شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 47-86
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 47-86
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

فمثلاً: إذا أخذنا يد شاة وهي حية فما حكم هذه اليد؟ الجواب: أنها نجسة.
وإذا أخذنا يد إنسان وهو حي فما الحكم؟ الجواب: نقول أنه طاهر لأنه إذا مات فهو طاهر.
نأخذ مثالاً أوضح.

إذا أخذنا قطعة من سمكة وهي حية فما الحكم؟ الجواب: أنها طاهرة.
ولماذا؟ لأن ميتة السمك طاهرة.
إذاً ما أبين من حي فهو كميتته = إذا أخذت قطعة من حيوان حي فحكم هذه القطعة كحكم ميتة هذا الحيوان: • إن كان طاهراً فطاهر.
• وإن كان نجساً فنجس.
• إذا أخذنا جزء من الجراد فطاهر.
• وإذا أخذنا جزء من الفرس فنجس.

  • مسألة: وقد استثنى الحنابلة من هذه القاعدة أمرين هما: = الأول: الطريدة ما المقصود بالطريدة؟ يقصد بالطريدة الأجزاء التي تقطع من الحيوان في الصيد أثناء المطاردة.
    مثاله: لو أن إنساناً طارد غزالاً وضرب الغزال فانقطع منه قطعة كيد واستطاع أن يجري بعد ذلك ما حكم هذه القطعة؟ الجواب: طاهرة.
    ما الدليل على هذا الحكم؟ قالوا: أن الصحابة - كانوا يفعلون هذا في مغازيهم فإن الجيش أثناء الغزو يحتاج إلى الصيد أكثر منه إذا كان في مدينته فإذاً هذا استدلال بآثار الصحابة وهذا كثير عند الحنابلة.
    ونعم الاستدلال.
    = المستثى الثاني: الفأرة ومسكها.
    يعني الفأرة وما فيها من مسك.
    ماهي الفأرة؟ الفأرة هي: وعاء يخرج من الغزال الذكر من نوع معين من الغزلان بعد أن يجري لمدة طويلة.
    فإذا جرى خرجت هذه الفأرة متدلية منه وفيها مسك وبعد فترة تسقط فإذا وجد الإنسان هذه الفأرة فالأصل أن تكون نجسة لأن ميتة الغزال نجسة لكن هذه مستثناة.
    ولماذا استثنيت؟ الجواب: لأن عمل المسلمين المتواصل على الاستفادة من المسك ولو كانت نجسة لم ينتفعوا منه.
    وعليه فالمسك وفأرته طاهران ولو سقطت أثناء الحياة.
    وبهذا انتهى باب الآنية وننتقل إلى باب الاستنجاء.

باب الإستنجاء

((تابع الدرس الرابع)) قوله: ((باب الاستنجاء)).
أي: باب يقصد منه بيان أحكام الاستنجاء وآدابه.
الاستنجاء: مأخوذ في اللغة: من القطع.
وهو في الاصطلاح: إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو الحجر ونحوه.
والرابط بين معنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن في كل منهما قطع فالاستنجاء قطع لآثار النجاسة.
إذاً الآن عرفنا معنى الاستنجاء في لغة العرب وفي اصطلاح الفقهاء.
• قال - رحمه الله -: يستحب: كثير من أهل العلم يفرق بين قولهم يستحب ويسن.
والفرق بين قولهم: يستحب وقولهم: يسن: • أنه لا يقال للشيء يسن إلا إذا أخذ من نص صحيح صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. • ويقال للشيء يستحب إذا أخذ من القواعد العامة.
قالوا ولا يجوز الخلط بين الأمرين.
= فأيهما أعلى مرتبة الذي يسن أو الذي يستحب؟

  • الذي يستحب.
    = لماذا؟
  • لاعتماده على نص صريح.
    إذاًَ من أين نأخذ الاستحباب من القواعد العامة أو من مفهوم النصوص وليس من النص الصريح.
    = وهل يؤخذ من أقوال الصحابة؟
  • الجواب: أنه يؤخذ من أفعال الصحابة مما يقال عنه أنه لا مجال للرأي فيه فيقال يسن.
    بعد أن عرفنا الفرق بين قولنا يستحب وقولنا يسن السؤال: = فأيهما أنسب أن يقول المؤلف يستحب أو يقول يسن؟
  • أن يقول: يسن.
    = لماذا؟
  • لأن فيه نص صحيح صريح.
    ولكن فيما أرى أن هذا ليس بصحيح بل الأحسن في هذا السياق أن يؤتى بلفظة يستحب.
    = لماذا؟
  • لأن الشيخ سيذكر مجموعة من الأداب والأحكام بعضها تعتمد على نصوص وبعضها تعتمد على قواعد عامة.
    فالتعبير بيستحب أفضل ليشمل الجميع لأن مصطلح يستحب أوسع من مصطلح يسن.
    فالذي يظهر لي والله أعلم أنه لا ينتقد المؤلف بقوله: يستحب.
    والأمر في هذا سهل فإنها اصطلاحات لا يترتب عليها أحكام.
    • قال - رحمه الله -: يستحب عند دخول الخلاء قول: ((بِسْمِ اللَّهِ)) يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول بسم الله لحديث علي?: ستر عورات الإنس عن الجن إذا دخلوا الخلاء أن يقولوا بسم الله.
    لكن الإشكال أن هذا الحديث ضعيف.
    = فإذا كان ضعيفاً فما هو الدليل على قول القائل بسم الله؟
  • الدليل عليه آثار عن الصحابة وهي تصلح للتمسك بها في مثل هذا الباب مع حديث علي لأن ضعفه ليس شديداً.

إذاً فصحيح يستحب وإن كان بعض أهل العلم يقول لا يستحب لأنه لا يوجد دليل لكن مع وجود هذا الحديث الضعيف وآثار الصحابة فيستطيع الإنسان أن يقول أنه يستحب.
ويستحب أيضاً أن يقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)) هذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ولذلك ينبغي أن يعمل به المسلم عند إرادته دخول الخلاء.
وقوله: الخبث: الخبث: بالتسكين الشر.
والخبائث أهله: فاستعاذ من الشر وأهله.
وروي بالضم الخُبُث وهو جمع خبيث يعني ذكران الشياطين وتكون الخبائث على هذه الرواية إناث الشياطين.
والأقرب الرواية الأولى لأنها أعم.
• قال المؤلف ’: وعند الخروج منه: ((غُفْرَانَكَ.
ويقول عند خروجه منه غفرانك: فيستحب للإنسان أن يقول غفرانك إذا خرج من الخلاء وهذا الحديث صحيح ولذا ينبغي أن يعمل به المسلم.
• قال ’: ويقول: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِي الأَذَى وَعَافَانِي)) هذا الذكر ورد من حديث ضعيف وهو مروي عن اثنين من الصحابة أنس وأبي ذر.
• حديث أنس ضعيف.
وممن أشار إلى ضعفه الحافظ الناقد أبو حاتم.
• وحديث أبي ذر أيضاً معلول إلا أنه يصح موقوفاً على أبي ذر.
ولكن مع ذلك الأظهر والله أعلم أنه لايسن أن يقال هذا الذكر.
= لماذا؟

  • لأنه موقوف على أبي ذر وهو مما يقال من قبل الرأي فقد يكون أبو ذر قاله تفقهاً والأذكار توقيفية فإذا لم يكن عندنا نص صحيح صريح لا يمكن أن نعتبر هذا الشيء سنة.
    • ثم قال ’: وتقديم رجله اليسرى دخولاً ويمنى خروجاً: عكس مسجد ونعل.
    قاعدة الشرع أنه يقدم اليمنى للطيبات واليسرى للخبائث.
    ويمكن أن تقول بعبارة أدق: يقدم اليسرى لما يكره واليمنى لما عدى ذلك فيكون أوسع.
    هذا الأصل الشرعي له عدة نصوص تدل عليه.
    • منها أن النبي ‘ أمر المسلم إذا أراد أن ينتعل أن يبدأ باليمنى وإذا خلع أن يبدأ باليسرى.
    • ومنها الأكل باليمنى.
    • ومنها النهي عن الاستجمار باليمنى.
    فهذا الأصل له نصوص كثير ة وهو أصل ثابت لم يختلف فيه.
    • ثم قال ’: واعتماده على رجله اليسرى = أولاً: ما معنى الاعتماد على رجله اليسرى؟
  • الجواب: أن الحنابلة يقولون إذا جلس الإنسان يريد قضاء الحاجة فإنه يسن له أن يتكئ على رجله اليسرى.
    يعني يميل قليلاً على رجله اليسرى.
    فيرون أن هذا سنة - مستحب -. واستدلوا بحديث سراقة بن مالك أن النبي ‘ أمر أن نتكئ على اليسرى وأن ننصب اليمنى.
    هذا الدليل.
    ولهم أيضاً تعليل: وهو أن هذا يسهل خروج الأذى.

وفي الحقيقة هذا القول للحنابلة ضعيف جداً ولا أظنه يصح عن الإمام أحمد.
أولاً: لأن فيه تكلف شديد.
ثانياً: أن الحديث ضعيف.
ثالثاً: أنا نجد أن الشارع اعتنى تماماً بآداب الاستنجاء كما سيأتينا فبين أدق التفاصيل ولم يذكر هذا الأدب مما يدل على أنه لا يستحب ولا ينبغي.
ثم فيه عناء ومشقة على الإنسان.
فالخلاصة أن هذا الأدب القول به ضعيف جداً.
• ثم قال - رحمه الله -: وبُعْدُه في فضاء.
معنى هذا الكلام أنه يستحب للمسلم إذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء أن يبعد.
الدليل على هذا: أن المغيرة بن شعبة أخبر أنه كان هو والنبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر وأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يقضي حاجته قال المغيرة فانطلق حتى توارى عني - يعني انطلق يمشي إلى أن أصبح المغيرة لا يراه من شدة البعد ولذلك يقولون وبعده في فضاء.
هناك تعليلات كثيرة لاستحباب البعد: • منها: حصول الستر للإنسان عند إرادة قضاء الحاجة.
• ومنها البعد عن الصوت.
• ومنها أن لا يتأذى الناس الذين بجواره به.
وعدة فوائد أخرى.
فهذا سنة ثابتة من حيث الأثر ومن حيث النظر.
• قال - رحمه الله -: واستتاره.
الدليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يستتر حديث أبي هريرة من أتى الغائط فليستتر.
وهناك أحاديث أخرى أصح من حديث أبي هريرة وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يقضي حاجته اتخذ هدفاً أو شجرةً أو عشب نخل.
يعني أنه يذهب إلى شيء منتصب يستتر خلفه.
والمراد من الاستتار هنا الاستتار من حيث البدن أما العورة فيجب أن تستر فلا يستحب بل يجب وجوباً.
فالذي يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يكون في مكان لا يرى البدن كله حتى لو لم يبعد.
وهذه سنة يغفل عنها كثير من الناس أن يقضي حاجته بحيث لا يرى بدنه.
• ثم قال - رحمه الله -: وارتياده لبوله مكاناً رخواً.
استدلوا على استحباب هذه المسألة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بال أحدكم فليرتد لبوله.
= ما معنى ارتياده لبوله مكاناً رخواً؟

  • الجواب: هو أن يذهب إلى مكان من الأرض لين وليس بقاس حتى إذا سقط البول لا يكون له رشاش.
    فمن المعلوم أن البول إذا سقط على أرضية قاسية ارتد.
    وإذا سقط على أرضية لينة ورخوه لم يرتد.

فيقول الحنابلة أنه يستحب للمسلم أنهإذا أراد أن يقضي حاجته أن يذهب إلى أرض كما قال: رخوة.
﴿{وسمعتم الدليل من السنة والتعليل: حتى لا يرتد الرشاش﴾}.
هذا الحديث فيه ضعف - مسألة فليرتد لبوله فيه ضعف.
= قوله ’: وارتياده لبوله مكاناً رخواً: هل هو من أمثلة المستحب أو المسنون؟

  • الجواب: أنه من أمثلة المستحب لأنه تدل عليه النصوص العامة.
    = مثل ماذا من النصوص العامة التي تدل على هذا الاستحباب؟
  • مثل الأحاديث التي فيها الأمر بالتنزه من البول فإنها تصلح شاهداً عاماً لهذا الحكم.
    • ثم قال ’: ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله: من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً، ونتره ثلاثاً.
    هذان أدبان يسميان المسح والنتر.
  • المسح هو أن يجعلأصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوق الذكر ويبدأ من أصل الذكر ويمسح إلى رأس الذكر.
    ﴿{تصورتم الآن.
    هذا أمر مستحب عند الحنابلة ينبغي للإنسان أن يفعله .. هكذا ... يعني من الداخل إلى الخارج ولايمكن أن يكون العكس هذا المسح﴾}
  • والنتر هو: جذب وتحريك الذكر من الداخل.
    = ماهو الدليل على استحباب المسح والنتر؟
  • الجواب: قالوا: التعليل: ليستيقن البرءاة والطهارة لأنه إذا فعل ذلك فقد أخرج يقينا كل ما في الذكر.
    إذاً عند الحنابلة يستحب.
    والقول الثاني: - فرق شاسع جداً بين القول الأول والثاني - أن المسح والنتر بدعة - فانتقلنا من الاستحباب إلى أنه بدعة.
    واعتبار المسح والنتر بدعة اختيار شيخ الإسلام وابن القيم.
    وهذا صحيح فإنه بدعة لعدة أسباب.
    السبب الأول: أنه ليس له أصل في الشرع مع أن الشارع قد اعتنى بآداب الاستنجاء.
    السبب الثاني: شدة مضرة هذا العمل.
    واستثى شيخنا - ابن عثيمين - ’ شيء قد يكون مفيداً وهو النتر أحياناً عند الحاجة بهذه القيود.
    أما المسح فلا شك أنه بدعة ومضر جداً لعضلة الذكر.
    كذلك الإكثار من النتر بلا حاجة مضر جداً أيضاً.
    عرفنا الآن مذهب الحنابلة في المسح والنتر وما معناهما؟ وما هو القول الثاني في حكم المسح والنتر.
    • ثم قال ’: وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره: إن خاف تلوثاً.

يعني أنه يستحب للإنسان إذا انتهى من حاجته وأراد أن يستنجي أو يستجمر - يستحب له أن ينتقل من موضعه هذا متى؟ إن خاف تلوثاً.
فإن لم يخف تلوثاً فإنه لا يستحب.
دليل الاستحباب: الأدلة العامة السابقة.
وقال بعض الفقهاء بل إذا خاف أن يتلوث فيجب أن يتحول عن موضعه.
والأقرب - والله أعلم - أنه بحسب الظن فإذا غلب على ظنه أنه سيتلوث فيجب وإذا ظن ظناً يسيراً عابراً أنه سيتلوث فيستحب.
فيختلف باختلاف مدى احتمال إصابته بالنجاسة.
لما انتهى الشيخ ’ من بيان المستحبات انتقل إلى المكروهات ثم سينتقل بعده إلى المحرمات ولا يخفى أن في هذا ترتيباً بديعاً لطيفاً.
• قال ’: ويكره: دخوله بشيء فيه ذكر اللَّه تعالى إلاَّ لحاجة.
يكره للإنسان أن يدخل بشيء يعني بورقة أو بإناء أو بقلم أو بساعة أو بجوال فيه ذكر الله إلا إذا احتاج بأن خشي أن يسرق أو خشي أن يتلف إلى آخره من اختلاف الحاجات.
إذاً يكره عند للإنسان عند الحنابلة أن يدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله وترتفع الكراهة إذا وجدت الحاجة.
الدليل: قالوا أن النبي ‘ أخبر عنه أنس أنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء نزع خاتمه.
ومعلوم أن خاتم النبي ‘ مكتوب عليه محمد رسول الله وفي الرسم هي: - الله - رسول - محمد - حيث جعل لفظ الجلالة في الأعلى.
فقالوا: أنه ‘ لم يخلع خاتمه إلا لما فيه من ذكر الله.
لكن هذا الحديث ضعفه الأئمة مثل الإمام النسائي صاحب السنن ومثل الإمام الدارقطني فهولاء ضعفوا هذا الحديث.
= وإذا كان هذا الحديث ضعيفاً فما هو الدليل على الكراهة؟

  • الدليل على الكراهة هو: تعظيم اسم الله.
    الآن عرفنا حكم الدخول للخلاء إذا كان مع الإنسان شيء فيه ذكر لله أنه مكروه وأنه الكراهة ترتفع عند الحاجة.
    مسألة: ما حكم دخول الخلاء بالمصحف؟ = قالوا: أن الدخول بالمصحف محرم بل قال المرداوي صاحب الانصاف: أنه لا يتوقف في هذا عاقل.
    ومع وضوح حكم دخول الإنسان المسلم بالمصحف بيت الخلاء إلا أن بعض أهل العلم ممن قد يأخذ ويبالغ في الظواهر قال: أنه يكره لعدم الدليل وفي الحقيقة هذا بعيد جداً من نصوص الشرع حتى كما أوردنا عن المرداوي قوله أن هذا مما لا يتوقف فيه عاقل.

إذاً بالنسبة للمصحف حتى مع وجود الحاجة حتى مع خشية الضياع ومع أي ظرف من الظروف فلا يجوز الدخول به إلى بيت الخلاء.
أما مافيه ذكر الله فكما سمعتم حكمه وهو كما قال أصحاب الإمام أحمد.
• ثم قال - رحمه الله -: ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض.
يكره للإنسان أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض: يعني أنه يستحب له أن لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض.
فرفع الثوب قبل الدنو من الأرض مكروه.
• أما إذا كان يشاهده الغير فإن رفع الثوب قبل الدنو من الأرض يكون محرم لأن ستر العورة واجب.
وهذه الأحكام كثير منها إذا كان الإنسان في الخلاء أو ليس في بيت خلاء مغلق إنما في الصحراء.
• قال - رحمه الله -: وكلامه فيه.
يكره للإنسان أن يتكلم في بيت الخلاء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر عليه رجل وهو يبول فسلم فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام.
فعلمنا من هذا أنه لا ينبغي أن يتكلم الإنسان وهو في بيت الخلاء.
وقال بعض أهل العلم بل لا يجوز أن يتكلم - محرم - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد السلام مع أن رده يعتبر واجباً فدل على أنه ما ترك الواجب إلا لوجود المحرم.
إذاً اختلف في كلام الإنسان في بيت الخلاء هل هو مكروه أو محرم؟ - وسمعتم الاستدلال - والأقرب أنه مكروه لأن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لرد السلام علله بقوله: لأنني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة.
إذاً الحنابلة يرون أن كلام الإنسان في بيت الخلاء حكمه مكروه والقول الثاني أنه محرم والأقرب ما ذهب إليه الحنابلة.
• ثم قال - رحمه الله -: وبوله في شَق ونحوه.
يكره عند الحنابلة البول في شق لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نهى يبول الإنسان في الجحر وهذا الحديث إسناده جيد.
وهناك تعليل: أن البول في الجحر قد يؤدي إلى خروج ما يؤذي على الإنسان.
إذاً هذه الآداب واضحة الآداب السابقة: رفع الثوب والكلام والبول في الشق.
• ثم قال - رحمه الله -: ومس فرجه بيمينه

• بسم الله الرحمن الرحيم • يقول المؤلف - رحمه الله - مما يكره أيضاً: مسه فرجه بيمينه واستنجاؤه واستجماره بها.
أي أنه يكره للمسلم أن يمس ذكره بيمينه وأن يستجي أو أن يستجمر بها هذان مكروهان: دليلهما: حديث واحد وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه.
وفي رواية صحيحة لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول.
والمؤلف - رحمه الله - يقول هنا - ومس فرجه بيمينه - ولم يقيده بحال البول بينما نجد أنه في الحديث قيد النهي بحال البول.
= فهل يكون النهي عام في كل الأحوال أو خاص بأثناء البول؟

  • الجواب: أن النهي عام أثناء البول وفي غيره.
    فالإنسان منهي أن يمس ذكره بيمينه في حال البول وفي غيرها.
    = ما الدليل؟
  • الدليل لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول.
    = فإن قيل: الحديث خصص حال البول؟
  • فالجواب أن نقول هذا صحيح أن الإسناد الثابت لحديث أبي قتادة لايمسكن أحدكم ذكره مخصص بالبول لكن إذا كان الشارع نهى عن مس الذكر أثناء البول مع الحاجة إليه ففي غيره الحاجة يكون النهي من باب أولى.
    يعني: إذا كان المسلم منهياً عن أن يمس ذكره حتى وهو يبول مع الحاجة أثناء البول إلى مس الذكر ففي غير هذه الحال من باب أولى.
    ومن الفقهاء من قال بل لا ينهى إلا حال البول لأن حال البول هي الحال المستكرهة التي لا يحب الشارع من المسلم أن يمس ذكره بيمينه أثنائها.
    والأقرب مذهب الحنابلة أنه يكره أن يمس الإنسان ذكره بيمينه سواء في أثناء البول أو في غيره من الأحوال وإن كان الحديث فيه التقييد بحال البول.
    أما الاستنجاء والاستجمار باليمين فلا شك أنه مكروه لقوله في الحديث السابق ولا يتمسح من الخلاء بيمينه.
    والشارع الحكيم جعل لليمين ميزة خاصة وأفردها بأحكام كثيرة جداً فينبغي للمسلم أن يهتم بهذا الأمر لأن الشارع اهتم به.
    فمثلاً إذا مس الإنسان ذكره بيده انتقضت طهارته - على خلاف في المسألة كما سيأتينا - ولا يجوز أن يمس ذكره على القول الصواب ولا في غير حال البول ولا يجوز أن يستنجي أو أن يستجمر بيمينه ويجب أن يبدأ بالطاهرات بيمينه ويجب أن يبدأ بالمستخبثات بغير يمينه.
    إذاً هناك جملة من الأحكام خص الشارع بها اليد اليمنى مما يدل على أن الإنسان يجب أن يهتم بها لأن على كل مسلم أن يهتم بما اهتم به الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. • قال - رحمه الله -: واستقبال النيرين.
    وهذا هو المكروه الأخير وهو السابع استقبال النيرين:

فيكره عند الحنابلة أن يستقبل الانسان أثناء قضاء الحاجة النيرين والمقصود بهما الشمس والقمر.
والتعليل: قالوا لأن فيهما من نور الله.
والقول الثاني: أن استقبال النيرين أو استقبال أحدهما ليس بمكروه.
أولاً: لأنه لا دليل على الكراهة والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
وثانياً: لأن الإنسان منهي عن استقبال القبلة كما سيأتي.
والإنسان إذا لم يستقبل القبلة فإنه سيستقبل النيرين - إذا انحرف عن القبلة فسيستقبل النيرين.
بل إنه صرح في الحديث الذي سيأتي ذكره النهي عن استقبال القبلة ولكن شرقوا أو غربوا.
وإذا شرق الإنسان أو غرب فسيستقبل أحد النيرين.
إذاً قول المؤلف - رحمه الله - واستقبال النيرين ضعيف جداً لأنه مخالف للنص من جهة ولعدم وجود ما يدل عليه من جهة أخرى.
• لما أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام على المكروهات انتقل إلى المحرمات فقال - رحمه الله -: ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان ولبثه فوق حاجته، وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
هذه ثلاث محرمات فقط منهي عنها على سبيل التحريم عند الحنابلة.
الاستقبال واللبث والبول في الطريق.
• قال - رحمه الله -: ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان.
ذهب الحنابلة إلى أنه يحرم على المسلم الاستقبال والاستدبار للقبلة إلا في البنيان فيجوز الاستقبال والاستدبار فيه.
ومذهب الحنابلة هذا اختاره من المحققين - بهذا التفصيل - الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله -. واستدل الحنابلة بحديث أبي أيوب الأنصاري - أنه قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا.
فهذا نص صريح.
وروي في الصحيح عن أبي هريرة بلفظ قريب من لفظ حديث أبي أيوب وفيه النهي عن استقبال القبلة في البول والغائط.
هذان الحديثان - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - يدلان على النهي.
يحتاج الحنابلة إلى حديث يدل على استثناء البنيان قالوا الدليل على استثناء البنيان حديث ابن عمر الصحيح قال رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبول وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان في البنيان خاصة أن يستقبل أو أو يستدبر القبلة.
انتهى الآن مذهب الحنابلة وعرفنا دليلهم وعرفنا وجه استثناء البنيان.

القول الثاني: أن الاستدبار والاستقبال في البنيان وفي غير البنيان - في الفضاء - محرم وهذا معنى قول الفقهاء: محرمٌ مطلقاً.
وانتصر لهذا القول بقوة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وانتصر له أيضاً عدد من المحققين ونسب إلى الجمهور.
دليلهم: أدلتهم الأحاديث - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - قالوا كل حديث يخالف هذه الاأحاديث فهو إما ضعيف أو يدخله الاحتمال ثم قرر ابن القيم قاعدة جيدة في الحقيقة وإن كانت قد لا تسلم في هذا الموضع ولكنها قاعدة ينبغي أن يعتني بها طالب العلم.
((أن الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة لا تعارض بالأحاديث المحتملة)).
فيقول ابن القيم عندنا أحاديث صحيحة صريحة قوية ثابتة وهي نص في المسألة في التحريم المطلق فلا نزول عنها إلى أحاديث محتملة أو أحاديث ضعيفة.
القول الثالث: أن الاستقبال والاستدبار يحرم مطلقاً إلا الاستدبار في البنيان.
وهذا القول اختاره القاضي أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - أخذاً بحديث ابن عمر بتقييده الخاص.
وفي الحقيقة هذه المسألة من المسائل المشكلة ولذلك كثرت فيها الأقوال وتشعبت واختلف فيها العلماء كما ترون اختلاف كثير.
وما في شك أن الأحوط اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والأقوى دليلاً اختيار القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقوله صحيح وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستدبر الكعبة دليل على الجواز في البنيان خاصة.
• ثم قال - رحمه الله -: ولبثه فوق حاجته.
يعني أنه يحرم على الإنسان أن يبقى فوق حاجته بعد انتهاء الحاجة لتعليلين: الأول: أنه يحرم على الإنسان أن يكشف عورته بلا حاجة بالإجماع - حكي الإجماع عليه وهنا هو كاشف لعورته بلا حاجة.
الثاني: أن هذا البقاء بعد انتهاء الحاجة يضر بالإنسان.
إذاً ما ذكره المؤلف من أن لبث الإنسان فوق حاجته بعد انتهائه أنه محرم فحكم صحيح.
• ثم قال - رحمه الله -: وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
يحرم البول في ثلاث أماكن: الأول: الطريق.
والثاني: الظل.
والثالث: الشجرة التي لها ثمرة.
ولو لم يكن لها ظل فمجرد وجود الثمرة يحرم قضاء الحاجة تحت الشجرة.
وعلم من كلام المؤلف أنه يجوز للإنسان أن يبول تحت شجرة ليس لها ظل ولا ثمرة.

وتقدم معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتخذ هدف أو شجرة وعليه نجزم - والله أعلم - أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتخذ شجرة لا ظل لها ولا ثمرة كصغار الشجر التي تستر الإنسان بدون أن يكون لها ظل ولا ثمرة.
الدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم.
ومعنى اللعانين: يعني الأمرين الجالبين للعن.
فقوله - صلى الله عليه وسلم - اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم دليل على أنه محرم ودليل على مسألة أخرى وهي أنه من كبائر الذنوب لأن الكبيرة في عرف الفقهاء كل عمل رتب عليه الشارع وعيد خاص.
وهذا القول اختاره الذهبي وشيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين أن هذا هو حد الكبيرة - كل عمل ترتب عليه وعيد خاص -. واللعن من أشد أنواع الوعيد.
ويقاس على الطريق والظل النافع والشجرة المثمرة - كل مكان يتأذى المسلمون بقضاء الحاجة فيه ولو لم يكن طريق ولا ظل ولا شجرة لها ثمرة كالمكان الذي اعتاد الناس أن يجلسوا فيه.
فلو فرضنا أن هناك مكان اعتاد الناس أن يجلسوا فيه وليس ظلاً وليس تحت شجرة مثمرة وليس طريقاً أيضاً فقضاء الحاجة في هذا المكان يعتبر محرماً لأن العلة التي نهى الشارع من أجلها هي أن يتأذى المسلمون.
انتهى - رحمه الله - من تفصيل الآداب المستحبة أو المكروهة أو المحرمة وانتقل إلى موضوع آخر وهو أحكام الاستجمار.
• فقال - رحمه الله -: ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء.
المؤلف رحمه يريد أن يبين الطريقة الأمثل في الاستنجاء والتخلص من الأذى والحنابلة يرون أنها على ثلاث مراتب:

  1. فأفضل الطرق في تنظيف النجاسة أن يبدأ الإنسان بالحجارة وينظف المحل ثم يتبع الحجارة الماء.
  2. يليه في الأفضلية أن يستعمل الإنسان الماء وحده.
  3. ثم يليه في الأفضلية أن يستعمل الحجارة وحدها.
    فهذه ثلاث مراتب للاستنجاء والاستجمار أفضلها الجمع ثم الماء ثم الحجر.
    استدل الحنابلة على هذا التفصيل بأمرين: الأول: الإجماع.
    قالوا أجمع أهل العلم أن أفضل الطرق أن يبدأ بالحجارة ثم يتبعها الماء.
    الثاني: استدلوا بحديث عائشة أنها قالت مرن أزواجكن أن يتبعن الحجارة الماء فإني استحييهم وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله.
    الحنابلة يقولون بعد هذا الحديث - في كتبهم - رواه أحمد واحتج به.

لكني بحثت بحث طويل عن هذا اللفظ في السنن والمسانيد والمعاجم ومسند أحمد ومعجم الصحابة للإمام أحمد وغيرها من الكتب فلم أجد هذا اللفظ وإنما اللفظ الموجود في سنن النسائي والترمذي والبيهقي وغيرها مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء فلا يوجد ذكر للحجارة.
ففي الحقيقة لا أدري من أين أتى الحنابلو بقولهم رواه أحمد واحتج به بل ثبت أن الإمام أحمد احتج بهذا اللفظ فهذا فرع التصحيح وتصحيح الإمام أحمد من أعلى مراتب التصحيح لكن لم نجد هذا اللفظ مطلقاً في الكتب المصنفة والمسانيد مع ذكر الحنابلة له في كتبهم.
لكن مع ذلك هذا التفصيل يسنده ماذا؟ يسنده الإجماع.
ولكن الإنسان يتردد في قضية أخرى وهي هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخدم الحجارة والماء في وقت واحد أو كان يستخدم الحجارة مفردة والماء مفرد؟ فإنه ليس في النصوص الصحيحة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستخدم الحجارة ثم يتبعها الماء بالطريقة التي يصفها الحنابلة.

لكن مع هذا البحث العلمي يبقى أن ما ذكره الحنابلة أفضل وصحيح.
أولاً: للإجماع.
ثانياً: لأن هذه الطريقة تحول بين الإنسان وبين مباشرة النجاسة لأن الإنسان إذا اكتفى بالماء فيباشر النجاسة بينما إذا استخدم الحجارة ثم أتبع الحجارة بالماء لن يمس النجاسة ومعلوم أن الشارع قطعاً من النصوص العامة والمتكاثرة يحب أن لا يمس الإنسان النجاسة إذاً لهذين الأمرين الإجماع وهذا التعليل نقول أن ما ذكره الحنابلة من التفصيل وهذه المراتب الثلاث تفصيل صحيح.
وبالإمكان أن نقول بالنسبة لوقتنا المعاصر مع تيسر أدوات التنظيف أن بإمكان الإنسان أن يستخدم اليوم الماء بدون أن يمس النجاسة فيحصل الاكتفاء بالماء مع عدم مس النجاسة.
وعدم مس النجاسة أمر يعتني به الشارع وفي مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عدة آثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها النهي عن مس النجاسة أثناء الاستنجاء إذا أمكن.
إذا عرفنا الآن الطرق التي يستخدمها المسلم في الاستجمار والاستنجاء.
• ثم قال - رحمه الله -: ويجزئه الإستجمار: إن لم يعْدُ الخارج موضع العادة.

يقصد العلماء رحمهم الله أنه يجزئ الإنسان أن يستخدم الحجارة حتى مع وجود الماء - يعني إذا كان الإنسان يستطيع أن يستنجي بالماء وتركه واستجمر بالحجارة أو بنحوها جاز ذلك حتى مع وجود الماء.
الدليل: أجماع الصحابة - والحمد لله فما دام في المسألة إجماع الصحابة فهي مسألة دليلها قوي جداً.
لكن قيد المؤلف - رحمه الله - هذا لجواز بقيد فقال: إن لم يعد الخارج موضع العادة.
يعني أنه يجوز للإنسان أن يكتفي بالاستجمار بالحجارة بدون الماء بشرط أن لا يتجاوز الخارج موضع العادة.
فإذا تغوط الإنسان ثم تعدى هذا الغائط موضع الحاجة المعتاد ووصل إلى الإليتين ففي هذا الحالة يقول الحنابلة لا يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة فقط بل يجب عليه هنا أن يستخدم الماء.
الدليل: تعليل: قالوا أن الاستجمار بالحجارة ونحوها إنما شرع لمشقة التكرار - وتعدي الخارج موضع الحاجة لا يتكرر فنرجع إلى الأصل وهو الماء هذا تعليل الحنابلة.
والقول الثاني: في هذه المسألة أنه يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة دائماً وفي كل الأحوال بلا استثناء لأن الشارع الحكيم لم يستثن حالاً دون حال وإنما النصوص عامة.
وهذا القول - الثاني - اختاره شيخ الإسلام - رحمه الله -. وهو القول الراجح كما ترون لأنه اعتمد على عموم الدليل ولا يوجد مخصص.

• ثم قال - رحمه الله -: ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها: أن يكون طاهراً منقياً، غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر، ولو بحجر ذي شعب، ويسن قطعه على وتر.
ذكر المؤلف - رحمه الله - هنا شروط الاستجمار - ونذكر الشروط على سبيل الإجمال: الشرط الأول: أن يكون الاستجمار بأحجار ونحوها.
يعني بهذا الجنس.
الشرط الثاني: أن يكون طاهراً.
الشرط الثالث: أن يكون منقياً.
الشرط الرابع: غير محترم.
((إجمال لما ذكره في قوله العظم والروث)).
الشرط الخامس: أن لا يقل عن ثلاث مسحات.
الشرط السادس: أن يقطعه على وتر - على الراجح كما سيأتينا.
نرجع إلى بيان الشروط: الشرط الأول: أن يكون بأحجار وهذا الشرط ستبينه الشروط التالية.
أولاً: أن يكون طاهراً: الدليل على هذا الشرط.
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يقضي حاجته أمر الصحابي الجليل ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار.

فوجد حجرين ولم يجد الثالث فأتاه بروثة فأخذ النبي ‘ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس يعني رجس.
فهذا الدليل نص على أن لا يجوز للإنسان أن يستجمر بنجس وإنما يجب أن يستجمر بطاهر.
إذاً هذا الشرط صحيح.
الثاني: أن يكون منقياً التعليل: أن المقصود من الاستجمار الانقاء فإذا لم يحصل فإن لم يحصل المقصود.
الثالث: في قوله ’ تعالى ((غير عظم وروث)) يعني أنه لايجوز للإنسان أن يستجمر بهذين الشيئين العظام والروث.
الدليل أيضاً حديث ابن مسعود أن النبي ‘ قال لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن.
فهذا نهي صريح وهذا الحديث مفيد جداً لأن فيه الحكم والتعليل.
فالحكم عدم الجواز والتعليل أنها زاد إخواننا من الجن.
فالروث زاد لدوابهم والعظام زاد لهم.
فإن استنجى بالروث والعظام فالحنابلة يرون أنه لا يجزئه فكأنه لم يستنج ولم يستجمر وهذا أيضاً مذهب الشافعية قالوا لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
والقول الثاني: أنه يجزئ مع الإثم لأن النهي عنهما لالأنهما لايطهران بل لأنمهما زاد لأخواننا من الجن.
فاستفدنا من التعليل الذي في حديث ابن مسعود حكم زائد وهو حكم ما إذى خالف الإنسان فاستجمر بالروث أو بالعظام.
• ثم قال ’: وطعام ومحترم ومتصل بحيوان لا يجوز للإنسان أن يستنجي بالطعام لماذا؟ لأنه إذا كان هي عن الاستنجاء بطعام الجن فطعام الإنس من باب أولى سواء كان الطعام لهم أو لدوابهم قياساً على طعام دواب الجن ((ومحترم)) يقصدون بالمحترم ككتب أهل العلم ويقصدون بالكتب هنا كما صرحوا بالتمثيل الكتب الشرعية ككتب الفقه والحديث ويقاس عليها كتب العلوم النافعة ولا يقاس عليها كتب العلوم الضارة.
= فإذا قيل لك هل يجوز للإنسان أن يستجني بكتاب فيه كيفية تعلم السحر؟

  • الجواب: نعم يجوز لأنه كتاب غير محترم.
    = لو قيل لك هل يجوز أن يستنجي الانسان بكتاب فيه تعليم الفيزياءوالكيمياء والرياضيات؟
  • الجواب: لا يجوز لأنها علوم نافعة.
    • قال ’: ومتصل بحيوان.
    المتصل بالحيون لا يجوز الاستنجاء به.
    = ما معنى متصل بالحيوان؟

الدليل قول النبي ‘ من استجمر فليوتر.
واللام للأمر لذلك الأقرب أن قطع الاستجمار على وتر فيما يظهر لي أنه واجب لقوله فليوتر وهذا أمر صريح.
هذا الحكم وعدم جواز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار حكمان يجهلهما كثير من العوام بالذات هذين الحكمين.
• ثم قال ’: ويجب الإستنجاءُ: لكل خارج إلاّ الريح.
بين ’ أنه يجب على الإنسان أن يستنجي بالماء بعد قضاء الحاجة أو يستجمر لحديث عائشة إذا ذهب أحدكم لى الخلاء فليستطب بثلاثة أحجار واللام للوجوب.
لكن الحنابلة قيدوا هذا الوجوب بقيد هو: قوله في الروض إذا أراد الصلاة.
يعني أن الحنابلة يرون أنه يجب على الإنسان إذا قضى حاجته أن يستجمر أو أن يستنجي لكن إذا أراد الصلاة.
أما إذا لم يرد الصلاة فهو مخير فيستطيع أن لا يتنجي ولا يستجمر ثم إذا حضر وقت الصلاة وجب عليه أن يطهر بدنه وثوبه إن كان مس ثوبه شيء من النجاسة.
ولكن الأقرب إذا قضى حاجته يجب عليه مباشرة أن يستنجي أو أن يستجمر.
لماذا؟ لأن النصوص التي تقدمت معنا كحديث سلمان وحديث ابن مسعود وحديث عائشة كلها لم تقيد الأمر بإرادة الصلاة.
ثم الشارع الحكيم متشوف للطهارة وهذا من أهم أنواع الطهارة.
ثم هذا من الفروق الكبيرة بين دين الاسلام ودين النصارى فإنهم أناس لا يعتنون بالنظافة بينما الاسلام كما سيأتينا كثيراً - ما يدل على اعتناء الاسلام بالطهارة.
إذاً الصواب أنه يجب على الإنسان بعد قضاء الحاجة أن يستجمر أو يستنجي ولو لم يكن يرد الصلاة.
• ثم قال ’: ولا يصح قبله: وضوء ولا تيمم.
يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يتيمم أو يتوضأ إلا بعد الاستنجاء والاستجمار أما لو قضى حاجته ثم توضأ ثم استنجى أو استجمر فإن الوضوء يكون باطل.
الدليل: قالوا: أن علي بن أبي طالب - أمر من يسأل النبي ‘ لأنه كان كثير الإمذاء فسأله عن هذه المسألة مسألة حكم المذي فأفتاه النبي ‘ بقوله اغسل ذكرك وتوضأ.
قالوا: فأمره النبي ‘ أولاً بالاستنجاء ثم بعد ذلك يتوضأ.
والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بالضوء ثم يستنجي أو يستجمر.
قالوا لأنه ثبت في الصحيح رواية لحديث علي أن النبي ‘ قال له توضأ وانضح فرجك.
فبدأ بالوضوء قبل الاستنجاء.

قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ ثم بعد ذلك أن يستنجي أو يستجمر.
وهذا القول الثاني هو الصواب لأنه لا يوجد ارتباط بين الوضوء وإزالة النجاسة.

  • انتبهوا لهذه القاعدة لتفهموا هذه القاعدة حتى تريحكم في كثير من الأشياء - لو أن الإنسان على ظهره نجاسة أي نجاسة وقعت على ظهره فهل يجوز له أن يتوضأ ثم يغسل هذه النجاسة؟ نعم يجوز.
    بالإجماع إذا لم تكن النجاسة في أحد السبيلين فبالإجماع.
    هذه المسألة تبين أنه لا يوجد ارتباط بين مسألة إزالة النجاسة ومسألة الوضوء.
    نقول ولا يوجد فرق بين أن تكون النجاسة على أحد السبيلين وبين أن تكون في موضع آخر من البدن.
    إذاً ما في شك أن الإنسان لو توضأ ثم استنجى أو استجمر فوضوءه صحيح لكن لا ينبغي له أبداً أنت يفعل لوجود الخلاف ولأن الإنسان ينبغي له أن يتطهر تطهراً كاملاً فيبدأ بإزالة الخبث ثم الوضوء وهو التحلي بالطهارة المعنوية.

((تابع الدرس الخامس)) لما أنهى المؤلف - رحمه الله - ما يتعلق بالاستنجاء والاستجمار وآداب التخلي انتقل إلى ما يأتي بعده عادة وهو السواك وسنن الوضوء لأن الإنسان يقضي حاجته ثم يستنجي أو يستجمر ثم يتوضأ وهذا الترتيب المنطقي هو الذي سار عليه المؤلف.

باب السواك وسنن الوضوء

السواك: من أعظم سنن الإسلام واعتنى به الشارع عناية خاصة كثيرة حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - إستاك وهو يموت - وهو في النزع - من شدة عنايته ومحبته للسواك.
ولما رأى العلماء اهتمام الشارع واهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسواك جعلوا له بحثاً خاصاً بل إن كثيراًَ من أهل العلم أفرده بمؤلف.

  • السواك هو: دلك الفم لإزالة التغير ونحوه.
    • والمقصود الأول من الاستياك: التننظيف.
    • والمقصود الثاني: إزالة الرائحة.
    • والمقصود الثالث: إزالة التغير باللون.
    • قال - رحمه الله -: التسوك: بعود لين منق غير مضر لا يتفتت، لا بإصبعه وخرقة مسنون كل وقت، لغير صائم بعد الزوال بدء المؤلف يبين أحكام السواك فبين: أولاً: أنه مسنون لأنه قال: التسوك بعود لين ...... مسنون.
    إذاً حكمه: أنه سنة.
    • لحديث أبي هريرة - - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
    • ولحديث عائشة - رضي الله عنها - - الصحيح أيضاً - (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).

وحديث عائشة هذا مهم.
ولماذا هو مهم؟ الجواب: لأن كثيراً من الأحكام التي يذكرها المؤلف تستنبط من هذا الحديث.
• يقول - رحمه الله -: التسوك: بعود لين يسن أن يكون العود ليناً ولا يكون يابساً.
= ما الدليل على أنه يكون ليناً؟

  • قالوا: الدليل لأن العود اللين أنقى من العود اليابس.
    = ما الدليل على أن العود الأنقى أحب إلى الله من العود الأقل نقاوة؟
  • الجواب: حديث عائشة لأنها تقول مطهرة للفم فإذاً كل ما يكون فيه تطهير أشد فهو أكثر محبة للشارع.
    • ثم قال - رحمه الله -: لين منق.
    = ما الدليل على أنه كلما كان العود منقياً فهو أفضل؟
  • الجواب: أن المقصود هو الإنقاء بدليل حديث عائشة.
    • ثم قال - رحمه الله -: غير مضر.
    هذا الحكم لا يرجع إلى حديث عائشة.
    ويعني أنه: يكره للإنسان أن يستعمل عوداً مضراً وإن شئت أن تقول يستحب للإنسان أن يستعمل عوداً لا يضر.
    ومن العلماء من قال: بل يحرم.
    أن استعمال العود المضر يحرم.
    والصواب أنه بحسب المضرة:
  • فإن كانت المضرة شديدة فهو: محرم.
  • وإن كانت المضرة يسيرة فهو: مكروه.
    والحنابلة عندهم قاعدة: وهي: أن كل عود له رائحة طيبة فهو مضر.
    والظاهر أنهم أخذوا هذا الحكم من التجارب.
    • ثم قال - رحمه الله -: لا يتفتت.
    ما العلة في كونه لا يتفتت؟ - من فهم الكلام السابق فيستطيع أن يذكر التعليل -. الجواب أن العلة هي: أن التفتت يناقض الإنقاء من وجهين:
  • الوجه الأول: أن الأجزاء المتفتتة ستبقى في الفم.
  • والوجه الثاني: أن العود إذا تفتت لم ينق.
    إذاً تستطيع أن تقول: تعليل مختصر: أن العود الذي يتفتت لا يستحب لأنه ينافي الغرض من التسوك.
    • ثم قال - رحمه الله -: لا بأصبع وخرقة.
    الحنابلة يرون أن استخدام الإصبع أو الخرقة لا يحقق السنة.
    = ما معنى أنه: لا يحقق السنة؟
  • الجواب: أنه يعني: لو أن الإنسان استخدم إصبعه أو خرقة لا يؤجر الأجر المترتب على السواك لأنه لا يحقق السنة.
    وقيل: بل يحقق السنة بحسب ما ينقي.
    = وعلى هذا القول أيهما أفضل الأصبع أو الخرقة؟
  • الجواب: الخرقة أفضل ولماذا؟: لأنها أنقى.
    والقول الثالث: أنهما يحققان السنة عند عدم العود.
    وهذا القول اختاره المرداوي في كتابه - الحافل المفيد لطالب العلم - الإنصاف.

ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى موضوع جديد وهو كيفية الاستياك فقسم لنا - رحمه الله - أحكام السواك تقسيماً مبسطاً وجيداً.
• فقال - رحمه الله -: ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانب فمه الأيمن.
يستاك عرضاً: وذلك بأن يمرر السواك من ثناياه إلى أضراسه.
وإذا أردت أن تفهم العرض افهم الطول فالطول هو أن يبدأ من أصول - منابت - الأسنان إلى أسفلها.
إذاً العرض: من الثنايا إلى آخر الفم ذهاباً وعوداً.
فيقول - رحمه الله - أن هذا مستحب بأن يستاك عرضاً لا طولاً.
= ما الدليل؟

  • قالوا أنه روي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا استكتم فا ستاكوا عرضاً) وهذا الحديث مرسل.
    ومن المعلوم أن المرسل من أنواع الحديث الضعيف فالحديث ضعيف.
    والتعليل: أن هذا أنقى وأبعد عن الأذى.
    فالفقهاء يرون أننا نستخدم المسواك بعكس ما يقول الأطباء في استخدام الفرشاة.
    وفي الحقيقة ينبغي أن يرجع في كيفية الاستياك إلى الأطباء إذا كان حقيقة أن استخدام العود عرضاً أنفع وأقل ضرراً على اللثة أخذنا به وإذا كان الإستخدام الذي يرشدون إليه في الفرشاة أنفع أخذنا به.
    ويمكن أن يقال أنه يخنلف العود عن الفرشاة فيمكن أن يكون لكل واحد منهما طريقة تخصه.
    • ثم قال - رحمه الله -: مبتدأً بجانب فمه الأيمن.
    هذا القول يبين مدى دقة الفقهاء رحمهم الله فإذا أردت أن تستاك وقبل أن تبدأ فأين تضع المسواك؟ فيرشدون - رحمهم الله - أنك تضعه في جانب الفم الأيمن.
    = ما الدليل؟
  • حديث عائشة كان يعجبة التيمن في شأنه كله - وهذا من شأنه.
    ثم نحن أخذنا قاعدة: أنه إذا أراد الإنسان أن يُنَظِّفْ فَالمُنَظَّفْ يبدأ به من اليمين ويستخدم في التنظيف الشمال.
    (((هنالك مسألتين سبق الكلام عليهما في باب المياه نريد أن ننبه عليهما: المسألة الأولى: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة: الحكم: أنه إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة ولم يعلم عدد النجسة فإنه يصلي بعدد الثياب بلا زيادة.
    ولعلي ذكرت أنه بزيادة صلاة واحدة - أظن أني ذكرت هذا - وهذا ليس بصحيح إنما يصلي بعدد الثياب فقط.
    يعني أنه إذا كان عنده عشرة ثياب فيها ثياب نجسة لا يعرف عددها فبكم يصلي؟ يصلي بعدد العشرة الثياب.
    وإنما يصلي بعدد النجس ويزيد إذا كان عدد الثياب النجسة معلوماً.

المسألة الثانية: في أقسام المياه ذكر المؤلف قسم الطهور المكروه وذكر أنه إذا اختلط بممازج وذكر قطع الكافور والدهن والملح المائي: ففهم بعض الإخوة أن الملح المائي لا يمازج.
ونقول الصواب أن الملح المائي يمازج ولكن لماذا يبقى طهور؟ لأن أصله الماء وقد ذكرت أن هذا هو العلة لكن عدداً من إخواننا اشتبه عليهم الأمر.
المسألة الثالثة: أن المؤلف - رحمه الله - ذكر القسم الثالث فقال: والنجَس.
بفتح الجيم.
والذي في القاموس بالكسر النجِس.
(((انقطع التسجيل))).
((انتهى الدرس الخامس))

• يقول - رحمه الله -: ويدهن غِبَّاً.
يعني أنه يسن للإنسان أن يدهن غِبَّاً يعني: يدهن يوماً ويترك يوماً.
والدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الترجل إلا غِبَّاً.
= فإذا قيل ما هي العلاقة بين الترجل والإدهان الذي ذكره المؤلف؟

  • فالجواب: أن الترجل هو تسريح الشعر مع دهنه.
    أما التمشيط بلا دهن فليس بترجل.
    وهذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الترجل إلا غِبَّاً.
    حديث قابل للتحسين.
    فمن السنن عند الحنابلة أن يدهن غِبَّاً.
    فجمعوا بين وجود الإدهان وأن لا يكثر، فلا إفراط ولا تفريط يدهن ولكن لا يكثر.
    • قال - رحمه الله -: ويكتحل وتراً.
    من السنن عند الحنابلة أن يكتحل الإنسان وأن يكون هذا الاكتحال وتراً.
    الدليل: - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من اكتحل فليوتر.
    وهذا الحديث أيضاً قابل للتحسين بمجموع طرقه.
    = وهنا مسألة: هل الإيتار يكون بالنسبة لمجموع العينين؟ أم يكون بالنسبة لكل عين على حدة؟.
  • إذا كان لمجموع العينين: فهذا يعني أن يكتحل مثلاً: ثلاث مرات في اليمنى ومرتين في اليسرى فيكون المجموع خمساً.
    فهذا إيتار بالنسبة لمجموع العينين.
  • والإيتار بالنسبة لكل عين أن يكتحل في كل عين ثلاث مرات.
    الذي ذهب إليه الإمام أحمد - رحمه الله - ورجحه وعمل به القول الأول: أن الإيتار إنما هو لمجموع العينين وما مال إليه الإمام أحمد هو الصحيح لأن في الباب أحاديث وآثار تدل عليه وإن كانت الأحاديث ضعيفه ولكن من طريقة الإمام أحمد أنه إذا لم يكن في الباب إلا حديثاً ضعيفاً أخذ به.
    إذاً عرفنا حكم الاكتحال وتراً وكيفية هذا الإيتار.

الباب معقود لسنن الوضوء ومع ذلك يقول تجب التسمية ولا إشكال في هذا لأنه أراد أن يبين السنن جملة وينص على ما يراه هو واجباً وإن كان غيره يراه سنة.
• قال - رحمه الله -: وتجب التسمية: في الوضوء مع الذكر.
فالحنابلة يرون أن التسمية في الوضوء واجبة فإن تركها عمداً بطل الوضوء ويستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).
هذا الحديث بالنسبة للمتأخرين محل بحث طويل فكُتِبَتْ فيه بحوث طويلة ورسائل مفردة وغرض الكاتبين إثبات صحة هذا الحديث.
فلا يخلوا أي طريق من طرق هذا الحديث من ضعف ولكنهم يصححونه بمجموع الطرق.
فإذاً عرفنا الآن:

  • أن: مذهب المتأخرين من المحدثين تصحيح هذا الحديث بمجموع طرقه.
  • وذهب الإمام أحمد وأبو حاتم إلا أنه لا يصح في هذا الباب حديث.
    وما ذهب إليه الإمامان هو الصواب عندي بلا إشكال وبدون تردد لسببين: • السبب الأول: أن طرق هذا الحديث ضعيفة وفي بعضها ضعف شديد.
    السبب الثاني: أن كل علم تحتاج إليه الأمة لا سيما في ركن من أركان الإسلام كالصلاة ولا سيما في أهم واجباتها وهو الضوء فلا بد أن يأتي بطرق قوية ثابتة لا يتردد فيها النقاد وهذا الأم غير متوفر في أحاديث البسملة.
    ثم الذين نقلوا إلينا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو عشرة من الصحابة أو أكثر ذكرهم ابن الأثير في جامع الأصول لم يذكر أحد منهم في الأحاديث الصحيحة البسملة مما يدل لم تكن موجودة أي أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يبسمل.
    إذاً النتيجة أن هذا الحديث ضعيف وإذا كان ضعيفاً فالصواب في هذه المسألة هو القول الثاني: وهو أن البسملة سنة.
    بل من العلماء من قال إن البسملة غير مشروعة قالوا: لا يشترط لكل عبادة أن نبدأها ببسم الله فمثلاً: الآذان من أعظم العبادات لا يبدأ فيه ببسم الله.
    ولعل القول الوسط أن البسملة سنة - فيكون أقرب الأقوال - وإن كان القول بعدم مشروعية البسملة قول قوي.
    • قوله - رحمه الله -: ويجب الختان ما لم يخف على نفسه.
    الختان: • بالنسبة للذكر: هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة.
    • وبالنسبة للأنثى: هو قطعالجلدة أعلى الفرج وذكر الفقهاء أنها تشبه عرف الديك.

فالحنابلة - كما ترون - يرون وجوب الختان للذكر وللأنثى ويستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ألق عنك شعر الكفر واختتن).
فأمر من دخل بالإسلام أن يختتن وهذا الحديث حديث ضعيف.
والقول الثاني في مسألة الأختتان: أنه سنة.
وهذا مذهب الحسن البصري واشتهر بهذا القول واستدل بأن عدداً كبيراً من الناس أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر أنهم أمروا بالإختتان.
والقول الثالث: أنه واجب بالنسبة للرجل سنة بالنسبة للأنثى.

  • وجه هذا القول: • أن الإختتان بالنسبة للذكر يتعلق بكمال الطهارة وتمامها لأنه إذا لم يقطع هذه الجلدة التي تغطي الحشفة تجمع تحتها بقايا البول فلم تحصل الطهارة على الوجه المطلوب.
    • ووجه الوجوب هذا بالنسبة للذكر لا يوجد بالنسبة للأنثى فإن الختان بالنسبة إليها أمر كمالي تحسيني.
    وهذا القول يشعر به كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه يقول في الاختيارات ويجب الختان إذا وجبت الصلاة - فربط الختان بالصلاة.
    إذاً صارت الأقوال ثلاثة وهذه الثلاثة الأقوال هي أيضاً روايات عن الإمام أحمد فعنه في هذه المسألة ثلاث روايات.
    والقول بالوجوب على الذكر دون الأنثى اختيار ابن قدامة - رحمه الله -. إذا قيل لك متى تكثر الروايات عن الإمام أحمد فالجواب أن تقول تكثر الروايات عن الإمام أحمد في كل مسألة تعارضت فيها الأدلة الصحيحة أو لم يوجد فيها أدلة فإذا لم يجد الإمام أحمد نصوصاً واضحةً تجد أنه مع ورعه يكون له في المسألة أكثر من قول يعني أكثر من رواية.
    فعرفنا بالتفصيل القول في مسألة الختان بالنسبة للحنابلة وغيرهم.
    • قوله - رحمه الله -: ويكره القزع.
    يكره القزع عند الحنابلة لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن القزع).
    وروى هذا الحديث عن ابن عمر نافع وذكر البخاري ومسلم في الصحيحين تفسير نافع للقزع حيث قال: أن القزع هو: حلق بعض الرأس وترك بعضه.
    إذاً هذا التفسير المشهور هو تفسير لنافع وهو أيضاً في الصحيحين.
    = فما حكم القزع؟
  • مكروه عند الحنابلة.
    = فإن قيل: أن الأصل في النهي التحريم فما وجه أن يكون مكروهاً؟
  • فالجواب: أني لم أجد قائلاً من الفقهاء المتقدمين بالتحريم - حسب اطلاعي فإذا كان أحد وجد من السلف أو ممن جاء بعدهم قال بالتحريم فنقول إن التحريم متوافق مع النص لأن الأصل في النهي التحريم.
    وقد يكون بعض العلماء الأجلاء المعاصرين قالوا بالتحريم ولكن حسب بحثي لم أجد قائلاً بالتحريم.
    ومن سنن الوضوء: السواك، وغسل الكفين ثلاثاً ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء، والبداءَة بمضمضة ثم استنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأُذنين، والغسلة الثانية والثالثة.
    لما انتهى المؤلف من السنن العامة: السواك وما يتعلق به والاكتحال والاختتان انتقل إلى سنن الوضوء لأن الباب معقود للسواك وسنن الوضوء.
    • قال - رحمه الله -: ومن سنن الوضوء: السواك بدأ به لأنه من أهم سنن الوضوء والدليل على سنيته حديث أبي هريرة السابق - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) - بدل عند كل صلاة.
    الحديث الذي في الصحيح فيه الصلاة وفي الرواية التي خارج الصحيح الوضوء.
    = وعليه أيهما أصح وأثبت؟ رواية عند الصلاة أو رواية عند الوضوء؟
  • الجواب: عند الصلاة.
    ومع ذلك فهو سنة عند الوضوء.
    • ثم قال - رحمه الله -: وغسل الكفين ثلاثاً.
    يعني أنه يسن لمن أراد أن يتوضأ أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل أن يبدأ بالوضوء.
    وما أكثر الذين يتركون هذه السنة أما من جهة العوام فغالبهم يترك هذه السنة وأيضاً الخواص - وهم طلاب العلم وأهله - قد ينسى بعضهم هذه السنة.
    والدليل على ثبوت هذه السنة: 1 - حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. ... 2 - وحديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -. ففي كل منهما أنه - رحمه الله -: - بدأ بغسل يديه ثلاثاً قبل أن يشرع في الوضوء - فهي سنة ثابتة.
    • ثم قال - رحمه الله -: ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء.
    هذه المسألة من مفردات الحنابلة.
    وهو أنه يجب على الإنسان إذا قام من النوم قبل أن يدخل يديه في الإناء أن يغسلهما ثلاثاً.
    والدليل تقدم معنا: وهو قو النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يغمس يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً).
  • الجمهور يرون أن هذا الغسل: سنة.
  • والحنابلة يرون أن هذا الغسل: واجب.
    = فأي القولين أحظُّ بالدليل؟
  • الجواب: قول الحنابلة.
    لأن الأصل في الأمر الوجوب.
    المؤلف ’ يقول: ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء.
    = فهل يجب عليه أن يغسل يديه إذا أراد أن يتوضأ أو إذا أراد أن يدخلهما في الإناء؟
  • الجواب: إذا أراد أن يدخلهما في الإناء - يعني: ولو لم يرد الوضوء.
    = إذاً إذا استيقظ الإنسان من النوم وأراد أن يتوضأ ولم يحتج أن يدخل يديه في الإناء فهل يجب عليه أن يغسل ثلاثاً؟ ... - لا.
    لا يجب.
    إذاً لا يوجد ارتباط بين غسل الكفين ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء بعد النوم وبين غسل الكفين ثلاثاً في الوضوء.
    الخلاصة: يجب على الإنسان إذا استيقظ من النوم وأراد أن يغمس يديه في الإناء أن يغسلهما ثلاثاً ولو لم يرد الضوء لا كما يتصور كثير من الناس أن هذا الوجوب إنما هو إذا أراد الوضوء.
    • ثم قال ’: والبداءَة بمضمضة ثم استنشاق.
    البداءة بالمضمضة والاستنشاق سنة والدليل أيضاً حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد حيث بدأ النبي ‘ بالمضمضمة.
    وفهم من كلام المؤلف ’: أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بغسل الوجه قبل المضمضمة والاستنشاق أليس كذلك؟ بلى.
    لأن البدأ بالمضمضة والاستنشاق سنة.
    إذاً يجوز للإنسان أن يغسل وجهه ثم يتمضمض ويستنشق فتقديم المضمضة والاستنشاق سنة فقط.
    • ثم قال ’: والمبالغة فيهما لغير صائم.
    نحتاج في موضوع المبالغة إلى الكلام في عدة عناصر: أولاً: ما هي المبالغة؟ ثانياً: وما هو الدليل؟ ثالثاً: ولماذا نستثني الصائم؟ نقول أولاً: المبالغة هي: • في المضمضة هي إدارة الماء في جميع الفم.
    • والمبالغة في الاستنشاق هي جذب الماء إلى أقصى الأنف.
    • والمبالغة في ما عداهما - يعني في باقي أعضاء الوضوء - دلك ما ينبو عنه الماء.
    = لو سألنا سؤالاً: بعد أن عرفنا ما هي المبالغة بالنسبة للمضمضة فما هي المضمضة التي لم تؤدى على وجه المبالغة؟
  • الجواب: أن لا يدار الماء في جميع الفم - بأن يدير الماء في بعض الفم فهذه مضمضة ولكن ليست على سبيل المبالغة.
    أما الدليل: فهو حديث لقيط بن صبرة - أن النبي ‘ قال أسبغ الوضوء وخلل الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما.
    = فإن قيل: الحديث فيه المبالغة في الاستنشاق فما هو دليل المضمضة؟
  • فالجواب: الدليل الأول: أن نقول أن المضمضة داخلة في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - (أسبغ الوضوء).
    والدليل الثاني: القياس: نقيس الضمضة على الاستنشاق.
    وهو قياس صحيح.
    وأما استثناء الصائم: فهو من النص فإنه قال: (إلا أن تكون صائماً).
    وفي هذا الحديث أيضاً دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يحتاط لأن الإنسان إذا بالغ في الاستنشاق فدخول الماء إلى الحلق أمر محتمل ومع ذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه احتياطاً.
    = إذاً ما حكم المبالغة للصائم؟
  • الجواب: مكروهة.
    وليست محرمة.
    والكراهة دليل الاحتياط كما تقدم.
    • ثم قال - رحمه الله -. وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع.
    تخليل اللحية سنة.
    بدليل حديث عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لما توضأ خلل لحيته).
    والكلام الذي قلناه في حديث البسملة في الوضوء ينطبق تماماً على التخليل لأنه لا يوجد حديث صحيح أبداً يدل على التخليل.
    وممن ضعف جميع الأحديث التي فيها التخليل الإمام أحمد ولكن مع ذلك المعاصرون يصححون أحاديث التخليل بمجموع الطرق.
    والبحث الذي ذكرناه في مسألة البسملة عند الوضوء ينطبق تماماً على مسألة التخليل لأن الأحاديث الصحيحة المتكاثرة ليس فيها ذكر التخليل بل حديث عثمان بل حديث عثمان في الصحيح ليس فيه التخليل لكن في رواية خارج الصحيح فيه التخليل لكن عرفنا الآن أن التخليل لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن مع ذلك الإمام أحمد يرى أنه سنة لأنه ثابت عن بعض الصحابة.
    قال: وتخليل الأصابع: يسن تخليل الأصابع أيضاً لحديث لقيط السابق.
    وتخليل الأصابع سنة إذا ظن الإنسان أن الماء وصل إلى ما بين الأصابع.
    لكن إذا ظن أن الماء لم يصل إلى ما بين الأصابع فإن التخليل حينئذ يكون واجباً لا سنة.
    فبعض الناس تكون أصابعه ملتصقة جداً - لأي سبب: فقد يكون لسبب طبيعة عمل الإنسان وصناعته أو بسبب طبيعة خلقته وغيره من الأسباب - فإنه إن ظن عدم وصول الماء فالتخليل في حقة في هذه الحالة واجب.
    لكن الأصل في التخليل أنه سنة.
    • ثم قال - رحمه الله -: والتيامن.
    التيامن أدلته كثيرة: • أحاديث الضوء كلها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ باليمين.
    • وفي حديث الاغتسال - في رواية صحيحة - أنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بشقه الأيمن.
    • وتقدم معنا أن قاعدة الشرع تقديم اليمين في التكريم.
    • قال - رحمه الله -: وأخذ ماء جديد للأُذنين.

وهذا أيضاً سنة عند الحنابلة والدليل: أنه في حديث عبد الله بن زيد - في رواية خارج الصحيح أنه - رحمه الله - (أخذ ماء جديداً لأذنيه).
وهذه الرواية شاذة والشاذ من أقسام الحديث الضعيف ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يسن أن يأخذ الإنسان ماءً جديداً لأذنيه.
واختار هذه الرواية الشيخ وجده وتلميذه واختارها صاحب الفائق - وهو ابن قاضي الجبل.
فاختار هذه الرواية عدد من المحققين.
ونقصد بالشيخ: شيخ الاسلام ابن تيمية: وبجده: نقصد المجد صاحب المنتقى ونقصد بتلميذه: ابن قيم الجوزية.
فكل هؤلاء اختاروا أن هذا لا يسن لأن الأحاديث الصحيحة ليس فيها أخذ ماء جديد للأذنين.
• ثم قال - رحمه الله -: والغسلة الثانية والثالثة.
يسن للمتوضيء أن يغسل ثانية وثالثة في وضوئه.
وظاهر كلام المؤلف أن الغسلة الثانية والثالثة سنة دائماً - أي يسن للإنسان في كل وضوء أن يغسل ثانية أو ثالثة.
والصواب الذي رجحه ابن القيم - رحمه الله - تعالى أن السنة أن يتوضأ الإنسان أحياناً مرةً مرة وأحياناً مرتين مرتين وأحياناً ثلاثاً وأحياناً ثلاثاًَ ومرتين وواحدة.
فصارت الصفات أربعة.
إذاً فليست السنة المداومة على الغسلة الثانية والثالثة ولكن السنة هي هذا التفاوت كما جاءت الأحاديث بذلك.
ويسن إذا أراد الإنسان أن يفاوت - بأن يغسل بعض الأعضاء مرة وبعضها أكثر - يسن له أن يجعل للوجه ثلاثاً ولليدين مرتين وللرجلين مرة لأن هذا الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولكن لو أراد أن يجعل للوجه مرتين ولليدين ثلاثاً وللرجلين مرتين - فيوفاوت بأي طريقة فإن هذا أيضاً سنة لأن السنة هي المفاوتة بحد ذاتها.
وبهذا انتهى الكلام عن سنن الوضوء وسنن الفطرة ((لعلها السواك)) ثم انتقل - رحمه الله - إلى فرائض الوضوء وصفته.

باب فروض الوضوء وصفته

في هذا الباب سيذكر المؤلف الفروض ولن يتطرق للتفصيلات الأخرى ككيفية الوضوء الكامل وحدود أعضاء الوضوء وأشياء أخرى إنما سيبين فقط الفروض ثم بعد ذلك ينتقل إلى التفصيلات الأخرى.
• قال - رحمه الله -: باب فروض.
الفرض في لغة العرب هو: التأثير في الشيء سواء كان بقطع أو بحز أو بأي شيء آخر.
الأصل أن الفرض في اللغة هو التأثير في الشيء لا كما يقول البعض بأن الفرض هو القطع فهذا من معانيه في اللغة.

إنما المعنى الأصلي له هو التأثير في الشيء.
هذا الفرض في لغة العرب وهو تفسير ابن فارس وهو من أكبر أئمة اللغة.
أما في الشرع: فالفرض ما أثيب فاعله وعوقب تاركه.
وهو أيضاً - وهذا مهم كقاعدة -: ما لا يسقط سهواً ولا جهلاً.
- في هذا الباب هذا التعريف مهم حتى نفرق بين الفروض والشروط والمستحبات والسنن.
• قوله - رحمه الله -: الوضوء.
الوضوء في اللغة: مأخوذ من الوضاءة وهي الجمال والنظافة.
وفي الشرع: استعمال الماء الطهور في غسل أعضاء مخصوصة بطريقة مخصوصة.
لأن غسل هذه الأعضاء يجب أن يكون بطريقة معينة.
• قال رحمه الله: فروضه ستة.
حصر لنا - رحمه الله - الفروض وهذا من مميزات التأليف وهو الحصر.
• قال - رحمه الله -: غسل الوجه.
غسل الوجه لا إشكال في فرضيته فهو واجب بالنص والإجماع.
أما النص: ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ) المائدة/6.
وأما الإجماع: فلم يخالف أحد من أهل العلم مطلقاً - ولله الحمد.
• ثم قال - رحمه الله -: والفم والأنف منه.
يعني أن الفم والأنف من الوجه ويقصد بهذه العبارة وجوب المضمضة والاستنشاق.
الحنابلة يرون أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء والغسل - سيأتينا في باب الغسل.
ويستدلون بأحاديث صحيحة وبعضها حسن.

  • فالدليل على الاستنشاق حديث أبي هريرة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر)
  • وفي هذا الحديث بالإضافة إلى وجوب الاستنشاق وجوب الانتثار وهو: إخراج الماء بعد جذبه من الأنف.
  • والدليل على المضمضة قالوا: أنه في حديث لقيط بن صبرة - السابق - في رواية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا توضأت فمضمض).وهذا اللفظ صححه الحافظ ابن حجر في الفتح.
    ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحفظ عنه في حديث صحيح مطلقاً أنه ترك المضمضة أو الاستنشاق، ومع هذه الأدلة فإن القول بالوجوب من مفردات المذهب فقد ذهب الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعي - إلى أن المضمضة والاستنشاق سنة.
    وفي حكم المضمضة والاستنشاق عن الإمام أحمد سبع روايات.
    = لماذا تكثر الروايات عن الإمام أحمد؟
  • الجواب:
  1. إما لتعارض الأدلة الصحيحة.
  2. أو لعدم ورود دليل.
  1. وأحياناً: لاختلاف الصحابة è - مثلاً: تارة يأخذ ’ بفتوى ابن عباس وتارة يأخذ بفتوى ابن مسعود.
    وهذه المسائل مهمة ومن مهام الإسلام فإن الوضوء أمر اعتنى به الشارع غاية الاعتناء.
    الأقرب والله أعلم الوجوب: لأن الأحاديث فيها الأمر ثم لم يحفظ عنه ‘ أبداً أنه ترك المضمضة والاستنشاق.
    • ثم قال ’: وغسل اليدين.
    غسل اليدين من فرائض الوضوء وأيضاً غسل اليدين ثابت بالنص والإجماع.
    فلا إشكال فيه.
    لكن الإشكال في مسألة أخرى وهي: أن الله تعالى قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) <المائدة - 6>. وغسل اليدين عند الفقهاء يريدون مع المرفقين والإشكال أن إلى في لغة العرب تدل على: انتهاء الغاية.
    ومعنى انتهاء الغاية: عدم دخول ما بعدها فيما قبلها.
    والله تعالى يقول وأيديكم إلى المرافق فإذا أخذنا بهذه القاعدة اللغوية فهل تدخل المرافق أو لا تدخل؟ الجواب: الإشكال أنها داخلة عند الفقهاء فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟ أجابوا بعدة أجوبة - ونحن سنترك الأجوبة الضعيفة - كقولهم أن إلى بمعنى مع.
    وكقولهم: أنه يختلف باختلاف الجنس الذي بعد إلى - ولا نريد الاستطراد في هذا الجانب نشير فقط إلى أن هذه الأجوبة ضعيفة.
    إذاً ما هو الجواب الصحيح؟ الجواب الصحيح أن الذي دلَّ على دخول ما بعد إلى في ما قبلها في الآية السنة فقط فلولا السنة لم تدخل.
    ما هي السنة؟ السنة: أنه ثبت في صحيح مسلم أن الصحابي الجليل أبا هريرة توضأ فأشرع في العضد ثم قال: (رأيت رسول الله ‘ يفعله).
    والدليل الثاني: الإجماع.
    فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل العلة أنه قال بعدم وجوب غسل المرفقين.
    إذاً الآن اتضحت مسألة إلى المرافق - فيجب أن تفهم هذه المسألة لأن ما قيل فيها سيتكرر معنا عند الحديث على قوله إلى الكعبين.
    • ثم قال ’: ومسح الرأس ومنه الأُذنان.
    مسح الرأس أيضاً فريضة بإجماع أهل العلم لكن الخلاف وقع في القدر المجزئ في المسح.
    فذهب الحنابلة والمالكية: إلى أنه يجب تعميم الرأس في المسح.
    بدليل أن الآية فيها ... (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) المائدة - 6. والباء هنا: للإلصاق.
    ومعنى الإلصاق: استيعاب الرأس مسحاً.

قالوا: ومن قال أن الباء للتبعيض فقد وهم وليس في اللغة العربية أن الباء تجيء للتبعيض.
وأيضاً من السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح على جميع رأسه فلم يحفظ عنه في حديث واحد المسح على بعض الرأس.
القول الثاني: أنه يجزئ مسح بعض الرأس وهذا مذهب الشافعية والحنفية.
واختلف أصحاب القول الثاني اختلافاً طويلاً في القدر الواجب أن يمسح: • فبعضهم قال الربع.
• وبعضهم قال الثلث.
• وبعضهم قال شعرتين .... الخ .. ونحن أخذنا قاعدة: أن اضطراب القول دليل على ضعفه.
وأضف أيضاً قاعدة: وجود تفاصيل كثيرة في القول بلا أدلة فإنه دليل على ضعفه.
الصواب هو مذهب الحنابلة وهو أن نمسح جميع الرأس.
• ثم قال - رحمه الله -: ومنه الأذنان.
يعني أنه يجب أن نمسح الأذنين إذا مسحنا الرأس وأن مسح الأذنين فرض - لأنه يقول: منه.
وهذه المسألة أيضاً من مفردات مذهب الحنابلة.
استدلوا على الوجوب بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (الأذنان من الرأس) والمتأخرون من المحدثين يصححون هذا الحديث بطرقه والصواب أنه موقوف.
واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم على المسح على الأذنين.
والرواية الثانية: في هذه المسألة أن مسح الأذنين سنة.
والإمام أحمد - رحمه الله - كأنه استقر قوله على السنية.
وهذا أيضاً اختيار الخلال - رحمه الله - - وهو من أصحاب الإمام أحمد وهو عالم كبير وأيضاً اختيار شيخ الاسلام.
أيضاً الإمام أحمد أكثر ما روي عنه أن مسح الأذنين سنة وهو اختيار الخلال ومن بعده شيخ الاسلام.
قالوا: أن الدليل هو: عدم وجود ما يدل على الوجوب وأن الأصل براءة الذمة.
والراجح في مسألة هل مسح الأذنين سنة أم واجب؟: - - في الحقيقة أنا متوقف في الترجيح في هذه المسألة لأنه لا يوجد أحاديث لكن صح عن الصحابة لكن لا شك أن الأحوط أن لايدع الإنسان مسح الأذنين.
• ثم قال - رحمه الله -: وغسل الرجلين.
غسل الرجلين ثابت بالنص والإجماع.
لأن الله يقول: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ.
فعلى قراءة النصب فلا إشكال وهي قراءة سبعية.
ولكن الإشكال في قوله إلى والبحث السابق يأتي معنا هنا: أن إلى لها معنى في لغة العرب والجواب عن هذا المعنى وكيف دخل الكعبان في القدر الذي يجب أن يغسل كما تقدم معنا.

• ثم قال - رحمه الله -: والترتيب.
يعني أن الترتيب واجب في الوضوء.

الدليل: قالوا: أن الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة أدخل ممسموحاً بين مغسولات - الممسوح هو: الرأس.
ومن المعلوم أن القرآن معجز وأنه في قمة البلاغة والفصاحة والبيان فلا يمكن أن يدخل - والله أعلم فهذا فيما يظهر للإنسان - ممسوحاً بين مغسولات إلا لفائدة ولا يعلم فائدة لهذا الإدخال إلا الترتيب.
هكذا يقرر الحنابلة هذا الدليل وهو دليل صحيح.
ثم كذلك نقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخل بالترتيب أبداً.
والقول الثاني: أنه مستحب لأن الواو في لغة العرب لا تقتضي الترتيب ولا يوجد دليل على الوجوب.
والراجح وجوب الترتيب.
إلا أنه يسقط جهلاً وسهواً.
فلو أن إنساناً قدم أو أخر في الوضوء نسياناً ثم صلى وتذكر بعد ذلك فصلاته صحيحة ولا يؤمر بإعادة الوضوء والصلاة عدم وجود دليل صريح على الترتيب ثم يوجد آثار عن ابن مسعود وعن وعلي - رضي الله عنهما - يدلان على هذا الحكم.
وسقوط الترتيب جهلاً اختيار شيخ الاسلام.
• قال - رحمه الله -. والموالاة وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
يعني أن الموالاة واجبة.
ونحتاج في الكلام على الموالاة إلى أمرين:

  1. ما هي؟
  2. وما الدليل على وجوبها؟
  • أما ما يتعلق بحقيقة الموالاة فقد ذكره المؤلف فقال - رحمه الله -: وهي أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
    فهذه هي المولاة في الشرع.
    فإن أخره إلى أن نشف الذي قبله فقد أخل بفرض المولاة وبطل وضوئه.
    لكن أضاف صاحب الروض عبارة مهمة جداً وهي قوله: بزمن معتدل أو قدره من غيره.
    إذاً صار ضابط الموالاة: أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله بزمن معتدل أو بقدره من غيره.
    ما معنى هذا الكلام؟ إذا توضأ الإنسان في جو طبيعي فإنا نقول يجب أن لاتؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
    وإذا توضأ الإنسان في جو حار فيه ريح فهذه الحرارة والرياح تسبب سرعة نشوق العضو فنقول إذا توضأت في ريح أو في حرارة شديدة وأثناء الوضوء نشف عضو قبل أن تغسل الذي بعده فالوضوء صحيح لأن المدة تقدر في الزمن المعتدل.
    كذلك العكس - إذا توضأ في جو رطب أو بارد فإنه قد يبقى الإنسان فترة طويلة بين غسل اليدين والرجلين ولا تنشف اليدين فنقول إذا مضى وقت يمكن أن تنشف فيه اليدين لو كان الجو معتدلاً فقد بطل الوضوء ما الدليل؟

الدليل حديث خالد بن معدان أن النبي ‘ رأى رجلاً يصلي وعلى قدمه لمعة بقدر الدرهم لم يصبها الماء فأمر أن يعيد الوضوء.
وهذا الحديث قال عنه الإمام أحمد إسناده جيد وهو نص.
وجه الاستدلال: أنه لو كانت الموالاة ليست واجبة لما أمره بإعادة الوضوء وأنما يأمره بغسل هذه البقعة التي لم يصلبها الماء.
وهذا الاستدلال صحيح.
إذاً الآن تبينت معنا الفروض الستة وما فيها من خلاف وتبين من خلال سياق الخلاف والأدلة والقول الراجح أن جميع الفروض التي ذكرها المؤلف أن الصواب معه فيها ما عدا الأذنين فأنا متوقف في الترجيح في مسألتها.
والقول بعدم الوجوب والذي هو اختيار شيخ الاسلام واختيار غيره من المحققين قوي لكن وجود الآثار يجعل الإنسان يتوقف.
انتهى المؤلف ’ من تعداد الفروض وانتقل إلى مباحث النية.
• فقال ’: والنية شرط لطهارة الحدث كلها، فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلاّ بها.
في الهامش <هامش نسخة الزاد بتحقيق الهبدان - دار ابن الجوزي - ص 53> أنه في نسخة بدل قوله الحدث: الأحداث.
وهذه النسخة أصح وأحسن.
قال: والنية شرط: النية لغة: القصد.
فإذا نوى الإنسان شيئأ فقد قصده سواء كان المنوي حسياً أو معنوياً.
فإذا نوى الإنسان مدينة فقد قصد أمراً حسياً.
لأن ذهابه إلى المدينة حسيٌ.
قال: شرط: الشرط فب لغة العرب العلامة وفي الاصلاح ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم وجوده وجود ولا عدم لذاته.
ما معنى هذا التعريف؟ معناه: نقول: أن من شروط الوضوء النية: هو يقول أن الشرط يلزم من عدمه العدم: فلو توضألاالإنسان بلا نية صار الوضوء باطلاً فيلزم من عدم النية عدم الوضوء - وهذا معنى قوله يلزم من عدمه العدم.
ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته: لو أن الإنسان نوى أن يتوضأ فهل يلزم أن يتوضأ؟ أو قد يتوضأ أو لا يتوضأ؟ مع أن النية موجودة الآن.
إذاً لا يلزم من وجود النية وجود الوضوء إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود ولا عدمة لذاته.
والنية شرط لطهارة الأحداث كلها:

إذاً بلا نية لا تصح الطهارة بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى) فإذا عمل الإنسان أي عمل شرعي بلا نية فعمله باطل.
فإذا قيل: ماهو الضابط في الأعمال التي تشترط لها النية؟ فالجواب: أن الأعمال التي تشترط لها النية هي العبادات.
لكن هناك ضابط ذكره شيخ الاسلام - وهو ضابط مفيد لطالب العلم - وهو أنه يقول: كل عمل لم يعرف إلا من الشارع فلا يصح إلا بنية.
قبل الاسلام هل كنا نعرف الوضوء؟ لا.
الصلاة الزكاة الحج جميع العبادات ... إذاً إذا طلب من الانسان عمل لم يعلم إلا من الشارع فلا بد فيه من النية وإلا كان باطلاً.
• قال - رحمه الله -: فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلاّ بها.
يريد المؤلف أن يبين بهذه العبارات كيفية النية فذكر صورتين: الأولى: أن ينوي رفع الحدث.
الثانية: أن ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها.
مثل لما لا يباح إلا بالطهارة: الصلاة قراءة القرآن الطواف - على خلاف في مسائل - لكن المراد الآن التمثيل.
الثالث: أو نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن.
إذاً إذا نوى رفع الحدث أو نوى الطهارة لما لا يباح إلا بها أو لما تسن له الطهارة فإن طهارته صحيحة.
ثم ذكر - رحمه الله - مسائل فيها خلاف وهي مسألة تجديد مسنون ناسياً حدثه أو نوى غسلاً مسنوناً عن واجب - نترك هاتين المسألتين - إذاً نأخذ الثلاث التي لا إشكال فيها وهي أن ينوي رفع الحدث أو ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها أو ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن.
إذاً في هذه الثلاث صفات إذا نوى هذه النوايا فإن نيته صحيحة وعمله صحيح شرعاً.
في قوله: ص 53. في تنبيه من جهة صف العبارة يقول: ماتسن له الطهارة كقراءة ماذا بعدها؟ أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه - في الحقيقة أو تجديداً مسنوناً متعلقة بناسياً حدثه.
فكان حق الصف أن يختم عند قوله كقراءة ثم يبدأ مع أول السطر فيقول: أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه.
إذاً إذا توضأ الإنسان ونوى رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها أو ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن فإن طهارته صحيحة.

انتهى الدرس،،،

• في قوله - رحمه الله -: ويجب الختان مالم يخف على نفسه: أي أنه إذا كبر ولم يختتن أو لم يختنه أهله ثم أراد أن يختتن لكنه خشي على نفسه إذا اختتن أن يتأذى أذاً شديداً أو أن ينزف نزفاً شديداً فإنه والحالة هذه لا يجب عليه - حتى عند الحنابلة - أن يختتن.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا ضرر ولا ضرار).
نرجع إلى النية فما زلنا في باب فروض الوضوء وصفته وبين المؤلف - رحمه الله - الفروض الستة وتكلمنا على كل فرض منها ثم انتقل إلى شرط النية وأخذ في تفصيل هذا الشرط فذكر أنه لا تصح الطهارة إلا به ثم انتقل إلى مسألة الصور التي تتأتى بها النية.
فذكرنا - في الدرس السابق - ما ذكر المؤلف وهما صورتان: الأولى: أن ينوي رفع الحدث.
فيصح الوضوء.
الصورة الثانية: أن ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها - الصلاة أو قراءة القرآن أو الطواف على خلاف في بعضها.
أو ينوي ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن باعتبار أن القرآن لها سنة.
إذاً إذا نوى ما تجب الطهارة له أو ما تسن له الطهارة فإن نيته ووضوئه صحيح.
وهذا كله تقدم.
نأتي إلى درس اليوم يقول - رحمه الله -: أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه: ارتفع.
يعني إذا نوى الإنسان بالوضوء تجديداً مسنوناً وقد نسي أن أحدث فإن طهارته صحيحة.
صورة المسألة: رجل توضأ لصلاة الظهر وصلى الظهر ثم أحدث ثم نسي أنه أحدث فلما جاء وقت صلاة العصر توضأ ناوياً التجديد لأنه نسي حدثه فعند الحنابلة وضوئه صحيح.
وإن كان قد توضأ على أساس أنه على طهارة والواقع أنه محدث.
هذا مذهب الحنابلة.
وهذا القول اختاره عدد من المحققين في مذهب الحنابلة كابن قدامة وكالمجد ابن تيمية.
والقول الثاني: أنه لا يرتفع.
وهذا القول اختاره القاضي من كبار أصحاب الإمام أحمد.
لأن نيته لا توافق الواقع.
والقول الثاني هو القول الصواب لأنه الآن ينوي التجديد والواقع أنه يحتاج أن ينوي الرفع وفرق بين نية التجديد وبين نية الرفع.
بقينا في مسألة مهمة جداً: يقول - رحمه الله - -: تجديداً مسنوناً - فيفهم من عبارته أن هناك تجديداً مسنوناً وتجديداً لا يسن فنحتاج أنت نعرف: ما هو التجديد المسنون عند الحنابلة بل عند الفقهاء جميعاً؟ التجديد المسنون هو: أن يجدد وضوءاً قد صلى به.

مثال ذلك: إذا توضأ الإنسان ثم صلى الظهر ثم لما أراد أن يصلي العصر جدد الوضوء وإن كان على طهارة.
فهذا تجديد مسنون مشروع.
الصورة الثانية: إنسان توضأ قبل صلاة الظهر بساعة فلما أذن الظهر توضأ مرة أخرى تجديداً فهذا أيضاً مسنون.
إذاً الضابط: أن يصلي بالوضوء الأول صلاة قبل أن يجدد.
ويجب أن لا يغيب عن ذهنك أن هذا نادراً ما يؤثر على صلاة الإنسان لأننا نفترض أنه ناسياً حدثه فمتى يؤثر؟ إذا تذكر بعد الصلاة أنه توضأ وقد أحدث ناوياً التجديد فإن الأصل أنه إذا كان ناسياً حدثه سيستمر على هذا النسيان.
بعد أن عرفنا حكم المسألة.
إذا قال لنا قائل: أنا أحدثت ونسيت أني أحدثت وتوضأت ناوياً التجديد ثم صليت الظهر وبعد الصلاة تذكرت أني كنت محدثاً لنا توضأت ناوياً التجديد.
فما نقول له؟ نقول له: أعد الوضوء والصلاة.
• ثم قال ’: وإن نوى غسلاً مسنوناً: أجزأ عن واجب وكذا عكسه.
يعني وإن نوى من يجب عليه الغسل نوى غسلاًَ مسنوناً: يعني رجل عليه غسل جنابة ونوى أثناء الاغتسال غسل جمعة فإن هذا الغسل المستحب يجزئه عن الغسل الواجب.
ولذلك كان مما ينبغي للمؤلف ’ أن يضيف قيدين فإن تركهما لا يناسب فهو - من وجهة نظري - نقص في المتن: كان ينبغي أن يقول: وإن نوى من عليه غسل واجب غسلاً مسنوناً فكان يجب أن يضيف - ناسياً - لأن هذا في الحقيقة يؤثر جداً ولا يناسب أن يختصر.
إذاً إذا قيل لك: ماذا يريد المؤلف بقوله: وإن نوى غسلاً - هل أراد غسلاً مسنوناً أو واجباً؟ أراد غسلاً مسنوناً.
لكن عليه غسلاً واجباً.
وهل هو حال نسيانه أو حال تذكره؟ الجواب: حال نسيانه.
هذه المسألة تشبه المسألة السابقة - مثلاً - إنسان استيقظ بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة وعليه جنابة ونسي أن عليه جنابة فاغتسل بنية غسل الجمعة وغسل الجمعة سنة عند الحنابلة فإن هذا الغسل يجزأه عن غسل الجنابة عند الحنابلة.
التعليل: لماذا؟ قالوا: لأنه نوى طهارة شرعية فترفع حدثه.
والقول الثاني: أنه لا يجزأه وهذا القول اختاره عالمان محققان الأول: المجد - جد شيخ الاسلام - والثاني: الحافظ ابن عبد البر.

والمجد ’ اختلف ترجيحه في هذه المسألة عن المسألة السابقة والواقع أنهما مسألتان متشابهتان.
• ثم قال ’: وكذا عكسه: أي وكذا يجزئ المسلم أذا نوى غسلاً واجباً عن مسنونٍ.
مثاله: عكس المثال السابق: رجل استيقظ بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل للجنابة فإن هذا الغسل يكفيه عن غسل الجمعة سواء قيل أن غسل الجمعة سنة أو أنه واجب.
ولكن هذا المثال مفروض فيما إذا كان غسل الجمعة مسنون لأن يقول وكذا عكسه.
والراجح أنه لا يجزأه.
لأن غسل الجنابة غسل معين مقصود للشارع وغسل الجمعة غسل معين مقصود للشارع فلا يتداخلان ولذلك أفتى عدد من اليلف فيمن كان عليه جنابة صبح يوم الجمعة أن يغتسل أولاً عن الجنابة ثم يغتسل ثانياً عن الجمعة وهذا هو الصواب.
إذاً: ماذا يصنع؟ يغتسل عن الجنابة ثم يغتسل للجمعة.
وهل يعني هذا أنه يجب أن يخرج من مكان الاغتسال ويبدأ من جديد وإنما الفارق سيكون بالنية فينوى أثناء تعميم الماء أنه غسل جنابة ثم ينوي بعد ذلك بتعميم الماء الآخر أنه جمعة.
أخذنا الآن ثلاث مسائل: المذهب في جميع المسائل حكمه أنه يجزيء والقول الثاني في جميع المسائل أنه لا يجزيء والراجح هو القول الثاني.
• ثم قال ’. وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدها: ارتفع سائرها.
يعني إذا اجتمعت على الإنسان أكثر من حدث.
مثاله: كأن ينام ثم بعد النوم يتبول فهنا كم اجتمع من حدث؟

  • اجتمع حدثان.
    • يقول ’ : ارتفع سائرها.
    التعليل: تعليل جيد قوي من الحنابلة - وهو قولهم أن الحدث وصف واحد إذا نوى رفعه ارتفع مهما تعددت الأسباب.
    إذاً هذه المسألة وما ذهب المؤلف ’ فيها هو حكم صحيح.
    • ثم قال ’: ويجب الإتيان بها: عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية.
    ما زال المؤلف ’: في مباحث النية فبعد أن بين صور النية انتقل إلى وقتها.
    وقوله عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية.
    هذا بالنسبة لما قاله الحنابلة وعلى القول الصحيح أن أول واجبات الطهارة المضمضة والاستنشاق.
    وعلى القول الثالث: الذي عليه الجمهور أن أول واجبات الطهارة غسل الوجه.
    إذاً المقصود أن يأتي بها في أول واجبات الطهارة حسب اختلاف أهل العلم في ما هو أول واجبات الوضوء؟

تقدم معنا بحث النية مفصلاً موضحاً.
وتقدم معنا بحث البسملة وقلنا بأن الراجح أن البسملة سنة وعند الحنابلة واجبة وقلنا أن الصواب في حديث البسملة أنه ضعيف.
• ثم قال - رحمه الله -: ويغسل كفيه ثلاثاً.
غسل اليدين ثلاثاً ثابت في حديث عثمان ابن عفان - وفي حديث عبد الله بن زيد - وغسل الكفين ثلاثاً قبل الوضوء من سنن الوضوء كما تقدم معنا.
لكن هنا بحث ذكره الفقهاء: وهو: هل إذا قام الإنسان من النوم وأراد أن يدخل يديه في الإناء هل يجب عليه أن يغسل يديه ثلاثاً أولاً ليدخلهما في الإناء ثم يغسل يديه ثلاثاً بنية سنة الوضوء.
يعني يكرر غسل اليدين مرتين أو يكتفي بغسلهما مرة واحدة.
الحنابلة يرون أنه يجب أن يكرر فيصبح مجموع الغسل كم؟ الثلاث الأولى: بسبب القيام من النوم.
والثلاث الثانية هي: سنة الوضوء.
والقول الثاني: أنه يكتفي بواحدة.
يغسل يديه ثلاثاً مرة واحدة وتتداخل النيتين والراجح القول الثاني: أنه يكتفي بثلاث لماذا؟ سبب الترجيح: أن الشارع - والله أعلم - يريد من المسلم أن لا يدخل في الإناء إلا إذا غسلهما ثلاثاً بغض النظر عن هذا الغسل هل هو خاص بالاستيقاظ؟ أو يتعلق بسنة الوضوء.
نظير ذلك: الشارع الحكيم يريد من الإنسان إذا دخل المسجد أن لايجلس حتى يصلي ركعتين لكن لو دخل وقد أقيمت الصلاة وصلى الفجر ركعتين فهل يجوز أن يجلس بعد صلاة الفجر؟ نعم يجوز.
لأن الشارع يريد أن لا نجلس حتى نصلي الركعتين أياً كانت الركعتين فليست شيئاً خاصاً.
كذلك هنا - فيما يظهر والله أعلم أن الشارع يريد أن لا يدخل الإنسان يديه في الإناء إلا بعد أن يغسلهما ثلاثاً سواء كانت غسلاً خاصاً للاستيقاظ أو لسنة الوضوء.
• ثم قال - رحمه الله -: ثم يتمضمض ويستنشق.
المتبادر للذهن أن يقول المؤلف: ثلاثاً.
كما أنه قال يغسل كفيه ثلاثاً كان ينتظر منه وهو يسوق الصفة الكاملة أن يقول ثلاثاً.
والمضمضة والاستنشاق واجبان على الصواب.
ونحتاج إلى أن نعرف كلاً من المضمضة والاستنشاق: المضمضة: هي تحريك الماء في الفم.
فإذا حرك الإنسان الماء في فمه فإنه يعتبر قد تمضمض.

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل