كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (11)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قبل درس أو درسين ذكرت لكم أنه لا يشرع للإنسان إذا رأى الكعبة أن يرفع يديه وأن جابر - رضي الله عنه - أنكر هذا الفعل وهذا كله صحيح.
لكن أحضر لي اثنان من الطلبة فائدة: أن الترمذي أخرج في سننه أن جابر قال: كنا نفعله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه بوب للحديث بقوله: (لا يشرع رفع اليدين) فظهر بهذا أنه بين الترجمة - التبويب - وبين المتن تعارض كما أنه يخالف ما ذكرت من أن جابر نفى الرفع.
وفي الحقيقة أن في هذه النسخة إشكال ثم لما رجعت لبعض النسخ الأخرى وجدت أنه سقط من المطبوعة حرف واحد وهو (همزة الاستفهام) التي للإنكار.
وصواب العبارة: (أفكنا) وهي: كنا.
فسقوط هذه الهمزة قلب المعنى رأساً على عقب ولذلك ذكرت هذه الفائدة حتى يعلم الإنسان أهمية العناية بتصحيح النسخ لما يترتب عليه من اختلاف المعنى.
وتقدم معنى الكلام عن عرفة وأن النزول في نمرة مختلف فيه بين أهل العلم: فمنهم من قال سنة، ومنهم من قال هو منزل نزله النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكرت أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما الخلفاء كانوا ينزلون وأن الصواب أن النزول في هذا المكان سنة مقصودة لذاتها متى استطاع الإنسان أن يأتي بها، وتقدم معنا الحديث عن هذه المسألة وكانت هي آخر مسألة تحدثت عنها.
- قال - رحمه الله -: فإذا طلعت الشمس: سار إلى عرفة.
تقدم معنا أنه ترك ذكر النزول في نمرة، وظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أنه لا يشرع للإنسان أن يخرج إلى عرفة إلا في هذا الوقت.
يعني: بعد طلوع الشمس، وعلم من كلامه - رحمه الله - أن الذهاب إلى عرفة ليلة عرفة أنه خلاف السنة، فإن كان ذهب إلى عرفة تعبداً فهو مبتدع، وإن كان ذهب إلى عرفة ليستعد أو ليأتي بأعمال تخصه فغاية ما هنالك أنه خالف السنة.
ثم قال - رحمه الله -: وكلها موقف إلاّ بطن عُرَنَة.
وادي عرنة: هو الوادي الذي يفصل بين عرفة ومزدلفة وهذا الوادي ليس من عرفة.
-
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل عرفة موقف وارفعوا عن وادي عرنة - أو عن بطن عرنة).
فهذا الوادي ليس بموقف إجماعاً.
لكن اختلفوا في مسألة أخرى وهي: هل هذا الوادي من عرفة أو ليس من عرفة؟ = فمن الفقهاء من قال: هو من عرفة ولا يجزئ الوقوف فيه. -
لأنه في هذا الحديث استثني من عرفة فهو منها.
= ومنهم من قال: بل هو ليس من عرفة.
وهذا الخلاف لا طائل تحته لأن الجميع يتفق على المسألة المهمة وهي: أن الوقوف في هذا الوادي لا يجزئ سواء اعتبرناه من عرفه أو لم نعتبره من عرفه. -
ثم قال - رحمه الله -: ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر.
يسن للإمام وللناس أن يجمعوا الظهر والعصر جمع تقديم، ويصلي خلف الإمام: الآفاقي والمكي وكل حاج، ومسألة الجمع هذه - التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -:
حكي الإجماع حتى بالنسبة لأهل عرفة أنهم يجمعون خلف الإمام.
والمسألة التي فيها خلاف: القصر.
ولن نتحدث عنها الآن: إنما الذي يعنينا في سياق كلام المؤلف - رحمه الله – الجمع، والجمع: سنة وحكي الإجماع عليه، أما القصر ففيه خلاف والأقرب والله أعلم بالنسبة لعرفة أن المكي يقصر فيها ولعله تأتي مناسبة لذكر الخلاف في ذكر القصر بالذات، أما الجمع فلا إشكال فيه إن شاء الله، والسبب في أنه لا إشكال في الجمع وفيه إشكال في القصر:
-
أن الجمع متفق عليه.
والقصر مختلف فيه.
هذا أمر. -
والأمر الآخر: أن القصر يتعلق بالسفر فقط.
بينما الجمع يتعلق بوجود سبب ومن الأسباب في هذا الموقف العظيم أن يتفرغ الحاج لدعاء الله والابتهال إليه لئلا ينشغل بإقامة كل صلاة في وقتها.
فهذا الجمع لا إشكال فيه من هاتين الجهتين: - الإجماع.
- ووجود سبب.
بخلاف القصر.
ثم قال - رحمه الله -: ويقف راكباً.
يعني: أنه يستحب للإنسان في عشي عرفة أن يقف راكباً وهو أفضل من أن ينزل إلى الخيام ويجلس فيها.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف راكباً.
والظاهر من صنيعه أنه فعل ذلك قصداً.
والأصل في أفعاله التأسي لا سيما في الحج.
= والقول الثاني: أن الوقوف يستحب على الأرض لا راكباً.
واستدلوا على ذلك:
- بأن هذا أهيأ للدعاء وأرفق بالدابة.
= والقول الثالث: أن هذا يختلف باختلاف حال الشخص.
فإن كان الشخص إذا ركب اقتدي به وانتفع بعمله أو كان الركوب أهيأ للراكب فهو حينئذ أفضل.
وإن كان النزول أهيأ للحاج فهو أفضل، وهذا اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله -، وشيخ الإسلام - رحمه الله - دائماً يحاول أن يوفق بين الأقوال ويجمع بينها لتنسجم الأدلة سواء كانت من النصوص أو من التعليلات، والقول بأن الوقوف راكباً سنة: قوي ووجيه.
وهو الآن في وقتنا الحاضر متهيئ أكثر من السابق لسهولة الركوب والراحة التي يجدها الإنسان في السيارات هذا من جهة، ومن جهة أخرى: أن الراكب لاشك أنه ينقطع عن الاختلاط ويتفرغ للعبادة والابتهال أكثر منه مختلطاً مع الناس في المخيم، فربما نقول اليوم أن الوقوف راكباً على القول الأول وعلى القول الثالث: يستحب.
لأنه أهيأ.
ثم أن الذي يقف راكباً يتمكن من إرشاد الناس وتوجيههم أكثر منه داخل الخيام، وعلى كل حال هي مسألة أفضلية وليست مسألة تتعلق بركن الوقوف.
-
- مسألة/ وهذا الخلاف نفسه في أقواله يأتينا في مسألة الحج ماشياً وراكباً ففيه ثلاثة أقوال كهذه الأقوال تماماً: أنه يستحب ماشياً - ويستحب راكباً - وأنه يختلف باختلاف حال الشخص.
ثم قال - رحمه الله -:
عند الصخرات وجبل الرحمة.
يعني: يستحب أن يقف في هذا الموطن.
- لأن جابر - رضي الله عنه - أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف في هذا الموقف وجعل يدعو - صلى الله عليه وسلم -. والسنة: أن يقف في هذا الموقف مستقبل القبلة، واستقبال القبلة في هذا الموطن أهم من أن يقف عند الصخرات والجبل، فإذا دار الأمر بين أن يستقبل القبلة أو يستقبل الصخرات فإنه يستقبل القبلة ولو استدبر الجبل أو الصخرات، وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أن قصد الوقوف في هذا المكان: سنة، ومن الفقهاء من قال: إنما وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموقف لا قصداً وإنما لأنه مكان قريب منه.
-
- مسألة/ ولا يسن الصعود على الجبل.
بل هو بدعة لا أصل له.
كما أنه يذهب الوقت على الحاج ويسبب التشويش والضيق والزحام ومنكرات أخرى.
فهو مكروه أو محرم: أي الصعود على الجبل.
- مسألة/ ولا يسن الصعود على الجبل.
- ثم قال - رحمه الله -:
ويكثر الدعاء مما ورد.
يعني: ويستحب أن يكثر من الدعاء حال وقوفه.
والدليل على هذا من وجهين: - الوجه الأول: أن هذا الموطن موطن إجابة.
فقد عهد الشارع استحباب كثرة الدعاء والعبادة في مواطن الإجابة. - والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا صنع أي أكثر من الدعاء وقال: (خذوا عني مناسككم).
وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أن أفضل أنواع العبادات في ذلك الوقت الدعاء وهو أفضل من قراءة القرآن ومن الفتوى ومن تعليم العلم ومن سائر أنواع العبادات، ومع ذلك نقول: ينبغي للإنسان إذا تعب من الدعاء أن ينصرف إلى نوع آخر من العبادات وأن لا يخرج عن إطار العبادات مهما كان، لكن كلما كانت العبادة قريبة من الدعاء كقراءة القرآن أو الابتهال أو تعداد أسماء الله وصفاته فهو خير من العبادات الأخرى ولو كانت مذاكرة علم أو غيره، فإذا لم يستطع ذهب إلى مسألة مذاكرة العلم لأنه أثر عن الصحابة على الأقل أنهم يتداولون المسألة، فهذه ثلاث مراتب: - الدعاء.
- ثم ما يقرب من الدعاء: من قراءة القرآن وتدارس أسماء الله وصفاته.
... - والثالث: مسألة تدارس العلم. - ثم قال - رحمه الله -: ومن وقف ولو لحظة.
قوله: (ومن وقف).
يقصد - رحمه الله -: الحصول في عرفة، أن يوجد في عرفة.
فلو كان واقفاً أو مضطجعاً أو جالساً أو على أي هيئة كان، فالمقصود بالوقوف هنا: هو أن يوجد ويحصل في عرفة.
- قال - رحمه الله -: ولو لحظة من فجر يوم عرفة.
بين المؤلف - رحمه الله - في قوله: (من فجر يوم عرفة) بداية وقت الوقوف.
= فذهب الحنابلة وهو من المفردات.
إلى أن الوقوف يوم عرفة يبدأ من فجر يوم عرفة.
واستدل الإمام أحمد - رحمه الله - على هذا الحكم:
- بحديث عروة بن مضرس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف في عرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).
فقوله: (ليلاً أو نهاراً) يشمل من طلوع الفجر.
لأن النهار يطلق على الوقت من طلوع الفجر.
= والقول الثاني: أن الوقوف لا يبدأ إلا من بعد الزوال.
فإن وقف قبل الزوال ثم خرج من عرفة ولم يرجع إليها: بطل حجه، وإلى هذا ذهب: مالك والشافعي وأبو حنيفة، واختاره عدد من المحققين منهم شيخ الإسلام - رحمه الله -.
واستدل هؤلاء:
-
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقف في عرفة لا هو ولا الخلفاء الراشدين إلا بعد الزوال.
وأجابوا عن حديث: عروة بن المضرس - رضي الله عنه - بأن قوله: (ليلاً أو نهاراً) أن كلمة نهاراً يقصد بها ما بعد الزوال جمعاً بين الأخبار.
والراجح والله أعلم: مع الإمام أحمد - رحمه الله.
وسبب الترجيح: أن كون الصحابة والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقفوا قبل الزوال لا يعني أنه ليس موقفاً يعتد به بدليل: أن الليل يعتبر موقفاً صحيحاً وزمناً صحيحاً للوقوف بالإجماع ولم يقف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يصعب جداً أن نبطل حج شخص وقف الصبح من ضحى يوم عرفة ثم خرج من عرفة مع وجود هذا الحديث الصريح أن الإنسان إذا وقف من فجر يوم عرفة إلى فجر ليلة مزدلفة أن حجه صحيح (وقد وقف في عرفة ليلاً أو نهاراً)، فالحديث يساعد الإمام أحمد بوضوح وتأويلهم للحديث وتخصيصهم له بما بعد الزوال بمجرد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لا يكفي، لكن: إذا سمعت هذا الخلاف عرفت أن من لم يقف إلا قبل الزوال فقد خاطر وعرض حجه للفساد لقوة الخلاف جدا وأن ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة وجيه وقوي ويتعين الاحتياط في مثل هذا الأمر. -
ثم قال - رحمه الله -: مبيناً نهاية الموقف: إلى فجر يوم النحر.
يستمر الوقوف إلى فجر يوم النحر وهذا بالإجماع.
فهم اختلفوا في البداية ولم يختلفوا في النهاية.
والدليل على استمرار الوقوف إلى الفجر:
-
حديث عروة بن المضرس - رضي الله عنه -.
-
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الحج عرفة.
فمن وقف قبل أن تذهب ليلة جمع صح حجه).
وهو حديث إن شاء الله حسن. -
والإجماع.
فلا إشكال إن شاء الله أن من وقف في الليل فحجه صحيح. -
ثم قال - رحمه الله -: وهو أهل له.
يعني: وهو أهل للوقوف، والحاج الذي هو أهل للوقوف: هو من اتصف بثلاث صفات:
- أن يكون مسلماً.
- عاقلاً.
- محرماً بالحج.
فإذا اتصف بهذه الثلاث فهو أهل للوقوف، وشمل كلام المؤلف - رحمه الله - من وقف في عرفة وهو يعلم أن هذه هي عرفة ومن وقف فيها وهو يجهل أن هذه عرفة.
فكلاهما حجه صحيح.
واستدل الجماهير على هذا الحكم: - بأن عروة بن المضرس - رضي الله عنه - أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وقف في كل جبل وتل متحرياً عرفة ولم يخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن وقوفه بلا تعيين لا يجزئ.
وهذا لا إشكال فيه، فإذاً: من وقف في جبل يتحرى يوم عرفة ولم يعلم أنه من عرفة فإن حجه صحيح ما دام في عرفة، وهذا إن تصور في السابق فلا يتصور الآن أبداً لوضوح المعالم وكثرة الناس فإنه لا يخطئ الإنسان أن هذه من عرفة أو من خارج في الجملة.
-
- مسألة/ دخل تحت كلام المؤلف - رحمه الله - عدة صور:
ـ الصورة الأولى: النائم.
فلا إشكال أن النائب وقوفه صحيح.
وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير وفيه خلاف ضعيف ضعفه يغني عن سياقه.
ـ الصورة الثانية: المغمى عليه.
وهي مسألة مشكلة.
فالمغمى عليه محل خلاف بين أهل العلم: = القول الأول: أن المغمى عليه لا يصح وقوفه.
أي: إذا أغمي على الحاج من فجر عرفة إلى فجر مزدلفة ولم يستيقظ أبداً فإن حجه باطل.
واستدل هؤلاء:
- مسألة/ دخل تحت كلام المؤلف - رحمه الله - عدة صور:
ـ الصورة الأولى: النائم.
-
بأن الوقوف عبادة، بل هو ركن الحج.
والعبادة يشترط لها النية ولا تتأتى من المغمى عليه.
= القول الثاني: أن وقوف المغمى عليه صحيح. -
لأن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة كما تقدم معنا.
كما نقوله في أجزاء الصلاة.
= والقول الثالث: التوقف.
ولعلها الرواية الثانية.
وهي رواية عن الإمام أحمد لكن يبدو لي أنها الرواية الثانية.
في المسألة إشكال.
ويتردد الإنسان في صحة حج المغمى عليه أو بطلانه لتعارض الأدلة ولعله توقف الإمام أحمد، لكن من المحققين الذين نصروا صحة الحج الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - فإنه يرى صحة حج المغمى عليه.
ـ الصورة الثالثة: السكران.
والخلاف في السكران كالخلاف في المغمى عليه. -
ثم قال - رحمه الله -: صح حجه وإلاّ فلا.
إذاً: ذكرنا النائم وأن الخلاف فيه ضعيف وأيضاً المغمى عليه ثم السكران، وأما المجنون فلا خلاف في عدم صحة وقوفه وممن حكى الإجماع: المرداوي بقوله: (لا أعلم فيه خلافاً) لا بقول: لا نزاع فيه فكأنه ينفي الخلاف بين المذاهب الأربعة، وعلى كل حال: المجنون لا إشكال في عدم صحة وقوفه إنما الخلاف في المغمى عليه والسكران وهو خلاف قوي، والنائم لا إشكال في صحة وقوفه.
قوله - رحمه الله -: صح حجه وإلا فلا.
يعني: إذا تحققت فيه الشروط صح حجه وإلا فإن حجه غير صحيح.
- ثم قال - رحمه الله -: ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله: فعليه دم.
إذا وقف الإنسان قبل الغروب ثم دفع قبل أن تغرب الشمس ثم رجع: = فالجمهور أنه إذا رجع فلا دم عليه.
-
لأنه رجع قبل أن يتقرر في حقه الدم.
= ومنهم من قال: بل يجب عليه الدم بمجرد الدفع قبل الغروب.
والقول الأول: هو المذهب وهو الصواب.
ـ الصورة الثانية: إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع إلا بعد الغروب فيجب عليه دم ولو رجع. -
لأنه رجع بعد ثبوت الدم ولأن الواجب أن يوجد في عرفة حال الغروب.
وهذا هو الصواب ويدل على رجحانه: القياس على من تعدى الميقات ثم أحرم ثم رجع كما تقدم معنا: أن من تعدى الميقات ثم أحرم ثم رجع فإنه يثبت الدم في حقه بخلاف من تعدى الميقات ثم رجع قبل أن يحرم. -
قوله - رحمه الله -: ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله: فعليه دم.
أفادنا المؤلف - رحمه الله - أن الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس واجب، ونحن الآن نريد أن نذكر الخلاف في مسألتين قد يخلط بينهما بعض الناس:
ـ المسألة الأولى: حكم الوقوف في عرفة قبل إلى غروب الشمس.
ـ المسألة الثانية: ماذا يترتب على الخروج من عرفة قبل غروب الشمس.
فإن عدداً من الناس يحكي الخلاف فيهما بمساق واحد وهما مسألتان.
ـ المسألة الأولى: الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس:
= ذهب الجماهير إلى أن الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس واجب.
فإن تركه فعليه دم وسيأتينا الكلام عن هذا الدم، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك والشافعي في المشهور وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء والجم الغفير من أهل العلم: على أن من خرج من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم.
استدل هؤلاء:
-
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - انتظر إلى أن غربت الشمس ثم دفع.
وقد أكد جابر - رضي الله عنه - هذا المعنى تأكيداً بليغاً فقال: حتى إذا غربت الشمس وذهبت الصفرة وغاب القرص.
كأنه يؤكد - رضي الله عنه -: دفع النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولو كان يجوز الخروج من عرفة قبل غروب الشمس ولو للضعفة لرخص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كما رخص في ليلة مزدلفة مع العلم أن المشقة الحاصلة في الانتقال من عرفة إلى مزدلفة أكبر من المشقة الحاصلة في الانتقال من مزدلفة إلى منى.
وهذا معلوم.
= والقول الثاني: أن الوقوف إلى غروب الشمس ركن من أركان الحج فإن خرج قبل غروب الشمس: بطل حجه.
وهو مروي عن الإمام مالك، فالركن عند الإمام مالك يتركب من أمرين: - الوقوف.
- وأن تقف إلى أن تغرب الشمس.
ليجمع بين الليل والنهار في عرفة.
= والقول الثالث: وهو قول للشافعية: أن الوقوف إلى غروب الشمس: سنة.
فإن دفع قبل الغروب فلا حرج عليه.
واستدلوا على ذلك: -
بأنه لا يوجد نص صريح يمنع من ذلك كما أن الوقوف الذي هو الركن تحقق بالوقوف السابق.
والراجح إن شاء الله: مع الجماهير.
لظهور السنة في ذلك ظهوراً بيناً.
فإن الإنسان إذا طالع الأحاديث جزم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف قصداً وأراد أن لا يخرج أحد من عرفة إلا بعد غروب الشمس.
ـ المسألة الثانية: ماذا يترتب على الخروج من عرفة قبل غروب الشمس.
هذا أيضاً اختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال: = القول الأول: أن في الخروج دم.
شاة تذبح وتوزع على الفقراء. -
لأنه ترك واجباً من واجبات الحج ومن ترك واجباً من واجبات الحج فعليه شاة.
= القول الثاني: أن عليه بدنة، وهو قول محكي عن بعض التابعين.
= والقول الثالث: أنه لا شيء عليه.
وهو رواية عن الإمام أحمد وقول عند الشافعية، فالإمام أحمد - رحمه الله - مع كونه يرى وجوب البقاء إلى غروب الشمس مع ذلك يرى أن من خرج فقد ترك واجباً ولا دم عليه.
والراجح: أن عليه دم.
وهو القول الوسط الذي يدل عليه فتوى الصحابة.
ثم قال - رحمه الله -: ومن وقف ليلاً فقط فلا.
المؤلف - رحمه الله - يريد أن يتحدث هنا: عمن لم يدرك أي جزء من النهار في عرفة وإنما جاء إليها ليلاً، فإذا جاء إليها ليلاً فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
-
الأول: القياس على من كان منزله دون المواقيت.
فهذا سيحرم دون المواقيت ولا دم عليه لأنه لم يدرك المواقيت أصلاً.
كذلك الذي يدرك عرفة ليلاً لا دم عليه لأنه لم يدرك جزأ من النهار أصلاً. -
والثاني: أن وجوب الوقوف في عرفة إلى الغروب يتناول من أدركها نهاراَ.
وهذا الدليل إذا تأملت تجد أنه استدلال بنفس القول.
فهو يقول: (لا يجب على من وقف ليلاً) لأنه لم يدرك النهار، والدليل: أن من لم يدرك النهار لا يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، فهو استدلال بنفس القول.
إذاً العمدة على التعليل الأول وهو تعليل وجيه.
وهو أن من لم يدرك النهار لا يجب عليه أصلاً الوقوف لأنه ليس من أهل وجوب الوقوف كما نقول فيمن مكانه ومنزله دون المواقيت. -
ثم قال - رحمه الله -: ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة.
قوله: (ثم يدفع بعد الغروب) يعني: وجوباً.
-
لما تقدم في حديث جابر - رضي الله عنه - أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع من عرفة إلا بعد غروب الشمس وذهاب القرص تماماً.
فهذه العبارة مستندها النص الصريح. -
ثم قال - رحمه الله -: إلى مزدلفة بسكينة.
يعني: أنه يسن للإنسان في ذهابه من عرفة إلى مزدلفة أن ينتقل بسكينة.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (السكينة السكينة) يعني عليكم أو الزموا السكينة، وظاهر الحديث وظاهر كلام الفقهاء أن الانتقال بسكينة سنة مطلقاً ولو بدون زحام، وهذا صحيح.
والسكينة لا تنافي الإسراع أحياناً، لأن السكينة كما تقدم معنا من صفات أعضاء البدن.
والإسراع من صفات البدن جملة.
فيستطيع الإنسان أن يسرع ببدنه مع السكينة. - ثم قال - رحمه الله -: يسرع في الفجوة.
النبي - صلى الله عليه وسلم - أردف أسامة فأخبر أسامة في قوله في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم – (كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص).
ومعنى قوله: (نص) أي أسرع.
(العنق) يعني بسهولة وتؤده.
الحديث نص في أن الإنسان إذا وجد مجالاً وفجوة فإنه يسرع الإسراع المعتدل وإذا لم يجد فإنه يمشي ببطء، والسنة في حال انتقاله من عرفة إلى مزدلفة أن يكثر من ذكر الله.
-
لقوله تعالى: - (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) -[البقرة/198]. هكذا ذكر بعض الفقهاء.
لكن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر ظاهر لأن في الآية: - (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) -[البقرة/198].فالمقصود بالآية الذكر عند المشعر الحرام لا أثناء الانتقال، وإذا لم يصح الاستدلال بالآية فإنه لا يوجد في السنة شيء صريح في ماذا يصنع الإنسان أثناء الانتقال من عرفة إلى مزدلفة.
والذي يظهر لي أن المستحب الإكثار من الاستغفار، ودليل ذلك: أن قاعدة الشرع.
(الاستغفار في نهاية الأعمال)، وعرفة ركن الحج الأعظم فإذا انتهى منه فينبغي أن يستغفر لما وقع فيه من تقصير أو إخلال أو خطأ. -
ثم قال - رحمه الله -: ويجمع بها بين العشائين.
يفهم من كلام المؤلف أن السنة أن يؤخر الإنسان صلاة المغرب إلى أن يصل إلى مزدلفة، فإن صلى قبل أن يصل إلى مزدلفة فقد خالف السنة مخالفة ظاهرة، ولكن صلاته عند الجماهير وعامة العلماء صحيحة.
والسنة أيضاً أن الحاج إذا وصل إلى مزدلفة فإنه يبادر بصلاة المغرب قبل أن يحط الرحال ثم إذا انتهى من المغرب حط الرحال ثم صلى العشاء.
كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صنع ذلك.
بقينا في مسألة مشكلة وهي:
هل المشروع في حقه أن يؤذن ويقيم أو أن لا يؤذن ولا يقيم مطلقاً أو ماذا يصنع؟
هذا فيه خلاف بين أهل العلم:
= القول الأول: أن المشروع في حقه أن يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة.
وهذا ما ذكره جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأذان وإقامتين.
= القول الثاني: وهو القول الذي استقر عليه قول الإمام أحمد أن المشروع أن لا يؤذن وأن يقيم إقامتين.
واستدل على ذلك:
-
- بأن أسامة - رضي الله عنه - أخبر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤذن وإنما أقام إقامتين.
وأسامة أقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من جابر فهو رديفه - رضي الله عنه - فهو أعلم بالحال من جابر - رضي الله عنه -. = القول الثالث: أنه يقيم إقامة واحدة للصلاتين.
- بأن أسامة - رضي الله عنه - أخبر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤذن وإنما أقام إقامتين.
-
وهذا ثابت في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام إقامة واحدة للصلاتين.
قال بعض الفقهاء أي: مع الأذان، الحديث الذي في مسلم ليس فيه أنه أذن وأقام إقامة واحدة ولكن فيه أنه أقام إقامة واحدة لكن الفقهاء قالوا: يقصد مع أذان.
فيؤذن ويقيم إقامة واحدة.
= والقول الرابع: أنه يؤذن لكل صلاة ويقيم لكل صلاة.
والقول الرابع: أضعف الأقوال إذ ليس له دليل.
وأقوى الأقوال القول الذي استقر عليه الإمام أحمد - رحمه الله - والقول الذي ذكره جابر - رضي الله عنه -. وكما ترون: المسألة مشكلة: فجابر - رضي الله عنه - يثبت وأسامة - رضي الله عنه – ينفي، فهل نقول: المثبت مقدم على النافي؟ أو نقول: إن أسامة أقرب كما قال الإمام أحمد وأعلم بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد نفى عن علم.
ولعل جابر - رضي الله عنه - ذكر الأذان باعتبار الغالب من حاله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جمع الصلاة يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة فجرى على غالب حال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا عن سماع ورؤية.
ففيه احتمال كبير، لكن الأقرب أن لا ننسب جابر إلى الوهم وأن نقول أن أسامة - رضي الله عنه - مع قربه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع الأذان لأي عارض.
وإذا عرفنا الخلاف عرفنا أن بعض الناس الذين ينكرون على الذين يصلون بلا أذان أنهم ينكرون بجهل لأن الصلاة بلا أذان مجرد الإقامتين قول قوي وهو الذي استقر عليه رأي الإمام أحمد وهو قول وجيه جداً كما ترون.
لكن مع ذلك الأقرب إن شاء الله أن الإنسان يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة.
ثم قال - رحمه الله -: ويبيت بها.
أي في المزدلفة.
المبيت في مزدلفة واجب = عند الحنابلة.
- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بها وقال: (خذوا عني مناسككم).
- ثم قال - رحمه الله -: وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم: كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله.
لما بين المؤلف - رحمه الله - حكم النزول في المزدلفة والمبيت بها وأخذنا الخلاف في حكم هذه المسألة انتقل إلى المسألة الأخرى وهي:
ـ القدر الواجب من المبيت.
وبين المسألتين فرق ظاهر.
اختلف الفقهاء في القدر الواجب من المبيت في مزدلفة:
= القول الأول: وهو مذهب الحنابلة والجمهور أن القدر الواجب إلى نصف الليل.
فإن خرج بعد نصف الليل فلا حرج عليه سواء خرج بعذر أو بغير عذر.
واستدل الحنابلة على هذا القول بثلاثة أحاديث:
- الأول: حديث أسماء حيث كانت تأمر من يرقب القمر فإذا غاب دفعت.
وقالت: رضي الله عنها: أذن للضعن - وهو جمع ضعينة وهي: المرأة -. فتخبر أن هذا الخروج كان بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم -. - الثاني: حديث ابن عمر أنه كان يرخص لبعض أهله ويقول - رضي الله عنه - أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
- الثالث: أن سودة - رضي الله عنها - استأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت امرأة ثقيلة فأذن لها ,
- والرابع: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - ... (الأذان).
- حديث ابن عباس وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص له أن يخرج بليل.
وهذه الأحاديث التي ذكرت كلها صحيحة في الصحيح، ففي هذه الأحاديث جواز الخروج من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر.
وأما التحديد بالنصف: فقالوا: أن قول ابن عباس: (بليل) وقول أسماء (بعد غروب القمر) أقرب ما يحد به نصف الليل.
وعلمنا من هذا التعليل أنه ليس مع الحنابلة دليل واضح لهذا التحديد.
= القول الثاني: أن الواجب هو الوقوف بعد طلوع الفجر ولو للحظه إلى قبيل طلوع الشمس.
وأما الليل فليس وقتاً للوقوف ولا يجب وإنما شرع النوم فيه للتقوي لهذا الموقف الذي هو بعد طلوع الفجر.
= والقول الثالث أن هذا الوقوف ليس بواجب ولا سنة ولا مشروع وإنما هو منزل نزله النبي - صلى الله عليه وسلم - بين عرفة ومنى، وهو من عجائب الأقوال.
= والقول الرابع: أن الواجب المكث في مزدلفة قدر تنزيل الرحل فإذا خرج بعد ذلك فلا حرج عليه.
= والقول الأخير: وهو الذي مال إليه ابن المنذر وغيره من المحققين أن الوقت للضعفة إلى غروب القمر فإذا غرب القمر خرجوا.
والوقت بالنسبة للأقوياء إلى طلوع الفجر .. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (12)
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال - رحمه الله -:
باب دخول مكة
.
تقدم معنا تقرير مذهب الحنابلة وأنه يجوز الخروج من مزدلفة بعد منتصف الليل، وأن من وصل إلى مزدلفة بعد منتصف الليل فلا دم عليه، وأما من خرج قبل المنتصف ولم يعد أو جاء بعد خروج الفجر فإن الدم يستقر عليه، هذا خلاصة مذهب الحنابلة.
إذاً هذا التقسيم الذي ذكرته لك الآن ذكره المؤلف - رحمه الله - بنصه في المتن، ثم ذكرت لكم في الدرس السابق الأقوال في مسألة الخروج من مزدلفة ومذاهب الأئمة وهي:
= أن الحنابلة والشافعية يرون الجواز بعد منتصف الليل.
= وأن الأحناف يرون أن الوقوف يبدأ من بعد طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس وأن المالكية يكتفون بحط الرحل ثم بعد ذلك له أن يخرج من المزدلفة.
= وأن القول الرابع: أن الضعفة ومن في حكمهم لهم أن يخرجوا بعد غروب القمر والأقوياء لا يجوز لهم أن يخرجوا إلا بعد طلوع الشمس.
وتوقفنا عند هذا الحد.
وبقينا في الراجح: الراجح في هذه المسألة وهي مسألة كبيرة والحاجة إليها ماسة وكثيرة والذي يظهر من تتبع النصوص وفتاوى الصحابة أن الأقرب مذهب ابن المنذر وهو: التفريق بين الضعفة وغيرهم.
وأخذ رجحان هذا القول من استخدام كلمة الترخيص في الأحاديث التي ذكرت والترخيص معناه نقل الحكم من العزيمة إلى الرخصة وهذا النقل نقل للضعفة بموجب الحديث وبقي الأقوياء على أصل الحكم وهو وجوب البقاء إلى طلوع الشمس.
على أني أريد أن أنبه إلى بعض المسائل:
ـ من خلال ذكر الأقوال عرفت أن الأئمة الأربعة في الجملة لا إشكال عندهم في الخروج بعد منتصف الليل.
(الأئمة الأربعة إذا أردنا أن نستقرئ الأقوال تجد أن المحصلة أن الأئمة الأربعة كلهم لا إشكال عندهم في الخروج بعد منتصف الليل.
هذا شيء.
ـ الشيء الثاني: أن القول الذي قلت أنه الراجح ذهب إليه نفر قليل من أهل العلم فهو اختيار ابن المنذر وظاهر عبارة ابن القيم وترجيحه واختاره نفر يسير من الفقهاء المتقدمين.
والإنسان - كما قلت - يجب أن يكون واعياًَ عند دراسة الخلاف، فعرفت الآن أن مذاهب الأئمة الأربعة وهي مذاهب الناس اليوم في الأقطار الإسلامية يرون جواز الخروج فلا تثريب على من أفتاهم ولا على من خرج بعد منتصف الليل لأنه أخذ بفتوى الجمهور, بل إن المالكية يرون أنه لو وصل ووقف بالسيارة لمدة عشر دقائق ونزل الرحل وأصلح له شيئاً يسيراً مما يطعم أو يشرب ثم ركب وخرج فلا حرج عليه عند الإمام مالك، فالمسألة فيها سعة.
وكون الطالب يعرف الراجح شيء وكونه يعرف الخلاف بين أهل العلم ومذاهب الناس مما يعذر به من يفتي به أو من يطبقه من العوام.
- ثم قال - رحمه الله -: فإذا صلى الصبح.
فيه دليل على مشروعية صلاة الصبح في مزدلفة والسنة أن يبادر بصلاة الصبح ويصليها بغلس - والغلس: ظلمة آخر الليل -. والدليل على هذه المبادرة:
-
قول جابر - رضي الله عنه -: فلما خرج الفجر صلى صلاة الفجر.
مما يدل على أنه بادر بالصلاة بعد طلوع الفجر.
إذاً: من يؤخر الصلاة فقد خالف السنة الظاهرة لا سيما في هذا اليوم. -
ثم قال - رحمه الله -: فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام، فيرقاه أو يقف عنده.
المشعر الحرام: هو جبل صغير يسمى قزح، وهذا الجبل كما هو معلوم أزيل الآن ومكانه المسجد الموجود في مزدلفة.
فالمسجد الموجود أقيم في مكان الجبل الصغير الذي يسمى المشعر الحرام.
واختلف العلماء بالمراد بالمشعر الحرام:
= فقال بعضهم: المراد بالمشعر الحرام هذا الجبل فقط.
والمتبقي من مزدلفة لا يسمى مشعراً حراماً بل يسمى مزدلفة.
إذاً الأقرب والله أعلم أن المشعر هو هذا المكان بالذات فإن تيسر للإنسان أن يأتي إلى هذا المكان ويقف فيه فهذا جيد واقتداء بالسنة وإن لم يتيسر فإنه يقف في المكان الذي هو نازل فيه، ومن المعلوم اليوم أنه يكاد يتعذر على الإنسان أن يذهب إلى المشعر الحرام.
والذهاب إليه يكاد يكون متعذراً بسبب المواصلات، ثم نقول: إن الذهاب إلى المشعر الحرام إذا أدى إلى ضياع الوقت وتشتت ذهن الإنسان وعدم تركيزه بالدعاء فإنه لا يستحب فقد أخذنا القاعدة التي تكررت معنا مراراً: ((أن الفضيلة التي تتعلق بذات العبادة مقدمة على الفضيلة التي تتعلق بمكان أو بزمان العبادة)).
فهنا كذلك الذهاب إلى هذا المكان اليوم يسبب زحاماً على الناس ويشتت ذهن الداعي فالأقرب أنه يبقى في مكانه لكن إن تيسر أو كان مكان نزوله في السيارة بسبب وصوله مبكراً قريب من المسجد فالذهاب إلى المسجد فيه اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
- ثم قال - رحمه الله -: ويحمد اللَّه ويكبره.
ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى استقبل القبلة ووحد الله وهلله وكبره ودعا.
والتهليل الحمد والتكبير مما يغفل عنه كثير من الناس مع أنه في حديث جابر هذا الذي معنا يكثر - رضي الله عنه - من قوله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحد الله وكبره ففي الصفا ذكر أنه كبر ووحد وهنا قال كبر ووحد وهلل.
فهذا دليل على أنه ينبغي للإنسان في الدعاء في مناسك الحج أن يكثر مع الدعاء الذي هو بمعنى الطلب من الدعاء الذي هو بمعنى تقديس الله سبحانه وتعالى وحمده وشكره وتهليله والثناء عليه بما هو أهله كما هو ظاهر حديث جابر - رضي الله عنه -.
-
ثم قال - رحمه الله -: ويقرأ: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين.
-
ليس لهذا العمل سنة صحيحة ولعلهم قاسوا هذا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فقالوا يقرأ هنا أيضاً (فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ).
والصواب أن قراءة هاتين الآيتين عند الوقوف بالمشعر الحرام لا أصل له وينبغي على الإنسان أن يتحرى أن لا يقول هذا الدعاء لأن في تركه اتباعاً للسنة وقد أخذنا مراراً أن شيخ الاسلام - رحمه الله - قرر قاعدة مفيدة وهي: ((أن السنة في المتروك في العبادة أن يترك)) وفي هذا فائدة وهي أنه إذا نوى الإنسان أن يترك ما لم يفعل من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذه النية في حد ذاتها سنة كأنه فعل سنة موجبة فالسنة التركية كالسنة الفعلية.
- ثم قال - رحمه الله -: ويدعو حتى يسفر.
لو قال المؤلف - رحمه الله -: حتى يسفر جداً لكان أقرب إلى لفظ الحديث.
لقول جابر - رضي الله عنه - فدعا حتى أسفر جداً، والسنة أن يدعو الإنسان حتى يسفر وأن يخرج من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس.
والأقرب والله أعلم أن الخروج قبل طلوع الشمس واجب: - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس.
فهذه سنة فعلية ولأنه فعل ذلك مخالفاً للمشركين الذين كانوا لا يخرجون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس ومخالفة المشركين واجبة.
فالأقرب والله أعلم وجوب الخروج إذا تمكن الإنسان وتهيأت له الأمور قبل أن تطلع الشمس.
- ثم قال - رحمه الله -: فإذا بلغ محسراً: أسرع رمية حجر.
وادي محسر هو وادي بين مزدلفة ومنى، واختلف العلماء فيه:
= فقيل ليس منهما: لا من مزدلفة ولا من منى.
= وقيل: بل ليس من مزدلفة لكنه من منى.
وأيضاً هذا الخلاف لا فائدة عملية تحته سواء قلنا هو من منى أو من منى فإن الأحكام التي تترتب على وادي محسر هي هي فإنها لا تختلف.
- قال - رحمه الله - فإذا بلغ محسراً: أسرع رمية حجر.
السنة أن الإنسان إذا بلغ هذا الوادي أسرع ومقدار هذه السرعة: رمية حجر.
- لقول جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاء وادي محسر حرك قليلاً.
والإسراع في هذا الوادي محل إجماع بين الفقهاء إنما اختلفوا في الحكمة من الإسراع، لكن أن يسرع ويقصد ذلك فهذه سنة لا إشكال فيها، ومقدار رمية الحجر قدرت بنحو (545 ذراع) فيسرع الإنسان في أثناء قطع هذا الوادي ومدة السرعة هذه المسافة.
وهذه السنة: معلوم أن ترجع إلى إمكانية الإسراع من عدمه باعتبار أن ازدحام السيارات اليوم قد لا يمكن الإنسان من أن يطبق هذه السنة فإذا تمكن فبها ونعمت وإلا فتكفي النية في حصول الأجر.
- ثم قال - رحمه الله -: وأخذ الحصى.
أخذ الحصى فيه مسائل:
- المسألة الأولى: أن الأئمة الأربعة اتفقوا على أنه يجوز أخذ الحصى من أي مكان شاء وأنه لا إشكال إذا أخذه من أي بقعة مر بها.
- المسألة الثانية: بعد الاتفاق على الجواز اختلفوا في الاستحباب.
= فذهب الجمهور إلى أنه يستحب أن يلتقط الحصى من مزدلفة.
واستدلوا على ذلك: - بأن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يلتقط الحصى من مزدلفة وكان رجلاً يحب إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- الثاني: ما روي عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - أنه قال: كانوا يستحبون أخذ الحصى من مزدلفة وتكلمنا مراراً عن قول التابعي المبرز في العلم: (كانوا) وعن أهمية هذه اللفظة وأنه يقصد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- الدليل الثالث: أن الأخذ من مزدلفة يساعد على المبادرة في الرمي والمبادرة في الرمي كما سيأتينا: سنة.
والأقرب: أن مقصودهم بقولهم: (من مزدلفة) يعني بعد صلاة الصبح لا في الليل لأن السنة في الليل أن يرتاح الإنسان ويستعد لأعمال الغد.
= القول الثاني: أن المستحب أن يأخذ الإنسان الحصى من أي مكان شاء.
هكذا قالوا: ولم يقولوا: (من منى).
وهذا يعني: أن المستحب أن لا يقصد مكاناً معيناً فيأخذ منه مع أن الاستدلال الذي استدلوا به يدل على أن الاستحباب ينصب على منى لكن هم قالوا هكذا - أصحاب القول الثاني ومنهم ابن قدامة - رحمه الله -. واستدلوا على هذا: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غداة العقبة قال لابن عباس: القط لي.
فأمره بلقط الحصى صبح اليوم العاشر مما يدل على أنهم أخذوها من غير مزدلفة من خارج مزدلفة.
والاستدلال بهذا الحديث محتمل لأن الغداة تصدق حتى على بعد صلاة الفجر وتصدق على بعد طلوع الشمس.
فتعيين أنها أخذت من منى من لفظ الحديث لا يتأتى.
لكن وجه الاستدلال أن ابن قدامة قال: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن عباس هذا اللفظ في منى) والظاهر والله أعلم أنه أخذ هذا الاستنباط لا من قوله (غداة العقبة) ولكن من ألفاظ أخرى فلهذا الحديث ألفاظ في سنن الترمذي وفي سنن النسائي وفي سنن أبي داود تفيد أن هذا الأمر كان بعد أن تجاوز النبي - صلى الله عليه وسلم - وادي محسر، فلعل ابن قدامة استدل بهذ.
= فيه قول ثالث: أشار إليه النسائي ولم أر أحداً نص عليه لكن في الحقيقة هو قول جميل جداً.
وأشار إليه من خلال التبويب فهو يرى: أن السنة أن يلتقط الإنسان الحصى بعد مجاوزة وادي محسر مباشرة.
يعني في أول منى.
لقول ابن عباس - رضي الله عنه -: (فلما جاوز محسراً قال القط لي الحصى) ففي هذا اللفظ دليل على أنه يستحب الإنسان أن يلقط الحصى أول ما يدخل منى.
وإذا تأملت وجدت أن هذا القول يجمع بين القولين فهو لم يلقط عند الجمار ليتأخر وإنما في أول منى ولم يشتغل عن الدعاء الذي في فجر مزدلفة بلقط الحصى فهذا القول في الحقيقة وجيه وقوي مع العلم أنه لا يمكن أن نعمل به اليوم لأن الإنسان لا يستطيع أن يتوقف بعد وادي محسر وينزل ويأخذ حصى مع الزحام.
لكن تقدم معنا أن تقرير القول الراجح أو السنن شيء وإمكان الإتيان بها شيء آخر.
- ثم قال - رحمه الله -: وعدده سبعون.
عدد الجمار سبعون يعني مع جمار العقبة.
وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أن السنة أن الإنسان أن يلقط في هذا الوقت الجمار المتعلقة بجمرة العقبة والجمار المتعلقة بأيام التشريق.
والأقرب والله أعلم: أن المقصود بالآثار أخذ جمار العقبة وأما جمار أيام التشريق فإنها تلتقط أيام التشريق من منى أو من غير منى مما يتيسر للإنسان، أما في هذا اليوم فالمستحب أن يعتني الإنسان فقط بجمار العقبة فقط، ففي قوله المؤلف - رحمه الله - (وعدده سبعون): فيه نظر بل السنة التقاط السبع فقط.
- ثم قال - رحمه الله -: بين الحمص والبندق.
يعني: أن المستحب أن تكون بهذا المقدار، وهي ما يقارب حجم النواة: نواة التمر وما يقارب أيضاً أنملة الأصبع طولاً وعرضاً.
والدليل على ذلك:
-
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في حديث ابن عباس وفي حديث جابر أن لقط الحصى يكون للحصى التي تستعمل في الخذف يقول - صلى الله عليه وسلم -: (كحصى الخذف) وحصى الخذف هو الذي كان العرب يخذفون به غيرهم بالأصبع ومقداره هذا المقدار.
واعلم أن هذا التحديد على سبيل الوجوب فإن أخذ أكبر من هذا المقدار بكثير أو أصغر من هذا المقدار بكثير فإنه لا يجوز أن يرمي به لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بهذا الحجم وحذر من الزيادة عليه.
وقال: (إياكم والغلو) وفي هذه الألفاظ دلالة على الوجوب.
واعلم أيضاً أن أخذ الحجر الأكبر أشد من أخذ الحجر الأصغر لأن الحديث أشار إلى الغلو والغلو إشارة إلى الزيادة لا إلى النقص ولأن أكثر مخالفات الناس هي أخذ الحجر الكبير لا بأخذ الحجر الصغير.
لكن على كل حال قد يوجد من الناس من هو متساهل فيأخذ الصغير فالواجب أن يتوسط الإنسان وأن لا يتقعر ويتشدد على نفسه وإنما يأخذ هذا الحجم أو ما هو أصغر منه قليلاً أو أكبر منه قليلاً.
أما أخذ الحجر الكبير فهذا لا يجوز ولا يجزئ وعلى من رمى به أن يرمي مرة أخرى لأنه رمى بحجر لم تتوفر فيه الشروط الشرعية.
ثم قال - رحمه الله -: فإذا وصل إلى منى - وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة - رماها.
في هذه العبارة عدة مسائل:
ـ المسألة الأولى: أن السنة أن الحاج إذا وصل إلى منى أن يبادر بالرمي وأن لا يشتغل بغير الرمي.
لأن الرمي هو تحية منى.
- ويدل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من منى سلك الطريق التي توصل إلى الكبرى مما يدل على أنه بادر إلى الرمي ولم يشتغل بشيء غير الرمي.
ـ المسألة الثانية: يفهم من قوله: (رماها).
أنه إن وضعها وضعاً فإنها لا تجزئ.
وهذا صحيح. - لقول جابر - رضي الله عنه -: (ثم رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة).
فقوله: (ثم رماها) يدل على أن الوضع لا يجزئ لأن الرمي في لغة العرب لا يصدق على الوضع، فإذاً يشترط أن يرميها.
ـ المسألة الثالثة: أن يكون الرمي متتابعاً.
فإن رماها جملة واحدة فلا يصح الرمي.
وتحتسب واحدة.
-
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها هكذا.
والعبادات توقيفية والرمي جملة واحدة مخالفة للصفة النبوية.
ـ المسألة الرابعة: أنه يجب أن يوالي بين الرمي.
فإذا رمى الحجر الأول ثم بعد نصف ساعة رمى الثاني فالرمي باطل.
وفي هذه المسألة خلاف وهي: حكم الموالاة في الرمي بين حصى الجمار التي ترمى بها جمرة العقبة أو أيام التشريق: = فالجمهور على أن الموالاة: سنة. -
لأنه لا يوجد دليل على اشتراط الموالاة.
فإن من رمى واحدة ورمى الست بعد نصف ساعة يصدق عليه أنه رمى سبعاً.
= والقول الثاني: أن الموالاة شرط للصحة وإليه ذهب نفر قليل بعض الفقهاء من الشافعية.
واستدلوا على هذا: -
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها متوالية وهذه العبادة توقيفية والتفريق بين الحصى يخالف صفة رمي النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا شك إن شاء الله أن القول الراجح مع القول الثاني وأن من رمى حجراً ثم رمى بعد ساعة باقي الأحجار أن عليه أن يعيد الرمي من جديد لأن هذه عبادة واحدة تؤدى في وقت واحد.
لكن تقدم معنا: أن شيخ الإسلام له قاعدة مفيدة وهي: (أن العبادات التي يشترط فيها الموالاة تسقط عند العذر فإذا كان هناك عذر لا بأس بالإخلال بشرط الموالاة في الحج والوضوء وفي كل شيء).
وهذه قاعدة مفيدة دلت عليها نصوص كثيرة. -
ثم قال - رحمه الله -: بسبع حصيات متعاقبات.
سبع:
-
لما في حديث جابر - رضي الله عنه - أنه رماها بسبع.
ومتعاقبات: يعني لابد أن يرمي واحدة بعد أخرى ولا يرميها جملة واحدة.
وأيضاً تأتي معنا مسألة الموالاة وتقدم معنا ذكر الخلاف في الموالاة، فلابد أن يكون الرمي متتابعاً كما قال المؤلف - رحمه الله -، إذاً تقدم معنا شرح قوله: (متعاقبات). -
ثم قال - رحمه الله -: يرفع يده اليمنى حتى يرى بياض إبطه.
يعني: يسن للإنسان: = عند الحنابلة: أن يتقصد صنع هذه الصفة وهي أن يرفع يده إذا أن يرمي إلى أن يرى بياض إبطه.
واستدلوا على استحباب هذه الصفة:
- بأن في هذا إعانة على إيصال الحجر إلى مكانه.
وتلمست قولاً آخر للحنابلة فلم أجد شيئاً يسند هذا القول .... فبعض التابعين لما سئل عن الرمي قال: هكذا تصنع.
ثم أمر أن يرفع يده إلى أن رأى بياض إبطه لكنها فتوى تابعي لم تصل ولا إلى أن تكون قول صحابي.
فالأقرب والله أعلم أن هذه الصفة إن احتاج إليها صنعها وإن لم يحتج إليها فلا حاجة لفعلها.
فإذا كان يستطيع أن يوصل الحجر بدون رفع اليد إلى هذه الدرجة فلا بأس أن لا يرفع، لأن هذه الكيفيات في العبادات تحتاج إلى نصوص وليس في هذا الباب أي نص، كما أن هذا الرفع اليوم غالباً ما يؤدي إلى فقع عين من خلفه.
لأن كثيراً من الحجاج يرفع يده فيعمي من خلفه وهذا كثير، فاليوم مع كثرة الجهل بعض السنن ربما نقول بتهوينها عند بعض الناس - إذا فرضنا أن رفع اليد سنة - حتى لا يقع الضرر، وهذا الضرر ليس ضرراً متوقعاً أو نادراً بل كثير وأثناء الرمى نرى كثرة المخالفات المتعلقة بكيفية الرمي وهي كثيرة جداً.
ثم قال - رحمه الله -: ويكبر مع كل حصاة.
-
لما في حديث جابر - رضي الله عنه - أنه قال: يكبر مع كل حصاة.
-
ثم قال - رحمه الله -: ولا يجزئ الرمي: بغيرها.
والراجح مع الجمهور لأن هذه عبادات توقيفية فيجب أن نصير فيها إلى ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلم من سياق الخلاف أن الرمي بما ليس من جنس الأرض لا يجوز بالإجماع.
كاللرمي بالخرسانة أو الاسمنت المتحجر ولو كان متحجراً كتحجر الحجر أو أشد فإنه لا يجوز أن يرمى به لأنه ليس من جنس الأرض وإنما هو مصنع فضلاً عن الرمي بالأشياء الأخرى كالرمي بالنعال أو بالأشياء المعدنية المصنعة فهذه بالإجماع لا يجزئ الرمي بها وإذا اعتقد أنه يفعل ذلك تقرباً وتعبداً إلى الله فهو آثم.
إذاً عرفنا: أن الخلاف ينحصر في: ما هو من جنس الأرض.
أما ما ليس من جنس الأرض فلا يجزئ الرمي به.
فإن قيل: أنه ثبت أن سكينة بنت الحسين - رضي الله عنها - كانت تتناول الحجر من مولاها وترمي فانتهى الحجر من يده في الخامس أو السادس فأخذت الخاتم ورمت به في المرمى تعبداً لله؟
فالجواب: أن رميها - رضي الله عنها - غير صحيح وأن سكينة عملها لا يحتج به إذ ليست مع فضلها وعظيم قدرها - رضي الله عنها - لا من الفقهاء وهذا العمل لا يستدل به.
ولذلك أعرض الأئمة عن الاستدلال بهذا لأنها ممن يستدل بعملها وإنما هي أرادت - رضي الله عنها - تعظيم شعائر الله وهي مثابة في هذه النية لكن عملها ليس بصحيح وكان عليها أن ترمي بحجر.
إذاً: يبقى أن الراجح أنه لابد من الرمي بحجر.
- ثم قال - رحمه الله -: ولا بها ثانياً.
يعني لا يجوز للإنسان أن يرمي بالحجر مرة أخرى، وإلى هذا ذهب عدد كبير من الفقهاء أنه لا يجوز أن نرمي بما رمي به من الأحجار.
واستدلوا على هذا:
- بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بلقط الحصى لا أخذه من المرمى.
- الثاني: أن هذا الحجر استعمل في عبادة فلا يستعمل مرة أخرى.
وهذا القول كما قلت لكم مذهب الجمهور واختاره شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله -. = القول الثاني: جواز الرمي بما رمي به. - لأنه لا دليل على المنع من الرمي بما رمي به.
- ولأن من رمى بما رمي به يصدق عليه أنه رمى الجمرة بسبع حصيات.
والأحوط والله أعلم أن لا يرمي الإنسان بما رمي به.
ويتأكد جداً أن لا يرمي الإنسان بما رمي به.
أن لا يأخذ من المرمى.
أما إذا أخذ من أرض المرمى مما لم يرم به فلا حرج فيه لكن أن يأخذ مما رمي به ففي الحقيقة ينبغي أن لا يصنع فإن صنع فالأحوط أن يعيد.
- ثم قال - رحمه الله -: ولا يقف.
يعني: أنه لا يسن للإنسان أن يقف بعد أن يرمي جمرة العقبة.
-
لأنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يقف وإنما رمى ثم انصرف إلى المنحر.
-
ثم قال - رحمه الله -: ويقطع التلبية قبلها.
يعني: أن السنة أن الإنسان يقطع التلبية إذا أراد أن يرمي جمرة العقبة.
- لما صح عن ابن عباس أنه قال: لم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
وهذا لا إشكال فيه.
لكن اختلفوا في: هل يقطع التلبية مع أول حجر أو يستمر إلى أن ينهي الرمي؟
فيه خلاف:
على قولين في مذهب أحمد وغيره:
= فالقول الأول: أنه يقطع التلبية مع أول حجر.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: أنه بعد بدء الحاج برمي الحجر سينشغل بالتكبير عن التلبية.
لأنه ثبت في مسلم أنه كان يكبر مع كل حصاة. - الدليل الثاني: أنه حنبل - عم الإمام أحمد - أخرج في كتابه رواية لحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى أول حجر.
= والقول الثاني: أنه لا يقطع التلبية إلا بعد أن ينهي الرمي تماماً.
والأقرب والله أعلم القول الأول لظاهر النص الذي استدلوا به وللتعليل القوي وهو انشغال الحاج بالتكبير.
أما رواية حنبل فالغالب عليها الضعف.
لأن عند ابن رجب قاعدة مفيدة لطالب العلم - وهي عنده وعند غيره لكنه - رحمه الله -: (قررها في شرح العلل: (أن الأحاديث التي أعرض عنها أصحاب الكتب المشهورة كالكتب الستة أو التسعة أنه يغلب عليها الغرائب والموضوعات والضعاف والمعضلات) فينبغي أن لا يفرح الإنسان إذا وجد حديثاً ليس في الكتب التسعة لأنه يغلب عليه أنه حديث ضعيف أعرض عنه الأئمة لضعفه ولذلك تجد بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الاسلام وابن القيم أحياناً يستدلون على الإعراض عن الحديث بقولهم: وهذا الحديث لم يخرجه أحمد في مسنده مع أنه أخرج عدداً كبيراً من الأحاديث.
فهذه القاعدة مفيدة جداً ولو رجع الإنسان إلى شرح علل ابن رجب ليقرأ تقرير هذه القاعدة فسيجد فيه فوائد كبيرة.
- ثم قال - رحمه الله -: ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل.
المؤلف - رحمه الله - يريد أن يبين بهذه العبارة متى يبدأ وقت الجواز في الرمي ومتى يبدأ وقت الفضيلة.
فنقول: الرمي بعد طلوع الشمس: صحيح بإجماع أهل العلم فمن رمى بعد طلوع الشمس فقد وافق سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورميه صحيح بالإجماع.
ـ المسألة الثانية: متى يبدأ وقت جواز الرمي.
في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم.
وقد اختلفوا فيها على قولين:
= القول الأول: أن وقت جواز الرمي يبدأ بعد منتصف الليل.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة:
-
منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأم سلمة وأمرها أن تخرج فخرجت ورمت قبل طلوع الفجر.
وَنُصَّ في الحديث على هذا أنها رمت قبل طلوع الفجر.
والجواب على هذا الحديث أنه حديث ضعيف لا يثبت. -
الثاني: استدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في حديث ابن عباس في البخاري ومسلم للضعفة في الخروج بليل.
وإنما فائدة الخروج الرمي.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز للأقوياء أن يرموا إلا بعد طلوع الشمس ويجوز للضعفاء أن يرموا بعد منتصف الليل أو بعد غروب القمر.
(إما بعد منتصف الليل أو بعد غروب القمر).
واستدل أصحاب هذا القول: -
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف في المشعر الحرام ولم يخرج إلا قبيل الإشراق ولم يرم إلا بعد طلوع الشمس.
-
وأنه إنما أذن للضعفة فقط دون الأقوياء في الخروج والرمي.
-
واستدلوا أيضاً: بأن ابن عمر - رضي الله عنه - صح عنه أنه نهى عن الرمي قبل طلوع الشمس.
والأقرب والله أعلم هو هذا القول: أنه لا يجوز الرمي للأقوياء إلا بعد طلوع الشمس.
ويجوز للضعفاء بعد منتصف الليل أو بعد غروب القمر.
ومنتصف الليل هو منتصف الليل وغروب القمر يكون في أول الثلث الأخير.
إذاً الفرق بين منتصف الليل وغروب القمر وقته يسير فإن بينهما فرقاً ولكنه فرق يسير.
فهذا نصف الليل وهذا أول الثلث الأخير من الليل. -
ثم قال - رحمه الله -: ثم ينحر هدياً: إن كان معه.
يعني: أن السنة بعد الرمي أن يبادر بالنحر.
-
لقول جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رمى جمرة العقبة ركب إلى المنحر ونحر هديه - صلى الله عليه وسلم -. فنحر ثلاثاً وستين وأعطى علياً لينحر ما غبر.
يعني: ما بقي.
ويسن أن الإنسان إذا نحر أن يأكل من هديه.
وقال بعض أهل العلم: بل يجب أن يأكل من هديه.
والقول بالوجوب وجيه جداً: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقصد أن يأخذ من كل ذبيحة قطعة ولا شك أنه تقصد هذا تقصداً ورأى أنه نسكاً فينبغي أن نتبع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن نأكل من الذبيحة، صحيحٌ أن الجمهور والجم الغفير يرون أن هذا سنة لكن القول بالوجوب متوجه.
ويستوي في هذا - يعني الأكل - أن يأكل من الهدي الواجب ومن الهدي المسنون.
فالهدي الواجب: ذبيحة واحدة فلو تقرب إلى الله بعشر ذبائح فيأكل من الهدي الواجب ومن الهدي المسنون.
ويسن للإنسان أن لا يكتفي بالذبح بل عليه أن يوزع اللحم على الفقراء. -
ثم قال - رحمه الله -: ويحلق أو يقصر.
-
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نحر حلق.
فالواجب أن يحلق أو يقصر، والمستحب أن يحلق، وإذا أراد الإنسان أن يحلق فالمستحب له أن يبدأ بشقه الأيمن: -
ما ثبت في الصحيح عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يحلق بدأ بشقه الأيمن.
والمستحب - كما قلت - الحلق دون التقصير.
لأنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دعا للمحلقين ثلاثاً ..... ((الأذان))) -
ثم قال - رحمه الله -: من جميع شعره.
والراجح أنه لابد من تعميم الرأس، ولا يشترط أن يطال القص إذا كان سيقصر كل شعره لكن الشرط أن يعمم الرأس.
- ثم قال - رحمه الله -: وتقصر منه المرأة قدر أنملة.
المشروع للمرأة التقصير ولا يشرع لها الحلق.
وإنما تقصر قدر أنملة.
والدليل على ذلك:
- قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس على النساء حلق إنما عليهن تقصير).
- ثم هذه المسألة محل إجماع.
أنه لا يشرع في حقها إلا التقصير دون الحلق.
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (13)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المبحث الأخير ((في الدرس الماضي)) كان الكلام على السنة بالنسبة للمرأة وذكرنا أن السنة بالإجماع بالنسبة للمرأة التقصير دون الحلق وأن قدر التقصير قدر أنملة.
وذكرنا الدليل على هذا وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير) هذا الحديث صحيح وممن صححه ممن يعتمد قوله في التصحيح ويركن إليه: أبو حاتم - رحمه الله -.
بقينا في الدليل على هذا التحديد: وهو قدر الأنملة: لم أجد نصاً مرفوعاً بعد البحث يفيد هذا التحديد ولم أجد فتوى عن أمهات المؤمنين وهن المعنيات بهذه المسألة بعد البحث - وربما يوجد ولكنني لم أجد بعد البحث إنما العمدة فتوى لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأنه هذا هو مقدار التقصير ويعتمد عليها في إثبات هذا الحكم إن شاء الله.
- ثم قال - رحمه الله -: ثم قد حل له كل شيء إلاّ النساء.
يريد المؤلف - رحمه الله - بيان التحلل الأول.
وأنه يحصل بعد الرمي والتحليق.
وأن التحلل الأول يفيد حل كل ما كان ممنوعاً على المحرم إلا النساء وسيأتينا المقصود بكلمة: (إلا النساء).
وما يحصل به التحلل الأول محل خلاف بين الفقهاء على أقوال كثيرة نأخذ منها المهم وهو:
= القول الأول: مذهب الحنابلة والجمهور أن التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
واستدل الجمهور على هذا الحكم بدليلين:
- الدليل الأول: حديث عائشة في الصحيح أنها - رضي الله عنها - قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف.
وجه الاستدلال بالحديث: استنبطه الحافظ بن حجر استنباطاً رائعاً - من وجهة نظري - وهو أنه قال: لولا أن التحلل حصل بعد الرمي والحلق لم تكتفي بذكر الطواف.
وهذا صحيح فإنك إذا تأملت النص فإنك لا تجد تعليلاً مقنعاً لقولها: (ولحله قبل أن يطوف) إلا أن الرمي والحلق سبق هذا أطيب والطواف فما ذكره الحافظ في الحقيقة وجيه جداً في استنباط هذا الحكم من هذا اللفظ. - الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء).
وهو مروي من حديث عائشة - رضي الله عنها -. لكن هذا الحديث ضعيف.
= القول الثاني: أن التحلل الأول يحصل بالحلق فقط يعني ولو لم يرم.
وهذا مذهب الأحناف.
= القول الثالث: أن التحلل يحصل بالرمي فقط.
وهذا مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد - رحمه الله -. واستدل هؤلاء بثلاثة أدلة: - الدليل الأول: ما جاء في حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إذا رميتم جمرة العقبة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء.
- والدليل الثاني: حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا اليوم أذن لكم إذا أنتم رميتم العقبة أن تحلو.
- والدليل الثالث: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: (إذا رميتم العقبة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء).
وهذه الأحاديث الثلاثة هي عمدة القوم في الاكتفاء بالرمي وهذه الأحاديث ضعيفة لا يثبت منها شيء وإن حسنها بعض أهل العلم لكن الصواب أنه لا يصح في إثبات أن الرمي لجمرة العقبة يكفي وحده في التحلل حديث ثابت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأضعف هذه الأقوال: القول الثاني فهو قول بعيد عن الصواب جداً ومخالف للآثار المروية.
لأن بعض هذه الأحاديث الضعيفة روي موقوفاً فهو من فتاوى الصحابة.
وأصح هذه الأقوال - إن شاء الله - بشكل واضح أن التحلل لا يحصل إلا بفعل اثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
سبب الترجيح: إذا تأملت سياق حديث جابر - رضي الله عنه - وحديث أسامة والأحاديث التي وصفت نسك النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديث أنس في مسلم تكاد تجزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى ثم ذهب إلى المنحر فنحر ثم ذهب إلى مكانه وأمر الحلاق أن يحلق الشق الأيمن ثم الأيسر ثم اغتسل وتطيب وذهب إلى الحرم.
يكاد الإنسان يجزم بهذا الترتيب.
لماذا؟ لأنا لو فرضنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحلل بعد الرمي والذبح فسيكون تحلل وتطيب ثم حلق فلا يوجد ترتيب آخر، لو فرضنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحلل بمجرد الرمي بعد أن رمى ونحر سيكون تبعاً لذلك - صلى الله عليه وسلم - حلق بعد أن تطيب وهذا بعيد جداً لأن المقصود من التطيب النظافة ويبعد أن يؤجل النبي - صلى الله عليه وسلم - التنظف والتطيب والتهيؤ للطواف ويبعد أن يقدمه قبل الحلق لأن الحلق يقتضي الشعث وعدم النظافة بلا إشكال، فيبعد جداً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم التحلل على الحلق، وإذا تأمل الإنسان الأحاديث ظهر هذا له جلياً، فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تحلل بعد الحلق فهذا هو المقصود، إذاً دلت السنة بالتأمل أنه - صلى الله عليه وسلم - رمى ثم نحر ثم حلق ثم تحلل وطيبته عائشة - رضي الله عنها - وذهب إلى الطواف، فمن الخطأ البين أن يكتفي الإنسان بالرمي ويعجز عن الحلق ويتحلل ويذهب ويلبس المخيط بعد ذلك.
وهي مسألة خلافية لكن الراجح هو مذهب الجمهور وأنا أرى أن من فعل ذلك فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام وهو لبس المخيط قبل أن يتحلل هذا إذا قلنا أنه يشترط للتحلل أن يفعل اثنين من ثلاثة.
-
- مسألة / يقولون: يفعل اثنين من ثلاثة والأحاديث والنصوص ليس فيها إلا الرمي والحلق لكن أدخلوا الطواف مع هذه الثلاثة.
وعللوا ذلك بأنه إذا كان للطواف تأثير في التحلل الكبير الثاني فلأن يؤثر في التحلل الأول من باب أولى.
- مسألة / يقولون: يفعل اثنين من ثلاثة والأحاديث والنصوص ليس فيها إلا الرمي والحلق لكن أدخلوا الطواف مع هذه الثلاثة.
- فإذا رمى وطاف حل التحلل الأول.
- وإذا حلق وطاف حل التحلل الأول.
بفعل اثنين من ثلاثة.
والتحلل الأخير يحصل بفعل الثالث منهما كما سيأتي منصوصاً عليه في كلام المؤلف - رحمه الله -.
إذاً خلاصة هذه المسألة أن الراجح إن شاء الله أنه لا يتحلل الإنسان إلا بالرمي والحلق وأنه لا يكتفى برمي جمرة العقبة.
- ثم قال - رحمه الله -: إلا النساء.
المقصود بالنساء هنا عند الحنابلة ما يشمل عدة أمور:
-
الأول: الوطء.
-
والثاني: المباشرة.
-
والثالث: اللمس بشهوة.
-
والرابع: التقبيل.
-
والخامس: عقد النكاح.
والمقصود بلا شك التمثيل فكأن الحنابلة يقولون: كل ما يتعلق بالمرأة مما هو من جنس الرفث فهو ممنوع عنه قبل أن يتحلل التحلل الأول.
= والقول الثاني: أن المراد بالنساء هنا وهو رواية عن الإمام أحمد: الوطء خاصة.
وما عدا الوطء فهو جائز. -
لأن الوطء هو المحذور الأكبر في الحج فيتعلق المنع به فقط.
والأقرب والله أعلم القول الأول لأن التقبيل واللمس بشهوة والمباشرة تؤدي غالباً إلى الوطء لا سيما بعد طول انقطاع وهي الأيام التي بقي فيها الحاج محرماً، ثم إنه في الأحاديث قال: فقد حل له كل شيء إلا النساء.
وكلمة إلا النساء عامة تشمل جميع هذه الممارسات، كما أن المباشرة والتقبيل من محظورات الإحرام وهي داخلة في معنى الرفث فيبقى الإنسان ممنوعاً منها إلى أن يحل من جنس هذا الأمر وهو ما يتعلق بالنساء.
بناء عليه: الأقرب والله أعلم أن الإنسان إذا تحلل التحلل الأول ولبس الثياب وتطيب فإنه ينبغي عليه ويتأكد أن يجتنب الكلام فيما يتعلق بالنساء سواء كان على سبيل المزاح أو على سبيل الجد.
ولم أر أحداً من الفقهاء نص على مسألة التحدث في أمور النساء وما يتعلق بهن سواء كان بالنكاح أو بالجماع أو .. لم ينص الفقهاء على المنع منه لكنهم مثلوا بأشياء أخرى تقع كثيراً وهي هذه الخمسة التي ذكرت لك.
فهذا الأمر الذي يقع من بعض إخواننا أحياناً يظهر والله أعلم أنه داخل في المنع وإن كان بلا شك أنه أهون من التقبيل والوطء والمس بشهوة والمباشرة التي ذكرها الفقهاء لكنه داخل في المعنى العام مع أني أقول هو أهون منها لكن ينبغي على الإنسان أن يجتنب مثل هذه الأشياء: أي: يجتنب كل ما يتعلق بالنساء إلى أن يتحلل التحلل الثاني. -
ثم قال - رحمه الله -: والحلاق والتقصير: نسك.
نسك: يعني عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه وليس إطلاقاً من محظور كما يقول بعض أهل العلم ولعل المؤلف - رحمه الله - أن يرد على الذين قالوا أن الحلق والتقصير مجرد إطلاق من محظور كأنه كان ممنوعاً منه ثم أذن له فيه كما أنه كان ممنوعاً من الصيد ثم أذن له بالصيد وهكذا.
فالمؤلف - رحمه الله - يريد أن يبين أن الحلق أو التقصير نسك يتعبد الإنسان به إلى ربه.
وهذا القول هو الصواب الذي تدل عليه النصوص لا سيما والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة وهذا إنما يكون في العبادات لا في المباحات.
ثم قال - رحمه الله -: لا يلزم بتأخيره دم.
لا يلزم من تأخير الحلق أو التقصير دم، وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أنه ليس لهذا التأخير حد بل له أن يؤخر إلى ما شاء ولو انتهت أشهر الحج، وهذا هو
= مذهب الحنابلة: أن له التأخير ما شاء ولو انتهت أشهر الحج إذ لا دليل يدل على التوقيت.
= والقول الثاني: أن له التأخير إلى نهاية أشهر الحج.
واستدل هؤلاء:
-
بأنه إذا تقرر أن الحلق أو التقصير عبادة وهي عبادة خاصة بالحج فإن مناسك الحج يجب أن تؤدى في وقته وفي زمنه وزمن الحج ينتهي بأشهره.
وهذا القول هو الصواب بلا شك إن شاء الله: أنه لا يجوز له التأخير عمداً إلى أن تنتهي أشهر الحج. -
ثم قال - رحمه الله -: ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
يعني: أنه يجوز للإنسان أن يقدم ويؤخر في أعمال اليوم العاشر: وهي: الرمي والنحر والحلق والطواف.
فله أن يقدم بعضها على بعض.
والدليل على ذلك:
-
ما ثبت في الأحاديث المشتهرة أو النقول المتواترة التي جاءت عن أكثر من صحابي في الصحيح وخارج الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أعمال اليوم العاشر عن التقديم فيها والتأخير وهذا بعض ألفاظ الأحاديث (عن التقديم فيها والتأخير) فقال: (افعل ولا حرج).
فهذا نص في جواز تقديم بعض الأعمال على بعض وأنه لا محظور في ذلك ولا يترتب على من فعله دم. -
ثم قال - رحمه الله -: فصل.
هذا الفصل مخصص للكلام عن باقي أركان الحج وباقي أعمال الحج.
فالأركان: الطواف والسعي.
والأعمال: المبيت والرمي.
يقول - رحمه الله -:
ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة: طواف الزيارة.
هذا الطواف الذي يسمى طواف الإفاضة أو طواف الزيارة ركن من أركان الحج التي أجمع أهل العلم على أنه ركن فيها ولا يصح حج الإنسان إذا لم يأتي به.
وقوله - رحمه الله -: (ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة: طواف الزيارة.)
ظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أنه يطوف طواف الإفاضة ولا يشترط أن يطوف طواف القدوم قبل أن يطوف طواف الإفاضة.
= والمذهب على خلاف ما ذكره المؤلف - رحمه الله - وهو أن من جاء من عرفة ومزدلفة وأراد أن يطوف عليه أن يطوف طواف القدوم إن كان متمتعاً أو قارناً.
لكن إن كان متمتعاً فإنه يطوف طواف القدوم بلا رمل وإن كان قارناً أو مفرداً فإنه يطوف طواف القدوم مع الرمل هذا إذا لم يكن طاف طواف القدوم بالنسبة للقارن والمفرد، فغاية ما يستفاد من كلام المؤلف - رحمه الله - أنه يريد أن يبين أنه يطوف ولا يجب عليه أن يأتي بطواف القدوم قبل ذلك.
وقول المؤلف - رحمه الله - هنا (ويطوف القارن والمفرد) لا معنى له بل يجب أن يقول: ويطوف القارن والمفرد والمتمتع، إنما خص المؤلف - رحمه الله - القارن والمفرد لأنهما عليهما الرمل في طواف القدوم دون المتمتع.
يعني في هذه الصورة، ولذلك تجد أن غير المؤلف - رحمه الله - من أهل العلم والفقهاء الحنابلة ينصون على القارن والمفرد والمتمتع فاقتصار المؤلف - رحمه الله - على القارن والمفرد هنا ليس له معنى في الحقيقة وكان الواجب أن يذكر الجميع لأن الحكم يتناول الجميع.
تلخيص ما سبق: = الحنابلة يرون أن القارن والمفرد والمتمتع إذا أراد أن يطوف طواف الإفاضة فعليه أن يطوف طواف القدوم أولاً ثم يطوف طواف الإفاضة.
إنما الفرق بين المتمتع والقارن والفرد هو: أن هؤلاء يرملون وهو لا يرمل.
= والقول الثاني: أنه ليس عليهم جميعاً لا المفرد ولا القارن ولا المتمتع أن يطوفوا طواف القدوم بل يطوفوا طواف الإفاضة مباشرة.
وهذا القول: الثاني هو الصواب.
والقول الأول وهو: أنهم يطوفون طواف القدوم أولاً قول في الحقيقة تفرد به الإمام أحمد - رحمه الله -، ومن أضعف ما مر عليَّ من أقوال الإمام أحمد - رحمه الله - هذا القول ولذلك لم يوافق الإمام - رحمه الله - أحد على مشروعية هذا الطواف، فالقول بأنه يطوف طواف قدوم قول ضعيف حتى أصحاب الإمام أحمد - رحمه الله - أو كثير من أصحاب الإمام أحمد لم يوافقوه على هذا القول.
- ثم قال - رحمه الله -: وأول وقته بعد نصف ليلة النحر.
أول الوقت الذي يجوز فيه أن يطوف الإنسان فيه بعد منتصف ليلة النحر، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف تماماً في مسألتين تقدمتا: وهما: - متى يجوز للإنسان أن يخرج من مزدلفة؟ - ومتى يجوز للإنسان أن يبدأ برمي جمرة العقبة؟ فالخلاف المذكور في هاتين المسألتين هو نفسه الخلاف الذي وجد في مسألة متى يبدأ وقت جواز طواف الإفاضة؟ تقدم معنا أن:
-
الجماهير يرون أنه من بعد منتصف الليل فإذا انتصفت ليلة مزدلفة فللإنسان أن يخرج من مزدلفة مباشرة إلى الحرم ويطوف طواف الإفاضة.
وأن القول الراجح جواز تقدم الخروج من مزدلفة والرمي والطواف خاص بالضعفة. -
ثم قال - رحمه الله -: ويسن في يومه.
يسن أن يقع طواف الإفاضة في يوم العيد، ويسن أن يكون بعد الرمي والحلق والنحر، ولو أن المؤلف - رحمه الله - أشار إلى هذا لكان حسناً.
لأن السنة الكاملة هي أن يقع في يوم العيد وأن يقع بعد هذه الأعمال، فإذاً السنة أن يؤخر الإنسان الطواف إلى أن ينتهي من أعمال يوم العيد الأخرى وهي الرمي والنحر والحلق ثم يطوف ويجعل هذا الطواف في يوم العيد، إذاً هذا معنى قول المؤلف - رحمه الله - ويسن في يومه.
- ثم قال - رحمه الله -: وله تأخيره.
يعني: وله تأخير طواف الإفاضة.
واختلف أهل العلم في الحد الذي يجوز أن يؤخر الإنسان إليه طواف الإفاضة:
= فالحنابلة يرون أن له أن يؤخر تأخيراً غير محدود بزمن ولو أخرجه عن أشهر الحج.
= والقول الثاني: أنه له أن يؤخر إلى نهاية أيام التشريق فقط.
= والقول الثالث: أن له أن يؤخر إلى نهاية أشهر الحج فقط.
وهذا القول الأخير هو القول الصواب إن شاء الله وهو أنه يشترط أن لا يؤخر إلى أكثر من نهاية أشهر الحج لأنه عبادة بل هو ركن الحج بل هو من أعظم العبادات في الحج بعد الوقوف في عرفة فكيف نخرج هذا العمل وهذا النسك العظيم عن أشهر الحج التي هي زمان أداء أعمال الحج؟
- ثم قال - رحمه الله -: ثم يسعى بين الصفا والمروة: إن كان متمتعاً أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم 0 ثم قد حلّ له كل شيء.
بعد الطواف يقوم الحاج بالسعي، والسعي ركن من أركان الحج، وسيأتينا الخلاف في مسألة حكم السعي.
لكن الذي يعنينا الآن مسائل أخرى:
- المسألة الأولى: أنه إذا سعى فقد تحلل التحلل الثاني.
بإجماع أهل العلم. - المسألة الثانية: أن المتمتع يلزمه سعيان:
o السعي الأول: في العمرة.
o والسعي الثاني: في الحج.
وإلى هذا: = ذهب الجماهير.
أنه يلزم المتمتع أن يسعى مرتين: السعي الأول: للعمرة.
والسعي الثاني: للحج.
واستدل الجمهور بأدلة: - منها: الدليل الأول: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه ذكر شأن المتمتعين ووصف حجهم ثم قال: ثم سعوا بين الصفا والمروة مرة أخرى وهذا نص في المقصود.
وأجيب عن الحديث: بأنه حديث ضعيف وأنه معلول وأن البخاري - رحمه الله - لم يخرجه مسنداً وإنما أخرجه معلقاً.
والصواب أن الحديث صحيح وقد تأملت العلل التي ذكروها للحديث فلم أجد فيها على تثبت وهم ذكروا أشياء لكنها لا تثبت ومنهم شيخ الإسلام حاول أن يضعف هذا الحديث لكن لم يأت بشيء مقنع في تضعيف هذا الحديث. - الدليل الثاني: أن عائشة - رضي الله عنها - ثبت عنها في الصحيح أنها وصفت حج المتمتع والمفرد والقارن ونصت على أن المتمتعين طافوا بين الصفا والمروة مرة أخرى.
وهذا نص في المسألة.
وأعل بأن هذا التفصيل المذكور في آخر حديث عائشة مدرج من كلام الزهري.
وأنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. والأقرب والله أعلم: أن الحديث صحيح مرفوعاً وبهذا يشعر صنيع البخاري - رحمه الله - فإنه أخرجه مرفوعاً كاملاً.
ولم يذكر شيخ الاسلام - رحمه الله - سبباً في الحكم على الحديث بالإدراج.
هذا أولاً.
ثانياً: تقدم معنا مراراً وتكراراً أن الحافظ الفقيه الإمام الزهري إذا وصف شيئاً أنه من السنة فقوله له ثقل ويصلح أن يستدل به الإنسان لأنهم شهدوا له جميعاً بمعرفة السنة استقراءً، فلو فرضنا أن هذا الكلام من كلام الزهري وأنه يثبت أن الصحابة الذين تمتعوا سعوا مرتين فهذا بحد ذاته دليل قوي، هذا إذا سلمنا بأن الحديث مدرج من كلام الزهري - رحمه الله -. = والقول الثاني: أن المتمتع يجزئه سعي واحد ولا يلزم أن يسعى مرتين وهو رواية عن الإمام أحمد انتصر لها شيخ الاسلام - رحمه الله -. واستدل بحديث صحيح صريح وهو:
- أن جابر - رضي الله عنه - قال: أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة.
ومن المعلوم أن أكثر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - - جملة الصحابة - حجوا متمتعين وأن الذين حجوا بنسك قران نفر معدود وحسبوا فمنهم من قال خمسة أو كثر أو أقل وبكل حال هم نفر معدود فهم جماعة قليلة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان جابر - رضي الله عنه - يقول: إن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسعوا إلا سعياً واحداً بين الصفا والمروة فمن أول ما يدخل في كلام الصحابي الجليل جابر المتمتعون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن المقصود فقط القارنين للتوفيق بين النصوص وللجمع بينها فإن عائشة وابن عباس يثبتون سعياً آخر وجابر ينفيه نفياً عاماً، والمثبت مقدم على النافي ولكي نحفظ على جابر ما ذكر نجمع بينه وبين ما قالت عائشة وابن عباس بأن يحمل كلامه على القارنين فقط.
والراجح والله اعلم القول الأول.
ولو سلم لشيخ الإسلام تضعيف حديث ابن عباس وتضعيف حديث عائشة لكان قوله قوي جداً ومتوجه لكن الإشكال أن هذه الأحاديث التي أعلها شيخ الإسلام - رحمه الله - في الواقع ليست معلولة بل ثابتة وصحيحة، وهذا يقدح في استدلاله - رحمه الله - وقوة قوله.
فنقول الراجح مع الجماهير من الأئمة الأربعة وغيرهم من فقهاء المسلمين الذين رأوا أن المتمتع عليه أن يسعى مرتين الأولى للعمرة والثانية للحج.
ومن أدلة شيخ الاسلام: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة).
قال وفي هذا دليل على أن المناسك التي أداها الإنسان في العمرة تجزئ عنه في الحج وإنما تحلل بين النسكين تسهيلاً عليه والشريعة إنما جاءت سمحة سهلة فمن اليسر على الإنسان أن يتحلل بين النسكين ليأخذ قسطاً من الراحة ويتمتع بهذا التحلل وإلا فإن نسك العمرة والحج شيء واحد حتى بالنسبة للمتمتع.
لكن نقول: ما دام معنا حديث صحيح عن ابن عباس - رضي الله عنه - وحديث صحيح آخر عن عائشة - رضي الله عنها - فإنه لا يمكن العدول عن هذا القول ويكون إن شاء الله هو القول الراجح.
- ثم قال - رحمه الله -: ثم يسعى بين الصفا والمروة: إن كان متمتعاً أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم
في هذا دليل على أن القارن والمفرد إذا سعوا مع طواف القدوم فإن هذا السعي يجزئهم عن سعي الحج ويكون هو ركن الحج ولو كان مقدماً على الوقوف بعرف.
والدليل على هذا:
- ما أخرجه الإمام مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: (طوافك بين الصفا والمروة يجزئك عن حجك وعمرتك).
وهذا نص صريح في إجزاء السعي بالنسبة للقارن والمفرد الأول عن سعي الحج، فإذا سعى فإنه يكتفى بذلك عن السعي في الحج.
بل نقول: أن السنة للقارن والمفرد أن يصنعا ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين وافقوه في نسك القران صنعوا ذلك.
وهو: أن يقدم الإنسان السعي مع طواف القدوم.
-
- مسألة / هل يستطيع أهل مكة إذا كان الحاج منهم مفرداً أو قارناً أن يقدموا السعي كما يقدمه الآفاقي؟ أو أن هذا الحكم خاص بالآفاقي.
الجواب: أن الأقرب والله أعلم أن هذا الحكم خاص بالآفاقي.
- لأنه يشترط كما تقدم معنا أن يكون السعي بعد طواف مسنون ونسك.
والطواف المسنون والنسك هنا هو: طواف القدوم وطواف القدوم لا يشرع لأهل مكة إذ ليس لهم طواف قدوم، ولذلك ذهب الجماهير وحكي إجماعاً حكاه بعضهم إجماعاً أن هذا الحكم خاص للآفاقي ولا يتناول المكي.
- مسألة / هل يستطيع أهل مكة إذا كان الحاج منهم مفرداً أو قارناً أن يقدموا السعي كما يقدمه الآفاقي؟ أو أن هذا الحكم خاص بالآفاقي.
- ثم قال - رحمه الله -: ثم قد حلّ له كل شيء.
وهو التحلل الثاني وذكرنا أنه بعد أن يطوف ويسعى فقد تحلل التحلل الثاني بالإجماع.
ثم قال - رحمه الله -: ثم يشرب من ماء زمزم: لما أحب.
-
ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سعى ذهب إلى زمزم وشرب - صلى الله عليه وسلم -. وهذا هو الموضع الثاني في حديث جابر فيه الشرب من ماء زمزم.
وهو الموضع الوحيد الموجود في صحيح مسلم، وأخرج الإمام أحمد - رحمه الله - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طاف طواف القدوم وقبل أن يسعى ذهب إلى زمزم وشرب منها، إذاً في حديث جابر الشرب من زمزم مرتين.
الثاني منهما ثابت في مسلم والأول منهما لم يخرجه مسلم وهو ثابت في مسند الإمام أحمد فقط، الأول منهما: الأظهر والله أعلم أنه شاذ لأنه تفرد به رجل وصف بأنه يهم أحياناً.
فليس من السنة بعد طواف القدوم سواء كان هذا الطواف لطواف العمرة أو لطواف القدوم بالنسبة للمفرد والقارن ليس من السنة أن يذهب ويشرب من زمزم إنما السنة أنه إذا طاف يوم العيد يعني بعد طواف وسعي الحج يذهب إلى زمزم ويشرب منه كما ثبت في الحديث الصحيح.
إذاً الموضع الأول ليس من السنة. -
ثم قال - رحمه الله -: لما أحب.
يعني أنه يستحب للإنسان حال شرب زمزم أن ينوي به تحقيق ما أحب.
-
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: (ماء زمزم لما شرب له).
هذا الحديث عامة المتأخرين على تصحيحه فحسنه الحافظ بن حجر وظاهر عبارة الحافظ ابن القيم أيضاً تحسينه ونقل بعضهم تصحيح ابن عيينة له.
فإن كان ابن عيينة صححه فإليه المنتهى في التصحيح وهو إمام من أئمة العلل ومن أئمة أهل الحديث فإذا صححه فإليه المنتهى، وعلى كل حال هذا الحديث إن شاء الله ثابت يعني: صححوه ونقل تصحيحه عن ابن عيينة فهو إن شاء الله ثابت.
فالأحسن أن الإنسان إذا أراد أن يشرب أن يشرب زمزم بنية تحقيق ما يحب، ويستحب أن ينوي أمراً من أمور الآخرة وأن لا ينويً من أمور الدنيا لأن الاشتغال بتحقيق مصالح الآخرة أنفع للعبد من الاشتغال بتحقيق مصالح الدنيا.
ثم قال - رحمه الله -: ويتضلع منه.
يعني: ويستحب إذا شرب من ماء زمزم أن يشرب إلى أن يتضلع أي إلى أن يمتلئ ما بين أضلاعه من ماء زمزم.
واستدلوا على سنية أن يشرب هذه الكمية ولو لم يكن بحاجة إليها:
-
بحديث ابن عباس أن آية ما بيننا وبين المنافقين أنا نتضلع من زمزم.
وهذا الحديث حديث ضعيف ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فالأقرب والله أعلم أن هذا لا يسن.
بل إذا أتى الإنسان إلى زمزم فإنه يشرب قدر حاجته ويكتفي، وهذا كما أنه لا دليل عليه أيضاً هو ظاهر السنة فإن المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استقي له من ماء زمزم فأخذه وشربه ولم يشر لا جابر ولا غيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تقصد هذه القضية وهو أن يملأ ما بين أضلاعه من الماء ولو لم يكن بحاجة إلى شرب هذا الماء، فالأصل والسنة أن يشرب الإنسان على طبيعته وليس من السنة أن يتضلع منه. -
ثم قال - رحمه الله -: ويدعو بما ورد.
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء) لكن هذا الحديث روي من حديث ابن عباس وهو حديث ضعيف.
لكن لعله يصح موقوفاً.
وأنا لم أنظر في الإسناد موقوفاً أما مرفوعاً فلا إشكال أنه لا يصح مرفوعاً لكنه قد يصح موقوفاً.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن ماء زمزم يستعمل في الشفاء في قوله: (وشفاء من كل داء).
ففي هذا الأثر إشارة إلى استخدام ماء زمزم صرفاً في الدواء أو ممزوجاً مع غيره أمر له أصل في السنة.
بالإضافة إلى ما وصفت به هذه العين من البركة.
- ثم قال - رحمه الله -: ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال.
المبيت بمنى ثلاث ليال مسنون ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واختلفوا في حكمه:
والخلاف إنما هو في المبيت: في الليلة الأولى والثانية أما الليلة الثالثة فبالإجماع المبيت فيها سنة إن شاء الإنسان أن يتأخر بات فيها وحقق السنة وإن شاء أن يتعجل فلا حرج عليه، إذاً الخلاف في المبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر.
= فذهب الجماهير وأكثر أهل العلم إلى أن المبيت في منى ليالي التشريق واجب من واجبات الحج الذي يجبر بالدم إذا ترك - كما سيأتينا تفصيل متى يجبر بالدم في كلام المؤلف - رحمه الله -.
لكن الذي يعنينا الآن أن المبيت واجب عن الجماهير.
واستدلوا على هذا بدليلين:
-
الدليل الأول: أن جابر - رضي الله عنه - وصف حج النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أنه لما صلى الظهر في منى وعلى رواية لما صلى الظهر في مكة رجع إلى منى وبات فيها وقال: (خذوا عني مناسككم).
-
فعلى الرواية الأولى أنه صلى في مكة الدليل بقوله: (خذوا عني مناسككم).
-
وعلى الرواية الثانية: لأن الصحابة اختلفوا أين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر يوم العيد على الرواية الثانية أنه صلى في منى فالدليل من قوله: (خذوا عني مناسككم) وأيضاً من مبادرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع إلى منى وترك الصلاة في المسجد الحرام، ففي هذا إشارة إلى أن المبيت فيها متأكد.
-
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن للعباس كما في صحيح البخاري وغيره أن يبيت في مكة ويترك المبيت في منى ورخص له في ذلك لأنه مشغول بالسقاية.
وقوله: (رخص) دليل على أن البقاء عزيمة لأن الرخصة لا تأتي إلا من عزيمة.
= والقول الثاني: أن المبيت فيها ليالي التشريق سنة فإن فعل الإنسان فقد أحسن ويؤجر وإن تركه فلا حرج عليه ولا دم وهذا هو مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا: -
بقولهم: إن المبيت في منى إنما شرع فقط ليتسنى للإنسان الرمي أيام التشريق وإلا المبيت ليس بمقصود لذاته وإنما شرع فقط ليسهل على الحاج الرمي أيام التشريق وإذا كان شرع لهذا الغرض فقط فهو سنة وليس بواجب إذ ليس مقصوداً هو بذاته.
وهذا قول غاية في الضعف وغاية في البعد ومن تأمل السنة علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد المبيت فيها لا سيما وأنه سيأتينا آثار عن الصحابة في أنهم أفتوا بجزاء معين سيأتينا إما إطعام أو دم على من ترك ليلة أو أكثر وهذا يشعر أنهم رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يرون أن المبيت أمر متحتم.
ثم قال - رحمه الله -:
فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً.
ثم الوسطى مثلها.
ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها.
يفعل هذا: في كل يوم من أيام التشريق.