كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
فقوله: (أو بحضرة طعام يشتهيه) صحيح فلا بد أن يكون الطعام حاضراً ولابد أن يكون المصلي يشتهيه حينئذ له أن يترك صلاة الجماعة مقدماً للطعام الذي يشتهيه.
(إذا تقصد إحضار الطعام فإنه يحرم عليه أن يأكل إذا كان الأكل يفوت عليه صلاة الجماعة لأن من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه وشيخ الإسلام عنده قاعدة مفيدة لطالب العلم أي حيلة يقصد منها تحليل المحرم أو إباحة الواجب فهي باطلة ولا تؤثر شيئاً.
فإذا كان يحتال لإسقاط صلاة الجماعة بإحضار الطعام أثناء الأذان فإنه يحرم عليه أن يأكل الطعام وعليه أن يصلي لكن هذه المسألة قليلة الوقوع أو لا تكاد توجد لأن من أراد أن يترك صلاة الجماعة لن يبلغ به الدين أن يحتال بإحضار الطعام حتى يصدق " لا صلاة بحضرة طعام " إذا وصل به الدين إلى هذه المرحلة سيصلي صلاة الجماعة.
وعلى كل حال لكن لو فرضنا أن أحداً فعل هذا الفعل فإنه يعاقب بأن يُلْزَمَ بالصلاة).
(هل يشترط حضور الطعام؟ قال الشيخ: نحن كنا لا نريد الدخول في هذه المسالة -.
(نعم) يشترط حضور الطعام كما قال المؤلف فلابد أن يكون الطعام حاضراً وإلا لم يجز له تأخير صلاة الجماعة لأن إذا لم يحضر الطعام فإنه لا فائدة من تركه الصلاة – أي فائدة حتى لو كان ينتظر.
إلا إذا كان ذهابه إلى الصلاة في هذه الحالة يؤدي إلى انشغاله بالطعام المعد بالبيت بحيث لا يشتحضر صلاة ولا خشوعاً حينئذ له أن يبقى وليس سبب بقائه في هذه الصورة حضور الطعام ولكن سبب بقائه انشغاله وهذا سبب سيأتينا في الأعذار المجيزة لترك صلاة الجماعة وهي انشغال الذهن بالمال أو بالولد أو بمريض أو بنحوه فيدخل هذا ضمناً لكن بالنسبة للطعام فلابد أن يكون حاضراً).
•
ثم قال رحمه الله:
وتكرار الفاتحة
أي أنه يكره للإنسان أن يكرر الفاتحة ودليل الكراهة أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يكرر الفاتحة فهذه صفة جديدة لا أصل لها في الشرع.
وكذلك لم ينقل عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والدليل الثالث أن بعض الفقهاء يرى بطلان الصلاة بتكرار الفاتحة فمراعاة لهذا الخلاف نقول تكرار الفاتحة مكروه.
• ثم قال رحمه الله:
لا جمع سور في فرض كنفل
بدأ الشيخ الآن بالمباحات – وإن كانت البداية الحقيقية من قوله: وله – ولكن هذا العمل أيضاً جائز فهو مباحة.
يجوز للإنسان أن يقرأ أكثر من سورة في الركعة الواحدة سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة.
أما الدليل على جواز قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة في الفريضة فهي ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه ويختم القراءة ب ((قل هو الله أحد)).
فهو قد قرأ في الركعة الواحدة أكثر من سورة.
ولما أخير النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه صنيعه هذا فدل على جوازه.
وأما الدليل على جواز أن يقرأ أكثر من سورة في الركعة الواحدة في النفل هو ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في قيام الليل في ركعة واحدة البقرة وآل عمران والنساء.
كذلك لا يكره أن يقرأ سورة واحدة في أكثر من ركعة – عكس هذه الصورة – لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه يوماً الفجر فقرأ في الركعة الأولى والثانية (إذا زلزلت الأرض) وهذا الحديث ليس في طرقه ولا في ألفاظه ما يدل على أن هذه الصلاة كانت في سفر – كما يقع في أذهان عدد من إخواننا من طلاب العلم وأظن أن بعض الشراح ذكروه أيضاً – لكن بتتبع طرق هذا الحديث وألفاظه لم أجد أي إشارة إلى أن هذه الصلاة كانت في السفر لكن بعض الفقهاء يقول: لعل هذه الصلاة كانت في السفر وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الركعتين (إذا زلزلت) تسهيلاً على أصحابه باعتبار أنهم في السفر.
لكن الحديث – كما قلنا – ليس فيه تخصيص أو ما يدل على أن هذه الصلاة كانت في السفر.
ثم بدأ المؤلف بالمباحات.
• فقال رحمه الله:
وله رد المار بين يديه
قوله: وله: هذه العبارة تفيد الإباحة بينما مذهب الحنابلة الاصطلاحي أن رد المار سنة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح – عن أبي سعيد – ((إذا اتخذ أحدكم ما يستره في صلاته فإذا أحد أن يمر بينه سترته فليرده فإن أبي فليقاتله فإنه شيطان)).
فهذا الحديث صريح في سنية رد المار.
وهذب بعض الفقهاء إلى أن رد المار واجب للأمر به في هذا الحديث.
مسألة: ذكر النووي والشوكاني وغيرهما استنباطاً من حديث أبي سعيد أن رد المار والمقاتلة إنما تجوز لمن اتخذ سترة واحتاط لصلاته.
أما من لم يتخذ سترة ولم يحتط لصلاته فإنه لا يجوز له أن يقاتل ولا أن يرد رداً شديداً.
واستنبطوا هذا الحكم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدر الحديث ((إذا صلى أحدكم إلى ما يستره)).
فإذا: في الحديث - شرطية فكأنه أجاز المقاتلة إذا احتاط الإنسان لصلاته واتخذ سترة تمنع مرور الناس بينه وبين مصلاه.
وفي الحقيقة كلام النووي والشوكاني وجيه جداً وهو متوافق مع لفظ الحديث كما أن من لم يصلي إلى سترة ينسب إلى التفريط فلا يناسب أن يفرط ثم يقول يقاتل الناس على المرور بينه وبين مكان سجوده.
مسألة: هل رد المار يستوي فيه من يكون في مكة ومن لا يكون؟
في هذه المسألة المهم عن الإمام أحمد روايتان:
الرواية الأولى: أن مكة تستثنى من هذا الحكم ولا يرد المار بين يدي المصلي فيها واختار هذه الرواية الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية.
واستدلوا بدليلين: الأول: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف ثم صلى والناس بين يديه ليس له سترة.
لكن هذا الحديث فال عنه الحافظ ابن حجر: حديث معلول.
الدليل الثاني أن في رد المار بين يدي المصلي في مكة مشقة وحرج شديدين لكثرة المارين والطائفين وكثرة الناس بوجه عام في مكة.
الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه يسن أن يرد المار في مكة وفي غيرها وأن مكة تستوي مع باقي البلدان في هذا الحكم.
واستدلوا أيضاً بدليلين: الدليل الأول: المعلومات قالوا: النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر لم يستثني مكة ولا غير مكة.
الدليل الثاني: أنه صح عن ابن عمر وأنس أنهما اتخذا سترة عند الكعبة.
قال شيخنا حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين • قال رحمه الله في بيان المباحات وله رد المار بين يديه تقدم معنى عدة مسائل تتعلق بهذه العبارة وباقي أيضاً مسائل أخرى تتعلق أيضاً بهذه العبارة منها مسألة وهي اتفق الأئمة الأربعة كلهم على أنه لا يرد المار إذا كان مروره لحاجة أي أن رد المار يسن إذا لم تكن هناك حاجة فإن كانت هناك حاجة فلا يرد المار ومن أمثلة الحاجة أن يصلي في طريق ضيق يحتاج الناس إلى المرور من أمام المصلي فهذه الحاجة اتفق الأئمة الأربعة أنها ترفع الكراهة مسألة ثانية تلحق بلالمسائل السابقة وهي: أن المؤلف بين حكم رد المار ولم يبين حكم المرور فالمرور بين يدي المصلي محرم والدليل على هذه قوله - صلى الله عليه وسلم - لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه وفي لفظ لو يعلم المار ما عليه من الإثم وهذا اللفظ ضعيف لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من الإثم فرد المار سنة ولكن المرور محرم ففرق بين المرور ورد المار مسألة لم يبين المؤلف الحكم إذا لم يتخذ المصلي سترة أي هل يمر الإنسان من أمامه أو لا؟ وحكمها أنه يجوز أن يمر إذا كان بعيداً من المصلي ويحرم إذا كان قريباًَ من المصلي لكن اختلفوا في تحديد القريب والبعيد على عدة أقوال نأخذ أقوى هذا الأقوال وهو أن حد ذلك ثلاثة أذرع والتحديد بهذا المقدار اختاره المجد وابن حزم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل الكعبة جعل بينته وبين الجدار ثلاثة أذرع ويقصد بهذا أن يتم اعتبار هذه المسافة من قدم المصلي لا كما يظن بعض إخواننا من مكان السجود القول الثاني لأن حد القريب هو موضع السجود والبعيد ما عدا ذلك والأقرب القول الأول لأنه يستأنس فيه بالحديث الذي ذكرته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ابتعد عن الجدار بمقدار ثلاثة أذرع
وإذا تأمل الإنسان سيجد أن الفرق بين القولين يسير لأن موضع السجود يقرب أن يكون ثلاثة أذرع من قدم المصلي فالفرق بين القولين يسير لكن نحن نقول نلتزم بثلاثة أذرع لوروده في الحديث هذه جملة من المسائل تتعلق بقوله له رد المار بين يديه • ثم قال - رحمه الله - وعد الآي يعني يجوز للمصلي وهو يقرأ أن يعد الآي ولا حرج عليه في هذا العمل فهو جائز بلا كراهة والدليل على جواز عد الآي أثناء الصلاة أنه روي عن التابعين بلا خلاف فلم ينقل عنهم رضي الله عنهم خلاف في جواز عد الآي ولذلك اعتبره ابن قدامة كالإجماع بينهم ومعنى عد الآي أي أن يحسب الإنسان الآيات في قلبه في ضميره ولا يجوز أن يعد الآي لفظاً فإن فعل عالماً بطلت الصلاة لأن هذا كلام أجنبي يبطل الصلاة إذا معنى عد الآي هو أن يكون هذا العد في قلب الإنسان وضميره لا بصريح نطقه ولفظه وذهب بعض الفقهاء كالإمام أبي حنيفة إلى أن عد الآي مكروه لأنه يشغل في الصلاة والصواب القول الأول لكونه مروياً عن التابعين رضي الله عنهم وأرضاهم • ثم قال - رحمه الله - والفتح على إمامه الفتح على الإمام هو الرد على الإمام إذا أخطأ وتلقينه إذا توقف فالفتح على الإمام عند الحنابلة مباح والأقرب أن في الفتح على الإمام تفصيل وأنه ينقسم إلى نوعين النوع الأول أن يكون الفتح على الإمام في الفاتحة فهذا واجب فإن تركه المأمومون جميعاً أثموا لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فيجب أن تقرأ على الوجه الصحيح النوع الثاني الفتح على الإمام في غير الفاتحة فهذا جائز بالإجماع وليس من الواجبات إذا يختلف الأمر بالنسبة للمقروء بين الفاتحة وغيرها من السور • ثم قال - رحمه الله - ولبس الثوب والعمامة لبس الثوب والعمامة جائز بلا كراهة والقاعدة التي تجمع الأفعال التي تجوز بلا كراهة هي أن كل فعل يسير لحاجة فهو جائز بلا كراهة هذه قاعدة تريح الإنسان في أنواع الأعمال والدليل على جواز مثل هذه الأفعال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تناول رداءه في الصلاة ولبسه - صلى الله عليه وسلم - وأيضاً النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل أمامه في الصلاة فكان يضعها إذا سجد ويأخذها إذا قام وأيضاً النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوماً بالناس على المنبر ليعلمهم كيفية الصلاة وكان يصعد وينزل مراراً
وأيضاُ وهو الرابع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح الباب لعائشة لما جاءت إلى المنزل وهو يصلي وهذا الحديث فيه ضعف لكن له شواهد كثيرة وتعضده النصوص السابقة فهذه أربعة أدلة تدل على أن العمل إذا كان يسيراً لحاجة جاز بلا كراهة فإن كان يسيراً لغير حاجة جاز مع الكراهة أما الكثير فسيذكر المؤلف تفصيله قريباً • ثم قال - رحمه الله - وقتل حية وعقرب وقمل قتل الحية والعقرب في الصلاة جائز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب ولأن هذا العمل يحتاج إليه الإنسان فإذا عرض للإنسان حية أو عقرب في أثناء الصلاة فإنه يقتل الحية أو العقرب ولو كان في ذلك عمل كثير والدليل هو ما سبق للدليل وللحاجة إلى مثل هذا العمل ويقاس على الحية والعقرب كل ما يؤذي الإنسان ويشكل خطراً عليه فإنه كذلك يقتل ثم قال والقمل القمل أيضاً يجوز للإنسان أن يقتله أثناء الصلاة لأنه مروي عن بعض الصحابة ولأنه مؤذي والقول الثاني أنه يكره قتل القمل في الصلاة وهذا الثاني في الحقيقة أقرب إذ الاشتغال بمثل هذا الأمر أثناء الصلاة قد ينافي الخشوع ويستثنى من هذا حالة واحدة إذا كان هذا القمل مؤذي جداً وأشغله عن الصلاة فحينئذ يقتله في الصلاة أما إذا كان لا يؤثر على صلاته فالأولى له أن يؤخر مثل هذا العمل إلى ما بعد الصلاة وإنما قلنا الأولى ولم نقل يحرم لأنه مروي عن الصحابة أنهم فعلوا هذا في الصلاة أي قتل القمل ثم قال مبيناً أحكام الفعل الكثير فإن أطال الفعل عرفا من غير ضرورة وبلا تفريق بطلت أفاد المؤلف أن هناك فرقاً بين الفعل الكثير والفعل القليل والتفريق بين الفعل القليل والكثير محل إجماع لكن اختلفوا في القدر الذي يعتبر به العمل كثيراً أو قليلاً إذاً اختلفوا في تحديد الكثير لكنهم لم يختلفوا في التفريق بين القليل والكثير واختلفوا على أقوال القول الأول أنه يرجع في تحديد الفرق بين القليل والكثير إلى العرف وهذا مذهب الحنابلة والشافعية القول الثاني أن ضابط الكثير هو أنه إذا رؤي الرجل ظن أنه ليس في صلاة وهذا الضابط للمالكية والأحناف
والقول الثالث أن اليسير ما يشبه أعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - التي قام بها في الأحاديث السابقة وما عداه فهو كثير وهذا هو الراجح أنه يقاس القليل والكثير بأعماله - صلى الله عليه وسلم - وأيضاً إذا تأملت الأقوال السابقة ستجد أنها متقاربة فالإنسان إذا صلى وظن من رآه أنه لا يصلي قريبة من العرف العام عند الناس أن هذا عمل عملاً كثيراً يخل بالصلاة وهو أيضاً قريب من الضابط الأخير فإن هذا لا يشبه أبداً عمل النبي صلى الله عليه وسلم فإذاً إذا فصل بهذا الكثير فإن الصلاة تبطل لانتقاء الموالاة بين أعمال الصلاة وللمنافاة بين هذه الأعمال وبين الطمأنينة والطمأنينة ركن من أركان الصلاة وذكر الشيخ هنا قيود لهذا الشيء فقال فإن أطال الفعل عرفا تقدم معنا أن عرفاً هي أحد الأقوال في ضابط الكثير من غير ضرورة أما إن كان طول الفعل وكثرته للضرورة جاز ولو كثرت جداً فإذا هجم على الإنسان سبع في الصلاة جاز له أن يهرب عنه ولا يقطع صلاته لأن هذا العمل الكثير ألجأت إليه الضرورة ولا فرق بين أن تكون الضرورة خاصة به هو كما في المثال الذي ذكرت أو أن تكون الضرورة متعلقة بغيره كأن يذهب إلى إنقاذ غريق أو إنقاذ حريق أو ليتفادى سقوط طفل أو ما شابه هذه الأعمال التي تتعلق بالغير ولكنها أيضاً توصف بأنها ضرورة ويدل على هذا كله قوله تعالى فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ومن المعلوم أن الإنسان إذا ركب الفرس أو مشى راجلاً هارباً من العدو أنه سيعمل أعمالاً كثيرة ومع ذلك أجاز الله سبحانه وتعالى له أن يصلي وهو في هذه الحالة مع كثرت الأعمال للضرورة • ثم قال - رحمه الله - وبلا تفريق وهذا شرط مهم أي أنه يشترط في العمل الكثير الذي يبطل الصلاة أن يكون متوالياً فإن وقع متفرقاً فإنه لا يبطل الصلاة حتى لو فرضنا أنه لو جمعت هذه الأعمال لصارت مجتمعة فعلاً كثيرة فإن الصلاة لا تبطل والدليل على هذا ما تقدم معنا من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحمل أمامه وهذا فعل لو جمع وضم بعضه لبعض لصار فعلاً كثيراً حيث يضعها في كل ركعة ويجملها في كل ركعة
كذلك لما صلى للناس معلماً لهم - صلى الله عليه وسلم - على المنبر كان يصعد المنبر ثم ينزل للسجود ثم يصعد أخرى ليريهم صلاته - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك كانت صلاته صحيحة إذاً يشترط في الفعل الكثير الذي يبطل الصلاة أن يكون لغير ضرورة أو أن يكون متوالياً • ثم قال - رحمه الله - بطلت ولو سهوا تبطل الصلاة ولو وقع الفعل منه سهواً أولاً لأن هذا الفعل الذي وقع منه سهواً يخل بالموالاة وإن كان ناسياً إلا أ، الإخلال وقع وحصل الثاني أن الطمأنينة ركن والأركان لا تسقط بالسهو والقول الثاني أن الإنسان إذا عمل عملاًَ كثيراً سهواً صحت صلاته ولم تبطل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين لما نسي وسلم قبل تمام الصلاة قام ثم جلس ثم شبك يديه وفي رواية ثم دخل المنزل وخرج ومن المعلوم أن هذه الأعمال كثير ومع ذلك بنى - صلى الله عليه وسلم - على صلاته ولم يستأنف فدل هذا الحديث على أن الأعمال الكثيرة إذا كانت سهواً فإنها لا تبطل الصلاة وكذلك يدل عليه عموم قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وهذا القول الثاني هو الصواب أن الأعمال الكثيرة إذا كانت سهواً من غير عمد لا تبطل ثم قال رحمه الله تعالى ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها هذا التقرير كان من الأنسب أن يضمه المؤلف إلى الكلام على القراءة عند قوله تكرار الفاتحة لا جمع سور في فرض كنفل فإنها أنسب أن تكون في هذا الموضع ليجتمع الكلام عن أحكام القراءة أو يضمها إلى مسألة قراءة السورة كاملة لما أخذ السنة في القراءة وذكرنا أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الغالبة عليه أنه يقرأ سورة كاملة فلو ذكر هذا هناك لكان أنسب المهم أنه يجوز للإنسان أن يقرأ من أواخر السور أو من أواسط السور لما صح في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في ركعتي الفجر قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إسماعيل البقرة وفي الركعة الثانية قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء آل عمران
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في هذه الصلاة بعض السورة من أوسط السورة فدل هذا على جواز القراءة فتحصل معنا أنه يجوز للإنسان أن يقرأ من أول أو من وسط أو من آخر السور ولكن السنة أن يقرأ سورة كاملة • ثم قال - رحمه الله - وإذا نابه شئ سبح رجل وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى قوله وإذا نابه شئ قوله شيء عام يتناول ما إذا نابه شيء يتعلق بمصلحة الصلاة أو نابه شيء لا يتعلق بمصلحة الصلاة كما إذا استأذنه آدمي أو إذا أراد أن ينبه طفلاً فإنه يسبح إذاً التسبيح لا يتعلق بأعمال الصلاة وإنما يجوز حتى فيما هو خارج أعمال الصلاة سبح رجل وصفقت امرأة الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء وفي لفظ في البخاري إنما التصفيق للنساء باستخدام آلة الحصر إنما فقوله إذا نابكم شيء في الصلاة دليل على العموم وهو يدل على صحة ما يفهم من كلام المؤلف أنه إذا ناب الإنسان في صلاته شيء سواء كان هذا الشيء يتعلق بمصلحة الصلاة أو خارج مصلحة الصلاة فالحديث عام والسنة أن يسبح الرجل وتصفق المرأة فإن سبحت المرأة كره لها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لها التصفيق مسألة هل يجوز التصفيق للرجال في الصلاة؟ الجواب أنه لا يجوز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال فجعل حظ الرجال التسبيح ونصيب النساء التصفيق وهل يجوز التصفيق خارج الصلاة؟ محل خلاف بين الفقهاء منهم من قال أن النهي عن التصفيق خاص بالصلاة للبعد عن التشبه بعبادات المشركين ومنهم من قال أن النهي عن التصفيق عام في الصلاة وفي خارج الصلاة وكما قلت لكم هي مسألة خلاف ولكن الأقرب والله أعلم أن الرجل منهي عن التصفيق داخل الصلاة وخارج الصلاة لأمرين الأمر الأول أن الشارع الحكيم إذا نهى عن التصفيق في الصلاة مع الحاجة إليه ففي خارج الصلاة من باب أولى الثاني هذا اللفظ الذي ذكرت لكم وهو في صحيح البخاري وهو قوله إنما التصفيق للنساء فحصر جواز التصفيق في النساء
فالأقرب والله أعلم أن الإنسان يبتعد عن التصفيق داخل الصلاة وخارج الصلاة وإن كانت مسألة خلاف لكن هذا الذي يظهر وفي هذه المسألة بحوث كثيرة وآثار عن الصحابة تدل على أن النهي عام • ثم قال - رحمه الله - ببطن كفها على ظهر الأخرى بين المؤلف الصفة التي تصفق المرأة عليها فقال ببطن كفها على ظهر الأخرى والقول الثاني أنها تصفق ببطن اليمنى على بطن اليسرى والصواب أن الأمر في هذا واسع تصفق كيفما تيسر لها لأن الحديث الذي في البخاري لم يعين صفة التصفيق فهي تصفق حسبما يتيسر لها • ثم قال - رحمه الله - يبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه فرق المؤلف في البصاق بين أن يكون الإنسان في المسجد وخارج المسجد ونحن نلخص لكم هذه المسألة فنقول البصاق ينقسم إلى قسمين إما أن يكون داخل المسجد أو أن يكون خارج المسجد فإن كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه ثم يمسح بعضه ببعض أو يبصق بما تيسر الآن من المناديل ونحوها والمقصود من قول الفقهاء يبصق بثوبه يعني لا يجوز له أن يبصق في الأرض الدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ولقوله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أحدكم أن يتنخع فليتنخع على يساره تحت قدمه فإن لم يمكن فليفعل هكذا ثم أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوبه وبصق فيه ومسح بعضه ببعض إذاً الآن وضح معنا كيف يبصق الإنسان في المسجد القسم الثاني أن يبدر إليه البصاق خارج المسجد فحينئذ يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسار لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه وليتنخم عن يساره أو تحت قدمه اليسرى في الحديث السابق يقول عن يساره تحت وهنا يقول أو تحت إذاً في الحديث النهي الصريح عن التنخم قبل الوجه وعن اليمين إذاً إذا كان في المسجد فإنه يتنخم في ثوبه ويمسح بعضه على بعض ليذهب صورة النخامة أو يتنخم في المناديل ونحوها التي تيسرت في وقتنا هذا وإذا كان خارج المسجد فإنه يتنخم إما عن يساره أو تحت قدمه اليسرى والبحث الآن إذا بدر البصاق للإنسان وهو يصلي
مسألة قال الإمام أحمد من فقه الرجل أن لا يبصق عن يمينه ولو خارج الصلاة وكذلك ذهب النووي والشوكاني إلى أن هذا التفصيل في الصلاة وخارج الصلاة أي أنه لا ينبغي للإنسان أن يبصق عن يمينه ولا من قبل وجهه لأن حديث أبي هريرة السابق عام لم يقيد أو لم يحدد أن يكون هذا في صلاة أو يكون في خارج الصلاة فمن فقه الرجل ومعرفته بالأدلة أن لا يبصق في أي مكان من قبل وجهه أو عن يمينه وإنما يبصق عن يساره إذاً تم بهذا آداب البصاق فيما يتعلق في المسجد وخارج المسجد وفي الصلاة وخارج الصلاة • ثم قال - رحمه الله - مبينا أحكام السترة وتسن صلاته إلى سترة يعني أنه يسن أن يتخذ الإنسان سترة يصلي إليها والقول بأن اتخاذ السترة سنة وأن الصلاة لا تبطل ولا يأثم من تركه مذهب الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء واستدلوا على السنية بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى أحدكم فليتخذ سترة وليدن إليها والدليل على أنه لا يجب ما صح عن ابن عباس أنه قال أقبلت على حمار أتان والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه في منى إلى غير جدار والقول الثاني أن اتخاذ السترة واجب وقالوا أن الأحاديث الكثيرة تأمر بالسترة ولا يوجد في النصوص مخصص وأما حديث ابن عباس فإنه نفى الجدار ولم ينف غيره من أنواع السترة والراجح أن السترة متأكدة جداً لكن لا تصل إلى الوجوب قال الإمام الشافعي رحمه الله وغفر له إلى غير جدار في الحديث أي إلى غير سترة فالأقرب أن اتخاذها متأكد جداً لكنه لا يصل إلى الوجوب والإثم هذا ما يتعلق بحكم اتخاذ السترة • ثم قال - رحمه الله - قائمة معنى قائمة أي منصوبة يعني أنه إذا اتخذ الإنسان سترة ينبغي أن تكون منصوبة قائمة ولا تكون موضوعة على الأرض • ثم قال - رحمه الله - كآخرة الرحل يريد المؤلف أن يبين مقدار السترة فذكر أنها تكون كآخر الرحل لما أخرجه مسلم عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل في عزوة تبوك عن السترة فقال - صلى الله عليه وسلم - كآخرة الرحل ولفظ مسلم كمؤخرة الرحل وهذا يقرب من الذراع
فحد طول السترة ة ذراع أو نحواً من الذراع وإنما لم يجزم الإنسان بأنه ذراع بالضبط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله كمؤخرة الرحل ومؤخرة الرحل تختلف من مؤخرة إلى أخرى فبعضها طويل وبعضها قصير لكن الوسط بينها هو ذراع ونلاحظ أن المؤلف رحمه الله بين مقدار السترة طولاً ولم يبين مقدار السترة عرضاً وقال الفقهاء أنه لا حد لمقدار السترة فيجوز أن يكون كالسهم ويجوز أن يكون جداراً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ الحربة سترة وصلى إلى البعير وإلى الجدار فإذاً الحد من جهةالعرض ليس له حد معين في الشرع وإنما المحدود شرعاً من جهة الطول ومع ذلك قال الإمام أحمد كلما كانت السترة أعرض فهو أحب إليَّ هذا معنى كلامه وليس لفظه واستدل الإمام أحمد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم وجه الاستدلال في قوله ولو بسهم فهذا أدنى أنواع السترة وكل ما هو أعرض من السهم فهو أفضل من السهم وهذا صحيح وهذا الحديث إسناده حسن فإذا تمكن الإنسان من السترة العريضة فهي أولى من السترة السخيفة • ثم قال - رحمه الله - فان لم يجد شاخصا فإلى خط أي أنه يشرع للإنسان إذا لم يجد شاخصاً قائماً أن يتخذ خطاً وهذا مذهب الحنابلة ومذهب الأوزاعي ومذهب أبي ثور لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يجد أحدكم عصى فليتخذ خطاً وهذا الحديث ضعفه عدد من الأئمة منهم الإمام الشافعي ومنهم الإمام ابن عيينة ومنهم الإمام الدارقطني ومنهم الحافظ ابن الصلاح فهؤلاء رأوا أن حديث الخط مضطرب وضعيف إذاً عرفنا مذهب الحنابلة وما هو دليلهم ودرجة هذا الدليل القول الثاني لجماهير العلماء يرون أن اتخاذ الخط لا يشرع ولا يجزئ واستدلوا على هذا أيضاً بدليل قوي فقالوا النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن السترة فذكر أنها كمؤخرة الرحل فجاء التحديد من النبي - صلى الله عليه وسلم - لكيفية السترة فما كان أقل من مؤخرة الرحل فإنه لا يجزئ لأن هذا تحديد من النبي - صلى الله عليه وسلم - والأقرب والله أعلم مذهب الحنابلة
لكن ينتبه إلى أن الذين أجازوا اتخاذ الخط كلهم يشترط أن لا يجد شاخصاً فإن وجد شاخصاً فإنه لا يجزئه الخط نحن نقول إذا لم يجد الإنسان شاخصاً فإنه يتخذ خطاً وهو أحسن من أن لا يصلي إلى شيء لاسيما وأن الحافظ ابن رجب يقول لعل الإمام أحمد اعتمد في القول بمشروعية الخط على آثار عن الصحابة وإلا فإنه صرح بضعف حديث الخط السنة للمصلي انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال رحمه الله: -
وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط.
ذهب الحنابلة إلى أن المصلي إذا لم يتخذ سترة ومر بينه وبين سجوده كلب أسود بطلت الصلاة وهذا من مفردات الحنابلة واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فإنه يستره مثل آخرة الرحل فإذا لم يضع مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود.
قال الراوي لأبي ذر وهو راوي الحديث: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر فقال أبو ذر: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الكلب الأسود شيطان.
وهذا الحديث نص صريح في القطع لا يحتمل التأويل.
وذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأبو حنيفة رحمهم الله وغفر لهم إلى أن الكلب الأسود لا يقطع الصلاة.
واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم)).
وهذا الحديث ضعيف وممن ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والراجح كما لا يخفى مذهب الحنابلة لصراحة الدليل وقوته.
مسألة: جاء في بعض الآثار الصحيحة أن يقطع الصلاة الكلب ولم يقيده بكونه أسوداً وجاء في هذا الحديث - حديث أبي ذر - الذي معنا - تقييد الكلب بكونه أسوداً.
والصواب أن المطلق يحمل على المقيد في مثل هذه الأحاديث فنقول الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة فقط وغيره لا يقطع الصلاة.
مسألة: علل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة تقطع بالكلب الأسود بأنه شيطان فإذا مر من أمام المصلي شيطان من الجن فهل تنقطع الصلاة؟
الجواب: أن مثل هذا لا تتعلق به الأحكام لأن الإنسان لا يعلم بمرور شيطان الجن فإن علم بطريقة أو أخرى أنه مر وأن المار شيطان من شياطين الجن فاختار شيخ الإسلام أن الصلاة تنقطع.
ولكن هذا قد لا يتأتى العلم به لكن إنما ذكرت لك حكم المسألة.
• وقول الشيخ رحمه الله:
فقط.
أي أن الحمار والمرأة لا يقطعان الصلاة وهذا المذهب بل هو مذهب الأئمة الأربعة واستدلوا بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يقطع الصلاة شيء فادرؤوا ما استطعتم.
والدليل الثاني: قول عائشة رضي الله عنها ((أني كنت أضطجع أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي)).
والدليل الثالث: أن ابن عباس رضي الله عنه لما جاء على حمار أتان في منى تركه يمر بين الصفوف.
والقول الثاني: وهو رواية للإمام أحمد وأظنها الرواية الثانية - واختيار شيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين أن الحمار والمرأة إذا مرا أمام المصلي تنقطع صلاته للحديث السابق الصريح أن المرأة والحمار والكلب الأسود يقطعون الصلاة.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
وأما الجواب عن أحاديث القول الأول فكما يلي:
أولاً: حديث لا يقطع الصلاة شيء تقدم أنه ضعيف.
ثانياً: كون عائشة تعترض أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي الليل لا دليل فيه لأن الذي يقطع هو المرور لا الاعتراض.
ومن كانت معترضة أمام المصلي فإنها لم تمر من أمامه.
الخلاصة أن الذي يقطع هو المرور لا الاعتراض أو الجلوس.
وأما حديث ابن عباس في تركه الحمار يمر بين الصفوف فالجواب عنه: أن المأموم سترته سترة إمامه فإذا مر من أمامه شيء فإن صلاته لا تنقطع لأنه تبع للإمام في السترة ولا يستقل بذلك.
فتبين الآن أن القول الأول وه أن الصلاة تنقطع بالمرأة والحمار هو الصحيح وهو الذي دل عليه الحديث الصحيح الذي لا مدفع له.
((مسألتين - ذكرهما الشيخ حفظه الله في جواب على سؤالين بعد انتهاء الدرس وهي:
ما الحكمة من كون المرأة تقطع الصلاة ولماذا قرنت مع الكلب والحمار؟ الجواب: أن قرن المرأة بالكلب والحمار لا يدل على أي نوع من أنواع الغض من منزلة المرأة أو أنها قرنت مع هذين الشيئين مما يدل على أنها نازلة القدر؟ هذا قط ليس من مقصود الشارع ولا أحد يقول به مطلقاً.
لكن الحكمة من أن المرأة تقطع أحد أمرين:
أولاً: أن نقول الحكمة تعبدية.
وأنه لا يعلم لهذا معنى معقولاً.
الثاني: أن تكون الحكمة أن المرأة عادة إذا مرت أمام الرجل أشغلته عن الصلاة وذهبت بلبها يعني بلب الصلاة من الخشوع والإقبال على الله سبحانه وتعالى فناسب أن يحكم بقطعها للصلاة.
مسألة: هل المرأة تقطع الصلاة مطلقاً أو المرأة الحائض فقط؟
جاء في حديث ابن عباس ((يقطع الصلاة المرأة الحائض)).
وأخذ بهذا بعض الفقهاء فقالوا: المرأة إذا كانت حائض تقطع الصلاة وإذا لم تكن حائضاً لم تقطع الصلاة.
والقول الثاني: أن المرأة سواء كانت حائضاً أو غير حائض تقطع الصلاة وأخذوا بعموم حديث أبي ذر.
الراجح – الحقيقة الراجح ينبني على صحة هذه اللفظة وهي محل إشكال كبير من حديث دراسة الأسانيد لأن يحيى بن سعيد القطان والإمام الحافظ أبو داود أشاروا إلى تضعيف زيادة ((المرأة الحائض)) ويحيى بن سعيد القطان فشبه جزم بأنه وهم وأما أبو داود فتشعر من سياقه في السنن أنه يرى عدم صحة هذا اللفظ.
لكن في المقابل أبو حاتم الرازي الحافظ سئل عن هذا الحديث في كتابه العلل فقال: هو عندي صحيح.
وإذا تأمل الإنسان في أسانيد الحديث يحصل له من التردد ما حصل عند الأئمة لأن الذي زادها الإمام الحافظ شعبة وهو رحمه الله إذا زاد مقبولة زيادته لكونه متثبت وحافظ لكن في المقابل الذين لم يزيدوا هذه اللفظة أيضاً عدد من الأئمة.
فلم يتبين لي ثبوت هذه اللفظة من عدم ثبوتها وإذا كان مثل هؤلاء الأئمة صار بينهم اختلاف فهذا يعني أن المسألة فيها نوع من الإشكال
لكن فقه هذه المسألة إن صحت هذه اللفظة فإنا نحمل المطلق على المقيد كما حملنا الكلب والكلب الأسود حملنا المطلق على المقيد هنا أيضاً نقول إن صحت هذه اللفظة فإنه لا يقطع الصلاة إلا المرأة الحائض فقط.))
•
ثم قال رحمه الله تعالى:
وله التعوذ عند آية وعيد والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض.
أي أنه يشرع للمصلي في صلاة الفريضة والنافلة إذا مرت به آية رحمه يسأل الله وإذا مرت به آية عذاب يستعيذ بالله وإذا مرت به آية تعظيم يسبح الله لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح ويستعيذ ويسأل في صلاته إذا قام من الليل.
والقول الثاني: أن هذا الأمر مشروع في النافلة دون الفريضة.
واستدل أصحاب هذا القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عدداً كبيراً من الفرائض وقرأ فيها من آيات الوعد والوعيد والتسبيح شيئاً كثيراً ولم ينقل أحد من أصحابه عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسأل أو يستعيذ أو يسبح في الفريضة.
وهذا الدليل مخصص لعموم القاعدة التي تقول أنه ما ثبت في الفريضة ثبت في النافلة إلا بدليل.
فنحن نقول هنا وجد الدليل وهو أنه لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في الفريضة.
وهذا القول الثاني هو الأقرب للنصوص أنه لا يشرع مثل هذا الأمر إلا في صلاة النفل لا سيما في صلاة الليل.
وأما الحنابلة فهم يرون أن الأمر مشروع في الفريضة والنافلة.
فصل [في حصر أفعال الصلاة وأقوالها]
• ثم قال رحمه الله تعالى:
فصل أركانها
المؤلف يريد بهذا الفصل أن يبين أركان وواجبات وسنن الصلاة فإن قيل ما الفائدة من ذكرها وقد ذكرت في صفة الصلاة؟ فالجواب: أنه رحمه الله أراد أن يذكرها على سبيل الحصر والتعداد حتى يسهل على طالب العلم التفريق بين أنواع أعمال وأقوال الصلاة.
والأفعال والأقوال في الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما لا يسقط سهواً ولا جهلاً ولا عمداً.
وهو الذي يسمى الركن ويسميه بعض الفقهاء الفرض.
القسم الثاني: ما لا يسقط عمداً ويسقط جهلاً أو نسياناً ويجبر بسجود السهو ويسمى الواجبات اصطلاحاً وإلا الأركان أيضاً من الواجبات لكن اصطلحوا على تسمية هذه الأعمال بالواجبات للتفريق بينها وبين الأركان فهي تسمية اصطلاحية.
القسم الثالث: ما يسقط عمداً وسهواً وجهلاً ولا يوجب سجود السهو وهي السنن والأصل أنه لا يسجد له في السنن وفي الباب الذي يلي هذا الباب - باب سجود السهو - سيأتينا تفصيل فيه هل هو مشروع أو جائز أو مكروه.
• ثم قال: القيام
القيام ركن في الصلاة بالنص والإجماع.
أما النص فقوله تعالى: ((فقوموا لله قانتين)) فنص على القيام وأمر به.
وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً .... الحديث.
وأيضاً أجمع الفقهاء على أن القيام ركن من أركان الصلاة لا يسقط بحال.
مسألة: والقيام ركن من أركان الصلاة في الفريضة وأما في النافلة فهو جائز أن يأتي به أو أن يتركه لما صح في مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ليلاً طويلاً قاعداً.
فالقيام في النافلة إن شاء أتى به وإن شاء تركه ولو بلا عذر.
مسألة: والقيام في الفريضة ركن يسقط عند العجز لقوله تعالى ((فاتقوا الله ما استطعتم)).
وقوله - صلى الله عليه وسلم - ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
وفي المسألة نص خاص وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)) فنص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن القيام يسقط عند العجز.
مسألة: متى يسمى المصلي غير مستطيع؟
في هذا أقوال للفقهاء أقربها - إن شاء الله - أنه إذا كان القيام يذهب خشوع المصلي بسبب المرض أو نحوه بحيث لا يستطيع أن يخشع كما ينبغي جاز له حينئذ أن يصلي جالساً.
أي لا كما يفهم بعض الناس أنه لا يجوز أن يصلي قاعداً إلا إذا إن صلى قائماً سقط هذا الفهم غير وارد لا يجب على الإنسان أن يبقى قائماً إلى حد السقوط وإنما قوله فإن لم تستطع يحمل على الركن الهام في الصلاة وهو الخشوع.
مسألة: القدر المجزئ من القيام هو أن لا يصل إلى القدر المجزئ من الركوع فإذا انحنى انحناء يسيراً جاز ولا حرج على المصلي في ذلك.
التعليل: عللوا هذا بأن من انحنى انحناء يسيراً لم يخرج عن مسمى القيام فقد أتى بالركن.
وبهذه المسألة انتهت المسائل المتعلقة بقوله: القيام.
• قال رحمه الله:
والتحريمة
تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة عند الفقهاء لقوله - صلى الله عليه وسلم - تحريمها التكبير.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء استقبل القبلة ثم كبر.
فدل هذا على أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تسقط لا سهواً ولا جهلاً وأما عمداً فمعلوم أنه إذا لم يكبر لم يدخل في الصلاة أصلاً.
•
ثم قال - رحمه الله -:
• والفاتحة
الفاتحة تقدم معنا ذكر الخلاف فيها وأن الأقرب للصواب أنها ركن من أركان الصلاة وأن الدليل الدال على هذا حديث عبادة وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب.
وحديث أبي هريرة كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج قالها ثلاثاً.
لكن المسألة التي نريد أن ننبه عليها هنا هي هل الفاتحة ركن في كل ركعة أو أنها ركن يقرأ مرة واحدة في الصلاة؟
في هذا خلاف بين الفقهاء:
فذهب الجمهور أنها ركن في كل ركعة واستدلوا على هذا بأدلة قوية.
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وقال للمسيء صلاته ثم اصنع هذا في صلاتك كلها.
ومعلوم أن الإنسان يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة فيجب أن يصنع ذلك في صلاته كلها.
الثاني: روي عن بعض الصحابة النص على أن الفاتحة واجبة في كل ركعة.
الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة لكن هذا الزيادة - قوله في كل ركعة - ضعيفة.
فتحصل معنا الآن العمومات: ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها والآثار وهذا الحديث الضعيف وأخيراً قوله - صلى الله عليه وسلم - صلوا كما رأيتموني أصلي وقد داوم بغير انقطاع على قراءة الفاتحة في ركعة هذا الدليل الخامس الدليل السادس حديث قتادة الذي مر معنا أنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب.
فنص على أنه يقرأ بفاتحة الكتاب في جميع الصلاة - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا رأى الإنسان أن هذه الأدلة مجتمعة علم أن هذا القول فيه قوة وأن الإنسان لا يجزأه مرة واحدة في الصلاة بل يجب أن يقرأ في كل ركعة فإذا تركها في ركعة من الركعات بطلت تلك الركعة إن كان سهواً أو جهلاً.
والقول الثاني: عن الحسن البصري رضي الله عنه أن الفاتحة تقرأ في ركعة واحدة.
والقول الثالث: لبعض الفقهاء أنها تقرأ في الركعتين الأوليين فقط يعني أنها واجبة في الركعتين الأوليين فقط.
والراجح هو قول الجماهير الذي ذكرنا لهم فيه عدة أدلة.
•
ثم قال - رحمه الله -:
• والركوع
الركوع ركن من أركان الصلاة.
لقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا)) ولقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته ((ثم اركع حتى تطمأن راكعاً)).
وتقدم معنا القدر المجزئ من الركوع وهو أن ينحني بحيث أن تصل يديه إلى ركبتيه فإن لم يصل إلى هذا الحد فإن الركوع باطل فيعتبر أنه لم يأت بالقدر الواجب من الركوع.
والركوع ركن باتفاق الفقهاء.
• ثم قال - رحمه الله -:
والاعتدال عنه
الاعتدال من الركوع ركن من أركان الصلاة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته ((ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)).
ونحب هنا أن نأخذ قاعدة في مسألة الأركان وهي كيف نستدل بحديث المسيء (الأعرابي) على أركان الصلاة؟
ووجه الاستدلال به عليها أن كل ما في هذا الحديث من الواجبات التي لا تسقط إذا لو كانت تسقط لسقطت عن الأعرابي لجهله.
فتحتاج أن تفهم هذه القاعدة في كل ركن نتكلم عنه من أركان الصلاة.
إذاً إذا قيل لك ما هو الدليل؟ حديث المسيء.
ما وجه الاستدلال؟ أنه لو كان هذا الفعل يسقط لسقط عن الأعرابي لكونه جاهلاً.
إذاً الاعتدال من الركوع يعتبر ركن من الأركان.
ولم يذكر المؤلف: الرفع من الركوع وإنما ذكر: الاعتدال لأن المؤلف يرى أنه لا حاجة لذكر الرفع لأن الرفع داخل في الاعتدال لأنه لا يمكن أن يعتدل إلا بعد أن يرفع وهذا مذهب الحنابلة.
والقول الثاني: أن الرفع ركن والاعتدال ركن فكل منهما ركن مستقل وهذا القول مال إليه الشيخ ابن مفلح في الفروع وهو الصواب أن الرفع ركن وأن الاعتدال بعد الرفع ركن آخر لأن كل منهما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
لو قال قائل: ما هي ثمرة الخلاف؟ لأنه لن يعتدل إلا بعد أن يرفع.
ثمرة الخلاف: قالوا لو رفع الراكع لا لأجل الرفع ولكن فزعاً من شيء ينوبه في الصلاة فهو حيئنذ رفع لا بنية الرفع من الركوع ولكن بنية الابتعاد عما أفزعه.
فهذا الشخص هل أتى با الرفع؟ لا.
وهل أتى باعتدال؟ نعم لأنه إذا قام قد ينوي أنه اعتدل فيأتي بالركن.
فإذاً هذا الشخص الذي رفع فزعاً لم يأت بالرفع وهو ركن من أركان الصلاة.
فنقول ارجع إلى الركوع وارفع بنية الركنية أنك ترفع عن الركوع.
فصار هناك ثمرة كبيرة لمسألة هل الرفع ركن وهل الاعتدال ركن آخر أو هما ركن واحد.
فتبين معنا أن الصواب أن كل منهما ركن مستقل.
• ثم قال - رحمه الله -:
والسجود على الأعضاء السبعة.
السجود على الأعضاء السبعة ركن من أركان الصلاة.
وهو ركن بإجماع المسلمين لقوله ((يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا)).
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثم اسجد حتى تطمأن ساجداً)).
ولقول ابن عباس رضي الله عنه "" أمرنا بالسجود على سبعة أعظم"".
فالنصوص كثيرة في إثبات وجوب وركنية السجود.
والاعتدال عنه.
الاعتدال عن السجود ركن من أركان الصلاة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((ثم ارفع حتى تطمأن جالساً)).
والخلاف الذي ذكرناه في الاعتدال من الركوع والرفع منه يأتي معنا هنا في الاعتدال بين السجدتين والرفع منه.
والصواب هو أن الرفع من السجود ركن والاعتدال بين السجدتين ركن آخر.
• ثم قال - رحمه الله -:
والجلوس يبن السجدتين
والجلوس بين السجدتين ركن من أركان الصلاة لقوله في حديث المسيء ((ثم ارفع حتى تطمأن جالساً)).
ولحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع لا يسجد - يعني مرة أخرى - حتى يطمأن قاعداً.
فالجلوس بين السجدتين أيضاً ركن يقابل الاعتدال من الركوع.
•
ثم قال رحمه الله:
والطمأنينة في الكل.
الطمأنينة في لغة العرب: السكون.
والطمأنينة في الشرع في الصلاة هي أن يسكن بقدر الذكر الواجب.
وقيل: هي أن يسكن أقل سكون.
والراجح هو القول الأول وممن اختاره من الفقهاء المجد – جد شيخ الإسلام ابن تيمية.
والفرق بينهما ظاهر فلو أن إنساناً سجد وسكن في السجود أقل سكون بدون ذكر ثم رفع فالواجب عليه في مثل هذه الصورة عند أصحاب القول الثاني ماذا؟ سجود سهو فقط لأنه ما ترك ركن وإنما ترك الواجب وهو الذكر.
والواجب عليه عند أصحاب القول الأول أن يعيد السجود لأنه أخل بركن من أركانه وهو الطمأنينة.
فصار الفرق بين القولين كبير جداً.
والطمأنينة ركن عند الجماهير من أهل العلم واستدلوا على هذا بأدلة نذكر منها اثنين:
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعاد على المسيء قوله (ثم اطمأن أو حتى تطمأن).
وتقدم معنا أن المذكورات في حديث المسيء كلها واجبات أي أركان.
والدليل الثاني: حديث حذيفة أنه رأى رجلاً يصلي ولا يطمأن في صلاته فقال رضي الله عنه له إنك لم تصلي ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمد - صلى الله عليه وسلم -.وهذا الحديث في البخاري.
فحذيفة يرى أنه لم يصلي لأنه لم يطمأن في صلاته.
وخالف في الطمأنينة الأحناف وقالوا ليست بركن لأن من صلى من غير طمأنينة مع الإتيان بباقي الواجبات والأركان فقد أتى بجميع واجبات الصلاة.
وقد شنَّع كثير من أهل العلم على هذا القول وردوه وبينوا خطأه وأنه إذهاب لروح الصلاة.
وقد أطال جداً شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير وجوب الطمأنينة في كتابه القواعد النورانية بكلام لا تجد في غير هذا الكتاب.
ذكر من أوجه الاستدلال والنصوص والشواهد والآثار ما إذا وقف عليه أي منصف عرف أنه الحق إن شاء الله.
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال رحمه الله والتشهد الأخير التشهد الأخير ركن عند الحنابلة واستدلوا على ركنيته بحديث ابن مسعود قال كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على الله السلام على جبريل السلام على ميكائيل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قولوا التحيات لله واستدلوا أيضاً عليه بأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم عليه ولم يخل به وقال صلوا كما رأيتموني أصلي وذهب الشافعية إلى أنه واجب وذهب المالكية إلى أنه سنة والصواب - إن شاء الله - مع الحنابلة لصراحة الأدلة التي استدلوا بها
• ثم قال رحمه الله وجلسته
الجلسة للتشهد الأخير أيضاً ركن عند الحنابلة واستدلوا على هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله فنص على القعود - صلى الله عليه وسلم -؟ واستدلوا أيضاً بأن التشهد الأخير ركن والجلوس هو محله فهو تابع له وذهب المالكية إلى أن اركن هو الجزء الأخير من الجلوس من التشهد الأخير وهو الذي يوافق السلام فقط وما قبله سنة والصواب أيضاً – إن شاء الله تعالى – ما قاله الحنابلة أن التشهد والجلوس له كلاهما ركن من أركان الصلاة • ثم قال رحمه الله الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيه يعني في التشهد الأخير ذهب الحنابلة كما ترون إلى أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن من أركان الصلاة فلا تسقط سهواً ولا جهلاً وبطبيعة الحال ولا عمداً واستدلوا على ذلك بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وجه الاستدلال أن الله سبحانه وتعالى إذا كان أمر بالصلاة فإن أحرى المواضع بالوجوب أن تكون داخل المروضة واستدلوا أيضاً بالحديث الذي تقدم معنا من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة أنهم قالوا للني - صلى الله عليه وسلم - قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا وفي لفظ أمرنا بالصلاة عليك فكيف نصلي عليك؟ وذهب الشافعية إلى أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة وليست ركناً من أركان الصلاة وحملوا أحاديث الحنابلة على الوجوب لا على الركنية وذهب المالكية إلى انها سنة واستدلوا على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمها المسيء صلاته والجواب على دليل المالكية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما علم المسيء ما أساء فيه فقط ولذلك ليس في الحديث أنه علمه التسليم والتسليم ركن ويجب أن يُعْلَمَ هذا الجواب لأن المالكية والأحناف يستدلون بحديث المسيء في أشياء كثيرة مما سيأتي معنا في آخر هذا الباب الخلاف في مسألة حكم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد قوي والأدلة فيها شيء من التقابل أي من حيث القوة
والأقرب والله أعلم مذهب الشافعية فهو وسط بين القولين ولعل الأحاديث تدل على الوجوب لا على الركنية مسألة في القدر المجزيء من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - على القول بأنها ركن فالقدر المجزيء منها أن يقول اللهم صل على محمد ولا يلزم أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية كاملة وأيضاً على القول بالوجوب كذلك والقول الثاني أنه يجب أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية بنصها كاملة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علمهم كيف يصلون علمهم الصلاة الإبراهيمية وقد سألوا عن الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - داخل الصلاة والراجح هو القول الأول أن المجزئ هو اللهم صل على محمد لأن هذا الذي يتوافق مع ظاهر القرآن لأنه قال صلوا عليه وسلموا تسليماً فأمر بمطلق الصلاة • ثم قال رحمه الله والترتيب أي ترتيب أفعال الصلاة ركن عند الأئمة الأربعة بل حكاه بعض العلماء إجماعاً أنه لم يختلف في أن الترتيب ركن من أركان الصلاة واستدلوا على هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علم المسيء الصلاة كان يقول له ثم افعل كذا ثم افعل كذا وثم تقدم معنا أنها نص في الترتيب واستدلوا أيضاً بدليل آخر وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي مرتباً وقال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يخل بالترتيب أبداً - صلى الله عليه وسلم - إذاً لا إشكال من جهة الترتيب أنه ركن • ثم قال رحمه الله والتسليم لم يبين المؤلف رحمه الله هل التسليم يقصد به التسليمتين؟ أو يقصد به تسليمة واحدة؟ وعبر بهذا التعبير العام فنقول المذهب أن التسليمتين ركن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحليلها التسليم وأل في قوله التسليم للعهد الذهبي ويقصد به تسليمه - صلى الله عليه وسلم - وتقدم معنا أنه ثبت في حديث ابن مسعود وثبت في حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وكان يسلم عن يساره وأنه كان يقول السلام عليكم ورحمة الله ولذلك يقول الإمام أحمد ثبت عندنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمتين لوضوح النصوص وكثرتها والقول الثاني أن التسليمة الأولى ركن والثانية سنة
واستدلوا على هذا بأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سلم تسليمة واحدة والصواب أنه لا يثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمة واحدة إن ذهب بعض المعاصرين من علمائنا الأفاضل إلى تصحيحة لكن أنه لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سلم تسليمة واحدة هذا الدليل الأول وعرفتم أنه ضعيف الدليل الثاني صح عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يسلمون مرة واحدة وهذا صحيح عنهم وجاء عن عدد من الصحابة الدليل الثالث أنه حكي الإجماع على أن التسليمة الواحدة تجزيء وممن حكاه ابن المنذر رحمه الله
والأقرب والله أعلم القول الثاني وقد نصره ابن قدامة نصراً عظيماً وأكال في تقريره بل إنه مال إلى أنه لا يثبت عن الإمام أحمد إيجاب تسليمتين ولذلك ابن مفلح في الفروع حين كان سيرد الأركان قال والتسليمة الأولى هكذا قال فالأقرب والله أعلم أن التسليمة الأولى تجزيء وأن الثانية ليست بركن وأنما سنة أولاً لأنه روي عن الصحابة وهذا يجعل الإنسان يتوقف عنده ثانياً أنه حكي الإجماع أن التسليمة الأولى تجزيء إذا انفردت مسألة الخلاف السابق في الفروض أما النوافل وصلاة الجنازة فقد حكي الإجماع على إجزاء تسليمة واحدة فيها فلو أن الإنسان صلى أي نافلة مطلقة أو مقيدة معينة أو غير معينة وسلم تسليمة واحدة فإن هذه التسليمة تجزيء عنه وصلاته صحيحة • ثم قال رحمه الله وواجباتها التكبير غير التحريمة يقصد بالتكبير هنا تكبيرات الانتقال من ركن إلى ركن فهذه التكبيرات عند الحنابلة واجبة واستدلوا على هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر وأمر بالتكبير وداوم عليه وقال صلوا كما رأيتموني أصلي فمن أحاديث الأمر قوله - صلى الله عليه وسلم - فإذا كبر فكبروا فأمر بالتكبير - صلى الله عليه وسلم - والقول الثاني أن التكبيرات سنة فإذا تركها ولو عمداً فلا شيء عليه واستدلوا على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بها المسيء صلاته حين كان يعلمه
وعرفنا كيف نجيب على هذا الاستدلال لأصحاب هذا القول وهو أن نقول إنما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أساء فيه وقد ترك من الأركان أشياء كالتسليم والقول بأن التكبيرات سنة هو مذهب الجمهور والأقرب والله أعلم أنها واجبة • ثم قال رحمه الله والتسمع والتحميد وتسبيحتا الركوع والسجود وسؤال المغفرة مرة مرة وهذه الخلاف فيها تماماً كالخلاف في تكبيرات الانتقال، فالحنابلة يرون أنها واجبة لما تقدم من الأدلة وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها وأمر بها وداوم عليها وقال صلوا كما رأيتموني أصلي والجمهور يرون أنها سنة لحديث المسيء فالكلام في الحقيقة في أذكار الصلاة واحد التكبير والتسميع والتحميد والتسبيح وسؤال المغفرة هذه خمسة أذكار الخلاف فيها واحد بين لوجاهة استدل به الحنابلة والتسميع فيه خلاف خاص بالنسبة للمأموم وهو خلاف خارج عن هنا فالخلاف هنا في الإمام والمنفرد • ثم قال رحمه الله ويسن ثلاثا يعني يسن أن يستغفر ثلاث مرات والدليل أن حذيفة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول رب اغفر لي رب اغفر لي إشارة إلى أنه يكرر والمعهود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكرر الذكر ثلاث مرات فقالوا بناء على هذا التقرير أن السنة أن يقول رب اغفر لي ثلاث مرات وهل يجب أن يستغفر بهذا الذكر بأن يقول رب اغفر لي أو يجوز أن يقول اللهم اغفر لي أو يقول غفرانك أو يستغفر بأي صيغة كانت؟ تقدم معنا الخلاف في هل تتعين صيغة سبحان رب العظيم أو لا تتعين هذه الصيغة؟ الخلاف هو نفسه هنا ورجحنا هناك وذكرت لكم أنه يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية – أن هذه الصيغة لا تتعين فكذلك هنا نقول هذه الصيغة لا تتعين فإذا سبح أو استغفر بأي صيغة جاز وأتى بالواجب • ثم قال رحمه الله والتشهد الأول وهو واجب عند الحنابلة وكذلك عند إسحاق والليث بن سعد من أئمة فقهاء الحديث واستدلوا على الوجوب بقوله - صلى الله عليه وسلم - قولوا التحيات لله
واستدلوا على أنها واجبة وليست بركن بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ترك التشهد الأول جبره بسجود السهو ولو كان ركناً لم يجبره بالسجود وإنما لزم أن يأتي به فصار الدليل على التشهد واجب مركب من هذين الدليلين أنه أمر به ولما تركه سجد له سجود السهو - صلى الله عليه وسلم - القول الثاني أنه سنة وهو للجمهور ويستدلون على ذلك أيضاً بحديث المسيء وتقدم معنا مناقشة الاستدلال بحديث المسيء على ترك الواجبات أو بعض الأركان والصواب أيضاً إن شاء الله مع فقهاء الحديث أحمد وإسحاق والليث أن التشهد الأول واجب
• ثم قال رحمه الله وجلسته الخلاف في جلسة التشهد الأول كالخلاف في التشهد الأول • ثم قال رحمه الله وما الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة السنة لها تعريفات بثلاث اعتبارات باعتبار اللغة وباعتبار الشرع وباعتبار الاصطلاح فالسنة لغة الطريقة فسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني طريقته والسنة شرعاً هي ما تلقي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير القرآن سواء كان على سبيل الإيجاب أو الندب فيقال مثلاً الأصل الكتاب والسنة ويقصد بمثل هذه العبارة بكلمة والسنة أي ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خارج عن القرآن والسنة في الاصطلاح – وهو التعريف الثالث هي ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه أي إن فعله المسلم فقد أحسن وإن تركه فلا يؤنب • ثم قال رحمه الله وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة فكل ما مار معنا في صفة الصلاة مفصلة مما يخرج عما اعتبره المؤلف من الشرائط أو الأركان أو الواجبات فهو سنة تبين من كلام المؤلف أن الخشوع سنة لأنه لم يذكر مع الشرائط ولا الأركان ولا الواجبات والخشوع في لغة العرب هو الخضوع والتذلل فقيل إن الخشوع متعلق بالجوارح والخضوع متعلق بالقلب والخشوع في الحقيقة اصطلاحاً معروف إذا قيل لك ما هو الخشوع في الصلام فتعرف ما هو الخشوع في الصلاة لكن مع ذلك عرفوه ليقربوا معناه فقالوا هو حالة من سكون النفس تنطبع على الجوارح وهذا التعريف أصعب من المفهوم المتبادر للذهن لكن هكذا عرفوه
وفهمنا من التعريف أن من زعم أنه خاشع وهو يعبث في الصلاة فإن زعمه ينافيه عبثه الظاهر منه من عمل الأركان المهم أن الخشوع في الغالب ينطبع وينعكس على الجوارح بحيث لا يتحرك الإنسان في الصلاة إلا لحاجة فالخشوع عند جميع أهل العلم سنة يعني مقدار أنه مستحب ومسنون هذا متفق على عند جميع الأئمة لقوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ولما نقل متواتراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبار أصحابه من العناية الفائقة بالخشوع ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن إذاً كون الخشوع مستحب وسنة هذا متفق عليه وقال بعض الفقهاء بل هو واجب فإن تركه بطلت صلاته والقول الأول عليه الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام وهو الأقرب فمن صلى صلاة غلبت عليه الوساوس من أولها إلى آخرها صحت وأجزأت عن الفريضة وإن كان نقص ثوابه نقصاناً عظيماً ولا شك أنه خسر خسراناً كبيراً من حيث الأجر والثواب والصلاح ينتظره الإنسان من الصلاة • ثم قال رحمه الله فمن ترك شرطا لغير عذر بطلت إذا ترك الإنسان أحد الشروط من غير عذر من الأعذار بطلت الصلاة أما إن تركه لعذر فالصلاة صحيحة فإذا ترك الاستقبال لعذر كأن يكون مريضاً لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة أو ترك الطهارة بالماء وتيمم لكونه مريضاً فهنا ترك أحد الشرائط لكن لعذر فصلاته صحيحة ويفهم من كلام المؤلف أن هذا عام في جميع الشروط أن من تركها بغير عذر بطلت والصواب أن هذا يحتاج إلى تقسيم فنقوا الشروط تنقسم إلى قسمين القسم الأول الشروط التي هي من باب المأمورات والمطلوبات كالوضوء فهذه لا تسقط بالجهل ولا بالنسيان القسم الثاني الشروط التي هي من باب المنهيات والمحذورات كإزالة النجاسة فهذه تسقط جهلاً ونسياناً وهذا التقسيم للشروط هو الصواب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو أظهر الروايتين عن أحمد فإذا ترك المصلي شيئاً من الشروط التي هي من المحذورات جهلاً ونسياناً كأن يصلي وعلى ثوبه نجاسة وهو ناس لهذا النجاسة فصلاته صحيحة
أما إن صلى وقد ترك شيئاً من الشروط التي هي من باب المأمورات كأن يصلي وعليه جنابة ناسياً الاغتسال فصلاته غير صحيحة وعليه أن يعيد الصلاة • ثم قال رحمه الله غير النية فإنها لا تسقط بحال النية لا تسقط بحال لا لعذر ولا لغير عذر لأنه لا يُعْجَزُ عنها يعني لا أحد يعجز عن النية حتى لو كان مريضاً أو مسافراً أو لأي عذر من الأعذار فإنه يستطيع أن يأتي بالنية فهي لهذا السبب لا تسقط بحال من الأحوال لا بعذر ولا بغير عذر
• ثم قال رحمه الله أو تعمد المصلي ترك ركن أو واجب بطلت صلاته بطلت الصلاة لأنه متلاعب بل يستحق - إذا كان هذا منه على سبيل الاستهزاء أو التلاعب - التعزير كما صرح الفقهاء بأن يؤدب على تركه الأركان والواجبات عمداً بل صرح الفقهاء أن من صلى على غير طهارة عالماً فإنه يعزر من قبل القاضي لأنه متلاعب ومعلوم أن هذا العمل ليس له حد معين في الشرع فيرجع فيه إلى التعزير
• ثم قال رحمه الله بخلاف الباقي الباقي هي السنن ومراده بقوله بخلاف الباقي أنه لو ترك السنن عمداً فإنه تبقى صلاته صحيحة لأن الإتيان بالسنة ليس بواجب
• ثم قال رحمه الله وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال السنن تنقسم إلى قسمين سنن أقوال وسنن أفعال قال بعض الفقهاء وهناك قسم ثالث وهي سنن الهيئات - هيئة المصلي والتحقيق أن الهيئات ليس شيئاً مستقلاً برأسه بل سنن الهيئات مندرج في سنن الأفعال لأن الهيئة هي صورة الفعل فقول الفقهاء سنن الأفعال يغني عن إيجاد قسم ثالث وهو سنن الهيئات • ثم قال رحمه الله ولا يشرع السجود لتركه وإن سجد فلا بأس السجود لترك السنة عند الحنابلة لا يشرع أي ليس بواجب ولا مستحب بل جائز فيجوز أن يسجد إذا ترك سنة لكن لا يستحب ولا يجب وعن الإمام أحمد في سجود السهو لترك السنن ثلاث روايات الأولى أنه جائز ولا يشرع لا استحباباً ولا وجوباً واستدل على هذا بأن سجود السهو زيادة في الصلاة فلا تشرع إلا بتوقيف واستدلوا على أنها تجوز بأنها داخلة تحت العمومات كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث حذيفة لكل سهو سجدتان فقوله كل من ألفاظ العموم عند العلماء
واستدلوا بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سهوت فاسجد سجدتين وحديث لكل سهو سجدتان ضعيف وأما الحديث الثاني إذا سهوت فاسجد سجدتين فيبينه أول الحديث إذ فيه من زاد أو نقص فبين أن السجود يتعلق بالزيادة أو بالنقص الرواية الثانية عن الإمام أحمد أن السجود لا يشرع أصلاً واستدلوا بما استدل به الفريق الأول أن هذا عمل زائد في الصلاة ويحتاج إلى توقيف لمعرفة شرعيته وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه مشروعية السجود لترك السنن والرواية الثالثة عن الإمام أحمد أنه مشروع في الأقوال دون الأفعال والأقرب والله أعلم المذهب أنه جائز ما السبب؟ السبب في هذا أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه في أثر صحيح مطلقاً أنه سجد للسهو لترك السنن ومن المعلوم أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعد جداً أنهم لم يتركوا سنة من السنن سهواً ومع ذلك لم ينقل عنهم أبداً أنهم صلوا أو سجدوا لترك السنن فهذا في الحقيقة دليل قوي للذين يقولون بأنه لا يشرع ولكنه جائز فقط بل هو في الحقيقة دليل قوي للرواية الثانية أنه لا يشرع مطلقاً لمن نقول ما دام فيه نصوص عامة وإن كان في إسنادها ضعف ما نستطيع أن يقول يحرم أن تسجد لسجود السهو وإن كان قولاً قوياً في الحقيقة لكن نبقى مع المذهب لما تعضده من نصوص عامة مسألة ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله قيداً مهماً فقال إنما يجوز أن يسجد المسلم للسهو إذا ترك سنة لم تخطر على باله فإنه لا يحل له أن يسجد للسهو بتركها وهذا تنبيه مهم جداً وقيد يبين المسألة ويدل على فقه الشيخ رحمه الله فإذا كان الإنسان ليس من عادته أن يرفع إذا أراد أن يركع أو يسجد أو إذا قام من التشهد الأول أو ليس من عادته أن يزيد في التسبيح الواجب إلى السنة أو ليس من عادته يقيم ظهره الإقامة المسنونة ثم أراد أن يسجد للسهو لتركه هذه السنن فنقول سجودك للسهو غير مشروع
إنما يشرع لمن كان معتاداً على الإتيان بالسنة ثم تركها نسياناً أو كان عازماً أثناء الدخول في الصلاة على الإتيان بهذه السنة ثم تركها سهواً حينئذٍ نقول السجود الآن لا يستحب ولا يجب ولكنه جائز فقط انتهى الدرس،،،
باب سجود السهو
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
ففي بداية الفصل الثاني من الدورة المكثفة أرحب بجميع إخواني وأسأل الله لي ولهم الإخلاص والقبول وأن يرزقنا العلم الذي ننتفع به في الدنيا والآخرة.
وفي نهاية الفصل السابق يكون انتهى الربع الأول من الدورة وبدءنا بالربع الثاني وبنهايته ينتهي نصف الدورة.
وتوقفنا كما تعلمون عند باب سجود السهو.
ولكن قد تقدم معنا في باب صفة الصلاة الكلام على الفاتحة وكنت قد قلت للإخوان سنتحدث إن شاء الله عن حكم قراءة الفاتحة للمأموم إذا جاء موضعها.
وجاء الموضع ولكن نسينا أن نتحدث عن هذه المسألة ولذلك سنذكر الآن قبل الشروع في باب سجود السهو حكم قراءة الفاتحة للمأموم وما سنذكره الآن من شرح هذه المسألة يلحق بموضعه عند قول الماتن ((ثم يقرأ الفاتحة فإن قطعها بذكر أو سكوت ... الخ)).
فأقول مستعيناً بالله:
اختلف أهل العلم في حكم قراءة الفاتحة للمأموم على قولين:
القول الأول: أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة.
وإلى هذا القول ذهب الشافعي في الجديد والأوزاعي وأبو ثور واختاره من المحققين المتأخرين الشوكاني رحمه الله.
واستدلوا بعدة أدلة:
= (الدليل الأول) منها: استدلوا بقوله سبحانه وتعالى:} فاقرؤوا ما تيسر منه {.
وقرروا دليلهم:
- بأن قوله: ما تيسر.
يقصد به: الفاتحة. - وأن الآية عامة تشمل الإمام والمأموم والمنفرد.
والجواب على هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يوجد في الأدلة الشرعية ما يدل على أن المراد بهذه الآية الفاتحة.
والوجه الثاني: أنه على فرض أن المقصود بها الفاتحة فهي مخصوصة بالأدلة التي تخرج الصلاة الجهرية.
= والدليل الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) قالها ثلاثاً.
قال أبو السائب لأبي هريرة فإني أكون خلف الإمام.
فقال أبو هريرة رضي الله عنه اقرأ بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) .. الحديث.
والجواب على هذا الدليل:
- أن المرفوع منه لا دليل فيه.
- وأما الموقوف فهو فتوى لأبي هريرة رضي الله عنه خالفه فيها عدد من الصحابة رضي الله عنهم.
= الدليل الثالث: استدلوا: بحديث عبادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوماً صلاة الفجر فلما انتهى قال: (مالكم تقرأون خلف إمامكم) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها).
هذا الحديث هو أقوى دليل لأصحاب هذا القول وهو في الحقيقة مشكل جداً لأنه نص في المسألة.
والجواب عليه: أن هذا الحديث ضعيف وممن ضعفه من الأئمة أحمد وعلي بن المديني رحمهما الله.
وفي إسناده ابن إسحاق وفي إسناده اضطراب واختلاف كثير جداً مما يدل على عدم ضبط الرواة لهذا الحديث.
وظاهر صنيع الإمام البخاري في جزء القراءة تصحيح هذا الحديث - ليس نصاً.
لكن مع ذلك نقول: أن الأقرب ما ذهب إليه الإمام أحمد وابن المديني.
= الدليل الرابع - والأخير -: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي أخرجه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
قالوا: هذا حديث عام يتناول المأموم والإمام والمنفرد.
والجواب عليه: أن هذا الحديث تخصصه الأدلة الأخرى التي ذكرها أصحاب القول الثاني.
القول الثاني: أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في السرية ولا يجب عليه أن يقرأ في الجهرية.
وهذا مذهب مالك والشافعي في القديم وأحمد ومحمد بن الحسن - من أصحاب الإمام أبي حنيفة -. قال شيخ الاسلام رحمه الله: بل هو مذهب أكثر السلف.
واستدلوا بأدلة: =الدليل الأول: قوله تعالى:} وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا {قال الإمام أحمد: هي في الصلاة إجماعاً.
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى أمر المصلي أن يستمع إلى قراءة الإمام فهو سينشغل بالاستماع ولن يستطيع أن يقرأ.
=الدليل الثاني: ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا).
وفي قوله: وإذا قرأ فأنصتوا خلاف طويل ومتشعب:
- فمن الحفاظ من يرى أن هذه اللفظة وإن كانت في مسلم أنها غير محفوظة.
- ومنهم من يصححها وعلى رأسهم الإمام مسلم.
=الدليل الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة).
فإن قيل: أن الإمام البخاري أعل هذا الحديث بالإرسال.
فالجواب: أن حكم البخاري على الحديث بالإرسال حكم صحيح فهو حديث مرسل ضعيف لكن الاحتجاج به صحيح.
وجه ذلك: أن هذا المرسل عضد بأشياء: الأول منها: أنه يتوافق مع ظاهر القرآن.
والثاني: أن مرسله من كبار التابعين.
الثالث: أنه أفتى به جمهور السلف.
والحديث المرسل إذا عضد بهذه الأشياء صار حجة باتفاق الأئمة الأربعة وهذا الحديث من هذا الباب.
=الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة جهرية فما انتهى قال: (هل قرأ أحد منكم معي) قالوا: نعم يارسول الله.
قال: (فإني أقول مالي أنازع القرآن) فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر به.
وهذا الحديث نص في المسألة لأنه يقول انتهى الناس عن القراءة معه صلى الله عليه وسلم فيما جهر به.
فإن قيل: إن الإمام البخاري أعل هذا الحديث بأن قوله في آخر الناس: (فانتهى الناس) من كلام الزهري وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
فالجواب: أن ما أعل به البخاري هذا الحديث صحيح فهذه اللفظة موقوفة على الزهري لكن مع ذلك هو حجة.
السبب: أن هذا الكلام على فرض أنه صدر عن الزهري فإن الزهري أحفظ السلف وأعلمهم بالسنة فإذا كان يجزم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انتهوا عن القراءة فيما جهر به النبي صلى الله عليه وسلم فهو يجزم بعلم علمه وذلك باعتبار أنه أعلم الناس بالسنة.
=الدليل الخامس: أن قراءة الفاتحة لو كانت واجبة على المأموم - في الجهرية - للزم من ذلك أحد أمرين: - إما أن يقرأ المأموم مع الإمام في وقت واحد.
- أو يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم.
وهذا كله غير صحيح فقد أجمع أهل العلم على أن الإمام لا يجب عليه أن يسكت ليقرأ المأموم.
وأيضاً استفاضة السنة بالنهي عن أن يقرأ المأموم أثناء قراءة الإمام.
= الدليل السادس - الأخير -: أن الله سبحانه وتعالى إنما شرع أن يجهر الإمام بالقراءة ليستمع إليه المأموم فلو أمرنا المأموم بأن يقرأ لكان الشارع أمر الإمام أن يجهر لمن لا يستمع إليه.
وهذا - كما قال شيخ الاسلام - سفه تنزه عنه الشريعة.
الراجح: والأقرب فيما يظهر لي في هذه المسألة والله أعلم بالصواب القول الثاني بل أنا مطمأن جداً لقوة القول الثاني.
وفي ختام الكلام على هذه المسألة يجب أن يعلم أخواني جميعاً أنها مسألة مهمة جداً وأنها مسألة يترتب عليها صحة أو بطلان صلاة المأموم.
ولأهمية المسألة أفردت بكتب من المعاصرين ومن السلف حتى إن الإمام البخاري أفرد هذه المسألة بكتاب وكذلك الإمام البيهقي وأما المتأخرون فأفردوها بكتب كثيرة.
ولأهميتها وشدة الحاجة إليها ذكرت فيها نوع تفصيل ولأن كثيراً من المأمومين يبتلى بهذه المسألة حيث أن عامة المسلمين هم مأمومون وليسوا أئمة.
فالراجح فيها: أن المأموم لا يجب عليه في الجهرية أن يقرأ.
ونحن نلاحظ أن المأمومين الذين يقرأون خلف الإمام إذا قرأ الإمام سورة قصيرة صار يقرأ هو والإمام في وقت واحد ولا يستمع لما يقرأ الإمام مطلقاً ويشوش على من بجانبه لأنه لا يستطيع أن يقرأ سراً بسبب جهر الإمام فيرفع صوته حتى يستطيع أن يقرأ فيحصل تشويش.
وهذه هي المنازعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد ذلك ننتقل إلى باب سجود السهو.
• قال رحمه الله:
باب سجود السهو.
السهو في لغة العرب: هو الذهول وغفلة القلب.
أي: الذهول عن شيء معلوم مسبقاً ولا يسمى المجهول من الأصل منسياً وإنما النسيان يتعلق بشيء معلوم سابق.
وأما - السهو - في الاصطلاح: فهو النسيان في الصلاة خاصة.
والسهو في الصلاة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سهو مذموم.
وهو: السهو عن الصلاة لقوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ فقال: عن صلاتهم.
القسم الثاني: سهو غير مذموم.
وهو: السهو في الصلاة فهذا لا يذم.
وهذا القسم وقع من النبي صلى الله عليه وسلم.
والسهو الذي يقع في الصلاة لا يذم من المسلمين وأما من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من القسم المحمود لأنه إذا سهى صلى الله عليه وسلم صار ذلك سبباً في بيان الشريعة وأحكام الصلاة.
• قال رحمه الله تعالى.
يشرع: لزيادة ونقص وشك لا في عمد.
قوله: ((يشرع)).
سجود السهو مشروع بإجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يخالف أحد من العلماء في أن سجود السهو مشروع.
وتقدم معنا أن قول الفقهاء مشروع يحتمل أن يكون الشيء مشروعاً على سبيل الوجوب أو الاستحباب ولا يتعين أحد الحكمين.
وفي باب سجود السهو خمسة أحاديث.
يقول الإمام أحمد: نحفظ فيه خمسة أشياء.
يعني خمسة أحاديث.
وعلى هذه الخمسة مدار أحكام باب سجود السهو.
الحديث الأول والثاني لابن مسعود والثالث لأبي هريرة والرابع لأبي سعيد الخدري والخامس لابن بحينة رضي الله عنهم أجمعين.
وفي الباب أحاديث أخرى لكن كما قال الإمام أحمد أن العمدة في هذا الباب على هذه الأحاديث.
وإذا عرفنا أن سجود السهو مشروع في الجملة فبقي أن نعرف حكمه بالتفصيل:
اختلف فيه الفقهاء على أقوال:
القول الأول: أن سجود السهو واجب.
سواء كان قبل السلام أو بعده.
وهو مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن سجود السهو واجب إذا كان موقعه قبل السلام.
والدليل أنه إذا كان قبل السلام صار من الصلاة فهو واجب.
والقول الثالث: أن سجود السهو سنة دائماً.
وهو ما ذهب إليه الأمام الشافعي.
والأقرب للصواب والله أعلم القول الأول - أنه واجب - لما ثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين).
والأصل في الأمر أنه للوجوب.
وسجود السهو من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله رحمه الله: يشرع: لزيادة ونقص وشك لا في عمد.
أي: أن سجود السهو يشرع إذا زاد الإنسان في صلاته أو نقص منها أو شك فيها بشرط أن يقع ذلك على وجه السهو.
وهذا معنى قوله: لافي عمد.
أما إذا وقعت هذه الزيادة أو النقص أو الشك على سبيل العمد فإنه لا يشرع له أن يسجد للسهو ولا يقبل منه أن يسجد للسهو.
إذاً قوله: يشرع: لزيادة ونقص وشك لا في عمد عرفنا منه أن سجود السهو إنما يشرع في ثلاث مواضع في الزيادة والنقص والشك بشرط أن يقع ذلك على سبيل السهو.
الدليل على تقييده بالسهو:
الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) فعلق وجوب السجود بالنسيان.
الدليل الثاني: أن المتعمد متلاعب ولا ينفعه سجوده للسهو في شيء.
وعرفنا من هذه العبارة - يشرع: لزيادة ونقص وشك لا في عمد - متى يشرع سجود السهو على وجه الإجمال.
• قال رحمه الله:
في الفرض والنافلة.
يعني: أن سجود السهو مشروع في الفرض والنافلة.
والدليل على ذلك: أن نصوص السهو عامة لم تخصص الفريضة ولا النافلة وإنما عمت جميع أنواع الصلوات.
لما قرر المؤلف رحمه الله أن سجود السهو يشرع في هذه الأحوال بدأ بتفصيل هذه الأحوال
- أي التفصيل في الزيادة والنقص والشك - وذلك في قوله: فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة.
وسيبدأ بالزيادة.
والزيادة تنقسم إلى قسمين: - وهذا التقسيم تقسيم كلي ليتصور الإنسان الأحكام وستأتي في ثنايا كلام المؤلف مفصلة.
القسم الأول: زيادة في الأفعال.
القسم الثاني: زيادة في الأقوال.
وأيضاً الزيادة في الأفعال تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الزيادة التي هي من جنس الصلاة.
القسم الثاني: الزيادة من غير جنس الصلاة.
مثال الزيادة في الأفعال التي من جنس الصلاة: أن يزيد ركعة.
أو سجدة.
مثال الزيادة في الأفعال التي ليست من جنس الصلاة: أن يأكل أو يشرب أو يعبث بثيابه أو يحمل صبياًَ أو يفتح باباً.
بدأ المؤلف رحمه الله بالقسم الأول: الزيادة التي من جنس الصلاة.
• فقال رحمه الله تعالى: فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة، قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً: بطلت، وسهواً: يسجد له.
إذا زاد المصلي في صلاته أفعالاً هي من جنس الصلاة عمداً بطلت الصلاة عند الحنابلة.
بل بطلت بإجماع الفقهاء.
لدليلين: الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
الثاني: أن هذا المصلي متلاعب.
ومن تلاعب بأحكام الله بطل عمله.
بل إن الاستهزاء بآيات الله لا يبطل العمل الخاص وإنما يبطل أصل الإسلام وهذا يدلنا على خطورة التلاعب بآيات وأحكام الله.
قوله رحمه الله: وسهواً.
يسجد له.
أي إذا زاد فعلاً من جنس الصلاة سهواً فإنه يسجد له.
الدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم.
ففي هذا الحديث الصحيح والمتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم لما زاد عملاً من جنس الصلاة سجد له ولم يبطل صلاته أو يستأنفها.
• ثم قال رحمه الله: - والحديث ما زال في الزيادة المتعلقة بالأفعال.
وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها: سجد.
مثال زيادة الركعة: كأن يصلي خامسة في رباعية أو رابعة في ثلاثية أو ثالثة في ثنائية ولا يوجد مثال آخر لزيادة ركعة.
فهذه الأمثلة لا مزيد عليها.
- فإذا زاد الإنسان ركعة ولم يعلم أنه زاد هذه الركعة ولم ينبه المأمومون حتى انتهى من هذه الركعة فإنه يسجد بعد السلام سجدتين لأنه زاد في الصلاة عملاً فوجب عليه سجود السهو.
• ثم قال رحمه الله: وإن علم فيها: جلس في الحال.
المقصود بقوله: فيها.
أي في الركعة.
جلس في الحال: لكن يجب أن نعلم أن لهذا الجلوس حكمان: الأول: يجلس بلا تكبير.
ونص الإمام أحمد على هذا فقال رحمه الله: يجلس بلا تكبير.
الثاني: أن هذا الجلوس على سبيل الوجوب.
ودليله: أنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمداً ومن زاد في الصلاة عمداًُ فقد تقدم معنا أن صلاته باطله.
والعمل الذي يؤدي إلى بطلان الصلاة محرم.
فإذاً عرفنا الآنة أنه إذا زاد ركعة ثم علم في أثناء هذه الزيادة فحكمه أنه يجلس بلا تكبير وهذا الجلوس على سبيل الوجوب.
أما أنه على سبيل الوجوب فعرفنا دليله.
أما أنه يجلس بلا تكبير فلأن هذا رجوع للصواب ولو كبر لزاد تكبيرة في الصلاة.
وهذا يخالف ما عليه عامة المصلين اليوم فإنه إذا نبه وهو قائم جلس مع التكبير وهذا خطأ.
لكن إذا فعله جهلاً فلا شيء عليه.
• قال رحمه الله: فتشهد إن لم يكن تشهد.
إذا علم بزيادة الركعة وجلس في الحال فهو على قسمين:
1 - إما أن يكون تشهد فيما سبق.
فإن كان تشهد فإنه لا يعيد التشهد.
لماذا؟ لأن هذا التشهد وقع في مكانه الصحيح فاعتد به فلا حاجة لإعادته.
فمثلاً: لو جلس الإمام في الرابعة في صلاة العصر وقرأ التشهد ثم نسي وقام ثم نبه فماذا يصنع في هذه الحالة؟
الجواب: أن يجلس بلا تكبير وهذا واجب ولا يعيد التشهد لأن التشهد الذي ذكره صحيح وقد وقع موقعه.
2 - وإن لم يكن تشهد.
فإنه يتشهد.
والغالب في الزيادات أن لا يكون المصلي تشهد لأنه ينسى ويظن أنه في الثالثة فيقوم بلا تشهد.
وعلى كل حال إن كان تشهد فإنه لا يعيد وإن كان لم يتشهد فإنه يتشهد.
وعليه أمر آخر وهو أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن صلى لأنه تقدم معنا أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة.
• ثم قال رحمه الله تعالى:
وسجد وسلم.
أفاد المؤلف أن السجود للزيادة يكون قبل السلام.
وهذا مذهب الحنابلة.
بل الحنابلة يرون أن جميع سجود السهو بكل أنواعه يكون قبل السلام إلا في صورة واحدة وهي: إذا سلم قبل إتمام الصلاة.
وأما في جميع الصور فإن السجود يكون قبل السلام.
وتنبه إلى أن الحديث الآن عن الزيادة فيجب أن تستحضر هذا حتى ننتهي من الكلام على مسائل الزيادة.
القول الثاني: أن السجود في هذه الصورة يكون بعد السلام.
وهذا القول اختاره من المحققين شيخ الاسلام بن تيمية.
ودليله ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (لما زاد خامسة في الظهر سجد بعدما سلم).
ففي هذه الصورة صار سجوده صلى الله عليه وسلم بعد السلام لما كان السهو على سبيل الزيادة.
فما ذكره المؤلف مرجوح ومخالف للحديث الصحيح.
•
ثم قال رحمه الله:
وإن سبح به ثقتان فأصر ولم يجزم بصواب نفسه: بطلت صلاته.
قوله: وإن سبح به: تقدم معنا أن الشارع الحكيم شرع طرقاً لتنبيه الإمام:
فبالنسبة للرجال: التسبيح.
وبالنسبة للنساء: التصفيق.
فقوله: وإن سبح به.
يعني لتنبيهه.
والمؤلف هنا ذكر التسبيح وغيره كما في الفروع لابن مفلح قال: وإن نبهه.
والتعبير بالتنبيه أحسن من التعبير بالتسبيح.
لماذا؟ ليشمل الجميع.
قال: ثقتان.
الثقة هو العدل الضابط.
وفهمنا من قول المؤلف رحمه الله: وإن سبح به ثقتان.
عدة مسائل: