كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
قال لا إن أذن (فيه) فيه يعود إلى الخروج كلما شاءت , فإذا أذن فيه كلما شاءت فإنه لا يحنث إذا خرجت , لأنه أذن لها في الخروج إذناً مطلقاً , فكأنه نسخ عبارته الأولى وأذن لها في الخروج مطلقاً.
المسألة الثانية: إذا قال لها لا تخرجي إلاّ بإذن زيد , أو إن خرجت بغير إذن زيد فأنت طالق , ثم مات زيد فخرجت فإنها لا تطلق لماذا؟
التعليل: أنه يتعذر إذن زيد بموته.
فسقط الشرط وإلاّ لو بقي لبقيت في بيتها إلى الموت ,لأنّ إذن زيد لا يمكن الوقوف عليه بعد موته وهذا لا يتأتى إذاً نعدل إلى الثاني وهو سقوط إذن زيد وجواز الخروج.
فصل قال - رحمه الله - (إذا علقه بمشيئتها بـ (إن) أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى) إذا علقه بمشيئتها فقال متى شئت الطلاق فأنت طالق , فإنّ هذا التعليق يبقى أبداً لماذا؟ لأنّ ذكرنا في أول الفصل أنّ هذه الحروف تفيد التراخي أو الفور , تفيد التراخي مالم تقرن بكلمة لم , وهنا لم تقرن بكلمة لم فتفيد التراخي فيبقى هذا الحق ثابتاً لها دائماً وأبداً فمتى شاءت الطلاق في أيِّ وقت كان طلقت.
-
- مسألة / هل له أن يفسخ هذا التعليق فيقول لها لو شئت الطلاق لم تطلقي , وقد فسخت التعليق السابق؟
الجواب أنه ليس له أن يفسخ هذا التعليق , لأنّا أخذنا الخلاف في التعليقات وهو أنّ التعليقات لا تفسخ عند الجماهير فإذاً لا يملك الفسخ في هذه الصورة.
قال - رحمه الله - (وإن قالت: قد شئت إن شئت , فشاء لم تطلق) يعني قالت المرأة لزوجها قد شئتُ إن شئتَ , قال الزوج شئتُ تطلق أو لا تطلق؟ كلام المؤلف تطلق أو لا تطلق؟ لا تطلق لماذا؟ عللوه بتعليل لطيف جداً: قالوا لأنّ الطلاق معلقّ على مشيئة المرأة , والمرأة هنا لم تشاء وإنما علّقت المشيئة على مشيئة زوجها والمشيئة شيء والتعليق شيء آخر.
مع أنّ المتبادر إلى الذهن أنها تطلق أليس كذلك؟ يعني رجل قال لزوجته إن شئت فأنت طالق , فقالت قد شئتُ إن شئتَ فقال الزوج قد شئتُ , فعند الحنابلة لا تطلق مع إنّ المتبادر أنها تطلق , لكن الصحيح أنها لا تطلق وما ذكروه وجيه جداً , لأنه فرق بين التعليق وبين المشيئة.
ولو استمروا هكذا لصار البيت كله شئتُ وشئتِ وانتهى الوقت.
- مسألة / هل له أن يفسخ هذا التعليق فيقول لها لو شئت الطلاق لم تطلقي , وقد فسخت التعليق السابق؟
الجواب أنه ليس له أن يفسخ هذا التعليق , لأنّا أخذنا الخلاف في التعليقات وهو أنّ التعليقات لا تفسخ عند الجماهير فإذاً لا يملك الفسخ في هذه الصورة.
قال - رحمه الله - (وإن قال: إن شئت وشاء أبوك)
إذا قال إن شئت وشاء أبوك , طلقت فإنّ الطلاق لا يقع حتى يتحقق أمران: -
واحد /أن تشاء هي.
اثنان /ويشاء أبوها , لأنه عبر بالواو.
وقوله (أو زيد) لعّل مراد المؤلف أنه سواء علقّ المشيئة على أحد أقاربها , أو علقّ المشيئة على رجل أجنبي , يعني هذا تخريج لكلام المؤلف وإلاّ قوله أو شاء أبوك يغني عن قوله أو شاء زيد , ما الفرق بين العبارتين؟ إلاّ أنه كما قلت لعله أراد التفريق أو بيان أنه لا فرق بين أن يعلقه على مشيئة الأب وعلى مشيئة زيد , وهذا قد يقع من بعض الأزواج أن يعلق مشيئتها ومشيئة أبيها لأنه يعلم أنّ أباها رجل حكيم وعاقل فلن يوقع الطلاق إلاّ في وقته المناسب.
-
- مسألة / هل تعليق الطلاق على مشيئة الزوجة يدخل في الخلاف السابق الذي أخذناه في توكيل أو تمليك الزوجة الطلاق أو لا يدخل؟ لا يدخل لماذا؟ لأنّ هذا ليس بتمليك وإنما هو تعليق , كما أنه إذا علقّ على طلوع الشمس فليس بتمليك للشمس , أليس كذلك؟ وهكذا هنا نقول أنّ هذا ليس من تلك المسألة , فإذا قال إن شئت فأنت طالق وشاءت طلقت ولا تدخل في الخلاف السابق.
قال - رحمه الله - (وإن شاء أحدهما فلا) يعني إن قال إن شئت أو شاء أبوك فأنت طالق , فحينئذ إذا شاءت أو أبوها , يعني أحدهما فإنها تطلق ولا نشترط الجمع بل يكتفى بأحدهما.
قال - رحمه الله - (وأنت طالق وعبدي حر إن شاء الله وقعا) إذا قال لها أنت طالق وعبدي حر إن شاء الله , فإنه يقع الطلاق في الحال ويعتق العبد في الحال , التعليل: قالوا لأنه علق الطلاق على والعتاق على أمر لا يمكن أن يعلم فسقط الشرط وبقي الطلاق.
القول الثاني: أنه إذا قال لها هذه العبارة فإنها لا تطلق ولا يعتق العبد , وهذا مذهب لبعض الحنابلة واختاره شيخ الإسلام - رحمه الله - الدليل استدلوا بدليلين: - الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) الدليل الثاني: أنه علقه على صفة لا يمكن أن تعلم , والأصل بقاء النكاح.
فبقي ولم تطلق ولا يخفى إن شاء الله أنّ القول الثاني هو الراجح لأنّ دليله وتعليله قوي جداً.
- مسألة / هل تعليق الطلاق على مشيئة الزوجة يدخل في الخلاف السابق الذي أخذناه في توكيل أو تمليك الزوجة الطلاق أو لا يدخل؟ لا يدخل لماذا؟ لأنّ هذا ليس بتمليك وإنما هو تعليق , كما أنه إذا علقّ على طلوع الشمس فليس بتمليك للشمس , أليس كذلك؟ وهكذا هنا نقول أنّ هذا ليس من تلك المسألة , فإذا قال إن شئت فأنت طالق وشاءت طلقت ولا تدخل في الخلاف السابق.
قال - رحمه الله - (وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت)
إذا قال للمرأة إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله ثم دخلت فإنها تطلق لأنّ الدخول وجد , وأما المشيئة فهو شرط يسقط لعدم العلم به فتبيّن بهذا أنّ الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تماماً.
فإذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله فإنها ماذا؟ فإنها لا تطلق.
- يستثنى من هذا.
ما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله, أراد تحقيقاً لا تعليقاً فحينئذ فإنها تطلق لأنه لم يرد التعليق بالمشيئة وإنما أراد تحقيق الأمر وهذه العبارة من المستحسن للأزواج أن يستخدموها إذا أرادو الحلف بالطلاق.
فإذا أراد بعض الأزواج أن يمنع زوجته من أمر لا يريده فإنّ الأولى أن يقول إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق إن شاء الله , هي ستفهم التعليق وهو ينوي ماذا؟ وهو ينوي التعليق أيضاً هي ستفهم أنها إذا خرجت إلى السوق فإنها ستطلق وهو ينوي التعليق , والتعليق على القول الراجح يقع أو لا يقع به الطلاق لا يقع به الطلاق ولهذا نقول استخدام هذه العبارة يحصل فيها منفعة منع الزوجة مما يريد أن يمنعها وفي نفس الوقت عدم إيقاع الطلاق.
قال - رحمه الله - (وأنت طالق لرضى زيد أو مشيئته طلقت في الحال) إذا قال لها أنت طالق لرضى زيد أو مشيئته فإنها تطلق في الحال, لأنّ معنى العبارة أنت طالق لأنّ زيداً رضي بذلك أو لرضى زيدٍ بذلك فإن كان مقصوده التعليق يعني أنت طالق إن رضي زيد فإنها لا تطلق إلاّ إذا رضي , وإذا ادعى هذا في مجلس الحكم قبل منه لأنّ هذا اللفظ يحتمل هذا المعنى وهذا معنى قول الشيخ فيما بعد هذه العبارة.
يقول - رحمه الله - (فإن قال أردت الشرط قبل حكماً) ثم المسألة الأخيرة ... يقول - رحمه الله - (وأنت طالق إن رأيت الهلال , فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه وإلاّ طلقت بعد الغروب برؤية غيرها) إذا قال الزوج لزوجته إن رأيت الهلال فأنت طالق , فإما أن يريد إن رأيتيه بالبصر حقيقة , وإما أن يريد إذا دخل الشهر , فإذا كان مقصوده الأول فإنها لا تطلق حتى ترى الهلال , وإن كان مقصوده الثاني فإنها تطلق بأحد أمرين: -
1 - إما رؤية الهلال ... أو 2 - إكمال العدة ثلاثين يوماً
لأنّ الرؤية في الشرع تعني دخول الشهر اللاحق وهو يدخل إما برؤية أو بإكمال العدة , والرؤية المعتد بها عند الحنابلة هو أن يراه شخص آخر بعد غروب الشمس لأنه حينئذ يصدق عليه أنه رآه في الشهر اللاحق , فإذا رآه قبل غروب الشمس فلا عبرة برؤيته ولا تطلق.
القول الثاني: أنه بمجرد ما يراه الشخص الآخر فإنها تطلق لأنّ الطلاق معلقّ على الرؤية وقد وجدت , أيّ الرؤية الشرعية فإذا رؤي الهلال قبل مغيب الشمس بدقائق أو بأكثر أو بأقل فقد طلقت المرأة لأنه تحققت الرؤية الشرعية التي علقّ الطلاق عليها.
-
- مسألة أخيرة / قلت أنه ينبغي للزوج إذا أراد أن يعلقّ أن يقول إن شاء الله فهل هذه من الحيل المذمومة؟ لو قال قائل أنتم دائماً تقولون الحيل مذمومة في الشرع وهذا حيلة على عدم وقوع الطلاق المعلقّ فهل هذا من الحيل المذمومة التي نتحدث عنها مراراً أو ليست كذلك؟ الجواب أنها ليست كذلك.
التعليل أنّ الضابط عند شيخ الإسلام للحيل المذمومة.
هي التحيل على أمر لا يحبه الله ورسوله أما التحيل على أمر يحبه الله ورسوله فهو حيلة محمودة.
هنا الزوج أراد تحقيق أمرين: - الأول: منع زوجته من أمر يحبه هو.
... الثاني: عدم وقوع الطلاق.
وهذان الأمران محبوبان أو مكروهان للشرع؟ محبوبان إذا هو تحيل على أمر محبوب ولهذا صارت هذه الحيلة محمودة وليست مذمومة.
- مسألة أخيرة / قلت أنه ينبغي للزوج إذا أراد أن يعلقّ أن يقول إن شاء الله فهل هذه من الحيل المذمومة؟ لو قال قائل أنتم دائماً تقولون الحيل مذمومة في الشرع وهذا حيلة على عدم وقوع الطلاق المعلقّ فهل هذا من الحيل المذمومة التي نتحدث عنها مراراً أو ليست كذلك؟ الجواب أنها ليست كذلك.
الدرس: (6) من الطلاق
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فصل
قال - رحمه الله - (وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب , أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث)
جميع هذه المسائل ترجع إلى ضابط واحد , وهذا الضابط إذا حلف أن لا يفعل شيئاً ثم فعل بعضه فهل يحنث أو لا يحنث؟
فهذه المسألة فيها خلاف ,
فالمذهب كما ترون أنه لا يحنث إذا فعل بعض الذي حلف على تركه , فإذا حلف أن لا يخرج فخرج بعضه
أو أن لا يدخل فدخل بعضه , أو أن لا يشرب من هذا الإناء فشرب بعضه فإنه لا يحنث.
استدلّ الحنابلة بأدلة: -
الدليل الأول: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف ويخرج رأسه لعائشة لترجله , ولا يعتبر هذا خروجاً من المعتكف مع أنّ الخروج من المعتكف ممنوع.
من مكان الاعتكاف ممنوع , ومع ذلك لم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم خروج رأسه خروجاً هذا أولاً.
الدليل الثاني: أنّ فعل البعض لا يتحقق معه فعل الكل وهو إنما حلف أن يترك الكل.
القول الثاني: أنه إذا فعل بعض ما حلف على تركه فإنه يحنث.
واستدل هؤلاء على أنه يحنث أنّ حلفه على ترك الكل لا يتم إلاّ بتركه كله كالنهي , فالنهي مثلاً لا يتحقق امتثال النهي إلاّ بترك جميع المنهي.
والراجح مذهب الحنابلة , لحديث عائشة فإنه نص أنّ خروج البعض ليس خروجاً للكل ولا يحنث به الإنسان.
عرفنا إذا الخلاف في هذه المسائل التي ذكرها المؤلف.
ونحتاج قبل أن ننتقل إلى المسألة التالية إلى تنبيهين:
التنبيه الأول: أنّ محل الخلاف مالم ينو أو توجد قرينة على إرادة البعض.
فإذا قال والله لا أشرب هذا الإناء وفي نيته أن لا يشرب الإناء ولا بعض الإناء حينئذ إذا شرب بعضه يحنث.
هذا مثال النية
مثال القرينة إذا قال والله أشرب هذا النهر فإنه إذا شرب من النهر فإنه يحنث , والقرينة هي أنّ الإنسان لن يتمكن من شرب النهر فعلمنا أنّ مراده , أشرب من النهر هذا التنبيه الأول ,
التنبيه الثاني: قلت أنّ جميع المسائل لا يدخل داراً لا يلبس ثوباً لا يشرب ماء هذا الإناء كلها ترجع إلى ضابط واحد وذكرت الخلاف في هذا الضابط , يستثنى من هذا قول الشيخ المؤلف (لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه) فإنّ بعض الحنابلة - رحمهم الله -
يرون أنّ هذه المسألة غير داخلة في الخلاف السابق , فإذا لبس ثوباً فيه من غزلها فإنه يحنث مطلقاً وإلى هذا ذهب الشيخ المجد والمرداوي فاستثنوا هذه المسألة من المسائل السابقة, والصحيح إن شاء الله أنها لا تستثنى وأنّ هذه المسألة كالمسائل السابقة والمذهب في هذا أصح
ثم - قال رحمه الله - (وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط)
يقول الشيخ وإن فعل المحلوف عليه قصده بقوله وإن فعل المحلوف عليه يعني على تركه فإنه إذا فعله ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط.
إذا فعل الإنسان المحلوف على تركه ناسياً أو جاهلاً فإما أن يكون الحلف بالطلاق أو بالعتاق أو وهو الذي لم يذكره المؤلف باليمين.
والشيخ - رحمه الله - يقول (حنث في طلاق وعتاق فقط) يعني دون اليمين.
فإذا فعل الإنسان ما حلف على تركه ناسياً أو جاهلاً وكان الحلف يمين لم يحنث , وإن كان الحلف بالطلاق أو العتاق حنث , ففرقوا بين اليمين وبين الطلاق والعتاق.
دليل الحنابلة على هذا التفريق.
قالوا إنّ الكفارة في اليمين المقصود منها رفع الإثم ومع الجهل والنسيان لا إثم فلا تشرع الكفارة ولا الحنث تبعاً لها.
فكأنهم يقولون إذا فعله في اليمين لم يحنث ولم يأثم ولم يحتج إلى الكفارة.
أما في الطلاق والعتاق فقالوا أنّ الطلاق والعتاق يقصد منه إيقاع الطلاق وإيقاع العتاق عند وجود الصفة فهو معلق على صفة توجد بوجودها نسي أو ذكِر , كان جاهلاً أو عالماً , لأنها من باب ربط الأحكام بأسبابها متى وجدت الصفة وجد الطلاق ووجد العتاق.
والقول الثاني: أنه لا يحنث في جميع الحلف سواء حلف يمين أو طلاق أو عتاق , واستدلّ هؤلاء بقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة/286] وهو عام
وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان) وهو أيضاً عام.
وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وهو الصواب أنه لا فرق بين الطلاق والعتاق واليمين , الدليل الثاني لهذا القول أنه لم يقصد المخالفة فلم يترتب على حلفه حنث ولا كفارة, والخلاصة أنّ الصواب التسوية بين هذه الأيمان الثلاثة, الحلف بالطلاق والعتاق واليمين.
قال - رحمه الله - (وإن فعل بعضه لم يحنث إلاّ أن ينويه)
إن فعل بعضه لا يحنث لما تقدم معنا في القاعدة أنّ من حلف أن لا يفعل شيئاً ففعل بعضه فإنه لا يحنث , يقول الشيخ إلاّ أن ينويه فإذا نواه فإنه يحنث لأنّ المنوي الآن الكل والجزء فإذا فعل أياً منهما فقد حنث ووجبت عليه الكفارة , وهذه العبارة من الشيخ يعني يغني عنها العبارة الأولى إلاّ أنه أراد أن يضيف ماذا؟ إلاّ أن ينويه.
قيد النية.
وبقي عليه القيد الآخر الذي ذكرناه وهو ماذا؟ القرينة
قال - رحمه الله - (وإن حلف ليفعلّنه لم يبرَّ إلاّ بفعله كله)
إذا حلف أن يفعل الشيء فالحكم يختلف عن ما إذا حلف أن يترك الشيء , فإذا حلف أن يفعل الشيء فإنّ يمينه لا تكون بارّة إلاّ بفعل جميع الشيء فإن فعل بعضه وترك بعضه فإنه يحنث , والسبب في ذلك أنّ اليمين على فعل الشيء تتناول جميع الشيء, فلا يبرأ إلاّ بفعله وهذا التفريق جميل ودقيق فيجب على الإنسان أن يعرف الفرق بين أن يحلف على ترك الشيء وبين أن حلف على فعل الشيء.
فإذا قال والله لا أدخلنّ البيت.
ودخل برجله اليمنى فقط.
برّ يمينه أو لم يبرّ؟ لا يبرّ في هذا المثال.
لكن لو قال والله لا أخرج من البيت؟ وخرجت رجله.
فإنه لا يحنث فلا بد أن نفرق بين الحلف على الفعل والحلف على الترك وهو يشبه نوعاً ما الأوامر والنواهي.
فالأوامر علينا أن نأتي بها ما نستطيع منها , وأما النواهي فيجب أن نتركها كلها.
باب التأويل في الحلف
التأويل/ هو الذي نسميه التعريض.
فالمؤلف يريد أن يبيّن حكم التأويلات أو التعريض في الحلف.
وقول الشيخ باب التأويل في الحلف يشمل ما إذا حلف باليمين أو بالطلاق أو بالعتاق أو بالنذر أو بأيِّ حلف.
وقوله باب التأويل في الحلف أمثلته كثيرة:
من أمثلته أن يقول هذا أخي ويقصد أخوه في الإسلام , ومن أمثلته أن يقول هذا فراشي
ويقصد الأرض.
لأنّ الأرض جعلها الله فراشاً.
سيذكر المؤلف أربعة أمثلة للتأويل.
يقول الشيخ - رحمه الله - (ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره)
هذا هو تعريف التأويل أو الذي يسميه التعريض.
أن يتكلم بكلام يفهم منه خلاف مقصود المتكلم لا احتمال اللفظ للمعنيين.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى حكمه فقال (فإذا حلف وتأولّ يمينه نفعه إلاّ أن يكون ظالماً)
يريد المؤلف أن يبيّن متى ينفع التأويل ومتى لا ينفع التأويل , وقبل أن نبيّن متى ينفع ومتى لا ينفع.
ما معنى ينفع؟ معنى ينفع أنه لا يحنث ولا يأثم.
أيّ أنه إذا تعاطاه فإنه لا يحنث ولا يأثم.
نأتي إلى الصور التي ينفع فيها والصور التي لا ينفع فيها.
ينقسم التأويل إلى ثلاثة أقسام: -
القسم الأول: أن يكون مظلوماً , فإذا كان مظلوماً نفعه التأويل والتعريض بالإجماع بلا مخالف ولله الحمد.
وسيذكر المؤلف الأمثلة.
القسم الثاني: إذا فعله وهو ظالم , فإنه لا ينفعه بالإجماع والنص.
واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) الحديث عام , لكن حمله الفقهاء على الظالم , واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (اليمين على نية المستحلف) الحديث الأول في مسلم والحديث الثاني في السنن فالقسم الأول والثاني أمرهما واضح إذا كان ظالما أو مظلوماً الحكم واضح
القسم الثالث: إذا لم يكن ظالماً ولا مظلوماً فمن الفقهاء وهو المذهب من يرى جواز التأويل والتعريض حتى بالحلف فله أن يحلف متأولاً معرضاً ولو كان في أمر ليس فيه لا ظالم ولا مظلوم.
واستدلوا بالعمومات المنقولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التأويل فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل في الغزو قال نحن من ماء
ولما سئل أبو بكر الصديق في الهجرة من هذا الذي معك.
قال رجل يهديني الطريق والنبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع ولم ينكر.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي إنّا حاملوك على ولد الناقة.
وقال للمرأة إنّ العجوز الكبيرة لا تدخل الجنة.
فاستعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - مجموعة من التأويلات والتعريضات.
فاستدل بها الحنابلة على الجواز المطلق.
القول الثاني: أنه لا يجوز مطلقاً واستدل هؤلاء بأنه لا حاجة للتعريض مع وجود الظلم فلا يجوز أن نعرض لاسيما في اليمين.
وهذا القول هو أضعف الأقوال.
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد وكأنّ شيخ الإسلام يميل إليه.
أنه مع عدم الحاجة يجوز في الكلام دون اليمين , واستدلوا على هذا بأنه في الكلام نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التأويل والتعريض كثيراً , وأما في اليمين فإنّ الأحاديث تدل على ما يصدقك صاحبك أو على نية المستحلف , وهي عامة أخرجنا منها صورة ما إذا كان مظلوماً فبقيت الصور على أصل المنع وكما ترى
القول الثالث الأخير هذا وجيه وقوي وهو إن شاء الله الراجح وهو أن نقول يجوز في الكلام دون الحلف ثم سيذكر الشيخ ثلاث أمثلة
قال - رحمه الله - (فإن حلّفه ظالم ما لزيد عندك شيءٌ وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره أو بما (الذي)
يعني جاز إذا قال له ظالم هل عند لزيد مال ,وهو ظالم فله حينئذ التأويل والتعريض , وذكر المؤلف صورتين للتعريض والتأويل.
الصورة الأولى: أن يقول ما عندي له شيء ويقصد في هذا المكان والمال في مكان آخر , فيقول ما عندي له شيء وفي نيته يعني في هذا البيت والمال في بيت آخر.
الصورة الثانية: أن يقول ما عندي له شيء ويقصد بما الموصولة للنافية , فكأنه قال الذي عندي لزيد وهو صادق الذي عنده لزيد.
بينما فهم الظالم أنه ينفي وجود المال عند زيد.
فهذا جائز سواء مع اليمين أو بلا يمين لأنه ظالم.
قال - رحمه الله - (أو حلف ما زيد هاهنا ونوى غير مكانه)
يعني قيل له هل زيد هنا فقال زيد ليس هاهنا , ونوى سوى المكان الذي فيه زيد.
تعرفون القصة المشهورة أنه جاء رجل يطلب المروذي في مجلس الإمام أحمد , وقال أثمّ المروذي , فقال الأثرم ليس هاهنا وأشار إلى كفه والإمام أحمد جالس فتبسم وضحك.
فانصرف الرجل , فحملوا الحنابلة على أنّ هذا الرجل إما أنّ المروذي لا يريد أن يقابله أو أنه ظالم , وفي بعض كتب الحنابلة أنّ الذي قال ليس هاهنا الإمام أحمد وهذا ليس بصحيح , الذي قال ليس هاهنا هو الأثرم وليس الإمام أحمد وعلى كل حال أقرّه الإمام كان موجوداً وحملوه على وجود الحاجة وأنّ هذا ليس بحلف وإنما كلام.
كما أنه حصل تأويل آخر من الأثرم بالنسبة للإمام أحمد كان يريد أن يسمع جزءاً إما من المسند أو من غيره وكان الإمام أحمد كأنه يؤخر الأثرم ويقول له يعني أتلوا عليك الجزء لا حقاً فقال الأثرم للإمام أحمد يا أبا عبدالله إنما أريد أن أخرج يعني إلى بلدي فأسمعني الجزء قال الإمام مادام تريد أن تخرج أسمعك الجزء فجلس وحدّثه بالجزء كاملاً , فلما صار من غدٍ قابله في الطريق فقال أبو عبد الله ألم تقل سأخرج قال وهل قلت غداً , يعني قلت سأخرج لكن لم أقل غداً أخرج متى ما خرجت فضحك أيضاً الإمام أحمد وتبّسم ولم ينكر عليه , وهذا أيضاً ليس فيه يمين.
أما التوسع في التأويل من غير حاجة قد يكون كلام الإنسان كله تأويل.
بعض الناس إذا أردت أن تتحدث معه تحتاج إلى محترزات وأن تخرج جميع ما يحتمله الكلام , هذا ليس من طريقة المسلمين , كما أنّ شيخ الإسلام أشار إلى أنّ التأويل ينقسم إلى قسمين: -
تأويل حقيقي.
وتأويل يخالف ظاهر اللفظ.
فالتأويل الحقيقي هو الذي يتوافق مع حقيقة الأمر , قال شيخ الإسلام وهو التأويل الذي استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم -
القسم الثاني: التأويل الذي يخالف الظاهر تماماً فهذا وإن جاز عند الجمهور إلاّ أنه لا ينبغي استعماله إلاّ عند الحاجة.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال إنّا حاملوك على ولد الناقة.
صحيح هو سيحمله على ولد الناقة.
والتأويلات التي ذكرت جميعاً متوافقة مع الواقع.
لكن تأويل الأثرم الذي عمله مع الإمام أحمد غير متوافق مع الواقع.
فهذا ينبغي أن لا يفعله الإنسان إلاّ عند الحاجة الملحة.
قال - رحمه الله - (أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة ولم ينوها لم يحنث في الكل)
إذا قال لزوجته والله إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق فهذا حلف باليمين ولا بالعتاق؟
لا باليمين ولا بالعتاق وإنما بالطلاق , هو يقول والله إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق , أو يقول إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق.
فهذا حلف بالطلاق , وإذا قال والله لا تسرقين مني شيئاً هذا حلف بأيش؟ هذا حلف باليمين , وإذا قال إن سرقت مني شيء فعبدي حر بالعتاق , وإذا قال إن سرقت مني شيئاً فا لله عليّ نذر أن أصوم سنة , هذا حلف بالنذر , وأظن الآن تَوَضَحَ الفرق بين الحلف باليمين والطلاق ولا لا والعتاق.
فإذا قال لها ذلك وخانته بوديعة فإنه في هذه الحالة تطلق ولا يلزمه أن يصوم ولا يلزمه عتق العبد لماذا؟ لأنه حلف على السرقة , والخيانة في الوديعة ليست سرقة , إلاّ إن نوى أثناء اليمين أن يشمل الخيانة فحينئذ إذا خانته فإنها تطلق.
باب الشك في الطلاق
قوله باب الشك في الطلاق , المقصود بالشك هنا /مطلق التردد بين أمرين سواء كان راجحاً أو مرجوحاً , فمطلق التردد يعتبر شك عند الفقهاء.
يقول - رحمه الله - (من شك في طلاق , أو شرطه لم يلزمه)
إذا شك في الطلاق يعني أنه شك هل أوقع الطلاق أو لم يوقع الطلاق , وقوله شك في الشرط يعني شك في تحقق الشرط أو عدم تحقق الشرط , فالأصل في جميع هذه الصور عدم وقوع الطلاق وعدم وجود الشرط , ودليل هذه الأحكام كلها القاعدة المشهورة [أنّ اليقين لا يزول بالشك] ودليل هذه القاعدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا شك أحدكم هل خرج منه شيء فلا ينصرف حتى يسمع أو يجد ريحاً) والمقصود من الحديث حتى يتيّقن لا كما يفهم بعض الناس أنه لا ينصرف ولو تيّقن إلاّ إذا سمع صوتاً أو وجد ريحاً , هذا ليس بمقصود في الحديث , المقصود في الحديث لا ينصرف حتى يتيّقن.
وهذا الحديث يستعمل عند الشك لأنه يقول إذا شك أحدكم أو إذا لم يعلم أحدكم أخرج منه شيء أو لا , أما إذا علم أنه خرج منه شيء فإنّ الحديث لا يتناوله ولا يذهب ينتظر أن يجد صوتاً أو ريحاً.
قال - رحمه الله - (وإن شك في عدده فطلقة , وتباح له)
مقصوده وإن شك في عدده فطلقة وتباح له يعني إذا تيّقن الطلاق وشك في العدد , فحينئذ تعتبر طلقة واحدة , لأنّ الزائد عنها مشكوك فيه ودائماً المشكوك فيه ملغى لأنه في مقابل اليقين , فيعتبر طلقها طلقة واحدة رجعية وله أن يعود إليها إذا لم تكن الثالثة , وهذه الأحكام التي نقررها الآن تتناول الشخص العادي , أما من ابتلي بالوسواس في الطلاق فهذا له أحكام أخرى.
فهذا يعذر أكثر من الشخص الطبيعي في مسألة الشك في عدد الطلاق أو الشك في وقوع الطلاق أصلاً , إذا الكلام الآن ليس عن من عنده وساوس
وشكوك وإنما عن الشخص الذي لم يبتلى بالوساوس.
قال - رحمه الله - (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق طلقت المنوية وإلاّ من قرعت)
إذا قال رجل لامرأته إحداكما طالق ,فينقسم الحكم إلى قسمين: -
القسم الأول: أن ينوي إحداهما فإذا نوى إحداهما فهي التي تطلق بلا خلاف ولا نزاع وأمرها واضح , ولو قال إحداكما لكنه بالنية عيّن المرادة.
القسم الثاني: أن لا ينوي إحداهما , يقول إحداكما طالق ولم ينوي أياًّ منهما فالحكم عند الحنابلة أن تحدد المطلقة بالقرعة.
واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: أنّ القرعة طريق شرعي لتحديد الحكم الواقع على المتساويين.
الدليل الثاني: أنّ الصحابة حكموا على من طلق ومات قبل أن يعيّن أنه يقرع , فقاسوا عليها هذه المسألة ومن ظن أنّ الفتاوى المنقولة عن الصحابة هي في هذه المسألة فليس كذلك.
فالفتاوى المنقولة فيمن طلق ولم يعيّن ثم مات.
فهذا أفتى الصحابة بالقرعة لكن نقيس على فتاوى الصحابة صورتنا التي معنا وهي ما إذا قال إحداكما طالق ولم يعيّن.
القول الثاني: أنه إذا قال إحداكما أو إحداكن ولم يعيّن , طلق الجميع وهو قول غاية في الضعف وسببه ضعفه أنّ الزوج لم يطلق إلاّ واحدة فكيف يقع الطلاق على الباقيات.
القول الثالث: في هذه المسألة أنه يوكل إلى الزوج تحديد المطلقة ,وإن لم ينوي عند قوله الطلاق أياًّ منهما وعلل هؤلاء قولهم بأنّ الزوج إذا ملك إنشاء الطلاق ابتداء فأن يملك تعيينه انتهاء من باب أولى.
لأنّ من ملك الأصل ملك الفرع.
والتعيين فرع الطلاق.
والطلاق ملك للرجل فالتعيين أيضاً يكون ملكاً له.
وهذا القول كما ترى وجيه في الحقيقة وقوي ونقول للرجل عيّن التي تريد أن يقع عليها طلاقك السابق.
وهذا القول قوي ويليه في الرجحان القرعة لمجيء نظيره عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال - رحمه الله - (كمن طلق إحداهما بائناً وأنسيها)
إذا طلق إحداهما بائناً وأنسيها فعند الحنابلة الحكم في هذه المسألة كالحكم تماماً في المسألة السابقة , فيكون الحكم ماذا؟ القرعة.
والقول الثاني: أنّ هذه المسألة تختلف تماماً عن المسألة السابقة , ووجه الاختلاف أنّ المطلق الآن طلقّ معينة لا محالة , إنما الذي صار أنه ماذا؟ أنسيها.
فالحكم عند هؤلاء أن تبقى الزوجات معلقّات إلى أن يتبيّن أيّهن وقع عليها الطلاق.
وفي هذه المدة تكون النفقة على الزوج في جميع الزوجات لأنهن محبوسات بسببه ولا يجوز أن يطأ لأنه ربما يطأ ماذا؟ التي وقع عليها الطلاق
وهذا القول قوي جداً لماذا؟ لأنه يوجد فرق بين أن يطلق واحدة ثم ينساها , وبين أن يقول إحداكن طالق ولم يعيّن أصلاً.
ففي المسألة الأولى إذا طلق ونسي فقطعاً إحدى الزوجات وقع عليها ماذا؟ الطلاق فكيف نعيّن بالقرعة ونحن نعلم أنّ إحدى الزوجات وقع عليها الطلاق هذا القول قوي جداً كما ترى ونصره ابن قدامة - رحمه الله - لكن يشكل عليه مسألة واحدة وهي ماذا؟ صعوبة التطبيق هذا القول فيه مشقة بالتطبيق كبيرة لأنه ظاهر اختيار هؤلاء أنّا ننتظر ولو طال الوقت حتى يتبيّن أيّهما , وإذا لم يتمكن من أن يتذكر أيّهما التي وقع عليها الطلاق بقيت الزوجات كلهن معلقات , وهذا فيه مشقة في التطبيق ومشقة التطبيق أحياناً تكون سبباً في تضعيف القول.
لأنّ الله سبحانه وتعالى ما جعل علينا في الدين من حرج وفي هذا القول شيء من الحرج مع قوة دليله لكن فيه حرج لذلك نقول إنشاء الله الراجح أنه يقرع حتى تأخذ الزوجة طريقها ويأخذ الزوج طريقه.
قال - رحمه الله - (وإن تبيّن أنّ المطلقة غير التي ردت إليه)
إذا تبيّن بعد القرعة أنّ التي طلقت هي فلانة بأن يجد كتب المطلقة ونسي مكان المكتوب , أو يتذكر بقرينة أو بعلامة أنّ التي طلقت هي فلانة وحينئذ يتبّين أنّ التي وقعت عليها القرعة لم تطلق وأنها مازالت زوجة ,فحينئذ يقبل قوله في الحكم وترجع إليه الزوجة , لأنّ هذا الأمر أمر لا يمكن أن يعرف إلى من قبل الزوج , فإذا قال تبيّن لي أو تذكرت أنّ المطلقة هي غير التي وقعت عليها القرعة قبل منه ورجعت التي وقع عليها القرعة إلى عصمة الزوج.
لأنّا تبيّنا أنها لم تطلق.
يقول - رحمه الله - (ما لم تتزوج)
فإن تزوجت فإنها لا ترد ولو تذكر أنّها لم تطلق لماذا؟ لأنها بعد التزوج تعلق بها حق زوج آخر ولا يملك الإنسان أن يسقط حق غيره بقوله.
والغير هنا هو الزوج الأول أو الثاني؟ الثاني.
وهذا صحيح لا يملك هذا وتبقى مع الزوج الثاني.
قال - رحمه الله - (أو تكن القرعة بحاكم)
يعني إذا صنعت القرعة عن طريق الحاكم وتولاها الحاكم فإنّ تذكره بعد ذلك لا ينفع لماذا؟ لأنّ قرعة الحاكم تعتبر حكم , وحكم الحاكم لا يمكن أن يرفع بدعوى الزوج , إذا بيّن الشيخ المستثنى والمستثنى من المستثنى.
فالمستثنى من المسألة السابقة ما هو؟ الآن هو بيّن المستثنى والمستثنى من المستثنى أليس كذلك؟
فالمستثنى هو إذا تبيّن أنّ التي قرعت ليست هي.
هذا مستثنى من الحكم السابق.
ويستثنى من هذا الحكم ما إذا تزوجت أو قام الحاكم بأداء القرعة.
قال - رحمه الله - (وإن قال إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق , وإن كان حماماً ففلانة , وجهل لم تطلقا)
هذه الصورة إذا قالها الزوج إن كان هذا الطائر غراب ففلانة طالق ............. ) ثم لم يتبيّن بأن ذهب الطير ولم نتبيّن فحينئذ لا يقع الطلاق عند الحنابلة.
واستدلوا على عدم وقوعه بدليلين: -
الأول: الإجماع فإنه بلا خلاف لا يقع.
الثاني: ما تقدم وهي القاعدة المشهورة إذا شككنا في وجود الطلاق أو في وقوع الطلاق وعدمه فالأصل عدم وقوع الطلاق ووجه الشك هنا أنّ هذا الطائر ربما لا يكون غراباً ولا حماماً حينئذ لا تطلق ولا تلك.
فمع وجود هذا الشك لا يقع الطلاق وهذا صحيح ولهذا صار محل إجماع.
قال - رحمه الله - (وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق طلقت امرأته)
إذا قال رجل لهند زوجته وهند أخرى أجنبية , إحداكما طالق مباشرة تطلق زوجته ولا ننتظر منه تفسيراً ولا تأويلاً , والسبب أنه لا يملك إيقاع الطلاق إلاّ على هند التي هي زوجته دون الأخرى فإذا تطلق مباشرة لأنه يملك أن يطلق إلاّ هي.
لكن أيضاً استثنى الشيخ:
فقال - رحمه الله - (أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلاّ بقرينة)
إن قال أردت الأجنبية ولم أرد زوجتي لم يقبل منه في الحكم في مجلس الحكم لا يقبل لأنه يدعي خلاف لفظه.
ونحن قلنا أنّ أيّ إنسان يدعي خلاف لفظه لا يقبل في مجلس الحكم وإن كان الأمر ديانة بينه وبين زوجته فإنه يقبل لماذا؟ لأنّ هذا اللفظ يحتمل.
ألا يحتمل أن يكون مقصوده الأخرى بلى! اللفظ يحتمل فإذا كان محتملاً دُيِّن وقبل فيما بينه وبين الله , وجاز لزوجته أن تبقى معه.
يقول الشيخ - رحمه الله - (إلاّ بقرينة)
إلاّ إن دلت القرينة فإنه يقبل ديانة وحكماً , مثال القرينة أن يجبره ظالم على التطليق فيقول هند طالق يقصد ماذا؟ الأجنبية فمع وجود هذه القرينة وهي إجبار الظالم علمنا أنه أراد الأخرى وساغ للحاكم أن يقبل قوله الذي يخالف ظاهر لفظه.
وهذا صحيح.
قال - رحمه الله - (وإن قال لمن ظن أنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة)
يعني إن قال لمن أنها زوجته وتبيّن أنها أجنبية أنت طالق طلقت زوجته , مثال هذه المسألة أن يقابل الإنسان في الشارع امرأة فيظن أنها زوجته فيقول أنت طالق فيتبيّن أنها أجنبية فالحكم أنّ زوجته التي في البيت تطلق , السبب في هذا أنه طلقّ زوجته قصداً وكون اللفظ
وقع على أجنبية لا يغيّر الحكم لأنه زوج في نكاح صحيح طلقّ زوجته المعصومة فتطلق.
قال - رحمه الله - (وكذا عكسها)
إذا قابل في الشارع امرأة يظن أنها ليست امرأته فطلقها على أساس أنها الأجنبية ففوجأ أنها زوجته فعند الحنابلة يقع الطلاق , السبب في ذلك أنه يقع قالوا أنه طلق ماذا؟ طلق بلفظ صريح موجه مخاطب به زوجته فوقع أليس كذلك فهذا الزوج خاطب زوجته بطلاق صريح وهذا هو الطلاق الذي يقع في الشرع.
القول الثاني: أنه لا يقع الطلاق على زوجته لأنه لم يقصد تطليق زوجته وإذا لم يقصد لم يكن مريداً للطلاق فلا يقع , وهذا صحيح القول الثاني هو الصحيح أنها لا تطلق لأنه ما أراد أن يطلق زوجته وإنما أراد أن يطلق ماذا؟ الأجنبية وليس له طلاق على الأجنبية.
باب الرجعة
الرجعة/ مسائل الرجعة من المسائل المهمة وغير المؤلف يفرد لها كتاباً , فيقول كتاب الرجعة لأهمية الرجعة.
والرجعة / هي المرة من الرجوع في لغة العرب.
وهي مصدر من رجع رجوعاً.
وأما في الشرع / فالرجعة هي رد الزوجة غير البائن من غير عقد في عدتها.
هذا التعريف من وجهة نظري من أسلم وأسهل التعاريف فإنه يبيّن ما هي الرجعة الشرعية , والمؤلف سيبيّن هذا من خلال الشروط والأحكام.
يقول الشيخ - رحمه الله - (من طلق بلا عوض زوجة مدخولاً بها أو مخلواً بها دون ماله من العدد فله رجعتها في عدتها ولو كرهت)
قوله من طلق بلا عوض إلى آخره , إذا استوفى الزوج هذه الشروط الأربع فإنّ رجعته صحيحة بالإجماع وقد أشار المؤلف إلى كل شرط بعبارة.
فأشار بقوله من طلق بلا عوض.
الشرط الأول وهو أن يكون الطلاق بغير عوض فإن كان الطلاق بغير عوض فليس بطلاق وإنما خلع وتقدم معنا أنّ المخالعة تعتبر بائنة بينونة كبرى ولا صغرى.؟ صغرى
وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: زوجة غير مدخولاً بها أو مخلواً , فإذا طلق زوجة مدخولاً بها جاز أن يراجع وأما إذا طلق زوجة لم يدخل بها فلا يتمكن من المراجعة لأنّ غير المدخول بها ليس لها عدة وهي أيضاً بائنة بينونة كبرى أو صغرى , صغرى
يقول مشيراً إلى الشرط الثالث:
دون ما له من العدد يشترط للمراجعة أن يطلق طلاقاً دون ما له من العدد فإن طلق ما له من العدد يعني مستوفياً ما له من العدد وهو الطلقات الثلاث لم يتمكن من المراجعة.
ثم أشار إلى الشرط الأخير بقوله:
في عدتها يشترط لجواز المراجع أن تكون في العدة فإن خرجت من العدة لم يملك أن يراجعها وبانت منه أيضاً بينونة صغرى.
ثم قال ولو كرهت يعني وله أن يراجعها بلا رضاها واستدلوا على هذا بدليلين
الأول: قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة/228] فقال أحق بردهن فهم لهم الحق بالرد من غير رضا أحد.
الدليل الثاني: الإجماع فإنّ الفقهاء أجمعوا على أنّ له أن يراجع بلا رضا الزوجة ولا رضا الأولياء , فصارت الشروط معنا كم شرط؟
ذكرنا أربع شروط.
والصواب أنّ الشروط خمسة.
ويضاف إلى ما ذكره المؤلف.
أن يكون مريدا بالرجعة إصلاحاً فإن أراد بالرجعة عنتاً أو تضيقاً على المرأة أو تعذيباً لها فإنّ الرجعة لا تصح ولا يمكن منها.
ولهذا قال تعالى في ختام الآية ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾ البقرة وإن هذه كما تقدم معنا أداة شرط.
قال - رحمه الله - (بلفظ: راجعت امرأتي ونحوه)
بدأ المؤلف بموضوع مهم جداً , من موضوعات الرجعة , وهي بماذا تحصل الرجعة , تحصل الرجعة بأمرين: -
الأمر الأول: لفظي والأمر الثاني: فعلي.
والأمر اللفظي ينقسم إلى قسمين:
1 - مراجعة لفظية صحيحة.
2 - مراجعة لفظية كناية.
المؤلف بدأ بالمراجعة اللفظية الصريحة.
يقول بلفظ: راجعت امرأتي ونحوه لا نكحتها) يعني تكون المراجعة باللفظ لا بالنية وتكون بلفظ راجعت لأنّ راجعت من الصرائح وقوله ونحوه كقول المراجع رددت أو أمسكت.
فراجعت ورددت وأمسكت من الصرائح التي تحصل الرجعة إذا استخدمها الزوج بالإجماع لأنها صرائح.
ثم - قال رحمه الله - (لا نكحتها)
مراده بقوله لا نكحتها ونحوه يعني مثل تزوجتها وأشار بهذه العبارة إلى الكنايات , فالرجعة لا تكون بالكنايات واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: قياس الرجعة على النكاح فالنكاح لا ينعقد بالكنايات فكذلك الرجعة لا تنعقد بالكنايات.
والجامع أنّ في كل منهما استباحة بضع المرأة وهذا الجامع موجود في المراجعة والنكاح.
الدليل الثاني: أنّ إثبات الثابت محال.
فكيف يقول لمن طلقها طلاقاً رجعياً نكحتك وهي ما زالت منكوحة له , ولما كان إثبات الثابت محال صار هذا اللفظ لغواً لا حكم له.
القول الثاني: أنّ المراجعة تحصل بالكنايات جميعاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنيات) ولأنه أراد مراجعة زوجته فيحصل بأيّ لفظ يدل على هذا المقصود.
وأما الجواب عن القياس على النكاح فهذا قياس صحيح لكن لا نسلم أنّ النكاح لا ينعقد بالكنايات بل تقدم معنا أنه ينعقد بكل لفظ يدل عليه.
إذا الإنسان له أن يراجع زوجته بأيّ لفظ شاء.
قال - رحمه الله - (ويسن الإشهاد)
الإشهاد سنة عند الجماهير من أصحاب المذاهب الأربعة لقوله تعالى ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ البقرة , هذه الآية فيها الأمر بالإشهاد وأقل مراتب الأمر الاستحباب.
القول الثاني: أنّ الإشهاد واجب وهو مذهب الظاهرية واستدلوا على هذا بأنّ الآية فيها الأمر الصريح (وأشهدوا) أجاب الجمهور بالاستدلال عن هذه الآية بأنّ الله تعالى أمر بالإشهاد في الطلاق وفي الرجعة فأمسكوهن أو سرحوهن , والطلاق لا يجب الإشهاد عليه فكذلك الرجعة.
وأجاب القائلون بالوجوب بأنّ الطلاق أيضاً يجب , وقد روي الوجوب عن ابن عباس , والمسألة مشكلة ولكن يبدو لي أنّ الوجوب قوي لأنه لا جواب عن الآية كما أنّ في وجوب الإشهاد خروج من إشكالات زعم الزوج أنه راجع وهو لم يراجع فالإشهاد قطع لدابر الإشكالات التي تحصل معنا بسبب مزاعم الزوج بالمراجعة , وسيأتينا عند الحنابلة مسائل فيها إشكال بسبب زعم الزوج أنه راجع.
-
- مسألة / أجمع العلماء أنّ الإشهاد ليس بشرط لصحة المراجعة ولا الطلاق , ولو قلنا بوجوبه وإنما الخلاف لا في كونه شرطاً للصحة وإنما في كونه واجباً أو ليس بواجب وهذه مسألة مهمة لأنّ بعض الناس يظن أنه إذا قلنا أنه يجب فإنّ المراجعة لا تصح أو أنّ الطلاق لا يصح
قال - رحمه الله - (وهي زوجة , لها وعليها حكم الزوجات
أفادنا المؤلف ثلاث مسائل: -
الأولى: أنها زوجة وهي أم المسائل.
والثانية: أنّ لها ما للزوجات ... الثالثة: أنّ عليها ما على الزوجات.
- مسألة / أجمع العلماء أنّ الإشهاد ليس بشرط لصحة المراجعة ولا الطلاق , ولو قلنا بوجوبه وإنما الخلاف لا في كونه شرطاً للصحة وإنما في كونه واجباً أو ليس بواجب وهذه مسألة مهمة لأنّ بعض الناس يظن أنه إذا قلنا أنه يجب فإنّ المراجعة لا تصح أو أنّ الطلاق لا يصح
قال - رحمه الله - (وهي زوجة , لها وعليها حكم الزوجات
أفادنا المؤلف ثلاث مسائل: -
الأولى: أنها زوجة وهي أم المسائل.
أم هذه المسائل أن نثبت أنّ الرجعية زوجة , ذهب الفقهاء إلى أنّ الرجعية زوجة واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة/228] وجه الاستدلال أنه سمي المطلق بعلاً للزوجة الرجعية ولا يكون زوجاً لها إلاّ وعقد النكاح باقي.
الدليل الثاني: وهو جميل جداً وهو أنّ الصحابة أجمعوا على توريث الرجعية ولن يورثوها إلاّ وهي زوجة , فإذا ثبت أنها زوجة سهل علينا أن نقول لها ما للزوجة وعليها ما على الزوجة.
فلها السكنى والنفقة ولها كل ما للزوجات إلاّ ما سيأتينا من الاستثناء.
وعليها ما على الزوجات من الطاعة والبقاء في المسكن وكل ما على الزوجات إلاّ ما سيأتينا استثناؤه , أما من حيث الأصل أنها زوجة لها ما لهن , وعليها ما عليهن.
قال - رحمه الله - (لا قسم لها)
الرجعية زوجة في كل شيء إلاّ أنه لا يقسم لها , لأنها خرجت بالطلاق عن حق القسم وظاهر عبارة المؤلف أنه لا يستثنى إلاّ ماذا؟ القسم لأنه لم يستثني إلاّ القسم , لكن الواقع أنّ بين الرجعية والزوجة فروق تبلغ تسعة: - ذكرها الشيخ ابن رجب في القواعد
أهم هذه الفروق بإمكانكم الرجوع للفروق لأنها فروع فقهية بعيدة الوقوع , لكن أهم هذه الفروق ثلاثة: -
الأول: وهو العمدة أنه لا قسم لها
الثاني: أنّ طلاق الرجعية في أصح الروايتين عن الإمام أحمد بدعي.
ونحن لا نتحدث عن الوقوع لكن بدعي على أصح الروايتين.
بينما طلاق الزوجة بدعي أو ليس ببدعي , ليس ببدعي إذا وافق الشروط.
الثالث: أنه إذا توفي زوجها , فهل تنتقل إلى عدة الوفاة أو تعتد بأطول الأجلين.
فهذه ثلاث فروق هي أبرز الفروق بين الرجعية والزوجة.
فهمنا من كلام المؤلف باستثناء القسم أنه لا يوجد فروق أخرى وهذا يقتضي أنه يجوز للزوج أن يجامع الرجعية وأن يستمتع منها بكل ما يستمتع به الزوج من زوجته , وهذا صحيح أنه المذهب.
فالحنابلة يرون جواز جماع الزوج لرجعيته وأن يستمتع منها بما شاء , واستدلوا على هذا القول بأدلة: -
الدليل الأول: أنها زوجة وإذا كانت زوجة جاز له أن يستمتع منها بما يستمتع الزوج من زوجته.
الدليل الثاني: أنّ أمرها بالبقاء في البيت يقصد منه طلب الرضا منه ومنها لترجع إلى عصمته وهذا يكون بتمكينه من الجماع.
القول الثاني: أنه لا يجوز له أن يجامع ولا أن يطأ واستدلوا على هذا بأنّ هذه الرجعية عبر عنها في الحديث بقوله (مره فليراجعها)
وفي الآية (فأمسكوهنّ) فهذه الرجعية خرجت بالطلاق فتحتاج إلى إرجاع وإمساك قبل أن يستمتع بها.
وهذا القول الثاني هو الصحيح
-
- تنبيه مهم جداً ..... !
هذا الخلاف الذي ذكرته سواء أراد بالوطء المراجعة أو لم يرد حتى لا تتداخل هذه المسألة مع المسألة اللاحقة , يعني أنّ الحنابلة يرون أنه يجوز أن يطأ ولو لم ينوي المراجعة , عرفتوا ولا لا , وهذه مسألة دقيقة يجب أن يفرق بين مسألة المراجعة بالوطء وبين مسألة جواز الوطء بغير نية المراجعة.
إذا الخلاف الذي ذكرته إنما هو فيما إذا أراد أن يراجع وإذا أراد أن لا يراجع.
القول الثاني هو اختيار شيخ الإسلام وهو كما قلت أوجه القولين , كيف نمكن الزوج أن يراجع رجعيته بغير نية المراجعة كأنه يعبث لماذا؟ لأنه إذا كان لا يريد أن يراجع هذه الزوجة لماذا؟ يراجعها إلاّ غالباً وهو يريد الإضرار بها.
قال - رحمه الله - (وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها)
لما بيّن المؤلف المراجعة اللفظية انتقل إلى المراجعة الفعلية العملية وذكر أنّ الزوج إذا وطئ زوجته فإنها ترجع , وهي ترجع عند الحنابلة سواء وطئ بنية المراجعة أو بغير نية المراجعة يعني ترجع مطلقاً.
واستدلوا على هذا بأنّ الزوج إذا وطئ زوجته فهذا الوطء علامة على رجوعه عن الطلاق وهو أبين وأوضح من ما لو قال راجعتك.
القول الثاني: أنه لا تحصل المراجعة إلاّ بماذا؟ بالوطء مع نية المراجعة واستدل هؤلاء بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنيات) وهذا ما نوى أن يراجعها فلا ترجع وهذا القول اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله -
القول الثالث: أنه لا يحصل بالوطء مراجعة نوى أو لم ينوي واستدل هؤلاء على هذا القول بأنّ الله اشترط للمراجعة الإشهاد والإشهاد يكون على الأقوال لا على الأفعال فإذا وطئ ولو بنية المراجعة فإنه لا يكون مراجعاً.
والراجح إن شاء الله القول الوسط وهو أنّ الوطء مراجعة بنيته.
قبل أن نتنقل للمسألة هذه تحدثنا عن الوطء وهل تحصل به رجعة أو لا باقي مسألة هل تحصل الرجعة بالمباشرة ونحوها؟
الصحيح وهو مذهب الجماهير أنّ الرجعة لا تحصل بالمباشرة ونحوها , والسبب في هذا أنّ المباشرة لا تستوي هي والوطء فلا تأخذ حكمه ولهذا نقول لا يجوز أن يعتبر المباشرة بالتقبيل ونحوه مراجعة بل عليه أن يراجع من جديد مراجعة لفظية.
يقول الشيخ - رحمه الله - (ولا تصح معلقة بشرط)
لا يصح أن يعلق الرجعة بشرط فلا يصح أن يقول إذا دخل شهر الله المحرم فقد راجعتك , واستدل الحنابلة على هذا بالقياس السابق فإنهم دائماً يقيسون الرجعة على النكاح , والنكاح لا يصح معلقاً فكذلك الرجعة.
والقول الثاني: أنّ تعليق الرجعة على شرط صحيح ونافذ , واستدلوا بدليلين: -
الدليل الأول: عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (المسلمون على شروطهم) فإنّ هذا يتناول عقد الرجعة
الثاني: أنّ الزوج قد يعلق الرجعة على شرط مقصود له , كأن يقول إن تركت المعصية الفلانية فقد راجعتك , فهذا تعليق مقصود نافع لا يأتي الشرع بإبطاله , ولهذا نقول الصحيح إن شاء الله أنه يجوز تعليق الرجعة على شرط.
ثم - قال رحمه الله - (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها)
يريد المؤلف أن يبيّن بهذه العبارة أنّ الزوج يملك المراجعة إلى أن تنتهي من الاغتسال وأنّ حقه في المراجعة لا ينتهي بتوقف الدم.
وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دليل وقد استدل عليه الإمام أحمد بأنّ هذا عليه جمهور أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنهم أفتوا ببقاء حق الزوج في المراجعة إلى أن تغتسل.
ولا يعلم بين الصحابة خلاف في هذا.
القول الثاني: أنّ الزوج يفقد حقه بالمراجعة بمجرد توقف الدم لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل العدة قروء والقرء هو الحيض فإذا توقف القرء أيّ الحيض فقد خرجت من العدة وهذا القول ضعيف جداً وإن كان قوياً في الظاهر والسبب في هذا ما نبهت إليه مراراً نعتبر أنّ أيّ قول يخالف قولاً مروياً عن الصحابة بلا خلاف أنه قول ضعيف مهما ظهر منه قوة في تعليله ولهذا نقول إن شاء الله أنّ الزوج يملك المراجعة إلى أن تنتهي من الاغتسال فإذا سمعها دخلت تغتسل وقال راجعتك فالمراجعة صحيحة فإذا انتهت من الاغتسال الشرعي حينئذ
لا يملك أن يراجعها.
الدرس: (7) من الطلاق
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال - رحمه الله - (وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت وحرمت قبل عقد جديد)
إذا انقضت عدة الرجعية المطلقة قبل أن يراجع الزوج فإنها بانت منه بينونة صغرى ولا يملك أن يرجع إليها إلاّ بعقد جديد ومهر وجميع الشروط اللازمة لصحة عقد النكاح ودليل هذا من وجهين: -
الوجه الأول: قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة/228] وقال السلف أنّ في ذلك راجعة إلى العدة يعني أحق بالمراجعة ما دامت في العدة.
الوجه الثاني: الإجماع فإنّ أهل أجمعوا أنها إذا انقضت عدتها ولم يرجع إليها فإنه لا يعود إلاّ بعقد جديد , فهذه المسألة لا إشكال فيها لوضوحها وإجماع أهل العلم عليها.
يقول - رحمه الله - (ومن طلق دون ما يملك ثم راجع , أو تزوج , لم يملك أكثر مما بقي , وطئها زوج غيره , أو لا)
هذه العبارة من المؤلف فيها بيان كم يملك الزوج بعد أن يعود إلى زوجته من عدد الطلقات ولإيضاح هذه المسألة أقول: الطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: -
القسم الأول: أن يطلق دون الثلاث ثم يعود إلى زوجته فإنه يعود على ما بقي له من عدد الطلقات بالإجماع سواء راجعها أثناء العدة أو تركها إلى أن تنقضي العدة ويراجعها بعقد جديد ففي الصورتين لا يملك ما بقي من عدد الطلقات وهذه الصورة محل إجماع ولا إشكال فيها.
القسم الثاني: أن يطلق ثلاثاً ثم تعود إليه بعد زوج ووطء فإنها تعود على الطلقات الثلاث فيملك الزوج الطلقات الثلاث.
وهذه الصورة أيضاً محل إجماع.
القسم الثالث: أن يطلقها دون الثلاث ثم ترجع إليه لكن بعد زوج آخر ووطء فهذه هي المسألة التي ذكرها المؤلف وهي محل خلاف فالمذهب يرون أنه يعود على ما بقي واستدلوا على هذا أيضاً بدليلين: - الدليل الأول" أنّ هذا الوطء لم يفد إباحة فلم يؤثر في عدد
الطلقات , [يعني من الزوج الثاني لم يفد إباحة فإنها هذه المرأة مباحة له من قبل هذا الوطء ومن بعده فلما لم تفد إباحة لم تؤثر في عدد الطلقات.
الدليل الثاني: وهو الأقوى أنّ هذا مروي عن أكابر الصحابة ,وإنما قيّدنا بأكابر لأنه سيأتينا في القول الثاني أنه مروي عن بعض الصحابة الآخرين على كل حال هذا مروي عن أكابر الصحابة.
القول الثاني: أنها ترجع إليه ويملك الطلقات الثلاث واستدلوا بدليلين: -
الأول: أنّ الوطء يهدم الطلاق السابق ومقصودهم بالوطء يعني من زوج آخر.
والدليل الثاني: أنّ هذا مروي عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كابن عباس وابن عمر , والراجح المذهب بلا إشكال إن شاء الله , أولاً لأنه مروي عن أكابر الصحابة ومن القواعد المقررة أنه إذا اختلفوا فمن المرجحات أن يكون أصحاب القول الراجح هم كبار الصحابة وفقهاءهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ.
الثاني أنّ دليلهم أقوى وجه القوة أنّ تعليل أصحاب القول الثاني بأنّ الوطء يهدم الطلاق تعليل مجرد كأنهم يعللون الحكم بحكم كأنّا نقول لهم لماذا تعود؟ فيقولون لأنه وطئها.
وإذا قلنا لهم وإذا وطئها؟ يقولون لأنّ يهدم الطلاق , فنحن وإياهم ندور في حلقة مفرغة والتعليل القوي يجب أن يخرج عن محل الخلاف على كل حال العمدة في هذا الباب أنّ أكابر الصحابة يرون أنها ترجع على ما بقي لها ولا يملك أكثر من ذلك.
فصل
هذا الفصل أراد المؤلف فيه بيان متى تنتهي عدة الرجعية , وذكر صورتين تنتهي فيهما العدة:
يقول المؤلف - رحمه الله - (وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها)
وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه , هذه هي الصورة الأولى أن تدعي في زمن يمكن انقضاؤها فيه.
الثانية أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها , هاتان صورتان لانقضاء العدة.
نبدأ بالصورة الأولى" يقول في زمن يمكن انقضاؤها فيه , ما هو الزمن الذي يمكن أن تنقضي فيه؟
قال الفقهاء الزمن الذي يمكن أن تنقضي فيه يرجع إلى الخلاف في أكثر الحيض وأقله , وفي أكثر الطهر وأقله.
وعلى المذهب يكون أقل زمن يمكن أن تنتهي فيه هو كما قال المؤلف تسعة وعشرون يوماً ولحظة.
وسيأتينا دليل هذا القيد.
فإذا ادعت في أقل من هذا فقد ادعت في زمن لا يمكن انقضاؤه فيه يعني عند الحنابلة.
هذا أولاً.
الثانية: يقول أن تدعي وضع الحمل الممكن , الحمل الممكن هو ما تبيّن فيه خلق إنسان , فإذا وضعت حملاً تبيّن فيه خلق إنسان فإنّ العدة تنتهي.
يقول الشيخ - رحمه الله - (وأنكره فقولها)
يعني إذا ادعت في هاتين الصورتين ثم أنكر الزوج فإنّ القول قول المرأة وهذا يعود لقاعدة عند الحنابلة ستتكرر معنا في هذا الباب والكتاب الذي يليه والكتاب الذي يليه والكتاب الذي يليه , وهو أنّ المرأة إذا ادعت شيء لا يمكن أن يطلع عليه إلاّ من قبلها فإنّ القول قولها.
والحيض لا يمكن أن يطلع عليه إلاّ من قبل المرأة.
فإذا ادعت قبلنا دعواها.
قال - رحمه الله - (وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها)
إذا ادعت أنها طهرت في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة , فإنّ القاضي بجب عليه أن لا يسمع الدعوى أصلاً.
وتعليل ذلك: أنها دعوى معلومة الكذب لأنه لا يمكن شرعاً أن تطهر في هذه المدة فتبيّن لنا أنّ ادعاء المرأة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: -
القسم الأول: أن تدعي أنه في أقل من تسعة وعشرين يوماً فإنها في هذه الحالة لا تسمع دعواها لأنها معلومة الكذب.
القسم الثاني: أن تدعي انقضاء العدة في تمام تسعة وعشرين يوماً ولحظة ففي هذه الصورة الثانية تسمع وتقبل لكن بشرط أن تأتي ببيّنة ووجه طلب البيّنة أنّ انقضاء العدة في مثل هذا الزمن ممكن إلاّ أنه قليل الوقوع وإذا كان قليل الوقوع يجب أن تأتي ببيّنة , ودليل هذا حديث المشهور لماّ أفتى شريح بحضرة عليّ - رضي الله عنه - في المرأة التي زعمت أنّ عدتها انقضت في مثل هذه المدة , فقال إن أتت بشاهد من صالح أهلها قبل وإلاّ فلا.
فقال عليّ - رضي الله عنه - قالون يعني جيّد.
فأثنى على فقهه في هذه المسألة فهنا شريح أفتى بأنّ هذه الدعوى مقبولة لا بشرط أن تحضر بيّنة.
القسم الثالث: أن تدعي انقضاء العدة في أكثر من هذا الزمن , فحينئذ نقبل هذه الدعوى بلا بيّنة.
فإذا دعوى لا تقبل مطلقاً ودعوى تقبل ببيّنة ودعوى تقبل بلا بيّنة.
قال - رحمه الله - (وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي فقال: كنت راجعتك , أو بدأها به فأنكرته فقولها)
يقول الشيخ وإن بدأته فقالت انقضت عدتي فقال كنت راجعتك , هذه المسألة الأولى.
والثانية: أو بدأها به فأنكرته فقولها.
المسألة الأولى: يقول الشيخ إذا بدأته فقال ...... ) فقال كنت راجعتك , يعني قالت المرأة لزوجها انقضت عدتي فقال الزوج مباشرة كنت راجعتك فالقول في هذه المسألة قولها , بلا نزاع عند الحنابلة.
واستدلوا بدليلين: -
الدليل الأول: وهو العمدة , أنّ الأصل عدم المراجعة وإذا كان هذا هو الأصل فإنه لا يقبل ما يخالفه ,
الثاني" أنّ دعواه جاءت بعد الحكم بانقضاء العدة فلم تقبل لأنه تقدم معنا قاعدة أنّ الدعاوى التي تؤدي إلى إسقاط حق الغير لا تقبل إلاّ ببيّنة وهذه الصورة أمرها واضح ,
نأتي إلى الصورة الثانية يقول , أو بدأها به فأنكرته , بدأها به يعني قال راجعتك فقالت عدتي انتهت , ففي مثل هذه الصورة أيضاً نقبل قول الزوجة والمؤلف - رحمه الله - خالف في هذه المسألة المذهب.
يعني في المسألة الثانية , فالمذهب أنه في المسألة الثانية نقبل قول من؟
الزوج , تقدم معنا التعليق هل مسألة مخالفة الشيخ المؤلف - رحمه الله - اختيارات أو ليست كذلك وأنّ الأقرب أنها فيما يظهر لي أنها اختيارات , دليل المؤلف استدل بدليل جيّد.
الدليل الأول" ما تقدم معنا أنّ الأصل عدم الرجعة.
الدليل الثاني: أنّ من قبل قوله سابقاً قبل مسبوقاً , مراد المؤلف بهذا الدليل أنّه إذا قبلنا قول رجل إذا تكلم هو الأول فيجب أنّ نقبل هذا القول إذا تكلم ثانياً لأنّ الكلام كونه يأتي أولاً أو ثانياً لا يغير في مجرى الأدلة والحقوق.
أما الحنابلة الذين يرون أنّ القول قول الرجل فقد استدلوا بأنّ اعتراضها جاء بعد وجود المراجعة , عكسوا دليل المسألة الأولى فلا نقبل قولها ويظهر لي أنّ ما ذكره المؤلف خلاف مذهب الحنابلة أقوى وأنه في الصورتين يقبل قول الزوجة وهذه المسائل هي المسائل التي أشرت إليها حين الحديث عن ماذا؟ بالأمس قلت ستأتي مسائل تؤيّد القول بوجوب الإشهاد , لأنّه لو كان الإشهاد واجباً لن تأتي معنا
هذه المسائل لأنّ نقول له أشهد أين الشهود على أنك راجعت أليس كذلك؟ ونخرج من هذا الخلاف لكن الحنابلة اضطروا إلى مناقشة هذه القضية لأنهم يرون أنّ الإشهاد ماذا؟ سنة , هم وغيرهم من الفقهاء.
فصل
قال - رحمه الله - (إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت حتى يطأها زوج في قبل ولو مراهقاً)
إذا طلق الإنسان زوجته واستوفى الطلاق أيّ عدده وهو الثلاث فإنها لا ترجع إليه إلاّ بشرطين: -
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره , فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.
الشرط الثاني: أن يطأ هذا الزوج الثاني.
ودليل هذا الحديث الذي تقدم معنا أنّ رفاعة - رضي الله عنه - طلق زوجته ثلاثاً ثم تزوجها عبد الرحمن بن الزبير - رضي الله عنه - فجاءت زوجته تشتكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول يا رسول الله ليس معه إلاّ مثل هذه الهدبة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة , لا , حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك , هذا الحديث نص في أنّ المراجعة لا تكون إلاّ بعد الوطء.
وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة جميعاً إلاّ واحد , إلى القول باشتراط الوطء ذهب جمهور الأمة الفقهاء الأربعة والسبعة
إلاّ واحد من السبعة وهو سعيد بن المسيّب - رحمه الله - فإنه يرى أنّ مجرد العقد يكفي ولا يشترط الوطء.
واستدل على هذا بالآية فقال حتى تنكح زوجاً غيره , وهذه نكحت زوجاً غيره , وليس في القرآن ما يدل على زيادة اشتراط الوطء.
ولا شك أنّ هذا الفقيه الكبير قوله ضعيف وهو يحتاج أن نعتذر له بأن نحمل هذا القول على أنه لم يبلغه هذا الحديث الصحيح.
وإلاّ لو بلغه فإنّ دلالة النص صريحة , فإنّ عقد عبد الرحمن بن الزبير على امرأة رفاعة كان صحيحاً بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك اشترط هو - صلى الله عليه وسلم - الوطء فلا إشكال ولهذا لم يوافق أحد من الفقهاء سعيد بن المسيب في هذه المسألة واستقر الأمر على اشتراط العقد والوطء.
يقول المؤلف - رحمه الله - (ولو مراهقا)
المراهق هو / من قارب البلوغ فإذا تزوجت المطلقة ثلاثاً مراهقاً , ووطئ فإنها تحل للزوج الأول واستدلوا على هذا بأنّ وطء المراهق هو وطء من زوج في نكاح صحيح , فأشبه بهذا المكلف وهذا صحيح فإنه إذا وطئها المراهق فإنها تحل للزوج الثاني لوجود الشرط وهو الوطء والعقد.
ولم يشترط الحديث الإنزال فإنّ الإنزال أمر إضافي لم اشتراطه في الحديث ولماّ قرر المؤلف - رحمه الله - اشتراط الوطء بدأ في بيان شروط هذا الوطء.
فقال - رحمه الله - (ويكفي تغييب الحشفة أو قدرها مع جب في فرجها مع انتشار وإن لم ينزل)
كما قلت لماّ قرر المؤلف اشتراط الوطء بيّن أنه لا يكون الوطء نافعاً إلاّ بهذه الشروط وهي ثلاثة: -
الشرط الأول: تغييب الحشفة وهذا هو القدر الواجب الأقل في الوطء , وتغييب الحشفة هو الذي يعبر عنه الفقهاء في أماكن أخرى بالتقاء الختانين , فإنّ التقاء الختانين هو تغييب الحشفة لأنه بتغييب الحشفة يحصل ماذا؟ التقاء الختانين.
الشرط الثاني: أن يكون الجماع في فرجها , يجب أن يكون الجماع في الفرج فإن جامع في الدبرأو فيما بين الأليتين أو في أيّ مكان دون القبل فإنها لا تحل لزوجها الأول , سيأتينا دليل الشروط الثلاثة.
الشرط الأخير: أن يكون هذا الجماع مع انتشار فلو استدخل الذكر بلا انتشار فإنها لاتحل للزوج الأول.
ما هو دليل هذه الشروط؟ هو قوله - صلى الله عليه وسلم - (حتى تذوقي عسيلته) لأنّ ذوق العسيلة لا يكون إلاّ بوجود هذه الثلاثة أشياء , تغييب الحشفة , وأن يكون في القبل , وأن يكون مع الانتشار , واستدلالهم بهذا اللفظ استدلال صحيح , فالوطء الذي يحل الزوجة لزوجها الأول يشترط فيه هذه الصفات.
قال - رحمه الله - (ولا تحل بوطء دبر)
لا تحل بوطء دبر لأمرين: -
الأول أنه محرم والمحرم لا يفيد التحليل.
الثاني وعليه الاعتماد أنه ليس فيه ذوق العسيلة , فإنّ هذا الذوق والشهوة والاستمتاع لا يكون إلاّ في القبل.
قال ثم - قال رحمه الله - (وشبهة , وملك يمين , ونكاح فاسد)
هذه ثلاثة.
شبهة يعني نكاح الشبهة.
وملك اليمين يعني أن يملك هذه الأمة ويطأها بموجب ملك اليمين.
والثالث أن يطأ بنكاح فاسد
ففي هذه الأنواع الثلاثة لا تحل المرأة لزوجها الأول , والسبب أنّ الله قال ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح﴾ [آل عمران/188] والنكاح الصحيح ينصرف شرعاً إلى النكاح المستوفي الشروط الخالي من الشبهات.
ولهذا أخرجنا النكاح بالشبهة أو بملك اليمين أو بالنكاح الفاسد.
وهذا أمره واضح أنّ الآية اشترطت نكاحاً صحيحاً , وهذه الأشياء ليست نكاحاً صحيحاً.
قال - رحمه الله - (ولا في حيض , ونفاس , وإحرام , وصيام فرض)
يعني ولا تحل المرأة لزوجها الأول إذا كان نكاح الثاني في حيض ونفاس وإحرام أو في صيام واجب, معنى هذا أنّ الزوج الثاني إذا جامع زوجته وهي حائض فإنّ هذا الجماع لا يؤدي إلى تحليل الزوجة , واستدلوا على هذا بأنّ هذا الجماع محرم لحق الله سبحانه وتعالى, وإذا كان محرم لحق الله فإنه لا يفيد تحليل الزوجة لأنه جماع منهي عنه فكيف يكون الجماع المنهي عنه سبباً في إحلال الزوجة لمطلقها الثلاث هذا هو المذهب.
القول الثاني: في هذه المسألة أنه إذا جامعها في هذه الأحوال فإنها تحل للزوج الأول , واستدل هؤلاء بأنّ هذا الجماع جماع في نكاح صحيح فتحقق الشرطان وأما التحريم فهو لأمر خارج عن موضوع التحليل وهو أيّ الزوج الثاني آثم ولكنها تحل للزوج الأول.
وهذا قد يقع فأيُّ القولين أرجح؟ الثاني وهو اختيار ابن قدامة وهو الراجح إن شاء الله.
قال - رحمه الله - (ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها إن صدقها وأمكن)
صورة هذه المسألة أن يطلق الزوج زوجته ثلاثاً ثم تغيب عنه أو يغيب عنها , ثم يلقاها بعد ذلك فتدعي أنها في هذه الغيبة نكحت زوجاً آخر وجامعها وطلقت وانتهت العدة من الزوج الثاني , فحينئذ يجوز لهذا الزوج الأول أن يعقد على زوجته , لكن بشرطين: -
الشرط الأول: أن يصدقها.
... والشرط الثاني: أن يمكن هذا.
ويشترط عند الحنابلة شرط ثالث , وهو أن يغلب على ظنه صدقها , وهو داخل في أن يصدقها ولعل مراد المؤلف بقوله يصدقها يعني أن يغلب على ظنه فإذا وجدت هذه الشروط جاز له أن يعقد عليها وأن يصدق كلامها , فهم من هذه القيود أنّ الزوج لو لم يغلب على ظنه الصدق وإنما ظن فقط فإنه لا يجوز له أن يتزوجها عند الحنابلة , وعللوا هذا بأنّ الأصل في هذه المرأة أنها محرمة وإنما انتقلنا عن التحريم في الصورة الأولى لوجود غلبة الظن فإذا لم توجد فإنه لا يجوز أن يعقد عليها , والصحيح إن شاء الله أنه إذا غلب على ظنه
أو ظن فقط صدقها فإنه يجوز له أن ينكحها أن يعقد عليها , لأنّ الأصل صحة الأقوال ولأنّ هذا الأمر لا يعلم إلاّ من قبل المرأة لأنه كما تقدم معنا أنّ انتهاء العدة لا يعلم إلاّ من قبل المرأة فصحيح إن شاء الله أنه إذا أمكن وغلب أو ظن فقط أنها صادقة جاز له أن يعقد عليها وهذه الصور كما تعلمون يعني صور قد تكون موجودة في السابق أما اليوم فإنّ هذه الأمور توّثق غالباً ودلائل صحة هذا الأمر أو عدمه معلومة.
بهذا انتهى كتاب الطلاق ولله الحمد.
وننتقل إلى كتاب الإيلاء.
الدرس: (1) من الإيلاء
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.