شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 167-206
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 167-206
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

باب إزالة النجاسة

• قال - رحمه الله -: باب إزالة النجاسة.
لما أنهى المؤلف الكلام عن التطهر بالماء وبدله وهو التيمم انتقل إلى الطهارة القسيمة لطهارة الحدث وهي الطهارة من النجاسة.
فقال: باب إزالة النجاسة: المقصود بالنجاسة في هذا الباب النجاسة الحكمية والمقصود بالنجاسة الحكمية: هي النجاسة الطارئة على عين طاهرة.
فخرج بذلك النجاسة العينية فإنها لا يمكن أن تطهر مثاله: البول والغائط والكلب والخنزير والحمار على المذهب فكل هذه أعيان نجسة نجاسة عينية لا يمكن أن تطهر بحال من الأحوال إلا بطريقة واحدة فقط وهي الاستحالة وسيأتي ذكر الخلاف فيها.
فعرفنا ماذا يريد الفقهاء بالنجاسة في هذا الباب خاصة.
• قال - رحمه الله -: يجزئ في غسل النجاسات كلها: إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة.
وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير.

الحنابلة يقسمون النجاسات إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون على الأرض.
والقسم الثاني أن يكون على غير الأرض.
بدء المؤلف بما كان على الأرض: • فقال: إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة: إذا كانت النجاسة على الأرض فإنه يكفي فيها عند الحنابلة غسلة واحدة ولكن يشترط في هذه الغسلة أن تذهب بعين النجاسة وعلامة ذهاب عين النجاسة أن لا يبقى منها لون ولا رائحة.
والدليل على هذا الحكم: الحديث الصحيح أن أعرابياً دخل المسجد فبال في ناحية المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يراق على بوله ذنوباً من ماء ففي الحديث غسل هذه النجاسة وهي بول الأعرابي مرة واحدة بإراقة الماء على بوله.
وهذا الحكم يختص بالنجاسة التي ليس لها أجزاء.
فإن كانت النجاسة لها أجزاء فإنه لا يكتفي بغسلها مرة واحدة بل يجب إزالة أجزاء النجاسة ثم يغسل أثرها مرة واحدة.
إذاً النجاسة على الأرض: إما أن تكون مائعة أو أن يكون لها جرم.
فإن كانت مائعة اكتفي بغسلها مرة واحدة تذهب بعينها بدليل حديث الأعرابي.
وإن كانت النجاسة ذات أجزاء فإنه يجب أن تزال هذه الأجزاء ثم يغسل أثر هذه النجاسة مرة واحدة.
ثم انتقل المؤلف إلى الكلام على النجاسة إذا لم تكن على الأرض فقال: وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير.
وعلى غيرها: يعني على غير الأرض إذا كانت النجاسة على غير الأرض فتنقسم عند الحنابلة إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون نجاسة كلب أو خنزير.
القسم الثاني: أن تكون نجاسة غيرهما.
نبدء بالقسم الأول: ونقول: إذا كانت النجاسة على غير الأرض كما لو كانت في الأواني وكانت من الكلب أو الخنزير فإنه يجب أن تغسل سبع غسلات إحداها بالتراب.
الدليل على هذا: حديث أبي هريرة - في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب.
هذه رواية مسلم وفي رواية غيره إحداهن.
فهذا الحديث دليل على التسبيع.
وبقي أن ننظر: هل التراب يكون في الغسلة الأولى أو الأخيرة أو في أي واحدة منها بلا تعيين أو في الثامنة؟ كم صارت الأقوال؟ أربعة.
الراجح منها أنها في الأولى.
والاحتمالات التي ذكرناها هي أقوال للفقهاء.
سبب الترجيح: أن رواية أولاهن هي أصح الروايات التي حددت موضع غسلة التتريب.

ثانياً: أن التراب إذا كان في الغسلة الأولى جاء بعده الماء فطهر الإناء بخلاف إذا كانت في الغسلة الأخيرة فإنه يحتاج إلى غسلة زائدة.
إذاً هذا القول هو الراجح ويليه في القوة أن يكون التتريب غسلة ثامنة منفصلة عن السبع لما ثبت في حديث عبد الله بن مغفل - أن النبي ‘ قال وعفروه الثامنة بالتراب.
فإثبت ثمان غسلات وحديث بن مغفل هذا فيه زيادة علم يجب المصير إليه فهو قوي والسنة صريحة فيه.
• ثم قال: وخنزير: أي أن الخنزير يماثل الكلب في التسبيع والتتريب وهذا مذهب الحنابلة قيل للإمام أحمد أرأيت الخنزير فقال الإمام أحمد هو شر من الكلب فعبارة الإمام أحمد حملت الدليل على قياس الخنزير على الكلب وهو أن الخنزير شر من الكلب.
والقول الثاني: لجماهير العلماء أن الخنزير يغسل كغيره من الحيوانات ولا يترب ولا يسبع لأن النص جاء في الكلب والخنزير موجود في عهد التشريع ومذكور في القرآن ومع ذلك نص النبي ‘ على الكلب ثم في وجه آخر أن غسل سؤر الكلب سبع مرات أمر تعبدي وكل حكم تعبدي لا يمكن أن يقاس عليه.
وهذا القول هو الراجح.
بقينا في مسألة: نذكر فيها القول الراجح فقط.
هل الكلب والخنزير نجس أو طاهر أو فيه تفصيل؟ القول الصواب - إن شاء الله - أن الكلب والخنزير نجسة إلا الشعر منها فإنه طاهر وهو اختيار شيخ الاسلام وفيه توسعة على المسلمين.
بناء على هذا: إذا ابتل الكلب ثم مس شعره ثوب الإنسان فعند الجمهور يجب أن يغسله لأن شعر الكلب نجس.
وعلى القول الصواب لا يجب عليه أن يغسل ما أصاب الثوب من شعر الكلب أو الخنزير لأنه طاهر.
• ثم قال ’: ويجزئ عن التراب: أُشنان ونحوه.
المقصود بنحوه كالصابون أو أي مادة تستخدم للتنظيف فمذهب الحنابلة أنه يجزئ عن الإشنان أي مادة فيها تنظيف واختار هذا القول أيضاً ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
والقول الثاني: أن غير التراب لا يقوم مقامه فيشترط أن يغسل بالتراب وهذا القول هو الراجح.
ومذهب الحنابلة الذي اختاره الشيخ وتلميذه ضعيف.

والسبب أن في التراب خاصية لا توجد في غيره ولذا نص عليه الشارع وهي أنه يقتل ما يوجد في سؤر الكلب مما يؤذي الإنسان بخلاف غيره من أدوات التنظيف فإنها لا تفعل هذا الفعل.
وأثبت هذه الحقيقة الطب الحديث بل واعتبر هذا من معجزات النبي ‘. وكما سبق الإشنان موجود في العهد النبوي ومع ذلك لم يذكره النبي ‘. ثم انتقل إلى النوع الثاني من النجاسات التي توجد على غير الأرض: • فقال: وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب.
في نجاسة غير الكلب والخنزير يشترط للتطهير أن يغسل الإنسان سبع مرات ولو طهر المحل في الغسلة الأولى أو الثانية أو الثالثة فإنه يشترط أن يكمل الغسل إلى أن يصل إلى سبع غسلات.
استدل الحنابلة: بأثر ابن عمر أنه قال أمرنا بغسل الانجاس سبعاً وإذا قال الصحابي أمرنا فإنه ينصرف إلى المشرع وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: أن النجاسات غير الكلب والخنزير أو على القول الراجح على غير الكلب فإنها تغسل بلا عدد معين بل إلى ذهاب النجاسة فإن ذهبت في الغسلة الأولى اكتفي بها.
أو في الثانية اكتفي بها وهكذا.
الدليل على هذا القول: أن النبي ‘ لما سأل عن دم الحيض يصيب الثوب قال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء.
ولم يذكر النبي ‘ عدداً.
وكذلك في حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد أمر النبي ‘ بصب ذنوب من ماء ولم يذكر عدداً.
وهذا القول هو الصواب الذي تدل عليه النصوص الشرعية.
وحديث ابن عمر السابق ضعيف.
انتهينا الآن من الأنواع التي تتنجس وأنها تنقسم إلى ما يكون على الأرض وما يكون على غيرها.
وأن ما يكون على غير الأرض ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون نجاسة كلب وخنزير أو يكون نجاسة غيرهما.
فصارت الأقسام أربعة.
• ثم انتقل المؤلف ’ إلى كيفية التطهير فقال: ولا يطهر متنجس: بشمس ولا ريح ولا دلك.
يرى الحنابلة أنه لا يمكن تطهير النجاسات إلا بالماء فقط ولا تطهر بالشمس ولا بالدلك ولا بغيرهما.
الدليل: استدلوا بحديث الأعرابي وحديث أسماء السابقين.
حيث ذكر النبي ‘ الماء للتطهير.
والقول الثاني: أن النجاسة إذا ذهبت بأي مزيل كان فقد ذهب حكمها وطهر المحل لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

واستدلوا بدليل من السنة وهو صحيح ثابت وهو حديث ابن عمر أن الكلاب كانت تدبر وتقبل في المسجد في عهد النبي ‘ ولم يكونوا يغسلون شيئاً من ذلك فعلم أن هذه الكلاب التي تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولا يغسل أثر هذا البول أن المطهر له هو الشمس والريح.
وفي الباب أدلة كثيرة لهذه المسألة.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب الذي تدل عليه النصوص الصحيحة.
• قال ’: ولا استحالة غير الخمرة.
الحنابلة يرون أن الاستحالة لاتطهر لأنهم في الأصل يرون أن النجاسة لا يمكن أن تطهر إلا بالماء لكن بخصوص مسألة الاستحالة لهم دليل آخر وهو أن النبي ‘ نهى عن لحوم الجلالة وألبانها.
والجلالة هي الحيوان التي غالب أكله من النجاسات.
وسيأتينا - بإذن الله في كتاب الأطعمة تفصيل كثير حول أحكام الجلالة لكن يعنينا هنا أن نعرف ماهي فقط؟ وجه الاستدلال: قالوا: أن الجلالة إذا أكلت النجاسة استحالت في بدنها إلى الدم واللحم ومع كون النجاسة استحالت فقد نهى اللنبي ‘ عن أكلها.
وهذا دليل قوي.
والقول الثاني: أن الاستحالة تطهر النجاسات واختاره ابن تيمية وتلميذه رحمهما الله.
وانصروا لهذا القول بأدلة كثيرة من أهم هذه الأدلة أن النجاسة في الاستحالة ذهب لونها وريحها وطعمها فلم يبق للنجاسة أثر.
الدليل الثاني: أن أحكام الأعيان - وهذه قاعدة جيدة ومفيدة لطالب العلم - تتبع حقيقة الأعيان وصفاتها.
أي أننا نحكم على العين بحسب حقيقتها وصفاتها.
والعين النجسة إذا استحالت فقد تغيرت جميع الصفات والحقائق لها.
فمثلاً: في المثال الشمهور الذي يذكره الفقهاء إذا وقع الكلب في مملحة وبقي فيها وقتاً طويلاً انقلب إلى ملح وحقيقة وصفات الملح تختلف عن حقيقة وصفات الكلب.
مثال آخر: وهو وإن كان أسهل فهو لا يرد على الحنابلة لأنهم يبرون أنها تطهر - الخمر.
فالخمر قبل أن تستحيل لها صفات وحقائق معروفة.
إذا تخللت الخمر أصبحت خلاً وبين الخمر والخل فرق كبير من حيث الحقيقة والصفة.
فقالوا هذا الخمر لم يعد خمراً وإنما أصبح خلاً كما أن ذاك الكلب الذي وقع في المملحة لم يعد كلباً وإنما أصبح ملحاً وهكذا.
إذاً هذا المثال يبين القاعدة التي ذكرها شيخ الاسلام ابن تيمية ’.

وهذا القول الثاني هو الصواب: أن الاستحالة تفيد التطهير.
• قال ’: غير الخمرة.
فإن خللت أو تنجس دهن مائع: لم يطهرا.
قوله غير الخمرة: هذا استثاء من الاستحالة: يعني: أن الأعيان النجسة لا تطهر بالاستحالة ما عدا الخمر فإنه يطهر بالاستحالة.
ففرقوا بين جميع النجاسات وبين الخمر فجميع النجاسات لا تطهر بالاستحالة والخمر فقط يطهر بالاستحالة.
دليل الحنابلة: قالوا: الخمر أصله طاهر ولذا إذا استحال فقد رجع إلى أصله.
فالخمر أصله طاهر لأنه من الفواكه: من العنب أو من التمر أو من غيرهما.
لكن يشترط عند الحنابلة أن يكون تخلل الخمر بنفسه - من الله بدون فعل أحد - تتخلل بلى تخليل من الآدمي فإن سعى الإنسان في تخليلها بنقلها أو تعريضها إلى حرارة أو بأي طريقة من الطرق فإنها تبقى نجسة لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ‘ سأل عن الخمر تتخذ خلاً قال: لا.
ولأن النبي ‘ لما جاءه الرجل ومعه إناء فيه خمر لم يأمره بتخليله وإنما تركه يريقه ولو كان التخليل ينفع في الخمر لما أضاع المال ولأمره بتخليل هذا الخمر.
إذاً الخلاصة بالنسبة للخمر عند الحنابلة - خاصة من بين سائر النجاسات - أنه إذا تخلل فإنه يطهر بشرط أن يتخلل بنفسه فإن خلل بفعل الآدمي فإنه يبقى نجس وإن تخلل وعرفنا أدلة الحنابلة من السنة وهي أدلة صحيحة.
تبين من هذا التقرير أن الحنابلة يرون أن الخمر نجس وهذه المسألة محل خلاف طويل بين أهل العلم: فالجماهير وحكي إجماعاً أن الخمر نجس واستدلوا بأدلة كثيرة منها: قوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام/145] قال ابن القيم قوله فإنه يعود على الجميع ولا يختص بالخنزير فأطلق الله على الخمر أنه رجس.

الدليل الثاني: أن الصحابة لما نزل تحريم الخمر أراقوها فدل هذا على أنه لا يمكن الانتفاع منها بشيء لأنها نجسة.
الدليل الثالث: قوله تعالى فسقاهم ربهم شراباً طهوراً وهذا استدل به الشافعي مفهوم هذه الآية أن خمر الدنيا لا يعتبر طهوراً وإنما هو نجس.
القول الثاني: أن الخمر طاهرة وهذا ينسب لبعض السلف واختاره الصنعاني وكثير من المعاصرين.

واستدلوا: أولاً بأن الأصل في الأعيان الطهارة ولا دليل على نجاسة الخمر.
وثانياً: أنه لما نزل تحريم الخمر أراق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخمور في طرق المدينة ولو كان الخمر نجساً لم ينجسوا به طرقات المسلمين لا سيما وأن طرق المدينة لم تكن على الأقل كلها واسعة.
بل فيها الواسع والضيق.
وأجاب أصحاب هذا القول على أدلة الجماهير: عن الاستدلال بقوله تعالى فسقاهم ربهم شرابا طهوراً أن الله سبحانه وتعالى حكم على أشربة الجنة اللبن والماء والخمر بأنها طهورة فهل يعني هذا أن لبن وماء الدنيا نجسة الجواب: لا.
فكذلك الخمر.
وهذا القول بالنسبة لنجاسة الخمر في الحقيقة قول قوي ووجيه وتمس الحاجة إليه في وقتنا هذا بالذات بسبب كثرة دخول الخمر في مركبات الأدوية ونحن لا نرجح طهارة الخمر بسبب أنهم يستخدمونه في الأدوية.
لكن من أسباب الترجيح أن في القول بطهارة الخمر توسعة من هذا الجانب.
الخلاصة أنه والله أعلم القول بالطهارة هو الأقرب لأنه لا يوجد دليل صريح على النجاسة.
وإن كان يضع الإنسان في ذهنه أن القول بالنجاسة مذهب الجماهير الأئمة الأربعة وجملة أئمة المسلمين إلا ثلاثة أو أربعة من السلف.
أما المتأخرون من بعد الصنعاني - فهو - رحمه الله - الذي نشر هذا القول وانتصر له - فهم كثر لكن الكلام عن أئمة المسلمين المتقدمين.
• ثم قال - رحمه الله -: أو تنجس دهن مائع لم يطهرا.
الدهن عند الحنابلة ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مائع أو جامد فإن كان مائعاً ووقعت فيه نجاسة وجب أن يلقى برمته - أن يراق جميع الدهن.
لحديث ابن عباس فإن كان مائعاً فلا تقربوه.
ولأنه لا يمكن أن يغسل بالماء مع كون الدهن مائعاً.
وإن كان جامداً فإنه تلقى النجاسة وما حولها والباقي حلال طاهر.
انتهى مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن الدهن الجامد والمائع حكمهما واحد وهو أن يراق ما حول النجاسة مع النجاسة والباقي طاهر.
وينتفع به بدليل حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة وقعت في سمن فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوها وما حولها وأن ينتفعوا بالباقي.
وهذا الحديث صحيح وفيه لم يفرق بين المائع والجامد وإنما حكم على الجميع بحكم واحد.

فدل الحديث على أن جميع المائعات حكمها حكم الماء وهو أنه لا تنجس إلا بالتغير كما تقررمعنا في أول باب المياه.
فجميع المائعات الدهن والسمن وأي مائع كان فحكمه حكم الماء في أنه لا ينجس إلا بالتغير.
مسألة: إذا وقعت فأرة في سمن فأزلنا الفأرة وما حولها فهل يطهر المحل أو لم يطهر؟ ................................ ((يطهر)) فإن وجدنا بعد الإزالة للفأرة وما حولها أن السمن تغير بالنجاسة مع إزالة الفأرة وما حولها فيعتبر نجساً.
إذاً طالب العلم لا يتخذ القضايا العلمية مسلمة وإنما يفهم تنوع الأحكام.
فنحن نقول إذا وقعت الفأرة في السمن فإنها تزال وما حولها والباقي طاهر ولكن يجب عليك أن تربط بين هذا وبين الأحكام الأخرى وهي أن المائعات إذا تغيرت بالنجاسة فتعتبر نجسة.
فبالربط بين الحكمين تعرف حكم الصورة أو المسألة التي ذكرت لك الآن.
مالجواب عن حديث ابن عباس الذي استدل به الحنابلة؟ الجواب: أنه حديث منكر.
وأشار البخاري إلى ضعفه.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن خفي موضع نجاسة: غُسل حتى يجزم بزواله.
غسل: أي الموضع.
النجاسة إما أن تكون في الثوب أو في البدن أو في البقعة.
فإذا وقعت النجاسة في أحد هذه الثلاثة أشياء فإما أن يعلم مكانها أو يجهل.
فإن علم فالأمر ظاهر أنه يغسل.
وإن جهل فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة.
ويستثنى من هذا الحكم إذا وقعت النجاسة في بقعة كبيرة كما إذا وقعت في فضاء واسع فإنها إذا كانت وقعت في فضاء واسع فإنه لا يشترط أن يغسل ولا أن يتحرى للمشقة.
والقول الثاني في هذه المسألة أن النجاسة إذا وقعت في البدن أو الثوب أو البقعة المحدودة وأمكن التحري - وهذا شرط مهم - فإنه يتحرى لأنه إذا جاء الشرع بالتحري في عدد الركعات فمن باب أولى أن يتحرى في تحديد البقعة النجسة.
والأحوط في الحقيقة مذهب الحنابلة أنه إذا اشتبهت النجاسة في البقعة أو البدن أو الثوب المحدود فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة لأن النجاسة وجدت قطعاً فإذا كانت النجاسة موجودة يقيناً فإنه يسعى إلى إزالتها باليقين أيضاً وذلك بأن يغسل إلى أن يجزم بزوال النجاسة.
وهذا القول كما قلت أحوط وأقرب إلى القواعد الشرعية.
انتهى الدرس،،،

• قال - رحمه الله -: ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام: بنضحه.
بدء المؤلف ببيان بعض النجاسات التي يدخلها التخفيف فبدء ببول الغلام: فإذا بال الغلام على ثوب أو بدن أو بقعة الإنسان فإنه يكفي في تطهيره أن ينضح.
والنضح هو: إراقة الماء على ...... (انقطع التسجيل) ....... وعرف من قول المؤلف بول غلام لم يأكل الطعام: أن الغلام الذي بدء بأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم.
وأن غائط الغلام الذي لم يأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم.
وأن بول الجارية وإن كانت لم تأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم وإنما يختص ببول الغلام الذي لم يأكل الطعام فهذا البول ينضح نضحاً ولا يجب فيه الغسل.
دليل ذلك حديث أم قيس أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لها فأخذه - صلى الله عليه وسلم - ووضعه في حجره فبال عليه فدعا - صلى الله عليه وسلم - بماء ونضحه على ثوبه ولم يغسل) هكذا في الحديث نص على عدم الغسل.
وهذا من فقه الصحابي راوي الحديث وهذا الحديث في الصحيحين.
فهذا نص في أن بول الغلام نجاسته نجاسة مخففة يكفي فيها النضح كنجاسة المذي - على ما سيأتينا إن شاء الله.
بقينا في العلة التي من أجلها خصص بول الغلام بهذا الحكم: في الحقيقة لم أقف على أي علة مقنعة ولذلك فالأقرب أن الأمر تعبدي.
• ثم قال - رحمه الله -: ويعفى في غير مائع ومطعوم: عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار.
جملة مذهب الحنابلة في هذه المسألة أنهم يرون أنه لا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا في أمرين:

  • يسير الدم من حيوان طاهر حال الحياة.
  • وأثر الاستجمار.
    في غير المائعات فقط هذا الذي يعفى عن يسيره وأما ما عداه من باقي النجاسات كالبول والغائط والقيء - لأنه نجس عند الحنابلة فلا يعفى عن يسيرها عند الحنابلة.
    القول الثاني: أنه يعفى عن يسير جميع النجاسات بلا استثناء والدليل على هذا أن الشارع عفا عن يسير أثر الاستجمار.
    ويسير أثر الاستجمار يقصد به: ما يبقى من النجاسة اليسيرة بعد الاستجمار.
    فهذه النجاسة قد عفا عنها الشارع فيقاس عليها جميع النجاسات.
    وهذا القول - الثاني - هو اختيار شيخ الاسلام وهو الذي تدل عليه النصوص إن شاء الله.
    نرجع نأخذ مذهب الحنابلة عبارة عبارة.

يقول ’ ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم من حيوان طاهر.
هذا الأمر الأول: لماذا استثنى الحنابلة الدم والاستجمار فقط؟ الجواب: استثنوا ذلك للإجماع فقالوا إن هذا محل إجماع.
وبالنسبة للإستجمار بالإضافة إلى الإجماع النصوص الدالة على جواز الاستجمار تدل على العفو عن يسيرة لأنه لا بد أن يبقى بعد الاستجمار يسير من الخارج من السبيل لأن الحجارة ونحوها لا يمكن أن تزيل جميع الخارج.
وقول المؤلف: يسير دم نجس من حيوان طاهر: يفيد أن الدماء ليست على حد واحد عند الحنابلة.
وهو كذلك فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: دم نجس يعفى عن يسيره.
مثاله: الآدمي والحيوانات الطاهرة.
القسم الثاني: دم نجس لا يعفى عن يسيره.
وهو: الدم الخارج من السبيلين.
القسم الثالث: دم طاهر.
كدم السمك ودم الشهيد وما يبقى في عروق الذبيحة التي ذبحت على مقتضى الشرع وكذلك دم الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة.
وسيأتينا ذكر عدد من الأمثلة في ثنايا كلام المؤلف.
وقد ذكر هذا التقسيم أكثر من عالم من فقهاءالحنابلة وهو تقسيم جيد يسهل ويجمع أطراف المسألة.
وعلم من قول المؤلف: يسير دم نجس.
أنه يرى أن الدم نجس وهذا القول حكي فيه الاجماع من عدد من العلماء وحكى الإجماع عالم هو من أشد الناس في الإجماعات وهو الإمام أحمد فقال: الدم لا يختلفون فيه.
وتقدم معنا أن حكاية الإجماع تختلف قوتها من عالم لعالم وإذا كان حكى الإجماع مثل الإمام أحمد فهذا إجماع قوي لأنه يتشدد في الإجماع لا يكاد يثبت إجماع إلا عن الصحابة.
فإذا أثبت الإجماع فهو إجماع قوي.
الأدلة: أولاً: العمومات: كقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام/145] وهذا نص.
ثانياً: أن أسماء لما سألت عن دم الحيض يصيب الثوب أمر النبي ‘ بغسله غسلاً كاملاً فقال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء.
ولا يوجد دليل على أن هناك فرق بين دم الحيض وغيره من الدماء.
القول الثاني في هذه المسألة المهمة: أن الدم طاهر استدلوا بأدلة:

الدليل الأول: قصة الصحابي الذي صلى ثم رمي بسهم وآخر وثالث وظل يصلي فدل ذلك على أن الدم طاهر وإلا كيف صلى والدم يخرج منه؟ الجواب على هذا الدليل: أن هذا أثر لا يثبت.
الدليل الثاني: وهو من أقوى أدلتهم أن الحسن البصري صح عنه أنه يقول مازال المسلمون يصلون بجراحاتهم.
والجواب على أثر الحسن: أنه يقصد رحمه الله - أن الدم لا ينقض الوضوء ولا يقصد أنه طاهر بدليل أنه صح عنه ’ - أن الدم نجس.
الدليل الثالث - الأخير: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - صلى وجرحه يثعب دماً.
والجواب عليه: أن هذا للضرورة.
ولذلك الإمام أحمد ’ وهو ممن يرى نجاسة الدم بل يحكي الإجماع على هذا الحكم لما ضرب في الحبس ’ وخرجت منه الدماء بكثرة صلى في السجن والدماء تملأ جسده وثوبه فقال له صاحبه يا أبا عبد الله أتصلي والدم فيك هكذا فقال الإمام ’: صلى عمر وجرحه يثعب دماً.
فاستدل بقصة عمر وإن كان ’ ممن يرى نجاسة الدم لأن هذا موضع ضرورة وموضع الضرورة لا يقاس عليه حال الاختيار.
لذلك فالأقرب عندي بوضوح أن الدم نجس لاسيما وأنه حكي فيه الإجماع وعلى هذا النحو ولا يكاد يعرف مخالف.
ثم انتقل المؤلف ’ إلى الأعيان التي لا تعتبر نجسة.
• فقال ’: ولا ينجس الآدمي بالموت.
يعني أن الآدمي طاهر حال الحياة والممات والدليل على هذا الحكم: أولاً: قول النبي ‘ إن المؤمن لا ينجس.
وثانياً: أن النبي ‘ أمر بتغسيل الميت.
ما هو وجه الاستدلال هنا؟ الجواب: أن الميت لو كان نجس العين فلا ينفع فيه التغسيل لأنا أخذنا أن النجس نجاسة عينية لا يمكن أن يطهر إلا بالإستحالة على الخلاف فيها.
والقول الثاني: أن الكافر طاهر حال الحياة نجس بعد الموت.
وهذا القول قوي جداً لأن النصوص التي ذكرنا كلها يختص بالمؤمن.
أما طهارة الكافر في حال الحياة فلا إشكال فيها.
لكن الخلاف في طهارته بعد الموت.
ولذلك فالأحوط أن لايمس الإنسان جسد الكافر بعد الموت أو يغسل يده إذا أصيبت بشيء رطب من جسد الكافر بعد الموت مراعاة لهذا الخلاف القوي.
أما الحنابلة فهم يرون أن الآدمي مسلماً أو كافراً صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى جسده طاهر.
• ثم قال ’: وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر.

قاعدة المذهب أن كل حشرة لانفس لها سائلة ومتولدة من طاهر فتعتبر طاهرة في الحياة وفي الممات.
إذاً كم شرط؟ ذكروا شرطين.
الأول: أن لا يكون لها نفس سائلة.
والثاني: أن تكونة متولدة من طاهر.
ومعنى أن لا يكون لها نفس: النفس هنا يعني الدم.
وقوله سائلة: أي لا تجري.
وإلا فمن المعلوم أن أحشرة فيها دم لكن الشرط أن لا يكون هذا الدم سائلاً.
وأن تكون متولدة من طاهر.
بناء على هذا فالبعوض والعقرب والخنفساء وما شابه هذه الحشرات كلها طاهرة في الحياة وفي الممات ولو وقعت في ماء بعد الموت فيبقى طهورٌ حتى عند الحنابلة.
وأما إن كانت حشرة لها نفس سائلة فهي نجسة بعد الموت وقبل الموت هناك تفصيل لكن بعد الموت تعتبر نجسة.
ومثل الإمام أحمد على هذا بالوزغ.
فقد اعتبر أن الوزغ له نفس سائله فإذا مات وسقط في الماء فإنه ينجس به.
الدليل على أصل هذه المسألة أن النبي ‘ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليلقه.
وإذا غمس الإنسان الذباب في الإناء الذي يحمل سائلاً حاراً فسيموت ومع ذلك أمر النبي ‘ بالانتفاع بالسائل فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت.
قوله متولد من طاهر: أي أنه إذا تولد من نجس فإنه ينجس ولو لم يكن له نفس سائلة ومثلوا لهذا بصراصير الكنف.
فإنها متولدة على حد قولهم من نجاسة.
وإذا كانت متولدة من نجاسة فإنها تصبح نجسة إذا ماتت.
وعلى القول الثاني: تصبح طاهرة لأنا أخذنا أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة وهذه الحشرات استحالت من النجاسات إلى هذه الحشرة المعروفة.
فالأقرب أنها طاهرة.
تنبيه: نبه بعض الفقهاء إلى شيء مهم وهو أنه يشترط في هذه الحشرات التي نقول أنها لا تُنَجِّسْ ما تقع فيها من المياه أن لا تكون هي متلوثة بنجاسات فإن غالب هذه الحشرات قد تتلوث بعض أجزائها بالنجاسة فإذا لم تكن متلوثة بالنجاسة فإن الماء الذي وقعت فيه يبقى طهور.
• ثم قال ’: وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ..... طاهر.
بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه عند الحنابلة طاهر.
والدليل على ذلك.
الأول: حديث العرنيين حيث أمرهم النبي ‘ أن يلحقوا بإبل الصدقة وأن يشربوا من ألبانها وأبوالها.

فدل هذا على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر.
والدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل أنصلي في مرابض الغنم فقال نعم.
ولو كانت أبوالها وأرواثها نجسة لم يأذن - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في مرابضها.
وأما المني: فقياساً على البول فهو أطهر منه من باب أولى.
بدليل - هذا دليل الأولوية - أن بول الانسان نجس ومنيه طاهر.
• ثم قال - رحمه الله -: ومني الآدمي.
مني الآدمي طاهر عند الحنابلة والدليل ما ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تفرك ثوب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المني ثم يخرج فيصلي في ثوبه.
وجه الاستدلال: أن الفرك عادة لا يزيل جميع الأجزاء فدل على أن المني طاهر.
والقول الثاني: أن المني نجس لما ثبت أيضاً في الحديث أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تغسل ثوب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى الصلاة وهي ترى بقع الماء بعد الغسل.
وجه الاستدلال: أن الغسل يكون للنجاسات.
والجواب عليه: أن غسلها - رضي الله عنها - كان تكميلاً للنظافة جمعاً بين الغسل والفرك وقد بين الحديث الآخر أن الفرك لليابس والغسل للرطب.
وغسلها - رضي الله عنها - أيضاً هو من باب إماطة الأذى كما يغسل المخاط وإن كان طاهراً.
والراجح أن المني طاهر.
• ثم قال - رحمه الله -: ورطوبة فرج المرأة.
رطوبة فرج المرأة نحتاج إلى معرفة عدد من الأشياء عنه: الأول: تعريفه.
الثاني: مكانه.
الثالث: حكمه.
تعريفه: هو ماء أبيض بين المذي والعرق ولو سألنا هل رقيق أو ثخين؟ فالجواب: رقيق.
لأنه سبق معنا أن المذي ماء أبيض رقيق وهذا الماء قلنا أنه بين المذي والعرق وكل منهما رقيق فهو أيضاً رقيق.
فإذا أردت أن تزيد في إيضاح التعرف فتقول ماء أبيض رقيق بين المذي والعرق والفقهاء لم يذكروا كلمة رقيق لأنه معلوم فما دام أنه بين العرق والمذي فهو رقيق.
مكانه (مكان خروجه): يخرج هذا السائل من مخرج الولد وهو فتحة في أدنى فرج المرأة كما أن البول يخرج من فتحه في أعلى فرج المرأة.
فنحن نتحدث عن السائل الذي يخرج من مخرج الولد الذي يتصل بالرحم ولسنا نتحدث عن أي سائل يخرج من مخرج البول.
حكمه: مذهب الحنابلة فهو طاهر عندهم.
واستدلوا بدليلين: الأول: أن الأصل في الأعيان الطهارة.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المجامع بغسل الذكر.

وجه الاستدلال: أن في الجماع غالباً سيلتصق شيء من هذا السائل بذكر الرجل ولو كان نجساً لأمر - صلى الله عليه وسلم - بغسل الذكر بعد الجماع.

  • كأن هناك انقطاع واستدلوا بأن القاعدة عند العلماء والأصل العام أن كل خارج من السبيلين فهو نجس.
    الجواب: يجاب عن هذا الاستدلال بأن مقصود الفقهاء بالسبيلين ما يخرج من مخرج البول والغائط.
    والراجح أن هذه الرطوبة طاهرة.
    بل القول بنجاستها يدخل على المرأة حرج ومشقة.
    لا سيما إن صح ما ذكره بعض الأطباء أنه لا يوجد امرأة من بنات حواء إلا ويخرج منها هذا السائل.
    أي أنه لا يختص ببعض النساء دون بعض.
    فهذا مما يؤكد طهارة هذا السائل.
    • ثم قال - رحمه الله -: وسؤر الهرة، وما دونها في الخلقة: طاهر وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه: نجسة.
    السؤر: يقصد به هنا بقية الطعام والشراب.
    فسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر.
    الدليل: حديث أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن الهرة إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
    قال الحنابلة ويقاس على الهرة كل ما كان أصغر منها حجماً.
    وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة في المسألة التي تليها لأن المؤلف - رحمه الله - يقول هنا: وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة.
    قاعدة المذهب أن كل ما لايؤكل لحمه مما هو أكبر من الهرة فهو نجس سؤره وأجزائه.
    فإذا ضبطت هذه القاعدة: فإذا سألت عن أي حيوان فستعرف هل هو طاهر أو نجس.
    فالبقر مثلاً: طاهر.
    لأنه يؤكل لحمه.
    الحمار: نجس.
    لأنه لا يؤكل لحمه.
    الدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عن بئر بضاعة وما ينوبه من السباع فقال - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.
    فمفهوم هذا الحديث أن الماء إذا كان أقل من القلتين ونابته السباع فإنه ينجس.
    فالاستدلال بالمفهوم.
    وأيضاً استدلوا بحديث أبي قتادة السابق.
    فجعلوا مناط الحكمة على الحجم.
    فما كان أكبر من الهرة فهو نجس إذا لم يكن مأكول اللحم.
    وما كان أصغر فهو طاهر.
    القول الثاني: أن مناط الطهارة هو التطواف أو الطواف.
    فالحيوان الذي يكثر طوافه بين الناس ومساسه بهم فإنه طاهر.
    وما لا فلا.
    والكلام الآن فيما لا يؤكل لحمه أما مأكول اللحم فطاهر.

الدليل على هذا المناط أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على ذلك فقال إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام ما زالوا يركبون الحمار والبغل وقد يصيب ملابسهم شيء من سؤرها وقد تصيب ملا بسهم رطوبة شعر الحمار مع كثرة الملابسة والاستخدام ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بغسل شيء من ذلك.
فدل على أن الحمار شعره وريقه طاهر بسبب كثرة الطواف ومساسه للناس.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
بقينا في إشكال كبير وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر لما ذبح الناس الحمار وطبخوا لحمه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أريقوا اللحم فإنه رجس.
فسمى لحم الحمار رجساً فدل على أن الحمار نجس.
الجواب: على هذا الحديث: أن لحم الحمار نجس وهذا صحيح وفيه نص ولكن الحديث لم يتعرض لشعره ولا عرقه ولا ريقه.
فلا يصح الاستدلال على نجاسة غير اللحم لوجود أدلة أخرى تدل على ((((نجاسة)))) الأجزاء المذكورة وهي الشعر والريق والعرق.
بهذا انتهى الكلام على الأعيان النجسة والتفاصيل التي فيها وننتقل إلى باب الحيض.

باب الحيض

تابع الدرس ختم المؤلف - رحمه الله - كتاب الطهارة بباب الحيض والسبب في تأخير هذا الباب إلى آخر كتاب الطهارة أنه يتعلق بالنساء فقط ولا يشمل جميع بني آدم.
وباب الحيض نص عدد من المحققين على أنه أشكل أبواب الطهارة بل هو من أشكل أبواب الفقه ولذا كان عدد من أهل العلم لا يفتون في مسائل الحيض.
وإذا كانت مسائل الحيض مشكلة وتعتبر من أدق مسائل الفقه فهي في عصرنا هذا أدق وتضاعف فيها الإشكال.
فقد وجدت إشكالات في مسائل الحيض في عصرنا هذا لم توجد في أي عصر من الأعصار بسبب كثرة الأدوية الموجهة إلى الحيض بالنسبة للنساء.
فصارت هذه الأدوية والعقاقير تسبب إرباكاً وتذبذب للنساء وتُوجِدُ مسائلَ غامضة كل الغموض.
ولهذا يحتاج طالب العلم أنه يضبط الأصول على الأقل حتى يستطيع أن ينطلق منها للفروع المشكلة.
• قال - رحمه الله -: باب الحيض الحيض في لغة العرب: هو السيلان.
ومنه حاض الوادي يعني: سال.
وقيل: بل هو من الجمع يعني: من الاجتماع ومنه حوض الماء: سمي حوضاً لاجتماع الماء فيه.
فهو مشتق من أحد هذين المعنيين.
أما الحنابلة فيذكرون فقط معنى السيلان.

والحيض في الشرع: هو دم طبيعة يخرج من عرق في أقصى الرحم.
فيتبين من التعريف أمران: الأول: أنه يجب أن يكون دم طبيعي لا بسبب المرض.
والثاني: أنه يجب أن يخرج من أقصى قعر الرحم فإن خرج من أدناه فليس بحيض.
وسيأتينا ماذا يكون؟ • قال - رحمه الله -: لا حيض: قبل تسع سنين.
الحنابلة يرون أنه لا يمكن أن تحيض المرأة قبل أن تصل سن تسع سنين.
وكل دم رأته قبل ذلك فليس بحيض.
استدلوا على هذا بأثر عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة).
أي أنها قبل ذلك لا تكون امرأة يعني من حيث الحيض.
والقول الثاني: أن الحيض متى جاء للمرأة في أي سن بصفاته المعروفة فهو حيض.
استدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ [البقرة/222] فسماه الله تعالى أذى فعلقه على الوصف متى وجد هذا الوصف - الأذى بصفاته فإنه يأخذ أحكامه من المنع من الصلاة والصيام والوطء ... إلخ مما سيأتينا.
وهذه الاستدلال سنحتاج إليه مراراً وتكراراً فيحتاج طالب العلم إلى فهمه جيداً.
وهذا القول الثاني: هو القول الصواب.
إذاً إذا جاء الحيض حتى لو كان قبل التسع سنوات فإنه يعتبر حيضاً وتمسك المرأة عن الصلاة والصيام ........

انتهى الدرس،،،

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف - رحمه الله - تعالى: باب الحيض لا حيض قبل تسع سنين ولا بعد خمسين.
قوله: باب الحيض لا حيض قبل تسع سنين: تقدم الكلام عليه.
• ثم قال - رحمه الله -: ولا بعد خمسين.
أي أن المرأة إذا بغلت خمسين سنة فإن الدم الذي يخرج منها لا يعتبر دم حيض وإنما يعتبر دم فساد أو استحاضة.
هذا هو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على هذا: بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت (إذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد خرجت عن حد الحيض.) والقول الثاني أنه لا حد للسن الذي تحيض فيه المرأة.
أي لا حد لأكثره وأن المرأة إذا رأت الدم - الحيض المعروف - بصفاته المعروفة فهو حيض.
والدليل على هذا القول ما تقدم معنا من أن الله سبحانه وتعالى سمى الحيض أذى فمتى وجد هذا الأذى وجدت أحكامه من غير نظر إلى سن كما أنه ليس في النصوص الصحيحة المرفوعة الثابتة ما يحدد بداية ولا نهاية سن الحيض.

وتقدم معنا أن هذا الاستدلال سيتكرر معنا في باب الحيض مراراً ولذا ينبغي على طالب العلم أن يفهمه.
• ثم قال ’: ولا مع حمل.
ذهب الحنابلة وهو اختيار ابن حزم أن الحامل لا تحيض وأن ما تراه من دم لا يعتبر حيضاً وإنما يعتبر دم استحاضة أو دم فساد.
واستدل الحنابلة وابن حزم على هذا القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض).
وجه الاستدلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الحيض علامة على براءة الرحم.
أي إذا وجد الحيض فالرحم بريء.
فلا يمكن أن يوجد الحيض إلا والرحم خال ليس مشغولاً بالحمل.
الدليل الثاني: أن الطب الحديث أثبت أن الدم الذي يخرج من الحامل لا يمكن أن يكون دم حيض.
والقول الثاني: أن الدم الذي تراه المرأة حيض.
وهو اختيار شيخ الاسلام وتلميذه رحمهما الله لأن الأصل في الدم الذي يخرج من المرأة أنه حيض.
فإذا وجد هذا الحيض وجدت أحكامه.
والراجح القول الأول وما ذهب إليه شيخ الاسلام ’ في هذه المسألة ليس بالقوي.
ومن أكبر ما يعتمد عليه الإنسان في ترجيح القول الأول هو ما توصل إليه الطب الحديث حيث أثبت بوضوح أن الدم الخارج من الحامل لا يمكن أن يكون حيضاً وليست له دم الحيض المعتاد.
• ثم قال ’: وأقله يوم وليلة.
أقل الحيض عند الحنابلة: يوم وليلة.
فإذا رأت المرأة دماً لأقل من يوم وليلة فلا يعتبر حيضاً وإنما كما تقدم يعتبر دم فساد أو استحاضة.
استدل الحنابلة على هذا القول بالأثر المشهور المروي عن علي بن أبي طالب - أن امرأة جاءت إليه وزعمت أن عدتها من الطلاق انتهت في شهر واحد وهذا يعني أنها حاضت في شهر واحد ثلاث مرات فقال علي - لشريح اقض فيها فقال شريح إن أتت بشاهد ثقة من أهلها قبل وإلا فهي كاذبة.
وجه الاستدلال: أن هذه المرأة لا يمكن أن تكون صادقة إلا إذا كانت حاضت يوم وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة فمجموع هذه الأيام تسعة وعشرين يوماً فصار أقل الحيض الذي يمكن أن تحيضه المرأة حسب هذا الأثر يوم وليلة إذا لا يمكن للمرأة أن تخرج من العدة بأن تحيض ثلاث مرات في شهر واحد إلا بهذه الكيفية.

القول الثاني: أنه لاحد لأقله.
وهو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله - فلو خرج الدم لأقل من يوم وليلة.
كأن يخرج يوم فهو حيض.
والدليل: ماسبق معنا أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما فإذا وجد الأذى وجدت أحكامه.
ثم ليس في الأدلة المرفوعة الصحيحة تحديد لأقل الحيض من حيث الزمن لا بيوم وليلة ولا أكثر ولا أقل.
وهذا القول الثاني: هو الصواب.
والجواب عن أثر علي بن أبي طالب - أن الأثر لم يحدد الأقل بمعنى أنه لم يعين أن ما أقل من يوم وليلة أنه لا يعتبر حيضاً.
• ثم قال - رحمه الله -: وأكثره خمسة عشر يوماً.
أكثر الحيض عند الحنابلة خمسة عشر يوماً.
فإذا زاد لم يعتبر الزائد حيضاً وإنما يعتبر استحاضة.
فإذا أتمت المرأة خمسة عشر يوماً وبدأت باليوم السادس عشر فإن الدم الذي في اليوم السادس عشر دم استحاضة.
تعليل الحنابلة: قالوا: أن ما زاد عن الخمسة عشر يوماً فهو أكثر الشهر.
والقاعدة تقول: الأكثر له حكم الكل.
فكأنها حاضت في كل الشهر.
وهذه هي المستحاضة.
وهذه المسألة مهمة ولذلك سنذكر فيها ثلاثة أقوال: القول الثاني أن أكثره سبعة عشر يوماً.
وهذا اختيار ابن حزم ورواية عن الإمام أحمد دليله.
قال أنه لا يوجد أحد من العلماء قال بأكثر من ذلك.
القول الثالث: أنه لاحد لأكثره فإذا حاضت خمسة عشر ستة عشر عشرين فما دام أن هذا الدم له صفات الحيض فيأخذ أحكام الحيض.
وهذا القول مروي عن بعض المالكية.
وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
وهذا القول - الثالث - من حيث الأدلة هو الأقوى.
والقول الأول من حيث العمل أضبط إذا يكاد الإنسان أن يضطر أحياناً إلى ما ذهب إليه الحنابلة وهو أن أكثره خمسة عشر فإنه لا ينضبط الأمر تماماً إلا بهذا القول.
إذاً من حيث الأدلة والأصول فإن القول الثالث هو الأقرب.
ولكن من حيث العمل والإنضباط فإن ما ذهب إليه الحنابلة هو الأقرب.
فإذا حاضت امرأة كل شهر سبعة عشر يوماً فما الحكم؟ نقول: الحكم:

  • عند شيخ الاسلام أن الجميع حيض.
  • عند الحنابلة: أنها تغتسل في اليوم الخامس عشر واليومان الزائدان هما استحاضة.
  • وعند ابن حزم فإن الجميع حيض.

فإذاً يستطيع الإنسان أن يطبق الواقع من حيث الدم الخارج من المرأة على الأقوال التي قيلت له في حكم المسألة.
• قال - رحمه الله -: وغالبه ست أو سبع.
أي أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام.
الدليل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمستحاضة تحيضي في علم الله ستة أيام أوسبعة أيام كما تحيض النساء وتطهر.
فهذا نص ولا إشكال فيه - في أن غالبه ستة أيام أو سبعة أيام لا إشكال فيه لا من حيث النصوص ولا من حيث الواقع.
• ثم قال - رحمه الله -: وأقل طهر بين حيضتين: ثلاثة عشر يوماً ولا حد لأكثره.
أقل طهر بين حيضتين: ثلاثة عشر.
فمعنى هذا أن المرأة إذا حاضت ثم طهرت ثم اغتسلت ثم جاءها الدم بعد عشرة أيام فإن هذا الدم لا يعتبر حيضاً.
لماذا؟ لأن أقل مدة بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً.
وهذه مسألة كبيرة.
وعليه لو اغتسلت امرأة فنقول لها أنه لا يمكن أن يأتيها الحيض على أقل تقدير - إلا بعد ثلاثة عشر يوماً وكل دم يأتيها قبل ثلاثة عشر يوماً فإنه يعتبر دم فساد أو استحاضة.
الدليل: الدليل أثر علي - السابق مع شريح فإنها طهرت لمدة ثلاثة عشر يوماً.
والقول الثاني: أنه لا حد لأقل الطهر بين حيضتين مهما تطاول عليها أو قصر فإن ما يأتيها من دم فهو حيض فإن جاءها بعد الاغتسال بيوم أو بيومين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر فإنه يعتبر حيضاً.
والدليل: ما تقدم أن الله ربط الحيض وأحكامه بوجوده فإذا وجد وجدت الأحكام.
ولذلك فإن هذه الآية تعتبر من أعظم الشواهد على إعجاز القرآن لما تحمله من أحكام كثيرة.
فإنه يستدل بها على عشرات المسائل.
وهذا القول الأخير هو القول الأقرب للصواب.
• قال - رحمه الله -: ولا حد لأكثره: يعني لاحد لأكثر الطهر بين حيضتين فإذا حاضت واغتسلت ولم يأتها الحيض إلا بعد ستة أشهر فهو حيض صحيح.
الدليل: الدليل: إجماع العلماء.
فإنه لم يخالف أحد في أنه لا حد لأكثره ثم الواقع يشهد لهذا فإن من النساء من لا تحيض في السنة إلا مرة.
ومن النساء من لا تحيض في السنة إلا مرتين فإنه سيكون بين كل حيضة وحيضة ستة أشهر.
• ثم قال - رحمه الله -: وتقضي الحائض: الصوم لا الصلاة، ولا يصحان منها بل يحرمان.
تقضي الحائض الصوم إذا صادف الصوم الواجب أيام حيضها ولا تقضي الصلاة التي مرت عليها في أيام الحيض.

الدليل على هذا من وجهين: الوجه الأول: حديث عائشة أنها قالت: - رضي الله عنها - أمرنا بقضاء الصوم دون الصلاة.
وهذا حديث صحيح.
الوجه الثاني: الإجماع.
لم يخالف أحد من العلماء في أن الحائض لا تقضي إلا الصوم دون الصلاة.
ثم الحكمة من ذلك: أن الصلاة تتكرر وتتعدد في اليوم الواحد فالأمر بقضائها فيه مشقة على المؤمنات بخلاف الصوم فإنه شهر واحد في السنة.
• قال - رحمه الله -: ولا يصحان منها بل يحرمان: الصوم والصلاة لا يصحان من الحائض وأيضاً يحرم عليها أن تأتي بهما، فإن صلت أو صامت عامدة عالمة فهي آثمة.
وتكون قد ارتكبت محرماً.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة.
فأمر أمراً بأن تترك الصلاة إذا أقبلت حيضتها.
ولما تواتر واشتهر ونقل عن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - نساء العهد التشريعي - أنهن كن لا يصمن ولا يصلين في أيام الحيض.
فهذا حكم محكم لا إشكال في ثبوته.
• ثم قال - رحمه الله -: ويحرم وطؤها: في الفرج، فإن فعل: فعليه دينار أو نصفه كفارة، ويستمتع منها بما دونه.

  • يحرم وطؤها في الفرج: يحرم على المسلم أن يطأ الحائض في فرجها لقوله تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة/222] فأمر باعتزال النساء في المحيض.
    ثم إن هذا الحكم محل إجماع أيضاً.
    والمحيض اسم للمكان الذي يخرج منه الحيض وهو: الفرج.
    فيكون معنى قوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي فاعتزلوا الفروج.

قال: فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفاره.
يحرم على الإنسان أن يطأ الحائض في فرجها فإن فعل فيترتب على هذا الفعل أمران: الأول: الإثم.
فعليه التوبة من ذلك.
الثاني: الكفارة.
وهي دينار أو نصف دينار.
والدليل على الكفارة: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - فيمن أتى الحائض أن عليه دينار أو نصف دينار.
وقد بينت روايات الحديث أن الدينار يكون وقت مجامعتها في فورة الدم وشدته.
أما نصف الدينار فيكون وقت مجامعتها في خفة الدم أو توقفه توقفاً مؤقتاً.
وهذا الحديث فيه اختلاف كثير ومتشعب جداً والأقرب للصواب أنه موقوف على ابن عباس ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

لذلك: القول الثاني في هذه المسألة وهو مذهب الجمهور أنه لا يجب عليه لا دينار ولا نصف دينار لضعف الحديث ولعدم وجود دليل يدل على وجوب هذه الكفارة.
والأحوط بلا إشكال المذهب أن يُكَفِّرَ الإنسان لماذا؟ أولاً: لأن هذا ثابت عن ابن عباس - رضي الله عنه -. ومثل هذا الحكم غالباً لا يقال من جهة الرأي فله حكم الرفع.
فلهذا السبب فإن الأحوط أن يُكَفِّر.
وقيمة هذه الكفارة في وقتنا المعاصر قيمة أربع جرامات وربع من الذهب فينظر في قيمتها ثم يخرجها صدقة وكفارة عن ذنبه ومع التوبلة كما تقدم.
فعرفنا الآن حكم الوطء وما يترتب عليه.
قال: ويستمتع منها بما دونه.
يعني ويستمتع الزوج من زوجته الحائض بما دون الفرج.
والدليل على هذا: حديث أنس في مسلم أن النبي ‘ قال اصنعوا كل شيء إلا النكاح.
ولأن النبي ‘ كان يأمر بعض أزواجه في الحيض أن تتزر ثم يباشرها.
وذكر بعض الفقهاء أن مباشرة الحائض أحياناً تكون من حسن العشرة.
لماذا؟ لأن الحائض في الغالب تكون قلقة نفسياً بسبب هذا التغير الجسدي الذي تمر به ولبعدها عن ذكر الله وعن الصلاة فمن المناسب مباشرة الزوج لها ليحصل لها الطمأنينة والسكينة.
وما ذكره الفقهاء في هذا الباب فإنه كلام صحيح ولا نقول أنه سنة لأنه قد تقدم معنا أن الإنسان لا يقول لأي عمل من الأعمال أنه سنة إلا إذا كان فيه نص صحيح مرفوع إلى النبي ‘ ولكن نقول هو من مكملات حسن المعاشرة - وسيأتي الكلام على هذا في باب عشرة النساء.
• ثم قال ’: وإذا انقطع الدم ولم تغتسل: لم يبح غير الصيام والطلاق.
إذا انقطع الدم عن الحائض ولم تغتسل فإنه يبقى كل شيء كان محرماً في وقت الحيض على تحريمه مالم تغتسل إلا في مسألتين: 1 - الصيام.
2 - والطلاق.
وذكر ابن القيم ’ قاعدة تضبط لطالب العلم فقه هذه المسألة فقال: الحائض إذا طهرت ولم تغتسل فحكمها حكم الجنب - تماماً في ما يحل ويحرم -. إلا في مسألة واحدة هي: الوطء.
فيجوز للجنب أن يعاود الوطء بلا اغتسال بينما لا يجوز للحائض أن توطأ إلا بعد الاغتسال.
الخلاصة: أن حكم الحائض إذا طهرت ولم تغتسل حكم الجنب تماماً في كل شيء إلا في مسألة واحدة وهي مسألة الوطء فيجوز للجنب ويحرم على الحائض.

نرجع إلى كلام المؤلف: • يقول ’: وإذا انقطع الدم ولم تغتسل: لم يبح غير الصيام والطلاق.
أما الصيام: فيباح بالنسبة للحائض إذا طهرت ولم تغتسل قياساً على الجنب فقد ثبت أن النبي ‘ كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم ثم يغتسل بعد الفجر فكذلك الحائض.
وأما الطلاق: فلحديث ابن عمر الثابت أن النبي ‘ قال لعمر - مره - ابن عمر - أن يطلقها طاهراً.
ومن توقف عنها الحيض فإنها تعتبر طاهرة.
إذاً إذا طهرت المرأة ولم تغتسل فإن الطلاق يقع عليها وهو صحيح بلا تحريم.
• ثم قال ’: والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي، فإن انقطع لأكثره فما دون: اغتسلت عند انقطاعه، فإن تكرر ثلاثاً: فحيض وتقضي ما وجب فيه.
هذه المسائل التي ذكرها المؤلف تعتبر من أشكل مسائل باب الحيض.
سيذكر المؤلف ’ ثلاثة أصول هي أصول المسائل: المسالة الأولى: سيذكر حكم المبتدأة.
والمسألة الثانية: سيذكر حكم المستحاضة المبتدأة.
والمسألة الثالثة: سيذكر حكم المستحاضة المعتادة.
وسيذكر تفاصيلاً لكل مسألة من هذه المسائل.
ونبدأ في الكلام على المبتدأة: • يقول ’: والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي: المبتدأة هي التي رأت الدم أول مرة وإن كانت كبيرة فإذا فرضنا أن امرأة لم يأتها الدم إلا وسنها ثلاثون - مثلاً - فهل تعتبر مبتدأة؟ الجواب: نعم.
إذاً نقول سواء كانت صغيرة أو كبيرة فإنها تعتبر مبتدأة مادام أن الدم يأتيها أول مرة.
لكن يشترط في الصغيرة شرط وهو أن تكون بلغت تسع سنين عند الحنابلة.
لأنه قال ’: لا حيض قبل تسع سنين.
والحنابلة عندهم تفصيل في مسألة المبتدأة فيقولون: إن المبتدأة إذا جاءها الدم فتجلس يوماً وليلة ثم بعد اليوم والليلة تغتسل وتصوم وتصلي ثم إذا توقف الدم لأكثره فما دون - أي لأكثر الحيض فما دون - فتغتسل مرة أخرى وتفعل هذا ثلاث مرات في ثلاثة أشهر.
ثم بعد الثلاثة أشهر تقضي ما كانت صلته في ما بين اليوم والليلة وانقطاع الدم لأكثره فما دون.
ولننتبه لكلام المؤلف: • يقول ’: المبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي:

أي أن المبتدأة إذا جاءها الدم لأول مرة فنقول اجلسي: أي دعي الصلاة والصيام وما يحرم على الحائض - اجلسي يوم وليله.
ثم بعد نهاية اليوم والليلة نقول لها: اغتسلي وصومي وصلي وإن استمر الدم.
لماذا يأمرونها أن تغتسل لأقله؟ يقولون: لأن مازاد لأقله مشكوك فيه فقد يكون حيضاً وقد يكون استحاضة.
وأن وجوب العبادة يقيني واليقيني مقدم على المشكوك فيه أو نقول اليقين لا يزول بالشك.
• ثم قال - رحمه الله -: فإن انقطع لأكثره فما دون: اغتسلت عند انقطاعه.
اغتسلت إذا انقطع: أي تغتسل مرة ثانية.
فمثلاً: إذا ابتدأ الدم مع هذه المرأة ثم مضى يوم وليلة ماذا نقول لها؟ اغتسلي وصلي.
ثم بعد مضي سبعة أيام انقطع الدم فماذا نقول لها؟ اغتسلي مرة أخرى.
• ثم يقول - رحمه الله -: فإن تكرر ثلاثاً: يعني هذا الشهر جلست يوم وليلة واغتسلت ثم أكملت سبعة أيام واغتسلت ثم الشهر الثاني جلست يوم وليلة واغتسلت ثم أكملت سبعة أيام واغتسلت والشهر الثالث كذلك فتبين حينئذ أن هذه السبعة أيام حيض فنقول لها إذا كنت صمت في الأشهر الثلاثة السابقة في هذه السبعة أيام: اقضي هذا الصوم لأنه تبين أن ما سبق حيض.
وأيضاً تقضي كل ما لا يجوز من الحائض كالطواف مثلاً فلو كانت قد طافت في هذه المدة فإنها تقضي الطواف مرة أخرى.
أما الصلاة فإنها لا تقضي الصلاة وإن كانت صلت لأنه تبين أنها كانت تصلي وهي حائض والصلاة لاتجب على الحائض أصلاً ولا يجب عليها أن تقضيها.
وهذا القول - هذا التفصيل - ثابت عن الإمام أحمد.
وهذا القول من أغرب مامر علي في ثبوته عن الإمام - رحمه الله - لأنه قول غاية في البعد وغاية في الضعف.
إذاً عند الحنابلة لا يثبت الحيض إلا إذا تكرر ثلاثة مرات ولا تترك الصوم والصلاة لمدة سبعة أيام إلا في الشهر الرابع.
ودليل الحنابلة: قالوا: الدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك.
فسماها أقراء وهي جمع والجمع لا يصدق إلا على الثلاث مرات.
الدليل الثاني: وهو تعليل - أن الحيض يسمى عادة والعادة لا ثبت بمرة وإنما تحتاج إلى أن تكرر ثلاث مرات لتصبح عادة.
القول الثاني: أنها تجلس من أول مرة كل الوقت مالم يتجاوز أكثره.
الدليل:

الأول: أن الله سبحانه وتعالى سمى الحيض أذى فإذا وجد وجدت أحكامه.
الثاني: - وهو دليل قوي - أنه يوجد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد كبير من النساء يعتبرن مبتدآت ولم ينقل أنهن كن يغتسلن بعد يوم وليلة وهذا دليل قوي جداً.
وهذا القول - الثاني - هو قول الجمهور وهو القول الأقرب للصواب إن شاء الله.
وإلى هنا انتهى الكلام عن المبتدأة.
وبدأ الكلام عن المبتدأة المستحاضة.
• قال - رحمه الله -: وإن عبر أكثره: فمستحاضة.
الاستحاضة: هو سيلان الدم في غير وقته من عرق في أدنى الرحم.
أما الحيض فقد تقدم معنا أنه يكون من عرق في أقصى الرحم.
واختلف الفقهاء اختلاف كثير في تحديد ماهية الاستحاضة.
وهي عند الحنابلة: ما تجاوز أكثر الحيض فإذا تجاوز الدم أكثر الحيض فهو استحاضة.
والقول الثاني: أن الاستحاضة هي كل دم لا يصلح أن يكون دم حيض ولا نفاس ولا فساد.
وهذا على القول بأن دم الفساد يختلف عن دم الاستحاضة.
والأقرب أن دم الفساد هو دم الاستحاضة.
• يقول - رحمه الله -: وإن عبر أكثره فمستحاضة: المستحاضة الكلام عن المستحاضة المبتدأة والمستحاضة المبتدأة لن يكون لها إلا تمييز ولن يكون لها عادة لأنه لم يسبق لها أن حاضت حتى يكون لها عادة مستقرة.
• فيقول المؤلف - رحمه الله -: فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود، ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله: فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني.
ذكر الفقهاء علامات يفرق بها الإنسان بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
ونحن نحتاج هذه العلامات لأن المرأة المستحاضة يفترض فيها أن الدم يجري معها دائماً ولذلك لا نستطيع أن نفرق بين الدم الذي هو استحاضة وبين الدم الذي هو حيض إلا بهذه العلامات والعلامات أربع هي باختصار: 1 - اللون.
2 - الرائحة.
3 - والثخونة.
4 - والتجمد.
1 - فلون الحيض: أسود.
ولون الاستحاضة: أحمر.
2 - رائحة الحيض: منتنة وسيئة.
ورائحة الاستحاضة: كرائحة الدم العادي.
3 - دم الحيض: ثخين - غليظ جداً.
ودم الاستحاضة: يسيل سيلان الدم العادي.
4 - دم الحيض: لا يتجمد.
ودم الاستحاضة: يتجمد كدم الجروح.
• قال - رحمه الله -: فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود، ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله: فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني.
إذا اكتملت هذه الشروط:

الشرط الأول: أن يكون مميزاً.
وذكر المؤلف هنا علامة واحدة وهي اللون ونحن ذكرنا أربع علامات فإذا كان مميزاً أي يمكن تمييزه بأحد العلامات الأربع وأيضاً لم يقل عن أقله ولم يكثر عن أكثره ولذلك يقول لم ينقص عن أقله ولم يعبر أكثره فإذا تحقق الشرطان فهذا الدم يعتبر حيضاً تجلسه في الشهر الثاني.
ويفهم من كلام المؤلف أنها تجلسه بلا تكرار أي أنه لا يحتاج الأمر إلى أن يتكرر معها الدم المتميز ثلاث مرات في ثلاثة أشهر وهذا هو مذهب الحنابلة أنها تجلسه بلا تكرار.
والقاعدة عندهم أنه مع التمييز لا نحتاج إلى التكرار.
لدليلين: الدليل الأول: أن التمييز يعين دم الحيض من الاستحاضة.
فلا نحتاج إلى التكرار لأنا قد علمنا أي الدمين يعتبر حيضاً وأيهما يعتبر استحاضة.
الدليل الثاني: قول النبي ‘ للمستحاضة (فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة ثم إذا أدبرت فاغتسلي وصلي) وفي رواية فإن دم الحيض دم أسود يعرف.
إذاً المبتدأة المستحاضة المميزة هل تحتاج إلى تكرار؟ الجواب: لا.
لا تحتاج إلى التكرار وإنما تجلس من أول مرة.
وقد أخذنا الأدلة.
انتهى المؤلف الآن عن المبتدأة المستحاضة المميزة.
سيبدأ الكلام عن المستحاضة المبتدأة غير المميزة.
لو رجعنا إلى قوله: والأحمر استحاضة أي أن الأسود حيض وتجلسه من ثاني شهر والأحمر استحاضة فيأخذ أحكام الاستحاضة التي ستأتي عند قول المؤلف: والمستحاضة ونحوها تغسل فرجها ... إلخ.
في آخر الباب.
• فقال ’: وإن لم يكن دمها متميزاً: جلست غالب الحيض من كل شهر.
إذا كانت المستحاضة ليس لها تمييز بأن كان الدم الذي يأتيها كله على صفة واحدة فإنها تجلس غالب الحيض.
وتقدم معنا أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام.
من كل شهر.
ولكن متى تبدأ الجلوس - في أي يوم فنحن علمنا أنه ستة أيام أو سبعة أيام ولكن من أي يوم؟ قالوا: تجلس من أول يوم بدأ معها الدم إن كانت تعرفه فإن جهلت أول يوم فإنها تجلس من أول الشهر الهلالي.

ويفهم من كلام المؤلف أنها تجلس بلا تكرار لأنه لم يذكر قضية التكرار وماذكره المؤلف هنا ليس هو المذهب فعبارة المؤلف هنا قاصرة إذ كان يجب عليه أن يذكر التكرار لماذا؟ لأن مذهب الحنابلة أن المستحاضة المبتدأة غير المميزة تجلس ثلاثة أشهر في كل شهر يوم وليلة فقط ثم بعد ثلاثة أشهر إذا تكررت الاستحاضة فتجلس في الشهر الرابع ستة أيام أو سبعة أيام.
إذاً هل تكرر أولا تكرر؟ الجواب: تكرر.
بينما يفهم من كلام المؤلف أنها تجلس من أول الأمر.
وماذكره المؤلف هنا خلاف المذهب ففي عبارته قصور ولذلك لا حظ عبارة المؤلف حيث يقول: وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر.
يعني بلا تكرار.
والصواب أنها تجلس بعد التكرار.
إذا قيل لك: المستحاضة المبتدأة غير المميزة كيف تكرر؟ فتقول: تجلس في الشهر الأول يوماً وليلة ثم في الشهر الثاني يوم وليلة ثم في الشهر الثالث يوم وليلة ثم في الرابع فتجلس ستة أيام أو سبعة أيام إما من أول يوم بدأ معها الدم أو إذا جهلت ذلك من أول الشهر الهلالي.
فتبين معنا الآن حكم المستحاضة المبتدأة غير المميزة عند الحنابلة.
والقول الثاني: أنها تجلس من أول الأمر ستة أيام أو سبعة أيام ولا تحتاج إلى تكرار.
واختار هذا القول عدد من المحققين وهو الصحيح إن شاء الله.
إذاً ما هي المسائل التي أخذناها الآن: المسألة الأولى: حكم المبتدأة عموماً.
الثانية: حكم المبتدأة المستحاضة المميزة.
الثالثة: حكم المستحاضة المبتدأة غير المميزة.

ثم الآن سيذكر المؤلف حكم المستحاضة المعتادة على تفصي المميزة وغير المميزة.
• لذلك يقول ’: والمستحاضة المعتادة ولو مميزة: تجلس عادتها وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز: فغالب الحيض.
يقول ’: والمستحاضة المعتادة ولو مميزة: تجلس عادتها: انتهى الكلام عن المبتدأة وبدأ الكلام عن المستحاضة المعتادة.
والمعتادة هي المرأة التي لها حيض وطهر صحيحان فهذه المعتادة إذا استحيضت فماذا تصنع؟ يقول ’: المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها.
الأحوال التي تتعرض لها المستحاضة ثلاثة:

  1. إما أن تكون معتادة.
  2. أو مميزة.
  3. أوتجلس غالب عادة النساء.

فعند الحنابلة: إذا كانت معتادة ومميزة يقدمون العادة على التمييز: المثال الموضح: إذا كانت امرأة عادتها أن تحيض ستة أيام من أول كل شهر ثم استحيضت فصارت ترى الدم الاسود من بداية اليوم الخامس عشر لمدة ستة أيام فاجتمع في حق هذه المرأة العادة والتمييز.
فهل حيض هذه المرأة يكون من أول الشهر أو من منتصف الشهر؟ عند الحنابلة: يكون من أول الشهر لأنهم يقدمون العادة على التمييز.
وهذا أيضاً مذهب الأحناف واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
الدليل: أن النبي ‘ قال للمستحاضة اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك وفي الحديث الآخر اجلسي أيام أقراءك.
وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ‘ رد هذه المستحاضة إلى عادتها ولم يسأل هل هي مميزة أو ليست مميزة.
والقول الثاني: أن التمييز مقدم على العادة.
لأن التمييز أمر يختص بذات الدم بخلاف العادة فهو يختص بوقته.
ولقول النبي ‘ فإنه دم أسود يعرف.
والراجح مذهب الحنابلة وحديث فإنه دم أسود يعرف هذا لفظ شاذ.
إذاً إذا اجتمع في حق المستحاضة المعتادة تمييز وعادة فنقدم على الصحيح العادة.
وهو مذهب الحنابلة.
• قال ’: وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح.
وإن نسيت العادة رجعنا إلى التمييز لكن يشترط في هذا التمييز أن يكون صالحاً.
والتمييز الصالح هو: أن لا ينقص الدم عن أقله ولا يزيد عن أكثره.
مثال يوضح: إذا كانت المرأة المستحاضة يأتيها دم أسود منتن ثخين لا يتجمد لكنه لا يستمر معها إلا يوماً واحداً فهل يعتبر حيضاً عند الحنابة؟ لا.
لأنه غير صالح.
باعتبار أنه نقص عن أقله.
وإذا كان هذا الدم بهذه الصفات يأتيها أكثر من خمسة عشر يوماً فلا يعتبر أيضاً حيضاً.
إذاً إذا قيل لك ما هو التمييز الصالح؟ فتقول: هو الذي لا ينقص عن أقله ولا يزيد عن أكثره.
وأما الدليل على الرجوع إلى التمييز إذا لم يكن لها عادة أو كان لها ولكن نسيتها فهو: الأدلة السابقة.
(فإذا أقبلت الحيضة) وإقبالها يعرف بصفاتها.
وحديث (فإنه دم أسود يعرف) وإن كان ضعيفاً لكنه دليل استدل به الحنابلة.
وهذا لا إشكال فيه: أنه إذا لم يكن لها عادة فترجع إلى التمييز.
انتهى المؤلف الآن من الكلام عن المستحاضة المعتادة المميزة أول المعتادة.

انتقل إلى القسم الآخر وهي المستحاضة المعتادة التي ليس لها عادة ولا تمييز أي نسيت العادة وليس لها تمييز.
• فقال ’: فإن لم يكن لها تمييز: فغالب الحيض.
كالعالمة بموضعه الناسية لعدده.
بدأ المؤلف الكلام عن المستحاضة التي تسمى المتحيرة وهي المستحاضة التي نسيت عادتها وليس لها تمييز.
فتسمى متحيرة لأنه لا عادة لها ولا تمييز.
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الناسية لموضعه وعدده.
يعني إذا كانت المرأة المعتادة تحيض لمدة ستة أيام من أول الشهر ثم استحيضت ونسيت الموضع والعدد فهذا القسم الأول.
حكمها: أنها تجلس غالب الحيض من أول الشهر.
والموضع يقصد به: الأيام التي كانت تحيضها في الشهر في أوله أو وسطه أو آخره.
القسم الثاني: الناسية للعدد الذاكرة للموضع.
مثاله: امرأة تقول أن الحيض كان يأتيها في أول الشهر لكنها نسيت كم يوماً كان يأتيها.
فهذه المرأة نسيت الأيام وذكرت الموضع فتجلس من موضعها غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام.
القسم الثالث: قسمة عقلية: الذاكرة للعدد الناسية للموضع.
فهذه المرأة تقول كان الحيض يأتيها لمدة ستة أيام لكن لا أذكر هل كان يأتي في أول الشهر أو في وسط الشهر أو في آخر الشهر فنقول: تجلس العدد من أول الشهر.
إذاً إذا أردت أن تفهم المتحيرة مع الأقسام فعندنا الموضع والعدد.
فنخرج من الموضع والعدد ثلاثة أقسام:

  1. إما أن تنسى الموضع والعدد.
  2. أو تنسى العدد وتذكر الموضع.
  3. أو تنسى الموضع وتذكر العدد.
    ثلاثة أقسام وقد عرفنا حكم كل قسم منها.
    الدليل على هذا كله قول النبي ‘ تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء وتطهر.
    المؤلف ’ ذكر الأقسام: فقوله: فإن لم يكن لها تمييز: فغالب الحيض: فهذه التي قد نسيت العدد والوقت.
    القسم الأول.
    وقوله: كالعالمة بموضعه الناسية لعدده: هذه التي نسيت العدد وذكرت الموضع.
    القسم الثاني.
    وقوله: وإن علمت عدده ونسيت موضعه.
    هذا القسم الثالث.
    فهذه الأقسام ذكرها الماتن ’ ونحن لخصناها تسهيلاً.
    هنا مسألة: يقول المؤلف ’: وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه: جلستها من أوله

هذه امرأة تقول أنها تذكر أن الحيض كان يأتيها في منتصف الشهر لكن لا تذكر هل كان يأتي في اليوم الخامس عشر؟ أو في اليوم العشرين؟ أو في اليوم الخامس والعشرين؟ فهي تذكر أنها في منتصف الشهر لكن لاتدري في أي يوم منه.
فعند الحنابلة ترجع إلى أول الشهر فنقول اجلسي من أول الشهر الهلالي ولذلك المؤلف يقول هنا: ولو في نصفه جلستها من أوله.
والقول الثاني: أنها تجلس من أول منتصف الشهر فتبدأ من اليوم الخامس عشر.
لأن هذا أقرب لعادتها.
• يقول - رحمه الله -: كمن لا عادة لها ولا تمييز.
كمن: يعني: كالمبتدأة.
التي لا تمييز لها فذكرنا في المبتدأة التي لا تمييز لها أنها تجلس غالبه من أول الشهر على ما تقدم من تفصيل في مسألة المبتدأة المستحاضة.
انتهى الآن الكلام على هذه المسائل.
المبتدأة ثم المستحاضة المبتدأة المميزة ثم المستحاضة المبتدأة غير المميزة ثم المستحاضة المعتادة المميزة ثم أخيراً المستحاضة المعتادة المتحيرة.
فهذه الأقسام هي التي أراد المؤلف أن يوضحها وتقدم الكلام عليها.
انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى.
• قال - رحمه الله -: ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت: فما تكرر ثلاثاً فحيض.
• من زادت عادتها: مثاله: امرأة كانت تحيض أربعة أيام ثم في هذا الشهر زادت فصارت تحيض ستة أيام.
• أو تقدمت: مثاله: من كانت تحيض في آخر الشهر ثم في هذا الشهر حاضت في أوله.
• أو تأخرت: مثاله: من كانت تحيض في أول الشهر ثم صارت تحيض في آخره.
فالمسائل ثلاث: زيادة وتقدم وتأخر.
الحكم: الحكم عند الحنابلة: أن الحيض لا يثبت حكمه إلا إذا تكرر ذلك ثلاث مرات ثم تجلس في الرابعة مثاله: امرأة كانت تحيض أربعة أيام ثم في هذا الشهر حاضت ستة أيام: نقول لها: إذا انتهت الأربعة أيام اغتسلي وصلي وصومي.
ثم إذا انتهت ستة أيام.
اغتسلي مرة أخرى وافعلي هذا ثلاث مرات ثم في الشهر الرابع ثبتت العادة واقضي ما كنت صمتيه فيما بين اليوم الرابع والسادس.
وهذا كالتفصيل الذي ذكرناه تماماً في مسألة المبتدأة.
• قال - رحمه الله -: وما نقص عن العادة طهر.

إذا كانت تحيض أربعة أيام ثم في هذا الشهر طهرت في اليوم الثالث فتغتسل وتصلي بلا إشكال لقول ابن عباس -: (ثم مارأت الطهر فإنه تغتسل) وهذا لا إشكال فيه.
• ثم قال ’: وما عاد فيها جلسته.
وما عاد فيها جلسته يعني: في العادة.
جلسته يعني: تركت فيه الصلاة.
مثاله: إذا كانت امرأة عادة يستمر معها احيض لمدة ستة أيام ثم في هذا الشهر لما جاء اليوم الثالث طهرت فماذا نقول لها؟ اغتسلي وصلي.
ثم في اليوم الرابع رجع الدم.
فهل رجع الدم في العادة أو بعد العادة؟ في العادة.
فنقول: اجلسي: أي لا تصلي ولا تصومي.
وتأخذ أحكام الحائض.
هذا معنى قوله: وما عاد فيها يعني: إذا عاد الدم في الحيض فإنها تجلس.
• ثم قال ’: - - وهذه مسألة مهمة - -. والصفرة والكدرة في زمن العادة: حيض.
الحنابلة والأحناف وهو مذهب الإمام البخاري أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض.
فإذا جاءت المرأة صفرة أو كدرة في زمن العادة في الأيام التي هي عادة تحيضها فيعتبر حيضاً.
الدليل: الدليل الأول على هذه المسألة: حديث أم عطية.
(كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً).
مفهومه أن الصفرة والكدرة قبل الطهر يعتبر حيضاًَ.
الدليل الثاني: أن عائشة ثبت عنها في صحيح البخاري أن النساء كن يرسلن لها بالقطن فيه شيء من صفرة أو كدرة فتقول لا تعجل حتى ترين القصة البيضاء.
معنى الحديث: أن النساء في زمن عائشة إذا أصابهن صفرة وكدرة في آخر الحيض يرسلن إلى عائشة بالقطن الذي فيه الصفرة والكدرة ليسألنها هل طهرن فيغتسلن ويصلين أو لا؟ فتفتيهن عائشة بأن ينتظرن إلى نزول القصة البيضاء.
وهذا دليل على أن زمن الصفر والكدرة يعتبر حيضاً.
والقول الثاني: أن الصفرة والكدرة لا يعتبر شيئاً مطلقاً.
والقول الثالث: أن الصفرة والكدرة يعتبر حيضاً مطلقاً ولو في خارج أيام العادة.
ولا نريد أن نطيل في النقاش والخلاف في أدلة القول الثاني والثالث.
لأن الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة واختيار البخاري كما تقدم.
وهو أنه في زمن العادة يعتبر حيضاً.
وفيما عداه لا يعتبر شيئاً.
• ثم قال ’: ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاءً: فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر أكثره.

إذا رأت المرأة يوماً دماً ويوماً نقاءً فالدم حيض والنقاء طهر.
لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى علق أحكام الحيض على وجوده فينتفي إذا انتفى ويثبت إذا وجد.
فإذا جاء الدم فهي حائض وإذا ارتفع فهي طاهر.
ولأن ابن عباس - يقول: وأما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل.
والقول الثاني: أن النقاء إذا كان أقل من يوم فلا ينظر إليه لأمرين: الأول: أن في الإلزام بالاغتسال للتوقف لمجرد يوم مشقة.
الثاني: أن من عادة الدم أنه يجري تارة ويتوقف تارة فهذا أمر معتاد.
والأقرب والله أعلم القول الثاني وإليه ميل ابن قدامة ’. أن التوقف لأقل من يوم فلا ينظر إليه.
تنبيه مهم جداً ذكره الفقهاء: المقصود بالنقاء هنا: أن تحتشي المرأة قطناً في فرجها ويخرج بلا تلويث وليس النقاء هو عدم جريان الدم إذ أن جريان الدم قد يتوقف لكن لو احتشت بالقطن لخرج مليئاً.
فالفقهاء يريدون المعنى الأول وهو أن تحتشي فيخرج بلا دم.
• قال ’: والمستحاضة ونحوها: تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة.
يريد المؤلف أن يبين أحكام المستحاضة.
المستحاضة يقصد بها كما تقدم: المرأة التي يستمر معها الدم أكثر الشهر.
ومقصوده بقوله ونحوها: من به سلس بول مثلاً أو به جرح مستمر خروج الدم منه.
وبصفة عامة من حدثه دائم.
فكل شخص يكون حدثه دائم فحكمه حكم المستحاضة.

ماذا تصنع المستحاضة؟ • يقول المؤلف ’: تغسل فرجها: غسل الفرج واجب عند الحنابلة لقول النبي ‘ في حديث المستحاضة فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي.
فقوله فاغسلي عنك الدم صريح بأن المستحاضة إذا أرادت أن تصلي فتغسل الدم الذي في فرجها.
• قال ’: وتعصبه والعصب هو: ربط الفرج بقطنه ونحوها لأن لا يخرج ما يلوث البدن أو الثوب أو البقعة.
الدليل عليه: أيضاً أن النبي ‘ قال للمستحاضة فتلجمي.
تنبيه: لا يلزم المستحاضة أن تفعل هذا الأمر وهو غسل الفرج وتعصيبه في كل مرة وإنما يكتفى بفعله مرة واحدة.
وهذا هو اختيار الحافظ ابن رجب أنها تفعله مرة واحدة ولا يجب عليها أن تكرر كل ما أرادت أن تصلي.
ثم قال ’: وتتوضأ لوقت كل صلاة.

يجب على المستحاضة عند الحنابلة بل والجمهور أن تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة.
هذا إذا كان خرج شيء من الحدث الدائم فإنه إذا خرج شيء فيجب عليها إذا دخل وقت الفريضة الثانية أن تتوضأ.
الدليل: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة (ثم توضأي لكل صلاة) قال الفقهاء المراد بقوله لكل صلاة أي لوقت كل صلاة.
هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن هذا مروي عن الصحابة.
القول الثاني: أن من حدثه دائم لا يلزمه أن يتوضأ من هذا الحدث الدائم.
فوجوده كعدمه وهذا مذهب المالكية واختيار شيخ الاسلام - رحمه الله -. قالوا: لأنه لا دليل على وجوب الوضوء.
وحديث توضأي لكل صلاة ضعيف.
ثم استدلوا بأمر آخر وهو أنه لا فائدة من الوضوء لحدث يستمر خروجه.
وهذه مسألة مهمة جداً وحاجة الناس إليها كثيرة وهي هل يلزم من حدثه دائم كمن به سلس بول أو سلس ريح أو المستحاضة بالنسبة للنساء هل يلزمهم أن يتوضأوا عند دخول وقت كل صلاة؟ فكما رأينا الخلاف فيه.
والراجح القول الثاني لأنه أقرب للنصوص وفيه توسعة للناس إلا إذا ثبت ما ذكره بعض الفقهاء أن وجوب الوضوء محل إجماع من الصحابة فإذا ثبت هذا فلا شك أن مذهب الحنابلة هو الراجح.
لكن إذا لم يثبت هذا فقول المالكية الذي اختاره شيخ الاسلام وهو عدم الوجوب.
هو الراجح.
إذاً يلزم المستحاضة إذا أرادت أن تصلي ثلاثة أشياء: 1 - أن تغسل الفرج.
2 - وتعصبه.
3 - وأن تتوضأ لوقت كل صلاة.

  • تعريف الصفرة والكدرة: الصفرة: ماء أصفر يشبه ماء الجروح.
    والكدرة: سائل فيه أمشاج (يعني: خيوط من الدم) من الدم بني اللون في الجملة.
    وفي تعريفهما خلاف كثير وهذا التعريف هو أقربها.
    انتهى الدرس،،،

• قال - رحمه الله -: وتصلي فروضاً ونوافل.
مقصود الحنابلة أنها إذا فعلت الطريقة السالفة من غسل الفرج وعصبه والوضوء فتستطيع أن تصلي بهذا الوضوء فروضاً ونوافل عديدة مالم تحدث حدثاً غير الحدث الدائم.
خلافاً للشافعية الذين يرون أنها يجب أن تتوضأ لكل فريضة وتمسك الشافعي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوضأي لكل صلاة فهذا نص في أن الوضوء يكون لكل صلاة.
وتقدم معنا أن هذا اللفظ شاذ وأن الصواب عدم ثبوته في حديث المستحاضة.
• ثم قال - رحمه الله -: ولا توطأ إلاّ مع خوف العنت.
يرى الحنابلة أنه لا يجوز أن توطأ المستحاضة إلا في صورة واحدة إذا خشيت من العنت أو خشي هو من العنت.
والعنت يعني المشقة الحاصلة بسبب ترك الوطء فإذا حصلت مشقة بسبب ترك الوطء لها أو له جاز حينئذ أن تجامع المستحاضة.
واستدلوا على هذا: بأن الله سبحانه وتعالى منع من وطء الحائض لوجود الأذى وهو الدم قالوا فكذلك دم المستحاضة يعتبر أذى.
والقول الثاني للجماهير وهو جواز وطء المستحاضة.
واستدلوا على هذا: بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على التحريم.
ثانياً: أنه قد استحيضت عدد من النساء - ثلاث أو أكثر - في العهد النبوي ولم يأمرهن - صلى الله عليه وسلم - بترك الجماع.
ثالثاً: جاء في أحاديث مجموع أسانيدها يرقى إلى درجة الحسن أن أزواج بعض المستحاضات كانوا يطأون المستحاضة.
وهذا القول - جواز وطء المستحاضة - هو القول الصواب إن شاء الله.
وليس مع المانعين دليل صحيح.
• ثم قال - رحمه الله -: ويستحب غسلها لكل صلاة.
عند الحنابلة يستحب للمستحاضة أن تغتسل إذا أرادت ن تصلي ولا يجب عليها ذلك.

دليل الاستحباب ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة - رضي الله عنها - أنها لما استحيضت سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة.
والقول الثاني: وجوب الاغتسال لكل صلاة استدلالاً بحديث أم حبيبة - وهو في الصحيحين -. والجواب عليه: أن الأئمة كالليث ابن سعد والشافعي وغيرهما من الأئمة حملوا اغتسال أم حبيبة على أنه شيء كانت تفعله من عند نفسها تورعاً واحتياطاً وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها إلا بالاغتسال عند انتهاء الحيض فقط وأما الاغتسال لكل صلاة فشيء كانت تفعله هي بدون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا هو الصواب.
أي أن الاغتسال مستحب وأن الحديث لايدل على الوجوب.
فقول عائشة في الحديث - الراوية عن أم حبيبة في الصحيحين - فكانت تغتسل لكل صلاة دليل على أن هذا الاغتسال إنما هو من قبلها هي - رضي الله عنها - ولم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
انتهى المؤلف من الكلام عن المستحاضة وانتهى بذلك من الكلام على نوعين من أنواع الدماء وهما الحيض والاستحاضة وشرع في النوع الثالث وهو النفاس.
• فقال - رحمه الله -: وأكثر مدة النفاس: أربعون يوماً.
النفاس: مشتق في لغة العرب من التنفيس وهو تفريج الكربة.

أو مشتق من التنفس وهو الخروج من الجوف سواء كان خروج النفس أو غيره.
فهو مشتق من أحد هذين الأمرين.
والاشتقاق اللغوي مهم جداً في تصور الحكم الشرعي ومهم كما سيأتينا بالذات في هذه المسألة أحياناً في الترجيح فإنه يساعد أحياناً على الترجيح.
وأما في الشرع: فالنفاس هو: الدم الذي يرخيه الرحم بسبب الولادة.
• قال ’: وأكثر مدة النفاس: أربعون يوماً.
هذا هو المذهب وهو قول الجماهير وحكي إجماعاً أن أكثر مدة النفاس أربعون يوما.
وللجماهير أدلة: - وهذه المسألة غاية في الأهمية وتكثر حاجة النساء إليها - الدليل الأول: ما روي عن أم سلمة (أن النفساء في عهد النبي ‘ كانت تجلس أربعين يوماً).
وهذا الحديث له طرق كثيرة لا تخلو من ضعف لكنه بمجموع الطرق يصل إلى التحسين لا سيما وأن البخاري ’ أثنى على هذا الحديث.
وعليه هو حديث صالح للاستدلال.
الدليل الثاني: ماصح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النفساء تجلس نحواً من أربعين.
الدليل الثالث: أن هذا مروي عن عدد من أصحاب النبي ‘ ورضي عنهم.

القول الثاني: أنه لاحد لأكثر النفاس فما دام الدم باقياً بصفاته المعروفة فهو نفاس وإن طالت المدة حتى قال شيخ الاسلام خمسين أو ستين أو سبعين يوماً.
وهو الذي اختاره شيخ الاسلام ’. والقول الثالث: أن أكثر مدة النفاس ستين يوماً وهو مذهب لبعض الفقهاء المتقدمين والمتأخرين.
ودليلهم أن هذا أكثر ما قيل.
وأرجح هذه الأقوال وأوقواها وأحراها بالدليل وأقربها لفقه الصحابة القول الأول.
وأضعف هذه الأقوال عند عدد من الفقهاء القول بستين.
بناء على هذا القول الراجح إذا بلغت المرأة أربعين يوماً في النفاس فإنها تغتسل ولو كان الدم يجري على صفته وهيئته تماماً فتغتسل وتصلي وتصوم وتعمل عمل الطاهرات وإن كان الدم باقياً على صفته المعروفة باعتبار أن أصحاب النبي ‘ كانوا يرون أن الأربعين هي نهاية النفاس.
• ثم قال ’: ومتى طهرت قبله: تطهّرت وصلّت.
لما بين المؤلف أكثر النفاس بين أقله.

فهذه العبارة تعني: أنه لاحد لأقله وهذا باتفاق الأئمة الأربعة.
فمتى طهرت دون الأربعين اغتسلت وصلت لأنه كما تقدم معنا أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فإذا توقف الدم توقفت أحكامه.
• ثم قال ’: ويكره: وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير.
إذا توقف الدم قبل نهاية الأربعين واغتسلت وصلت فيكره في هذه الحالة عند الحنابلة ولا يحرم أن يطأ الرجل زوجته إلى تمام الأربعين.
واستدلوا على هذا: بالأثر المروي عن عثمان بن أبي العاص أنه كان يقول لزوجته لا تقربيني ما دامت الأربعين.
وهذا الأثر فيه راو مجهور.
والقول الثاني: الجواز بلا كراهة.
وهذا القول هو الصواب لأنه مادام أنا قد حكمنا عليها أنها طاهرة وتصلي فمن باب أولى جماع الزوج.
والقول الثالث: توسط شيخ الاسلام ’ فقال: لا ينبغي أن توطأ.
فلم يقل أنه يكره أو أنه يجوز بلا كراهة ولكن توسط فقال لا ينبغي.
وقوله ’ وجيه فما دام أن في الباب أثر وإن كان في إسناده ضعف فإنه يصلح أن نقول أنه لا ينبغي ولا نطلق الكراهة لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل ثابت ولا دليل في هذا الباب.
• ثم قال ’: فإن عاودها الدم: فمشكوك فيه، تصوم وتصلي وتقضي الصوم الواجب.
إذا عاودها الدم فيها: الضمير يعود على الأربعين.
فإذا رجع الدم في مدة الأربعين فحكمه أنه مشكوك فيه.
ومعنى أنه مشكوك فيه: أي أن هذا الدم يتردد الإنسان هل هو دم نفاس أو دم فساد؟.
وبناء على أن هذا الدم مشكوك فيه قال: تصوم وتصلي وتقضي الصوم الواجب.
فذكر حكمين: الأول: أنها تصوم وتصلي.
والثاني: أنها تقضي الصوم.
دليل أنها تصوم وتصلي أن العبادة واجبة بيقين وهذا الدم مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك.
ولماذا تقضي؟ قالوا: تقضي احتايطاً لاحتمال أن يكون هذا الدم نفاس فيكون الصوم باطل.
وفي الحقيقة قول الحنابلة هنا مركب فيأمرونها أن تصوم وتصلي وفي نفس الوقت يأمرونها بعد انتهاء الأربعين وتوقف الدم أن الصيام.
والقول الثاني: أن الدم إذا رجع فإنه يعتبر نفاس فلا تصوم ولا تصلي.
اختار هذا القول المجد وابن قدامة.
لأنه دم صادف وقت النفاس فيكون نفاساًَ.

وهذا القول هو الصواب ومذهب الحنابلة ضعيف أو ضعيف جداً باعتبار أنهم يلزمونها بالعبادة ويلزمونها بالقضاء.؟ • ثم قال ’: وهو كالحيض فيما: يحل ويحرم ويجب، ويسقط.
أما أن النفاس كالحيض في الأحكام فيما يحل ويحرم ويجب .. الخ.
فهذا محل إجماع إلا ما استثنى المؤلف التي سيأتي ذكرها.
لكن الأصل والقاعدة أن النفاس له نفس أحكام الحيض تماماً.
والدليل: الإجماع.
• يقول فيما يحل: كالاستمتاع فيما دون الفرج.
فكما أنه يحل في الحيض فإنه يحل في النفاس.
• قال ويحرم: كالوطء في الفرج وكالصيام والصلاة.
• قال ويجب: كالغسل وكفارة الوطء أثناء النفاس وما قيل في تفاصيل كفارة الوطء في الحيض هو نفسه يقال في كفارة الوطء أثناء النفاس.
• قال ويسقط: كوجوب الصلاة.
الخلاصة: أن الحيض كالنفاس.
والدليل الإجماع.
• ثم ذكر ’ ما يستثنى فقال: غير العدة والبلوغ.
المسألة الأولى: العدة: العدة تنتهي بالحيض ولا تنتهي بالنفاس.
فمثلاً: معلوم أن عدة المطلقة ثلاث حيض فتخرج المرأة من العدة بالحيض.
أما النفاس فلا تنتهي به العدة لماذا؟ لأن الطلاق:

  • إن كان أثناء الحمل فالعدة تنتهي بوضع الحمل.
  • وإن كان الطلاق بعد الولادة فإن العدة ستكون بالحيض فلا دخل للنفاس في العدة مطلقاً.
    وهذا أمر متفق عليه.
    فإذا طلق الإنسان امرأته أثناء النفاس فتعتد بثلاث حيض وهذا الدم الموجود أثناء الطلاق في النفاس ليس له أي علاقة بمسألة عدة الطلاق.
    وسيأتينا حكم الطلاق أثناء النفاس.
    المسألة الثانية: البلوغ.
    البلوغ لا يحصل بالنفاس.
    لماذا؟ لأنه حصل بالإنزال السابق.
    ما معنى هذا؟ معناه أن المرأة لا يمكن أن تحمل إلا إذا أنزلت ماءً وهو مني المرأة فسيكون البلوغ بهذا الإنزال لا بالنفاس.
    إذاً إذا قيل لك: هل يحصل البلوغ للمرأة بالنفاس؟ فتقول: لا.
    لا يحصل.
    لأن البلوغ حصل بالإنزال السابق الذي حصل منه حمل حصل منه النفاس.
    انتهت الآن المسائل المستثناة.

يضاف أنه يستثنى مسألة الإيلاء - فهناك فرق بين الحيض والنفاس في مسألة الإيلاء.
أو بعبارة أدق: مدة الإيلاء.
فإن الحيض يحسب من مدة الإيلاء دون النفاس.

والإيلاء هو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أربعة أشهر فأكثر.
أو على الراجح: أكثر من أربعة أشهر.
فإذا آلى الرجل من زوجته - يعني حلف أنه لا يطأها فنقول: ننظرك مدة أربعة أشهر إذا انتهت فإما أن تطأ أو تطلق إذا طلبت الزوجة.
فهذا الأربعة أشهرفيحسب منها مدة الحيض ولا يحسب منها مدة النفاس.
فإذا ولدت زوجة الرجل في تاريخ 1/ 1 وحلف أن لا يطأها بعد الولادة فنحتاج لمدة أربعة أشهر شهر 1 و 2 و 3 و 4 فإذا انتهت الأربعة أشهر فماذا يبقى عليه؟ يبقى عليه أربعون يوماً لأن مدة النفاس لا تحسب.
المسألة الرابعة: الطلاق.
فالطلاق عند الحنابلة لا يوجد فرق فيه بين الحيض والنفاس فكما يحرم في الحيض فإنه يحرم في النفاس.
وهذا مذهب الحنابلة وهو اختيار ابن القيم - رحمه الله -. والقول الثاني: أن هناك فرقاً بين الحيض والنفاس فيحرم الطلاق في الحيض ويجوز في النفاس.
لماذا قالوا بالجواز؟ قالوا: لأن الشارع حرم الطلاق في الحيض لأن العدة تطول على المرأة فمن المعلوم أن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة.
فتطول العدة على المرأة.
بينما في النفاس إذا طلق الرجل زوجته في أثناء النفاس أو بعده فالأمر واحد لأن العدة تحسب بالحيض الذي يأتي بعد النفاس.
إذاً لم تطل العدة عليها.
والأقرب المذهب لأن هذا مذهب أكثر أهل العلم فكثير من أهل العلم لم يذكروا فرقاً بين الحيض والنفاس في أي مسألة وإنما التفريق هو مذهب الأحناف فقط فهم الذين يفرقون في مسألة الطلاق بين الحيض والنفاس.
إذاً إذا قيل لك هل يوجد فرق بين الحيض والنفاس في مسألة الطلاق فماذا تقول؟ الجواب: عند الحنابلة: وهو الراجح أنه لا يوجد فرق.
والقول الثاني: أنه يوجد فرق وهذا مرجوح.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن ولدت توأمين، فأول النفاس وآخره: من أولهما الاعتبار في النفاس لمن ولدت توأمين من الأول منهما.
فبناء على هذا إذا ولدت المرأة توأمها الأول ثم بعد ثلاثة أيام ولدت التوأم الثاني فإنها ستطهر بعد أربعين يوماً من الولادة الأولى.
وهذا عند الحنابلة.
فالحنابلة يلغون الدم الخارج مع الولادة الثانية يقولون: لأن الثاني تبع للأول والتابع لا يفرد بحكم لأن القاعدة تقول التابع تابع.

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل