شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 223-262
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا

صفحات 223-262
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

والجواب على استدلال المالكية، أن الإحسان لا يتنافى مع الوجوب، فقد يكون الشيء إحساناً وهو واجب، لاسيما والآية أمرت أمراً صريحاً ﴿فمتعوهن﴾ وقال الله تعالى في آخرها: ﴿حقاً﴾ والحق يطلق على الواجب.
وأما القول الأخير فهو قياس مع الفارق، إذ كيف نقيس المفوضة على التي لها مهر مسمى، ثم هذا القياس والاستحسان قياس في مقابل النص الصريح وهي الآية، فالراجح إن شاء الله تعالى مذهب الجمهور.
ثم لما قرر المؤلف وجوب المتعة انتقل إلى بيان المقدار.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (بقدر يسر زوجها وعسره) أفادنا بهذه العبارة أن المتعة مقدرة بحال الزوج لا بحال الزوجة، واستدلوا على هذا بصريح الآية: ﴿على الموسع قدرة وعلى المقتر قدرة﴾، يعني على الزوج.
والقول الثاني: أنها مقدرة بحال المرأة، واستدل أصحاب هذا القول: بأن المهر مقدر بحال المرأة، ولهذا نحن نقول مهر المثل، يعني مهر مثل الزوجة، فإذا كان المهر مقدراً بالمرأة، فكذلك المتعة، وهو قول ضعيف.
والراجح إن شاء الله القول الأول، لصراحة الآية باعتبار حال الزوج لا حال الزوجة، ومما يتفرع على هذه المسألة مسألة أخرى: وهي مقدار المتعة، ذهب الحنابلة إلى أن مقدار المتعة يقدر بأعلاه وأدناه، فأعلاه خادم، وأدناه سترة تصلح لصلاة المرأة فيها، هذا أعلاه وأدناه.
والقول الثاني: أن المتعة لا تتقدر، وإنما يرجع في تقديرها عند التنازع إلى الحاكم، لأنه واجب لم يقدر في الشرع، فرجعنا فيه إلى اجتهاد الحاكم، والراجح القول الثاني: أنه لا يتقدر بقدر معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، وهذا كما قلت إذا وقع النزاع بين الزوجة والزوج.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويستقر مهر المثل بالدخول) إذا دخل على المفوضة استقر مهر المثل، ومقصود الشيخ بقوله بالدخول، يعني بكل مقررات المهر، وإنما ذكر الدخول لأنه أكثر مقررات المهر وقوعاً.
والدليل على ذلك: القياس على المهر المسمى، ففي المهر المسمى يستقر هذا المهر بالدخول، فكذلك بالنسبة للمفوضة وهذا لا إشكال فيه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن طلقها بعده فلا متعة)

يعني وإن طلق المفوضة بعد الدخول فإنه لا متعة لها، استدل الحنابلة على أنه: لا تعطى المرأة المطلقة بعد الدخول متعة بأن الله تعالى قسم النساء إلى قسمين لا ثالث لهما، قسم لها المتعة وهي مذكورة في قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ وقسم لها نصف المهر وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ... فنصف ما فرضتم﴾ فلما قسم الله تعالى النساء إلى قسمين علمنا أن كل قسم يختص بحكمه، فيختص المتعة بالنساء اللاتي لا دخول فيها ولا مسيس ولا فرض، ويختص المهر أو نصفه بما في الآية، نصفه إذا طلق وقد سمى أو فرض، وكله إذا دخل أو باقي مقررات المهر.
القول الثاني: أن المتعة واجبة لكل مطلقة، وهي رواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام رحمه الله واستدل بقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾، فالآية عامة وفيها مؤكدات كثيرة، فيها الأمر، وفيها قوله حقاً، وفيها الإشارة إلى أن دفع المتعة مطلقاً من جملة التقوى، والتقوى واجبة.
القول الثالث، أن المتعة مستحبة، ودليل هذا القول هو: الجمع بين الأدلة السابقة.
الراجح إن شاء الله اختيار شيخ الإسلام، وإن كانت المسألة فيها نوع إشكال، لكن الراجح إن شاء الله هو هذا، لأنه لا يوجد صارف واضح للآية، وكون الآية الأولى أثبتت المتعة في صورة، فإنها لا تنفي المتعة عن الصور الأخرى، فالأقرب إن شاء الله أنها واجبة وإن كان عمل الناس الآن أن المطلقة بعد الدخول قلّ من يعطيها متعة، وأنت كما ترى القول بالوجوب قوي وواضح، ونصر الشيخ القول بالوجوب بمعنى إضافي على الآية وهو جميل فقال: إن المهر الذي يعطى للمرأة بسبب الدخول لا يمنع المتعة، لأن المهر مقابل الوطء، وأما المتعة فهي في مقابل ما حصل للمرأة من كسر الخاطر وضيق النفس بسبب الطلاق، فهذا له سببه، وهذا له سببه، وهذه إشارة جميلة في الحقيقة.
مسألة: الخلاف المذكور هو في متعة المفوضة، لأن البحث ما زال في المفوضة، وأما المطلقة بعد الدخول التي مهرها مسمى فالخلاف فيها هو هذا الخلاف نفسه، إذاً الخلاف في المفوضة والمسماة واحد لا فرق بينهما واستدلوا بذات الأدلة.

انتهى الشيخ الآن من الكلام عن المفوضة، وانتقل إلى الكلام عن النكاح الفاسد، وما يشبه النكاح الفاسد.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإذا افترقا في الفاسد) استعمل المؤلف كلمة افترقا ليشمل الطلاق والفسخ، والنكاح على ثلاثة أنواع: النوع الأول: النكاح الصحيح وتقدم معنا.
النوع الثاني: النكاح الفاسد وهو الذي نتحدث عنه النوع الثالث: النكاح الباطل ففرق العلماء بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، فالنكاح الفاسد هو النكاح المختلف في صحته، وهذا ظاهر كلام الفقهاء، سواء كان الخلاف قوي أو ضعيف، ما دام مختلف فيه اختلاف معتبر فهو فاسد، ولو كان أحد القولين شديد الضعف عند الآخر، ومثاله أن يتزوج بلا شهود أو بلا مهر أو بلا ولي فهذه من أمثلته.
النوع الثاني: النكاح الباطل وهو النكاح المتفق على بطلانه، ومن أبرز أمثلته أن يتزوج من لا تحل له، كأن يتزوج أخته من الرضاع أو خالته أو عمته إلى آخره فهذا نكاح باطل بإجماع المسلمين.
الهدف أو الفائدة من التفريق بين النكاح الفاسد والباطل: هو أنه في النكاح الفاسد يجب على الزوج وجوباً أن يطلق أو يفسخ، وجوباً عند الجماهير، ولو كان الزوج أو الزوجة أو الولي يرون أن النكاح فاسد، يجب عليه مع ذلك أن يطلق أو يفسخ، والدليل على ذلك: أن هذا النكاح الفاسد ربما رأى الزوج أنه صحيح ورأت الزوجة أنه فاسد، فتذهب الزوجة بلا طلاق وترى بأنها ليست زوجة للأول، والأول يبق يرى أنه زوجها، ثم تتزوج بآخر ويكون للمرأة زوجان، فلأجل عدم وقوع هذا المحذور الكبير أوجب الجمهور أن يقوم الزوج بالطلاق أو الفسخ.
القول الثاني: للشافعي قال: إذا ثبت أن النكاح فاسد فإنه لا يجب على الزوج لا أن يطلق ولا أن يفسخ، واستدل على هذا: بأن هذا العقد الفاسد لم ينعقد أصلاً حتى نوجب عليه أن يفسخه أو أن يطلق، والراجح مذهب الجمهور وبناءً، على هذا الراجح نقول إذا لم يطلق الزوج ولم يفسخ وجب على الحاكم أن يقوم بالتفريق بينهما بالفسخ أو الطلاق، حتى لا يدخل الاشتباه في وجود زوج آخر.

هذا الفرق هو الفارق الأساسي بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، وهذا الفارق في الحقيقة يرجع إلى أثر العقد لا إلى حقيقة العقد، ما معنى هذا؟ معنى هذا أنه في الواقع وحقيقة الأمر عند الفقيه الذي يرى أن العقد فاسد العقد، الفاسد والباطل واحد، لأن كل منهما لم ينعقد شرعاً عند هذا الفقيه، فهو في حقيقة الأمر لا فرق بينهما، ولكن الفرق هو من جهة أثر العقد الفاسد وأثر العقد الباطل، وهذا أمر يجب أن يُعرف، وأن الفرق إنما هو في الظاهر والآثار لا في الحقيقة.
الآن عرفنا الفرق بين الفاسد والباطل ننتقل الآن إلى الكلام عن الفاسد.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر) إذا افترقا قبل دخول وخلوة فلا مهر، ولو كان المهر مسمى، والدليل على هذا: أن الذي يوجب المهر هو العقد، وهنا لا عقد، لأن العقد شرعاً لا حقيقة له في العقد الفاسد، إذاً هذا الحكم الأول للعقد الفاسد.
الثاني: قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وبعد أحدهما يجب المسمى) قوله بعد أحدهما: يرجع إلى الدخول أو الخلوة، ونحن سنأخذ كل واحد على حدة.
المسألة الأولى: إذا فارقها بعد الدخول، فالواجب عند الحنابلة المهر المسمى، الدليل عند الحنابلة: أنه في حديث عائشة: "أيما امرأة نكحت بلا ولي فنكاحها باطل باطل باطل ولها المهر بما استحل من فرجها" هذا الحديث عمدة في مسائل النكاح الفاسد، عليه اعتماد الفقهاء في رواية لهذا الحديث "عليه ما أصدقها بما استحل من فرجها" وما أصدقها هو المسمى هذا مذهب الحنابلة.

القول الثاني: أن عليه مهر المثل لا المسمى، واستدل هؤلاء بذات الحديث فقالوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" فلها المهر بما استحل من فرجها" فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سبب المهر هو استحلال الفرج لا العقد، والواجب بالوطء هو مهر المثل لا المسمى، والنبي صلى الله عليه وسلم علق المهر على الوطء لا على العقد، وهذا القول اختاره ابن قدامة وهو الصحيح إن شاء الله، إذ كيف نرتب على العقد الفاسد المسمى في ترتيب مهر المسمى على العقد الفاسد تصحيح للعقد الفاسد، ونحن نرى أنه فاسد يعني لم ينعقد أصلاً، ولهذا إن شاء الله الراجح هو هذا القول وهو انه مهر المثل.
المسألة الثانية: التي أشار إليها الماتن الخلوة، فالخلوة تقرر المهر المسمى عند الحنابلة، واستدلوا على هذا بالقياس على النكاح الصحيح، قالوا كما أن الخلوة تقرر المهر المسمى النكاح الصحيح، فكذلك في النكاح الفاسد، بجامع أن في كل منهما وطء ودخول.
القول الثاني: أن الخلوة لا توجب على الزوج شيئاً، واستدلوا بأنه في حديث عائشة جعل النبي صلى الله عليه وسلم سبب المهر الوطء وهنا لا يوجد وطء، بناءً على هذا إذا تزوج رجل امرأة بلا ولي وخلا بها بلا وطء جلس معها ليلة الزفاف خلوة كاملة بلا وطء ولم يمسها إلى الصبح فإنه إذا جاء الصبح وأُخبر أن العقد فاسد فأنهما يفترقان ولا يترتب على هذا شيء، بينما عند الحنابلة يترتب المسمى، وهذا فرق كبير جداً بين أن يترتب المسمى وبين ألا يترتب شيء، والراجح إن شاء الله أنه لا يترتب شيء لما تقدم من حديث عائشة وهو أصل في هذا الباب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويجب مهر المثل لمن وطئت .. ) بدأ الكلام عما يشبه النكاح الفاسد وليس بنكاح فاسد، فإذا وطء الإنسان امرأة وطء شبهة فإنه يجب عليه أن يدفع مهر مثلها كاملاً، والدليل على هذا من وجهين: الأول: الإجماع فإنه حكي الإجماع على هذه المسألة وهي وجوب مهر المثل في وطء الشبهة.
الثاني: عموم حديث عائشة فإنها تقول فلها المهر بما استحل من فرجها، فجعلت المهر بسبب استحلال الفرج وهذا استحل الفرج.

القول الثاني: وطء الشبهة لا يجب شيء واستدل هؤلاء بأن: الشارع إنما علق المهر ونحو المهر بوجود الزوج وشبهة، وهذا ليس بزوج، وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، والراجح إن شاء الله المذهب، سبب ذلك أنه يظهر بوضوح وجلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم علق وجوب دفع مهر المثل بالوطء، وهذا ظاهر، ولهذا يقول بما استحل يعني بسبب استحلاله الفرج، وهذا واضح، ومع وجاهة وقوة ما ذكره الشيخ إلا أنه لا يكفي في الخروج عن ظاهر هذا الحديث، هذا هو النوع الأول وهو وطء الشبهة.
وقبل أن ننتقل إلى الثاني، وطء الشبهة يأخذ حكمه وطء آخر، وهو الوطء في نكاح باطل، فالوطء في نكاح باطل حكمه حكم وطء الشبهة، فإذا عرفت حكم وطء الشبهة عرفت حكم النكاح الباطل، وبالإمكان أن يضاف هذا لمساءل الفروق بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، وعلى هذا يكون مقتضى اختيار شيخ الإسلام أنه إذا حصل نكاح باطل فإنه لا يجب شيء ولو مع الدخول الوطء.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (أو زناً كرهاً) إذا زنا بامرأة غصباً وكرهاً فلها مهر المثل، استدل الحنابلة بحديث عائشة السابق بما استحل من فرجها.
القول الثاني: أن لها المهر إن كانت بكراً، وليس لها شيء إن كانت ثيبة.
والقول الثالث: أنه لا شيء لها، واستدل الذين قالوا بأن لا شيء لها بأن النبي صلى الله عليه وسلم:" نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي" فمهر البغي أبطله الشارع، وهذا القول الثالث اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، وهو فيما يظهر لي الآن غاية في الضعف، والسبب في ذلك، أن هذه المزني بها كرهاً، كيف نعتبر الموطوءة بزناً حكمها حكم البغي، البغي رضيت بالبغاء فلا حق لها ولا مهر، وهذه وطئت غصباً، بل إنها المزني بها غصباً أولى بمهر المثل من الموطوءة بشبهة، لأن الوطء بشبهة لا يوجد إجبار منه ولا منها، وإنما محض خطأ، وهنا هذه المرأة مجبرة ومعتدى عليها فهي أحق بمهر المثل من الأولى، ولهذا في الحقيقة غريب اختيار الشيخ اللهم إلا أن يكون له مأخذ آخر لم يذكره، أما التسوية بين وطء الزنا بالرضا والموطوءة بزناً كرهاً هذا غريب، لذلك الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أن لها مهر المثل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

(أو زناً كرهاً) خرج بالزنا الكره الزنا بالمطاوعة، فهذه لا مهر لها وعليها الحد، فإذاً قيد معتبر قوله كرهاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولا يجب معه أرش بكارة) لا يجب مع الوطء بشبهة ولا مع الزنا كرهاً أرش بكارة، والسبب في هذا يرجع إلى أمرين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة أوجب على الواطء مهر المثل فقط، ولم يتطرق إلى الأرش، فنقتصر على الموجود في الحديث.
والدليل الثاني، وهو من حيث المعنى وهو قوي أيضاً، أن أرش البكارة موجود في مهر المثل لأنه حين تقدير مهر المثل نراعي أنها بكراً، فثمن البكارة متضمن في مهر المثل، وهذا كلام جيد وسديد، إذاً لا يجب عليه أن يدفع أرش البكارة، وتقدم معنا أن أرش البكارة هو الفرق بين قيمة الأمة ثيباً وقيمتها بكراً، أو الفرق بين مهر المرأة ثيباً وبين مهرها بكراً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال) يعني أنه يجوز للمرأة أن تمنع نفسها يعنى ألا تسلم نفسها للزوج حتى تقبض مهرها، لكن بشرط أن يكون هذا المهر حالاً، الدليل على هذا الحكم من وجهين: الأول: الإجماع، فإنه حكي الإجماع على أن للمرأة أن تمنع نفسها.
الدليل الثاني: أنه ربما فض بكارتها ثم امتنع عن دفع المهر أو ماطل فيه، وحينئذ لا يمكن أن نستدرك البكارة، وهذا كما ترون أدلة قوية جداً، فللمرأة أن تقول لن أذهب إلى بيت الزوج حتى يكمل المهر الحال.
عرفنا حكم هذه المسألة، مسألة ملحقة بها ظاهر كلام الحنابلة أن للمرأة أن تمنع نفسها من الزوج ولو كان مثلها لا يصلح للوطء لها أن تمتنع مطلقاً.
والقول الثاني: أن للمرأة أن تمنع نفسها من الزوج، أي من تسليم نفسها لبيت الطاعة، إذا كانت تصلح للوطء، أما إذا كانت لا تصلح للوطء فيجب عليها أن تذهب، لأن المعنى الذي من أجله جوزنا لها الامتناع مفقود فيمن لا يمكن أن توطء، وهذا القول الثاني هو الصحيح، لأنه لا معنى من الامتناع مع أنه لا يمكن أن يوطأ مثلها، ومن هذا الخلاف عرفنا أن الإجماع المحكي في المسألة الأولى يتنزل على المرأة التي يمكن أن توطأ.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (إن كان مؤجلاً .. ) هذه ثلاث مسائل:

الأولى: إن كان مؤجلاً، فإذا كان المهر مؤجلاً فليس لها أن تمنع نفسها من التسليم، وجه ذلك أنها برضاها بالتأجيل رضيت بتسليم نفسها، وهذا صحيح، بأنها لما رضيت بالتأجيل علمنا أنه لا مانع عندها من تسليم نفسها، ولأن القول بجواز منع نفسها مع التأجيل يفضي إلى عدم حصول المقصود من النكاح، لأن الحنابلة يرون أنه يجوز أن يكون المهر مؤجلاً بغير حد معلوم، أليس كذلك كما تقدم معنا، إذاً على هذا ربما تبقى الزوجة في بيتها أو الزوج في بيته سنين، ولا يلزم المرأة أن تذهب إلى زوجها وهذا يتنافى مع كل مقاصد النكاح.
المسألة الثانية: أو حل قبل التسليم، يعني إذا كان المهر مؤجلاً ثم لم تسلم نفسها حتى حل، فحينئذ يجب أن تسلم نفسها ولو كان المهر الآن حال، والسبب في ذلك أن وجوب التسليم مستقر قبل حلول أجل المهر، بناءً على هذا إذا حل الأجل ولم يسلم فإنه يجب أن تذهب إلى بيتها، لأن وجوب التسليم سابق لموعد الحلول.
المسألة الثالثة: أو سلمت نفسها تبرعاً، إذا سلمت المرأة نفسها تبرعاً يعني في صورة تستطيع أن لا تسلم نفسها، فإنها بمجرد التسليم لا يجوز لها الرجوع، ودليلهم على هذا أنه بالدخول استقر عوض المرأة فلا تتمكن من الرجوع، هذه مسألة مهمة جداً ويكثر وقوعها.

القول الثاني: أن لها الامتناع عن تسليم نفسها ولو رضيت في وقت من الأوقات، واستدل هؤلاء بأن الموجب والمسوغ لامتناع المرأة هو عدم تسليم المهر، ولا زال هذا المعنى موجوداً، وقبل الترجيح هذه المسألة من المسائل التي توقف فيها الإمام أحمد رحمه الله، وتقدم معنا أنه مثل هذا الإمام الكبير إذا توقف فهو إشارة إلى وجود بعض التعارض في أدلة المسألة، الذي يظهر لي أن المتوافق مع قواعد الشرع هو القول الثاني لأن الحقوق المتجددة لا تسقط بالإسقاط ولأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا كان علة الامتناع هو عدم دفع الزوج للمهر فهذه العلة موجودة، فالذي يظهر والله أعلم هو هذا أن لها أن تمتنع، وفي هذا القول في الحقيقة الثاني مع أنه قرب لقواعد الشرع أحفظ لحقوق النساء، لأنها قد ترضى في وقت من الأوقات ضانة أن الزوج سيؤدي الحق الذي عليه إن عاجلاً أو آجلاً، ثم يظهر لها أنه مماطل وأنه يدفع كلما جاء الوقت أخر فلها أن تمتنع وتذهب إلى أهلها إلى أن يدفع الزوج المهر وهذا إن شاء الله أقرب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن أعسر بالمهر الحال .. ) إذا أعسر بالمهر بشرط أن يكون الحال، فلها الامتناع، سواء قبل الدخول أو بعد الدخول.
نأخذ كل مسألة على حده.
المسألة الأولى: قبل الدخول، قبل الدخول للمرأة أن تمتنع عن تسليم نفسها إذا أعسر الزوج، لأنه بإعسار الزوج تبينّا عدم المقدرة على أداء العوض، وإذا لم يستطع أن يؤدي العوض جاز لها أن تمتنع، كما أن البائع إذا لم يؤدي المشتري الثمن جاز له الرجوع بالسلعة.
القول الثاني: أنه إذا أعسر فليس لها أن تمتنع، لأن هذا الإعسار غاية ما يكون دين في ذمة الزوج لا يمنع من الطاعة، كما إذا أعسر في النفقة القديمة، فإن هذا الإعسار لا يمنع من التسليم، وهذا القول الثاني اختاره الشيخ ابن قدامة وأيضاً الشيخ ابن حامد من الحنابلة وله اختيارات أيضاً جميلة.
المسألة الثانية: إذا كان بعد الدخول، وهي التي أشار إليها قوله (ولو بعد الدخول)، إذا كان بعد الدخول فالحنابلة كما ترون الحكم نفسه، أن لها الفسخ،

والقول الثاني: أنه بعد الدخول ليس لها الفسخ، وإذا كنا نرجح فيما قبل الدخول أن ليس لها الفسخ ففيما بعد الدخول من باب أولى، أنه ليس لها الفسخ، لأنه بعد الدخول تستقر الحقوق أكثر منها قبل الدخول.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولا يفسخه إلا حاكم) أي أنه يجب أن يكون الفسخ على يد الحاكم، والدليل على هذا أن هذه المسألة محل اختلاف وتحتاج إلى اجتهاد، والحنابلة دائماً إذا كانت المسألة تحتاج إلى اجتهاد فإنه يرجع في الفسخ فيها إلى الحاكم، دفعاً للنزاع والشقاق.
والقول الثاني: أن لها الفسخ بمجرد الإعسار، وهذا القول ضعيف جداً، ويؤدي في الحقيقة إلى التلاعب والفوضى، لأنه ربما تزعم المرأة أنه أعسر بالمهر وتخرج وتقول فسخت النكاح أو النكاح انفسخ، ثم إذا سئل الزوج قال المهر موجود، ثم إذا رجعنا إلى الزوجة قالت ذكر لي أنه أعسر، ودخلنا في متاهة لها أول وليس لها آخر ومما يزيد الأمر سوءً لو ذهب المرأة وتزوجت، فلا بد في الحقيقة في مثل هذه المسائل من الحاكم، فيقوم القاضي بفسخ النكاح بناءً على ثبوت إعسار الزوج بالمهر.
وبهذا انتهى باب الصداق وننتقل إلى باب وليمة العرس قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

(باب وليمة العرس)

الوليمة اسم لما يصنع في النكاح خاصة، يعني اسم لدعوة النكاح خاصة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (تسن) أفادنا المؤلف أن حكم الوليمة سنة، والوليمة مشروعة بالإجماع، وهي عند الجمهور سنة، واستدلوا على سنيتها بأحاديث كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف:"أولم لو بشاة"، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بشاة صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسمن وإقط، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه ولم تذكر في النص بمدّي شعير، وهذه الأحاديث كلها في الصحيح، ولهذا أجمع أهل العلم على أنه مشروع، وذهب الجمهور إلى أنه مسنون.

القول الثاني: أن الوليمة واجبه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف:" أولم ولو بشاة فأمره" أمراً صريحاً بالوليمة، والراجح إن شاء الله أنها سنة، وسبب الترجيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أولم ولو بشاة" والإيلام بشاة كونه يولم بشاة لم يقل أحد بوجوبه، فدل هذا على أن الأمر كله في الحديث على سبيل الندب، ولا يمكن أن نقول قوله:" أولم ولو بشاة" نصفه للوجوب ونصفه للندب، وأما الدليل على أن صنع الإنسان وليمة بمقدار شاة لا يجب بالإجماع، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من شاة.
مسألة: مع القول بأن الوليمة سنة، نحتاج إلى تحديد الوقت اختلف الفقهاء متى يسن صنع الوليمة.
فالقول الأول: أنه عند العقد ولو قبل الدخول.
والقول الثاني: أنه بعد الدخول، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، واستدل عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على نسائه بعد الدخول.
والقول الثالث: أن الأمر في وقته واسع، يبدأ من العقد إلى نهاية أيام الزواج، وهذا القول اختاره المرداوي وقال به تجتمع النصوص، نقول يسن من حين العقد إلى نهاية ولائم النكاح أو الزواج.
ويظهر إن شاء الله أن الأمر في هذا واسع، ولو تحرى الإنسان أن لا تكون الوليمة إلا بعد الدخول لكان هذا حسناً، مع أن عمل الناس قبل الدخول، ولهذا ما انتشر الآن عند بعض الناس من وجود حفلة مصغرة تكون لدخول الزوج على زوجته، ثم تصنع وليمة بعد ذلك هذا في الحقيقة أقرب للسنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل بالمرأة ثم يصنع الوليمة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (تسن ولو بشاة فأقل)

أفادنا المؤلف رحمه الله أنه يجوز أن يولم بأقل من شاة، وهذا محل إجماع، لصنع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مع هذا استحب كثير من الفقهاء ألا ينقص الإنسان في وليمته مع القدرة عن شاة، بل استحب كثير من الفقهاء أن يزيد على الشاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أولم ولو بشاة" فجعل أقل المقدار الذي يولم به الإنسان هو شاة، وهذا صحيح، أنه ينبغي ويستحب أن يولم الإنسان بأكثر من شاة، وكلما زاد فهو أفضل، بشرطين: القدرة وعدم الإسراف، فإذا تحقق الشرطان فلا بأس، وسيأتينا أن أبّي بقي يصنع الولائم لزواجه رضي الله عنه لمدة ثمانية أيام، وكذلك ابن سيرين جلس هذا المقدار، وغيره من السلف، فإذا لم يكن هناك إسراف ومباهاة فلا بأس.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وتجب في أول مرة .. ) قوله وتجب أشار المؤلف إلى أن إجابة الدعوة الخاصة بوليمة الزواج واجبة، وإلى هذا ذهب الجماهير بل حكي إجماعاً، وممن حكى الإجماع ابن عبد البر والنووي والقاضي عياض وغيرهم فهو إجماع محكي.
واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا دعي أحدكم إلى وليمة العرس فليأتيها" وفي لفظ "فليجب".
الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "شر الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله"، وهذا الحديث روي من قول أبي هريرة وروي في الصحيح أيضاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأحاديث صريحة في الأمر بإجابة الدعوة إذا كان الداعي للزواج.
القول الثاني: أن إجابة الدعوة فرض كفاية، واستدل أصحاب هذا القول بأن المقصود من الأمر بإجابة الدعوة إدخال السرور على المسلم وتوليه وهذا يحصل إذا قام به من يكفي.
القول الثالث: وهو مروي عن بعض الشافعية وأيضاً بعض المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه سنة.
والذي تدل عليه النصوص هو القول المحكي إجماعاً، والخروج عن هذه الأحاديث في الحقيقة صعب، وهي فيها الأمر الصريح بإجابة الدعوة، والحكم عليه بأنه عصى الله وعصى رسوله إن لم يفعل، فلعل هذا هو الأقرب إن شاء الله.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وتجب في أول مرة)

يعني تجب في اليوم الأول، والمقصود بقولهم تجب في اليوم الأول يعني في الدعوة الأولى، فإذا دعاه المرة الأولى وجب عليه أن يجيب، وإذا دعاه المرة الثانية فإنه يستحب أن يجيب، وإذا دعاه الثالثة فإنه يكره كما سيأتينا عند الحنابلة أن يجيب، واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الدعوة في اليوم الأول سنة وفي اليوم الثاني إحسان وفي اليوم الثالث رياء وسمعة"، وهذا الحديث ضعيف، وأيضاً استأنسوا بالآثار فإن السلف كانوا يجيبون اليوم الأول والثاني دون الثالث، وروي أن سعيد بن المسيب جاءه رجل فدعاه اليوم الأول فذهب، ثم جاءه اليوم الثاني فدعاه فذهب، فلما جاءه اليوم الثالث ودعاه حصبه يعني رماه بالحصى رضي الله عنه، لأنه رأى أن القضية أصبحت أشبه ما تكون بالمباهاة وبضياع الوقت، على كل حال الواجب هو اليوم الأول.
فهم من كلام الفقهاء أنه لا بأس بتكرار وليمة الزواج، أن يصنعها مرة ومرتين وثلاث وأربع وخمس، وذكرت لكم أن أبي صنعها ثمان مرات، وكذلك ابن سيرين نفس الشيء رضي الله عنه وأرضاه، وهذا يدل على أنه لا بأس من تكرار الوليمة بشرط عدم الدخول بالإسراف والمباهاة.

هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • ((انتهى الدرس)).

الدرس: (13) من النكاح

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام عن وجوب إجابة الدعوة، ثم كنا شرعنا في الشروط التي تشترط للوجوب، وذكرنا الشرط الأول وهو في أول مرة، وانتهينا من الكلام عنه، ثم ننتقل إلى الشرط الثاني: قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (إجابة مسلم) يشترط لوجوب إجابة دعوة وليمة العرس أن يكون الداعي مسلم، واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"حق المسلم على المسلم خمس ثم قال وإذا دعاك فأجب"، وهذا الحديث في صحيح مسلم، وقد جعل إجابة الدعوة من حقوق المسلم على المسلم، فغير المسلم ليس له هذا الحق، وهذا صحيح، ويؤيد هذا الحديث أن المقصود أصلاً من إجابة الدعوة ما يحصل من التقارب والتآخي والموالاة وهو منفي في حق الكافر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (يحرم هجره) يشترط لوجوب إجابة الدعوة أن يكون الداعي ممن يحرم هجره، فإن كان الداعي ممن لا يحرم هجره فإن إجابة الدعوة لا تجب، لأن المطلوب فيمن لا يحرم هجره أن يهجر ويبتعد عنه، كالمبتدع والفاسق والمجاهر بالمعاصي والداعي إلى الفسق والخنى والفجور ونحوهم، فهؤلاء لا تجب إجابة الدعوة بالنسبة لهم، لكن هل يجوز أو يكره أو يحرم؟ يختلف حسب حال هذا الداعي، إن كان في إجابة الدعوة مصلحة وبيان الحق له وللحاضرين يعني للداعي وللحاضرين صارت الإجابة مستحبة، وإن كان ذهاب هذا الشخص إلى المبتدع يؤدي إلى افتتان المبتدع وظن أنه على حق أو على شيء فالذهاب حينئذ يدور بين الكراهة والتحريم، أما الوجوب فلا يجب مطلقاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (يحرم هجره إليها إن عينه) هذا هو الشرط الرابع، الشرط الأول في أول مرة، والثاني أن يكون مسلماً، والثالث أن يحرم هجره، وهذا الشرط الرابع أن يخصه بالدعوة، أن يعينه أثناء الدعوة، استدل الحنابلة على أن هذا من الشروط بأن الداعي إذا عين شخصاً ولم يجب حصل له انكسار ووحشة من هذا الذي لم يجبه، وهذا الأمر لا يوجد فيما إذا لم يعينه وإنما دعاه دعوة عامة يدخل فيها هو وغيره، بهذا استدل الحنابلة يعني بتعليل.
والقول الثاني: أنه إذا لم يعينه فإنه يجب لعموم إذا دعاك فأجب.
والقول الثالث: أنه يكره وهو الذي سيذكره المؤلف في آخر الباب.

والقول الرابع: أنه مباح، وهذا القول الأخير هو الصحيح، أو نقول أنه مستحب، إما مباح أو مستحب، أما القول بأنه مكروه أو واجب فهو ضعيف، ويمكن أن يستأنس بالقول بعدم الوجوب بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا دعاك"، فإن هذا القول يشعر بتخصيص الإنسان بالدعوة لا بتعميمه، فربما نستأنس بهذا اللفظ مع التعليل الذي ذكره الحنابلة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولم يكن ثم منكراً) هذا هو الخامس ألا يوجد منكر، يشترط للوجوب خلو مكان الزواج من المنكرات، والمؤلف قريباً سيفصل تفصيل دقيق في قضية وجود المنكر في الدعوة، ولهذا نؤجله إلى كلامه الآتي قريباً إن شاء الله، إنما هو يشترط الوجوب ألا يكون في الدعوة منكر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن دعا الجفلى) لما ذكر الشيخ الشروط ذكر محترزات الشروط في الحقيقة، الأول أن يدعوه دعوة الجفلى، ودعوة الجفلى هي أن يدعو دعوة عامة ليس فيها تخصيص، حينئذ لا يجب إجابة دعوته، بل يكره عند الحنابلة كما ترون على ما ذكره المؤلف، واستدل الحنابلة على الكراهة بأن في إجابة الدعوة إذا كانت على سبيل التعميم دناءة وحرص على حضور الولائم مما يستدعي أن تكون الإجابة مكروهة.
والقول الثاني: أن الإجابة مباحة أو مسنونة، واستدل هؤلاء بأن "النبي صلى الله عليه وسلم صنع وليمة وأرسل أنس وقال ادعوا لي فلاناً وفلاناً ومن لقيت" فقوله ومن لقيت هذا هو تماماً هو دعوة الجفلى أي الدعوة عامة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليدعوا الناس دعوة مكروهة، وهذا القول لاشك أنه هو الصواب، والحكم عليها بأنها مكروهة غريب، غاية ما هنالك أنها ليست بواجبة وتصبح بعد ذلك تدور بين الإباحة والندب، وهي إلى الندب والاستحباب أقرب بلا شك.
الثاني من المحترزات قوله ـ رحمه الله ـ: (أو في اليوم الثالث) إجابة الدعوة في اليوم الثالث مكروهة للحديث، لأنه في الحديث الذي مر معنا أمس أنه جعل إجابة الدعوة في اليوم الأول حق وفي اليوم الثاني معروف وفي اليوم الثالث رياء وسمعة، وإذا كانت إجابة الدعوة من باب الرياء والسمعة فهي مكروهة، والواقع أن الاستدلال بهذا الحديث محل نظر من وجهين:

الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يمكن أن نحكم على إجابة الدعوة في اليوم الثالث أنها مكروهة اعتماداً على حديث ضعيف.
الثاني: لو صح الحديث لدل على التحريم لأن الرياء والسمعة محرمان، فكيف نستدل به على الكراهة فقط، إذا الاستدلال بهذا الحديث استدلال في غير محله، ولذلك نقول أن الأقرب إن شاء الله أن إجابة الدعوة في اليوم الثالث تدور بين الإباحة والندب، أما الدعوة في اليوم الثاني فالحنابلة يرون أنها مسنونة، يعني إجابة دعوة اليوم الثاني مندوبة ومسنونة، إذاً النقاش معهم إنما هو في الحكم الذي أطلقوه على اليوم الثالث.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (أو دعاه ذمي) إذا دعاه ذمي فقد دعاه غير مسلم، تقدم أنه لا يجب، لكن الحنابلة يرون أن إجابة الدعوة مكروهة، والسبب في ذلك أن الذمي يطلب إذلاله وهانته، وإجابة دعوته تتنافى مع ذلك.
والقول الثاني: أن إجابة الدعوة للذمي أيضاً إما مباحة أو مندوبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة اليهودي وأجاب دعوة اليهودية، والنبي صلى الله عليه وسلم لنا فيه أسوة حسنة، فنقول إجابة الدعوة مباحة أو مستحبة، وتقدم معنا في كتاب الجهاد أنه ليس من مقاصد الشرع تقصد إذلال الذمي بالطريقة التي وصفها الفقهاء، هذا ليس من المقاصد، لكن المراد مع الذمي ألا يتولاه الإنسان في العقيدة ولا يحبه ولا يناصره ولا يؤازره، أما تقصد إذلاله فليست النصوص شيء واضح يدل عليه، وهذا ما يتنافى مع النصوص التي فيها الأمر بمخالفة اليهود والنصارى، فإن مخالفة الكفار شيء وتقصد إذلالهم بفعل زائد شيء آخر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (كرهت الإجابة) هذا يرجع للمسائل الثلاث السابقة، ففي كل واحة منهم يكره للإنسان أن يجيب وتقدمت مناقشة ذلك.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ومن صومه واجب دعا وانصرف)

إذا دعي الإنسان وهو صائم صوماً واجباً، كأن يصوم قضاء رمضان أو كفارة واجبة أن نذر أو أي صيام واجب، فإنه يجيب وجوباً، ولكن يحرم عليه أن يفطر، والسبب في هذا أن الفطر وقطع الصيام الواجب محرم، والأكل مندوب، وليس للإنسان أن يقترف محرماً ليحقق مندوباً، ويدل على هذا أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليدعوا وإن كان مفطراً فليطعم" فهذا الحديث فيه النص على هذا المعنى.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (والمتنفل يفطر إن جبر) لما بين الشيخ حكم الإنسان إذا دعي وهو صائم صيام واجب بيّن حكم إذا دعي وهو صائم صيام متنفل، فيقول والمتنفل يفطر انجبر يعني أن المتنفل إذا دعي فإنه يستحب له أن يفطر إذا كان في فطره جبر لخاطر الداعي، ومفهوم كلام المؤلف أن الداعي إذا لم يحصل له انجبار خاطر ولم يحصل له انكسار بعدم الأكل فإن المستحب ألا يفطر ولو كان صيامه صيام ندب، وهذا صحيح، وهذا التفصيل الذي ذكره الشيخ موسى هنا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وهو الذي إن شاء الله تدل عليه النصوص السابقة إن شاء الله، وهو الذي تدل عليه الآثار فإن ابن عمر رضي الله عنه دعي فلما مد يده ليأكل قال إني صائم، فلنا أن نقول أن ترك الطعام هذا التفصيل يتعلق بصيام النفل إذا كان ترك الطعام يدخل على الداعي انكساراً فإنه يستحب أن يفطر الإنسان وإلا فإنه يبقى صائماً.

والقول الثاني: وهو المذهب أنه يستحب أن يفطر مطلقاً، سواء حصل انكسار للداعي بعدم الأكل أو لم يحصل مطلقاً، واستدل الحنابلة بأن رجلاً دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأمسك رجل عن الطعام فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أخوكم دعاكم وتكلف لكم كل وصم يوماً مكانه" هذا الحديث صححه الشيخ العلامة الألباني وعامة المتأخرين أيضاً صححوه، ولهذا استدل به المؤلف، فإذا كان الحديث على فرض ثبوت الحديث فهو في الحقيقة يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفطر مطلقاً، على أنه يمكن أن يناقش الحديث بأن الظاهر من حال الرجل الداعي أنه انكسر بعدم أكل هذا الرجل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه لاحظ هذا من الداعي فأمره بأن يفطر وأن يطعم، وقد نقول أن هذا التفصيل في الحقيقة الذي هو إن حصل جبر خاطر أفطر وإلا فلا تفصيل نظري بحت لماذا؟ لأنه غالباً بل نقول دائماً إذا دعاك فهو يحب أن تأكل، ففي الواقع ليس بين القولين فرق كبير، ولهذا نقول ينبغي إذا دعيت وأنت صائم صوم نفل أن لا ترد دعوة أخيك وأن تطعم، لأنه الغالب يريد أن تأكل، بل الغريب هو ألا ينكسر إذا لم تأكل لأنه لم يدعوك إلا ليكرمك.
مسألة: ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن الإنسان إذا جاء صائماً فإنه يستحب للداعي ألا يكرر عليه الدعوة والإلحاح بأن يفطر، ورأى أن ذلك من المسألة المكروهة، فعلى الإنسان أن يضيف أخاه وأن يطلب منه أن يطعم إكراماً له ثم لا يلح بعد ذلك.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولا يجب الأكل)

معنى هذا أن الواجب هو إجابة الدعوة لا الأكل، فالأكل مسنون فقط، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء فليأكل وإن شاء فليترك"، وهذا تخيير صريح، وهذا الحديث في صحيح مسلم، بناءً على هذا يكون الأكل مندوب مطلقاً، والتفصيل السابق الذي ذكرناه في الصائم صيام نفل يكون على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب، أما الوجوب فقد حصل بإجابة الدعوة، وهذا يتوافق مع ما يصنعه بعض الناس اليوم من أنه يأتي إلى وليمة الزواج ثم إذا قدم الأكل خرج، هذا لا بأس فيه وقد أجاب الدعوة، ولو كان بعض الناس يرى أنه لم يجب الدعوة فرؤيته لا تتوافق مع الشرع، نقول إذا حضر ودعا وشارك ثم خرج قبل أن يأكل فقد أجاب الدعوة، لأن الأكل مندوب، نعم لا شك أن كونه يأكل أكمل في إجابة الدعوة وأطيب لخاطر الداعي لكن يبقى أن هذا الأمر بالنص النبوي مباح، لقوله إن شئت فكل وإن شئت فاترك.
القول الثاني: أن الأكل واجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"وإن كان مفطراً فليطعم"، وقوله فليطعم أمر صريح.
والراجح إن شاء الله القول الأول، لأنه في الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول التصريح بالتخيير بين الأكل وعدمه، ولهذا نحمل حديث وإن كان مفطراً فليطعم على الندب جمعاً بين الأخبار.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإباحته تتوقف على صريح إذن أو قرينة) معنى هذا الكلام أنه لا يجوز للإنسان أن يأكل إلا إذا أذن له أو دلت القرائن على الإذن، وتعليل ذلك أنه لا يجوز للإنسان أن يأكل مال أخيه إلا بإذنه، قال الفقهاء والدعوة إلى الوليمة إذن، لأنه لم يدعه إلا ليطعم، وقال الفقهاء أيضاً أن تقديم الطعام إذن في الأكل، لأنه لم يقدم الطعام إلا ليطعم الناس، والأقرب أن الإذن بالأكل يرجع إلى الأعراف السائدة في كل بلد، ففي بعض البلدان تقديم الطعام إذن ويشرع الناس في الأكل، وفي بعض البلدان لا يكتفون بتقديم الطعام حتى يضيفهم الداعي ويأمرهم بالأكل، بل يعتبر من أكل قبل أن يطلب منه البدء خالف الأعراف العامة، وهذا القول الأخير هو الصحيح إنه يُرجع في الإذن للأعراف، وكما قلت لكم الأعراف تختلف اختلافاً كبيراً في هذا الأمر.

مسألة لم يذكرها المؤلف: الدعوة إذن في الأكل عند الحنابلة لكنها ليست إذن في الدخول، بل يجب عليه إذا حضر ألا يدخل إلا بعد الإذن.
والقول الثاني: أن الدعوة إذن في الدخول فإذا دعي جاء ودخل بلا إذن، لأن الإذن مستفاد من الدعوة السابقة.
والقول الثالث: أن هذا الأمر يرجع فيه إلى القرائن، فإن دلت القرائن على أن هذه الدعوة إذن فذاك وإلا فلا، وهذا القول اختاره الشيخ المرداوي وهو القول الصواب، فلا المنع مطلقاً صحيح ولا الإذن مطلقاً صحيح، ونحن نشاهد في الواقع أنه لا يلزم من دعوة الإنسان لك أن يرضى أنه بمجرد وصول البيت تدخل البيت، أليس كذلك، لكن إن دلت القرائن ونحن لا نقول الأعراف إن دلت القرائن على أنه إذن فهو إذن، من أوضح وأبرز القرائن أن يجد الباب مفتوحاً، فإذا جاء المدعو إلى بيت الداعي ووجد الباب مفتوحاً فإن هذا إذن والقرينة دالة على أنه يريد أن كل من يأتي يدخل حينئذ لا بأس بالدخول ولو بلا إذن.
ثم بدأ الشيخ بتفصيل مسألة وجود المنكرات في ولائم الزواج.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغير) إذا علم أن في المكان الذي سيذهب إليه منكر، أي نوع كان من أنواع المنكرات، فإنه ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يتمكن من إزالة هذا المنكر، فإذا تمكن من إزالة المنكر فإنه عند الحنابلة يجب عليه أن يحضر ويجب عليه أن ينكر، وليس له أن يتخلف إذا كان في مكان الوليمة منكر مادام يستطيع يغير هذا المنكر، واستدلوا على هذا بأن في إجابة الدعوة تحقيق فرضين، الفرض الأول الإجابة، والفرض الثاني تغيير المنكر.
القول الثاني: أنه إذا علم أن في المكان منكراً فإنه لا يجب عليه أن يحضر، فإن حضر وجب عليه أن يغير، واستدل هؤلاء بأن في إيجاب الذهاب إلى الدعوة تكليف بتغيير المنكر، والأصل عدم التكليف.

الدليل الثاني: أن صاحب الدعوة أسقط حرمة نفسه بسبب وجود المنكر، ومعنى أسقط حرمة نفسه يعني لم تعد إجابة دعوته واجبة، يعني أسقط حقه كمسلم يجب إجابة دعوته، وهذا القول مال إليه شيخ الإسلام وقال هو أقيس على كلام الإمام أحمد، فنقول إذا دعيت إلى مكان فيه منكر فأنت مخير بين أمرين: إما أن تذهب أو أن لا تذهب، فإن ذهبت فيجب عليك تغيير المنكر، وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام وجيه وصحيح، ويؤيده أن ذهاب الرجل المعروف المنظور إلى أفعاله إلى مكان فيه منكر قد يتخذ ذريعة لتسويغ المنكر ولو قام بإنكاره، فإن بعض الناس دائماً يأخذ ﴿ويل للمصلين﴾ ويترك باقي الآية، فيقول فلان حضر دعوة فلان وفيها منكر ولا يكمل ويقول أنه أنكر، لكن إذا امتنع من الذهاب لا شك أن هذا يؤدي إلى أن عامة الناس يتجنبون المنكرات لأن الناس يتجنبونهم بسبب وجود هذه المنكرات.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإلا أبى) وهذا هو القسم الثاني، يعني وإن لم يتمكن من إنكار المنكر وتغييره فإنه لا يذهب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار فيها الخمر" فالبقاء في مكان فيه منكر لا يجوز شرعاً، ولهذا نقول إذا لم تتمكن من تغيير المنكر وجب عليك ألا تذهب وجوباً، لأن إجابة الدعوة واجبة، وعدم المكوث مع المنكر أيضاً واجب، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن حضر ثم علم به أزاله)

يعني إذا لم يعلم به قبل أن يأتي مكان الدعوة ثم لما حضر وجد المنكر فإنه يسعى في إزالته فوراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، ولذلك نحن نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل سلطة المنكِر ثلاث اليد واللسان والقلب، لكن ينبغي أن يعلم أن تغيير المنكر باليد ليس على إطلاقه، فلا يجوز للإنسان أن يغير المنكر بيده إذا كان يترتب على تغيير المنكر باليد منكر أكبر منه، لأن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إذهاب المفاسد وتقليلها وتحصيل مصالح وتكميلها، فإذا كان إذهاب المنكر سيأتي بمنكر أكبر منه صار محرماً، وحينئذ ينتقل الإنسان إلى الثاني وهو التغيير باللسان، أما إذا لم يترتب على التغيير باليد ما هو أسوء منه وأكثر ضرراً ونكارة فإنه يغير بيده، كما أن التغيير باليد لا يتناول ما هو من صلاحيات ولي الأمر، مثل إقامة الحدود ونحوها مثل هذه الأشياء التي تناط بولي الأمر لا تدخل في هذا الحديث العام، فيما عدا هذين الأمرين وهو أن لا يترتب منكر أكبر ومفسدة أكبر أو أن تكون من اختصاصات ولي الأمر فإن الحديث يستعمل، فمثلاً إذا كان يوجد أداة موسيقى واستطاع أن يغلق هذه الأداة بدون وجود مفاسد فإنه يغلق هذا الشيء الذي يصدر الموسيقى، لأن هذا يدخل في الحديث، فمثل هذا على سبيل التمثيل، وإلا المنكرات كثيرة وإنما مثلت به لأنه غالب ما يكون من المنكرات، أما إذا ترتب على إغلاق هذا الجهاز مفاسد أخرى وأضرار أكبر من الموسيقى، فإنه لا شك أنه ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي التوجيه باللسان، المقصود الآن أنه إذا حضر مكان الوليمة ثم علم به سعى في إزالته.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن دام لعجزه عنه انصرف)

الواجب إذا حضر الإنسان مكان فيه منكر الواجب ليس فقط الإنكار، الواجب أن يزيل المنكر فإن لم يتمكن من إزالة المنكر فإن الواجب أن يخرج من المكان، لأنه لا يجوز للإنسان أن يبقى في مكان فيه منكر لم يتغير، وهذه قاعدة ذكرها الحنابلة وغيرهم من الفقهاء، أنه لا يجوز للإنسان أن يبقى في مكان فيه منكر، سواء كان هذا المنكر يتعلق بالمطعوم أو المشروب أو المسموع أو المعلق، أي نوع من المنكرات لا يجوز للإنسان أن يبقى في هذا المكان إذا لم يستطع إزالة المنكر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن علم به ولم يره ولم يسمعه خير) يعني إذا حضر إلى المكان وعلم بوجود منكر في ناحية من نواحي هذا المكان، إلا أنه لم يسمع ولم يرى هذا المنكر، فالحكم أنه مخير بين أمرين: إما أن ينصرف وفي هذه الحالة لا يأثم بالانصراف لأن صاحب الدعوة أسقط حرمة نفسه بإيجاد المنكر في وليمته فلم تعد إجابته واجبة، أو أن يبقى فإذا بقي فلا يجب عليه أن ينكر، لأن الحنابلة يقولون أن وجوب الإنكار يتعلق بأمرين: أن يرى أو أن يسمع، ويستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" من رأى منكم منكراً فليغيره" وهذا لم يرى منكراً ولم يسمع وإنما علم به فقط.

والقول الثاني: أن العلم بالمنكر يوجب السعي في تغييره وإن لم يرى ولم يسمع، ونحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم من رأى إما على رؤية العلم لا رؤية البصر، أو نقول أن الحديث وربما يكون هذا أقرب خرج مخرج الغالب وهو أن الإنسان يعلم بالمنكر من خلال الرؤية أو السماع لا من خلال نقل المنكر إليه، وهذا القول الثاني قد يكون أرجح وأقرب، لأنه على قاعدة المذهب ينبني على هذا أن كثير من المنكرات لا يجب على الإنسان أن ينكرها لأنه لم يرها ولم يسمع بها، وقد يتسبب هذا بانتشار المنكرات واستفحالها بسبب أننا لا ننكرها لأنه لم يرى ولم يسمع، فنقول إن شاء الله أن الواجب أن ينكر وإن لم يرى ولم يسمع إذا علم، مما يدل على هذا أن معاوية رضي الله عنه لما علم بنكاح الشغار قام وأنكره على المنبر وإن كان لم يرى ولم يسمع لأن عقد النكاح صار قبل أن يأتي، فممكن أن نستأنس بهذا الأثر عن معاوية، بأن الإنسان يجب حسب ما يستطيع أن يسعى في إنكار المنكر إذا علم به ولو لم يره ولم يسمعه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويكره النثار والتقاطه) النثار: هو إلقاء ما يراد توزيعه على الناس ليتناهبوه، سواء كان الملقى طعاماً أو نقداً، ويتعلق بالنثار والتقاط مسائل: المسألة الأولى: أن بعض الفقهاء يقول أن الخلاف في أنه مكروه أو مباح، وأما الجواز فهو محل إجماع، والغريب أن الحنابلة يحكون هذا الإجماع مع أنه عن الإمام أحمد نفسه رواية بالتحريم، وهي موجودة رواها أصحابه فكيف يحكون الإجماع مع وجود رواية عن إمامهم بالتحريم، ذهب الحنابلة إلى أن النثار والتقاطه مكروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم:" نهى عن الانتهاب".
والقول الثاني: أن الالتقاط مباح، لأن الالتقاط هو إباحة الإنسان مال نفسه عن طريق نشره بين الناس، وللإنسان أن يبيح الناس ماله كيفما شاء، واستدلوا أيضاً "بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح البدن التي أهداها للحرم قال من شاء أن يقتطع فليقتطع" وهذا في معنى النثار.
القول الثالث: التحريم، وهو أنه لا يجوز تمليك المال بطريقة الانتثار، واستدل هؤلاء بأن: أولاً: الأصل في النهي التحريم.

ثانياً: أن في إتباع هذه الطريقة تعويد للمسلم على سفاسف الأمور وشح النفس وبعداً عن ما يرتفع به الإنسان معالي الأمور، لا شك أن التعليل الذي ذكروه لا يؤدي إلى التحريم، لكن مما يؤيد أو يقوي التحريم النص وهو النهي، وهذا القول الذي هو التحريم مال إليه شيخ الإسلام رحمه الله، بقينا في الجواب عن أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الناس أن يأخذوا من لحم الهدي، أجابوا عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن اللحم أكثر من الناس، فإذا كان اللحم أكثر من الناس لن يكون هناك انتهاب، لأن كل واحد سيأخذ نصيبه، وفي الحقيقة الجواب فيه ضعف، من أين لهم أن اللحم أكثر من الناس؟ بل الواقع أنه غالباً في ذلك الوقت سيكون الناس أكثر من اللحم بسبب الفقر، لاسيما وأن الحديث الذي فيه أنه أباحهم، فيه أن المذبوح كان ست أو سبع من البدن، وهذا العدد قد لا يكفي كل الموجودين في مكة لاسيما إن كان زمن حج، لذلك نقول الأقرب أنه مكروه ولا ينبغي أبداً أن يصنع مثل هذا الصنع، وفي الحقيقة ليس من شيم أهل المروءات، ولهذا لما نضج حسن بن أحمد بن حنبل قال أبوه الإمام أحمد لحُسُن (حُسُن هذه التي اشتراها الإمام أحمد بعد موت أم عبد الله زوجته وجاءت له بحسن) فقال الإمام أحمد: دخل عليهم لما أرادوا أن يفرحوا بالطفل وقال: لا تنثروا، نهاهم أشد النهي، قالت حُسُن فقال لي مولاي لا تنثروا، وفي هذا أنه ينبغي للعالم أن يعمل بعلمه، فهذا الإمام أحمد مع كونه فرح بهذا الطفل مع ذلك نهاهم عن هذا العمل الذي هو النثار.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ومن أخذه أو وقع في حجره)

المسألة الأولى: إذا أخذه فإنه له على الخلاف السابق في كون الأخذ مكروه أو محرم، وهذا أمر واضح، لكن يقول أو وقع في حجره، إذا وقع في حجره فالأقرب والله أعلم أنه له بلا كراهة، وهذا مذهب الحنابلة، لأنه لم ينتهب معهم، ولأنه جاءه المال من غير سعي، ويستوي في هذا ما إذا أعد حجره لالتقاط المنثور وما إذا وقع فيه من غير إعداد، والسبب في هذا أن صاحب المال بذل ماله لمن يقع في يده، وقد وقع المال في حجره فهو له، من وجهة نظري أن هذا صحيح، فهو له وبلا كراهة، لأنه لم يسعى في تحصيله ولم يدخل في صورة الانتهاك المنهي عنها، بدليل أنه بقي جالساً حتى جاء الشيء ووقع في حجره.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويسن إعلان النكاح) إعلان النكاح مسنون بلا نزاع، وتقدم معنا أن بعض الفقهاء يرفعه من درجة السنية إلى الوجوب، وبعض الفقهاء يرفعه إلى درجة أنه شرط من شروط صحة النكاح، تقدم هذا معنا عند الكلام عن شروط النكاح، واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت فأعلنوا النكاح" وهذا الحديث أيضاً يصححه المتأخرون، وهو دليل ظاهر على أن نكاح السر يقرب بالعقد إلى السفاح، لقوله فصل مابين الحلال والحرام، وقوله الدف والصوت أخذ منه الفقهاء أن المقصود بالصوت إعلان النكاح، وعلى كل حال هذا الحديث كما قلت لكم يصححه المتأخرون، ولو لم يصححه المتأخرون فالقواعد العامة تدل على استحباب نشر وإظهار النكاح، كما كان المهاجرون والأنصار يصنعون بإعلانه والنشيد فيه إلى آخره.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (والدف للنساء) في هذه العبارة مسائل: المسألة الأولى: الدف هو الإطار المغطى بالجلد من جهة واحده.
المسألة الثانية: أن الدف في النكاح مباح بالإجماع، وذهب كثير من الفقهاء ومنهم الحنابلة إلى أنه مستحب، في درجة أعلى من الإباحة، أما الإباحة فهي محل إجماع.
المسألة الثالثة: أن الاستحباب والندب يتعلق بالنساء، وهو مذهب الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وذكره في أكثر من موضع واستدل هؤلاء بأمرين: الأمر الأول: أنه لم يرو ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ضرب بالدف، وإنما اقتصروا فيه على النساء.

الثاني: أن في ضرب الرجال للدف تشبه للنساء، ولا يجوز للرجل أن يتشبه بالمرأة.
القول الثاني: أن الدف لا يختص بالنساء، بل يجوز للرجال وللنساء استخدام الدف في النكاح، واستدلوا على هذا بأمور: ((الآذان)) الأمر الأول: أن النصوص التي فيها الحث على اتخاذ الدف في وليمة الزواج عامة، لم تخصص الرجال من النساء الثاني: أن الحكمة من الأمر بالدف عند جميع أهل العلم إعلان النكاح، وإعلان النكاح باتخاذ الرجال للدف أعظم منه باتخاذ النساء، وإذا كانت الحكمة تتحقق بضرب الرجال للدف أكثر فهم أولى بالجواز.
الخلاف في هذه المسألة فيه تكافؤ، وفيه قوة يعني في كلا القولين، لكن الأقرب إن شاء الله أن الدف خاص بالنساء، وسبب الترجيح: هو أنه يظهر بوضوح من خلال الآثار المروية عن الصحابة أن اللاتي كن يضربن بالدف النساء فقط، فمثلاً لما تولت عائشة تزويج امرأة من الأنصار، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"هل كان معكم شيء من اللهو" ويدخل فيه الدف، ووجه هذا الكلام لعائشة ومن معها من النساء.
ثانياً: الجارية التي نذرت أن تضرب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدف إذا رجع سالماً أيضاً كانت جارية، فمن خلال هذين الأثرين وغيرهما يظهر للإنسان أن الدف في العهد النبوي كان يضرب من قبل النساء، أما النصوص العامة فهذه عنها أحد جوابين: الجواب الأول: أنها عامة تحمل على النصوص الأخرى المبينة أن الذين كانوا يتعاطون الدف هم النساء فقط.
الثاني: وليس هذا ببعيد، أن هذه النصوص عند التحقيق لا تثبت، كثير من النصوص التي فيها الأمر بالدف ضعيف جداً، هو هذا الحديث ولم أتمكن من النظر فيه بالتفصيل" فصل ما بين الحلال والحرام" هذا الحديث هو الذي ظاهر إسناده الصحة، وإلا ما عداه يغلب عليها الضعف، فنجيب عن أن النصوص التي يقول المجيزون أنها عامة بأحد هذه الجمل: بأنها تحمل على المعروف من العهد النبوي، وهو أن النساء تختص باستخدام الدف، أو أن نقول أنها لا تثبت وهذا الحكم يحتاج فقط إلى وقت للنظر في أسانيد هذا الحديث، ومع هذا أقول الأقرب إن شاء الله هو أنه الدف يختص بالنساء.
هنا نكون توقفنا على باب عشرة النساء.

هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • ((انتهى الدرس)).

الدرس: (14) من النكاح

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

باب عشرة النساء

العشرة في لغة العرب: المصاحبة والمخالطة، فمن يعاشر شخصاً فهذا يعني أنه يخالطه ويصاحبه وأما في الاصطلاح الشرعي: المقصود بهذا الباب فهو ما يكون بين الزوجين من الألفة والوئام وحسن الصحبة.
فهذا المعنى هو المقصود بالبحث في هذا الباب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (يلزم الزوجين العشرة بالمعروف) حث الشارع وأكد على أنه يجب على كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف، وهذه العشرة منها ما يكون واجباً, ومنها ما يكون مستحباً متأكداً كما سيأتينا في هذا الباب، وقد دلت نصوص كثيرة على وجوب العشرة بالمعروف، وسيأتينا في كلام المؤلف حدود العشرة بالمعروف, لكن الذي يعنينا الآن هو أنّ الشارع الكريم حث على العشرة بالمعروف في نصوص كثيرة في الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (النساء/19)، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (البقرة/228) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم (استوصوا بالنساء خيرا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله) والنصوص في هذا الباب كثيرة جداً, ويظهر لي والله أعلم أنه متواترة المعنى أو قريبة من التواتر لكثرة النصوص الدالة على استحباب وتأكد إحسان العشرة بين كل من الزوجين.
لما قرر المؤلف وجوب العِشرة بالمعروف, انتقل كما هي عادة الفقهاء إلى الضابط، يعني بماذا تحصل العِشرة بالمعروف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر والتكره لبذله) العشرة بالمعروف تحصل بأن يؤدي كل واحد منهما ما عليه للآخر بلا مطل ولا تكره, فإذا أدى ما عليه مستوفياً للشرطين، فقد عاشر صاحبه بالمعروف, وفهم من هذا التعريف أنّ صور الإخلال بالعشرة بالمعروف ثلاث:

الأولى: من لا يعاشر بالمعروف مطلقاً، يعني أن لا يبذل ما عليه مطلقاً.
الثاني: أن يبذله مع التكره.
الثالث: أن يبذله مع المماطلة.
فهذه صور الإخلال بالعشرة الواجبة, فهذه العشرة كما تقدم في النصوص واجبة، ومما يدل على تأكد العشرة لاسيما في حق الزوج.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (إذا دعى الرجل زوجته إلى فراشه , فلم تأتي باتت تلعنها الملائكة إلى الصباح) وفي لفظ (ثم بات غضبان عليها) ففي هذا الحديث في بعض الألفاظ التصريح بأنه إذا أبت وبات غضبان عليها تلعنها الملائكة إلى الصباح, وفي بعض الألفاظ, أنه بمجرد أن تأبى فإنّ الملائكة تلعنها إلى الصباح, ولا شك أنّ لعن الملائكة دليل كبير على أنّ مخالفة هذا الأمر من كبائر الذنوب، إذا عرفنا الآن بماذا يحصل المماطلة، ولهذا نحن نقول لإخواننا الأزواج وأخواتنا الزوجات أنه كثير ما يحصل الإخلال بالعشرة بالمعروف، كثيراً ما يحصل في جانب التكره.
فإنّ بعض الناس يظن إذا بذل ما عليه فقد أدى الواجب ولو بتكره وهذا ليس بصحيح, بل يجب أن يبذل ما عليه بلا تكره يعني منقادة به نفسه, فإنّ التكره في أداء الحقوق يفسد أداء الحق على الآخر إلى أن تصل لدرجة بمن يؤدى إليه الحق أن لا يرغب بأخذ هذا الحق لما احتف به من التكره.
فأنا أؤكد على أن يتنبه كل من الزوج والزوجة إلى أن يؤدي الحقوق بلا تكره.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة) إذا تم العقد فإنه يلزم أن يسلم أهل الزوجة، الزوجة إلى زوجها, والدليل على هذا أنّ تمام العقد يقتضي تسليم العوض والمعوض، فيجب على الزوج أن يسلم المهر وعلى أهل الزوجة أن يسلموها إليه, لأنّ هذين هما العوض والمعوض.
فإذاً الدليل أنّ العقود في الشرع تقتضي إذا تمت تسليم العوض والمعوض، وفي عقد النكاح العوض والمعوض المهر والزوجة، لكن لهذا التسليم ضوابط وشروط أشار إليها الشيخ الماتن - رحمه الله -. قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (لزم تسليم الحرة) إذا الوجوب يتعلق بالحرة, أما الأمة فلها حكم آخر سينص عليه المؤلف, وهو أنه يجب أن تسلم بالليل لا بالنهار، فتسليم الأمة جزئي, وتسليم الحرة كلي، يعني في جميع النهار والليل.
وسيأتينا بحث الأمة.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (التي يوطأ مثلها) إنما يجب تسليم المرأة التي يوطأ مثلها, ويلتحق بالمرأة التي يوطأ مثلها, المرأة التي يمكن أن يستمتع بها بما دون الوطء، مثل المرأة المريضة التي لا يمكن أن توطأ لكن يمكن الاستمتاع بها بما دون الوطء, كالمباشرة والتقبيل ونحوهما، فإذا كانت المرأة يوطأ مثلها أو يمكن أن يستمتع بها بما دون الوطء, حينئذ يجب على أهل الزوجة تسليم الزوجة إلى زوجها بهذا الشرط.
وإذا كانت المرأة لا توطأ, ولا يمكن أن يستمتع منها مطلقاً فإنه لا يجب على أهل الزوجة أن يسلموها إلى الزوج ولو بعد العقد.
التعليل: علل الفقهاء هذا بأنّ وجوب التسليم إنما هو للتمكن من الاستمتاع, فإذا لم يمكن الاستمتاع لم يمكن التسليم واجباً وهذا واضح، إذا لم يمكن أن توطأ فإنه لا تسلم، إذا عرفنا تعليل عدم وجوب التسليم.
وهناك تعليل آخر: وهو أنه لا يأمن من تسليم الزوجة التي لا يوطأ مثلها, أن يقوم الزوج بالوطء وهي لا يوطأ مثلها فتضرر الزوجة فمن باب سد الذرائع رأى الفقهاء أنه لا يجب على أهل الزوجة أن يسلموا الزوجة إلى الزوج، وهذا الحكم يستوي فيه ما إذا ادعى الزوج أنه يريد أن يأخذ الزوجة لتعليمها وتأديبها، أو أخذها للاستمتاع، يعني بعبارة أخرى أنها لا تعطى للزوج وولو زعم أنه أخذها للتعليم والتأديب لا للاستمتاع، لما تقدم وأنه وإن زعم هذا فإنّ وجود المرأة معه في نفس البيت وهو يعلم أنها زوجته مظنة عظيمة لوقوع الوطء الذي هو مضر بهذه الزوجة.
مسألة / ذهب الحنابلة إلى أنّ المرأة التي يوطأ مثلها تحد بالسنين، فإذا تمت تسع سنوات, فهي امرأة يوطأ مثلها، وإن كانت أقل فهي امرأة لا يوطأ مثلها، واستدلوا على هذا بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وبنى بها - رضي الله عنها - وهي بنت تسع سنين.

والقول الثاني: في ضابط المرأة التي يوطأ مثلها, أنه أمر يختلف باختلاف النساء, فقد تكون المرأة لها تسع سنوات ولا يمكن أن توطأ بل لها عشر ولا يمكن أن توطأ، وقد تكون امرأة أخرى لها سبع سنوات ويمكن أن توطأ, فإنّ هذا الأمر يرجع إلى طبيعة المرأة وطبيعة جسد المرأة, وما يتعلق بهذه الأمور, وهذا القول الثاني وهو أنه يختلف باختلاف النساء وأنه لا يتحدد بسن هو القول الصحيح إن شاء الله، بناء على هذا إذا عقد على امرأة ولها ثمان سنوات وهذه المرأة جسدها يقبل الوطء ويمكن أن تفهم ما يقع بين الزوج والزوجة من المعاشرة، فإنه يجب على أهل الزوجة أن يسلموها إليه.
وإذا عقد على امرأة لها عشر سنوات لكنها نضوة الخِلقة , يعني ضعيفة الخلقة لا تتحمل الوطء كما أنها لا تفهم ما يقع بين الزوج والزوجة فإنه والحالة هذه وإن كان لها عشر سنوات فإنه لا يجب أن تسلم إلى الزوج.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (التي يوطأ مثلها في بيت الزوج إن طلبه) فالوجوب أي وجوب التسليم موقوف على طلب الزوج، وتعليل ذلك أنّ التسليم حق من حقوق الزوج, والحقوق الخاصة تتوقف على الطلب, فإذا لم يطلب ورضي ببقائها عند أهلها فلا حرج في ذلك.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولم تشترط دارها أو بلدها) يعني وإن كانت اشترطت الدار أو البلد, فإنه لا يجب أن تسلم بل على الزوج أن يأتي إليها في دارها ويستمتع منها بما يشاء في دارها، ولا يجب على أهل الزوجة أن يخرجوها إلى بيته, لأنها شرطت البقاء في دارها أو في بلدها, ودليل هذا الشرط تقدم معنا مفصلاً ومطولاً أنّ هذا الشرط من الشروط الصحيحة اللازمة, وأنّ الشروط الصحيحة اللازمة يجب على الزوج أن يتقيد بها وإلاّ فللمرأة الحق في الفسخ وهذا الشرط من جملة الشروط الصحيحة اللازمة التي تقدمت معنا في باب الشروط في النكاح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإذا استمهل أحدهما أمهل العادة وجوباً)

معنى هذه العبارة يعني إذا طلبت الزوجة أو طلب الزوج المهلة في التسليم والاجتماع, فإنه يجب إجابته لهذه المهلة، على سبيل الوجوب سواء كان الطالب الزوج أو كانت الطالبة الزوجة, وفي الغالب سيكون الطالب من؟ الزوجة.
لتستعد لأمر الزواج بما يتطلبه الزواج عادة، الدليل على الوجوب من وجهين: الوجه الأول: أنه جرت العادة بالإمهال اليسير لتستعد الزوجة لأمر الزواج, علماً أنّ المقصود بالاستعداد هنا في كلام الفقهاء الاستعداد المتعلق ببدن المرأة أو الزوج, لا الاستعداد المتعلق بالبيت, ولا بالملابس, إنما الاستعداد المتعلق بماذا؟ ببدن المرأة.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (لا تدخلوا على النساء ليلاً حتى تمتشط الشعثى وتستحد المغيبة)، هكذا ضبطوها (المغيبة) وجه الاستدلال من الحديث أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا طلب من الزوج الإمهال مع طول الصحبة فلأنه يجب الإمهال مع بداية الصحبة من باب أولى، وهو استدلال قوي جداً، إذا طلب الزوج أو الزوجة المهلة للاستعداد فإنه يجب وجوباً إنظارهما قدر ما جرت العادة به من الاستعداد، ثم استثنى المؤلف مسألة: قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (لا لعمل جهاز) قوله لا لعمل جهاز, النفي هنا نفي للوجوب لا للاستحباب, يعني أنه لا يجب الإنظار لعمل الجهاز لكنه يستحب, والجهاز قد يتعلق بالرجل, بأن يستعد بتأسيس أو تأثيث أو تهيئة المنزل, وقد يتعلق بالمرأة بأن تستعد بأدوات المرأة الخاصة بالزواج الخارجية، كالألبسة وأدوات الزينة وما يتعلق بهذه الأمور، مما تحتاج إليه المرأة عادة قبيل الزواج, فالحنابلة يرون أنّ الإنظار لهذا الأمر لا يجب وإنما يستحب, لأنه لأمر خارج عن ذات الزوج والزوجة.
لم أقف على قول بالوجوب لكني أقول إن كان أحد من الفقهاء قال بالوجوب في مسألة استعداد في الجهاز فهو قول وجيه جداً وقوي، وهو الراجح بوضوح إن كان قيل به, أنا لم أقف على قائل بالوجوب كما قلت لكن إن كان قيل به فهو قول قوي جداً.

السبب في ذلك: أنه إذا كنا ننظر الزوجة لبعض الأعمال البسيطة المتعلقة بالبدن, كأن يستعد من حيث الشعر ومن حيث الجسد ... إلخ، كيف لا نمكن الزوج من الاستعداد في أمر مهم وهو مثلا ً البيت الذي يريد هو وهي أن يسكنا فيه، واليوم الناس يعتبرون الاستعداد فيما يتعلق بالبيت أهم وأشق من الاستعداد الخاص بنفس الزوج، فإذا كان الحنابلة يرون أنّ الإنظار لاستعداد الخاص بالزوج واجب فهذا الإنظار واجب من باب أولى، فيما يظهر لي.
كذلك ما يتعلق بالزوجة، فإنه لا تكاد المرأة تجرأ على الدخول على الزوج وتستصيغ ذلك إلاّ بعد الاستعداد الكامل بحسب الأعراف كل بلد له عرفه في الاستعداد, لكن البلدان جميعاً يتفقون على هذا المقدار المشترك وهو الاستعداد.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويجب تسليم الأمة ليلاً فقط) تقدم معنا أنّ الحرة يجب أن تسلم في جميع الزمان, أما الأمة فإنه تسلم ليلاً فقط, ذكر الفقهاء تعليلاً لذلك, وهو أنّ السيد يملك من الأمة الخدمة والاستمتاع, فإذا انتقل الاستمتاع إلى الزوج, بقيت الخدمة حق من حقوق السيد, ولهذا نقول هي له بالنهار للخدمة فقط ولزوجها بالليل للاستمتاع، ولكن لماذا جعلوا الليل للزوج, والنهار للسيد، ولماذا لم يعكسوا لأنّ الخدمة يمكن أن تكون بالليل ويمكن أن تكون بالنهار؟ عللوا هذا بأنّ الخدمة جرت العادة بأن تكون في النهار, وطلب المعاش غالباً يكون بالنهار, وجرت العادة أنّ الاستمتاع يكون في الليل, ولهذا جعلوا حق الزوج في الليل وحق السيد في النهار، وهذا صحيح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويباشرها ما لم يضر أو يشغلها عن فرض) أفادنا المؤلف بهذه العبارة أنّ للزوجّ الحق في الاستمتاع بالزوجة في كل زمان وفي كل مكان وبأي كيفية شاء, إلاّ ما سيذكره المؤلف من الاستمتاع المحرم, إذا أفادنا أنّ له أن يستمتع منها كيفما شاء زماناً ومكاناً وكيفية.

واستدلوا على هذا بالحديث المتقدم أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - (ذكر أنّ المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه ولم تأتي وبات وهو غضبان عليها لعنتها الملائكة إلى تصبح).
وكذلك في الحديث الحسن إن شاء الله أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - (قال إذا دعى أحدكم زوجته فلتجب ولو كانت على تنور) مع أنّ ترك التنور في هذه الحالة يؤدي إلى فساد المال وفساد المال منهي عنه ومع ذلك أباح لها الشارع أن تترك الخبز الذي في التنور أو أي طعام كان ولو أدى ذلك إلى فساده, وهذا من الأدلة الواضحة على الوجوب, كذلك جاء في الحديث أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - (أمر الزوجة أن تجب زوجها ولو كانت على ظهر جمل)، ففي حديث التنور من جهة الزمان وفي حديث الجمل من جهة المكان, إذا يجب على الزوجة أن تستجيب لرغبة الزوج في كل الظروف والأماكن والكيفيات, إلاّ التي استثناها الشارع كما سينص عليه المؤلف.
أفادنا المؤلف بعموم عبارته, أنّ للزوج أن يستمتع من زوجته بالجماع ولو تعددت المرات بلا حدّ ولا عدد, ولكن هذا الحكم والحكم السابق مشروط بشرطين: الشرط الأول: أن لا تؤدي كثرة الجماع إلى الإضرار بالزوجة.
الشرط الثاني: أن لا يؤدي ذلك إلى تفويت الزوجة فرضاً من فروض الله.
بشرط أن لا يضرها ولم يفوتها فرضاً من الفروض، فإنّ له أن يجامع عدد المرات التي يشاء بلا حدّ، واستنبط الحنابلة هذا الحكم من النصوص العامة, فإنّ النصوص عامة متى دعاها دخلت في الحديث ولو كثرت هذه المرات.
وأما الشرطان اللذان ذكرهما المؤلف, وهو عدم الإضرار وأن لا تفوّت فرضاً, فدليلهما واضح.
فالدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - (لا ضرر ولا ضرار) والدليل الثاني: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
القول الثاني: يتعلق بمسألة عدد المرات التي للزوج أن يجامع فيها الزوجة، القول الثاني أنّ الزوج إذا جامع بكثرة فإنّ للزوجة أن تصالحه عن عدد الجماع بما يتفق عليه, فلها أن تقول لك في اليوم كذا مرة والزائد تدفع مقابله عوضاً, فيكون صلح عن بعض عدد الجماع.
الدليل استدلوا بدليلين:

الأول: أنّ امرأة في عهد ابن الزبير اشتكت كثرة الجماع من زوجها, فحكم عليها بست في النهار وست في الليل.
الدليل الثاني: أنّ أنس سئل عن امرأة جامعها زوجها بكثرة فحكم بأربعة في الليل والنهار.
قالوا فهذان الصحابيان قيدوا بعدد محدد، والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة , وهو أنه لا يتقيد بقيد ولا يحدّ بعدد.
وأما الجواب عن الآثار فمن وجهين: الوجه الأول: البحث في ثبوت هذه الفتاوى، فإن ثبتت فإنّ هذه الفتاوى تحمل على وقوع الضرر من كثرة الجماع، ونحن نتفق، والجماهير يرون ذلك أنه إذا كان هناك ضرر فإنه يجب أن يحد عدد الجماع إلى العدد الذي لا يكون معه ضرر على الزوجة.
إذا نجيب على الآثار بأنها تحمل هذه الآثار على وجود ضرر على الزوجة, أما في الحقيقة إذا كان الزوج يجامع بكثرة ولا يوجد ضرر على الزوجة إلاّ أنه سئمت من كثرة الجماع بلا ضرر يقع عليها, فيظهر لي أنّ مذهب الحنابلة في هذه المسألة أقوى.
سبب الترجيح: أنّ النصوص التي اعتنت بهذا الأمر التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صريحة بأنّ هذا حق من حقوق الزوج ولم يأتي في النصوص ما يقيّد هذا الحق ونحن نفترض ونفرض المسألة مع وجود ضرر على الزوجة، حينئذ الأقرب والله أعلم مذهب الحنابلة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده) يعني أنّ للزوج أن يسافر بزوجته, وأنه يجب عليها الطاعة إذا طلب منها أن تسافر معه, إلاّ إذا كانت اشترطت عليه ألاّ تخرج من بلدها فإن كانت اشترطت هذا الشرط, فهو شرط صحيح لازم, وإن لم تكن اشترطت فإنه يجب عليها أن تسافر مع زوجها.
الدليل على هذا: أنّ الزوج له حق الاستمتاع بالزوجة في كل الأوقات ومن ذلك الأوقات في السفر, ولم يتمكن من الاستمتاع إلاّ إذا سافرت معه، وهذا صحيح وهو أنه يجب على المرأة أن تطيع الزوج إذا أراد أن يسافر, لكن يشترط لوجوب الطاعة أن يسافر إلى بلد مأمون في الطريق وبعد الوصول, فإن كان الطريق إلى البلد غير مأمون أو كانت البلد غير مأمونة فإنه لا يجب على الزوجة أن تسافر, فإذا أراد أن يصحبها إلى بلد فيه حرب أو فيه وباء أو فيه كوارث طبيعية فإنه لا يجب عليها أن تسافر معه.

كذلك إذا أراد أن يصحبها في طريق مخوف لا يأمن معه الإنسان على نفسه, فإنه لا يجب عليها أن تسافر معه.
هل من ذلك إذا أراد أن يسافر في طيران يكثر سقوط الطائرات فيه؟ أو في سفن يكثر الغرق فيها؟ أو ليس من ذلك؟ إذا كانت هذه الخطوط معروفة بأنّ طائراتها كثيرة السقوط, أو هذه السفن كثيرة الغرق, فإنه لا يجب أن تسافر، لكن ما يظهر لي أنا أنه في خطوط معروفة أنها كثيرة السقوط، يعني هذا نادر, وكذلك لا يظهر لي أنه يوجد مجموعة من السفن معروفة بكثرة الغرق.
فإنّ هذه الكوارث الكبيرة لا يمكن أن تتكرر بكثرة, لكن من ذلك أن يسافر بها مع سائق معروف بالتهور, حينئذ لها أن تمتنع، ولو كان هذا السائق قريب، المهم القاعدة العامة إذا كان هناك ضرر فإنه لا يجب أن تسافر معه.
قال رحمه الله في بداية الكلام عن الممنوعات من الوطء بعد أن قرر القاعدة العامة أنه له أن يباشر كيفما شاء أراد أن يبيّن الممنوعات.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويحرم وطؤها في الحيض والدبر) تحريم الوطء في الحيض دلّ عليه النص والإجماع.
قال تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة/189] فوطء المرأة أثناء الحيض محرم بالإجماع والنص ولا إشكال فيه لم يختلف فيه أهل العلم ولله الحمد, ويستوي في هذا أول نزول الحيض وأوسط نزول الحيض وآخره إذا خفّ ويلتحق به الصفرة والكدرة إذا اعتبرناها حيضاً, ففي كل هذه المراحل لا يجوز للإنسان أن يطأ زوجته.
وتقدم معنا هذا في كتاب الحيض.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (والدبر) ولا يجوز أن يطأ في الدبر, ذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وعامة علماء الأمة، إلى أنّ الوطء في الدبر محرم وهو من الكبائر وجاء فيه من النصوص أكثر مما جاء في الحيض عند من يصحح هذه النصوص, استدل الجماهير بأدلة: الأول: قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة/223] وقد فسر الصحابي الجليل ابن عباس - رضي الله عنه - الآية بأنّ المقصود بالحرث موضع الولد, وهو صريح جداً, وجه الاستدلال من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى إنما أباح وطء المرأة في موضع الولد، هذا الدليل الأول.

الدليل الثاني: مجموعة كبيرة من الأحاديث الدالة على تحريم الوطء في الدبر, منها قوله - صلى الله عليه وسلم - (ملعون من أتى امرأته في دبرها) ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - (لا تأتوا النساء في أعجازهن) ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - (إنّ الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن)، هذه النصوص أولاً جميعا لا تخلو من ضعف، كل واحد منها في اسناده ضعف لا يسلم منها حديث، لكن كثيراً من المتأخرين يصحح هذه الأحاديث معتمداً على ثلاثة أمور: الأول: أنه جاءت من طرق متعددة.
الثاني: أنها توافق ظاهر القرآن.
الثالث: أنها توافق فتاوى الصحابة.
لكن مع ذلك ذهب كثير من الأئمة, إلى أنه لا يثبت في هذا الباب حديث صحيح, من هؤلاء الإمام البخاري، ومن هؤلاء النسائي، ومن هؤلاء الإمام ابن المنذر، نحو خمسة من الأئمة , على رأسهم البخاري والنسائي.
الأقرب والله أعلم أنه لا يثبت في الباب حديث صحيح، لأنّ هذه الأحاديث من الضعف بحيث لا يقوي بعضها بعضاً.
الدليل الثالث: صح عن الصحابة تحريم وطء المرأة في الدبر.
إذا الدليل الأول: الآية، والدليل الثاني: الأحاديث، وعلمتم كيف شأن هذه الأحاديث من حيث الثبوت وعدمه، والدليل الثالث: الآثار.
القول الثاني: أنّ وطء المرأة في الدبر جائز, وهو مروي عن اثنين الإمام مالك وقبله ابن عمر وبعضهم يرويه وينسبه للإمام الشافعي والصحيح أنّ هذا القول لا يثبت عن مالك ولا ابن عمر ولا عن الشافعي.
نبدأ بالأهم وهو ابن عمر - رضي الله عنه - روي عنه ما يوهم جواز وطء المرأة في الدبر.
وعن هذه الفتوى أجوبة عن الفتوى المنقولة عن ابن عمر أجوبة: الجواب الأول: أنّ مقصود ابن عمر بجواز وطء الدبر يعني الوطء في القبل من جهة الدبر.
الوطء يكون في القبل لكن أتاها من جهة الدبر، وهذا تفسير أحد كبار تلاميذ ابن عمر وهو نافع, فإنه قال أنّ مقصود ابن عمر هذا وصح عنه هذا التفسير.
الجواب الثاني: أنه إن ثبت عن ابن عمر فهو وهم منه - رضي الله عنه - وممن ذهب إلى أنّ هذا وهم وصح عنه ابن عباس فإنه قال وهم ابن عمر.

الجواب الثالث: أنه صح عن ابن عمر بإسناد كالشمس أنه يرى تحريم الوطء في الدبر، بل روي عنه اللعن فقال لعن الله من أتى امرأته في دبرها، وكما ترى كل واحد من الأجوبة الثلاث كافي في إبطال الاستدلال بأثر ابن عمر.
أما مالك فإنه سئل فيما ينسب إليه من جواز الوطء في الدبر فقال معاذ الله.
وأما الشافعي فإنه لم يثبت عنه، ولهذا أقول إن شاء الله الراجح بلا تردد ولا إشكال بإذن الله أنّ الوطء في الدبر محرم وهو من الكبائر بل قال شيخ الإسلام - رحمه الله - الوطء في الدبر للزوجة من اللواط, وقال ابن القيم - رحمه الله - لم يبح وطء الدبر على لسان نبي من الأنبياء.
كما أنه يضاف لهذه الأدلة أنّ وطء الدبر يترتب عليه آثار وخيمة جداً وأمراض تلحق بالزوج بالدرجة الأولى، وبالزوجة بالدرجة الثانية ويظهر لي والله أعلم أنّ القول بالجواز شاذ وغير معتبر، وأنه ينافي الفطرة لاسيما وأنّ الآية صريحة أنّ جواز الوطء إنما هو في محل الولد وأما ما تمسك به الذين يقولون بجواز الوطء بالدبر وهو الآيات العامة، فقالوا نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، هذا عام ونسوا أنّ ابن عباس فسّر الآية بمحل الولد، والاستدلال بالعمومات لا يصلح مع وجود النصوص الخاصة.
وأنا أقول لو لم يكن في الباب أي نص لكانت الأضرار الطبية التي ثبتت بالتواتر والإجماع كافية في التحريم، كيف وتوجد آثار عن الصحابة صحيحة مسندة كثيرة, أنّ الوطء لا يجوز حتى روي عن ابن عمر اللعن.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وله إجبارها ولو ذمية على غسل حيض) يعني ونفاس وإنما تركوا النفاس لأنّ أحكام الحيض والنفاس واحدة المعنى, وتعليل الوجوب أنه لا يمكن أن يستمتع الإنسان من زوجته إلاّ بعد أن تغتسل, ولهذا فإنه يجب عليها أن تغتسل ليتمكن من الاستمتاع الواجب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ونجاسة) ويجب على الزوجة أن تغسل النجاسة التي أصابت بدنها أو أصابت ثوبها, لأنّ الزوج لا يتمكن من الاستمتاع مع وجود النجاسات في بدن المرأة، وهذا أمره واضح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره)

يعني ويجب على الزوجة أن تأخذ ما تعافه نفس الزوج من الشعر ونحوه من الأوساخ التي يندب للزوجة أن تتخلص منها, يجب وجوبا أن تتخلص من الشعور وهذا الوجوب زائد على الوجوب المستفاد بالنصوص من حلق أو أخذ الإبط وحلق شعر العانة فإنّ النصوص دلت على هذا, وهذا وجه آخر للوجوب, وهو إذا طلب الزوج ذلك.
الدليل: أنّ الاستمتاع لا يتم مع وجود ما تعافه النفس من الزوجة, لا حظ هم يقولون لا يتم, ولم يقولوا لا يوجد لكنه لا يتم بخلاف الحيض فإنّ الاستمتاع لا يوجد, لأنه لا يجوز للزوج أن يجامع زوجته قبل أن تغتسل.
القول الثاني: أنه لا يجب على المرأة أن تأخذ ما تعافه نفس الزوج من شعر ونحوه, لأنّ هذه الشعور لا تمنع من الوطء.
والجواب على هذا الاستدلال أنها تمنع كمال الوطء والاستمتاع للزوج واجب على زوجته, وعلى المرأة أن تؤدي الواجب على وجه الكمال لا على وجه النقص, وهذا القول الأول هو الصحيح، ومقتضى تعليل الحنابلة أنه أيضاً يجب على الزوج أن يأخذ ما تعافه الزوجة من شعر ونحوه, لأنّ الاستمتاع كما سيأتينا في آثار الصحابة حق متبادل, وإن كان هو من الحقوق الأولى للزوج بالذات لكنه أيضاً من الحقوق المتبادلة, فيجب على الزوج أن يأخذ ما تعافه نفس الزوجة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة) يعني ليس للزوج أن يجبر زوجته على غسل الجنابة إذا كانت ذمية, لأنّ الذمية لا تلزم بفروع الشرع إلاّ بعد الدخول في الإسلام، وهذه المسألة فيها خلاف كالخلاف في المسألة السابقة تماماً من حيث التعليل والدليل والأقوال والراجح.
فمثلاً الزوج تعاف نفسه الزوجة التي لا تغتسل من الجنابة, ولو كانت ذمية ولهذا نحن نقول الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تماماً، والراجح أنه يجب على الزوجة أن تغتسل من الجنابة لا وجوباً شرعياً أصلياً، وإنما ليتمكن الزوج من استيفاء الحقوق على الوجه الكامل.
فصل قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع) هذا الفصل يقول المؤلف - رحمه الله - فصل وهذا الفصل يريد المؤلف أن يتكلم فيه عن المبيت والقسم وما يتعلق بهما.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل