كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
أما الأشياء الحية من بهائم الأنعام أو العبيد أو ما شابه هذه الأشياء فيكاد يتعذر أن تطابق الأوصاف تماماً والقيمة، وقد تتطابق القيمة مع اختلاف في الأوصاف وتتطابق القيمة لاعتبارات أخرى لكن الأوصاف تختلف.
فقد تجد مثلاً من الماعز الذكر ما قيمته تساوي الأنثى لاختلاف السن أو لرغبة المشتري بالذكر دون الأنثى: فهنا تطابقت القيمة لكن مع اختلاف بين في الوصف بل إن هذا ذكر والآخر أنثى.
فإذاً: الخلاصة أنه يصعب أن تتطابق الصفات في الأعيان الحية لا سيما بهيمة الأنعام ولكن قد يحصل هذا في المصنوعات والمنتوجات الجامدة وهو كثير.
فمثلاً: السيارات الجديدة اليوم: متطابقة تماماً.
وتختلف في شيء واحد وهو: اللون.
فبالنسبة للسيارات التي من طبقة واحدة في الصفة لا تختلف إلا في اللون.
فإذا وجدت سيارة من نفس الموديل جديدة بنفس اللون وبنفس المواصفات: فإنه لا يوجد أي فرق بين السيارتين.
فإذا قال: بعت عليك سيارة مما في المعرض وكل الذي في المعرض من موديل واحد ونوع واحد ولون واحد وصفة واحدة: فهذا على الصواب يجوز وإن كانت عبارة المؤلف - رحمه الله - أن هذا البيع لا يجوز لأنه عمم.
لكن كما قلت: هذا يجوز.
إذاً: انتهينا من مسألة استثناء المعين من مسألة استثناء رأس وجلد وأطراف الحيوان المأكول وبقينا في مسألة اليوم:
- قال - رحمه الله -:
- وعكسه الشحم.
معنى قوله: (وعكسه الشحم) أي: فلا يجوز أن يستثنى.
والسبب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
وتقدير الشحم في الحيوان المأكول اللحم لا يمكن أن يضبط.
فإذا قال: بعت عليك هذه الشاة واستثنيت ما فيها من لحم: فالبيع باطل.
لأن المستثنى مجهول ولا يمكن معرفة المستثنى منه إلا بمعرفة المستثنى.
فالبيع باطل.
إذاً: الشحم يأخذ عكس حكم استثناء الرأس والجلد والأطراف.
-
- مسألة / فإن استثنى نوعاً معيناً من الشحم وهو الإلية فقط فإن هذا الاستثناء جائز لأنها مشاهدة معلومة مقدرة وليست مجهولة في داخل الجسم.
فاستثناء هذا النوع من الشحم فقط: جائز ولا حرج فيه فإذا انتفت الجهالة صح العقد.
- مسألة / فإن استثنى نوعاً معيناً من الشحم وهو الإلية فقط فإن هذا الاستثناء جائز لأنها مشاهدة معلومة مقدرة وليست مجهولة في داخل الجسم.
- ثم قال - رحمه الله -:
- والحمل.
يعني ولا يصح أن يستثني الحمل.
فإذا قال: بعت عليك هذه الشاة وأستثني حملها.
فإنه: لا يصح.
للجهالة.
وما قيل في الشحم يقال في الحمل حيث لا يمكن معرفة صفة هذا الحمل ولا هل هو حي؟ أو ميت؟ فهو مجهول.
=والقول الثاني: أن استثناء الحمل: جائز.
- لأن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - باع أمة واستثنى حملها.
والقول الراجح إن شاء الله: أن استثناء الحمل: لا يجوز.
والجواب على أثر ابن عمر: أن لفظه الصحيح: (أنه أعتق جارية واستثنى حملها) ومن المعلوم أن العتق ليس من عقود المعاوضة فلا بأس فيه باستثناء المجهول.
ومما يدل على رجحان مذهب الحنابلة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحمل منفرداً.
وتقدم معنا بالأمس قاعدة وهي أنه: (لا يصح استثناء إلا ما يجوز بيعه منفرداً) وتقدم في نص المؤلف - رحمه الله - أنه لا يجوز بيع الحمل منفرداً.
إذاً: هذا مما يؤيد مذهب الحنابلة - رحمهم الله -. والشيء الثالث: إن قيل أن استثناء الحمل هو: عبارة عن استبقاء وليس بيعاً جديداً فلا يأخذ هذه الأحكام إنما هو استبقاء للحمل على ملك البائع.
فالجواب: أن كلمة استبقاء تعني: الاستثناء واختلاف العبارة لا يعني اختلاف المعنى والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم فالاستبقاء هو استثناء.
فإذاً: إذا اعتبرنه عقداً جديداً فهو محرم وإذا اعتبرناه استثنائي واستبقاء فهو أيضاً محرم ولذلك لا أرى ي وجه لتصحيح استثناء الحمل.
فهو باطل ومجهول وربما كان الحمل واحد أو اثنان أو ربما كان أنثى أو ذكر أو ربما كان حي أو ميت وربما كان بصحة جيدة أو ربما كان بصحة سيئة وهذه كلها أشياء موغلة في الجهالة وتقدم معنا حكم بيع الحمل وما قيل فيه من نصوص وآثار فهو كذلك ينطبق على هذه المسألة.
فاستثناء الحمل الذي قد يمارسه بعض الناس اليوم في بيع بهيمة الأنعام: لا يجوز.
ويجب أن يبطل العقد وأن يقال: إما أن تشتريها بالحمل أو أن تنتظر إلى أن تلد ثم تشتري الشاة حائلاً ليست حاملاً. - ثم قال - رحمه الله -:
- ويصح بيع ما مأكوله في جوفه: كرمان وبطيخ.
بيع ما مأكوله في جوفه: جائز بالإجماع.
ولا مجال للخلاف في هذه المسألة بسبب أن إخراج هذا المأكول من جوف القشر إفساد للسلعة.
وهل يتصور أحد أن يبيع البيض بلا قشره؟ هل هو ممكن؟.
لا يمكن أبداً.
إذاً: ما مأكوله في جوفه يجوز أن يباع في جوفه بالإجماع لأنه إذا أخرج فسد فلا إشكال في هذه المسألة.
ثم قال - رحمه الله -:
- وبيع الباقلاء ونحوه في قشره والحب المشتد في سنبله.
يعني: صحيح.
الباقلاء هو: الفول.
فبيع الباقلاء والجوز واللوز والحب داخل السنبل وكل ما شابه هذه الأعيان: جائز وصحيح.
لدليلين: - الأول: أنه مستتر في قشره الأصلي.
- والثاني: أن هذه الأعيان تقاس على ما مأكوله في جوفه.
- الثالث - وينبغي أن يكون الأول -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحب حتى يشتد.
ومفهوم الحديث أنه إذا اشتد الحب: جاز بيعه ولو في سنبله.
فمفهوم الحديث يدل على الجواز.
= والقول الثاني: أن هذه الأشياء لا يجوز أن تباع لا الجوز ولا اللوز ولا الحب في سنبله ولا الفول قبل أن يقشر وكل ما شابه هذه الأمور. - لأن هذه الأعيان مستتره وهذا الاستتار يؤدي إلى الجهالة والجهالة تمنع من صحة البيع.
وكأن هذا القول نظري ولا أظن أنه عمل بهذا القول من بداية الناس بالبيع والشراء لأننا ما علمنا أن الجوز واللوز يباع بدون قشره.
فيبدو لي أن الجوز واللوز والفستق والفول: ما زال الناس يبيعونه بقشره الأصلي.
فالراجح والذي عليه العمل هو القول الأول ولا أظن القول الثاني كما قلت إلا قول نظري لا يمكن تطبيقه. - ثم قال - رحمه الله -:
- وأن يكون الثمن معلوماً.
يشترط أن يكون الثمن معلوماً: - من جهة القدر.
- ومن جهة الصفة.
- ومن جهة النوع.
والمقصود بكونه معلوماً: أن يعرف البائع كل ما يتعلق بالثمن.
والدليل: - أن الثمن أحد طرفي العوض فوجب أن يبين.
ـ وأما كيفية معرفة الثمن: فالتفصيل الذي قيل في معرفة السلعة يأتي معنا هنا تماماً في معرفة الثمن من حيث الرؤية ومن حيث الوصف وكل ما قيل من مسائل تتعلق بمعرفة المبيع تأتي في معرفة الثمن تماماً ولا فرق لأن العقد اشتمل على سلعة وثمن فالكلام فيهما واحد.
ولو أن الفقهاء - رحمهم الله - جعلوا هذا الشرط شرطاً واحداً فقالوا: يشترط معرفة السلعة والثمن.
كان أوضح.
لكن هم - رحمهم الله - رأوا التفصيل لزيادة التوضيح وللتأكيد على كل شرط بحد ذاته ليعلم أن الثمن لابد أن يعرف والسلعة لابد أن تعرف.
إذاً: لا نحتاج إلى إعادة الكلام فيما يتعلق بكيفية معرفة الثمن لأنه يكون بالرؤية والوصف على ما تقدم.
- ثم قال - رحمه الله -:
- فإن باعه برقمه.
المرقوم هو: المكتوب.
يعني: فإن باع السلعة بثمنها المكتوب عليها.
ومقصود الفقهاء: يعني وجهلاه.
أما الثمن المكتوب عليه والذي قرأ وعرف فهذا غير داخل في مسألتنا.
إذاً: هم يريدون المرقوم الذي جهله البائع والمشتري.
فهذا لا يجوز العقد عليه: لأن الثمن مجهول.
ومعرفة الثمن شرط لصحة العقد.
صورة المسألة: أن يقول زيد لعمرو: بعت عليك هذه السيارة فيقول: عمرو بكم؟ فيقول: بالسعر المكتوب عليها وهو لا يعرف السعر المكتوب عليها.
بأن تكون السيارة غائبة أو بعيدة أو مستترة.
فهذه الصورة لا تجوز.
= القول الثاني: أن بيع الشيء بسعره المرقوم عليه جائز. - لأنه إن لم يعرف الآن عرف إذا رأي الرقم.
وإلى ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد.
والأقرب والله أعلم: المنع.
لأنه تقدم معنا مراراً أنه لابد من معرفة السعر ومعرفة المبيع في الحال لا في المآل لأن الشقاق إنما يحصل عند المعرفة بعد مجلس العقد.
فلابد قبل أن يتم العقد أن يعرف الثمن ولا نكتفي بقوله: بسعرها المكتوب عليها.
بل إني أقول: أنه غالباً لا يقول البائع مثل هذا اللفظ يعني: ولا يصرح بالسعر إلا ويريد إخفاء شيء على المشتري وإلا لو كان الأمر على ظاهره لقال: بكذا ولم يقل: بالمكتوب عليه.
وعلى كل حال: الأمر سهل ومذهب الحنابلة أوضح.
نقول: إذا أردت أن تبيع فصرح بالثمن ولا تقول بالمكتوب ولو كان المكتوب سيتضح عند الوصول إلى السيارة أو إلى السلعة أياً كانت فنقول: صرح بالمكتوب بسعره في مجلس العقد ليدخل البائع على بينة وليكون أيضاً المشتري على بينة.
فالصواب إن شاء الله مع الحنابلة وأنه لا يجوز البيع بالرقم إلا أن يعلم للمشتري والبائع.
وغالباً سيكون معلوماً للبائع والجاهل هو المشتري.
وقد يحصل أن البائع والمشتري يجهلان وذلك بأن يضع السعر على السلعة من وقت طويل ثم لا يذكر كم السعر الآن فيقول: مثلاً: بعت هذه السلعة عليك بالسعر المكتوب ولا أذكر الآن كم وضعنا سعر هذه السلعة لكن ننظر إذا وصلنا إلى السلعة.
فعلى كل حال: إن كان السعر مجهولاً للبائع أو المشتري أو لأحدهما فإنه لا يجوز.
- ثم قال - رحمه الله -:
- أو بألف درهم ذهباً وفضة.
يعني: لا يجوز أن يكون الثمن ألف درهم: بعضه ذهب وبعضه فضة ولم يبين البائع مقدار الذهب ومقدار الفضة.
وعلة المنع: أن مقدار الذهب والفضة من مجموع القيمة مجهول، والجهالة تمنع صحة البيع.
= القول الثاني: أنه إذا قال: بعت عليك هذه السلعة بألف درهم ذهباً وفضة فإن الثمن يكون مناصفة: نصفها ذهب ونصفها فضة. - لأن الإطلاق هذا يفهم منه المناصفة.
= والقول الثالث: أنه إذا قال: بعت عليك بألف درهم ذهباً وفضة: صح مطلقاً.
علمنا مقدار الذهب والفضة من مجموع الثمن أو لم نعلم.
واستدل هذا القائل: - بأن السعر الآن معلوم وهو: ألف درهم.
فحيثما سدد المشتري ألف درهم: جاز.
مهما سدد فالسعر في الأخير معلوم سواء سدد بثلاثة أرباعه فضة وربعه ذهب أو بالعكس أو بالمناصفة ففي الأخير والمآل سيكون الثمن: ألف درهم.
فإذاً العقد جائز.
وهذا القول: وجيه جداً وصحيح وراجح.
بشرط: أن لا يكون للناس نظرة وتفريق بين الذهب والفضة.
فإذا كان للناس رغبة زائدة في الدنانير أو رغبة زائدة في الدراهم في وقت من الأوقات أو في ملابسات معينة فإنه يجب وجوباً أن يبين مقدار الدراهم ومقدار الدنانير.
يعني: مقدار الذهب ومقدار الفضة، فهذا يجب وجوباً.
وأما في وقتنا هذا الآن فيتعين البيان فلو قال: بعت عليك بألف ريال دنانير وأريل.
فالبيع لا يجوز لأن الدينار الآن عملة موجودة في بلد وفي بلد آخر وفي ثالث.
فهو مسمى لعملة في أكثر من بلد والدينار في البلد الفلاني يختلف تماماً قوة ومقداراً وقوة في الشراء عن الدينار في البلد الآخر.
فإذاً: نقول في وقتنا هذا لا يصلح أن يقول: بعت عليك بألف ريال ونقول الألف ريال معروفة ولكن تحضر قيمة الألف ريال بعضها من الأريل وبعضها من الدنانير.
كذلك لا يصلح أن يقول: بعت عليك بألف ريال: أريل ودولارات مثلاً.
فهذا لا يصلح لأن الناس يفرقون اليوم بين الدولار ويرون أن له قيمة أكثر مثلاً من معادلة من بعض العملات الأخرى ولو كانت تعادله في القيمة إلا أنهم يرغبون في الدولار أكثر لرواجه وقوته ولأنه يباع في أي سوق أو لأي سبب آخر.
الخلاصة: أنه إذا جمع بين نوعين من النقد فيشترط لصحة العقد أن لا يكون عند الناس عرف ورغبة في أحد النوعين أكثر من الآخر فحينئذ لابد من البيان وإلا إذا لم يكن هذا واقعاً بين الناس فإن القول الثالث الذي يقول: أن الألف درهم معروفة كيفما سددت هذه الألف: جاز.
فهذا قول وجيه وهو من حيث المعنى قوي.
- ثم قال - رحمه الله -:
- أو بما ينقطع به السعر.
إذا باع عليه بما ينقطع به السعر.
أي: بالمبلغ الذي يقف عليه السعر بلا زيادة فإنه جائز.
لكن في الحقيقة بعد التأمل والنظر وجدنا أنه فيه اختلاف في تعريف ما ينقطع به السعر.
ـ فالمعنى المتبادر: أن البيع يكون بما ينقطع عليه السعر أثناء البيع مزايدة.
فيقول: بع هذا مزايدة وما ينقطع عليه السعر فهو لي بكذا.
هذه الصورة هي المتبادرة للذهن وكثير من الشراح يفرع على هذه الصورة.
ـ الصورة الثانية: أن يقول الرجل لبائع السلع قبل أن يبدأ بالبيع: اشتريت منك هذه السلعة بمثل ما تبيع به نظيرها.
وهذا يكون غالباً في افتتاح السوق قبل أن يبدأ بالبيع ولا يدري بكم سيبيع فهنا لا يوجد حراج ولا مزايدة لكن لا يدري هو بكم سيبيع فيقول: أنا شتري منك بما ينقطع به السعر كيفما بعت هذه السلعة فأنا أريد التي نشبهها بنفس الثمن.
ـ الصورة الثالث: وهي الصورة التي: ذكرها ابن القيم وشيخ الإسلام أن يأخذ الإنسان من البقال تباعاً كل مثلاً - كيلو بكذا.
والذي ينقطع به السعر هو في النهاية عند المحاسبة.
هذه ثلاث صور: تختلف تماماً في الحقيقة إذا تأملت ذلك. - فالصورة الأولى: وهو البيع مزايدة: الأقرب أنه لا يصح.
إذ ربما يرتفع الثمن بسبب ملابسات المزايدة ارتفاعاً لا يرضاه المشتري مطلقاً ثم يحصل بعد ذلك الشقاق والنزاع بقوله: ما كنت أظن أن يبلغ السعر هذا المبلغ.
-
والصورة الثانية: الأقرب فيها الصحة.
لأن السعر سيكون متصوراً ومعروفاً ومحدوداً بين سعرين متقاربين وليس هناك مزايدة تخرج عن الظن أحياناً وإنما تحديد متقارب بين سعرين متقاربين فهذا لا إشكال فيه وغالباً ما يقع في السلع اليسيرة الرخيصة. -
الصورة الثالثة: هذه الصورة لا بأس بها.
بل إن شيخ الإسلام وابن القيم يزعمون أن هذه الصورة بالناس إليها ضرورة ون أكثر معاش الناس لعله في زمنهم يكون على وفق هذه الصورة ولا يمكن أن يمنع الشارع صورة الناس بحاجة إليها حاجة ماسة أو ضرورة.
وعلى كل حال: سواء كانت حاجة الناس لمثل هذه الصورة ماسة أو ليست بماسة ضرورية أو ليست بضرورية فهي جائزة ولا محظور فيها.
وبهذا كمل صور البيع بما ينقطع عليه السعر. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو بما باع زيد وجهلاه أو أحدهما: لم يصح.
إذا قال: بعت عليك بما باع به زيد: فإنه لا يصح. -
لأن ما باع به زيد: مجهول، وجهالة السعر تبطل العقد.
= والقول الثاني: أنه إذا باع بما باع به زيد: فهو صحيح وجائز. -
لأن الناس غالباً لا يستعملون هذه الصيغة إلا بتعليق السعر على رجل له خبرة بأسعار مثل هذه السلع.
-
ولأن عمل الناس فيما يجهلون من أسعار السلع يكون غالباً كذلك.
فيقول: أبيع عليك بمثل ما باع فلان سيارته أو بيته أو غلته أو ثماره .. إلى أخره.
والأقرب والله أعلم أنه لا يجوز كما قال الحنابلة.
لأن حاجة الناس في مثل هذه الصور تندفع بأن يعرف ما باع به زيد ثم يتم العقد ولا حرج في ذلك.
إما بأن يعده أن لا يبيع السلعة أو بأخذ عربون أما إتمام الصفقة تماماً والعقد وإنهاء الأمر على أساس أن سعر السلعة هو بمثل ما باع به زيد.
فهذه جهالة واضحة جداً لأن السعر مجهول تماماً إلى أن يبيع زيد فإن باع زيد ربما رضي المشتري أو البائع بما باع به زيد وربما سخط ما باع به زيد ثم وقع بينهما الشقاق والنزاع.
وهذه الصورة ما تمس الحاجة إليها ولا يوجد معنى لتصحيحها.
يعني: لا يوجد مقصد شرعي يجعل الفقيه يصحح مثل هذه الصورة لأن الحاجة تندفع كما قلت لكم بأن يؤجل إتمام الصفقة إلى ما بعد معرفة السعر الذي باع به زيد.
ثم قال - رحمه الله -:
- وإن باع ثوباً أو صبرة أو قطيعاً كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح.
يعني: نلاحظ أن المؤلف - رحمه الله - يأتي بصور ممنوعة ثم يأتي بصور جائزة ثم يرجع للصورة الممنوعة ثم يتكلم عن الصور الجائزة.
فبدأ: ولا يصح بيع الملابسة والمنابذة.
ثم: ويصح ما مأكوله في جوفه.
إذاً انتقل إلى العيان التي تصح.
ثم رجع فقال: فإنه باعه برقمه ... إلى آخره.
قال: لم يصح.
ثم رجع مرة أخرى وقال: وإن باع ثوباً أو صبرة ... صح.
فهذا في الحقيقة يخالف الترتيب المنطقي والمتبادر للذهن أن يجعل العقود الصحيحة جملة واحدة ثم يجعل العقود الغير الصحيحة جملة واحدة لكن المؤلف - رحمه الله - إنما فرق هذا التفريق ليبين المسائل المتشابهة التي بعضها يصح وبعضها لا يصح.
فيجعل المسائل المتشابهة جميعاً في مكان واحد التي تصح والتي لا تصح.
فمثلاً: يبين مسائل الثنيا في مكان واحد فيذكر ما يصح من الثنيا وما يحرم من الثنيا ثم ينتقل لمسائل المستتر فيبين ما يصح وما لا يصح ثم الآن انتقل إلى مسائل بيع الصبرة غير معروفة العدد وسيبين ما يصح وما لا يصح وهو بدأ الآن بالأشياء التي تصح: - فيقول - رحمه الله -:
- وإن باع ثوباً أو صبرة أو قطيعاً كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح.
= ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يجوز أن يبيع الإنسان الثوب: كل ذراع بكذا والصبرة كل قفيز بكذا والقطيع كل شاة بكذا.
ولو جهل مقدار الصبرة ومقدار الثوب وعدد الشياه.
واستدلوا على هذا: - بأن الصبرة مشاهدة معلومة والقطيع مشاهد معلوم فهو تحت نظر المشتري.
وما الثمن فهو يعلم بمعرفة عدد الأذرع والأقفزة وعدد الشياه، فصار كل من المبيع السلعة والثمن معلوماً معروفاً وليس بمجهول.
ولذلك ذهب الجمهور إلى تصحيح هذا العقد.
وهذا صحيح فإذا قال: بعت عليك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم فلا إشكال لأنه لن يسلم الدراهم إلا بعد معرفة كم قفيز في هذه الصبرة.
فإذاً تم معرفة الثمن بمعرفة عدد الأقفزة في هذه الصبرة ولا إشكال إن شاء الله في هذه المسألة.
ثم انتقل المؤلف إلى ما لا يجوز:
- فقال - رحمه الله -:
- وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم ... لم يصح.
إذا باع الصبرة كل قفيز بدرهم: صح.
وإذا باع من الصبرة كل قفيز بدرهم: لم يصح.
لماذا؟
لأن من هذه للتبعيض وهو يقول: كل قفيز من هذه الصبرة بدرهم ونحن لا نعلم هذا المبعض ما مقداره.
فهذا وجه الجهالة الذي أبطل العقد لأن هذا المستثنى والمبعض غير معلوم.
فإذا قال البائع للمشتري: هذه صبرة طعام لك منها: كأنه قال: لك بعضها كل قفيز بدرهم.
كم المبيع الآن؟ لا يمكن أن يعلم.
لماذا؟
لأنه ليست هذه الصبرة المشاهدة كلها مبيعة وإلا لدخلت في المسألة الأولى ولكن بعض هذه الصبرة هو المبيع وهذا البعض مجهول.
= والقول الثاني: أن هذا البيع صحيح وجائز.
- لأن قيمة كل جزء من هذه الصبرة معلوم وبقدر ما يأخذ من الأجزاء ينعقد البيع.
والقفيز معلوم.
فالمشتري يأخذ من هذه كل قفيز بدرهم فالآن سعر القفيز معلوم وهو الدرهم والكمية معلومة وهي أنه: كل قفيز قل أو كثر.
والذي يظهر والله أعلم: أن هذا صحيح وأن القول الثاني أقوى.
لأن الجهالة غير موجودة الآن.
فإن كلاً من العوض والمعوض معلوم ويتبين بمجرد الاستلام يعني بمجرد الوزن. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو بمائة درهم إلاّ ديناراً وعكسه.
إذا قال: بعت عليك بمائة دينار إلا درهم.
فإن العقد باطل.
أو قال: بعت عليك بمائة درهم إلا ديناراً: فإن العقد باطل.
لأن قيمة الدينار مجهولة واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً.
لأنه كما تقدم لا يمكن أن يعلم المستثنى منه إلا بمعرفة المستثنى والمستثنى مجهول فصار كل من المستثنى والمستثنى منه مجهول.
=والقول الثاني: أن البيع صحيح ويخصم من المائة درهم قيمة الدينار الواحد وقيمة الدينار ليست بمجهولة بل هي معلومة لغالب الناس وإذا كان المستثنى معلوم صار الثمن كله معلوم.
فإذا باع عليه مائة درهم إلا ديناراً وقيمة الدينار عشرة دراهم فالثمن: تسعين.
إذاً ليس بمجهول.
والقول الثاني: هو الصواب.
ولا شك أن طالب العلم إذا قرأ القول الثاني وتعليل القول الثاني علم أنه إذا قال: بعت عليك بمائة ريال إلا دولار وأنت ما تعرف قيمة الدولار فإن هذا العقد باطل حتى على القول الثاني.
لأن هذا معلوم من التعليل فإذاً إذا كانت العملة المستثناة مجهولة المقدار للبائع أو المشتري فإن الثمن مجهول والعقد باطل.
فإذاً طالب العلم ما يأخذ الأقوال جامدة وإنما يأخذ القول ويعلم متى يخرج من هذا القول إذا لم تتحقق فيه الشروط.
- ثم قال - رحمه الله -:
- أو.
هذه زائدة أيضاً تشطب لأنها ليست في النسخ. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا: لم يصح.
في هذا الموضع من أصل المتن وهو المقنع قال ابن قدامة - رحمه الله -: (فصل في تفريق الصفقة) فإذاً المؤلف - رحمه الله - الآن بدأ في مسائل تفريق الصفقة وكأن الماتن - رحمه الله - ما أراد أن يكثر من الفصول فلم يعقد لهذه المسائل فصلاً خاصاً لكنه في المقنع فصل.
فإذاً بدأ المؤلف - رحمه الله - بالكلام عن مسائل تفريق الصفقة.
والعقد الذي فيه تفريق الصفقة تعريفه هو: بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه بعقد واحد بثمن واحد.
فإذا باع على هذه الصفة فهي من مسائل تفريق الصفقة.
فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة وهذه السيارة بمائة ألف فليست من مسائل تفريق الصفقة لأنه لم يجمع بين ما يجوز وبين ما لا وإنما جمع بين ما يجوز وما يجوز.
ومسائل تفريق الصفقة لها ثلاث صور: بدأ بالصورة الأولى:
بقوله - رحمه الله -:
- أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا: لم يصح.
إذا جمع في الصفقة الواحدة بالسعر الواحد بين: معلوم ومجهول.
فالعقد: باطل.
مثاله: أن يقول: بعت عليك هذه السيارة التي تراها أمامك وسيارة أخرى.
سعر السيارتين: مائة ألف.
والسيارة الأخرى مجهولة تماماً.
= فعند الحنابلة: هذا العقد لا يصح.
تعليل البطلان: - أنه في مثل هذه الصورة لا يمكن تقسيط الثمن على السلعتين لأن تقسيط الثمن يشترط له معرفة قيمة السلعة المجهولة لإمكانية التقسيط فإذا جهلت قيمة السلعة المجهولة لم يمكن مع ذلك التقسيط.
فبطل العقد لأن الثمن مجهول.
وهذا صحيح بلا إشكال.
إذاً: تعليل المنع: أن تقسيط الثمن على السلعتين لا يمكن إلا بمعرفة قيمة السلعة المجهولة.
وإذا لم يعرف الإنسان قيمة السلعة المجهولة لم يمكن تقسيط الثمن وإذا لم يمكن تقسيط الثمن صار مجهولاً والثمن المجهول يبطل العقد.
فهذا الحكم صحيح وثابت والجهالة بهذه الكيفية تؤدي إلى إفساد البيع.
والمثال المشهور الذي يذكره الفقهاء أن يقول: بعت عليك هذه الشاة وما في بطن الأخرى.
فالشاة هذه معلومة لكن ما في بطن الأخرى مجهول الثمن والصفة والكيفية والحياة والممات كما تقدم معنا.
ويستثنى من هذه الصورة الأولى:
ما ذكره المؤلف - رحمه الله - بقوله:
فإن لم يتعذر: صح في المعلوم بقسطه.
يستثنى في هذه المسألة: صورتين:
- الصورة الأولى: إذا حدد قيمة كل من السلعتين.
فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة والسيارة الأخرى بمائة ألف.
قيمة هذه السيارة سبعين وقيمة تلك ثلاثين.
إذاً بين سعر كل واحدة من السلعتين وإن كان الثمن واحد والعقد واحد.
ففي هذه الصورة يصح العقد. - الصورة الثانية: أن لا يتعذر علم المجهول بأن قال: بعت عليك هذه السيارة المشاهدة المعلومة وسيارة أخرى مجهولة ثم أمكن معرفة هذه المجهولة فالبيع: صحيح.
لأنه ما دام أمكن معرفة السيارة المجهولة فيمكن تبعاً لذلك أن نعرف سعر السيارة المجهولة ثم ننسب القيمة إلى مجموع قيمة السيارتين.
فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة والسيارة الأخرى وعلمنا صفة السيارة التي كانت مجهولة ثم تبين أن قيمة السيارة المعلومة مائة وقيمة السيارة المجهولة خمسين صار مجموع القيمتين: مائة وخمسين.
فإذا نسبنا قيمة المعلومة إلى المجهولة تبين أنه بنسبة الثلثين إلى الثلث.
فتبين الآن أن قيمة السيارة المعلومة هي: سبعين ألف.
إذاً أمكن التقسيط: وقاعدة الفقهاء أنه متى أمكن التقسيط في تفريق الصفقة: صحت.
صحت فيما يصح وبطلت فيما يبطل.
فإن قلت: أنه ما دام علمت السيارة المجهولة فلماذا نبطل العقد؟ فالجواب: أن العقد تم ووقع والسيارة مجهولة.
فالعقد حين تم هو باطل في هذه السيارة المجهولة صحيح في السيارة المعلومة.
وإنما صححنا العقد في المعلومة بعد أن علمنا قيمة المجهولة.
إذاً هذه هي الصورة الأولى من مسائل تفريق الصفقة وعلمنا متى تصح ومتى تبطل وأن الأصل أنها باطلة إلا في صورتين.
ثم بدأ بالصورة الثانية: - فقال - رحمه الله -:
- وإن باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد، أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء: صح في نصيبه بقسطه.
إذا باع مشتركاً بينه وبين غيره: يعني ولم يستأذن هذا الغير.
أو باع مشاعاً لكن معلوم المقدار بأن كانت هذه الصبرة مشتركة بين زيد وعمرو لكن من المعلوم أن نصفها لزيد ونصفها لعمرو.
فالعقد صحيح.
لأنه يمكن تقسيط الثمن بوضوح وسهولة.
فإذاً لا جهالة في الثمن ثم إذا قسط الثمن صح في نصيبه وبطل العقد في نصيب شريكه.
فإذا قال: بعت عليك هذه الصبرة بمائة ريال ومن المعلوم أن نصفها له ونصفها لشريكه فصار نصف الصبرة صح العقد فيها بخمسين ريال والنصف الآخر الذي للشريك بطل فيه العقد وإنما صحح العقد في هذه الصورة لأنه يمكن تقسيط الثمن.
والقاعدة كما تقدم: أنه متى أمكن تقسيط الثمن في تفريق الصفقة فإنه يصحح فيما صح ويبطل فيما ما بطل.
ثم بدأ بالصورة الثالثة:
- فقال - رحمه الله -:
- وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً، أو خلاً وخمراً صفقة واحدة: صح في عبده وفي الخل بقسطه.
ما هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة؟ إذا باع عبداً مشتركاً بينه وبين آخر أو باع عبده وعبد غيره؟ الفرق: أنه في الصورة الأولى: الملك مشترك.
وفي الصورة الثانية: الملك منفرد.
لا اشتراك.
فهذا هو الفرق فقط بين الصورتين.
فإذاً في الصورة الأولى: مشاع ومشترك وفي الصورة الثانية منفرد.
فإذا باع عبده وعبد غيره.
أو عبداً وحراً أو خلاً وخمراً صفقة واحدة: صح ىفيما يصح فيه وهو العبد والخل وبطل فيما يبطل فيه وهو العبد ملك للغير والخمر.
= هذا هو مذهب الحنابلة.
أن هذا العقد صحيح.
تعليل الحنابلة: - أن لكل من أجزاء العقد قيمة تخصه معلومة فصح العقد في ما يملك الإنسان لاستيفاء شروط البيع وبطل في الآخر لعدم استيفاء شروط البيع.
ففي عبد غيره سقط شرط: الملك.
وفي الخمر سقط شرط: المالية التي تقدمت معنا.
إذاً هذا هو مذهب الحنابلة: الصحة والتعليل هو ما سمعت.
= والقول الثاني: أنه إذا باع عبده وعبد غيره فالعقد: باطل. - لأنه جمع في عقد واحد بين الحلال والحرام فنغلب جانب الحرام.
((الأذان)).
نتم الفصل.
إذاً ذكرنا القول الثاني: وهو: أن العقد لا يصح لأنه جمع بين الحلال والحرام فغلب الحرام.
شرح كتاب البيع الدرس رقم (5)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا من الكلام عن مسائل تفريق الصفقة وصور تفريق الصفقة وحكم كل صورة، وبقي علينا مسألة أخيرة وهي:
- قول المؤلف - رحمه الله -:
- وللمشتري الخيار: إن جهل الحال.
للمشتري الخيار إذا جهل أنها فرقت عليه الصفقة.
وهذا الحكم راجع للصور التي يصح في تفريق الصفقة، وأما الصور التي لا يصح فيها تفريق الصفقة فهي باطلة ليس لأحد منهم الخيار.
وثبت الخيار للمشتري: لأنه فرقت عليه الصفقة.
وغالباً ما يشتري الإنسان بصفقة واحدة وله قصد في السلعتين، وأمثلة هذا كثيرة جداً.
مثاله: إذا قال: بعت عليك عبدي والعبد الآخر والآخر ليس ملكاً له، وأحدهما بناء والآخر نجار، وعمل أحدهما لا يتم إلا بالآخر، فهنا: إذا فرقنا على المشتري الصفقة تضرر ودخل عليه النقص فنقول: له الخيار إن شاء أمضاه فيما يصح من الصفقة وإن شاء رد العقد جملة.
-
- مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أن البائع لا خيار له وإنما الخيار فقط للمشتري:
= وهذا مذهب الجمهور.
أنه لا خيار للبائع: - لأنه دخل على علم.
= والقول الثاني: أنه يثبت الخيار أيضاً للبائع.
وهذا اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله -. والصحيح إن شاء الله: أنه لا يثبت للبائع الخيار إلا إذا ظن أن العقد صحيح، بأن جهل أنه لا يجوز أن يبيع على هذه الكيفية فحينئذ يثبت له الخيار.
أما إن باع على علم ومعرفة فإنه لا يثبت له الخيار، بل ينبغي أن يؤدب إذا يعلم أن مثل هذا البيع لا يجوز ولا ينعقد ثم باع بيعاً يعلم أنه لا ينعقد فإنه ينبغي أن يؤدب فضلاً عن أن يعطى الخيار.
- مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أن البائع لا خيار له وإنما الخيار فقط للمشتري:
= وهذا مذهب الجمهور.
فصل [فيما نهي عنه من البيوع ونحوها]
- ثم قال - رحمه الله:
- فصل.
أراد المؤلف - رحمه الله - أن يبين في هذا الفصل جملة من البيوع التي لا تصح، وهذه البيوع التي لا تصح مختلفة المآخذ: - فبعضها مأخذه الربا.
- وبعضها مأخذه تعطيل الواجبات.
- وبعضها له مأخذ آخر.
المهم: أن الفصل معقود لبيان جملة من البيوع المنهي عنها. - قال - رحمه الله -:
- ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، ويصح النكاح وسائر العقود.
ولا يصح بيع عصير ... إلى آخره؟ القاعدة العامة لهذه البيوع: - البيع الأول والثاني: ((أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو إلى ترك واجب: صار محرماً)).
إذاً قاعدة هذه المسائل: وهي المسألة الأولى والثانية: ((أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو أفضى إلى ترك واجب فإنه يكون بذلك محرماً)).
وهذه القاعدة: يمكن أن تدرج تحتها جملة كبيرة من المسائل التي تختلف باختلاف الناس وباختلاف العادات.
إذاً: نأخذ المسألة وهي كما قلت: إنما ذكرت وخصها المؤلف - رحمه الله - لسببين: - السبب الأول: أن فيها نصاً من كتاب الله.
- والسبب الثاني: أن تكون كالتمثيل للقاعدة المذكورة.
- قوله - رحمه الله -:
- ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني.
البيع بعد النداء الثاني: والمقصود بالنداء الثاني هنا: النداء الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر فالبيع بعد هذا النداء: محرم.
والعاقدان آثمان.
والدليل على ذلك:
- قوله سبحانه وتعالى: - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) -[الجمعة/9].
فالآية صريحة ونص في مسألة ترك البيع.
-
- مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله -: (ولا يصح البيع) أن الشراء جائز كما يقوله بعض الشراح.
والصواب: أن هذا ليس بظاهر لكلام المؤلف - رحمه الله - وليس بمقصود.
لماذا؟ لأنه جرى العرف أنه إذا أطلق البيع دخل فيه الشراء.
ولأنه تقدم معنا في أول كتاب البيع أن البيع من الأضداد الذي يطلق على البيع والشراء.
فمن التكلف أن نقول: أن اقتصار المؤلف - رحمه الله - على البيع تقصير.
وهذا ذكره عدد من الشراح وأشار إليه أيضاً الشيخ منصور في الروض باعتبار أنه كأنه يستدرك ويقول: (والشراء).
على كل حال أريد أن أقول: أنه لا يستدرك على المؤلف - رحمه الله - مثل هذا لوضوحه.
- مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله -: (ولا يصح البيع) أن الشراء جائز كما يقوله بعض الشراح.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ممن تلزمه الجمعة ... إلى آخره.
ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله -: أن التحريم يختص بالذين تلزمهم الجمعة.
أما الذين لا تلزمهم الجمعة كالنساء والصبيان والمرضى ومن لا يسمع النداء وكل من لا تلزمه الجمعة أنه لا يحرم في حقهم عقد البيع.
والدليل على ذلك: - أن الله تعالى إنما منع من عقد البيع من أوجب عليه السعي وهؤلاء لا يجب عليهم السعي فلا يحرم عليهم البيع.
- ولأن الله تعالى إنما حرم البيع لأن لا ينشغل به الإنسان عن الصلاة وسماع الخطبة وهؤلاء لا حرج في انشغالهم لأنه لا تجب عليهم أصلاً.
-
- مسألة/ يستوي في هذا الحكم مع من تلزمه الجمعة من يجب عليه السعي قبل سماع النداء لإدراك الخطبة، فإذا قدرنا أن زيداً من الناس يحتاج ليصل إلى المسجد ويسمع الخطبة إلى مدة نصف ساعة من مكانه الذي هو فيه.
فمن نصف ساعة قبل الآذان لا يجوز له أن يبيع ولا أن يشتري، وهذا المعنى أخذ من روح النص ومفهومه، لأن الله إنما نهى عن البيع لنسعى إلى سماع الخطبة، فإذا جلس الإنسان يشتري ويبيع وهو يحتاج ليصل إلى المسجد إلى نصف ساعة وجلس إلى ما قبل ربع ساعة فهذا قطعاً سيضيع الحكمة التي من أجلها نهى الله عن البيع.
- مسألة/ يستوي في هذا الحكم مع من تلزمه الجمعة من يجب عليه السعي قبل سماع النداء لإدراك الخطبة، فإذا قدرنا أن زيداً من الناس يحتاج ليصل إلى المسجد ويسمع الخطبة إلى مدة نصف ساعة من مكانه الذي هو فيه.
إذاً: هذه الصورة داخلة في المعنى المقصود من النهي ولا يجوز - بناء عليه - أن يعقد البيع.
-
- مسألة/ إذا كان أحد العاقدين ممن تلزمه الجمعة والآخر لا تلزمه الجمعة.
فهذه الصورة فيها خلاف بين العلماء - رحمهم الله -: = منهم من قال: أن هذا العقد يحرم على من تلزمه الجمعة، ويكره فقط على من لا تلزمه الجمعة، فإذا قدرنا أن امرأة تملك أرضاً وعقدت البيع مع رجل تلزمه الجمعة فإنه يحرم على الرجل أن يعقد البيع، وأما بالنسبة للمرأة: فيكره فقط.
= والقول الثاني: أنه يحرم عقد مثل هذا البيع: - على من تلزمه.
- وعلى الطرف الآخر الذي لا تلزمه.
فالجميع وقع في المحرم.
- مسألة/ إذا كان أحد العاقدين ممن تلزمه الجمعة والآخر لا تلزمه الجمعة.
- لقوله تعالى: - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ) -[المائدة/2].
وهذا القول الثاني: هو الصواب إن شاء الله، لأنه كيف نسوغ لمن لا تلزمه الجمعة أن يكون سبباً في ضياع الجمعة على من تلزمه، إذاً: الصواب أنه محرم على الطرفين. - ثم قال - رحمه الله -:
- ويصح النكاح وسائر العقود.
أي: أن المحرم فقط هو عقد البيع، أما ما عداه من العقود فإنها لا تحرم.
واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: - الدليل الأول: أن الله تعالى نص على البيع.
- (وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) -[الجمعة/9] فما عدا البيع لا يدخل في النهي. - الدليل الثاني: أن البيوع هي التي تكثر ويكثر الانشغال بها عن الجمعة بخلاف النكاح فإنه نادراً ما يقع ولا يؤدي تجويزه إلى الانشغال عن الجمعة.
= والقول الثاني - في هذه المسألة -: أن جميع العقود سواء كانت عقود تبرعات أو معاوضات بل جميع الأعمال حتى المباحات لا تجوز إذا أدت إلى ضياع الجمعة أو إلى تفويت سماع الخطبة، وهي محرمة.
وهذا القول هو القول الصواب، كيف نمنع الإنسان أن يشتري قلماً بريال ونجوز له أن يعقد النكاح على امرأة بمائة ألف؟ وكيف نمنعه أن يشتري قلماً مع أن هذا الشراء لا يشغل الذهن ولا يحتاج إلى تأمل ونجيز له أن يعقد النكاح الذي يشغل الذهن أكثر بأضعاف مضاعفة من شراء هذه السلع اليسيرة؟ فلا شك أن الشارع لا يأتي بمثل هذا وأن الشرع لا يفرق بين مثل هذه المسائل، فمذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف.
ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً، ولا سلاح في فتنة.
القاعدة العامة لهذه المسائل: مسائل بيع السلاح في الفتنة وبيع العصير لمن يتخذه خمراً: ((أن العقد المباح إذا أدى إلى محرم صار محرماً وإن كان هو في نفسه مباحاً)).
وهذه قاعدة عظيمة: ما أشد حاجة طالب العلم إلى فهمها وتطبيقها.
الدليل على هذه القاعدة: من الكتاب والسنة والأثر والمعنى الصحيح. - فمن الكتاب: ـ قوله سبحانه وتعالى: - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ) -[المائدة/2].
ـ وقوله: - (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا .. ) -[الأنعام/108]. - وأما من السنة: ـ فما جاء في السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع السلاح في الفتنة
ـ والدليل الثاني من السنة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن في الخمر عشرة: أحدهم عاصرها.
مع أن العاصر إنما يعصر العنب لينتج منه عصير لكن لما كان هذا العصير يقصد منه أن يتحول إلى خمر لعن العاصر بسبب ذلك. - وأما من الآثار: ـ فما روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن عامله على بستانه قال: إن ثمرة العنب لا تصلح زبيباً ولا تصلح إلا عصيراً.
فقال - رضي الله عنه: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر.
ومن المعلوم أنه لن يبيع الخمر وإنما سيبيع عنباً لا يصلح إلا عصيراً، فلن يبيع حتى العصير وإنما سيبيع عنباً لكن هذا العنب لا يصلح إلا عصيراً. - وأما من المعنى: فإن ما أدى إلى النتيجة المحرمة أخذ حكمها، وإلا لانفتح من إباحة مثل هذه الأعمال باباً عظيماً من الشرور.
إذاً هذه القاعدة المهمة تدل عليها النصوص المتكاثرة والآثار والمعنى الصحيح وإنما ذكر المؤلف - رحمه الله - لها أمثلة.
إذاً: ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً ولا سلاح في فتنة.
-
- مسألة/ = ذهب الحنابلة إلى أن تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمراً يشترط له أن يتحقق أنه سيتخذه خمراً، أما إن ظن أو غلب على ظنه فإنه يجوز له أن يبيع العصير لمن يتخذه خمراً.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يتحقق أن المشتري سيتخذه خمراً بل لو غلب على ظنه ذلك لكفى في التحريم.
- مسألة/ = ذهب الحنابلة إلى أن تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمراً يشترط له أن يتحقق أنه سيتخذه خمراً، أما إن ظن أو غلب على ظنه فإنه يجوز له أن يبيع العصير لمن يتخذه خمراً.
وهذا القول الثاني: اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله - وهو الصحيح إن شاء الله: - لأن البائع قد يتعذر عليه في صور كثيرة أن يتحقق ويعلم يقيناً أن هذه السلعة ستستخدم في المحرم وإنما الواقع غالباً أن يغلب على ظنه باعتبار القرائن وحال المشتري أنه سيستخدم هذه السلعة فيما حرم الله.
فإذا غلب على ظنه فهذا يكتفى به ولا يشترط أن يتحقق العلم، لا سيما في الأمور التي ستستقبل.
مثال ذلك: إذا استأجر مجموعة من الناس استراحة فإن اتخاذ هذه الاستراحة لما حرم الله أمر في المستقبل ويصعب أن يتحقق منه الإنسان الآن لكن قد يغلب على ظنه من النظر إلى طبيعة المستأجر والقرائن المحتفة بالمستأجر أنه سيستخدم هذا المكان في معصية الله فحينئذ يحرم عليه أن يؤجر إذا غلب على ظنه أن هؤلاء سيستخدمون هذا المكان في ما حرم الله.
وفي الحقيقة مذهب الحنابلة وهو اشتراط التحقق قد - ما أقول يلغي هذه القاعدة - لكن يقلل من فائدة هذه القاعدة، لأنه في غالب الصور إذا تأملت فستجد أن الواقع هو غلبة الظن لا العلم اليقيني.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
ولا عبد مسلم لكافر.
يعني: ولا يجوز أن يبيع عبداً مسلماً لكافر.
استدل الحنابلة على هذا الحكم بدليلين: -
الأول: أن في هذا صغاراً على المسلم ولا يجوز إيقاع الصغار على المسلم.
-
الثاني: أن استدامة يد الكافر على العبد المسلم ممنوعة فكيف بالابتداء؟.
= والقول الثاني: أنه إذا اشترى الذمي عبداً مسلماً صح العقد وتم ولكن يلزم الذمي ببيعه فوراً.
وهذا مذهب الأحناف، وهو مذهب ضعيف جداً ما الفائدة أن نصحح العقد ثم نقول للكافر الذمي بع العبد فوراً إذاً لماذا هو اشترى العيد ليبيعه فوراً وهذا غريب على مذهب الأحناف لأنهم أناس يعتنون بالعلل وتحكيم العقل وهذا عقلاً غير مقبول.
ثم قال - رحمه الله -:
- إذا لم يعتق عليه.
أي: إذا اشترى الكافر عبداً مسلماً يعتق عليه: صح الشراء.
والعبد إنما يعتق على الإنسان إذا اشتراه في صورتين: ـ الصورة الأولى: إذا كان ذا رحم محرم منه.
كما إذا اشترى الإنسان عبداً مسلماً وهذا العبد أخوه: فيصح العقد.
ـ الصورة الثانية - فيما يعتق على الإنسان إذا اشتراه -: أن يكون معلق العتق على الشراء: فحينئذ أيضاً يصح الشراء.
إذاً: القاعدة العامة بغض النظر عن الصور ولا يوجد إلا هاتين الصورتين: التعليق، وأن يكون ذا رحم.
لكن القاعدة العامة أنه إذا اشترى من يعتق عليه: صح العقد.
والتعليل: - أن في هذا الشراء تخليصاً للعبد المسلم من الرق، ففيه نفع للمسلم، ولذلك صحح الفقهاء - رحمهم الله - هذا العقد.
وما ذكرنا من أدلة وشواهد تنطبق على بيع العصير لمن يتخذه خمراً أو السلاح في فتنة.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
وإن أسلم في يده: أُجبر على إزالة ملكه.
يعني: إذا كان العبد الذي تحت ملك الكافر من الكفار ثم أسلم فإنا نلزم السيد الكافر بأن يخرج هذا العبد من ملكه.
ولم يتطرق المؤلف - رحمه الله - إلى كيفية الإخراج.
والسبب في ذلك: أن كيفية الإخراج راجعة إلى المالك الكافر: فإن شاء باعه وإن شاء وهبة وإن شاء أعتقه وإن شاء جعله ثمناً في سلعة، فالمقصود أن يخرج هذا العبد من تحت ملكه بأي طريقة كانت.
والدليل هو: -
قوله تعالى: - (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) -[النساء/141].
-
ولأن في بقاء العبد بعد إسلامه خطر على دينه.
-
ولما فيه من الإذلال.
ولذلك هذه المسألة محل إجماع: وهو أنه يجب عليه أن يخرج هذا العبد إذا أسلم من ملكه.
ثم قال - رحمه الله -:
- ولا تكفي مكاتبته.
المكاتبة: هو أن يشتري العبد نفسه من سيده.
فالمكاتبة لا تكفي إذا أسلم العبد تحت السيد الكافر. - لأن هذا العبد في مدة المكاتبة تحت ملك وتصرف السيد، وهذا ما لا يقره الإسلام ولذلك لا نكتفي بالمكاتبة بل نأمره بإخراج العبد عن يده بأي طريقة من الطرق التي أشرت إليها قريباً.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وإن جمع بين بيع وكتابة .. إلى قوله: ويقسط العوض عليهما.
هذه المسألة من مسائل تفريق الصفقة، ولا أدري لماذا المؤلف - رحمه الله - أخر هذه المسألة إلى هذا الموضع؟ وهو بذلك خالف كثيراً من فقهاء الحنابلة بل الغريب أنه خالف الأصل وهو المقنع فإن المقنع جعل هذه المسألة مع مسائل تفريق الصفقة التي ذكرت آخر الفصل السابق، ففي الحقيقة ذكر المؤلف - رحمه الله - لها هنا غير مناسب بل موضعها مع مسائل تفريق الصفقة، ولذلك إذا قرأت المتن فستشعر أن إدخال هذه المسألة ضمن المسائل لا مكان له وأنه فيه شيء من التكلف.
- قال - رحمه الله -:
- وإن جمع بين بيع وكتابة.
إذا جمع الإنسان بين بيع وكتابة في تعامله مع العبد: صحت الكتابة وبطل البيع.
صورة هذه المسألة: أن يقول الإنسان لعبده: بعت عليك عبدي فلان وكاتبتك.
فهو الآن جمع بين بيع وكتابة.
فإذا جمع بين بيع وكتابة وقال: بعت عليك عبدي فلان وكاتبتك: بطل البيع. - لأنه في الحقيقة باع ماله على ماله.
ولا يستقيم أن يبيع الإنسان ماله على ماله. - ثانياً: لأنه باع على العبد والعبد لا يملك.
فعقد البيع: باطل.
أما عقد المكاتبة: فهو صحيح.
لأنها مكاتبة اكتملت فيها الشروط ولا يقدح في صحتها أنها قرنت بعقد آخر باطل هذا أولاً وثانياً: لأن الشارع متشوف لإعتاق العبيد فهو يصحح العقود التي فيها اعتاق العبيد.
إذاً: عرفنا الآن الحكم إذا جمع بين بيع وكتابة.
وما هو مقصودهم؟ وأن مقصود الحنابلة بذلك أن يجمع بين بيع ومكاتبة يعني لنفس العبد المكاتب كما بينه المثال الذي ذكرت لك.
ثم قال - رحمه الله -:
- أو بيع وصرف.
قوله: (أو بيع وصرف) هذا ذكر على سبيل التمثيل، وقاعدة هذه المسائل: قاعدة مسائل بيع وصرف هي: ((أن يجمع في عوض واحد - (ولاحظ أني لم أقل في عقد) - أقول في عوض واحد بين عقدين مختلفي الحد والأحكام)) كأن يقول: بعت عليك وصارفتك، أو يقول: بعت عليك وأجرتك.
لكن بثمن واحد - كما قلت لك في التعريف: بعوض واحد.
فإذا قال: بعت عليك هذا البيت وأجرتك هذه المزرعة بمائة ألف.
صارت من هذه المسائل.
إذاً: عرفنا الآن القاعدة في المسائل التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -. - يقول - رحمه الله -:
- صح في غير الكتابة.
مقصود المؤلف - رحمه الله - بقوله: (صح في غير الكتابة).
يعني: صحت العقود إلا في مسألة البيع والكتابة فإن البيع يبطل والكتابة تصح.
خلافاً لظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - فإن المتبادر إلى الذهن إذا قرأ الإنسان هذا أن الكتابة هي التي لا تصح وهو لا يريد هذا وإنما يريد أن العقدين يصحان إلا في صورة البيع والكتابة، فالذي يصح فقط الكتابة دون البيع.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ويقسط العوض عليهما.
عندنا الآن: مسألتان: ـ المسألة الأولى: حكم العقد الذي جمع فيه بين عقدين مختلفي الحد في عوض واحد.
حكمه: = أنه جائز عند الحنابلة، وصحيح ونافذ. - لأنه لا محذور فيه.
- ولأنه لا يشتمل لا على غرر ولا على شبهة الربا.
= القول الثاني: أن مثل هذه العقود لا تصح. - لأنه لا يمكن الجمع بين عقدين وأحكام كل عقد تختلف عن الآخر.
فالصرف يشترط له التقابض ولا يشترط هذا في البيع.
فكيف نجمع بين عقدين وأحكامهما تختلف؟ أجاب الحنابلة عن هذا: بأن اختلاف حقيقة وأحكام كل عقد لا تمنع من تصحيح العقد.
وأي ضرر في اختلاف الأحكام.
وما ذكره الحنابلة صحيح ووجيه وقوي، فإنه لا يوجد أي معنى لإبطال مثل هذا العقد ولو اتحد الثمن.
لكن تبقى معنا مشكلة أن الثمن الواحد أطلق على عقدين، فهذه المسألة: حلها الحنابلة - رحمهم الله - بقولهم هنا:
- ويقسط العوض عليهما.
طريقة التقسيط هنا كطريقته فيما سبق في مسائل تفريق الصفقة.
فإذا اشترى الإنسان بيتاً واستأجر مزرعة بعوض واحد مثلاً: بمائة وخمسين ألف.
ثم لما قدرنا قيمة البيت وجدنا أن قيمة البيت ثمانين ألف وقيمة إيجار المزرعة أربعين ألفاً فإذا جمعنا الثمانين مع الأربعين صارت النتيجة مائة وعشرين.
وإذا نسبنا قيمة البيت إلى مجموع القيمتين صارت: الثلثان.
وقيمة إيجار المزرعة: الثلث.
فإذا رجعنا للثمن الذي وقع عليه العقد نقول: ثلثاه للبيت وثلثه للمزرعة، فمائة ألف قيمة بيع البيت وأربعون ألفاً قيمة إيجار المزرعة.
وهذا التقسيط بهذه الكيفية فيه عدل وإنصاف وتقسيم للثمن على مقتضى قيمة السلعتين في السوق.
وهذا القول كما قلت لك: هو الراجح.
وهذه الطريقة في التقسيم تؤدي إلى وقوع العدل في العقد إن شاء الله.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ويحرم بيعه على بيع أخيه.
ويحرم بيعه على بيع أخيه ويحرم شراؤه على شراء أخيه وسيأتينا صورة ذلك في كلام المؤلف - رحمه الله -. ـ البيع على بيع أخيه، والشراء على شراء أخيه: محرم.
وفاعله آثم. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يبع أحكم على بيع أخيه) وهذا الحديث في الصحيحين وهو نص في تحريم هذه الصورة.
- وأما دليل تحريم الشراء فهو نفس الحديث لما تقدم معنا أن الشراء يدخل في مفهوم البيع في الشرع واللغة.
فنحن لسنا بحاجة إلى تكرار أحكام الشراء عند الكلام عند أحكام البيع.
ولذلك الدليل هنا على تحريم البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه هو نفس الدليل. - الدليل الثاني على تحريم هذين العقدين: قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) والبيع على بيع أخيه إضرار بأخيه وهو واضح الإضرار لأن البيع على البيع يؤدي إلى فسخ العقد الأول، وفي هذا ما فيه من الإضرار على البائع الأول.
- الدليل الثالث: أن الشارع الحكيم من قواعده الكبار العامة: النهي عن كل ما يسبب البغضاء والتشاحن، وهذا العمل من الأعمال التي تسبب التفرقة والبغضاء بين المسلمين.
فإذاً: دل على تحريم البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه هذه النصوص والعلل المذكورة. - ثم قال - رحمه الله -: - مبيناً صورة بيع الإنسان على بيع أخيه -:
- كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: ((أَنَا أُعْطِيْكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ)).
إذاً إذا اشترى سلعة بعشرة قال له الآخر: أنا أعطيك يعني: أبيع عليك نفس هذه السلعة بأقل منها ثمناً بتسعة.
فهذا لا شك أنه من البيع على بيع أخيه.
وكذلك لو قال: أنا أبيع عليك بعشرة نفس الثمن لكن سلعة أجود من سلعة البائع الأول فهو نفس الصورة.
ففي الصورتين عمل الثاني: محرم.
فهذه هي صورة بيع الإنسان على بيع أخيه.
أما الشراء: - فقال - رحمه الله -:
- كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: ((عِنْدِي فِيْهَا عَشَرَةٌ)).
يعني: أنا أشتريها منك: بعشرة.
فهذا أيضاً من الشراء على شراء أخيه.
وكذلك لو قال: استأجرت منك هذه الشقة بعشرة فقال له الآخر: أنا أستأجرها منك بعشرين.
فهذا من الشراء على شراء أخيه.
- لأن عقد الإيجار هو عقد بيع تماماً إلا أن السلعة فيه المنافع وليست الأعيان.
فهذا أيضاً مما يدخل ضمن الشراء على شراء أخيه. - ثم قال - رحمه الله -:
- ليفسخ ويعقد معه.
ظاهر هذه العبارة: أن النهي إنما يكون إذا أدى إلى فسخ العقد الأول وإجراء العقد مرة أخرى مع البائع على بيع أخيه أو الشاري على شراء أخيه.
أما إذا كان لإجراء أو لإتمام صفقة جديدة على سلعة جديدة فهذا لا يدخل في النهي.
= هذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.
وهذا هو الصحيح: أن النهي يتعلق بالسلعة التي تم عليها العقد.
أما العقود المستأنفة التي ستأتي في المستقبل على سلع أخرى فإنها لا تدخل في هذا النهي لأن النهي إنما هو عن صورة واحدة فقط وهي: محاولة ثني البائع عن البيع في هذا العقد المعين.
وهذا المفهوم الذي ذكره المؤلف - رحمه الله - صرح به جملة من الشراح، بل لم أر أحداً من الشراح صرح بخلاف هذا المفهوم من شراح الأحاديث لا من الفقهاء.
فاتفق الحنابلة مع شراح الأحاديث على هذا المعنى.
وهو أن النهي إنما يتعلق بما إذا أدى البيع إلى فسخ العقد.
-
- مسألة/ مفهوم كلام المؤلف - رحمه الله - أن النهي إنما هو فيما إذا كان البيع على بيع أخيه في مدة الخيار.
أما بعد مدة الخيار ولزوم العقد فلا بأس ببيع الإنسان على بيع أخيه.
واستدل الحنابلة على هذا:
- مسألة/ مفهوم كلام المؤلف - رحمه الله - أن النهي إنما هو فيما إذا كان البيع على بيع أخيه في مدة الخيار.
- بأنه بعد انتهاء مدة الخيار لن يدخل الضرر على البائع لأنه لن يستطيع المشتري إنهاء العقد.
= والقول الثاني: أن النهي عن البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه يشمل أيضاً ما يكون بعد انتها زمن الخيار وثبوت العقد ولزومه. - لأن المشتري إذا علم بأنه ربما حصل على سلعة نظيرة لسلعته بثمن أقل ربما يسعى في إنها العقد بطريقة غير شرعية، وربما أدى هذا إلى أن يقع الشجار بينه وبين البائع الأول حيث يظن أنه غلب أو مكر به في العقد الأول.
وفي هذه المسألة عندي تردد كثير جداً وتوقف.
وسبب التوقف: أنا نلمس من كلام كثير من أهل العلم عدم توسيع مفهوم البيع على بيع أخيه، لا يريدون توسيع هذا المعنى وإدخال صور كثيرة وإنما مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا: العقد المعين، أما ما بعد انتهاء العقد فلا يدخل في هذا الحديث النبوي وقلة من أهل العلم من يوسع مفهوم هذا الحديث وهذا البيع المنهي عنه.
فلهذا وقع عندي في هذه المسألة - في الحقيقة - تردد.
لأن القول الثاني أيضاً وجيه لأنه في الغالب سيكون بين البائع والمشتري الأول شقاق ونزاع ومحاولة لإنهاء العقد ومحاولة لفسخ العقد ودخول في متاهات الشعور بأنه غلب في العقد الأول.
فبين المعنيين يقع الإنسان في تردد في الحقيقة وإشكال.
فليس عندي فيها قولاً راجحاً.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ويبطل العقد فيهما.
يعني: أنه مع كون بيع الإنسان على بيع أخيه محرم، أيضاً العقد باطل.
والمقصود ببطلان العقد هنا في كلام المؤلف - رحمه الله - يعني: العقد الثاني.
أما العقد الأول فلا إشكال فيه.
إذاً: مقصودهم بالبطلان ينصرف إلى العقد الثاني.
دليل البطلان: - أن هذا العقد الثاني: منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد.
- ولأن في تصحيح العقد إمرار وتسويغ لبيع الإنسان على بيع أخيه.
نعم.
هذه مسألة: يقول - رحمه الله -:
ومن باع ربوياً بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة ... لم يجز.
... وبطل العقد.
صورة هذه المسألة: أن يبيع الإنسان مائة كيلو قمح بعشرة آلاف ريال مؤجلة: عكس السلم.
والمهم عندنا الآن: أن يبيع مائة كيلوا قمح بعشرة آلاف ريال مؤجلة ثم إذا حل الأجل أعطاه بدل العشرة آلاف مائة كيلو رز فصار الرز عوض عن القمح في الصورة الأولى.
فهذه الصورة:
= محرمة عند الحنابلة.
لماذا؟
- لأنها تؤدي إلى بيع ربوي نسيئة بما لا يجوز أن يباع به نسيئة.
لأنه لا يجوز للإنسان أن يبيع الرز بالقمح نسيئة وإن جاز التفاضل إلا أنه لا يجوز نسيئة.
فصار هذا العقد حيلة على بيع ربوي بجنسه الذي لا يباع به نسيئة.
هذه وجهة نظر الحنابلة.
ـ أو أن نحكم عليه: بأنه ليس بعقد ربوي كما يقول ابن قدامة فنصححه للحاجة ولغير الحاجة.
أما أن نقول: أنه يصح للحاجة ونعلل بشبهة الربا فهذا غير مستقيم مطلقاً.
فمن وجهة نظري أن اختيار الشيخ - رحمه الله - هنا ضعيف وأن كلام الشيخ ابن قدامة في هذه المسألة أقوى وأوجه.
شرح كتاب البيع الدرس رقم (6) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- مسألة: قول الماتن - رحمه الله -:
- ومن باع ربوياً بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة ... لم يجز.
ذكرنا صورة المسألة والخلاف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: وأن القول الأقرب لمقاصد الشرع - والله أعلم - هو اختيار ابن قدامة - رحمه الله - في هذه المسألة.
نستكمل الكلام عن هذه المسألة بأمرين: ـ الأمر الأول: شرحُ عبارة المؤلف - رحمه الله - لأنها أشكلت على بعض الإخوان: يقول المؤلف - رحمه الله: (ومن باع ربوياً) يعني: من باع أحد الأموال الربوية - وستأتي في باب الربا مفصلة - ولنمثل لها: بالقمح (بنسيئة) يعني: باعه بثمن من النقد مؤجل، (واعتاض) عن هذا الثمن المؤجل (ما لا يباع به نسيئة) يعني: ما لا يباع به الربوي قوله (به) يعني الربوي الأول وهو القمح في المثال (نسيئة) يعني اعتاض عنه بمال لا يجوز أن يباع به نسيئة كأن يبادل القمح بالأرز لأن القمح بالأرز يشترط فيه التقابض.
إذاً هذا معنى كلام المؤلف - رحمه الله - وإذا قرأت المثال بتأني استطعت أن تنزل عبارات المؤلف - رحمه الله - على المثال بوضوح إن شاء الله.
-
- مسألة/ إذا باع الإنسان ربوياً بثمن مؤجل، ولنقل باع رزاً حال بمائة ألف مؤجلة، ثم هذا البائع اشترى بالمائة ألف التي له في ذمة المشتري مائة صاع من القمح، ثم تصارفا، فهذه الصورة تجوز عند الحنابلة ما لم تكن حيلة على الربا، فإذا كان قد عقد هذا العقد حيلة على الربا فإنه لا يجوز.
فمثلاً: إذا اشتريتُ منك مائة صاع قمح بألف ريال مؤجلة ثم اشتريتَ مني مائة صاع أرز بألف ريال مؤجلة: جاز أن نتصارف فيسقط ما في ذمتك ويسقط ما في ذمتي ولا يعتبر من هذه المسألة حتى عند الحنابلة بشرط: أن لا يكون ذلك على سبيل الاحتيال بيني وبينك، أن لا يكون حيلة لبيع القمح بالأرز مع النسيئة، فإذا لم يكن حيلة فلا بأس لأنهما عقدان منفصلان.
ثم قال - رحمه الله -:
- أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة.
هذه المسألة: هي المسألة التي تسمى: العينة.
فالمؤلف - رحمه الله - يفسر العينة هنا بقوله: (اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة.)، فالمؤلف - رحمه الله - بدأ بالعقد الثاني وهذا من فقهه وسيتبين معنا ما هو العقد الأول وما هو العقد الثاني.
فالعينة هي: بيع الشيء بالشيء مع النسيئة.
وفي الاصطلاح: ما ذكره المؤلف - رحمه الله -. وصورته: أن يبيع التاجر سلعة بثمن مؤجل ثم يشتري هذه السلعة بثمن حال أقل منه مؤجلاً، هذه هي الصورة المعروفة المشهورة للعينة.
فالمؤلف - رحمه الله - يقول: (اشترى شيئاً نقداً) فبدأ بالعقد الثاني ومن المعلوم أن المسألة ستبدأ من العقد الأول وهو البيع المؤجل لكنه بدأ بالبيع الثاني لأن البيع الثاني هو محل الخلاف، أما أن يبيع الإنسان شيئاً مؤجلاً فهذا لا إشكال فيه.
= ذهب الحنابلة والجماهير من أهل العلم من السلف والخلف: إلى أن هذه الصورة التي ذكرت لك وهي: العينة: أنها محرمة وهي من العقود الربوية بل هي عند هؤلاء أقبح من الربا الصريح، لأن قاعدة شيخ الإسلام أن الحيل لا تزيد العقود إلا تحريماً، يعني: لا تزيد العقود المحرمة إلا تحريماً وإيغالاً في معصية الله.
واستدل الجمهور على هذا الحكم بأدلة كثيرة: - منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر واشتغلتم بالزرع .. سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا).
وهذا الحديث له طرق كثيرة لا يخلو شيء منها عن ضعف لكن مجموع الطرق في مثل هذا الحديث تنقله من الضعف إلى أن يكون حسناً لذاته أو صحيحاً لغيره.
المهم أنه مما يحتج به، لا سيما وأنه يؤيد بالمقاصد العامة للشرع.
- الدليل الثاني: أن هذا البيع من الحيل، ونصوص الشرع متكاثرة في تحريم الحيلة وذم فاعلها.
- الدليل الثالث: أن أم ولد زيد بن أرقم - رضي الله عنه - باعته عبداً بثمانمائة درهم إلى العطاء - يعني: مؤجلة - ثم اشترته منه بستمائة درهم نقداً - يعني: حالة - فسألت عائشة - رضي الله عنها - عن حكم هذا العمل، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: (بئس ما اشتريتي وبئس ما شريتي، أبلغي زيداً أنه أبطل جهاده مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب).
قال الحنابلة: وهذا الحكم لا يصدر من عائشة إلا توقيفاً، وليس لها أن تقول هذا من قبل الرأي، وهذا الأثر إسناده صحيح إن شاء الله وممن صححه ابن عبد الهادي.
فهذه ثلاثة أدلة تدل على أن عقد العينة محرم.
= القول الثاني: أن عقد العينة جائز.
وهو مذهب الإمام الشافعي.
واستدل على هذا: - بأن العقد الأول عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان، والعقد الثاني: كذلك عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان فهذه المعاملة من حيث الظاهر جائزة، وليس لنا أن نتدخل في مقاصد الناس من البيع والشراء.
وتقدم معنا التعليق على هذا الأصل للشافعي - رحمه الله - وهو: أنه ينظر لظواهر العقود ولا ينظر لحقيقة العقد وبناء على ذلك يصحح - رحمه الله - ما لا يصححه الجمهور من العقود ومنها: عقد العينة، ولذلك نجد أن بعض الشافعية يقول: نحن لا نتابع الشافعي على هذا الحكم لأنه - رضي الله عنه - نص على أنه إذا وجد دليل على خلاف قوله فهو مذهبه، والآن وجد الدليل وهو: (إذا تبايعتم بالعينة).
وعلى كل حال القول الراجح - إن شاء الله - هو مذهب الجمهور وهو أي: عقد العينة واضح الحيلة على الربا وهو من أكل أموال الناس بالباطل وهو أقبح من الربا الصريح الذي يأخذ زيادة صريحة منصوص عليها في العقد لأن هذا لا يخادع الله والمتعاملون بالعينة يخادعون الله.
إذاً: هذا هو حكم مسألة العينة وهي كثيرة الوقوع في عصرنا وقبل ذلك ومن أزمان وهي تتخذ وسيلة لأكل الربا بعقود ظاهرة الصحة وهي عقود ربوية. - ثم قال - رحمه الله -:
- لا بالعكس.
قوله (بالعكس) أي: فإن عكس: جازت.
ومقصوده بالعكس هنا: أن يشتري بأكثر أو بمثل ما باع به مؤجلاً.
مثاله: إذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف:
فإن اشتراها بمائة ألف أو بأكثر: جاز، وهي العكس.
وإن اشتراها بأقل: حرم وهي العينة.
فإذا اشترى من باع مؤجلاً بمثل أو بأكثر من الثمن: جاز، ومعلوم أن هذا جائز وهو من الإرفاق ولا حرج فيه ولا يثرب على فاعله، لكن لا يخفى عليكم أن هذه الصورة لا تقع، لأن الإنسان إذا أراد أن يبر أخاه فإن له أن يقرضه إقراضاً مباشراً بلا دخول في قضية البيع والشراء عن طريق السلعة، لكن على كل حال: إن فعل فإنه لا بأس وليست من العينة.
-
- مسألة/ أما عكس العينة فلها صورة أخرى:
وصورتها أن يبيع الإنسان السلعة بثمن حال على شخص ثم يشتري السلعة بثمن مؤجل أكثر منه، ولتسهيل قضية العينة وعكس العينة الفرق بسيط جداً:
العينة: تكون السلعة عند آكل الربا.
وعكس العينة تكون السلعة عند معطي الربا.
فقط هذا الفرق، أما الصورة فهي هي.
فإن كانت السلعة عند آكل الربا: فهي العينة التي سبق، فيبيعه مؤجلاً بثمن ثم يشتريه حالاً بثمن أقل، أو العكس: تكون السلعة عند معطي الربا فيبيعها بثمن حال ثم يشتريها بثمن أكثر مؤجلاً.
فإذا أردت أن تفهم العينة وعكس العينة فالفارق بينهما بسيط: إن كانت السلعة التي هي محل الحيلة عند آكل الربا فهي العينة وإن كانت السلعة عند معطي الربا فهي عكس العينة.
فقط هذا هو الفارق بينهما.
ـ حكم (عكس العينة): حكمه ينقسم إلى قسمين:
- مسألة/ أما عكس العينة فلها صورة أخرى:
وصورتها أن يبيع الإنسان السلعة بثمن حال على شخص ثم يشتري السلعة بثمن مؤجل أكثر منه، ولتسهيل قضية العينة وعكس العينة الفرق بسيط جداً:
العينة: تكون السلعة عند آكل الربا.
- القسم الأول:
- إذا كان المقصود من عكس العينة الحيلة على الربا: فهي محرمة بالاتفاق.
- وإذا لم يكن المقصود الحيلة على الربا فإن عكس العينة: فيه خلاف داخل مذهب الحنابلة:
= فمنهم من قال: هي جائزة.
= ومنهم من قال: هي محرمة.
والصواب أن حكم عكس العينة حكم العينة تماماً، وهي حيلة على الربا مكشوفة ولا فرق بين أن يبدأ العقد من عند معطي الربا أو أن يبدأ العقد من عند آكل الربا فالأمر واحد وليس لهذا الأمر أي أثر على الحكم، فهي حيلة على قرض جر نفعاً فلا فرق بينهما.
-
- مسألة/ إذا تبين أن العينة من العقود الربوية المحرمة فالمقصود بالعينة في هذا الكلام أي: العقد الثاني.
أما العقد الأول ففيه خلاف:
- مسألة/ إذا تبين أن العينة من العقود الربوية المحرمة فالمقصود بالعينة في هذا الكلام أي: العقد الثاني.
- لأن كلاً من الدراهم والدنانير في المثال، كلاً منها يشتركان في معنى الثمنية، وفي تحقيق الربا، فاختلافهما لايؤثر على حقيقة العقد.
وهذا القول هو الصواب، ولو قيل بما ذهب إليه الحنابلة لكانت من الحيل الباردة على الربا: بأن يبيع السيارة بالريالات ويشتريها بالدنانير أو بالدولارات أو بأي عملة أخرى وهذا لا يخرج بالعقد عن صورة الربا مطلقاً.
إذاً: عرفنا الآن معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (بغير جنسه) وأن الحنابلة يرون إذا اختلف الثمن الذي اشترى به عن الثمن الذي باع به فإنه لا ربا وأن الصواب أن هذا العقد ربا وإن اختلف الجنس وعرفتَ تعليل ذلك. - وقوله - رحمه الله - (أو بعد قبض ثمنه).
إذا اشتراه من باعه بأقساط مؤجلة بعد قبض ثمنه: جاز: بأقل أو بأكثر أو بمثل.
- لأنه لا شبهة للربا هنا.
مثاله: رجل باع سيارة بسبعين ألف ريال مؤجلة لمدة سنة ثم بعد تماما السنة انتهى سداد جميع الأقساط واستلم جميع الثمن فحينئذ له أن يشتري هذه السيارة بمثل الثمن أو بأكثر أو بأقل وليس من الربا في شيء وذلك بعد استلامه جميع الثمن.
وهذا صحيح.
لأنه لا ربا هنا مطلقاً، ليس هناك أي نوع من أنواع الربا لأن الثمن المؤجل تم استلامه كاملاً فإذاً لم يثبت في ذمة المشتري أكثر مما أعطى في هذه الصورة لأنه انتهى العقد الأول تماماً وبدأنا بعقد جديد آخر وهذا واضح.
لكن ما أقل ما تقع هذه الصورة، قد تقع لكن لا فائدة منها بالنسبة للمتحيلين على الربا لأنه بعد السداد ليس له أي مصلوح في شراء السلعة، اللهم إلا أن لا يكون حيلة على الربا ويريد أن يشتري السلعة شراءً جديداً فحينئذٍ لا يوجد هناك أي نوع من أنواع الربا ولا شبهة الربا.
إذاً: كما قلت لك: إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف ريال لمدة سنة فإنه بعد تمام السداد وانتهاء السنة فلزيد أن يشتري السيارة بمبلغ كاش مثل أو أقل أو أكثر وبمقسط وبأكثر وبأقل فهو عقد جديد ليس له علاقة بالعقد الأول لأن العقد الأول تم بأقساطه واستلام سلعته. - قوله - رحمه الله -: (أو بعد تغير صفته).
إذا اشتراه بعد تغير صفته بثمن أقل فإنه لا بأس.
والمقصود بتغير الصفة هنا يعني: إلى النقص لا إلى الزيادة.
مثاله/ إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف مؤجلة لمدة سنة وبعد مضي ستة أشهر حصل على السيارة حادث وأثر هذا الحادث بنقص قيمة السيارة ثم اشترى هذا الذي باع مؤجلاً اشترى هذه السيارة بقيمة أقل مما باع به لكن هذا النقص سببه نقص الصفة وليس الحيلة على الربا: فحينئذ لا بأس لأن النقص الآن ليس تحيلاً على الربا وإنما بسبب النقص الذي طرأ على العين.
فهذا لا بأس به.
بشرط أن يكون النقص:
متناسباً مع نقص الثمن.
ومتناسباً مع نقص صفة المبيع.
فمثلاً: إذا حصل في – المثال - على السيارة حادث فصارت بدل ما تكون قيمتها سبعين ألفا صارت بسبب الحادث قيمتها ستين ألفاً فإذا دفع فيها ستين ألفاً فلا حرج لكن إن دفع فيها خمسين أو أقل فإنه من عقود الربا.
فإذاً: يجب أن يكون هناك تناسباً بين النقص في القيمة والنقص في الصفة حتى نأمن الحيل الربوية.
- قوله - رحمه الله -: (أو من غير مشتريه).
إذا اشتراه من غير مشتريه فلا بأس فإذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة ثم باع عمرو على خالد السيارة ثم اشترى زيد السيارة من خالد فلا حرج ولا ننظر للسعر سواء كان أقل أو أكثر لأن هذا يبعد أن يكون من حيل الربا ولأن العقد الثاني الذي بين البائع الأول والمشتري الثاني عقد جديد لا علاقة له بالعقد الأول إلا: إذا كانت حيلة ثلاثية بأن يتفق الثلاثة على هذا العقد بأن يقول: كل من بعت عليه أنا أقساط فاشتري أنت منه هذه السلعة وأشتريها أنا منك.
فتجد أن هذه السيارة تدور بين ثلاثة: اثنين ثابتين والثالث هو المعطي للربا في كل عقد جديد.
فتجد أن السيارة تدور بين هؤلاء الثلاثة وهذا من عقود الربا إذا كان تم بالاتفاق بين الثلاثة.
أما إذا تم مصادفة بدون أي اتفاق بأن ذهب الذي اشترى السلعة وباعها في السوق على شخص ثالث ثم جاء الذي باع بأقساط مؤجلة واشترى من هذا الشخص الثالث فإنه لا حرج وليس هناك أي شبهة للربا لبعد ما بين الأطراف. - وقوله - رحمه الله: (أو اشتراه أبوه أو ابنه).
الضمير في قوله: (أبوه أو ابنه) يعود على البائع أقساط أو الذي نسميه نحن هنا: آكل الربا.
فإذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف لمدة سنة ثم اشترى هذه السيارة أبو زيد أو أخوه أو ابنه أو عمه أو خاله فإنه لا حرج.
بشرط: كما تقدم: أن لا تكون هذه المعاملة حيلة على الربا بأن يتفقوا على إجراء هذه المعاملة الصورية.
فإن كانت حيلة على الربا فهي محرمة.
(1).
وهذه المعاملة ربما تكون حيلة على الربا وربما لا تكون حيلة على الربا.
فإذا باع زيد سيارته بثمن مؤجل وأخوه يعرف أن هذه السيارة نظيفة وليس بينه وبين أخيه أي اتفاق ثم ذهب إلى المشتري واشترى منه السيارة بقصد الحصول على هذه السيارة التي يعرف هو أنها نظيفة وأنها بحالة جيدة فهذا ليس من الربا في شيء لأنه ليس هناك أي تواطؤ على العقد، والعقد الثاني لا حرج فيه وليس له أي علاقة بالعقد الأول الذي هو البيع أقساط.
إذاَ: إذا اشترى السيارة أبوه أو أخوه أو ابنه فإنه لا حرج وإن اشترى السيارة رجل أجنبي لا أبوه ولا أخوه فيجوز من باب أولى ولذلك لم يذكرها المؤلف - رحمه الله - لأن الحيلة تتصور من أبيه وأخيه ولا تتصور من رجل أجنبي ليس بينهما معرفة.
إنما نص على الأب والأخ للحذر من أن يكون هناك حيلة فإذا لم يكن هناك حيلة فإنه يجوز عند الحنابلة وهو قول صحيح لأنه ليس هناك محذوراً من هذه المعاملة.
باب الشروط في البيع
- ثم قال - رحمه الله -:
- باب الشروط في البيع.
هذا الباب من أهم الأبواب، وربما نقول هو يلي في الأهمية الشروط لأنه قل أن يخلو عقد من شرط.
قوله - رحمه الله -: (باب الشروط): الشرط في اللغة: العلامة.
وفي الاصطلاح: إلزام أحد المتعاقدين الآخر ماله فيه منفعة بسبب العقد.
فإن كان الإلزام ليس بسبب العقد فليس من الشروط.
وإن كان الإلزام من رجل آخر ليس أحد العاقدين فليس من الشروط.
فلابد أن يكون من أحد العاقدين ولابد أن يكون الإلزام بسبب العقد ولابد أن يكون له فيه منفعة. - قال - رحمه الله -:
- منها صحيح.
تنقسم الشروط إلى قسمين: - القسم الأول: شروط صحيحة.
- والقسم الثاني: شروط فاسدة.
ـ القسم الأول: الشروط الصحيحة، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:1
- القسم الأول: من الشروط الصحيحة: اشتراط ما هو من مقتضى العقد:
كأن يشترط عليه أن يقبضه السلعة.
أو أن يشترط عليه أن يتصرف - يعني: البائع - بالسلعة كيفما يشاء.
فهذا النوع من الشروط هو من الشروط التي هي تحصيل حاصل، لأن العقد يقتضيها بدون الشرط، وهي جائزة بالإجماع، بل هي واجبة لأن العقد يقتضي هذه الشروط وإنما لم يذكر المؤلف - رحمه الله - هذا النوع لما قلت لك: من أن العقد يقتضي هذه الشروط فلا حاجة للكلام عنها، مع العلم أن الأصل ذكر هذا الشرط - أصل الكتاب وهو المقنع ذكر هذا الشرط - فهذه من المسائل التي تركها المؤلف - رحمه الله - وتركه إياها جيد لأن هذا الشرط تحصيل حاصل. - القسم الثاني: هو الذي بدأه المؤلف - رحمه الله - بقوله: (كالرهن وتأجيل الثمن، وكون العبد كاتباً).
- فالقسم الثاني هو: اشتراط ما فيه منفعة للبائع أو للمشتري.
غالباً لا تكاد تخرج عن أن تكون: صفة في المبيع أو صفة في الثمن أو لتوثيق البيع كاشتراط الرهن.
فلا تكاد تخرج شروط الناس عن هذه الأنواع الثلاثة.
وهذا القسم الثاني هو القسم الأول عند المؤلف. - قال - رحمه الله -:
- كالرهن.
أي: كأن يشترط البائع على المشتري أن يرهنه مقابل الثمن سلعة أخرى فيقول بعت عليك هذا البيت بشرط أن ترهنني هذه الأرض.
فهذا العقد وهذا الشرط: صحيح.
لأن في هذا الشرط منفعة للبائع. - قال - رحمه الله -:
- وتأجيل الثمن.
الأول من شروط البائع والثاني من شروط المشتري.
كأن يقول: اشتريت منك هذه السلعة بشرط: أن تؤجل الثمن.
فهذا الشرط صحيح، ويلزم البائع أن يؤجل الثمن. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) وهو حديث صحيح إن شاء الله.
-
- مسألة/ فإن اشترط التأجيل فلابد من العلم بالأجل، فإن لم يذكر بطل الشرط.
- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم).
- ولأنه - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن الغرر).
وفي تأجيل الثمن لا إلى موعد محدد غرر وإقحام للمتعاقدين في الخلاف.
= القول الثاني: أنه يجوز تأجيل الثمن إلى موعد معروف وإن لم يحدد كقوله: (إلى الحصاد)، (أو إلى الجذاذ).
والأقرب والله أعلم أنه لابد من تحديد الأجل بموعد محدد. لأن إطلاق العقود والشروط بلا تحديد وإن ربطت بموعد متعارف عليه يؤدي غالباً أو دائماً إلى الاختلاف والشجار بين المتبايعين. وإذا كان موعد الجذاذ معروفاً فليذكر في العقد، وموعد الجذاذ يحتمل أن يقصد به أول بداية الموعد ويحتمل أن يقصد به آخر موعد الجذاذ، ويحتمل أن يكون في وسط موعد الجذاذ. وهذه المدة طويلة غالباً ما تكون خلاف بين المتبايعين. لذلك الأقرب أنه لابد من تحديد موعد معروف محدد باليوم لتسليم الثمن.
ثم قال - رحمه الله -:
- وكون العبد كاتباً.
هذا شرط في السلعة.
إذا اشترط المشتري أن يكون العبد كاتباً: صح الشرط ولزم الإتيان به.
فإن أخل: فسيأتينا ماذا يترتب على الإخلال. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو خصياً.
إذا اشترط أن يكون العبد خصياً أو اشترط أن يكون العبد فحلاً.
فإنه لابد من الإيفاء بالشرط.
لأن هذا فيه منفعة للمشتري.
سواء اشترط أن يكون خفياً أو اشترط أن يكون فحلاً.
فإن اشترط أن يكون خصياً: فصار فحلاً.
أو فحلاً فصار خصياً.
فسيأتينا ماذا يترتب على الإخلال بالشرط. - قال - رحمه الله -:
- أو مسلماً.
إذا اشترط أن يكون العبد مسلماً فبان كافراً فقد اختل الشرط.
أما إن اشترط أن يكون كافراً فبان مسلماً فلا خيار للمشترط.
إذا قال: أشترط أن يكون العبد كافراً ثم تبين أنه مسلم فإنه عند الإمام أحمد - رحمه الله - لا خيار.
لماذا؟ - لأنه لا يمكن أن نجعل صفة الإسلام نقصاً في السلعة، بل هي كمال مهما كان مقصود المشترط، فهذا الشرط يسقط.
-
- مسألة/ قال ابن مفلح: فإن اشترطه أحمقاً فبان ذكياً فلا خيار.
يعني: لو قال: أنا أشترط في العبد أن يكون أحمقاًَ فبان ذكياً فلا خيار له عند ابن مفلح - رحمه الله -. لأن صفى الذكاء أكمل من صفة الحمق.
والصواب: أن له الخيار.
وأن الإخلال بهذا الشرط إخلال بمقتضى الشرط الذي في العقد.
لأن الحمق قد يكون مقصوداً لبعض الناس لأن عمل هذا العبد لا يناسب فيه أن يكون رجلاً أو عبداً ذكياً بل لابد أن يكون عبداً أحمقاً، فإن كان ذكياً ضره .. ((الأذان)).
نتم القسم الثاني من النوع الأول.
- مسألة/ قال ابن مفلح: فإن اشترطه أحمقاً فبان ذكياً فلا خيار.
يقول - رحمه الله -:
- والأمة بكراً.
يعني: إذا اشترط أن تكون الأمة بكراً فبانت ثيباً فقد أخل بالشرط.
- لأن البكارة مقصوده.
فإن اشترطها ثيباً فبانت بكراً: فلا خيار له. - لأن صفة البكارة أكمل من غيرها.
والصواب: أنه إذا اشترطها ثيباً وبانت بكراً فله الخيار إذا كان له مقصود صحيح بهذا الشرط، فإن بعض الناس قد يشترط أن تكون الأمة ثيباً ويقصد من هذا قصداً صحيحاً فلا حرج عليه، ولا نقول ليس لك خيار ما دامت بكراً ما دام أنه هو يريدها ثيباً ولا نقول: ليس لك خيار ما دامت بكراً ما دام هو يريدها ثيباً.
فالصواب أنه أن يثبت له فيها الخيار.
وبهذا انتهى النوع الأول من الشروط الصحيحة.
وسيأتينا: ماذا يترتب على الإخلال بهذا النوع ثم نتطرق غداً إن شاء الله للنوع الثاني من الشروط.
شرح كتاب البيع الدرس رقم (7)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم الكلام عن أقسام الشروط الصحيحة وذكرنا الشرط الأول وهو الشرط الذي لم يذكره المؤلف - رحمه الله - والشرط الثاني وصور ونماذج من الشرط الثاني وانتهينا من تقرير صور الشرط الثاني.
باقي من مسائل الشرط الثاني: مسألة واحدة وهي: الحكم إذا أخل بالشرط:
فإذا اشترط عليه صفة مقصودة مرادة ثم أخل بها البائع أو أخل بها المشتري إذا كانت مشترطة على المشتري، فالحكم على التفصيل التالي:
ـ ينقسم الحكم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يتعذر رد السلعة المبيعة: فإذا تعذر فليس لمن فقد الشرط في حقه إلا الأرش، وسيأتينا كيفية تقدير الأرش.
- القسم الثاني: إذا أمكن الرد ولم يتعذر فلمن فقد الشرط في حقه الخيار بين الإمضاء مع أخذ الأرش أو فسخ العقد، فهو مخير إن شاء فسخ وأخذ كامل الثمن وإن شاء أخذ السلعة وأخذ معها الأرش.
وكيفية تقدير الأرش: هو بأن نقدر قيمة السلعة بدون هذه الصفة المطلوبة ونقدر قيمة السلعة إذا كانت هذه الصفة المطلوبة فيها والفرق بين القيمتين يدفعه البائع.
نقدر قيمة السلعة بلا صفة وقيمة السلعة مع الصفة والفرق بين القيمتين يدفعه البائع للمشتري.
وفهم من هذا التفصيل أن البائع فيما إذا كان هو الذي أخل بالشرط أنه لا خيار له، إنما الخيار فقط للمشتري.
وهذا صحيح فيما إذا أخل البائع بالشرط عمداً مع العلم، وليس بصحيح إذا أخل بالشرط معذوراً بجهل أو نسيان فحينئذ يثبت الخيار للطرفين.
مثال ذلك: اشترط المشتري على البائع أن تكون الأمة معلمة، تقرأ وتكتب وتحفظ القرآن، والبائع نسي هذا الشرط أو جهل أنه يجب عليه الإيفاء بالشرط فباعه أمة تخلو من هذا الشرط فحينئذ نقول للمشتري الخيار وللبائع الخيار فإذا اختار المشتري الإمضاء مع أخذ الأرش فالبائع أيضاً له الخيار إما بالقبول أو باسترداد السلعة ودفع الثمن، يعني إرجاع الثمن للمشتري، فالجميع بالخيار - طرفي العقد بالخيار.
هذه الصورة فيما إذا كان البائع أخل بالشرط بعذر مع العلم أن غالب العقود يكون فيها الإخلال بغير عذر، فإذا كان الإخلال بغير عذر فالحكم هو ما سمعت أنه له الخيار بين الإمضاء مع أخذ الأرش وبين رد السلعة وأخذ الثمن.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ونحو أن يشترط البائع: سكنى الدار شهراً.
قوله: (ونحو أن يشترط البائع).
بدأ المؤلف - رحمه الله - بالقسم الثالث من أقسام الشروط الصحيحة، وهذا الشرط - يعني: هذا القسم الثالث - تعريفه: أن يشترط نفعاً معلوماً في السلعة أو نفعاً من البائع في السلعة.
والأمثلة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - توضح المقصود كما سيأتي التعليق عليها.
حكم هذا الشرط: = ذهب الجماهير إلى صحة هذا الشرط، وأنه شرط لازم.
واستدلوا على هذا: - بأن جابر - رضي الله عنه - لما اشترى منه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيره اشترط جابر - رضي الله عنه - على النبي - صلى الله عليه وسلم - حملانه إلى المدينة - يعني اشترط ظهر البعير إلى المدينة، فهذا اشتراط نفع في المبيع.
= والقول الثاني: أن هذا الشرط باطل ولا يصح.
واستدلوا على بطلانه: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط.
وهذا بيع وشرط.
والراجح والله أعلم مذهب الجماهير وهو صحة هذا النوع من الشروط.