السلف والخلف من الصحابة والتابعين والائمة الأربعة - ورجحه عدد من المحققين كالحافظ بن عبد البر: أن الامتهان يرفع التحريم أي: أنه يجوز استعمال الصورة الممتهنة الموضوعة في الأرض.
    واستدل الجماهير على هذا الحكنم:

  • بأن عائشة - رضي الله عنها - لما غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الستر أخذته فقطعته وسائد واتكأ عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -. فدل هذا على: أن ما يتكأ عليه مما يمتهن ويداس يجوز ولو كان فيه تصاوير.
    = والقول الثاني: أنه لا يجوز استعمال الصور ولو كانت ممتهنة:

  • لعموم النصوص.

  • ولما ثبت في صحيح البخاري - أيضاً - أن عائشة - رضي الله عنها - اتخذت نمارق - يعني: وسائدة فيها تصاوير - فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم -. والنصوص في هذه المسألة فيها شيء من التعارض.

    • ومن حيث الإحتياط: لا شك أن الابتعاد عن الصور مهما كانت هو الأحوط والأبعد عن الشبهة.
    • ومن حيث الاستدلال والبحث العلمي: ففي الحقيقة أنا مقلد - في هذه المسألة - لجماهير الصحابة والأئمة الأربعة فأرى أن ما قالواه هو الصواب - تقليداً.
      والسبب: أنه لم يتبين لي ترجيح بسبب تعارض الأدلة.

فحديث عائشة في البخاري وحديثها الآخر في البخاري.
والحديثان: - أحدهما: يدل على جواز استخدام الوسائد أو ما يتكأ عليه.

  • وحديثها الآخر: يدل على التحريم.
    وذكر ابن حجر في فتح الباري أوجه كثيرة في الجمع لم أر أن شيئاًمنها صحيح.
    ففي الحقيقة يوجد تعارض.
    ولذلك كما قلت لكم - أنا مقلد فيها للصحابة والأئمة الأربعة.
    • ثم قال - رحمه الله -: ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته.
    يحرم على المسلم أن يستعمل المنسوج والمموه بذهب.
  • فالمنسوج هو ما فيه خيوط من ذهب إما في أطرافه أو في الأكمام.
  • والمموه هو: المطلي بالذهب.
    وإذا كان المنسوج والمموه محرم الإستعمال فالخالص من باب أولى ولذلك لم يذكره المؤلف - رحمه الله - استغناء بذكر المنسوج والمموه.
    فتحصل لنا الآن: أن استعمال الذهب للرجال محرم.
    ولو كان على سبيل النسج ولو كان مموهاً.
    الدليل: في الباب أحاديث كثيرة تدل على تحريم الذهب للرجال لكن غالب هذه الأحاديث ضعيف ولا يثبت وسنذكر حديثين هما أقوى أحاديث الباب:
  • الحديث الأول: حديث علي ابن أبي طالب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الذهب بيمينه والحرير بشماله وقال: (إن هذين محرمان على ذكور أمتي).
    هذا الحديث - أيضاً - فيه ضعف لكن حسنه الحافظ ابن المديني - رحمه الله - وله شواهد يتقوى بها.
  • الدليل الثاني: أن صحابياً اتخذ خاتماً من ذهب فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب وأخذه وألقاه وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده).
    فهذان حديثان يدلان على تحريم الذهب ولو كان يسيراً.
    وتحريم الذهب ولو كان يسيراً: = مذهب الجمهور.
    وهو الاحوط بلا شك.
    • ثم قال - رحمه الله -: قبل استحالته.
    الضمير يعود فقط على المموه.
    والاستحالة هي: تغير اللون بحيث لا يتحصل منه شيء إذا عرض على النار.
    وتعليل هذا الحكم: وهو جواز المموه استعمالاً إذا استحال.
  • القاعدة التي تقدمت معنا مراراً وهي: ((أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً)).
    فلما استحال الذهب الذي مُوِّهَ به الثوب أو الاناء زال الحكم مع زوال الذهب لأنه علة التحريم.
    • ثم قال - رحمه الله -: وثياب حرير.
    ثياب الحرير: محرمة.
    والدليل على تحريمها:
  • ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثياب الحرير وقال: (من لبسها في الدنيا لم يلبسها في الآخرة).
    ولذلك فحديث تحريم الحرير ثابت في الصحيحين لا إشكال فيه بخلاف تحريم الذهب فكما سمعتم أحاديث فيها ضعف.
    ثم بدأ المؤلف - رحمه الله -: التفصيل في مسألة ثياب الحرير وسيذكر تفصيلاًَ كثيراً لأن الحاجة كانت كثيرة إلى ثياب الحرير بخلاف وقتنا هذا فإنه في وقتنا هذا المنسوجات صارت تضاهي رقة وجودة الحرير بينما في السابق لا يجد الإنسان ثوباً جيداً ليناً إلا في الغالب أن يكون من الحرير.
    ولذلك تجد أن الفقهاء فصلوا تفصيلاً دقيقاً في حكم لبس ثياب الحرير.
    ويقصد - رحمه الله - هنا في قوله: (وثياب حرير): أي الحرير الخالص.
    • ثم قال - رحمه الله -: وما هو أكثره ظهوراً على الذكور.
    يحرم الثوب الذي خيط من حرير ومن غيره إذا كان الحرير هو الأكثر ظهوراً ولو كان الأقل وزناً.
    الدليل:
  • ما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حلة سيراء فلبسها فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يعطيها نسائه.
    والحلة السيراء هي: نوع من البُرُد مخطط بالحرير.
    فدل الحديث على أن الحرير إذا وجد في الثوب وكان له الظهور الأكثر فيعتبر الثوب كله محرم لهذا الحديث.
    فإن الخطوط التي في الحلة السيراء - هذه البرد - فيها خطوط.
    سبب التحريم: كونها ظاهرة.
    وعلى هذا حمل كثير من الفقهاء هذا الحديث وهو الحمل الصحيح: أن التحريم بسبب: أن الخطوط كان لها الظهور - كانت هي: الظاهرة للعيان والمشاهدة.

إذاً عرفنا:

  • أن الحرير الخالص محرم.
  • وأن الثوب إذا كان فيه حرير وفيه غير الحرير والظهور للحرير أنه أيضاً محرم.
    تأتينا الصورة الثالثة: المتبادرة إلى الذهن: • قال - رحمه الله -: لا إذا استويا.
    إذا لبس الإنسان حلة استوى فيها الحرير وغيره: = فعند الحنابلة تجوز.
    لقوله: (لا إذا استويا) يعني: فلا يحرم.
    واستدلوا على ذلك بأمرين:
  • الأول: الأصل في اللباس الحل.
  • والثاني: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: إنما حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحرير المصمت ولم ينه عن العلم ولا عن سدى الثوب.
    فهذا الحديث نصٌ في جواز لبس الثوب إذا كان مخيطاً من حرير وغيره ولم يكن الظهور للحرير.
    = والقول الثاني: أنهما إذا استويا: يحرم الثوب.
    وهذا القول اختاره من محققي الحنابلة ابن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية وأيضاً نصره الشوكاني - من المتأخرين.
    واستدلوا - أيضاً - بدليلين:
  • الأول: العمومات فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحرير نهياً عاماً.
  • الثاني: حديث مهم في باب أحكام الحرير وهو: حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي أخرجه مسلم في صحيحه أنه - رضي الله عنه - قال: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة).
    وهذا الحديث بين مسلم والدارقطني خلاف في تصحيحه وإعلاله - لا نريد أن ندخل في هذا الخلاف لكن الأقرب والله أعلم أن الصواب مع مسلم.
    فهذا الحديث ثابت.
    ثم لو فرضنا أن الحديث موقوف على عمر فلا شك أنه - فيما أرى - مما لا يقال: من قبل الرأي لاسيما وفيه هذا التحديد الدقيق بأربع أصابع.
    فإذاً الحديث من حيث الثبوت لا إشكال في الاستدلال به.
    إذاً تلخص معنا: أن القول الثاني: إذا استويا يحرم وأن اختيار ابن عقيل وشيخ الإسلام بن تيمية وأن لهم دليلين أخذناهما.
    وهذا القول هو الصواب.
    وسيتم المؤلف - رحمه الله - الكلام على ما يستثنى من ما يحرم من الحرير.
    • فيقول - رحمه الله -: أو لضرورة.
    يجوز أن يلبس الإنسان الحرير للضروة.
  • لأن أهل العلم: اتفقوا على أن: (الضرورات تبيح المحرمات).
    وهي قاعدة متفق عليها - في الجملة متفق عليها.
  • وقياساً على الحكة التي ستأتينا الآن والمرض فلكل منهمل دليل.
    إذاً ما هو الدليل على جواز لبس الحرير للضرورة؟ أمران: - الأول: القاعدة: (الضرورات تبيح المحرمات).
    - والثاني: القياس على الحكة والمرض.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو حكة.
  • ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكى إليه عبد الرحمن بن عوف والزبير - رضي الله عنهما - حكة يجدانها فرخص لهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرير.
    فهذا دليل - نص على الحكة وأنها من أسباب جواز لبس الحرير.
    والفقهاء يرون: أنه يجوز أن نلبس الحرير للحكة ولو وجد بديل.
    - فيرخصون في هذا الأمر:
  • لعموم الحديث لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل منهما.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو مرض.
    يعني: أنه يجوزأن يلبس الإنسان الحرير لمرض.
    ولكن يشترط في المرض أن يكون من الأمراض التي ينفع معها الحرير فإن لم يكن مجدياً فحرك لبس الحرير.
    الدليل:
  • أنه ثبت في حديث آخر أن عبدالرحمن بن عوف والزبير - رضي الله عنهما - أيضاً أصيبا بالقمل فاشتكوا إلى - صلى الله عليه وسلم - فرخص لهما في لبس الحرير.
    إذاً: يقول - رحمه الله -: لضرورة أو حكة أو مرض.
    أخذنا الآن الأدلة على استثناء تحريم لبس الحرير وجوازه في حال الضرورة والحكة والمرض.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو حرب.
    = يجوز عند الحنابلة: أن يلبس الإنسان الحرير في الحرب.
    وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد واختارها شيخ الاسلام لكن في كتابة شرح العمدة.
    ((ومما ينبغي أن يعمله طالب العلم أن شرح العمدة شرح متقدم لشيخ الإسلام - رحمه الله - قبل أن يستكمل وينضج علمياً بالشكل الذي هو عليه أخيراً في سائر حياته العلمية - رحمه الله -)).
    ففي الحقيقة وإن كان لاختياراته - رحمه الله - في العمدة وزن وقدر لكن ليست كاختياراته بعد أن تمكن من العلوم الشرعية - رحمه الله -. على كل حال اختار شيخ الإسلام في شرح العمدة جواز لبس الحرير في الحرب.
    ومقصود الحنابلة: ولو بلا حاجة.
    هكذا بدون أي حاجة.
    الدليل: استدلوا بأمرين:
  • الأمر الأول: أن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - كان يتخذ ثوباً من خز يلبسه في الحرب.
  • والأمر الثاني: أن الحرير إنما حرم لما فيه من الخيلاء والتكبر والخيلاء في الحرب تجوز: بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي دجانة لما رآه يمشي بين الصفوف: (إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع) وهذا الحديث ضعيف.

فدل الحديث على: جواز الخيلاء في الحرب: لما فيه من إضعاف نفسيات الاعداء.
= القول الثاني: وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد أن لبس الحرير لا يجوز ولا في الحرب.
ودليل هؤلاء: واضح وهو:

  • العمومات.
  • وأنه لم يأت دليل صحيح يستثني حال الحرب.
    والأقرب - والله أعلم - القول الثاني: لأنا لا نستطيع أن نستثني بلا دليل صحيح.
  • مسألة / لبس الحرير في الحرب لحاجة يجوز بلا نزاع بين الفقهاء.
    إذاً الخلاف السابق إذا كان اللبس بلا حاجة.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو حشو.
    مراد المؤلف في هذه العبارة: أنه يجوز استعمال الثوب المحشي بحرير أو السجاد المحشي بحرير بحيث لا يكون الحرير ظاهراً:
  • لا من الأعلى ولا من الأسفل بالنسبة للسجاد.
  • ولا في البطانة ولا الظاهر بالنسبة للثوب.
    الدليل: استدلوا بعدة أدلة:
  • الدليل الأول: أن هذا لا يعتبر لبساً ولا استعمالاً للحرير: لأنه في الحقيقة هو يَلْبَس ويَسْتَعْمِل الجزء الخارجي: فلإن الحرير في الداخل لا يُسْتَعْمَل ولا يوطأ.
    يعني: لا يستعمل في الفراش ولا يستعمل في اللباس.
  • الثاني: أنه ليس في هذا خيلاء لكون الحرير مخفياً.
  • الثالث: - وهو أقوى الأدلة -: أنه ثبت عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لبسوا الخز.
    والخز هو: الثوب الذي يكون سُدَاهُ من حرير ولُحْمَتُهُ من غير الحرير.
    والسُّدَى هو: الداخل.
    واللُّحْمَة: الذي يخاط فوق والسُّدَى.
    فإذا: أيهما الذي يغطي الآخر اللُّحْمَة أو السُّدَى؟ اللُّحْمَة تغطي السُّدَى.
    فأيهما المخفي: الحرير أو القماش الآخر؟ الحرير.
    قالوا: لما كان الصحابة - رضي الله عنهم - يستعملون الخز لكونه مخفياً دل ذلك على جواز الحشو.
    حشو الحرير.
    هذه ثلاثة أدلة وهذا الحكم صحيح: أنه يجوز استعمال الحرير المحشي.
    = والقول الاخر: أنه لا يجوز الجلوس ولا لبس ما سُدِّيَ بالحرير.
  • لأنه استعمال في الجملة.
    لكن مع أثر الصحابة - في الحقيقة وهي آثار متعددة صحيحة ثابتة في مسألة لبس الخز وهذا يدل على جواز ما سُدِّيَ بالحرير سواء كان مما يجلس عليه أو مما يلبس.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو كان علماً أربع أصابع فما دون.

أي: يجوز أن يلبس الإنسان الثوب الذي فيه علم من الحرير بقدر أربع أصابع فما دون.
والدليل: ظاهر وهو:

  • حديث عمر السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة.
    المقصود بالأصابع هنا: من حيث العرض لا من حيث الطول.
    فيجب أن لا يتجاوز هذا الموضع عرضه: أربع أصابع.
    سواء كان في موضع واحد أو في مواضع.
    والدليل هو ما سمعتم.
  • والدليل الثاني: - مع حديث عمر - رضي الله عنه - أن الآثار والنصوص دلت على جواز الحرير إذا لم يكن له الظهور.
    ومن المعلوم أن الحرير إذا كان يشكل أربع أصابع فقط فإن الظهور لغيره في الثوب.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو رقاعاً.
    يعني: ويجوز أن يرقع الإنسان ثوبه بالحرير إذا تمزق.
    بشرط أن لا يكون: أكثر من أربع أصابع.
    والدليل على جواز الرقاع:
  • هو: حديث عمر - رضي الله عنه -. فيقاس على جواز الأربع أصابع.
    بل هو نص في الرقاع: - لأن الشارع أجاز أن يوجد في الثوب أربع أصابع من الحرير سواء كان على سبيل الخياطة أو على سبيل الرقاع.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو لبنة جيب وسُجُفِ فراء.
  • لبنة الجيب: أولاً: - الجيب هو: مخرج الرأس من الثوب.
    ثانياً: - اللبنة هي: الزيق المحيط بالعنق.
    وهو معروف الآن يلبس في جميع الثياب والذي نسميه بالعامية: ......... ((لم يتضح من التسجيل)).
    يشترط في لبنة الجيب أيضاً: أن لا تتجاوز أربع أصابع.

ودليل الجواز - أيضاً -:

  • قياساً على حديث عمر - رضي الله عنه -.
  • أو نقول - أيضاً -: أن حديث عمر نص على جوازها.
  • وسُجُفِ فراء:
  • الفراء هي: اللباس المعروف الذي يتخذ لدفع البرد.
  • والسجف من الفراء هي: أطرافه الأمامية أو حواشيه.
    فيجوز أن نضع فيها الحرير: أيضا إذا كان بمقدار أربع أصابع.
    والدليل:
  • ما تقدم معنا وهو أمر واضح.
    ... (حديث عمر).
    انتهى البحث في الحرير وانتقل المؤلف إلى أنواع أخرى من اللباس: • فقال: - رحمه الله -: ويكره المعصفر والمزعفر للرجال.
    نبدأ: - بالمعصفر.
    المعصفر هو: الثوب المصبوغ بالعصفر.
    وهو: لون أحمر - معروف -. فحكمه: = عند الحنابلة مكروه.
    فيكره للإنسانأن يلبس ثوباً صبغ بالعصفر.
    الدليل: قالوا الدليل على هذا:
  • حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَيَّ ثوبين معصفرين فقال: (إنها من لبس الكفار) وفي رواية قال - عبد الله -: أغسلهما؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (بل أحرقهما).
    فدل هذا على أنه ينهى عن لبس المعصفر.
    = والقول الثاني: أنه محرم.
    واستدلوا:

  • بحديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - السابق.
    وقالوا: أن مدلول الحديث يفهم منه التحريم لا الكراهة.

  • قالوا: ثبت في حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المحرم أن يلبس المزعفر.
    فدل مفهوم الحديث أن غير المحرم لا يحرم عليه أن يلبس المزعفر.

  • الدليل الثاني: أن عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد مس زعفراناً فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنه حديث عهد بعرس.
    ولم ينهه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الزعفران.
    إذاً: الذين يرون الجواز بلا كراهة استدلوا بدليلين وهما حديثان صحيحان.
    والأقرب: - كذلك -: الكراهة.
    ولنفس الحكم وهو: جمعاً بين النصوص.
    بهذا انتهى الكلام عن المعصفر والمزعفر والبحث فيهما خاص بالرجال.
    ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى الشرط الرابع من شروط الصلاة: • فقال - رحمه الله -: ومنها: اجتناب النجاسات.
    أي: أنه من شروط صحة الصلاة أن يجتنب المصلي النجاسة:

  • في بدنه.

  • وفي ثوبه.

  • وفي بقعته.
    فإن لم يفعل عمداً مع العلم والاستطاعة: بطلت صلاته.
    الدليل:

  • الدليل على البدن:

  • قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه).
    هذا للبدن.

  • وأما الثياب فدليله:

  • قوله سبحانه وتعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر/4] على احد التفسيرين.
    (((الأذان))).
    انتهى الدرس

قال شيخنا حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين حيث طلب عدد من إخواننا الكلام عن مسألة التصوير الفوتوغرافي فسأذكر حولها خلافاً مختصراً فأقول أولاً التصوير الفوتوغرافي تعريفه هو حبس ونقل الصورة الواقعية بعد تسليط الضوء عليها ومن هنا سمي التصوير الشمسي اختلف فيه الفقهاء على قولين في الجملة مشهورين القول الأول أن التصوير الفوتوغرافي محرم وأنه داخل تحت نصوص الوعيد ولا يخفى عليكم أن الخلاف والأدلة والمسألة برمتها مسألة حادثة لم يتطرق إليها الفقهاء المتقدمون لأن التصوير حادث معاصر إذاً القول الأول التحريم وأنه داخل تحت نصوص الوعيد

وذهب إلى هذا القول سماحة الشيخ المفتي محمد ابن إبراهيم - رحمه الله - مفتي الديار وأيضاً سماحة الشيخ المفتي عبد العزيز بن باز أيضاً مفتي الديار وهو قول عامة علمائنا المعاصرين واستدلوا بأدلة كثيرة من أقواها الدليل الأول أن الصورة الفوتوغرافية صورة شرعاً ولغةً وعرفاً وبهذا تتناولها نصوص والوعيد في داخلة تحت النصوص

  • أما أنها صورة لغة فلأن الصورة في اللغة هي: الشكل ولا شك أن الصورة الفوتوغرافية تتخذ شكلاً معيناً هذا في اللغة
  • وأما أنها صورة شرعاً فلأنها إذا دخلت تحت تعريف الصورة اللغوية دخلت في مسمى الصور المذكور في النصوص والشارع نهى عن مسمى الصورة بلا تفريق
  • وأما أنها صورة عرفاً فهذا معلوم عند الناس أنهم يسمون الصور الفوتوغرافية صورة الدليل الثاني أن الشارع الحكيم حرم التصوير لعدة علل من أهمها ـ خشية تعظيم المُصَوَّر ووقوع الفتنة فيه وهذا المعنى متحقق في الصورة الفوتوغرافية الدليل الثالث أن غاية التصوير الفوتوغرافي أن يكون من المشتبهات والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه يعني ومن لم يفعل فلا أي لم يكن مُسْتَبْرِأً لدينه وعرضه الدليل الرابع أن المضاهاة في الصورة الفوتوغرافية أعظم منه في الصورة المرسومة باليد لشدة التطابق وستأتي مناقشة هذه الأدلة ضمن أدلة الفريق الثاني بالنسبة للقول الأول أن التصوير محرم وأن هذا مذهب من سمينا من أهل العلم لكن هم قيدوه بأن لا تكون حاجة أو ضرورة وهذا معلوم فإن كانت حاجة أو ضرورة كالأوراق الرسمية أو الشهادات أو الجوازات فإنني لا أعلم من منع من ذلك كأنه محل إجماع تجويز الصورة لهذه الأغراض للحاجة الواضحة لها فأحببنا أن نقيد القول الأول بهذا القول الثاني: أن التصوير الفوتوغرافي لا يدخل في نصوص الوعيد ولا يسمى صورة شرعاً فهو جائز إلا إذا أدى إلى محظور ومنكر كما إذى أدى إلى شدة الافتتان وخشية التعظيم أو أدى إلى نشر الفساد الأخلاقي أو أدى إلى أي مفسدة معلومة يقدرها أهل العلم

وذهب إلى هذا القول شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - وأيضاً ذهب إليه مفتي الديار المصرية الشيخ محمد نجيب مطيعي - رحمه الله - وذهب إليه عدد كبير من أهل العلم من المعاصرين واستدلوا بأدلة منها استدلوا بأدلة كثيرة ونذكر أقوى هذه الأدلة الدليل الأول أن الصورة الفوتوغرافية لا تدخل في مسمى الصورة الشرعية والسبب أن التصوير في اللغة هو التشكيل والتخطيط وإظهار براعة الراسم وهذا لا يوجد في الصورة الفوتوغرافية لأن غاية الصورة الفوتوغرافية نقل الصورة المخلوقة لله فلذلك فليس فيها أي معنى من معاني المضاهاة وهي تخلو تماماً من التخطيط والتكشيل المباشر وأما عمل المصور من تجهيز الكاميرة والفيلم تحديد المصور ... إلخ فليس هذا من التشكيل ولا من التخطيط في شيء الدليل الثاني قالوا أن الصورة في المرآة وعلى سطح الماء جائزة بالإجماع فكذلك الصورة الفوتوغرافية للتساوي والتطابق بينهما الدليل الثالث والأخير عدم وجود أي معنى من معاني المضاهاة لأن الصورة الفوتوغرافية هي نفس الخلق الأول هذه أبرز الأدلة ولهم أدلة كثيرة لكن في الحقيقة لا تعتبر بقوة هذه الأدلة باقي الترجيح قبل الترجيح في الحقيقة المسألة المهمة وهي: هل تدخل الصورة في مسمى التصوير لغة؟ وهل فيها مضاهاة؟ في هذه المسألة الذي يظهر لي أنه لا يوجد مضاهاة ولا يوجد تصوير وأن ما ذكره شيخنا - رحمه الله - في هذا الباب في هذه الجزئية صحيح لكن باقي مسألة الترجيح بالنظر إلى عموم الأدلة الذي يظهر قوة القول الأول وأن أدلتهم أرجح من أدلة القول الثاني سبب الترجيح الذي يجعلني أرجح القول الأول هو مسألة أن من علل تحريم الصور خشية تعظيم المُصَوذَّر والمبالغة في ذلك الأمر وهذا موجود فإذا ثبت أن هذه من علل التصوير وقد ثبت ذكره الفقهاء وهو صحيح فإن هذه العلة موجودة في التصوير يبقى البحث الآن هل التصوير ممنوع لمجموع العلل أو هو ممنوع ولو وجدت إحدى العلل؟ العلل هي: المضاهاة والتعظيم وعدة علل اخرى ذكروها لكن هاتان العلتان هما أبرز العلل

هل يجب لنمنع من الصورة وجود جميع العلل أو يكتفى بوجود علة واحدة؟ الأقرب والله أعلم كما قلت أنه بوجود علة واحدة يحصل المنع من الصور لأن الشارع الحكيم نهى لكي لا يقع هذا المحذور ولذلك أقول أن الراجح أن الصورة الغوتغرافية لا تجوز وأنه بناء على هذا البحث داخلة تحت نصوص الوعيد وأنها إذا وجدت في منزل فإن الملائكة لا تدخل هذا المنزل وأن المصور بالكاميرا يعذب يوم القيامة ويقال له أحيي ما خلقت وأنه بالجملة داخل تحت نصوص الوعيد على مقتضى الأدلة ولا يخفاكم أن المسألة مشكلة وأن أدلتها متعارضة وقوية ومتقابلة لكن كما سمعتم بقينا في تصوير الفيديو التصوير بالفيديو البحث فيه قريب من البحث في التصوير الفوتوغرافي لكن الذي يظهر والله أعلم من حيث الأدلة أن التصوير بالفيديو جائز ولا يستوي هو والتصوير الفوتوغرافي لعدة أمور أولاً قياس الصورة الفوتغرافية على الصورة في المرآة قياس غير صحيح لأن الصورة الفوتغرافية تبقى والصورة في المرآة تذهب لكن قياس الصورة الموجودة في شريط الفيديو على المرآة قياس صحيح فيما أرى لأن علة جواز الصورة المرآة عند الفقهاء جميعاً هي ذهاب هذه الصورة ومن المعلوم أن صورة الفيديو لا يمكن أن تبقى لا بد أن تذهب فلا يمكن أن تبقى بمفردها تعرض ثم تذهب فإن قيل هي وإن ذهبت عن الشاشة إلا أنها موجودة في شريط الفيديو وإن كانت صغير؟ فالجواب أن الصورة الموجودة على شريط الفيديو غير معتبرة شرعاً لأنها صغيرة وغير مرئية أصلا والصورة التي بهذه المثابة عند جميع العلماء لا حكم لها لأنها غير موجودة أصلاً حتى نحكم عليها بالجواز أو بالتحريم ثالثاً شدة مطابقة الصورة في الفيديو للواقع أكبر بكثير منها في الصورة الفوتغرافية فهي في الحقيقة تمثل الواقع تماماً وهذه العلل أو هذه الأشياء التي يفرق فيها بين الصورة في الفوتغرافية والصورة في الفيديو مقطع الفيديو كفيلة بالتفريق بينهما في الحكم ودرج على هذا أي على التفريق بينهما وتخفيف الكلام في الفيديو عنه في الفوتغرافية عدد كبير من الفقهاء المعاصرين فإذاً الخلاصة

أن الصورة الفوتغرافية تحرم وأن الصورة في الفيديو الأمر فيها أسهل وقد لا تصل إلى التحريم بناء على ما ذكرت من علل ومسوغات ومع هذا كله واجب طالب العلم بعد ذلك كله أن يحذر الناس من هذه الفتنة فإن الصور الآن انتشرت فلا تكاد تخلو منها بضاعة ولا متاع من أمتعة الناس فلا شك أن واجب طالب العلم التحذير وحث الناس على الإبتعاد عن الصور وعدم استعمالها إلا للحاجة وأن الصورة الفوتغرافية للتذكار أو لإثبات أشياء معينة غير ضرورية أو ليست من الحاجيات أنها محرمة ولا شك أن قيام طالب العلم بدوره في هذا الباب واجب متحتم عليه لأن الصورة لها متعلق بالفقه ولها متعلق بالعقيدة ثم نرجع إلى مسائل الكتاب • قال - رحمه الله - مبيناً شروط الصلاة ومنها اجتناب النجاسات تقدم معنا أن اجتناب النجاسات شرط لصحة الصلاة عند الأئمة الأربعة وأن الصلاة بدونه عمداً مع العلم مبطل للصلاة وتقدم معنا أيضا ان اجتناب النجاسة يتعلق بثلاثة أمور الأول البدن والثاني البقعة والثالث الثوب فأهم هذه الثلاثة البدن ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم - استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ودليل البقعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يصب على بول الأعرابي ذنوباً من ماء ودليل الثياب قول سبحانه وتعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ المدثر على أحد التفسيرين ويمكن أن يستدل على وجوب تطهير الثياب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه كان يصلي فخلع نعليه أثناء الصلاة فخلع الصحابة نعالهم ثم لما سلم قال مالكم خلعتم نعالكم قالوا رأيناك فعلت ففعلنا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لقد أتاني جبريل وأخبرني أن بهما أذى والنعال من جملة الملبوس فإذاً ثبت بهذا أن تجنب النجاسة واجب في هذه الثلاثة أمور • ثم قال - رحمه الله - مفرعاً على هذا الشرط فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها أو لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته

من حمل نجاسة فإن صلاته باطلة إذا كان عالماً عامداً ولو لم تكن هذه النجاسة مماسه لجسده أو لثوبه فمجرد حمل النجاسة يؤدي إلى الإخلال بهذا الشرط الدليل أن حامل النجاسة لا يسمى مجتنباً لها وإذا لم يجتنب النجاسة فقد أخل بهذا الشرط بناء على هذا ـ لا يجوز حمل قارورة فيها نجاسة فلو حمل قارورة فيها نجاسة لغير حاجة أو مرض فأن صلاته باطلة ـ وأيضا لا يجوز حمل الطفل إذا كان فيه نجاسة فما يسمى الآن بالحفاظة إذا كان فيها نجاسة خارجة من الطفل فإنه لا يجوز للإنسان أثناء الصلاة أن يحمل الطفل وهو بهذه المثابة لأنه في الحقيقة حامل للنجاسة وذهب الإمام الشافعي إلى أنمن حمل النجاسة لا تبطل صلاته وهو مذهب ضعيف والصواب مع مذهب الحنابلة • ثم قال - رحمه الله - لا يعفى عنها فإن حمل نجاسة يعفى عنها فإن صلاته صحيحة تقدم معنا في آخر كتاب الطهارة ذكر الأشياء التي يعفى عن نجاستها وذكر الحنابلة شيئين فقط الأول المتبقي من الاستجمار والثاني ويسير الدم من حيوان طاهر وقد تقدم معنا أن القول الصواب أن كل النجاسات يعفى عن يسيرها إذاً القاعدة أن من حمل نجاسة يعفى عن يسيرها حسب الإختلاف في هذا الأمر فإنه يعفى عن ذلك وتصبح صلاته صحيحة • ثم قال - رحمه الله - أو لاقاها بثوبه أو بدنه إذا لاقى النجاسة بثوبه أو ببدنه فإن صلاته لا تصح والدليل على هذا النصوص السابقة جميعاً الدالة على صحة هذا الشرط وعدم صحة صلاة من لاقى النجاسة ببدنه أو بثوبه اتفق عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله لأنه لم يجتنب النجاسة واجتنابها شرط لصحة الصلاة • ثم قال - رحمه الله - وإن طين أرضاً نجسةً أو فرشها طاهراً كره وصحت إذا أراد الإنسان أن يصلي فيأرض فوجدها نجسة فيها نجاسة فإن طين هذه الأرض يعني وضع عليها طيناً طاهراً أو فرشها بفراش طاهر يغطي هذه النجاسة فإن الصلاة على هذه الأرض عند الحنابلة صحيحة لكن تكره ويشترط في هذا المفروش أن يكون صفيقاً يحول بين المصلي والنجاسة دليل صحة الصلاة

أن هذا المصلي لم تصب النجاسة لا بدنه ولا أرض الصلاة ولا ثوبه فتحقق فيه الشرط دليل الكراهة أنه اعتمد على النجاسة أي أنه يعتمد عليها عند القيام والقعود وغيره من أعمال الصلاة والصواب أن الصلاة صحيحة بلا كراهة لما تقدم معنا أن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل وليس في هذه المسألة دليل على الكراهة إذاً الخلاصة أن الصلاة تصح بلا كراهة ما دام الإنسان قد غطى النجاسة • ثم قال - رحمه الله - وإن كانت بطرف مصلى متصل صحت إن لم ينجر بمشيه إذا صلى الإنسان على شيء على بساط أو على أرض وفي طرف هذا البساط أو هذه الأرض نجاسة فان صلاته صحيحة ولو تحركت النجاسة بتحرك المصلي فلو فرضنا أنه إذا ركع أو سجد تحركت النجاسة بسبب تحرك الأرض أو ما هو عليه يصلي فإنه مع ذلك تبقى الصلاة صحيحة إلا إذا كانت هذه النجاسة تنجر بمشيه فلو فرضنا أن بينه وبين ما عليه النجاسة ارتباطاً بحبل أو بغيره بحيث لو فرضان أنه مشى لانجرت معه النجاسة فحينئذ تكون الصلاة غير صحيحة التعليل لهذا الحكم الأخير قالوا أنه في هذه الصورة مستتبع للنجاسة فأشبه الحامل لها مستتبع أي النجاسة تتبعه فلو فرضنا أنه مشى لتبعته هذه النجاسة فهم من كلام المؤلف أنه إذا ارتبط بمكان للنجاسة لا يمكن أن تتبعه إذا مشى فإن الصلاة تكون صحيحة والقول الثاني وهو وجه للشافعية وليس مذهباً لهم أن الصلاة صحيحة مطلقاً بغير شرط التعليل أن هذا المصلي تحقق فيه الشرط في بدنه وثوبه وبقعته فلا دليل على إبطال صلاته ولو انجر هذا الشيء بمشيته فإن هذا لا يؤثر في الحكم وهذا هو الصحيح إن شاء الله لأنه لا دليل على اشتراط هذا الشرط ولا على إبطال صلاة هذا المصلي • ثم قال - رحمه الله - ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيه لم يعد أي إذا اكتشف الإنسان بعد الانتهاء من الصلاة أن عليه نجاسة سواء في بدنه أو في ثوبه أو في بقعته ولكن جهل هل هذه النجاسة كانت موجودة في أثناء الصلاة أو لم توجد إلا بعد الصلاة؟ فإنه إذا كان هذا حاله فصلاته صحيحة لأنه لا يمكن أن نبطل الصلاة الثابتة بشك عارض لم يثبت

وهذا صحيح ولا إشكال فيه • ثم قال - رحمه الله - وإن من علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد إذا انتهى من الصلاة ثم وجد في ثوبه نجاسة وعلم أن هذه النجاسة كانت موجودة أثناء الصلاة فيجب عليه عند الحنابلة أن يعيد الصلاة الدليل قالوا أن شرط اجتناب النجاسة شرط صحة يقاس على شرط طهارة الحدث وهو لا يسقط بالجهل والنسيان أو بعبارة أخصر أن طهارة النجاسة كطهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان والقول الثاني أن صلاته صحيحة ولا يعيد اختار هذا القول الشيخ الموفق بن قدامة والشيخ المجد بن تيمية واستدلوا بحديث اأبي سعيد الخدري السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه في الصلاة لأن جبريل أخبره أن فيهما أذى ولم يستأنف وهذا هو وجه الاستدلال إذاً لما لم يستأنف النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة علمنا أن وجود النجاسة أثناء الصلاة مع الجهل بها لا يؤدي إلى إبطال الصلاة والراجح القول الثاني

  • المسألة الثانية إذا علم الانسان بالنجاسة ثم نسيها اخلتفوا في هذه المسألة منهم من قال يفرق بين الجهل والنسيان ففي النسيان عليه أن يعيد لأن في النسيان تفريطاً وليس في الجهل تفريط والقول الثاني أنه لا يجب عليه أن يعيد الصلاة لأن الله سبحانه وتعالى سَوَّى في العذر بين الجهل والنسيان فقال ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ البقرة فجعل العذر بالجهل كالعذر بالنسيان وهذا القول في مسألة النسيان هو الصواب لكنك علمت من سياق الخلاف أنه ينبغي على الإنسان أن يحتاط في مسألة النسيان أكثر منه في مسألة الجهل وإن كان الاحتياط في المسألتين واجب لكن القائلين بإبطال صلاة الناسي أكثر من القائلين بإبطال صلاة الجاهل أي من العلماء من لا يبطل صلاة الجاهل ولكنه يبطل صلاة الناسي فإذا تذكر الإنسان نجاسة على ثوبه فينبغي أن يبادر ينبغي ولا يجب أن يبادر بغسلها قبل الصلاة وإنما الوجوب يكون عند إرادة الصلاة • ثم قال - رحمه الله - ومن جُبِرَ عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر معنى هذه المسألة

إذا جَبَرَ المكسور عظمه بعظم نجس كأن يجبره بعظم حيوان نجس فإنه لا يجب عليه ان يقلع هذا العظم النجس إذا ترتب على القلع ضرر ويصلي بهذا العظم وصلاته صحيحة التعليل قالوا أن وجوب المحافظة على النفس وأطرافها مقدم على شروط الصلاة

  • فإذا كان قلعه لا يسبب ضرراً وجب عليه أن يقلعه وأن يبعده عن جسده فإن صلى بلا ذلك فصلاته باطلة لأنه صلى مع النجاسة مع استطاعته اجتناب النجاسة بلا ضرر إذاً الآن تصورنا المسألة كاملة فيما إذا جَبَّرَ عظمه بعظم نجس وصور هذه المسألة عند الحنابلة وتعليل هذا التفصيل عند الحنابلة وهذا الكلام هو الراجح وهو الصحيح فإن ما ذكروه في هذه المسألة هو الصحيح وما استدلوا به صحيح • ثم قال - رحمه الله - وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر ما سقط من الإنسان من عضو أو سن فهذا الساقط يعتبر طاهر والتعليل ما تقدم معنا أيضاً في آخر كتاب الطهارة قبل باب الحيض أن من القواعد الصحيحة أن ما أبين من حي فهو كميتته وميتتة بني آدم تقدم معنا أنها طاهرة لا سيما المسلم فما أبين منه حال الحياة فهو أيضاً طاهر فإذا حمله أو تَرَطَّبَ ثوبه به فإن الثوب والحمل لا يسبب النجاسة أنهى المؤلف الكلام عن شرط اجتناب النجاسة ثم ذكر عدة مسائل مندرجة تحت هذا الحكم تحت مسألة اجتناب النجاسات لأنهم يعللون فيها بقضية اجتناب النجاسة وسيأتينا الكلام حول هذه المسائل المهمة وهي تتعلق بالمواضع التي نهى الشارع عن الصلاة فيها • قال - رحمه الله - ولا تصح الصلاة في مقبرة وحش وحمام وأعطان إبل ومغصوب وأسطحتها نحن سنذكر تسهيلاً لكم الخلاف عموماً في المقبر والحش والحمام وأعطان الإبل في هذه الأربع فقط ثم نرجع إلى تفصيل الكلام عليها من حيث الإستدلال فنقول ذهب الحنابلة إلى أن الصلاة في هذه الأماكن الأربعة أي المقبر والحس والحمام وأعطان الإبل لا تصح إذاً نحن نتكلم عن الأربعة فقط ومسألة المغصوب والأسطح ستأتينا وهي من مفردات الحنابلة واستدلوا على المنع من الصلاة فيها وإبطال صلاة المصلي بأدلة سنذكرها عند الكلام عند كل واحدة من هذه الأربع

القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد أن المصلي إن علم النهي بطلت صلاته وإن لم يعلم صحت صلاته التعليل لخفاء أحكام هذه المسائل على عامة الناس واختار هذه الرواية شيخ مشائخنا العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - القول الثالث وهو مذهب الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة والشافعي أن الصلاة في هذه الأماكن صحيحة واستدلوا على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً قالوا فهذا الحديث عام يتناول هذه الأماكن والصواب القول الأول وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في الحقيقة الإمام أحمد في هذه المسالة تميز بالأخذ بالنصوص وستأتينا نصوص لكل مكان من هذه الأماكن وهبي نصوص واضحة ولذلك تمسك بها الإمام أحمد وأخذ بالأحاديث - رحمه الله - فقوله - رحمه الله - في هذه المسألة هو الصواب وأن الصلاة في هذه الأماكن الأربع لا تجوز • يقول المؤلف - رحمه الله - ولا تصح الصلاة في مقبرة المقبرة لا تصح الصلاة فيها وأخذت الخلاف فيما سبق الدليل استدلوا بقول - صلى الله عليه وسلم - الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام هذا الحديث اختلف فيه تصحيحاً وتضعيفاً فذهب الأئمة منهم الإمام الترمذي ومنهم الإمام الدارمي والدارقطني والبيهقي هؤلاء أربعة وغيرهم من الأئمة إلى أن هذا الحديث مرسل لا يثبت موصولاً وذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث صحيح مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن صححه شيخ الإسلام بن تيمية وتصحيح شيخ الإسلام ضعيف والصواب مع الأئمة بأنه مرسل الدليل الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تتخذوا القبور مساجد الدليل الثالث قوله - صلى الله عليه وسلم - لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وهذه النصوص واضحة قوية تمسك بها الإمام أحمد والحديث الأول مع أنه مختلف فيه إلا أنه وإن كان مرسلاتً إلا أن الشواهد العامة تؤيده وتقدم معنا أن المرسل خير من أقوال الرجال

  • مسألة هل يقصد بالنهي عن الصلاة في المقابر في الحديث الأرض التي فيها جمع من المقابر لا يقل عن ثلاثة أو المقصود الأرض التي قبر فيها وإن لم يكن فيها إلا قبرواحد؟ الجواب فيه خلاف فالحنابلة يشترطون في المقبرة لكي ينهى عن الصلاة فيها أن يكون فيها ثلاث قبور فأكثر والقول الثاني أنه ينهى عن الصلاة في الأرض التي قُبِرَ فيها وإن لم يكن فيها إلا قبر واحد وهذا القول الثاني اختاره شيخ الإسلام بن تيمية وقال والمقبرة في الحديث يقصد بها الأرض التي يُقْبَر فيها وليست العدد من القبور وهذا القول الثاني هو الصواب أنه لو لم يكن في الأرض إلا قبر واحد فإنه لا يجوز أن نصلي في هذه الأرض ولو لم يكن معه قبر آخر فمجرد وجود قبر واحد يمنع من الصلاة في هذه الأرض • ثم قال - رحمه الله - وحش وحمام الحمام هو مكان الإغتسال والحش هو مكان قضاء الحاجة فالحش أشد من الحمام الدليل على النهي عن الصلاة في الحش والحمام أولاً الحديث السابق الارض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام وأخذتم أنه وإن كان حديثاً مرسلاً إلا أنه تعضده النصوص الأخرى والمرسل بحد ذاته اختلفوا في الاستدلال به ثانياً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع عن رد السلام لأنه لم يكن على طهارة فكيف بالصلاة التي هي أعظم من رد السلام وكيف بالحش الذي هو أعظم من حال انتقاض الطهارة ثالثاً الأصول العامة الدالة على تعظيم الله وتعظيم قدره وتعظيم الصلاة وهذا يتنافى تماماً مع الصلاة في الحش أو الحمام وبهذا ثبت النهي عن هذه الأمور الثلاثة المقبرة والحش والحمام وباقي أعطان الإبل نؤخر الكلام عليه إلى الدرس القادم والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين انتهى الدرس

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فتكلمنا بالأمس عن الأماكن الخمسة وباقي علينا بقية الأماكن وهو مكان واحد وهو ما يسمى: بأعطان الإبل:.
نحتاج في مسالة أعطان الإبل إلى عدة مسائل:

  • المسألة الأولى: الدليل على تحريم الصلاة في هذا المكان والدليل عليه هو:
  • حديث جابر - رضي الله عنه - قال: (قلنا يا رسول الله أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم).
    قلنا أنصلي في معاطن الإبل؟ قال: (لا) وهذا حديث صحيح.
    ففي هذا الحديث: النص على النهي عن: الصلاة في معاطن الإبل.
  • المسألة الثانية: الحكمة من نهي الشارع عن الصلاة في هذا المكان: اختلفوا في الحكمة على أقوال كثيرة: أقوى هذه الأقوال - وهو الذي نقتصر عليه لقوته وضعف البقية: ما اختاره الشافعي ورجحه شيخ الإسلام بن تيمية: أن علة النهي:
  • كون معاطن الإبل محلاً للشياطين.
    والدليل على هذا:
  • ما جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تصلوا في معاطن الإبل فإنها خلقت من الشياطين).
    وما عدا هذه العلة مما ذكره الفقهاء فهو ضعيف.
  • المسألة الثالثة: ما هي معاطن الإبل؟ اختلف فيها الفقهاء على قولين: = القول الأول: أن معاطن الإبل هي: ما ترجع إليها وتبيت فيها.
    واستدل أصحاب هذا القول:
  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قابل في الحديث بين مرابض الغنم ومعاطن الإبل.
    ومرابض الغنم هي: التي تبيت فيه وترجع إليها فدل على أن معاطن الإبل كذلك.
    = والقول الثاني: واختاره الشافعي - أنها الأماكن التي ترجع إليها بعد شرب الماء.
    فإنه جرت العادة أن الإبل إذا شربت الشربة الأولى رجعت فبركت في مكان قريب من حوض الماء فترة معينة ثم ترجع لشرب مرة أخرى تفعل ذلك في كل يوم.
    فهذا المكان الذي تبرك فيه بعد شرب الماء المرة الأولى لترجع إلى الشرب في المرة الثانية هو المعاطن عند الشافعي وليس المكان الذي تبيت وترجع إليه في الليل.
    = والقول الثالث: أن معاطن الإبل تشمل الموضعين.
    وهذا هو الصحيح فكل منهما يعتبر مأوى للشياطين.
    وبهذا انتهى الكلام عن معاطن الإبل.
    • قال - رحمه الله -: ومغصوب.
    = من مفردات الحنابلة: عدم صحة الصلاة في المكان المغصوب.
    وعللوا ذلك:
  • بأن قيامه واتكائه وجلوسه في هذا المكان معصية ولا يتقرب إلى الله بمعصية.

والثاني هو: الأحوط الذي يتعين فيه الحذر والإحتياط فيمن يصلي إلى الحش أو إلى الحمام.
لكن أن نبطل صلاة من صلى إلى الحمام - في الحقيقة - لا يجرؤ الإنسان إبطال الصلاة تماماً وليس في الباب نصوص واضحة لكن الإحتياط فيها متعين لوجود الآثار الكثيرة عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. • ثم قال - رحمه الله -: ولا تصح الفريضة في الكعبة.
المؤلف - رحمه الله - استمر في الكلام عن المواضع التي يصلى فيها والتي لا يصلى فيها.
فتعرض إلى الكعبة: = يقول - رحمه الله -: لا تصح الصلاة الفريضة خاصة في الكعبة.
التعليل:

  • قالوا: لأن المصلي في الشيء لا يعتبر مصلياً إليه والواجب أن نصلي إلى الكعبة.
  • ثانياً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى النافلة في الكعبة ثم خرج وقال: (هذه القبلة) وهذا في البخاري.
    فالحديث دل على أن جميع البناية - بناية الكعبة برمتها تعتبر قبلة ومن صلى في الداخل فقد صلى إلى جزء منها.
  • ثالثاً وأخيراً: لم يثبت أن - صلى الله عليه وسلم - صلى الفريضة داخل الكعبة.
    = القول الثاني: أن صلاة الفريضة في الكعبة صحيحة.
    بدليل:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها النافلة والصلاة النافلة تستوي مع الفريضة في كل شيء إلا بدليل مخصص صحيح ولا يوجد.
    والراجح من هذهين القولين: القول الأول.
    سبب الترجيح: أن ابن عباس - رضي الله عنه - راوي حديث (هذه القبلة) فهم من الحديث هذا الفهم ولذلك أفتى بأنه لا يجعل المصلي - يعني: للفريضة - شيئاً من الكعبة خلف ظهره ومن صلى في داخل الكعبة فقد جعل جزء من الكعبة خلف ظهره.
    فهذا الفهم من هذا الفقيه الكبير ابن عباس يرجح القول بإنه لا تصلى الفريضة داخل الكعبة وأيضاً مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. • ثم قال - رحمه الله -: ولا فوقها.
    يعني: لا يجوز أن نصلي الفريضة على سطح الكعبة.
    والدليل على هذه المسألة:
  • الإجماع.
    فقد حكى الإمام أحمد - رحمه الله - أنه أجمع الفقهاء على عدم صحة صلاة من صلى على سطح الكعبة - الفريضة.
    وتقدم معنا مراراً أن الإمام أحمد - رحمه الله - من المتثبتين في حكاية الإجماع.
    • ثم قال - رحمه الله -: وتصح النافلة باستقبال شاخص منها.

أي: أنه يجوز أن يصلي الإنسان داخل الكعبة إذا:

  • كانت الصلاة نافلة.
    وبشرط آخر:
  • أن يستقبل شاخصاً من الكعبة.
    فإان صلى داخل الكعبة ولم يستقبل شاخصاً منها فإن الصلاة: لا تصح.
    التعليل:
  • قالوا: أن الواجب في الصلاة استقبال القبلة وهي الكعبة وهذا لم يستقبل شيئاً منها.
    = [القول] الثاني: أن الواجب استقبال شاخص من الكعبة حتى ولو هدمت فكيف بها وهي قائمة.
    بدليل: - أن عبد الله بن الزبير لما هدم الكعبة ليعيد بنائها أمره عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن ينصب أخشاباً ويجعل عليها الستور ليستقبلها الناس.
    فدل هذا على أن الصحابة كانوا يرون أنه لا بد للمصلي من استقبال شاخص من الكعبة أو بدلها إذا لم توجد.
    وهذا القول هو الصواب.
    لكن من يذكر لنا صورة لمن يصلي داخل الكعبة ولا يستقبل منها شاخصاً؟
  • الصورة هي: من يصلي إلى باب الكعبة وهو مفتوح.
    لكن متى تقع هذه الصورة: والمهم أنها إذا وقعت فإنه لا تصح الصلاة.
    طبعاً: مسائل الصلاة داخل الكعبة مسائل قليلة الوقوع لكن فقهها من التقرب إلى الله باعتباره من العلم.
    • ثم قال - رحمه الله -: ومنها: استقبال القبلة.
    أي: ومن شروط الصلاة: استقبال القبلة.
    فإن صلى إلى غير القبلة مع العلم والقدرة فقد بطلت صلاته.
    الدليل على هذا الشرط:
  • ما أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: للمسيء صلاته (ثم استقبل القبلة فكبر) هذا لفظ البخاري.
    فهذا نص على وجوب استقبال القبلة.
  • الدليل الثاني: الإجماع فقد أجمع الفقهاء على وجوب استقبال القبلة في الصلاة وأن من تركه عامداً قادراً بطلت الصلاة.
    • ثم قال - رحمه الله -: ومنها: استقبال القبلة فلا تصح بدونه.
    أي: أن الاستقبال شرط للصحة.
    والأدلة الدالة على أنه شرط للصحة هي:
  • الأدلة السابقة.
  • ويضاف إليها لتأكيد أنها شرط للصحة قوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة/144]. والمقصود بالمسجد الحرام بالآية: الحرم.
    ثم قال - رحمه الله -: مستثنياً من هذ الحكم العام وهو وجوب الاستقبال: مسألتين: • فقال - رحمه الله -: إلا لعاجز ومتنفل.

العاجز عن استقبال القبلة يسقط عنه هذا الشرط.
ومن أمثلة العاجز:

  • المريض الذي لا يستطيع أن يتحول إلى القبلة ولا يوجد من يحوله.
  • أو المربوط الذي لا يستطيع انفكاكاً.
  • أو في شدة الحرب.
    فإنه إذا صلى الإنسان صلاة الخوف في شدة الحرب لم يلزمه إذا لم يستطع استقبال القبلة.
    الدليل: لهذه المسألة أدلة خاصة وعامة:
  • فالأدلة العامة:
  • قوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن/16].
  • وقوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)
  • وأما الدليل الخاص:
  • فما أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: - في الصلاة في شدة الخوف -: (فصلوا إلى القبلة وإلى غير القبلة).
    قال نافع: - راوي الحديث عن ابن عمر - ولا أُرَاه قاله إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. إذاً تقرر بهذا أإن شرط الاستقبال يسقط عند العجز وأن العجز له صور متعددة.
    • ثم قال - رحمه الله -: ومتنفل راكب سائر في سفر.
    هذا هو النوع الثاني الذي يسقط فيه الاستقبال وهو: المتنفل المسافر.
    ويسقط عنه الاستقبال بثلاثة شروط - ذكرها المؤلف - رحمه الله -:
  • الشرط الأول: أن تكون الصلاة نافلة.
  • الشرط الثاني: أن يكون راكباً سائراً.
    الشرط الثالث: أن يكون مسافراً لا مقيماً.
    إذا وجدت هذه الشروط الثلاثة جاز له بإجماع الفقهاء أن يصلي إلى غير القبلة.
    إذاً: إذا تحققت هذه الشروط: - النافلة.
    - وأن يكون راكباً.
    - وأن يكون في سفر.
    يعني: وأن يكون هذا الركوب في سفر: جاز له بالإجماع.
    الدليل:
  • ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح على راحلته قِبَلَ أي وجهة توجه ويصلي الوتر إلا أنه لا يصلي المكتوبة.
    فدل الحديث على صحة تنفل المسافر إلى غير القبلة.
    مسالة / هل يجوز للراكب السائر المتنفل داخل المدينة وفي الأمصار أن يصلي إلى غير القبلة؟ في هذا خلاف بين الفقهاء: على قوبين: = الأول: أنه ليس له ذلك.
    لدليلين:
  • الأول: أنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع حرصه على الخير أنه كان يتنفل أثناء ركوبه داخل المدينة.
  • الثاني: أن المعنى الذي لأجله أباح الشارع للمسافرأن يتنفل إلى غير القبلة لا يوجد في الراكب داخل الأمصار.
    وهذا المعنى هو: أن الراكب المسافر يكثر ركوبه ويطول فلو مُنِعَ من النافلة لأدى هذا إلى تركه النافلة وقتاً طويلاً.
    وهذا المعنى لا يوجد في الراكب داخل الأمصار.
    = والقول الثاني: جواز التنفل إلى غير القبلة حتى ولو كان داخل المدينة من غير سفر.
    وأيضاً استدلوا بدليلين:
  • الأول: قياساً على الراكب في السفر.
  • الثاني: أن هذا كان يفعله الصحابي الجليل أنس - رضي الله عنه -. والراجح بلا إشكال إن شاء الله أنه لا يشرع أن يتنفل إلى غير القبلة وأن الصلاة لا تصح إن صلى داخل المدينة إلا غير القبلة ولو راكباً.
    والجواب على فعل أنس - رضي الله عنه - مع وجوب تعظيم الآثار أن نقول: هناك قاعدة مهمة لطالب العلم أن الإنسان يتقبل الآثار المروية عن الصحابة ويستدل بها ويقف عندها لا سيما إذا رويت من أكثر من وجه: ما لم يوجد ما هو أرجح منها.
    فإن وجد ما هو أرجح منها قدم.
    من أمثلة ما يكون أرجح منها:
  • هذه المسالة:
  • لأن هذه المسألة تتعلق بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد السبب ولم يفعل هذا الفعل.
  • ولأن الحاجة إليه كثيرة في الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي باقي الصحابة.
    وإذا لم ينقل عن أحد منهم مطلقاً أنه فعل هذا الفعل إلا أنس دل على أنه شيء رآه يخالف ما عليه الباقين.
    فهنا لا نستدل بأثر هذا حاله: يعني من مخالفته ظواهر حال الصحابة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - كذلك مخالفته الأصول فإنه من الأصول المتقررة وجوب استقبال القبلة.
    فهذا الأصل الكبير الذي دلت عليه نصوص عديدة لا نتنازل عنه إلا بشيء مثله في القوة.
    ثم أكمل المؤلف - رحمه الله - الحديث عن هذه المسائل: • فقال - رحمه الله -: ويلزمه افتتاح الصلاة إليها.
    إذا أراد الإنسان أن يتنفل في السفر فيجب عليه: = عند الحنابلة إذا أراد أن يكبر أن يستقبل القبلة ثم يكبر ثم ينصرف عن القبلة ويتم صلاته.
    ولكن هذا مشروط عند الحنابلة - أيضاً - بالإمكانية: أن يمكنه أن يفعل ذلك.
    فإن لم يمكنه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة لم يلزمه قولاً واحداً عند الحنابلة.

دليل هذا الشرط:

  • حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يتنفل في السفر: يستقبل القبلة عند التكبير ثم انصرف.
    وهذا الحديث إسناده ضعيف.
    وممن أشار إلى ضعفه من الحفاظ - المتأخرين - الحافظ ابن كثير - رحمه الله -. = والقول الثاني: أنه لا يلزم المسافر أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة.
    واختار هذا القول عدد من المحققين منهم: الخلال ومنهم ابن قدامه ومنهم ابن القيم وغيرهم من المحققين.
    واستدلوا على هذا الحكم - وهو: عدم وجوب استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة للمسافر المتنفل:
  • أن الأحاديث الصحيحة المتكاثرة ليس فيها هذا الشرط: فإنهروى صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - للنافلة في السفر عدد من الصحابة لم يذكر أحد منهم هذا الشرط.
    فدل هذا على أن ما ذكر في حديث أنس وهم.
    وهم من أحد الرواة لا من أنس - رضي الله عنه -. وهذا القول الثاني هو: الصواب.
    كما لا يخفى إن شاء الله.
    • ثم قال - رحمه الله -: وماش ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها.
  • وماش: يعني ويشرع: أو ويجوز للماشي أيضاً أن يتنفل في السفر إلى غير القبلة فيما عدا الافتتاح والركوع والسجود.
    وجواز تنفل الماشي هي: = إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
    وهي المذهب.
    والدليل عليها:
  • قياساً على الراكب فإن الماشي والراكب كلاهما محتاج إلى التنفل.
  • الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ [البقرة/115]. وقد روي عن ابن عمر أن هذه الآية في استقبال القبلة.
    وهي عامة للراكب والماشي.
    = الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الماشي في السفر لا يجوز له أن يتنفل إلى غير القبلة.
    فإن فعل بطلت صلاته.
    والدليل:
  • قالوا: أن المتنفل الماشي يتحرك بنفسه لا بمركوبه وهذا يؤدي إلى كثرة العمل التي تؤدي إلى بطلان الصلاة.
  • الدليل الثاني: أن هذا لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر أنه كان يتنفل ماشياً.
    الراجح في هذه المسألة: مذهب الحنابلة: الجواز.
    أنه يجوز له أن يتنفل ماشياً إلى غير القبلة.
  • لأن المعنى الذي شرع من أجله هذا الحكم للراكب موجود في الماشي.
    هذا شيء.
  • الشيء الثاني: أن مسألة كثرة الحركة معفو عنها كما أننا نتجاوز عن كون المصلي الراكب يصلي على غير مستقر وهو مبطل عند جمع من الفقهاء ومع ذلك لم نبطل صلاته لورود النص فكذلك الماشي.
  • وأما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتنفل ماشياً فلأنه - صلى الله عليه وسلم - كان غالباً ما يسافر راكباً ففي الغالب كان راكباً - صلى الله عليه وسلم -. إذاً الخلاصة أن الراجح: جواز التنفل للماشي.
    وهذه المسألة في الحقيقة الحاجة إليها موجودة إلى الآن ففي كثر من الدول إلى الآن يسافرون على أقدامهم لا سيما في الدول التي يكون ما بين المدن ليس طويلاً ومأهولاً بالمزارع والسكان والمحطات ... إلخ.
    فتشاهد الناس يسافرون بين المدن القريبة على أرجلهم فقد يحتاجون - من كان منهم يريد أن يتنفل فله ذلك وصلاته إن شاء الله صحيحة.
    وهو مذهب الحنابلة وهو الصواب كما سمعتم الآن في هذه المسألة.
    لكن يلزمه كما يقول المؤلف رحمه الله أن يفتتح ويركع ويسجد إلى القبلة وهذا معنى قوله: (ويلزمه الإفتتاح والركوع والسجود إليها).
    سنقسم هذه المسألة إلى قسمين:
  • القسم الأول: الافتتاح إلى القبلة بالنسبة للماشي.
    هذه ليس بين الحنابلة خلاف فيها: لم أر خلافاً بين الحنابلة في لزوم افتتاح الماشي الصلاة إلى القبلة.
    التعليل: - أن هذا وإن شق على الراكب فإنه لا يشق على الماشي.
    فمن اليسير عليه أن يتوقف ويتجه إلى القبلة ويكبر ثم يمضي.
    ولذلك الصواب في هذه المسألة: أنه يلزمه أن يتوجه إلى القبلة.
  • (المسألة الثانية) - القسم الثاني: الركوع والسجود إلى القبلة.
    = مذهب الحنابلة: وجوب الركوع والسجود إلى القبلة بالنسبة المتنفل الماشي.
  • لأنه يستطيع ذلك لكونه يمشي على الأرض وليس كالراكب.
    = والقول الثاني: أنه لا يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة.
  • لأن الركوع والسجود يتكرر وفي توقفه - يعني المصلي الماشي - له - للركوع والسجود - قطع له عن السفر.
  • وفي ذلك مشقة ظاهرة.
    وهذا القول هو الصواب: أنه لا يلزمه أن يركع ويسجد إلى القبلة خلافاً لمذهب الحنابلة.

إذاً بالنسبة للماشي يحتاج أن يستقبل القبلة إذا أراد أن يكبر ثم بعد ذلك يمضي إلى وجهته ولا يحتاج في الركوع والسجود أن يتوجه إلى القبلة.
أما الحنابلة - فكما سمعتم - فيلزمه عندهم: الافتتاح والركوع والسجود.
• ثم قال - رحمه الله -: وفرض من قرب من القبلة إصابة عينها.
عندنا: - مباحث تتعلق بمن قرب من القبلة.

  • ومباحث تتعلق بمن بعد من القبلة.
    وإذا عرفت من قرب فستعرف من بَعُد.
    لأن من بعد هو الذي لم يقرب.
    فمن هو المقصود بمن قرب؟ يقصد به من عاين الكعبة.
    ويقصد به من عاش في مكة زمناً طويلاً.
    ويقصد به من كان في مكة ووجد ثقة يخبره عن يقين عن اتجاه القبلة.
    كم هؤلاء؟ ثلاثة: 1 - المعاين للقبلة.
    2 - ومن عاش في مكة زمناً طويلاً.
    3 - والغريب إذا قدم مكة ولكنه وجد ثقة يخبره عن يقين.
    فهؤلاء يعتبرون قريبين من القبلة.
  • ما هو فرضهم؟ • يقول المؤلف - رحمه الله -: فرضهم إصابة عينها.
    هؤلاء يجب عليهم أن يصيبوا عين الكعبة لا جهة الكعبة.
    = ووجوب إصابة عين الكعبة للمعاين محل إجماع بلا خلاف.
  • لأن هذا هو الواجب وهو قادر عليه.
    فإن صلى منحرفاً عن عين الكعبة ولو قليلاً فإن صلاته باطلة.
    • ثم قال - رحمه الله -: ومن بعد: جهتها.
    من بعد عن القبلة فرضه جهة الكعبة لا عين الكعبة.
    ولا نحتاج أن نبين من هو الذي يبعد لأنه المقابل لمن يقرب.
    من بعد ففرضه إصابة الجهة: = هذا هو مذهب الحنابلة.
    واستدلوا على هذا بأدلة:
  • منها قوله تعالى - في الآية السابقة - ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة/144]. وجه الاستدلال: أن المسجد الحرام في الآية هو كل الحرم.
    فالبعيد مأمور بالاتجاه إلى الحرم لا إلى عين الكعبة.
    يعني إلى حدود الأميال لا إلى عين الكعبة.
    هذا الدليل الأول.
  • الدليل الثاني: ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ما بين المشرق والمغرب قبلة).
    قال الإمام أحمد: ضعيف.
    ولكنه صح عن عمر.
    والظاهر والله أعلم أنه ليس مما يقال من قبل الرأي.
  • الدليل الثالث: أن هذا محل إجماع بين الصحابة.
    = والقول الثاني: وجوب إصابة عين الكعبة حتى لمن بعد.
  • لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - (ثم استقبل القبلة).
    وهذا القول - الثاني - وهو إيجاب استقبال عين الكعبة لمن بعد ضعيف جداً بل يمكن أن نقول يتعذر العمل به.
    ولذلك فالصواب مع الجماهبر الذي قالوا: من بعد ففرضه الجهة لا العين: جهة الكعبة لا عين الكعبة.
    انتهى الدرس

قال شيخنا حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين • قال - رحمه الله - فإن أخبره ثقة بيقين بدأ المؤلف - رحمه الله - بالكلام على الطرق التي يتعرف بها المسلم على القبلة وسيذكر نحو أربعة طرق • قال - رحمه الله - فإن أخبره ثقة بيقين هذا هو الطريق الأول وهو أن يخبره ثقة بيقين والثقة هو البالغ العدل ويقولون هو من اتصف بالعدالة ظاهراً وباطناً ومعنى قوله أخبره ثقة بيقين أي أخبره عن يقين ومن أمثلة اليقين المشاهدة إن أخبره ثقة بيقين يعني إذا أخبره ثقة بطريق متيقن عن جهة القبلة وجب عليه أن ينصرف إلى الجهة التي أشار إليها المخبر وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أنه إذا أخبره ثقة باجتهاد لا بيقين فإنه لا يصير إلى قوله بل يجب عليه أن يجتهد هو إذا كان من أهل الاجتهاد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة أنه لا يجوز أن يقبل خبر الثقة عن اجتهاد بل يجب أن يجتهد هو بنفسه إذا كان من أهل الاجتهاد وهذا الحكم أخذ من قول المؤلف - رحمه الله - بيقين أي لا باجتهاد والقول الثاني أن المجتهد يجوز له أن يأخذ خبر الثقة المجتهد إذا ضاق الوقت وهذا القول اختاره شيخ الاسلام بن تيمية - رحمه الله - والقول الثالث أنه يجوز له أن يأخذ خبر الثقة الذي اجتهد مطلقاً ولا يلزمه هو أن يجتهد والذي يظهر والله أعلم أن عمل الناس على الثالث فتجد مجموعة من الناس كلهم أو أكثرهم يعرف كيفية الاستدلال على القبلة ثم يجتهد واحد منهم ويصلي البقية باجتهاد هذا المجتهد فعلى هذا عمل الناس وفي إلزام الكل بالاجتهاد مشقة

فما دام هذا المجتهد عارف بأدلة القبلة وهو ثقة فإنه يجوز قبول قوله ولو كان القابل لقوله يستطيع أن يجتهد هو بنفسه وهذه المسألة كثيرة الوقوع وأرجو أن تكون مفهومة • ثم قال - رحمه الله - أو وجد محاريب إسلامية عمل بها نحتاج إلى عدة مباحث المبحث الأول أنه يشترط في هذه المحاريب أن تكون إسلامية فإن كانت محاريب لليهود أو للنصارى أو لغيرهم من أهل الملل فإنه لا يجوز للمسلم أن يستدل بها المبحث الثاني التعليل الذي يدل على هذا الحكم والتعليل هو أن هذه المحاريب عمل بها المسلمون وتتابعوا على ذلك عصراً من بعد عصر بما يشبه الإجماع على صحتها فوجب المصير إلى ما تدل عليه المبحث الثالث هل المحاريب مشروعة أو تعتبر بدعة لا يجوز أن تبنى في المساجد؟ في هذا خلاف بين أهل العلم وهو خلاف قوي ومن الفائدة أن تعلم أن أول من بنى المحاريب هو أمير المؤمنين عمر بن عبدا لعزيز رضي الله عنه ورحمه ثم من عهده حين كان والياً قبل أن يكون خليفةً بنى المحاريب ثم من ذلك الوقت إلى يومنا هذا والمحاريب تبنى في المساجد واختلف الفقهاء على قولين منهم من يرى أن المحاريب بدعة لأنها لم تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن عدداً من السلف ذموا وجود المحاريب في المساجد والقول الثاني أن هذه المحاريب مشروعة ولا تعتبر بدعة لدليلين الدليل الأول أنها داخلة في عموم المصالح المرسلة والمصالح المرسلة هي: المصالح التي لم ينص الشارع على مشروعيتها ولكن دلت على ذلك النصوص والقواعد العامة ومن أبرز أمثلة المصالح المرسلة التي اتفق عليه الصحابة جمع المصحف فإن جمع القرآن لم يحدث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما جمعه أبو بكر رضي الله عنه لما رأوا المصلحة في جمعه إذاً بعد أن أخذنا فكرة موجزة عن المصالح المرسلة فقد استدل الذين قالوا بمشروعية المحاريب بمبدأ المصالح المرسلة ذو القعدة الدليل الثاني إجماع الأمة بعد عصر الصحابة على وضع المحاريب في المساجد • ثم قال - رحمه الله - ويستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما

  • القطب

هو أحد النجوم التي يستدل بها على جهة القبلة وهو أهم هذه العلامات والسبب في أهميته ثباته الدائم في مكانه فإن له مكاناً ثابتاً لا يتغير عنه وهذا مما يسهل على من يطلب القبلة أن يستدل به عليها

  • والشمس والقمر ومنازلهما أي ويستدل الإنسان بالشمس والقمر ومنازل كل منهما وهي: ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في الشهر والشمس في السنة واليوم أصبح الاستدلال على القبلة أمر يسير مع وجود الآلات الحديثة وسهولة استخدام هذه الآلات مع تيسر الاتصالات ولذلك من الخطأ البين التساهل في معرفة القبلة مع هذا التيسير في الاستدلال عليها إما من طريق الآلات أو السؤال ثم بدأ المؤلف - رحمه الله - الكلام عن الاختلاف في القبلة بين المجتهدين • فقال - رحمه الله - وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة لم يتبع أحدهما الآخر في هذه المسألة تفصيل وليست على الإطلاق الذي ذكره المؤلف فإذا اختلفا المجتهدان في تحديد القبلة فإن ذلك على قسمين القسم الأول أن يكون اختلافهما في جهة واحدة كأن يميل أحدهما يميناً والآخر شمالاً ولكن في جهة واحدة ففي هذا القسم يصح أن يقتدي احدهما بالآخر عند الحنابلة وعند غيرهم التعليل أنهما استقبلا جهة واحدة والواجب في الاستقبال استقبال الجهة وهو حاصل منهما القسم الثاني أن يكون اختلافهما في جهتين لا في جهة واحد بأن يستقبل أحدهما الشمال والآخر الغرب مثلاً ففي هذه الصورة لا يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر وهو مذهب الحنابلة الدليل أن كل منهما يعتقد خطأ الآخر فلا يجوز أن يقتدي بمن يعتقد خطأه والقول الثاني أنه يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر ولو اختلفا جهة وممن ذهب إلى هذا القول الفقيه المشهور أبو ثور - رحمه الله - التعليل أن الاختلاف في المسائل الفقهية لا يمنع الاقتداء في الصلاة ولذلك يجوز أن يصلي من يرى نقض الطهارة بلحم الإبل خلف من يرى أن لا نقض بلحم الإبل وأمثلة هذا الحكم كثيرة

بناء على هذا القول يصلون جماعة ولو اتجه بعضهم إلى غير جهة الإمام وبأس ولا محذور في ذلك كما أن الذين يصلون بجوار الكعبة يصلون إلى جهات مختلفة ولم يضر هذا بالإئتمام فكذلك في مسألتنا والأقرب والله أعلم القول الثاني • ثم قال - رحمه الله - ويتبع المقلد أوثقهما عنده المقلد هو من لا يحسن الاجتهاد لتحديد القبلة يبتع أوثقهما عنده لم يبين المؤلف - رحمه الله - مناط الثقة أوثقهما في ماذا؟ ومراده - رحمه الله - أوثقهما علماً وأكثرهما تحرياً لدينه وهذا ضابط جيد في مسألة القبلة وفي مسالة أهم منها وهي: مسألة الاستفتاء فإن المقلد أي العامي يجب عليه في الاستفتاء أن يقلد ويستفتي الأوثق علماً الأكثر تحرياً لدينه وقد يظن البعض أنهما شيء واحد وهذا خطأ فقد يكون الإنسان كثير العلم لكن قليل الدين وقد يكون كثير الدين وقليل العلم فيجب أن يسأل من هو أكثر علماً وأكثر تحرياً لدينه فإن استويا عنده تحرياً لدينه وعلماً بأدلة القبلة اختار من شاء منهما فيقلد من شاء من المجتهدين في تحديد القبلة • ثم قال - رحمه الله - ومن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده ويجتهد العارف أذاً من صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده من صلى بغير اجتهاد أي ممن هو أهل للاجتهاد ولا تقليد أي ممن ليس أهلاً للاجتهاد قضى أي أعاد الصلاة التعليل أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ولم يأت به فبطلت صلاته ومفهوم كلام المؤلف أن من صلى بغير اجتهاد ولا تقليد فإن صلاته باطلة ولو أصاب وهذا أحد القولين في المسألة أي في مسألة إذا أصاب فالقول الأول أنه يعيد ولو أصاب التعليل قالوا أنه لم يفعل ماأمر به على الوجه الشرعي فلم تنفعه أصابته كما أن من أفتى بغير علم آثم ولو أصاب ومن قضى بين خصمين آثم ولو قضى بالعدل فكذلك من صلى إلى القبلة بغير اجتهاد ولا تقليد فصلاته باطلة ولو أصاب والقول الثاني أنه إن أصاب فصلاته صحيحة لأن شرط الاستقبال تحقق فيه أي القولين أرجح؟

  • ما ترون في رجل صلى بغير طهارة فلما انتهى من الصلاة وجد أنه على طهارة؟ فهل صلى في حقيقة الأمر مستكملاً الشروط؟ الجواب لا وهل صلاته صحيحة؟ الجواب لا هذه الصورة من صلى وهو يرى أنه على غير طهارة صلاته باطلة بل قد يكفر لأنه مستهتر فلو كان صلى على طهارة في حقيقة الأمر لم تقبل صلاته فهذا كذلك إذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد فإن صلاته ليست صحيحة وهذا الذي يظهر والله أعلم • ثم قال - رحمه الله - ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة أي إذا اجتهد لصلاة الظهر ورأى أن القبلة في اتجاه معين ثم حضرت صلاة العصر فإنه يجب أن يجتهد وينظر في الأدلة مرة أخرى إلى أن يتبين له الاتجاه الصحيح للقبلة وإن كان في نفس المكان وهذا باتفاق الأئمة الأربعة أنه يجب أن يجتهد مرة أخرى القول الثاني وهو وجه فقط عند الشافعية أنه لا يجب أن يجتهد التعليل لأن الأصل بقاء الظن الأول إلا إذا وُجِدَ سبب يقتضي إعادة الاجتهاد فيجب حينئذ أن يجتهد أن يعيد الاجتهاد والراجح والله أعلم القول الثاني بقينا في شيء واحد وهو ما هو دليل الأئمة الأربعة؟ دليلهم أنها حادثة جديدة فتحتاج إلى اجتهاد جديد والأقرب كما قلت لكم القول الثاني أنه لا يحتاج أن يجتهد مرة أخرى • ثم قال - رحمه الله - ويصلي بالثاني يصلي بالثاني دون الأول لأنه بالاجتهاد الثاني ترجح عنده الظن الثاني والعمل بالظن الراجح واجب وترك المرجوح أيضاً واجب ولا إشكال في هذا إذا اجتهد مرة أخرى فإنه يأخذ بالإجتهاد الثاني ولا يجوز له أن يأخذ بالاجتهاد الأول وهذا يقع عند كثير من الناس فمثلاً إذا خرجوا خارج المدينة اجتهدوا أن القبلة بالاتجاه المعين ثم إذا حضرت الصلاة الثانية قال أحدهم أنا أرى جازماً أن القبلة في اتجاه آخر لكن سأصلي معكم فنقول إنه لا يجوز له أن يصلي معهم إذا كان من أهل الاجتهاد فإنه لا يجوز أن يصلي معهم لماذا؟ لأن العمل بالاجتهاد الثاني واجب
فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل