شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 40-79
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المناسك

صفحات 40-79
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

الدرس رقم (1) كتاب المناسك

  • قال - رحمه الله -: كتاب المناسك.

جعل المؤلف - رحمه الله - المناسك في آخر العبادات:

  • لتتوافق مع حديث: "بني الإسلام على خمس" فإنه جعل الحج آخر الأركان.
    هذا من جهة.

  • ومن جهة أخرى: أن الأركان الأخرى تتكرر في كل سنة بينما الحج فيجب في العمر مرة واحدة فناسب أن يؤخر.

  • وقوله - رحمه الله -: كتاب المناسك.

المناسك: جمع منسك.
والمنسك ينطق: بالفتح وبالكسر.

  • فإن نطقته بالفتح: فالمقصود المصدر أي التعبد لله.

  • وإن نطقته بالكسر: فالمقصود مكان العبادة.
    والمناسك مأخوذة من: الذبيحة.
    ويقصد بالذبيحة: النسيكة - يقصد بها هنا -: التي تذبح تقرباً إلى الله.
    ثم توسع مدلول هذا اللفظ ليشمل جميع العبادات، ولذلك يسمى العابد ناسكاً، ثم أصبح هذا الاسم علماً على الحج:

  • لكثرة الأعمال والعبادات فيه.

  • ولكثرة ما يراق فيه من الدماء.
    فإذاً: هذا هو معنى المناسك.
    • وأما الحج فهو:

  • في اللغة: قصد ما يعظم.
    وإنما عرفنا الحج:

  • لأن بعض أهل العلم يقول: كتاب الحج.

  • وبعض أهل العلم يقول: كتاب المناسك.

  • وبعض أهل العلم - وكلهم من الحنابلة - يقول: كتاب الحج والمناسك.
    والأمر واحد لكن لما اختلف التعبير رأيت أن أذكر تعريفاً لكل منهما، فالحج هو: قصد ما يعظم.
    ومن القصور أن نقول: الحج هو القصد فقط، فإن القصد المطلق لا يسمى حجاً فلابد أن يقصد الإنسان شيئاً معظماً، بل إن بعضهم قال لا يسمي الحج حجاً إلا إذا قصدت شيئاً معظماً مكرراً، يعني إذا صار يعتاد المجيء إلى هذا المعظم سمي حجاً، وهذا في اللغة.

  • أما في الاصطلاح: فهو: قصد مكة لأداء المناسك في وقت مخصوص.

  • ثم قال - رحمه الله -: الحج والعمرة واجبان.

الحج واجب في: الكتاب والسنة والإجماع.

  • أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾
  • وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. إلى أن قال .. وحج بيت الله الحرام).
  • وأما الإجماع فحكاه عدد من أهل العلم بأن الحج واجب.
    والحج أعظم وأكبر من أن يكون واجباً بل هو ركن من أركان الإسلام.
    والحج مفروض في السنة التاسعة.
    والقول بأنه مفروض في السنة التاسعة هو مذهب الجمهور واختاره من المحققين ابن القيم - رحمه الله -. والدليل على ذلك:

  • أن الآية الدالة على وجوب الحج نزلت في صدر سورة آل عمران.
    وصدر سورة آل عمران أيضاً جاء فيها إيجاب الجزية وهي متوافقة مع الوفود الذين وفدوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل ذلك كان في السنة التاسعة.

  • ثم قال - رحمه الله -: والعمرة: واجبان.

  • الدليل الأول: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر وجوب الحج لم يذكر معه وجوب العمرة فقال: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾.
    ولم يذكر العمرة بينما لما كان إتمام العمرة واجبة ذكرها فقال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
    فكونه تعالى يذكر العمرة في الإتمام دون الوجوب دليل على أنها لا تجب.

  • الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج وحج معه أمم لا يحصون كلهم لأداء الفريضة: ومنهم المفرد.
    ومع ذلك لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر المفردين:

  • لا بأن يعتمروا بعد الحج.

  • ولا بأن يرجعوا بعد ذلك ليؤدوا العمرة وقد انصرفوا وهم يرون أنهم قد أدوا فرض الله فهذا دليل على أن العمرة ليست بواجبة.

  • الدليل الأخير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر وجوب الحج ولم يذكر وجوب العمرة كما في حديث: (بني الإسلام على خمس).
    وأوضح منه في الدلالة:

  • الرجل الذي جاء يسأله - صلى الله عليه وسلم - عن شعائر الإسلام فأمره بالصلاة والزكاة والحج فقال الأعرابي: لا أزيد على ذلك.
    ولم يأمره بالعمرة.
    بناء على هذه الأدلة التي أرى أنها قوية جداً وواضحة وهي تنصرف للأصول: أرى أن القول بعدم الوجوب هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام بن تيمية وذلك:

  • لوضوح الأدلة الدالة على عدم الوجوب.

  • وأن الأصل براءة الذمة.

  • ثم قال - رحمه الله -: على المسلم الحر المكلف القادر.

يريد المؤلف - رحمه الله – أن يبين شروط الوجوب، فإنه لما بين أن الحج واجب أراد أن يبين: شروط الوجوب.

  • فقال - رحمه الله -: على المسلم.

يشترط لوجوب الحج أن يكون: الشخص مسلماً.

  • لأن العبادة لا تقبل من غير المسلم.
  • ولقوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾.
    فدلت الآية على: أن المانع من قبول النفقة وهو نوع من العبادة: الكفر.
    والحج عبادة بدنية مالية.
    وشرط الإسلام:
  • شرط وجوب وصحة.
    وتقدم معنا المقصود بقول الفقهاء - رحمهم الله -: أنه لا يجب على الكافر العبادة الفلانية أو العبادة الأخرى.
    وأن المقصود ليس عدم المؤاخذة أو عدم التأثيم أو عدم المحاسبة يوم القيامة، وإنما المقصود عدم المطالبة بالأداء أو القضاء.
  • ثم قال - رحمه الله -: الحر.

الحرية شرط لوجوب الحج وإجزائه وليست شرطاً لصحته.
الدليل على اشتراط هذا الشرط:

    • أن العبد منافعه مملوكة لسيده فالزمن ليس له وإنما لسيده.
    • ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه ابن عباس: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام).
      واختلفوا في هذا الحديث: = فمنهم من حكم عليه: بالوقف.
      = ومنهم من حكم عليه: بالرفع.
      وبكل حال هو حجة لأنا لو حكمنا عليه بالوقف فهو فتوى صحابي ليس لها مخالف وتحتمل بقوة حكم الرفع.
      بناء على هذا: نقول إذا حج العبد ثم عتق: فيجب عليه أن يحج حجة الإسلام، وكذلك الصبي.
  • ثم قال - رحمه الله -: المكلف.

المكلف هو: البالغ العاقل، فهذا لا يجب عليه أن يحج.
والتكليف: شرط وجوب وإجزاء دون الصحة.
والدليل على اشتراط هذا الشرط:

  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة: - وذكر منهم - المجنون حتى يفيق والصغير حتى يبلغ).
    بناء عليه: • إذا أفاق المجنون وقد حج فنقول له: عليك حجة الإسلام.
    • وإذا بلغ الصبي وقد حج فنقول له: عليك حجة الإسلام.
    وهذا مبني على تصحيح حج المجنون: = فمن الفقهاء من قال: المجنون لا يصح منه الحج.
    لا منه ولا من وليه فلا يصح منه مطلقاً.
    = ومنهم من قال: المجنون يشبه تماماً الصبي غير المميز.
    فإذا صح حج الصبي غير المميز فيصح أن يحج المجنون وينوي عنه وليه، وهذا القياس جلي وواضح.
    والراجح إن شاء الله: أن حج وعمرة المجنون إذا تولاه الولي صحيح وله الأجر يوم القيامة أي: للمجنون.
    كما أن الصبي غير المميز له الأجر يوم القيامة.

  • ثم قال - رحمه الله -: القادر.

من شروط وجوب الحج: القدرة.
وشرط القدرة من الشروط الذي سيفصل فيه المؤلف - رحمه الله - تفصيلاً طويلاً لكن اشتراط القدرة من حيث هو: مجمع عليه.

  • لقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾.
    فإذا لم يستطع لأي سبب مما سنذكره إذا تعرض المؤلف - رحمه الله - لتفصيل هذا الشرط فإنه لا إثم عليه إن شاء الله.

  • ثم قال - رحمه الله -: في عمره مرة.

اتفق الفقهاء: على أن وجوب الحج في العمر مرة وأن من أدى فرضه فلا يجب عليه أن يحج مرة أخرى.

  • لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الناس وبين وجوب الحج قال له رجل: أفي كل عام هي يا رسول؟ الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا.
    ولو قلت نعم لما استطعتم).
    فهذا الدليل نص على: أن الحج يجب في العمر مرة واحدة.

  • ولقوله فيما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم -: (من حج مرة فما زاد فهو تطوع).
    وعلى كل حال كون الحج يجب في العمر مرة واحدة: محل إجماع.
    ودل عليه الحديث الصحيح الذي ذكرت.

ثم قال - رحمه الله -: على الفور.

يعني: أن من استطاع أن يحج ولم يحج فهو آثم لأن الحج يجب على الفور.
والدليل على أن الحج يجب على الفور من وجهين:

  • الوجه الأول: أن الصواب في مسألة الأوامر أنها على الفور.
    وهي مسألة أصولية ستأتيكم مطولة وهي مهمة جداً، فالأصل: أنه إذا أمر الإنسان بأمر فإن المقصود به أن يأتي به على الفور.

  • الوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: (من وجد يسراً ثم لم يحج فلا عليه إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً).
    وفي الباب آثار كثيرة عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل على أن الحج واجب على الفور.

  • ثم قال - رحمه الله -: فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة ... صح فرضاً

إذا زال المانع في عرفة صح حجه فرضاً.
والدليل على صحة حج الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق [والعبد إذا أعتق] من وجهين:

  • الوجه الأول: أنه أتى بالمناسك وبركن الحج وهو عرفة وهو على صفة الكمال.
    وصفة الكمال هنا البلوغ والحرية.
  • الوجه الثاني: أن ابن عباس أفتى من بلغ أو أفاق من الجنون أنه إن أفاق بعرفة صح حجه فرضاً وإن أفاق ليلة جمع بقي نفلاً.
    فإذاً الدليل: أثر عن ابن عباس والتعليل الذي ذكرت.
    ويلحق بما ................ ((انقطاع في التسجيل)).
    .... لأنه تبين أن إحرامه كان على جهة الفريضة وهذا الخلاف لا أثر له على صحة النسك وأنه يجزئ عنه فريضة، إنما الخلاف فيما قبل يوم عرفة هل يبقى نفلاً؟ أو ينقلب إلى فرض، والأمر يسير.
    وثمرة الخلاف أكثر ما تكون في الأجر فإن ثواب الفرض أعظم من ثواب النفل.
    انتهى التسجيل ......

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (2)

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في درس الأمس الكلام عن: إذا زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة والأحكام التي تتعلق بهذه المسألة.

  • ثم قال - رحمه الله -: في المسألة التالية: وفي العمرة قبل طوافها: صح فرضاً.

أي إن زالت هذه الموانع بعد الإحرام بالعمرة وقبل الشروع في الطواف أيضاً: صحت فرضاًَ، فإن شرع في الطواف أو طاف وانتهى: ثبتت نفلاً ولم تنقلب فرضاً، فيشترط لصحة وقوع العمرة فرضاً أن يزول المانع قبل البدء بالطواف.

  • لأن طواف العمرة هو الركن الأكبر فيها وغالب أعمالها كما تقدم معنا في الدرس السابق.

  • وقوله - رحمه الله -: صح فرضاً.

هذا بناء على المسألة السابقة وهي: أن العمرة واجبة.

  • ثم قال - رحمه الله -: وفعلهما من الصبي والعبد: نفلاً.

قوله: وفعلهما من الصبي ... : نفلاً.
يعني: ويصح حج الصبي وأن يعتمر ويصبح نفلاً.
والصبي ينقسم إلى قسمين: 1 - مميز.
2 - وغير مميز.

  • فالمميز ينوي هو بنفسه.
    ويأتي بما يستطع من واجبات وأركان الحج.
    وما لا يستطيع منها يؤديه عنه وليه.
  • وأما: غير المميز: فغير المميز: لا نية له ويؤدي النية عنه الولي.
    ثم يؤدي الصبي ما استطاع من الأعمال ويقوم الولي بما لم يستطع من الأعمال.
    • مسألة/ وهي مهمة وتكثر الحاجة إليها:
  • إذا كان الصبي غير المميز لا يستطيع أن يطوف *
  • فالحكم: أن يطوف به وليه.
    فإن كان الولي محرماً أيضاً: فإن الولي سيحمل الطفل ويطوف به.
    ونحن نتكلم عن الطفل غير المميز لأنا انتهينا من الكلام عن الطفل المميز.
  • فإذا حمل الولي الطفل غير المميز وطاف به: فاختلف أهل العلم في هذا الطواف هل يكون للحامل؟ أو للمحمول؟ أو لهما؟ = فالقول الأول: أن هذا الطواف: لهما.
    فيجزئ عن الولي الحامل وعن الصبي المحمول.
    واستدل هؤلاء:
  • بأن المرأة التي رفعت صبياً وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ألهذا حج؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نعم ولك أجر).

ولم يبين أنها إذا حملته وهي محرمة فإنه لابد أن تأتي بطواف لها وبطواف له.
فإن هذا القدر لم يذكر في الحديث.
=والقول الثاني: أنه يكون للحامل دون المحمول.
يعني: للولي دون الصبي.
واستدلوا على هذا:

  • بأن العمل الواحد لا يكفي عن واجبين إذا كان بنية واحدة.
    فالآن الناوي والطائف هو: الولي.
    وليس من الصبي: عمل ولا نية ولا يمكن أن يكون العمل الواحد يكفي عن فرضين بنية واحدة.
    = والقول الثالث: أنه يصح عن الصبي - عن المحمول دون الحامل وهو الولي.

  • وقالوا: أنه في هذه الصورة صار الحامل كالآلة والحكم للمحمول.
    والقول الصواب إن شاء الله: أن الطواف عن الصبي غير المميز إذا نوى عنه الولي يصح عنه وعن الولي.
    يعني: الراجح القول الأول.
    وسبب الترجيح:

  • أن المسلمين ما زالوا يطوفون بأطفالهم وبصبيانهم ولم يأت في الشرع قط ما يدل على أن الولي يحتاج أن يطوف أولاً عن نفسه ثم عن الصبي أو يطوف عن الصبي أولاً ثم عن نفسه بل ما زال الناس يطوفون طوافاً واحداً وهم يحملون الأطفال.
    وهذا التعليل يتوافق مع عموم حديث المرأة التي استأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في حج الصبي.
    وممن رجح هذا القول: أنه يجزئ عنهما:

  • الشيخ الفقيه ابن المنذر - رحمه الله -.

  • وأيضاً الفقيه الحافظ ابن حزم - رحمه الله -.

  • وأيضاً مال إليه ابن قدامة - رحمه الله -. وما ذهب إليه هؤلاء في الحقيقة قوي جداً وواضح.

  • ويضاف إلى الأسباب التي ذكرت: ما في هذا القول من التيسير على كثير من الناس الذين يحتاجون أن يطوفوا بأبنائهم وهم محرمون.

  • ثم قال - رحمه الله -: والعبد.

يعني: ويصح حج العبد وعمرته.
وتكون كما تقدم معنا نفلاً ويحتاج إذا عتق أن يأتي بحجة الإسلام.
والدليل على صحة حج العبد:

  • أنه أهل للعبادة ويخلو من الموانع.
    فصحت عبادته.
    ولكن يشترط بالنسبة للعبد: أن يأذن السيد.
    لأنه تقدم معنا أن منافع العبد مستحقه للسيد.

  • ثم قال - رحمه الله -: والقادر: من أمكنه الركوب ووجد زاداً ومركوباً صالحين لمثله.

بدأ المؤلف - رحمه الله - بتفصيل الشرط الخامس الذي تقدم معنا وهو: القدرة على الحج.

  • فبدأ بقوله - رحمه الله -: والقادر: من أمكنه الركوب.

من أمكنه الركوب هو: القادر.

  • ومن لم يستطع الركوب لأي سبب من الأسباب: سواء كان لمرض عارض أو لصفة جسدية دائمة إذا كان لا يستطيع أن يركب: فإنه لا يجب عليه أن يحج: لأنه لن يستطيع أن يصل إلى المشاعر إلا بالركوب.
    وهذا الشرط: • يتعلق بالشخص البعيد عن مكة.
    • أما بالنسبة للقريب الذي يستطيع أن يصل عادة وهو ما كان دون مسافة القصر فإنه لا يشترط له ذلك إذا كان يستطيع أن يمشي إلى مكة.
    ثم بين الشرط:

  • فقال - رحمه الله -: ووجد زاداً ومركوباً.

الدليل على هذا:

  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ قوله تعالى ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾.
    فقال: (السبيل: الزاد والراحلة).
    وهذا الحديث جاء عن جماعة من الصحابة بطرق كثيرة موصولة، ومرسلة مرفوعة وموقوفة ضعيفة وضعيفة جداً وجاء من طرق كثيرة جداً وأفتى به الحسن البصري ناسباً إياه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واحتج به الإمام أحمد.
    فالأقرب والله أعلم أن أحاديث الزاد والراحلة: تصلح للاحتجاج بمجموعها وبكثرتها واختلاف المخارج وإفتاء السلف بها فكل هذه الأمور تدعم وتقوي أن حديث الزاد والراحلة يصلح للاحتجاج.
    بناءً على هذا: • من ملك زاداً وراحلة وجب عليه أن يحج.
    • ومن لم يملك الزاد والراحلة فإنه لا يجب عليه أن يحج ولا يأثم بذلك.
    = القول الثاني: وهو للمالكية فقط قالوا - رحمهم الله - أن الاستطاعة هي أن يتمكن من الوصول إلى الحرم بلا مشقة زائدة عن السفر المعتاد ولو مشياً.
    • فلا يشترط الراحلة إذا كان يستطيع أن يصل ببدنه.

• ولا يشترط الزاد إذا كان يستطيع أن يتكسب أثناء الطريق وفي مكة بأي وسيلة كان التكسب.
واستدلوا على هذا:

  • بأن هذا الشخص يصدق عليه أنه مستطيع.

  • وأن أحاديث الزاد والراحلة ليست صحيحة.
    والصواب إن شاء الله وبوضوح مع الجمهور.
    سبب الترجيح: أن الله سبحانه وتعالى في الحج خاصة اشترط الاستطاعة: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/97].
    ولم نجد أن الله سبحانه وتعالى اشترط الاستطاعة في الزكاة أو في الصيام أو في الصلاة أو في سائر العبادات.
    مع العلم أن شرط الاستطاعة موجود في كل العبادات.
    ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً).
    فإذا وجدنا أن الله سبحانه وتعالى نص على اشتراط الاستطاعة في الحج دون سائر العبادات عرفنا أن هذا الشرط هو قدر زائد عن المشترط في العبادات الأخرى ولا يكون إلا بالمال.
    بالإضافة كما لا يخفاكم إلى حديث: الزاد والراحلة وأنه يصلح للاحتجاج وأفتى به جماعة من الفقهاء.
    بناءً على هذا: من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه أن يحج.
    ففي وقتنا هذا إذا لم يتمكن من الحصول على وسيلة نقل يصل من خلالها إلى مكة أو لم يجد مالاً يكفيه للأكل والشرب من خروجه من بيته إلى رجوعه فإنه لا يجب عليه أن يحج وقد سقط عنه الفرض ويصدق عليه أنه لا يستطيع.

  • ثم قال - رحمه الله -: صالحين لمثله.

يعني: يجب أن تكون:

  • الراحلة صالحة لمثله.
  • والزاد صالحاً لمثله.
    والراحلة التي تصلح لمثله: يتحقق هذا بوجهين:
  • الوجه الأول: أن يكون الشخص لا يستطيع أن يركب على الراحلة إلا بوجود المحمل فإن ركب في غير محمل سقط.
    فالراحلة التي ليست لها محمل لا تصلح لمثله.
  • الوجه الثاني: أن يكون نوع المركوب لا يصلح لمثله لكونه كان من الشرفاء أو من الأغنياء أو من الوجهاء ممن لا يناسب معه أن يركب هذا المركوب.
    إذاً: فسرت مسألة أن يكون المركوب صالحاً لمثله بهذين الأمرين.
    بالنسبة للزاد: فكذلك:
  • الأمر الأول: أن لا يجد زاداً يصلح لمثله مما اعتاد على أكله وهو مناسب لمستواه المادي.
  • الأمر الثاني: أن لا يجد زاداً يصلح لمثله من حيث مرضه.
    يعني: لا يجد - مثلاً لو افترضنا أنه لا يجد - في الحج أكلاً يناسب واقعه الصحي ولا يجد إلا أكلاً لو أكله لتضرر به كمرضى السكر والضغط على سبيل المثال.
    فهذا لم يجد زاداً يصلح لمثله.
    = القول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون الراحلة والزاد تصلح لمثله بل متى وجد أي راحله أو أي زاد وجب عليه أن يحج سواء كانت من المستوى المناسب لحاله أو من المستوى الذي لا يناسب حاله.
    والراجح والله أعلم.
    أنه يشترط أن تكون الراحلة والزاد مناسبة لحاله بالمعنى الأول دون المعنى الثاني.
    يعني: • يشترط في الأكل أن يناسبه من حيث المرض والصحة.
    • ويشترط في الراحلة أن يستطيع أن يركبها بأن لا يسقط أو يتضرر.
    أما المعنى الثاني: وهي أن تكون مناسبة لمثله من حيث الشرف والغنى والوجاهة فهذا غير معتبر.

  • ثم قال - رحمه الله -: بعد قضاء الواجبات.

  • ثم قال - رحمه الله -: والنفقات الشرعية.

يشترط في المال الذي يجب أن يحج الإنسان إذا وجد عنده: أن يكون زائداً عن النفقات الشرعية.

  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول).
    ويقصد بالنفقات: نفقة الرجل ونفقة جميع من يعول.
    أي نفقة الرجل ومن يجب عليه أن ينفق عليه.
    • مسألة/ هل يشترط أن توجد النفقة من ذهابه إلى رجوعه فقط؟ أو يجب أن توجد النفقة على الدوام؟ = من الفقهاء من قال: يجب أن توجد النفقة على الدوام.
      فلا يجب عليه أن يحج إلا وقد أمن نفقته ونفقت أولاده على الدوام.
      إما بصنعة أو بإيجار أو بأي طريقة.
      = والقول الثاني: أن الواجب أن يؤمن نفقته ونفقة من يعول إلى أن يرجع من الحج فقط.
      ثم إذا رجع سعى في تحصيل النفقة.
      وهذا القول الثاني: هو الأقرب والله أعلم.
      أنه لا يجب عليه تحصيل النفقة على الدوام.
      وقال بعض المحققين أن هذا القول: (يشترط النفقة على الدوام)، يؤدي إلى عدم وجوب الحج على عامة الناس لأن كثيراً من الناس لا يملك النفقة على الدوام - يعني: نفقته لمدة سنين - فكثير من الناس لا يملكها في هذا الوقت الحاضر، وهذا يؤدي إلى عدم وجوب الحج على كثير من الناس وهذا من أوجه ضعف هذا القول.
  • ثم قال - رحمه الله -: والحوائج الأصلية.

أي: يجب أن يكون المال الذي يحج به زائداً عن الحاجات الأصلية وإلا لم يجب عليه الحج.
والحاجات الأصلية هي: التي لا يستغني عنها الإنسان ويحتاج إليها ولو لم تكن من الضروريات: كالمسكن والملبس والمركب والخادم وآلة العمل والكتاب الذي يقرأ فيه ونحو هذه الأمور التي يحتاج الإنسان إليها حاجة ملحة ولو لم تكن ضرورية.
فإن كان عند الإنسان متاعاً زائداً عن حاجته الأصلية وجب عليه أن يبيعه وأن يحج به، مثل: أن يكون عند الإنسان أكثر من بيت أو أكثر من سيارة أو أكثر من أرض أو أن يكون عنده داخل البيت أغراض كثيرة لا تمس الحاجة إليها.
بل إن الفقهاء - رحمهم الله - مثلوا بمن يجد أو بمن يوجد عنده كتابان - يعني: نسختين من كتاب واحد - فيجب أن يبيع إحدى النسختين ليحج.
وهذا تدقيق منهم - رحمهم الله - أن الإنسان لا يجوز له أن يترك الحج وهو يملك من المتاع ما يستطيع أن يبيعه ويؤدي به فريضة الحج.

  • ثم قال - رحمه الله -: وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه: لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا.

معنى هذه العبارة: أن الإنسان إذا اكتملت فيه جميع شروط الوجوب السابقة - وهي خمسة إلا أنه لا يستطيع لكونه مريضاً أو لكونه شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يحج ففي هذه الحالة يجب عليه وجوباً أن ينيب من يحج عنه الفريضة.
وهذا الذي يسميه الفقهاء: المستطيع بغيره، فهو لا يستطيع بنفسه لكنه يستطيع بغيره.
ويشترط لوجوب الإنابة على هذا الشخص: أن يجد مالاً ونائباً وإلا لم يجب عليه أن ينيب.
• فإن وجد نائباً ولم يجد مالاً: لم يجب عليه الحج بالإجماع.
• وإن وجد مالاً ولم يجد نائباً: لم يجب عليه الحج.
لكن اختلفوا في هذه المسألة: هل إذا وجد المال ولم يجد النائب تخلف في حقه شرط الوجوب أو شرط الأداء؟ والفرق بينهما:

  • أن شرط الوجوب إذا تخلف لم يجب في ذمته شيء أصلاً.
  • بينما شرط الأداء تكون العبادة واجبة في ذمته لكن لا يجب عليه أن يؤديها الآن، فإن مات وجب على الورثة أن يخرجوا من ماله من يحج عنه.
    يعني تبقى في ذمته.
    والصواب إن شاء الله: أن تخلف النائب أو عدم وجود النائب يعتبر إخلال بشرط الوجوب لا بشرط الأداء: لأنه يصدق عليه أنه لا يستطيع.
    بناء عليه: من مات وهذه حاله فلا يجب على الورثة أن يخرجوا من التركة من يحج عنه لأنه لم يجب عليه أصلاً.
    وعلى القول الثاني: يثبت في ذمته وجوب الحج فإن مات قبل أن يتمكن من وجود النائب وجب على الورثة أن يقيموا من يحج عنه.
    = القول الثاني: - في أصل المسألة - أن من لم يستطع بنفسه واستطاع بماله لا يجب عليه أن ينيب ولو ملك مالاً كثيراً.
    وإلى هذا ذهب الإمام مالك - رحمه الله -. واستدل:
  • بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/97].
    وهذا لا يستطيع إليه سبيلاً.
    فهو بنفسه لا يستطيع إليه سبيلاً فسقط الوجوب.
    والراجح والله أعلم مع الجمهور وهو القول الأول:
  • لما ثبت في الصحيح أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
    أفأحج عنه؟ قال: (حج عنه).

فدل هذا الحديث على: أن هذا الشيخ الكبير الذي يجد المال لكنه لا يستطيع أن يثبت على الراحلة يجب أن يقيم الابن من يحج عن أبيه بمال أبيه.

  • ولحديث أبي رزين أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبيه وأنه لم يستطع الحج فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حج عن أبيك واعتمر).
    فهذه الأحاديث صريحة وواضحة في وجوب إقامة النائب لمن كان مستطيعاً بماله دون بدنه.

  • قوله - رحمه الله -: من حيث وجبا.

يعني يجب إنابة النائب من حيث وجب الحج على هذا الذي لا يستطيع ببدنه ويستطيع بماله.
ولم يقل المؤلف - رحمه الله -: (من بلده).
لأن مكان الوجوب قد يكون البلد وقد يكون مكان ((الإيسار)).
فمثلاً: لو كان الإنسان فقيراً لا يستطيع الحج وهو من سكان الكوفة ثم سافر إلى المدينة وفي المدينة وجد مالاً كسبه وأصبح يستطيع الحج.
فهو الآن وجب عليه الحج في الكوفة أو في المدينة؟ في المدينة: فيجب أن ينيب عنه من يحج من المدينة لا من مدينته الأصلية وهي الكوفة، ولهذا قال المؤلف - رحمه الله -: (من حيث وجبا).
ولم يقل: (من مدينته أو من بلدته) فيجب أن يقيم النائب أو أن يكلف النائب من حيث وجب عليه الحج.
واستدلوا على هذا:

  • بأن المنيب إنما وجب عليه الحج من مكان الوجوب فكذلك النائب.
  • وبأن القضاء يحكي الأداء.
  • وببعض ظواهر الآثار عن الصحابة.
    فقد روي عن بعض الصحابة آثار ظاهرها وجوب الحج من البلد.
    = والقول الثاني: وهو مذهب الشافعي: أن الواجب الإنابة من من ميقات هذا المنيب.
    واستدل الشافعي على هذا القول:
  • بأن الإحرام إنما يجب من الميقات ولا يجب قبل الميقات بل لا يشرع.
    فإذا كان الإحرام وهو النسك يجب من الميقات فيجب أن نقيم النائب من الميقات لا من البلده، لأن المسافة بين بلدة المنيب والميقات لا دليل على وجوب قطعها.
    والراجح والله أعلم القول الثاني: لأن قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب لغيره لا لذاته.
    يعني: مطلوب لأن يصل الإنسان إلى مكة وليس هو بنفسه مطلوباً.

على أن بعض العلماء قال: بل قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب بذاته لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى الحج جهاداً بالنسبة للنساء وكذلك الرجال والجهاد من المقصود فيه قطع المسافات.
لكن الأقرب قول الشافعي لعدم وجود دليل واضح على وجوب إقامة النائب من بلد الذي لا يستطيع الحج ببدنه ويستطيع بماله.
علم مما تقدم من الخلاف: أنه لم يقل أحد من الفقهاء فيما أعلم أن يكون النائب من مكة، يعني: جواز إنابة الشخص من مكة، فبعد البحث حسب ما تيسر لي لم أجد من صرح بجواز إقامة النائب من مكة وإنما قالوا: إما من بلده أو من الميقات.
اختلفوا على هذين القولين.
لكن لعله يلتمس قول ثالث ويبحث ويتأكد من عدم وجود قول ثالث: أنه يجوز إقامة النائب من داخل مكة.
أما الآن فلم أجد من صرح على الأقل بجواز إقامة النائب من مكة.

  • ثم قال - رحمه الله -: ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام.

إذا أنا الإنسان شخصاً يحج مكانه فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ـ القسم الأول: أن يعافى المنيب قبل أن يشرع النائب بأعمال الحج، ففي هذه الحال لا يجزئ حج النائب عن فريضة الإسلام قولاً واحداً.

ـ القسم الثاني: أن يشفى ويعافى الذي لا يستطيع ببدنه بعد أن يأتي النائب بجميع مناسك الحج.
ففي هذه الصورة خلاف: = فالمذهب أنه يجزئه.

  • لأن الذي أناب قد أتى بما أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على الوجه الشرعي فبرئت ذمته.
    = والقول الثاني: أنه لا يجزئه.
  • لأنه تبين أنه ليس من أهل الإنابة فقد برئ.
    والصواب مع الحنابلة.
    ـ القسم الثالث: أن يعافى ويشفى أثناء أداء الحج.
    فأيضاً في هذه الصورة خلاف: = فالحنابلة يجزئه.
  • لأنه شرع في العبادة.
    قياساً على من شرع في خصلة من خصال الكفارة ثم قدر على التي أعلى منها.
    = والقول الثاني: أنه لا يجزئه، بل يكون حج النائب نفلاً، وإلى هذا مال ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -.
    • قياساً على من صلى بالتيمم ثم حضر الماء أثناء الصلاة.
      فتقدم معنا أن الأقرب في هذه المسألة أنه يستأنف بعد الوضوء.
      وكذلك هنا الراجح أنه لا يجزئه إن عوفي في أثناء الحج بل تكون نفلاً له.
      ويلزم بحجة الإسلام من العام القادم.
  • ثم قال - رحمه الله -: ويشترط لوجوبه على المرأة: وجود محرمها.

يشترط في المرأة خاصة وجود المحرم: = وهذا مذهب الحنابلة.
والعلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: = القول الأول: أن وجود المحرم بالنسبة شرط وجوب.
فإن لم تجد محرماً ولو كانت غنية فلا يجب عليها الحج وإن ماتت لا يجب على الورثة أن ينيبوا من يحج عنها.

واستدل هؤلاء:

  • بالأحاديث الصحيحة الصريحة المشهورة المتواترة التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكثر من وجه أنه قال: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) فقال رجل يا رسول: إن امرأتي انطلقت حاجة وقد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (انطلق فحج مع امرأتك).
    فهذا الحديث فيه وجوب المحرم في الحج خاصة، وهو في الصحيح.
  • وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث التي لم تنص على الذهاب مع المرأة في الحج أحاديث كثيرة جداً تشترط المحرم ومخارجها متعددة، ومنها ما قيد بثلاثة أيام ومنها ما قيد بيوم وليلة ومنا ما قيد ببريد وحمل الفقهاء - رحمهم الله - هذه الاختلافات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ترجع إلى اختلاف السائل - بحسب اختلاف السائل.
    = القول الثاني: أن شرط المحرم شرط أداء لا وجوب.
    يعني: يشترط لوجوب الحج وجود المحرم لكنه شرط أداء لا وجوب فلا يجب على المرأة إذا لم تجد المحرم أن تحج في وقتها هذا لكنها إن ماتت قبل أن تحصل المحرم وجب على ورثتها أن يخرجوا من يحج عنها من تركتها.
    = القول الثالث: أن المحرم بالنسبة للمرأة إذا أرادت أن تحج لا يشترط مطلقاً.
    ويجب أن تفهم: أننا نتحدث عن المحرم في الحج لا المحرم في سائر الأسفار، وهذا القول الثالث الذي لا يشترط المحرم مطلقاً هو مذهب مالك والشافعي.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن المرأة إذا وجدت فيها جميع الشروط وهي قادرة ببدنها وتجد الزاد والراحلة والمال فهذه مستطيعة ولو تخلف المحرم فيجب عليها أن تحج.
    ولكن مع ذلك اشترطوا:
  • أن تحج مع رفقة مأمونة.
    فهذا من شروط المالكية والشافعية.
    أن تحج مع رفقة مأمونة: إما مع جماعة النساء أو مع امرأة مأمونة مسلمة ثقة.

ولذلك شيخ الإسلام - رحمه الله - يقول: أجمع العلماء على أن المرأة إذا أرادت أن تحج يجب أن توجد سبل الأمان لها لكن اختلفوا: فمنهم من قال المحرم، ومنهم من قال جماعة النساء، ومنهم من قال امرأة ثقة.
إذاً القول بأنه يجوز أن تحج بدون محرم مطلقاً هذا يخالف كلام الأئمة الذين لم يشترطوا المحرم، فإنهم اشترطوا أن تكون في سفر مأمون، ونصوا على: إما أن تكون مع مجموعة من النساء الثقات أو على الأقل امرأة واحدة ثقة تباشر حاجات هذه المرأة.
واستدل هؤلاء:

  • بما تقدم.
  • وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يوشك أن تخرج الضعينة من الكوفة إلى مكة ليس معها أحد).
    فدل الدليل على أن المرأة - الضعينة - يمكن أن تخرج وتسافر بلا محرم.
    والجواب على الاستدلال بهذا الحديث: من وجهين:
  • أولاً: أن هذا الحديث ليس خاصاً في المحرم والاستدلال بالخاص مقدم على الاستدلال بالعام.
  • ثانياً: أن هذا الحديث ليس من مقصوده بيان حكم سفر المرأة بدون محرم وإنما سيق لبيان أو لضرب المثل على وجود الأمن في آخر الوقت.
    والراجح والله أعلم القول الأول وهو أنه شرط وجوب.
    ومن العجب أن يترك الإمام الشافعي والإمام مالك الأحاديث الصحيحة الصريحة المصرحة بجواز اشتراط المحرم للمرأة في الحج خاصة.
    وأيضاً الأحاديث الأخرى التي اشترطت وجود المحرم للمرأة في السفر لم تفرق بين سفر وسفر.
    ومن المعلوم أن سفر المرأة لا سيما في القديم للحج لأنه ليس من شأنها التجارة فغالب أسفارها ستكون في الحج فسفر الحج من أوائل ما يدخل في السفر الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تسافره إلا مع محرم.
    وأما شيخ الإسلام - رحمه الله - فجاء عنه قولان في هذه المسألة: = القول الأول: أنه يشترط فقط وجود صحبة من النساء الثقات.
    = والقول الثاني: أنه يشترط محرم.
    وبهذا أفتى لما كان بمصر - رحمه الله -. وعلى كل حال سواء كان اختيار شيخ الإسلام أنه يجب أو لا يجب الراجح بلا شك وبوضوح أنه يجب على المرأة أن لا تسافر إلا مع محرم وأنها إن سافرت ولو لقربة كالحج بلا محرم فقد ارتكبت إثماً وعرضت نفسها للانتهاك.
    • مسألة / فإن سافرت بلا محرم وحجت: فهي آثمة والحج صحيح.

ثم قال - رحمه الله -:

وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد: بنسب أو سبب مباح.

يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين بهذه العبارة من هو المحرم؟ والمحرم على ثلاثة أنواع:

  • النوع الأول: الزوج.

  • النوع الثاني: من يحرم على التأبيد بنسب.

  • النوع الثالث: من يحرم على التأبيد بسبب مباح.
    وجميع الأنواع الثلاثة ذكرها المؤلف - رحمه الله -. فالزوج واضح.

  • الثاني: من يحرم على التأبيد بنسب: وهم الأب والابن والأخ وابن الأخ وابن الأخت والخال والعم.
    فهؤلاء سبعة.

  • الثالث: من يحرم على التأبيد بسبب مباح: وهو ينقسم إلى قسمين: ـ الأول: الرضاع.
    ـ والثاني: المصاهرة.

  • فالذين يحرمون بالرضاع هم: نفس السبعة الذين يحرمون بالنسب.

  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
    فصار سبعة بالنسب وسبعة بالرضاع.

  • من يحرم بالمصاهرة أربعة: 1 - أبو الزوج.
    2 - وابن الزوج.
    3 - وزوج الأم.
    4 - وزوج البنت، فهؤلاء الأربعة يجوز للمرأة أن تحج معهم وهم يحرمون: بالمصاهرة.
    وعلم من كلام المؤلف - رحمه الله -

  • وهو من قوله: (بنسب أو بسبب مباح) أن السبب المحرم لا يجوز معه السفر ولا يعتبر محرماً.
    السبب المحرم كالزنا: فأم المزني بها وابنة المزني بها لا يعتبر الزاني محرماً لهما ولا يجوز أن يسافروا معه لأن هذا سبب محرم.

  • وكذلك قول المؤلف - رحمه الله - هنا -: (من تحرم عليه على التأبيد).
    أما من تحرم عليه لكن ليس على التأبيد فليس بمحرم في السفر.
    ومثال من تحرم عليه - ليس على التأبيد أخت زوجته فإنها تحرم على الزوج لكن ليس على التأبيد.
    فهو ليس محرماً لها وإن كانت تحرم عليه.

ثم قال - رحمه الله -: وإن مات من لزماه: أُخرجا من تركته.

يعني: وإن مات من استوفى شروط الحج والعمرة ولم يحج فهو آثم إذا كان بغير عذر ويجب أن يُخرج من تركته من أصل المال - من رأس المال - من يحج عنه.
وسواء في هذا أوصى هذا الميت أو لم يوص، فهي دين في ذمته وهي دين لله فيجب أن يخرج الورثة من تركته من يحج عنه.
وبهذا انتهينا من الباب الأول من كتاب المناسك ونقف عند هذا الحد سائلين المولى أن يعين على باقيه.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (3) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

في السنة السابقة انتهينا من الباب الأول من كتاب الحج وتوقفنا على

باب المواقيت

، فنبدأ إن شاء الله ومستعينين به تعالى.
باب المواقيت.

  • قال - رحمه الله -: باب المواقيت.

المؤلف - رحمه الله - خصص هذا الباب لبيان مواقيت الحج.
والميقات في لغة العرب هو: الحد.
فالموقت هو: المحدد.
والأصل في لغة العرب: أن المواقيت تتعلق بالزمان لكن اتسع الاصطلاح ليشمل المواقيت المكانية، وإلا فالأصل أن الميقات يتعلق فقط بالزمان.
ومواقيت الحج تنقسم إلى قسمين:

  • القسم الأول: المواقيت الزمانية.

  • والقسم الثاني: المواقيت المكانية.
    والمواقيت الزمانية ستأتينا.
    والمواقيت المكانية تنقسم إلى قسمين:

  • القسم الأول: من كان سكنه دون الميقات.

  • والقسم الثاني: من كان سكنه قبل الميقات.
    وسيأتينا في كلام المؤلف حكم كل واحد من النوعين.
    والمؤلف - رحمه الله - بدأ بالمواقيت المكانية والسبب - والله أعلم - في أنه - رحمه الله - بدأ بها:

  • أن الأحكام التي تعلق بالمواقيت المكانية أكثر والحاجة إليها أمس.

  • قال - رحمه الله تعالى -: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة.

ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة.
وسيأتينا النص الدال على أن هذا هو ميقات أهل المدينة.
وذو الحليفة هو أبعد المواقيت من مكة.
ويسمى الآن: أبيار علي، وسمي بهذا الاسم: لأنه واد تكثر فيه أشجار الحلفة.
ويبعد عن مكة نحو: 420 كيلو، ولذلك اعتبر أبعد المواقيت من مكة.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة.

الجحفة هو ميقات: أهل الشام.
والجحفة في الأصل قرية كبيرة عامرة في طريق الحجاج من الشام إلى مكة لكنها الآن قرية خربة.
وسبب خراب هذه القرية: أن السيول اجتحفتها فأصبحت خرابة ولذلك سميت الجحفة، ولما صارت خراباً انتقل الناس إلى الإحرام من رابغ.

  • وقول المؤلف - رحمه الله -: أهل مصر والمغرب.

لأن أهل مصر والمغرب كانوا يأتون إلى الحرمين عن طريق البر وذلك قبل حفر قناة السويس، فكانوا هم وأهل الشام يلتقون في هذا الميقات.
ويقصد بالمغرب: لا يقصد البلد وإنما يقصد جميع الدول التي في جهة المغرب، فمصر ودول المغرب كانت كلها تحرم من الجحفة، والجحفة تلي ذي الحليفة في البعد، فأبعد المواقيت ذو الحليفة ثم يليه الجحفة.
وتبعد نحو 190 كيلاً.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل اليمن يلملم.

يلملم: وادي في طريق القادم من اليمن إلى مكة.
ويبعد عن مكة نحو 120 كيلاً.
وفي هذا الوادي بئر يسمى السعدية كانوا يحرمون منه قديماً وهو يقع على الخط القديم الذي يصل ما بين الجنوب ومكة، وأما الآن فقد وضعت الدولة خطاً جديداً مهيئاً وهو أحسن من الخط الأول فصار الميقات على الخط الجديد بدل الخط القديم، فقد أوجدوا مسجداً على الخط الجديد محاذٍ ليلملم وصار الناس يحرمون من هذا الميقات الذي هو على الخط الجديد بدل السعدية الموجودة على الخط القديم.
ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل نجد قرن.

القرن في لغة العرب: هو الجبل الصغير المنفصل عن الجبال الكبيرة القريبة منه.
وقرن المنازل وادٍ معروف يسمى الآن: السيل الكبير، وهو: أقرب المواقيت إلى مكة إذ يبعد نحواً من 75 كيلاً تقريباً، وهو ميقات لأهل نجد، وذكر بعض الفقهاء أن الحكمة من كونه قريباً من مكة: أن أهله بعيدين عن مكة فإن نجداً بعيدة عن مكة.

    • مسألة/ الميقات الذي يوجد الآن على طريق النازل من الطائف على طريق الهدى والذي يسمى وادي محرم هو نفسه السيل الكبير لأن هذا الوادي يمتد إلى أن يصل إلى تلك المنطقة فهو أعلى هذا الوادي الذي ينزل إلى قرن المنازل - المعروف الآن - ولذلك فإن أهل نجد مخيرون في إحرامهم سواء كان من السيل الكبير أو من وادي محرم فهم بالخيار، فإذا كانت طائرة الإنسان مثلاً: تأتي من الرياض إلى الطائف مباشرة فلا شك أن وادي محرم أهيأ له وأقرب ليحرم منه أثناء نزوله من الطائف إلى مكة، والذي يعنينا الآن أن نعرف أن وادي محرم هو امتداد لهذا الوادي الذي جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - محرماً والإحرام منه يجوز أو من السيل الكبير الذي هو قرن المنازل فالأمر فيه سعة.
  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل المشرق ذات عرق.

العرق: هو الجبل الصغير.
وذات عرق: هي ميقات لأهل العراق، وهي محاذية للجحفة، وكانت مكاناً عامراً يحرم منه أهل العراق ثم لما وجدت الطرق السريعة المعاصرة لم يكن هذا الميقات على أحد من هذه الطرق فأصبح الآن مهجوراً لا قيمة له بسبب عدم مرور أي من الطرق السريعة على هذا الميقات.
فهذه المواقيت هي المواقيت التي حددها النبي - صلى الله عليه وسلم -. والدليل على هذه المواقيت - ولله الحمد - صحيح صريح وهو:

  • ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم".
    فالترتيب الموجود في الحديث يخالف الترتيب الموجود عند المؤلف فإنه ذكر ميقات أهل المدينة ثم ميقات أهل الشام ثم ميقات أهل اليمن ثم ميقات أهل نجد ولو أنه قدم ميقات أهل نجد على ميقات أهل اليمن لكان كلامه متوافق مع ترتيب الحديث.
    قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة).
    وقوله: (هن لهن) أي: لمن سكن في هذه البلدان، يعني: لأهل هذه البلدان.
    ففي هذا الحديث: التوقيت لأهل الشام واليمن ونجد والشام ومصر وليس فيه التوقيت لأهل العراق.

واختلف العلماء: من هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق؟ على قولين: = القول الأول: أنه النبي - صلى الله عليه وسلم -. واستدلوا على هذا:

  • بما أخرجه أصحاب السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل العراق ذات عرق.
    =والقول الثاني: أن الذي وقت لهم هذا الميقات هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
    • والصواب * * مع القول الثاني:
  • لأن الحديث المرفوع الذي فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي وقت ذات عرق: حديث ضعيف معلول ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث موقوفاً عن عمر وأعرض عن الحديث المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذاً صار الذي وقته هو عمر ب الخطاب - رضي الله عنه -.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وهي لأهلها ولمن مرّ عليها من غيرهم.

أي: أن هذه المواقيت لمن حددت له من الأمصار، وهي ميقات لمن مر عليها ولو من غير أهل تلك الأمصار، وهذه العبارة من المؤلف فيها عدة مسائل مهمة: o المسألة الأولى: هل يجوز الإحرام قبل المواقيت المكانية؟ كما لو أحرم أهل العراق من البصرة - مثلاً - أو من بغداد قبل أن يصلوا إلى ميقاتهم، أو لو أحرم أهل الشام من دمشق أو من عمان قبل أن يصلوا إلى الجحفة ... إلخ .. الجواب: أجمع أهل العلم أنه يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني وأنه ينعقد لكن مع الكراهة - ونحن نتكلم في المواقيت المكانية وسيأتينا الحديث عن الإحرام قبل الموقيت الزمانية -. إلا أن ابن حجر ذكر أن إسحاق بن راهويه وداود الظاهري خالفوا الجماهير وحرموا ومنعوا أن يحرم الإنسان قبل الميقات المكاني.

    • والصواب * *: مع قول الجماهير والذي حكي إجماعاً.

والسبب في ترجيح مذهب الجماهير:

  • أنه مروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعضهم أحرم قبل الميقات المكاني، فإذا كان هذا القول مروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومحكي إجماعاً وهو مذهب الجماهير ولم يخالف إلا داود وإسحاق فلاشك - إن شاء الله - أن الراجح مع الجماهير وهو: الجواز مع الكراهة، وأن من فعل ذلك فقد خالف السنة.

o المسألة الثانية: من كان في طريقه إلى مكة ميقاتان: فهل يجب أن يحرم من الميقات الأول؟ أو يجوز أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الثاني؟ إذا كان الميقات الثاني هو الميقات الأصلي له.
إذاً المسألة مفروضة فيمن مر على ميقاتين الثاني هو الميقات الأصلي له.
مثاله: كأن يسافر رجل من أهل نجد إلى مكة ويمر بميقات أهل المدينة فأمامه ميقات أهل نجد وهو الآن مر بميقات أهل المدينة فهل يجب عليه أن يحرم من هذا أو ذاك؟ فيه خلاف: = القول الأول: للجماهير والجم الغفير من أهل العلم - أنه يجب أن يحرم من أول ميقات يمر عليه ولا يجوز أن يؤخر إلى الميقات الثاني ولو كان هو ميقاته الأصلي.
واستدلوا على هذا القول:

  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - بين هذه المسألة فقال: (هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن).
    ويكاد يكون الحديث نص في المسألة، أن الميقات الأول هو ميقات له، وإذا كان ميقات لهذا الذي مر فالميقات لا يجوز لإنسان أن يتجاوزه بلا إحرام.
    = القول الثاني: - لبعض المالكية واختاره شيخ الإسلام - أنه يجوز أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الثاني إذا كان هو ميقاته الأصلي.
    واستدلوا أيضاً بأدلة فيا وجاهة:
  • الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه لما أرادوا أن يحرموا من ميقات أهل المدينة: (من أراد أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل).
    فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لهم أن يؤخروا الإحرام إلى الميقات الثاني.
    والجواب عليه: أن هذا لحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه يصح مرسلاً إلى محمد بن علي - رضي الله عنه -، فهو صحيح مرسلاً ضعيف مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • الدليل الثاني: روي أن عائشة - رضي الله عنها - أحرمت مرة من ذي الحليفة ومرة من الجحفة وهي من أهل المدينة فأخرت إحرامها إلى الجحفة.
    والجواب عليه: أن هذا الأثر فهم من عائشة - رضي الله عنها - وهو يخالف منطوق حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
  • الدليل الثالث - والأخير -:أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ميقات أهل الشام الجحفة) فالحديث جعل الجحفة ميقاتاً للشام سواء مر قبل ذلك بذي الحليفة أو لم يمر.
    والجواب عليه: أن آخر الحديث ينقض الاستدلال بأوله فإن آخر الحديث بين أن هذه المواقيت مواقيت لأهل تلك الأمصار ولمن مر عليها من غير أهل تلك الأمصار.
    وهذه المسألة: أصبحت في وقتنا المعاصر غاية في الأهمية لسهولة السفر وكثرة الذين يمرون بالمواقيت القريبة من الحرم.
    فصار سؤال الناس عن هذه المسألة كثير جداً لأنه يسهل عليهم أن يمروا بالميقات القريب من مكة وهو كما تقدم معنا: السيل.
    • الراجح * * في هذه المسألة إشكال - وقلت لكم أن القول الثاني هو لبعض المالكية وأيضاً اختاره شيخ الإسلام بن تيمية، لكن يظهر لي أن هذا القول ضعيف وأن الأقرب - إن شاء الله - مذهب الجماهير وهو: أنه يجب أن يحرم من أول ميقات.
      على أني أقول كما نبهت مراراً إلى أن المسألة الخلاف فيها قوي وأدلة أصحاب القول الثاني فيها وجاهة وتحتمل القبول وأن يرجح القول لأجلها.
      لكن لما كان الجمهور معهم نص صريح صحيح وواضح وهو أحوط فرأيي أن هذا القول أوفق للحديث وأحوط لدين الإنسان.
      o المسألة الأخيرة: حكم تجاوز الميقات بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة.
  • أجمع أهل العلم بلا خلاف على:
  • تحريم تجاوز الميقات بلا إحرام لمن كان مريداً للنسك.
  • وأنه إذا تجاوز الإحرام فهو آثم إذا كان عمداً بعلم وعليه أن يتوب ويستغفر.
  • ثم: إن رجع إلى الميقات قبل أن يحرم فإنه يسقط عنه الدم على الصحيح من قولي أهل العلم.
  • وإن أحرم بعد أن تجاوز الميقات فإنه يثبت عليه الدم رجع أو لم يرجع لا كما يفهم بعض إخواننا أنه إذا رجع ولو بعد الإحرام سقط عنه الدم بل إذا أحرم بعد أن تجاوز الميقات فإنه يثبت عليه الدم رجع أو لم يرجع ما دام أنه أحرم.
    ولا نريد الآن أن ندخل في مسألة: الدم المترتب على ترك الواجب لأنه سيأتينا في منطوق المؤلف أو نصه ونتحدث عن هذه المسألة.
    المهم: أن تجاوز الميقات لمن أراد النسك محرم بالإجماع: فإن رجع قبل أن يحرم سقط عنه الدم وبقي أن يتوب.
    وإن رجع بعد أن يحرم فالدم يثبت في ذمته.
  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: ومن حج من أهل مكة: فمنها.

تقدم معنا أن الناس على قسمين: منهم من هو دون المواقيت.
سواء كان من أهل مكة أو من غير أهل مكة ممن هو دون المواقيت كأهل جدة وبحرة وغيرهم، فهؤلاء يقول المؤلف - رحمه الله - عنهم: (ومن حج من أهل مكة: فمنها) فالإحرام لأهل مكة: من مكة بالإجماع.

  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حتى أهل مكة من مكة).
    ونحن نتحدث عن الحج وسيأتينا الكلام عن العمرة.
    ومقصود المؤلف - رحمه الله - بقوله: (أهل مكة) من كان في مكة عند إرادة النسك سواء كان مقيماً في مكة أو غير مقيم، فكل شخص في مكة نوى أن يحج فإنه يحرم من مكة.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وعمرته من الحل.

يعني أنه إذا أراد المكي أن يعتمر فيجب عليه وجوباً أن يحرم من الحل ولا يجوز أن يعقد الإحرام من مكة.
وهذا القول الذي ذكره المؤلف - رحمه الله - هو: = مذهب الأئمة الأربعة.
بل مذهب الجماهير من أهل العلم من فقهاء التابعين وغيرهم بل حكاه الطبري إجماع أهل العلم: أن المكي لا يجوز له أن يعقد إحرام العمرة من مكة.
واستدلوا على هذا بدليلين:

  • الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالخروج بعائشة - رضي الله عنها - إلى التنعيم لتحرم بالعمرة في قصتها المشهورة لما حاضت وفاتها أن تأخذ عمرة مع الحج - كما سيأتينا حديثها مفصلاً.
  • والثاني: أنه مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المكي إذا أراد أن يحرم فإنه يجب أن يخرج إلى الحل.
  • والدليل الثالث: أن المعهود في الشرع أن الإحرام لابد أن يجمع فيه الإنسان بين الحل والحرم.
    ففي الحج سيجمع الإنسان بين الحل والحرم بأن يخرج إلى عرفة وفي العمرة لن يخرج إلا إذا أحرم من خارج الحرم من الحل فوجب عليه أن يخرج.
    = والقول الثاني: جواز الإحرام بالعمرة من مكة.
    وإلى هذا ذهب الصنعاني - رحمه الله - ولا أعلم أن أحداً من أهل العلم تابع الصنعاني على هذا القول - أعني من المتقدمين إلا أن البخاري قال: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة.
    الراجح من القولين إذا اعتبرنا القول الثاني قولاً يعتد به:

الراجح هو القول الأول الذي حكي إجماعاً، بل نستطيع أن نقول أن هذا القول قول شاذ ويحكم على هذا القول بأنه من الأقوال الشاذة.
فإن الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - يقول: لا أعلم أن أحداً رأى العمرة من مكة.
وانطلاقاً من حكاية الإجماع الذي حكاه الطبري ومن هذه العبارة من الإمام مالك: نستطيع أن نقرر أن هذا القول قول شاذ مخالف لأقوال أهل العلم.
ولذلك لا ينبغي في الحقيقة - ومن وجهة نظري - التعويل عليه أو الفتوى به لمخالفته ما عليه جمهور أهل العلم أو إجماع أهل العلم.
ثم بدأ المؤلف بالمواقيت الزمانية:

  • فقال - رحمه الله تعالى -: وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
    أشهر الحج: = عند الحنابلة: هذه التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -. شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
    واستدل الحنابلة:
  • بأن هذا التحديد مروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - وليس مما يقال من قبيل الرأي.
    = والقول الثاني: أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملاً.
    واستدل هؤلاء بدليلين:
  • الدليل الأول: أن هذا القول صح عن عمر وابنه وابن عباس - رضي الله عنهم -
  • الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿الحج أشهر معلومات .. ﴾ [البقرة/197] وأشهر جمع، والجمع في لغة العرب لا يصدق إلا على ثلاثة فصاعداً.
    فدل على أن المواقيت الزمانية ثلاثة أشهر.
    فهذا القول هو القول الصحيح إن شاء الله، لو لم يكن في الباب إلا أن هذا رأي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فضلاً عن أنه يتوافق مع ظاهر الآية، فضلاً عن أنه يتوافق مع فتوى اثنين من علماء الصحابة: ابن عمر وابن عباس، فإذا نظر الإنسان في هذه الأدلة تبين له بوضوح أن القول بأن أشهر الحج ثلاثة هو القول الصواب إن شاء الله.
    ونختم هذا الباب بمسألة مهمة:
  • وهي: حكم الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني: = ذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى إلا أنه يجوز وينعقد مع الكراهة الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني.
    = والقول الثاني: وهو مذهب الجماهير - الأئمة الثلاثة وغيرهم أن الإحرام بالحج لا ينعقد قبل ميقاته الزماني، فإذا لبى بالحج قبل أشهره انقلب إلى عمرة.
  • لأن الله تعالى وقت للحج ميقاتاً زمانياً معيناً ولا يعلم بهذا فائدة إلا منع الإحرام في غير هذا المقت المحدد.
    وكما ترون مذهب الحنابلة في هذه المسألة: ضعيف، ومذهب الأئمة الثلاثة قوي ومتوافق مع النصوص.
    ويؤيد هذا: - أنه لم يرو عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب ماروي عنهم في باب الميقات المكاني، فلم يرو عن أحد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - أنه أحرم بالحج قبل ميقاته الزماني فيما أعلم.
    وهناك فارق آخر بين الميقات الزماني والمكاني ذكره بعض الفقهاء - وهو حسن - فقال: مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - من الميقات المكاني أن لا يتجاوز الإنسان هذا المكان إلا بعد الإحرام فإذا أحرم قبله بمراحل فهو لم يخالف هذا الغرض بل إن الأحناف بالغوا ورأوا أن الإحرام بالحج أو العمرة قبل ميقاته المكاني مستحب بينما ذهب الجمهور إلى أنه مكروه مع الجواز والصحة.
    المهم أن هذا الفارق بين الميقات الزماني والمكاني يؤكد صحة ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة وهو أن الإحرام بهذه المواقيت لا ينعقد.

باب في الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما

.

  • قال - رحمه الله -: باب في الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما.

أي باب لبيان أحكام الإحرام من الواجبات والسنن وغير ذلك مم يتعلق بتفاصيل أحكام الإحرام.

  • قال - رحمه الله -: الإحرام: نية النسك.

تقدم معنا مراراً أن المؤلف - رحمه الله - ممن لا يعتنون ببيان معاني المفردات في لغة العرب لكونه من المختصرات.
o ففي لغة العرب: الإحرام هو: نية الدخول في التحريم.
ومعنى التحريم: أن يحرم الإنسان على نفسه ما كان حلالاً أياً كان نوع هذا التحريم، فإذا قال الإنسان: عزمت على أن أتكلم، فقد أحرم الآن يعني: دخل في التحريم أي التحريم على نفسه جنس الكلام، ومعنى الإحرام يعني: الدخول في التحريم كما تقول: أمسى يعني دخل في المساء، وأصبح يعني دخل في الصباح، فأحرام يعني دخل في التحريم، إذاً الآن تبين لنا معنى هذه اللفظة في لغة العرب.
o أما في الاصطلاح: فالإحرام هو: نية الدخول في النسك.

وأصبحت هذه اللفظة (الإحرام) في الشرع علم على إحرام مخصوص وهو نية الدخول في أعمال الحج والعمرة فقط، فالمعنى الشرعي ضيق وحدد المعنى اللغوي، إذاً عرفنا الآن معنى الحرام في لغة العرب وفي الشرع.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: سن لمريده: غسل.

كل الأشياء التي سيذكرها المؤلف سنن وليست بواجبات.
1 - فالسنة الأولى الغسل.
ومراد الفقهاء بهذا الاغتسال يعني اغتسال خاص للإحرام، ولذلك يسن للرجل وللمرأة وللمرأة الحائض والطاهر وللمرأة النفساء وغير النفساء.

بدليل:

  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل وتحرم مع أنها نفساء.

  • وأمر عائشة أن تغتسل مع أنها حائض.
    فدلت هذه النصوص على أن الاغتسال سنة من سنن الإحرام.
    ودل عليه أيضاً:

  • حديث زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله واغتسل.
    وهذا الحديث: حديث ضعيف ولا تقويه كثرة الطرق بل هو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اغتسل.
    ومع ذلك ذهب الجماهير إلى أن الاغتسال سنة اعتماداً على حديث أسماء وعلى حديث عائشة ولا أظن أن في هذه المسألة خلاف - فلم أطلع على خلاف في استحباب الاغتسال للإحرام.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: أو تيمم لعدم.

فيسن لمن أراد الإحرام أن يغتسل فإن لم يستطع فإنه يسن له أن يتيمم.
والدليل على ذلك:

  • أن الشارع الحكيم أقام التيمم بدلاً عن الاغتسال، فإذا لم يتمكن من الاغتسال تيمم.
    = القول الثاني: أنه لا يشرع التيمم في غسل الإحرام بل لا يشرع في جميع الأغسال المستحبة بل الواجبة فقط.
    واستدلوا على هذا:

    • بأن المقصود في التيمم في الأغسال الواجبة استباحة ما يمنع بلا الاغتسال من صلاة وغيرها.
      بينما المقصود بالاغتسال المستحب النظافة والتطهر، والتيمم يناقض النظافة لأن فيه ضربا على التراب.
      وهذا القول وهو عدم مشروعية التيمم في جميع أنواع الاغتسال المستحب اختيار شيخ الإسلام وهو قول قوي راجح كما ترون، بناء عل ذلك: إذا أراد الإنسان أن يحرم فإما أن يغتسل فإن لم يستطع فإنه يتيمم.

ثم قال - رحمه الله تعالى -: وتنظف.

إذا جمع الفقهاء بين الاغتسال والتنظف صار معنى التنظف ينحصر في تقليم الأظافر وحلق العانة والإبط باعتبار أن الاغتسال يتناول مسألة تعميم الجسم بالماء.
ليس في النصوص الشرعية ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أن أحداً من أصحابه كان يتقصد التنظف بهذا المعنى عند الإحرام لكن الجمهور استدلوا بدليلين:

  • الدليل الأول: وهو الأقوى - أن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - قال: كانوا يفعلون ذلك.
    وأنا قلت لكم: أن مثل هذه العبارة عن مثل هذا التابعي عبارة مهمة جداً وللإنسان أن يعتمد عليها في تقرير الحكم أو على أقل تقدير يستأنس بها، لأن معنى قوله - رضي الله عنه -: (كانوا) إما أن ينصرف إلى الصحابة أو على أقل تقدير إلى كبار التابعين، وإذا كان هذا المعنى معروفاً في تلك الطبقة التي هي خير القرون صار هذا أمراً يمكن للإنسان أن يتمسك به في إثبات استحباب التنظف.

  • الدليل الثاني: قالوا: أنه يستحب أن يفعل ذلك لأن لا يحتاج إلى أخذ هذه الشعور أثناء الإحرام ولن يتمكن من ذلك بسبب الإحرام فإن الأخذ من الشعر من محظورات الإحرام.
    تبين معنى الآن أن الاغتسال والتنظف نقول: أنه مستحب ولا نقول سنة، فهو مستحب وليس بسنة.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وتطيب.

يعني ويستحب لمن أراد أن يحرم أن يتطيب.
ومقصود الحنابلة هنا بقولهم يتطيب: يعني في جسده دون ثياب الإحرام فالسنة أن يضع الطيب على الجسد لا على ثياب الإحرام.
واستدلوا على ذلك:

  • بقول عائشة - رضي الله عنها - كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف.
    واستدلوا على أن التطيب يكون في البدن دون الثياب:
  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى في الحديث الصحيح عن لبس ثوب زعفر أو مسه ورس، والورس والزعفران من أنواع الطيب.
    فدل مجموع الحديثين على أن الطيب يكون في البدن دون الثوب.
    • مسألة: حكم وضع الطيب على ثياب الحرام: = عند الحنابلة: مكروه مع الجواز.
      لكن قالوا: إذا وضع الطيب على الثياب ثم أحرم ثم خلع هذه الثياب لأي غرض من الأغراض فإنه حينئذ لا يجوز له أن يرجع فيلبس هذا الإحرام.
  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وتجرد عن مخيط.

التجرد عن المخيط: = سنة عند الحنابلة وليس بواجب.
فيجوز للإنسان أن يحرم بثيابه، لكن قالوا: إذا أحرم بثيابه فإنه لا يجوز له أن يستديم لبس الثياب ولو للحظة واحدة بعد الزمن الذي يمكن له أن يخلع الثياب.
إذاً يجوز للإنسان أن يحرم بثيابه عند الحنابلة والتجرد عندهم سنة لكن لا يجوز له أن يستديم هذا اللبس إلى أكثر من مدة خلع الثياب فإن استدامه بزيادة ولو لحظه واحدة فإنه يأثم وعليه الفدية.
= والقول الثاني: أن التجرد للإحرام واجب وهو مذهب المالكية وغيرهم.
وهذا هو الصواب وعليه عمل المسلمين من قديم وحديث.
ويدل على ترجيح هذا القول أن: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ويمكن للإنسان أن يكون متجرداً من المخيط طيلة وقت الإحرام إلا إذا خلع الألبسة المخيطة قبل الوقت - قبل دخوله في الإحرام.
ولذلك نقول: هذا القول الثاني هو الراجح ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،،،

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (4)

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
توقفنا في الشرح عند قوله - رحمه الله -: (وتجرد عن مخيط) وذكرنا أن التجرد سنة وما يتعلق بهذا من الأحكام.
وبقينا في مسألة: ما هو المخيط الذي يجب على المحرم أن يتجرد عنه؟ المخيط الذي يجب على لمحرم أن يتجرد عنه: هو كل لباس مفصل عل قدر الجسم أو على قدر عضو منه.
وليس المراد بالمخيط كل ما دخلته الخياطة.
بل المراد: كل ما فصل على قدر الجسم كله كالثوب أو على قدر جزء منه كالفانيلة والجوارب وأشياء أخرى كثيرة.
إذاً هذا هو الذي يجب أن يتجرد عنه المحرم وسيأتينا تفصيل لمسألة لبس المخيط ما يترتب عليه في باب الفدية إن شاء الله.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: في إزار ورداء.

يعني: يسن للإنسان أن يحرم في إزار ورداء.

  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين).

  • ولأن السنة استفاضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه هو وأصحابه أحرموا بهذه الألبسة.
    وعلم من قول المؤلف - رحمه الله -: (في إزار ورداء) أنه سواء كان هذا الإزار أو الرداء من قطن أو من خيوط أو من صوف أو من أي مادة كانت، فما دام أنه إزار ورداء فيجوز: لأنه يقول: (إزار ورداء) ولم يعين نوع المادة التي خيط منها هذا الإزار والرداء.

ثم قال - رحمه الله تعالى -: أبيضين.

يسن أن يحرم الإنسان بالأبيض.

  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خير ثيابكم البياض).

  • ولأن المعروف في السنة أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم برداء أبيض.
    وأيضاً علم من كلام المؤلف - رحمه الله - أنه يسن أن يكون الرداء والإزار أبيضين: جواز الإحرام بالأحمر والأصفر والأخضر وبأي لون، إلا أن الأحمر تقدم معنا الخلاف في حكم لبس اللباس الأحمر الخالص وأن الصواب أن لبس الأحمر الخالص لا يجوز وأن لبس الأحمر المشوب في السنة ما يدل على جوازه.
    المهم: أنه أي لون من الألوان عدا الألوان التي نهى عنها الشارع وهو الأحمر يجوز أن يحرم به الإنسان ولا حرج عليه.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وإحرام عقب ركعتين.

أي ويسن لمن أراد النسك أن يحرم عقب ركعتين.
= واتفق الأئمة الأربعة على أن للإحرام سنة خاصة به.
وأنه يسن للإنسان قبل أن يحرم أن يصلي ركعتين إذا لم يصادف فريضة.
واستدلوا على هذا الحكم:

  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه أحرم بعد أن صلى الظهر وكأن الأئمة الأربعة يرون أن ذلك كان مقصوداً من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يحرم إلا بعد هذه الصلاة.
  • وبقوله في الحديث القدسي أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة).
    فقوله: (صل ثم قل) دليل على أن النسك يستحب الشروع فيه بعد صلاة: سواء كانت فريضة بأن صادف الوقت فريضة أو بعد نافلة.
    = والقول الثاني: أنه ليس للإحرام سنة خاصة به.
    فإن صادف الإنسان فريضة صلاها ثم أحرم فإن لم يصادف فليس للإحرام سنة خاصة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وتابعه عدد من أهل العلم.

واستدلوا:

  • بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على أنه من مقصود الشارع أن يقع الإحرام بعد صلاة فريضة أو نفل.
    ولكل من القولين حظ من النظر وما ذكره الأئمة الأربعة فيه قوة ويؤيده هذا اللفظ (صل في هذا الوادي المبارك وقل) فكأن الحديث رتب الإحرام على الصلاة، ففي الحقيقة ينبغي للإنسان أن لا يحرم إلا بعد صلاة، والأمر في هذه المسألة سهل ولكنه يرجع إلى الاعتقاد، فهل يعتقد الإنسان أنه يستحب ويسن له أن لا يحرم إلا بعد صلاة أو لا؟ أنا أرى أنه يسن أن يعتقد وأن يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما صنع ذلك قصداً كما فهم الأئمة الأربعة وكما قلت لكم النصوص التي ذكرت تؤيد هذا الفهم.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: ونيته شرط.

نية الإحرام شرط لصحة وانعقاد الإحرام.
أي: فلا يكتفي الإنسان بمجرد التجرد من المخيط أو التلبية بل لابد مع ذلك من أن ينوي الدخول في النسك.
واختلف الفقهاء: هل يدخل الإنسان في النسك بمجرد النية؟ أو يشترط مع النية شيء آخر.
=فالجمهور: على أن النية فقط هي التي تشترط ولا يشرط لدخول الإحرام شيء آخر.
واستدلوا على ذلك:

  • بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات).
  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: ويستحب قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيْدُ نُسُكَ كَذَا فَيَسِّرْهُ لِي وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي).

هذه العبارة اشتملت على مسألتين:

  • المسألة الأولى: أنه: =يستحب عند الحنابلة: النطق بالنية عند إرادة الإحرام سواء أراد الإحرام بالحج أو بالعمرة.
    وتقدم معنا أن الحنابلة لا يرون مشروعية النطق بالنية عند إرادة الإحرام بالصلاة، وفرقوا بينهما: لأن نية النسك تطول على الإنسان وتكثر فيها الأعمال فناسب لذلك أن يصرح أو أن ينطق بالنية ليتصور العمل بخلاف الصلاة فإن وقتها وجيز ولا يدخل الإشكال على المصلي في ضبط نيته.
    = والقول الثاني: أن النطق بالنية لا يشرع ولا يستحب وليس له أصل في السنة وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عمراً وحجوا ولم ينقل عنهم أنهم نطقوا بالنية.
    فالأقرب والله أعلم: أن النطق بالنية لا يشرع إن لم نقل إنه بدعة.
    والنطق بالنية شيء والتلبية التي ستأتينا شيء آخر.
  • المسألة الثانية: - التي اشتملت عليها عبارة المؤلف - رحمه الله -: أنه يستحب للمحرم أن يشترط فيقول: (اللهم محلي حيث حبستني).
    = ومذهب الحنابلة: أن الاشتراط سنة مطلقاً.
    واستدلوا على هذا:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة بنت الزبير وهي على وشك الإحرام وقد كانت تشتكي مرضاً فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني).
    فقالوا: هذا دليل يدل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يحرم أن يشترط خشية أن يقع في مانع من إتمام النسك.
    = القول الثاني: أن الاشتراط لا يشرع مطلقاً.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن الصحابي الجليل والفقيه الكبير ابن عمر - رضي الله عنه - سأل عن الاشتراط: فقال: حسبكم سنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم -. وقد كان ابن عمر ينهى عنه، فهو - رضي الله عنه - يرى أن الاشتراط لا يشرع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط هو ولا أصحابه وأن حادثة ضباعة حادثة عين.

=القول الثالث: أن الاشتراط يشرع فقط لم خشي على نفسه من عدم إتمام النسك.
فإذا خشي الإنسان أن لا يستطيع أن يتم النسك لمرض أو لحيض بالنسبة للنساء أو لأي سبب من الأسباب فإنه والحالة هذه يشرع له أن يشترط.
وصاحب هذا القول رأى أنه بذلك جمع بين الأقوال.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط هو ولا أصحابه وأمر ضباعة أن تشترط فجمع بين الأدلة: بأنه يشرع لمن كانت حاله تشبه حالة ضباعة - رضي الله عنها - من حيث خشية عدم التمكن من إتمام النسك.
= والقول الرابع: أن الاشتراط واجب فإن لم يشترط فهو آثم.
وإلى هذا ذهب الشيخ الفقيه ابن حزم - رحمه الله -. وهو لاشك أنه قول ضعيف وفيه شذوذ.
والراجح والله أعلم الذي تجتمع به الأدلة القول الثالث لكونه أخذ بجميع النصوص.
وأما مذهب ابن حزم فضعفه واضح إن شاء الله.
ثم بدأ المؤلف - رحمه الله - بالأنساك:

  • فقال - رحمه الله -: وأفضل الأنساك (1) التمتع.

الأنساك في الحج ثلاثة: 1 - التمتع.
2 - والقران.
3 - والإفراد.

وقول المؤلف - رحمه الله -: (وأفضل الأنساك التمتع) دليل على أنه يجوز للإنسان إذا أراد أن يحرم أن يحرم بأي من الأنساك الثلاثة فإن أراد أن يتمتع يتمتع وإن أراد القران أو الإفراد فعل.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: = فالقول الأول: هو ما ذهب إليه المؤلف - رحمه الله - وهو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء وعامة التابعين والفقهاء كلهم طبقة عن طبقة: أنه يجوز للإنسان أن يتخير ما شاء من الأنساك.
واستدلوا على هذا:

  • بحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بعمرة وحج وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحج.
  • وذكر جابر - رضي الله عنه - في الصحيح كما ذكرت عائشة - رضي الله عنها - تماماً.
  • وذكر ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضاً في الصحيح كما ذكرت عائشة تماماً.
    فدلت هذه الأحاديث الثلاثة على أن من أراد الحج فهو مخير بين هذه الأنساك الثلاثة.
    = والقول الثاني: وإليه ذهب ثلاثة على رأسهم الصحابي الجليل الفقيه الكبير - رضي الله عنه -: ابن عباس ثم تابعه ابن حزم ثم تابعهم ابن القيم.
    فهؤلاء يرون أنه يجب على من أراد الحج أن يحرم متمتعاً.
    واستدلوا - رحمهم الله -:
  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ساق الهدي ووصل إلى مكة أمر جميع الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا الحج وأن يقلبوه إلى عمرة ويتمتعوا.
  • كما أنه - صلى الله عليه وسلم - تحسر وتمنى أنه لم يسق الهدي لكي يحرم متمتعاً.
    فقالوا هذا أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يحرم الإنسان بالعمرة متمتعاً والأمر يدل على الوجوب بل أن هذا الأمر أكد بالغضب وتعنيف الصحابة من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا القول - الثاني - قول فيما يظهر لي ضعيف جداً وهو قول كما قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله -: (قول مهجور) لم يعمل به ربما من عهد الصحابة إلى اليوم إلا من قبل قائليه.
    كيف نقول أنه يجب على الإنسان أن يحرم بالتمتع وعروة بن الزبير - رضي الله عنه - يقول: إن الخلفاء الثلاثة والمهاجرين والأنصار كانوا يحجون مفردين؟

كيف للإنسان أن يقول: يجب على الحاج أن يحرم متمتعاً ونحن نرى أفضل خلق الله - الخلفاء الثلاثة والمهاجرون والأنصار يحرمون مفردين؟ ولهذا أقول إن هذا القول على جلالة قائليه وعظم شأنهم أنه قول ضعيف جداً وهو قول مهجور.
إذاً الراجح إن شاء الله أنه يجوز للإنسان أن يتخير من الأنساك ما شاء.

  • قال - رحمه الله -: وأفضل الأنساك: التمتع.

قالوا: والله سبحانه وتعالى إنما يختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنساك لا سيما وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - لن يحج إلا في سنة واحدة.
= القول الرابع: أن التمتع هو أفضل الأنساك إذا كان الإنسان سيأتي بالعمرة والحج في سفر واحد، أما إذا كان سيأتي بالعمرة في سفر وبالحج في سفر آخر فالأفضل له الإفراد.
وصاحب هذا القول لم يفرق بين أن تكون سفرة العمرة في أشهر الحج أو في غيرها من الأشهر ما دام السفران في سنة واحدة.
وهذا القول هو القول الذي نصره شيخ الإسلام وأيده بالآثار وذكر أن به تجتمع النصوص.
وقال: لذلك كان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يحجون مفردين، ويقوي هذا القول: صنع الصحابة حيث كان الصحابة يحرمون مفردين، ومع ذلك نقول: الأولى والأحسن أن يحرم الإنسان متمتعاً ليكون أتى بأفضل الأنساك على كل حال.

  • ثم قال - رحمه الله تعالى -: وصفته: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه.

صفة التمتع: أن يحرم بالعمرة في عامه ثم يفرغ منها ثم يحرم بحج.
وهذه الأشياء الثلاثة التي ذكرها المصنف - رحمه الله - هي شروط التمتع:

  • أن يحرم بالعمرة في أشهر.
    هذا هوالشرط الأول.

  • الشرط الثاني: أن يفرغ منها.

  • الشرط الثالث: أن يحرم بالحج في عامه.

  • قوله - رحمه الله -: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.

هذا الشرط الأول من شروط التمتع: أنه لو لم يحرم بالعمرة في أشهر الحج لم يكن جمع بين نسكين في عام واحد.
فيشترط لصحة التمتع: أن تقع العمرة والحج كلاهما في أشهر الحج.
فإن اعتمر في رمضان وحج في أشهر الحج فهو مفرد فلابد أن تكون العمرة في أشهر الحج.

الشرط الثاني:

  • قوله - رحمه الله -: ويفرغ منها.

معنى قوله: يفرغ منها: يعني يتحلل.
(معنى الفراغ في عبارة المؤلف - رحمه الله - أي أن يتحلل التحلل الشرعي بأداء جميع مناسك العمرة).
والدليل على ذلك:

  • أنه لو أحرم بالحج قبل أن يفرغ من العمرة لصار قارناً وليس متمتعاً لأنه أدخل الحج على العمرة حيث أحرم بالحج وهو ما زال في إحرام العمرة وهذه صورة من صور القران.

إذاً هذا هو الدليل على اشتراط أن يفرغ من العمرة كما أنني لا أعلم خلافاً في اشتراط هذا الشرط فيمكن أن نقول: إجماع.
الإجماع على اشتراط هذا الشرط، إذاً يشترط أن يفرغ من العمرة قبل أن يحرم بالحج للمعنى الذي ذكرت وللإجماع.

الشرط الثالث:

  • قال - رحمه الله -: ثم يحرم بالحج في عامه.

يجب أن يحرم بالحج في نفس العام الذي أخذ فيه العمرة، وهذا صرحوا فيه بالاتفاق، أي أنه شرط متفق عليه.

  • ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة/196]. فإنه يدل على أنه يجب أن يتوالى النسكان فيأتي نسك الحج متوالياً مع نسك العمرة فلابد فيهما من الموالاة وأن يكونا في سنة واحدة.
    وهذا كما قلت لكم - الشرط الثالث - محل اتفاق.
    ثم لما فرغ الشيخ - رحمه الله - من شروط التمتع وهي ثلاثة انتقل إلى شروط وجوب الدم في التمتع، وكثير من إخواننا يخلط بين شروط التمتع وشروط وجوب الدم في التمتع وهما موضوعان منفصلان، لذلك يتصور أن يكون الإنسان من المتمتعين ولا يجب عليه دم لأن شروط التمتع انطبقت عليه وشروط الدم لم تنطبق عليه، فنقول: أنت متمتع ولا يجب عليك دم، لكن مع ذلك ينبغي أن يلاحظ الإنسان أن شروط التمتع وشروط وجوب الدم في المتعة متقاربة وأحياناً تكون متطابقة لكن يجب أن يعلم الإنسان أن بينهما فرق في الفقه وفي الثمرة بحيث ربما يكون الإنسان متمتعاً ولا يجب عليه دم.

بدأ بشروط الدم.

  • فقال - رحمه الله تعالى -: وعلى الأفقي دم.

ذكر المؤلف - رحمه الله - شرط واحد من شروط وجوب الدم وهو: أن يكون المتمتع من غير حاضري المسجد الحرام وهو معنى قوله: (وعلى الأفقي) فالأفقي من لم يكن من حاضري المسجد الحرام.
واشتراط أن يكون الإنسان ليس من حاضري المسجد الحرام ليجب عليه الدم في المتعة هذا شرط متفق عليه.
لكن اختلفوا في من هو الذي ليس من حاضري المسجد الحرام؟ أما أنه شرط فهذا متفق عليه.
إذاً اتفقوا على اشتراط هذا الشرط واختلفوا في حد الأفقي أو في حد من ليس من حاضري المسجد الحرام.
= فمذهب الحنابلة وهو القول الأول: أن حاضر المسجد الحرام هم أهل الحرم ومن كان منه دون مسافة قصر.
واستدلوا على هذا:

  • بأن الله تعالى قال: - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/196] ومن قرب من الشيء أخذ حكمه.
    والذين هم على مسافة دون مسافة القصر هم قريبون من أهل الحرم فيأخذون حكم أهل الحرم.
    بدليل أن من كان دون مسافة قصر يأخذ أحكام أهل مكة في السفر فدل على أن لهم نفس الأحكام بسبب القرب.
    = القول الثاني: أنهم أهل مكة فقط وهو مذهب المالكية.
    فإذا كان الإنسان يسكن في الحرم ولكنه خارج مكة إذا تصورنا وقوع هذا فإنه يجب عليه الدم عند المالكية.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن المقصود بقوله - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/196] أن المقصود بالمسجد الحرام في الآية مسجد الكعبة فقط.
    ومن كان حول مسجد الكعبة هم فقط أهل مكة.
    فكل من كن خارج مدينة مكة ولو كان في الحرم فإنه يجب عليه الدم.
    = القول الثالث: أنهم أهل الحرم فقط وهو مذهب ابن حزم ومال إليه ابن القيم.
    ما هو الفرق بين هذا القول ومذهب الحنابلة؟ الفرق بينهما هو: أن من كان على مسافة قصر من أهل الحرم لا يدخل على هذا القول ضمن حاضري المسجد الحرام فيجب عليه دم، إذاً هذا هو الفرق فابن حزم يضيق ويجعله الحرم فقط دون من كان على مسافة قصر.
    واستدل على هذا:
  • بأن الله سبحانه وتعالى نص على أن المقصود بالأفقي هو من كان حاضر المسجد الحرام فقط.
    من كان في الحرم هو المقصود ومن كان خارج الحرم فليس بالمقصود بالآية بنص الآية.
    = والقول الرابع والأخير: أن المقصود بحاضري المسجد الحرام هم أهل مكة والحرم: o فإن كان من أهل مكة خارج الحرم دخل في الآية.
    o وإن كان من أهل الحرم خارج مكة أيضاً دخل في الآية.
    وإلى هذا القول ذهب شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله - وهو قول إذا تأمله الإنسان وجده متين جداً في الحقيقة وفيه جمع بين أقوال أهل العلم.
    ولكن ينظر فيمن سبق الشيخ - رحمه الله - في هذا القول فإني لم أجد مع العلم أن البحث غير موسع لكني لم أجد من سبقه - رحمه الله - بهذا التفصيل.

لكنه في الحقيقة قول جيد جداً وقوي.
وهو أن المقصود أهل مكة وأهل الحرم لأن الآن يوجد من أهل مكة من هو خارج الحرم ويوجد من أهل الحرم م هو خارج مكة، فهذا القول قول وجيه.
وإذا تأملت وجدت أن هذا القول يكاد يتوافق مع قول الحنابلة.
لأن الحنابلة عندهم: أن الأمر يشمل كل الذين على مسافة قصر من مكة فسيشمل أهل الحرم الذين هم خارج مكة لأنهم وإن كانوا خارج مكة لأن ليس بينهم وبين مكة مسافة قصر، فهو قول يقرب من قول الحنابلة لكن بهذا التفصيل وهو أن يشمل الأمر أهل مكة وأهل الحرم، وهو تفصيل قوي وسديد.
إذاً أخذنا الشرط الأول من شروط وجوب الدم في التمتع.
الشرط الثاني: أن لا يسافر بين النسكين - وهو شرط لم يذكره المؤلف.
وهذا الشرط اتفق عليه المذاهب الأربعة.
لكن اختلفوا في حد السفر المسقط للدم، وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة.
= القول الثاني: أن المتمتع يبقى متمتعاً ولو سافر.
وإلى هذا ذهب الفقيه الحافظ ابن المنذر فرأى - رحمه الله - أن الإنسان ولو سافر ورجع إلى بلده فإن دم المتعة لا يسقط عنه ويبقى متمتعاً.
واستدل:

  • بالعمومات.
    فإن من سافر يصدق عليه أنه أخذ العمرة والحج في سنة واحدة فهو متمتع ويصدق عليه أنه تمتع بين الإحرامين.
    واستدل الجماهير: وهم الأئمة الأربعة وغيرهم كفقهاء التابعين وغيرهم من فقهاء المسلمين:
  • بأثر عمر بن الخطاب أنه قال: (من تمتع بالعمرة إلى الحج إن بقي في مكة فهو من المتمتعين وإن سافر أو رجع فليس من المتمتعين) , فاستدل الجمهور بهذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - على أن السفر يقطع أحكام التمتع.
    واستدلوا على ذلك:
  • بتعليل: وهو أن المتعة إنما سميت بذلك لأنه يترفه بترك أحد السفرين في أداء النسك أي أنه يأتي بالنسكين في سفر واحد، وهذا لا يصدق على من سافر بين النسكين فاستدلوا بالعلة التي من أجلها وجب هذا الدم وهو دم شكران.
    الراجح: من حيث الأصل مع الجمهور لاستدلالهم بهذا الأثر الصحيح عن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -.

نأتي إلى المسألة الثانية: الاختلاف في حد السفر المسقط لدم المتعة.
فاختلف الأئمة الأربعة في هذه المسألة على أقوال:

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل