كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
فإذاً قول بعضهم أن الأقرب أن كفن الرجل ككفن المرأة ليس بصحيح بل إنه فيما أرى مخالف للإجماع فبعد البحث لم أجد أحداً ساوى بين كفن المرأة والرجل.
ـ المسألة الأخيرة: عدد الثياب.
في كم تكفن المرأة؟
= ذهب الجماهير والجم الغفير واختاره ابن المنذر وابن حزم وعدد من السلف أن المرأة تكفن في خمسة ثياب.
وتكفين المرأة في خمسة ثياب صح عن ابن سيرين والنخعي والشعبي وغيرهم من السلف بإسناد صحيح.
وابن حزم أخذ بهذه الآثار عن هؤلاء الأربعة.
الدليل على أنها خمسة ثياب:
- أنه روي في طريق من حديث أم عطية خارج الصحيح: أنهن - النساء اللاتي غسلن ابنت النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب - كفنها في خمسة ثياب وجعلن عليها خماراً كما تخمر الأحياء.
وابن حجر يقول عن هذا الحديث أن إسناده صحيح.
وروي بإسناد ضعيف أن أم كلثوم ابنت النبي - صلى الله عليه وسلم - كفنت في خمسة ثياب.
فالعمدة في مسألة عدد ثياب المرأة أثناء التكفين - هذا الطريق في حديث أم عطية والآثار الصحيحة الثابتة عن السلف.
فهذان دليلان يستطيع الإنسان أن يجزم بهما ثم هو قول عامة الفقهاء.
= القول الثاني: أنها تكفن في ثلاث ثياب.
= والقول الثالث: أنها تكفن في أربع ثياب.
= والقول الرابع: أنها تكفن في سبع ثياب.
والصواب: أنها تكفن في خمس ثياب.
واختلفوا في هذه الثياب.
ماذا تكون؟ الصواب أنها على ما ذكر المؤلف وهي: إزار وخمار.
وقميص ولفافتين والإزار: هو ما يستر به الجزء الأسفل من البدن.
والخمار هو الذي يغطى به الرأس.
والقميص: هو الدرع وهو معروف.
فهذه الأثواب الخمس هي الصواب وهو قول الجماهير واختيار ابن المنذر.
أن تحديد الثياب هي هذه الثياب التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -. والنبي - صلى الله عليه وسلم - صح عنه في البخاري أنه أعطى النساء اللاتي غسلن زينب إزاره وقال: (أشعرنها إياه).
والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد.
فأعطاهم - صلى الله عليه وسلم - إزاره.
فإذاً إذا أردنا أن نكفن المرأة فنجعل عليها هذه الثياب الخمس.
فنبدأ بالإزار ثم نضع فوق الإزار القميص ثم نضع فوق القميص الخمار ثم نلف اللفافتين على جميع الجسد.
هذا هو السنة.
ويراعى في المرأة ما قيل في الرجل في مسألة القطن والحنوط فإن المؤلف لم يكرر في المرأة ما لا يحتاج إلى تكراره مما ذكر في حق الرجل.
فالمرأة تختلف عن الرجل فقط في الثياب مما ذكر المؤلف وفيما عدا هذا يستويان تماماً.
وبعد أن سألت تبين لي أن عمل الناس عندنا على هذا القول: أن المرأة تكفن في خمس ثياب وهذا موافق للسنة ولله الحمد.
إلا أني فهمت أن تغسيل المرأة الآن يختم بوضع غطاء على الجزء الأسفل من البدن.
يعني يغطون الفم خشية خروج الدم.
ونحن الآن درسنا أن الفقهاء يرون أنه إذا خشينا من خروج الدم أن نضع قطن فمن وجهة نظري أنهم لو وضعوا قطن لكانأولى لا سيما وأن القطن يتقبل وضع الحنوط فيه والطيب بخلاف اللفافة على الفم.
لكن مع ذلك لا نستطيع أن نقول أن هذا عمل غير مشروع لأن وضع القطن إنما استحبه الفقهاء لمصلحة الميت وليس فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فإذا رأى المغسل أن مصلحة الميت أكثر في وضع هذه الغطاء على الفم خشية خروج الدم فأرى أنه لا بأس إن شاء الله لكن تحرص المغسلة أن تضع على هذا اللثام طيب لينوافق عملها مع ما ذكره الفقهاء.
ثم ختم المؤلف - رحمه الله - هذا الفصل ببيان الواجب في الكفن بعد أن بين السنة أراد أن يبين الواجب أي: الذي لا يجوز الاقتصار على دونه.
• فقال - رحمه الله -:
والواجب: ثوب يستر جميعه.
فالواجب ثوب يستر جميع بدن الميت سواء في ذلك المرأة والرجل.
والدليل على هذا:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا صنع بمصعب فإنه لم يوجد له إلا ثوب واحد فستره به.
- أضف إلى هذا أن المنصوص في حديث الزبير وصفية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن حمزة بثوب واحد.
فهذان دليلان على أن الواجب في التكفين أن يغطى الميت بثوب واحد.
= القول الثاني: أن الواجب في المرأة والرجل فقط ستر العورة.
فلو قام المغسل بستر عورة الميت فقط لصح الكفن وجاز وصار أدى فرض الكفاية.
= وزالقول الثالث: أنه يجب ستر جميع بدن المرأة والعورة من الرجل.
يعني: التفريق بين المرأة والرجل.
فصارت الأقوال ثلاثة.
والصواب القول الأإول لأنه مؤيد بدليلين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبهذا تم البحث في ما يتعلق بمسألة التكفين وبقي ما يتعلق بالصلاة ثم في آخر الباب مسألة الزيارة والتعزية وما يتعلق بها.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ....
انتهى الدرس
فصل [في الصلاة على الميت]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما أنهى المؤلف الكلام عن طريقة تكفينه الميت وما هي أجزاء الكفن وحكم الكفن انتقل إلى الصلاة.
وبدأ في الصلاة من أول مراحل الصلاة وهي موقف الإمام من المأموم.
• فقال - رحمه الله -:
السنة: أن يقوم الإمام عند صدره.
فيه مسائل:
- المسألة الأولى: أن مكان وقوف الإمام من الميت سنة فإذا وقف في أي مكان تجاه الميت صحت الصلاة بلا كراهة.
- المسألة الثانية: موقف الإمام من الرجل وموقفه من المرأة.
نبدأ بالمسألة الأولى وهي: موقف الإمام من الرجل.
= موقف الإمام من الرجل: عند الحنابلة: أن يقف عند الصدر كما قال المؤلف - رحمه الله -. وهذا هو المذهب الاصطلاحي عند الحنابلة.
= والقول الثاني: أن السنة أن يقف عند رأس الرجل.
واستدلوا على هذا: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف عند رأس الرجل ووسط المرأة.
= والقول الثالث: أن الإنسان إذا وقف عند الرأس أو الصدر فالأمر بسيط لتقارب المكانين.
فإن الإمام في الحقيقة إذا وقف أمام الصدر فهو واقف أمام الرأس.
والراجح: أنه يقف أمام الرأس.
باعتبار أن الحديث الصحيح ورد بذلك فنلتزم بالحديث الصحيح ثم قد يميل الإمام يمين كثيراً فلا يصدق عليه إلا أنه أمام الرأس.
إذاً قوله: أن السنة أن يقوم الإمام عند صدره.
أخذنا الآن الخلاف وأن في المسألة ثلاثة أقوال وأن الراجح أنه يقف عند الرأس وأنه اختيار بن قدامة.
• ثم قال - رحمه الله -: وعند وسطها.
يعني يقف الإمام عند وسط المرأة للحديث الصحيح عن سمرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على امرأة فقام عند وسطها.
فهو نص في أن الإمام يقف عند وسط المرأة.
وهذا الحديث في مسلم.
وبهذا علمنا أن تحديد الموقف من المرأة ثبت بسنة صحيحة لا إشكال فيها وأنه أصح من السنة التي فيها تحديد موقف الإمام من الرجل.
وظاهر كلام البخاري أن الإمام يقف عند الوسط للرجل والمرأة.
واستظهر الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أنه يميل - أي البخاري - إلى تضعيف الحديث الذي فيه التفريق بين المرأة والرجل.
في الحقيقة بعد البحث في إسناد هذا الحديث الذي يفرق فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين الموقف عند الرجل والمرأة لم أجد له علة فإسناده صحيح ومتصل وخال من العلل الخفية والظاهرة.
أضف إلى هذا أن الإمام البخاري لم يصرح بالتضعيف لكن يفهم من التبويب حسب فهم ابن حجر - رحمه الله - أنه يميل إلى التسوية بين المرأة والرجل ويضعف حديث التفريق.
بعد هذا البحث:
الراجح: التفريق لأنا لم نجد في الحديث علة نتمسك بها.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويكبر أربعاً.
يعني أن السنة أن لا يزيد عن الأربع ولا يجوز أن ينقص عن الأربع.
= هذا المذهب: لا يجوز النقص ويكره الزيادة.
- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه خرج بأصحابه وصلى بهم صلاة الجنازة على النجاشي وكبر أربع تكبيرات.
وأما التكبير خمس فهو جائز أيضاً.
فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على الجنازة خمساً.
إذاً التكبير أربع وخمس هذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المروية بالأسانيد الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
- مسألة: حكم التكبير الزائد عن الخمس - ست وسبع وثمان وتسع: التكبيرات الزائدة عن الخمس فيها آثار صحيحة ثابتة عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعن غيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا أعلم أن في التكبيرات الزائدة عن الخمس حديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك نقول: يشرع أحياناً أن يزيد عن الخمس إلى الست والسبع لأنه مروي بأسانيد صحيحة عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكونوا ليأتوا بما ليس له أصل.
-
- مسألة: الأقرب والله أعلم أن التكبيرات الزائدة عن الأربع تكون لأهل الفضل والعلم.
وروي أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يكبر على أهل بدر ست وعلى سائر الصحابة خمس وعلى الناس أربع.
ولما كبر ست في الآثار الأخرى عنه علل ذلك بقوله: إنه بدري.
- يعني من أهل بدر.
ولذلك ترجم الطحاوي - رحمه الله - على هذه الآثار بأن الزيادة عن الأربع تشرع لأهل الفضل والعلم.
وهذا هو الأقرب.
لأنا لم نأخذ مشروعية الزيادة على الأربع إلا للآثار عن الصحابة وهم خصوها بأهل بدر وأهل الفضل والخير.
فالأقرب أن نقول:
- إذا صلى الإنسان على رجل من أهل الخير والفضل فإنه يزيد كما صنع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
- وإن صلى على عامة الناس فإنه يكبر أربعاً.
لكن ينبغي على الإمام إذا صنع ذلك وخشي أن يفهم الناس أن الزيادة خاصة بفلان أن يبين العلم والسنة وأنه كبر خمساً أو ستاً لا لذات الرجل وإنما لوصفه وهو أنه من أهل الفضل والخير والتقدم وغيره يساويه.
هذا الذي يظهر من آثار الصحابة.
= والقول الثاني: أن التكبير خمس وست لا يتعلق بأهل الفضل بل يجوز لكل الناس.
• ثم قال - رحمه الله -: يقرأُ في الأُولى بعد التعوذ: الفاتحة.
إذا كبر الإمام فإنه كما قال المؤلف يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة.
وفي هذه العبارة عدة مسائل: ـ المسألة الأولى: يفهم من كلام المؤلف أنه لا يشرع لمن يصلي صلاة الجنازة أن يستفتح - يعني: أن يقرأ دعاء الاستفتاح.
= وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهو المذهب وإليه ذهب الجماهير.
واستدلوا بأدلة: - منها: أن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف بدليل: أنه لا يشرع أن يقرأ الإنسان فيها بعد الفاتحة سورة أخرى.
وبدليل: أنه ليس فيها ركوع ولا سجود. - الدليل الثاني: أنه لم يرد في الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قرأوا دعاء الاستفتاح.
= الرواية الثانية عن الإمام أحمد - رحمه الله - أن الإنسان إذا صلى صلاة الجنازة يقرأ دعاء الاستفتاح ورجح هذه الرواية الفقيه الكبير الإمام الخلال.
واستدل على ذلك: - بالعمومات وهو: أنه كما يشرع للمصلي في سائر الصلوات أن يستفتح فكذلك في هذه الصلاة.
الراجح والله أعلم: أنه لا يشرع لقوة أدلة أصحاب القول الأول.
ـ المسألة الثانية: أنه يشرع لمن صلى صلاة الجنازة أن يستعيذ.
والدليل على هذا:
- أن الاستعاذة تلحق القراءة وتختص بها فكلما شرعت القراءة شرعت الاستعاذة.
ـ المسألة الثالثة: أنه يشرع للمصلي أن يقرأ فاتحة الكتاب.
= ومذهب الحنابلة أنه يجب فإن تركها بطلت الصلاة.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة: - منها: عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وصلاة الجنازة من جملة الصلوات.
- ثانياً: وهو دليل خاص بالمسألة: ما صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه صلى صلاة الجنازة وقرأ فاتحة الكتاب ثم قال: لتعلموا أنها السنة.
يعني: أن المشروع للإنسان بعد أن يكبر التكبيرة الثالثة أن يشرع في الدعاء.
والدليل على هذا من أوجه كثيرة: - لأن خلاصة صلاة الجنازة الدعاء ولذلك كثرت الأدلة الدالة على مشروعيته.
- فأولاً: حديث ابن عباس السابق.
وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا بعد الثالثة. - ثانياً: حديث أبي أمامة وكذلك فيه أنه دعا بعد الثالثة.
- ثالثاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا دعوتم للميت فأخلصوا له الدعاء) وهذا الحديث إسناده جيد وممن جود إسناده الحافظ ابن كثير - رحمه الله -.
- رابعاً: أن المقصود من صلاة الجنازة الدعاء للميت ولذلك صار واجباً - بل ربما ركن من أركان صلاة الجنازة - كما سيأتينا.
فهذه أربعة أدلة تدل على أهمية الدعاء في صلاة الجنازة.
• ثم قال - رحمه الله -: فيقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتَنَا وَشَاهِدَنَا وَغَائِبَنَا وَصَغِيْرَنَا وَكَبِيْرَنَا وَذَكَرَنَا وَأُنْثَانَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرِ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا)).
هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا صلى على الجنازة قال: .. فذكر الدعاء.
هذا الحديث مما اختلف فيه العلماء: - فعامة المتأخرين يصححون هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
- وذهب الإمام أبو حاتم والإمام البخاري وأشار إليه الإمام الترمذي أن هذا الحديث مرسل لا يصح ذكر أبي هريرة فيه.
وهذا الأخير هو الصواب أن الحديث مرسل.
ولكن مع ذلك يصلح للاستدلال وأن نستشهد به لما تقدم معنا مراراً أن المراسيل إذا لم يكن في الباب غيرها وصار لها شواهد صارت صالحة للعمل والاستدلال إن شاء الله على طريقة الإمام أحمد - رحمه الله -. هذا هو الدعاء الأول ويسميه الفقهاء: الدعاء العام.
ثم يبدأ بالدعاء الخاص.
• قال - رحمه الله -:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ)).
هذا الحديث: حديث ثابت في صحيح مسلم بل قال الإمام البخاري هذا الحديث أصح حديث في الباب ولكنه لم يخرجه في الصحيح وإنما أخرجه الإمام مسلم.
عرفنا إذاً الدليل على مشروعية الدعاء العام الأول والدليل على مشروعية الدعاء الخاص الثاني وهو ينتهي بقوله: (عذاب النار).
أما قول المؤلف - رحمه الله -: (وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ) فهذا لم يأت في الآثار مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا موقوفاً.
والدليل على مشروعيته عند الحنابلة:
- أنه دعاء لائق بالمحل فشرع.
يعني مناسب لهذه الصلاة باعتبار أن من يصلى عليه سيقبر بعد الصلاة فناسب أن يدعا له بهذا الدعاء.
ولما انتهى المؤلف - رحمه الله - من الكلام عن كيفية الدعاء للكبير انتقل لكيفية الدعاء للصغير: • فقال - رحمه الله -: وإن كان صغيراً قال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْراً لِوَالِدَيْهِ وَفَرَطاً وَأَجْراً وَشَفِيْعاً مُجَاباً، اللَّهُمَّ ثَقِلْ بِهِ مَوَازِيْنَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُوْرَهُمَا وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيْمَ وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيْمَ)).
هذا الأثر جاء مرفوعاً وموقوفاً إلى قوله: (وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُوْرَهُمَا).
فالمشروع لمن صلى على الصغير أن يدعو بهذا الدعاء.
وكما ترون الدعاء يتضمن أن يدعو المصلي لوالدي الطفل دون الطفل.
والدليل على أنه يدعو لوالديه دونه من أوجه: - الأول: أنه في حديث المغيرة - رضي الله عنه - قال: إذا صلى على الطفل فيدعو لوالديه.
- الثاني: أنه روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - نحواً من هذا الدعاء.
وروي عن الحسن البصري - رحمه الله - نحواً من هذا الدعاء. - ثالثاً: أن هذا هو المنايب والأليق بالمحل لأن الطفل الصغير لا ذنوب عليه فليس من المناسب أن نستغفر لشخص ليس له ذنوب فصار المناسب بناء على ذلك أن ندعو لوالديه.
هكذا يقرر الحنابلة.
وما ذكروه صحيح باعتبار أنه جاء في بعض الآثار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة وعن التابعين كما تقدم.
وأيضاً باعتبار أنه مناسب للحال.
• ثم قال - رحمه الله -: ويقف بعد الرابعة قليلاً.
يعني: يشرع للإمام إذا كبر الرابعة أن يقف قليلاً.
أي: قبل أن يسلم.
والدليل على هذا: - أن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبر الرابعة وقف شيئاً.
- والتعليل: ليتمكن المأموم من التكبير.
وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - من قوله: (ويقف بعد الرابعة قليلاً ويسلم) أنه لا يدعو بأي شيء بعد التكبيرة الرابعة وإنما ينتظر قليلاً صامتاً ثم يسلم.
= وهذا رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - واختاره بن قدامة أنه لا يدعو بشيء بعد التكبيرة الرابعة.
واستدل على ذلك: - بأنه ليس في النصوص الصحيحة المرفوعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو.
= والقول الثاني: أنه يشرع أن يدعو.
واستدلوا على مشروعية الدعاء بعد الرابعة: - بأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن أبي أوفى كان إذا كبر الرابعة دعا.
- الدليل الثاني: أن المعهود في الشرع أن لا يخلو جزء من الصلاة من الدعاء ولذلك يشرع الدعاء في هذا الموضع.
والأقرب أن الأمر فيه سعة: إن شاء دعا وإن شاء سكت.
وإذا أراد أن يدعو فذكر الحنابلة أنه مخير بين: - أن يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة).
- أو يقول: (اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده).
- أو - وهو القول الثالث عند الحنابلة: يخير بين أن يقول: هذا أو هذا.
والصواب: أنه يقول هذا الدعاء أو يقول غير هذا الدعاء باعتبار أنه ليس في الباب آثار صحيحة لا عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
•
ثم قال - رحمه الله -:
ويسلم واحدة عن يمينه.
= مذهب الحنابلة: أن المشروع والمسنون والمستحب في حق المصلي صلاة الجنازة أن يسلم واحدة فإن سلم تسليمتين فهو مباح أو مكروه على خلاف بين الحنابلة - يعني لا يسن ولا يشرع.
واستدلوا على هذا:
- بأن الإمام أحمد - رحمه الله - قال: عن ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعلم مخالف إلا إبراهيم.
- وسئل الإمام أحمد - رحمه الله - في موضع آخر: هل تحفظ عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سلم تسليمتين؟ فقال: لم يصح عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سلم تسليمتين.
ولذلك استنبط ابن قدامة من هذه العبارة أن التسليمة الواحدة محل إجماع عند الصحابة ومحل إجماع عند التابعين إلا عن إبراهيم النخعي - الخلاف الذي حكاه الإمام أحمد - رحمه الله -. وتقدم معنا: أن حكاية مثل الإمام أحمد - رحمه الله - لإجماع الصحابة أمر له ثقله الكبير بسبب عناية الإمام أحمد - رحمه الله - بآثار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم مع ذلك: = القول الثاني في هذه المسألة: أنه يسلم المصلي تسليمتين.
يعني: أن المشروع والمستحب أن يسلم تسليمتين ويجوز أن يسلم تسليمة.
عكس مذهب الحنابلة.
واستدلوا على ذلك: - بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم في صلاة الجنازة كما يسلم في الصلاة.
والراجح: بلا إشكال إن شاء الله مذهب الحنابلة.
بل إن ابن المبارك - رحمه الله - قال: من سلم تسليمتين فهو جاهل.
إذاً الصواب إن شاء الله مع الحنابلة وهو: أن المشروع في صلاة الجنازة تسليمة واحدة ويجوز أن يسلم تسليمتين وإنما المشروع والمندوب والمنقول عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن التابعين أن يسلم الإنسان تسليمة واحدة.
وحديث ابن مسعود يدل على الجواز فقط وفي الحقيقة: (لم أتمكن من البحث في إسناد هذا الأثر) لكن مع ذلك لا أشك أن الراجح مذهب الحنابلة باعتبار أن الإمام أحمد ينقل إجماع الصحابة والإمام أحمد ينقل إجماع الصحابة وينقل أقوال معينة عن ستة من الصحابة ولا يقصد أنه لا يعرف مخالف أو أنه لم يسمع وإنما يثبت فتاوى ستة أو سبعة من الصحابة ليس لهم مخالف.
فهذا أقوى بكثير من أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - وأثره - رضي الله عنه - ليس نصاً في التسليمتين فإنه يقول: يسلم في الجنازة كما يسلم في الصلاة فربما أراد إثبات أصل التسليم.
ثم أيضاً: ربما نقول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحياناً يسلم في الصلاة سوى صلاة الجنازة تسليمة واحدة فلعله أراد هذا المعنى.
وبكل حال: الأقرب ما ذكره الإمام أحمد أن الإنسان يسلم تسليمة واحدة لحكاية إجماع الصحابة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويرفع يديه مع كل تكبيرة.
تقدم معنا: أن تكبيرات صلاة الجنازة أربع.
وهذه التكبيرات تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: تكبيرة الإحرام.
ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام محل إجماع فلم يخالف فيه أحد من الفقهاء.
ويدل عليه: - حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لما كبر لصلاة الجنازة رفع يديه. - القسم الثاني: التكبيرات الأخرى.
وهذه لم يثبت فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح أنته كان يرفع يديه.
لكن مع ذلك صح بإسناد ثابت عن ابن عمر - رضي الله عنه - وصح بإسناد ثابت عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنهم كانوا يرفعون أيديهم في صلاة الجنازة في التكبيرات الأربع.
= وذلك ذهب الجمهور إلى مشروعية رفع اليدين.
= القول الثاني: أنه لا يشرع أن يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه.
والراجح.
والله أعلم القول الأول.
وسبب الترجيح: ما علم من عناية ابن عمر باتباع السنة فالغالب أنه لم يصنع ذلك إلا عن توقيف.
وإذا كنا نقبل الآثار كما قبلها الجماهير في الزيادة على التكبيرات فلأن نقبلها في رفع اليدين من باب أولى.
ولذلك الجمهور الذين قبلوا زيادة التكبيرات قبلوا أيضاً رفع اليدين في صلاة الجنازة.
•
ثم قال - رحمه الله -:
وواجبها.
هكذا عبر المؤلف بقوله: وواجباتها.
وعبر ابن قدامة في الكافي بقوله: وأركانها.
ومقصود المؤلف هنا بقوله: وواجباتها: يعني: الأركان.
ولا يقصد الواجب الذي يقابل الركن ولكن مع ذلك لو أن المؤلف - رحمه الله - قال: وأركانها.
لكان أوضح لقارئ الكتاب كما عبر الشيخ ابن قدامة - رحمه الله -
• قال - رحمه الله -:
قيام.
القيام.
ركن من أركان صلاة الجنازة.
والدليل على ذلك:
- أنها صلاة مفروضة فوجب القيام فيها كسائر الفرائض.
وعلم من هذا التعليل: - أن الصلاة التي يجب فيها القيام هي الصلاة الأولى التي حصل الفرض بأدائها.
- وأما الصلاة الثانية.
فإنه يجوز أن يصليها الإنسان وهو جالس لأنها ليست فريضة وإنما نافلة.
= وقيل: وهو قول عند الحنابلة: بل يجب القيام ولو تكررت الصلاة.
والراجح الذي مال إليه المرداوي في الإنصاف وغيره أن الثانية لا يجب فيها القيام.
• ثم قال - رحمه الله -: وتكبيرات.
التكبيرات أيضاً أركان والسبب أنها أركان أنها تقوم مقام الركعات.
واستدلوا على ركنية التكبيرات: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الجنازة قط إلا وكبر فيها أربعاً كما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الجنازة فكبر أربعاً.
إذاً التكبيرات لها دليل من النظر ودليل من النقل.
• ثم قال - رحمه الله -: والفاتحة.
أي: ركن من أركان الصلاة.
وتقدمن معنا الخلاف والأدلة على أنها واجبة ومن أركان الصلاة وأنها إن لم تقرأ بطلت الصلاة.
• ثم قال - رحمه الله -: والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. - لأنه جاء ثابتاً في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - وفي حديث أبي أمامة أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فدل على أنه ركن في صلاة الجنازة.
وذكر شيخنا رحمه الله مناسبة لطيفة جداً: أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مناسبة في هذا المقام لتكون بين يدي الدعاء.
• ثم قال - رحمه الله -: ودعوة للميت.
يعني: أن الركن أن يدعو دعوة واحدة للميت.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فأخلصوا له الدعاء) وهذا الحديث ثابت والأمر فيه ظاهر.
- والدليل الثاني: على ركنية الدعاء أنه المقصود في صلاة الجنازة.
والشيء المقصود في العبادة غالباً أودائماً ما يكون ركن فيها.
• ثم قال - رحمه الله -: والسلام.
أي: والسلام ركن من أركان الصلاة لدليلين: - الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وتحليلها السلام).
- ثانياً: القياس على سائر الفرائض.
فإنه في الفرائض جميعاً يجب أن يسلم الإنسان وهو من أركان الصلاة.
وبهذا انتهى من سرد أركان الصلاة.
فصار القيام والتكبيرات والفاتحة والصلاة والدعوة والسلام.
يعني أنها ست أركان في صلاة الجنازة.
• ثم قال - رحمه الله -: ومن فاته شيءٌ من التكبير: قضاه على صفته.
يريد المؤلف أن يبين حكم المسبوق فإذا فات الإنسان شيء من تكبيرات الصلاة سن له أن يقضيه على صفته.
وفي هذه العبارة عدة مسائل: - المسألة الأولى: أن القضاء واجب وأنه لو سلم قبل أن يقضي بطلت صلاته.
- لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا).
= القول الثاني: أن قضاء ما فات من التكبيرات لا يجب.
بناء عليه إذا دخل مع الإمام وقد فاته التكبيرة أو أكثر ثم سلم الإمام فله أن يسلم ولا يقضي وصلاته صحيحة.
واستدلوا بدليلين: - أولاً: أنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: عن تكبيرات صلاة الجنازة: لا تقضى.
- ثانياً: القياس على تكبيرات صلاة العيد.
فإنه لا يجب أن يقضي الإنسان تكبيرات صلاة العيد.
والصواب: إن شاء الله وجوب القضاء لعموم النص وصلاة الجنازة صلاة.
إذا تقرر أن القضاء واجب: فكيفية القضاء: أن يدخل مع الإمام في الموضع الذي هو فيه ويتابع الإمام ثم إذا سلم الإمام قضى ما عليه على صفته.
والدليل أنه على صفته: - أن القاعدة المشهورة التي اتفق عليها - تقريباً - الفقهاء أن القضاء يحكي الأداء.
يعهني: يطابق الأداء.
إلا إذا خشي أن ترفع الجنازة فإنه يتابع التكبير بلا ذكر ودعاء بينه ثم يسلم لأن من شروط صحة صلاة الجنازة أن تكون بين يدي المصلي إلا ما استثني مما سيذكره المؤلف - رحمه الله - كالصلاة على الغائب والصلاة على المقبور هذا مستثنى وفيما عدا ذلك يشترط لصحة الصلاة أن يكون الميت بين يدي المصلي.
فإذا خشي الإنسان أن ترفع الجنازة فماذا يصنع؟
يتابع.
-
- فإن رفعت وهو يتابع يتم المتابعة ويسلم.
إذاً: يقضي الصلاة على صفتها.
إلا إن خشي أن ترفع فإنه يتابع التكبير ويكمل المتابعة ولو رفعت.
هذا ملخص مذهب الحنابلة.
وهو الصحيح إن شاء الله.
• ثم قال - رحمه الله -: ومن فاتته الصلاة عليه: صلى على القبر ... إلى شهر.
أيضاً في هذه العبارة عدة مسائل: ـ المسألة الأولى: أفاد المؤلف أن الصلاة على القبر مشروعة.
= وهذا مذهب الحنابلة بل مذهب الجمهور:
- فإن رفعت وهو يتابع يتم المتابعة ويسلم.
- لما ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر ميت في أكثر من مناسبة
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن نصلي على القبر مطلقاً.
والصواب مع الحنابلة لصحة الدليل.
فإذا ثبت أن مذهب الحنابلة هو الصواب وهو الأحظ بالدليل وهو جواز الصلاة على القبر ننتقل إلى: ـ المسألة الثانية: وهي إلى متى يصلى على القبر؟ = فمذهب الحنابلة: أنه يصلى على القبر إلى شهر فقط.
ثم بعد الشهر لا يجوز أن يصلي إلا إذا زاد الوقت بشيء يسير كاليوم واليومين. - الدليل على هذا:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر.
فإذا قيل لك: من أين لكم الزيادة يوم أو يومين؟ فتقول: تؤخذ من قوله: (صلى بعد شهر) فحملوا هذه البعدية على أنها شيء يسير كاليوم واليومين.
= القول الثاني: أنه يجوز أن يصلي الإنسان على القبر أبداً. - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج وصلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين.
= القول الثالث: أنه يجوز أن يصلى على القبر ما لم يتفتت الميت ويبلى.
والقول الثاني والثالث - الذين ذكرتهما الآن - أقوال ضعيفه.
والدليل على ضعفها: - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه لا يبلى ومع ذلك أجمع المسلمون على أنه لا يصلى على قبره.
- ثانياً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقي ولم يصل أحد على قبره.
فإذاً القول بأن الصلاة على القبر دائماً أبداً تستمر أو أنها إلى أن يبلى كلا القولين ضعيف بوجود قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتجنب المسلمين الصلاة عليه.
= القول الرابع: أنه يصلي بلا حد إذا كان من أهل الصلاة حين موت الميت.
يعني إذا كان هذا المصلي لما مات الميت من أهل الصلاة على الميت فإنه يصلي على القبر ولو بعد سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع بهذا الشرط.
واستدل هؤلاء: - بأنه بهذا القول تجتمع الآثار والنصوص.
وأن القول الذي فيه الجمع بين الأخبار أرجح من غيره من الأقوال التي تأخذ بنص وتدع الآخر.
وهذا القول ظاهر القوة ووجيه كما ترى وفيه جمع بين الأخبار وأخذ بالآثار جميعاً فهو الراجح إن شاء الله.
• ثم قال - رحمه الله -: وعلى غائب: بالنية إلى شهر.
وهذا أيضاً يتضمن مسألتين: ـ المسألة الأولى: أنه يشرع الصلاة على الغائب من حيث الأصل.
= وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الغائب وهو النجاشي.
= القول الثاني: أنه لا يشرع مطلقاً أن يصلي الإنسان على الغائب. - لأن عدداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ماتوا ولم ينقل أنه صلي عليهم.
- ولأن الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - لما ماتوا لم ينقل أن أحداً من أهل الأمصار صلى عليهم.
فدل هذا على أنه لا يشرع أن يصلي الإنسان على الغائب الميت.
والصواب مع الحنابلة: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على غائب بالنص الصريح وهو النجاشي.
ـ المسألة الثانية: حد الغائب: الغائب: هو ما كان خارج البلد ولو كان دون مسافة قصر بشرط أن لا يكون في موضع تجب إجابة نداء الجمعة منه.
إذاً: هل يشترط في الغائب أن يكون على مسافة قصر؟ الجواب: لا.
لكن يشترط فقط أن لايكون في موضع تجب على إجابة نداء الجمعة.
هذا كله تقرير مذهب الحنابلة.
إذا تقرر مشروعية الصلاة على الغائب نأتي أيضاً الضابط:
بعد الأذان:
• ثم قال المؤلف رحمه الله - في ختام هذا الفصل:
ولا يصلي الإمام: على الغال ولا على قاتل نفسه.
يعني أنه لا يشرع للإمام خاصة أن يصلي على الغال ولا على قاتل نفسه.
والدليل على ذلك:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي برجل قتل نفسه فلم يصل عليه.
وهو حديث صحيح. - والدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الغال صلوا على صاحبكم.
- لما صح في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
- وأيضاً روي وأظنه صحيح أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - صلوا على أبي بكر وعمر في المسجد.
فصار الآن: ثبتت السنة بإجماع الصحابة وإلى هذا ذهب ابن قدامة يقول وهذا إجماع لأنه لم ينكر أحد من الصحابة الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد.
فثبت بهذه الآثار النبوية والآثار المروية عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز الصلاة على الميت في المسجد.
واشترط الحنابلة لهذا شرطاً واحداً وهو أن يؤمن التلويث.
ومع ذلك السنة أن يوضع مصلى خاص للجنائز خارج المسجد وتكون الصلاة في المسجد جائزة فقط .. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهى الدرس
فصل
[في صفة حمل الميت ودفنه]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام عن الصلاة انتقل إلى الكلام عن حمل الجنازة والتشييع وما يتعلق بهذا الأمر من أحكام.
وبدأ بالمرحلة الأولى وهي: حمل الجنازة:
• فقال - رحمه الله -:
يستحب: التربيع في حمله.
وفيه مسائل:
ـ المسألة الأولى: التربيع هو: الأخذ بقوائم السرير الأربع.
= وهو عند الحنابلة سنة لحديث ابن مسعود أنه قال: (من تبع جنازة فليأخذ بقوائهما ثم ليتطوع إن شاء أو ليذهب فإنه من السنة).
وهذا الأثر صحيح إن شاء الله وله حكم الرفع لوجهين:
- الأول: أن ابن مسعود صرح فقال إنه من السنة.
- الثاني: أن هذا لا يقال من قبل الرأي.
ـ المسألة الثانية: صفة التربيع: صفته: = عند الحنابلة: أن يبدأ بالقائمة اليسرى الأمامية فيضعها على كتفه الأيمن ثم يرجع إلى الخلفية فيضعها على كتفه الأيمن ثم إلى الأمامية اليمنى فيضعها على كتفه الأيسر ثم يرجع إلى الخلفية فيضعها على كتفه الأيسر.
فتبين عند الحنابلة أنه يبدأ بالأماميات قبل الخلفيات فهم يرون أن هذا هو السنة.
والأقرب أن الأمر واسع وأن المقصود هو أن يحمل الجنازة مع القوائم الأربع ولا يقتصر على قائمة واحدة وإنما يدور على القوائم الأربع فإذا دار عليها بأي صفة كانت فقد حقق السنة المذكورة في حديث ابن مسعود.
وهذه صفة غفل عنها كثير من الناس اليوم فهي صفة وسنة مقصودة أن يربع ويفاوت بين الحمل بين القوائم الأربع ويحتسب هذا عند الله.
ويشترط في التربيع أن لا يتسبب ذلك بمضايقة الناس والمشاحة الشديدة بين الذين يحملون الجنازة وإلا لم يستحب كما سيأتينا في مسألة تقبيل الحجر الأسود فكذا يقال هنا إذا كان يحصل زحام ومشادة فإن الإنسان ينبغي له أن لا يفعل.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويباح بين العمودين.
يعني: أنه يجوز أن يحمل بين العمودين.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صنع ذلك.
- الثاني: أنه روي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأشار الإمام الشافعي إلى أن المنقول عن الصحابة هو الثابت دون المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فهذا هو الدليل على أن الوقوف بين القائمتين مباح ولا بأس به.
• ثم قال - رحمه الله -: ويسن: الإسراع بها.
الإسراع بالجنازة سنة.
وضابطه: أن يكون فوق المشي المعتاد وأن لا يزيد على ذلك.
وإلى هذا الضابط ذهب المجد بن تيمية - رحمه الله - وهو الضابط الصحيح والإسراع فوق ذلك لا يستحب.
ـ المسألة الثانية: الدليل على الإسراع: - قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن أعناقكم).
وهذا الحديث تقدم معنا وهو نص في مشروعية المسارعة بالجنازة بهذا الضابط.
ويستثنى من ذلك: إذا خشي أهل الميت من حدوث ضرر بالجنازة عند الإسراع بها فإنه لا يشرع مطلقاً إذا خشوا من ذلك.
وهذا يحصل أحياناً بحيث تكون الجنازة لو أسرع بها ولو مقداراً يسيراً فإنه يحصل فيها ضرر إما لتفككها أو لكونها مشدودة جداً فيخشى أن تنفجر مع كثرة المياه أو كثرة الهواء فالمهم الضابط أنه إذا خشي أولياء الميت أن تتضرر فإنه لا يسن الإسراع.
• ثم قال - رحمه الله -: وكون المشاة أمامها.
يعني: ويسن لمن اتبع الجنازة ماشياً أن يكون أمامها لا خلفها.
قال ابن المنذر - رحمه الله -:ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة.
= والقول الثاني: أن الإنسان إن شاء مشى أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها بشرط أن يكون قريباً منها.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الراكب خلف الجنازة والماشي أمام الجنازة أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها).
وهذا الحديث مما اختلف في تصحيحه وتضعيفه.
وذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه مضطرب في الاسناد والمتن.
ومع هذا الاضطراب في الاسناد والمتن اختلف أيضاً عل هو مرفوع أو موقوف؟ والمحصلة: أن في هذا الحديث ضعف.
لذلك الأقرب أن يكون الماشي أمام الجنازة لأنه ثابت عن سادات الناس: النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي بكر وعمر.
ثم انتقل إلى الراكب: • فقال - رحمه الله -: والركبان خلفها.
أي: والسنة بالنسبة للراكب أن يكون خلف الجنازة.
والدليل على هذا من ثلاثة أوجه: - الأول: حكي الإجماع على ذلك حكاه الخطابي.
لكن الواقع أن فيه خلاف فمن الذين خالفوا: الإمام الشافعي فإنه يرى أن الراكب الأفضل له أن يكون أمام الجنازة.
لكن على كل حال حكي الإجماع على أن السنة للراكب أن يكون خلف الجنازة. - الثاني: حديث المغيرة السابق لأن في أوله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: والراكب خلف الجنازة).
- الثالث: أن الراكب إذا كان أمام الجنازة آذى الناس وإذا كان خلف الجنازة لم يؤذهم.
والصواب مع الحنابلة أن السنة في حق الراكب أن يكون خلف الجنازة.
-
- مسألة: لم يذكرها المؤلف وهي مفيدة: الركوب في تشييع الجنازة ذهاباً عند الحنابلة مكروه.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيع جنازة فعرض عليه الركوب فقال - صلى الله عليه وسلم - ما كنت لأركب والملائكة تمشي.
هذا الحديث إن شاء الله حسن.
وما ذهب إليه الحنابلة من أن هذا مكروه صحيح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع الركوب وعلل بأن الملائكة يمشون فمن الأدب والاحترام أن لا يركب الإنسان.
- مسألة: لم يذكرها المؤلف وهي مفيدة: الركوب في تشييع الجنازة ذهاباً عند الحنابلة مكروه.
-
- المسألة الثانية: يجوز الركوب إذا عاد من التشييع.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صح عنه في مسلم أنه شيع جنازة ثم رجع على فرس.
فالركوب في الرجوع لا بأس به ولا حرج لكن في الذهاب مكروه فينبغي على الإنسان أن يتحرا المشي ما أمكن وسهل وأن يترك الركوب إذا لم يكن عليه مشقة.
• ثم قال - رحمه الله -: ويكره: جلوس تابعها حتى توضع.
يكره لمن تبع الجنازة أن يجلس إلا إذا وضعت الجنازة.
- المسألة الثانية: يجوز الركوب إذا عاد من التشييع.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع.
= والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف أن الجلوس في هذه الحال محرم.
لأن النهي صريح ولا صارف له.
وهذا صحيح والأقرب أن الجلوس قبل وضع الجنازة محرم.
-
- مسألة: المقصود بوضع الجنازة: أن توضع على الأرض لا في اللحد لأن الثوري لما روى هذا الحديث ذكر في رواية له أنه قال حتى توضع على الأرض.
وأما رواية حتى توضع في اللحد فضعيفة.
إذاً إذا وضعت على الأرض سواء وضعت ليصلى عليها أو وضعت ليهيء القبر أو وضعت لأي سبب فمتى وضعت على الأرض جاز للناس أن يجلسوا أما قبل ذلك فعلى المذهب مكروه والصواب أنه محرم.
ومن هنا نقول ينبغي للإنسان إذا دخل المقبرة أن ينبه الناس الذين شيعوا الجنازة أن لا يجلسوا إلا إذا وضعت على الأرض.
واليوم الجنازة بمجرد ما تدخل المقبرة توضع على الأرض فالأمر يسير فإن انتظار الناس سيكون قصيراً.
• ثم قال - رحمه الله -: ويسجى قبر امرأة.
يعني ويشرع أن يغطى قبر المرأة حال قبرها أي في وقت إنزالها في القبر.
والدليل على هذا:
- مسألة: المقصود بوضع الجنازة: أن توضع على الأرض لا في اللحد لأن الثوري لما روى هذا الحديث ذكر في رواية له أنه قال حتى توضع على الأرض.
- الإجماع فقد أجمع العلماء على أن هذا مشروع.
- والدليل الثاني: أن في هذا العمل ستر للمرأة والمرأة عورة ينبغي أن تستر خشية أن ينكشف منها شيء حال تنزيلها في القبر.
فتغطية القبر مستحب ومشروع وهو يفعل الآن في بعض المناطق دون بعض وهو مستحب ينبغي أن يفعل دائماً.
• قوله - رحمه الله -: ويسجى قبر امرأة فقط.
أي دون الرجل فإن تغطية قبر الرجل مكروهه لأنه لم يأت عن الصحابة ولا عن السلف أنهم فعلوا ذلك.
ولأن الرجل لا يحتاج أن يغطى قبره أثناء تنزيله في اللحد.
• ثم قال - رحمه الله -: واللحد أفضل من الشق.
اللحد هو السنة وهو أفضل من أن يشق القبر شقاً.
والشق عند الحنابلة مكروه إذا كان بلا عذر.
واللحد هو: أن يحفر في أرض القبر حفرة مما يلي القبلة.
أي إذا انتهى من يحفر القبر إلى أرض القبر فإنه يحفر حفرة جهة القبلة.
والشق: أن يحفر حفرة في وسط القبر.
وله صورة أخرى هي: أن يقيم من اللبن في وسط القبر كالحفرة ويوضع الميت في وسطها.
يعني: إما أن نحفر أو أن نبني شيئاً يسيراً ليكون كالشق في وسط القبر.
فاللحد هو السنة والشق مكروه إلا لعذر.
والدليل: - ما صح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (الحدوا لي لحداً وضعوا عليه اللبن كما صنع بالنبي - صلى الله عليه وسلم -).
وهذا الحديث صحيح.
- ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي فيه ضعف: (اللحد لنا والشق لغيرنا).
والحديث الأول يكفي في إثبات سنية اللحد.
ويستثنى من هذا إذا كانت الأرض لا تقبل اللحد وإنما تقبل الشق فحينئذ يوضع الشق.
وأجمع الفقهاء على جواز اللحد والشق.
لكن البحث الآن في أيهما أفضل وعرفنا أيهما أفضل.
• ثم قال - رحمه الله -: ويقول مدخله: ((بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رِسُولِ اللَّهِ)).
يستحب لمن أراد أن يدخل الميت في اللحد أن يقول: ((بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رِسُولِ اللَّهِ)). - لما رواه ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصنع ذلك.
وهذا الحديث اختلف فيه العلماء: = فمنهم من رأى أنه مرفوع.
وإلى هذا ذهب عامة المتأخرين.
= ومنهم من يرى أنه موقوف.
وإلى هذا ذهب أئمة كبار منهم الإمام النسائي والإمام الدراقطني.
والصواب أنه موقوف.
فإذا تقرر أن حديث ابن عمر موقوف نأتي إلى بحث آخر وهو: هل له حكم الرفع أولا؟ - هل هو مما يقال بالرأي أو لا؟ في الحقيقة أن فيه تردد ولكن الأقرب أن مثل هذا الذكر الغالب أنه على سبيل الرفع والتوقيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان الإنسان عنده نوع تردد لكن يغلب في النظر أن له حكم الرفع. - ن قيل: له حكم الرفع: فهو يسن أن من أراد أن ينزل في القبر ويضع الميت في اللحد أن يقول: ((بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رِسُولِ اللَّهِ)).
- وإذا قيل: أنه ليس له حكم الرفع فلا يسن أن يقال ولا نكتفي بأنه مروي عن ابن عمر في الحقيقة لأن هذه عبادة عظيمة خاصة وتكرر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شارك في دفن عدد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - فإذا لم ينقل أنه صنع ذلك فلا يستحب أن يفعل إلا إذا قلنا أن أثر ابن عمر له حكم الرفع وهو الذي أقول أنه أرجح.
بناء على هذا تكون الخلاصة: أنه يستحب بناء على أن لهذا الحديث حكم الرفع.
• ثم قال - رحمه الله -: ويضعه في لحده: على شقه الأيمن.
استحباباً بلا نزاع عند الحنابلة.
والدليل على هذا الحكم من وجهين: - الأول: القياس على النوم لأن النوم هو الموتة الصغرى والموت هو الموتة الكبرى فيقاس أحدهما على الآخر وقد جاءات السنة الصريحة الصحيحة بأنه يستحب للنائم أن ينام على جنبه الأيمن.
- الثاني: ما ذكره بن حزم - رحمه الله - أنه على هذا عمل المسلمين من عهد النبوة إلى يومنا هذا.
وهذا صحيح.
هو يقول إلى يومنا هذا ونحن نقول وأيضاً إلى عصرنا هذا فما زال الناس يضعون الميت على شقه الأيمن.
• ثم قال - رحمه الله -: مستقبل القبلة.
يعني: ويستحب إذا وضع على شقه الأيمن أن يستقبل به القبلة.
= وهذا عند الحنابلة على سبيل الوجوب.
= والقول الثاني: عند الحنابلة أنه على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
الدليل على استحبابه: - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلتكم أحياء وأمواتاً.
وتقدم معنا أن هذا الحديث في إسناده رجل مجهول. - الدليل الثاني: أيضاً أن ابن حزم قال: أنه على هذا عمل المسلمين من العهد اللنبوي إلى يومنا هذا إنه إذا وضع على جنبه فإنه يوضع مستقبل القبلة.
• ثم قال - رحمه الله -: ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر.
فيث هذه العبارة ذكر سنتين: - الأولى: استحباب رفع القبر.
- والثانية: أن مقدار الرفع شبر.
فعلمنا من هذا أنه لا يسن أن يكون القبر متساوي مع الأرض بل السنة أن يرفع وأن يكون قدر الرفع شبر.
والدليل على ذلك: - أن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع قدر شبر.
وفي هذا الحديث ضعف.
والتعليل: - أن هذا العمل ينتج عنه أن يعرف أنه قبر فيترحم على صاحبه ولا يؤذى أو يهان فتحصل هذه الفائدة.
والقول بأنه يرفع شبراً صحيح وهو السنة.
ويؤيده ما:
• قاله المؤلف رحمه الله:
مسنماً.
يعني: السنة في القبر إذا رفعناه قدر شبر أن نجعله مسنماً أي كهيئة سنام البعير ولا نجعله مسطحاً وإنما يكون مسنماً.
- لما رواه سفيان التمار أنه رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنماً.
وهذا في صحيح البخاري.
وكون قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنم هذا يدل على أنه مرفوع وعلى أنه نحو الشبر.
-
- مسألة: استحب الإمام أحمد وكثير من الفقهاء أن لا نزيد في التراب الذي يوضع على القبر عن المقدار الذي أخرجناه منه.
وإذا صنعنا هذا الشيء يعني: وضعنا التراب الذي أخرجناه من القبر فقط فوق القبر صار مسنماً ومرفوعاً بقدر شبر.
ففي الحقيقة تجد أن هذه الأقوال تجتمع على معنى واحد تؤيده الآثار.
لما أنهى ما يتعلق بالسنة انتقل إلى المكروهات.
• فقال - رحمه الله -: ويكره: تجصيصه، والبناء عليه، والكتابة.
يكره عند الحنابلة أن نجصص القبر أو أن نبني عليه بناء سواء كان مما له صفة الدوام أو مما له صفة الزوال كالخيمة فلا يجوز هذا ولا هذا.
وأيضاً يكره أن نكتب عليه.
والدليل على هذا:
- مسألة: استحب الإمام أحمد وكثير من الفقهاء أن لا نزيد في التراب الذي يوضع على القبر عن المقدار الذي أخرجناه منه.
- ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها وأن يقعد عليها.
وفي الترمذي: وأن يكتب عليها.
فالنهي عن الكتابة ليس قي صحيح مسلم ولكنه في رواية عند الترمذي.
واختلف العلماء في صحة هذه الرواية وضعفها.
= فذهب بعضهم إلى تصحيحها.
= وذهب بعضهم إلى تضعيفها.
والصواب إن شاء الله أنها صحيحة.
وممن صححها العلامة المعلمي.
= القول الثاني: أن التجصيص والبناء والكتابة محرم. - لأن النهي لا صارف له هذا أولاً.
- ثانياً: لأنه عهد من الشارع التشديد فيما يتعلق بالقبور لكثرة الافتتان بها.
وبهذا البحث عرفنا أن الكتابة الصواب أنها لا تستثنى بل هي محرمة بناء على ثبوت رواية الترمذي وأن من استثنى الكتابة لم يحالفه الصواب لأنها منصوص على النهي عنها ومقرونة بالبناء والتجصيص والجلوس وهذا منهي عنه أشد النهي.
• ثم قال - رحمه الله -: والجلوس.
يعني: ويكره أن يجلس على القبر.
ويدل على هذا:
- ما تقدم معنا في حديث جابر أنه قال نهى عن أن تجصص وأن يقعد عليها.
- والدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة إلى القبور والجلوس عليها.
- والدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث الصحيح: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتنفذ إلى جلدة خير من أن يجلس على قبر) وهذا الحديث صحيح.
ومن هذه الأحاديث الثلاثة عرفنا أن الشارع يشدد في مسألة الجلوس على القبر لأن في الجلوس إهانة للميت المسلم والشارع جاء بتكريمه.
• ثم قال رحمه الله: والوطء عليها.
الوطء على القبر مكروه.
والدليل: - أنه في حديث جابر السابق الذي في مسلم رواية وأن يوطأ عليها.
فعرفنا أن رواية الوطء والكتابة خارج مسلم لكن مع ذلك الأقرب أن الوطء محرم: إما أن نقول هذه الرواية صحيحة وثابتة - رواية الوطء - ,إن لم تثبت فكذلك الوطء محرم لأن الوطء أشد من الجلوس.
فإذا ثبت النهي الصحيح الصريح عن الجلوس فالوطء من باب أولى.
والجلوس والوط على الإنسان أشد إهانة من الجلوس عليه.
• ثم قال رحمه الله: والإتكاءُ إليه.
الاتكاء على القبر مكروه عند الحنابلة.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً متكأ على قبر فقال له - صلى الله عليه وسلم -: لا تؤذي صاحب القبر) وهذا الحديث إسناده حسن.
= والقول الثاني: أنه محرم وهذا القول في الحقيقة ينسجم مع النصوص والقواعد العامة في احترام الميت.
-
- مسألة: المشي بين المقابر يختلف عن الوطء على المقابر فإن الوطء تقدم معنا أنه مكروه عند الحنابلة والأقرب أنه محرم والمشي بين المقابر مكروه
- لما فيه منن إيذاء الأموات.
- وقلة الإحترام.
- ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يمشي بين القبور فأمره أن يخلع نعليه.
وسواء قلنا أن هذا الحديث صحيحاً أو كان الحديث ضعيفاً فالحكم صحيح وتدل عليه النصوص العامة.
وكثير من الناس لا يفرق بين المشي بين القبور ووطء القبور.
ولا يستثنى من وطء القبور أن يجلب الإنسان معه أبنائه الصغار ثم يدعهم يهينون الموتى فإن هذا محرم بل يجل عليه إذا اصطحبهم أن يمنعهم من أن يقوموا على القبور أو يطأوا عليها أو يجلسوا عليها.
والشارع كما مر معنا في الأحاديث الثلاثة وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار اعتنى عناية خاصة بإكرام الموتى لأنه مسلم والمسلم يجب أن نحخترمه حياً وميتاً.
ثم انتقل إلى المحرمات:
• فقال رحمه الله:
ويحرم فيه: دفن اثنين فأكثر.
يحرم أن ندفن اثنين في القبر الواحد.
الدليل على هذا:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبر أصحابه كل إنسان لوحده.
=والقول الثاني: الذي مال إليه شيخ الاسلام وابن مفلح وغيره من المحققين أنه مكروه ولا يصل إلى التحريم. - إذ أن مجرد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على التحريم.
والذي أميل إليه في الحقيقة أنه يحرم لأن عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مجرد فعل لكنه خرج لبيان الواجب وهو التشييع وقبر الموتى وإذا كان خرج لبيان واجب فهو واجب هذا شيء والشيء الثاني: أنه لم يعرف أبداً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحداً من أصحابه قبر اثنين معاً في قبر واحد.
فالأقرب أنه محرم.
• ثم قال رحمه الله: إلاّ لضرورة.
فيجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قبر شهداء أحد صار يجعل الاثنين في قبر واحد ويقدم أكثرهما أخذاً للقران إلى جهة القبلة.
• ثم قال رحمه الله: ويجعل بين كل اثنين: حاجز من تراب.
يعني: ويستحب ولا يجب إذا وضعنا اثنين في قبر واحد في الحالة التي يجوز فيها ذلك أن نضع بينهما تراب.
والتعليل: ليكوون كل واحد كأنه في قبر مستقل.
وهذا صحيح لأن في هذا إكرام للميت وفيه تقريب من مسألة وضع كل واحد في قبر.
• ثم قال رحمه الله: ولا تكره: القراءَة على القبر.
القراءة على القبر لا تكره لأنه روي عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه أوصى إذا قبر أن يقرأ على قبره فواتح البقرة وخواتيمها.
وقد كان الإمام أحمد يكره أن يقرأ على القبر فلما بلغه أثر ابن عمر رخص فيه.
= والقول الثاني: أن القراءة على القبر بدعة.
لأن القراءة لو كانت مستحبة لفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر بها أصحابه وهذا ما يفهم من كلام الإمام مالك والإمام الشافعي: أن هذا الأمر بدعة.
-
- مسألة: على القول بالمشروعية المقصود أن يقرأ عند قبره.
يعني: بعد قبره مباشرة.
- مسألة: على القول بالمشروعية المقصود أن يقرأ عند قبره.
أما إذا قبر وصار له فترة على القبر فإنه لا يشرع مطلقاً - وهذا من تحرير محل النزاع وذكره شيخ الاسلام رحمه الله.
• ثم قال - رحمه الله -:
وأيّ قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي: نفعه ذلك.
القرب التي تفعل وينوى ثوابها للميت تنقسم إلى قسمين - وهو الذي يسمى عند الفقهاء: إهداء الثواب:
ـ القسم الأول: عبادات أجمع الفقهاء على أن ثوابها يصل إلى الميت وهي أربع:
1 - الصدقة.
2 - والعتق.
3 - والاستغفار.
4 - والحج.
فهذه أجمع الفقهاء كلهم على أن ثوابها إذا تبرع به العامل فإنه يصل للميت إلا في خلاف شاذ في الحج.
والدليل على هذه:
- ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أباه مات ولم يحج أفأحج عنه قال: نعم.
وهذا في الصحيح. - وأن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمه ماتت ولم تحج أفأحج عنها قال: نعم.
- وأن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمه ماتت وكانت ستتصدق أفأتصدق عنها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: تصدق عن أمك.
- وأما الاستغفار فلعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أو ولد صالح يدعو له).
والاستغفار من جملة الدعاء. - أما العتق فليس له دليل خاص - لا أذكر له دليل خاص - لكنه من جملة العبادات المالية.
ـ القسم الثاني: ما عدا هذه العبادات فمختلف فيها ومن أبرز الأمثلة لها: كالصلاة والصيام وقراءة القرآن وغالب الإهداء يكون بقراءة القرآن.
= فهذه ذهب الجمهور إلى أنه لا يشرع أن يتبرع بها ولا يصل للميت.
واستدلوا: - بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
والجواب على الآية: أن معنى الآية أن لكل إنسان سعيه له خاصة ليس لأحد غيره وهذا لا يمنع أن يتبرع به الإنسان لغيره كما أن المكاتب المالية الدنيوية هي للإنسان ليست لغيره ومع ذلك يجوز أن يتبرع بها لغيره.
وبهذا أجاب شيخ الاسلام - رحمه الله - وهو أقوى الأجوبة.
وأضعف الأجوبة: القول بأنها منسوخة. - الدليل الثاني للجمهور: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فنص على أن عمله ينقطع إلا من ثلاث وذكرها.
والجواب عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن عمل الميت الشخصي انقطع وليس في الحديث أنه لا يصله ما يتبرع له ويهدى إليه.
وبهذا أيضاً أجاب شيخ الاسلام - رحمه الله - وهو جواب سديد.
ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأحسن الأعمال فإنه لم له صل لهم ولا تصدق عنهم ولا اقرأ القرآن عنهم وإنما قال: استغفر لهم.
- الوجه الثالث: ما صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: استأذنت ربي أن أزور قبر أمي وأن أستغفر لها فأذن لي بالزيارة ومنعني من الاستغفار.
ووجه الاستدلال: أنه طلب الإذن بالاستغفار.
فمن فقه الانسان إذا أراد أن ينفع أحداً من أمواته أن يكثر من قضية الاستغفار.
• ثم قال - رحمه الله -: ويسن: أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم.
= اتفق الأئمة الأربعة كلهم على أن صنع طعام للميت سنة. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم).
= وذهب الحنابلة إلى أن هذه السنة تستمر لمدة ثلاثة أيام.
= وذهب الشافعية إلى أنه يوم وليلة فقط: يعني يصنع لهم طعام لمدة يوم وليلة.
والأقرب والله أعلم ثلاثة أيام لما سيأتينا في التعزية.
بهذا انتهى الكلام عن أحكام وسنن ومحرمات الدفن وفي ختام هذا الفصل نذكر ثلاث مسائل أو مسألتين.
ـ المسألة الأولى: لا يشرع أن يوضع تحت رأس الميت أي حائل بينه وبين الأرض سواء كان قماش أو حجر خلافاً لمن قال بمشروعية ذلك لأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحداً من أصحابه صنع ذلك بل ثبت عن عمر أنه أمر أن يوضع خده على الأرض حتى في القبر.
وأما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع تحته قطيفة حمراء فهذا صنع أحد الصحابة ولم يوافقه عليه سائر الصحابة وإنما نزل أخيراً ووضع هذه القطيفة ولم يصنع في قبور المسلمين ذلك ولم يصنعه النبي - صلى الله عليه وسلم -. ـ المسألة الثانية: ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية أن يحثو الإنسان ثلاث حثيات في القبر إما من جهة الرأس أو من غير جهة الرأس.
والصواب أن هذا لا يشرع ولا يسن لأنه فيما يظهر لي بعد جمع الأدلة والنصوص أن جميع ما جاء في هذا الباب ضعيف لا يصلح لإقامة السنة.
فهذا الذي ظهر لي في مسألة الحثيات لأنه لا يثبت حديث في هذا الباب والأحاديث التي رويت فيه معلولة.
ـ المسألة الأخيرة: لايشرع كشف وجه الرجل لأنه ليس في الآثار أن الصحابة كانوا بعد التكفين إذا وضعوه في اللحد كشفوا وجهه والأصل أن يبقى كما هو إلا في مسألة واحدة على القول بأن المحرم يحرم عليه أن يغطي وجهه فيبقى وجه الميت المحرم مكشوفاً بالإضافة إلى الرأس.
وعلى القول السابق الذي ذكرته لكم ورجحته وتبين لي ضعف هذه الرواية وأنها شاذة فيغطى وجه الميت المحرم أيضاً وإنما يكشف فقط الرأس.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويكره لهم فعله للناس.
يعني يكره لأهل الميت أن يصنعوا هم للناس طعاماً.
الدليل على هذا من وجهين:
- الأول: ما روي عن جرير أنه قال: كنا نعد صنع الطعام والجلوس لأهل الميت من النياحة.
- الثاني: أن هذا يؤدي إلى اجتماع الناس والاجتماع لا يستحب.
- الثالث: أنه لم ينقل أن أهل الميت كانوا يصنعون للناس طعاماً في العهد النبوي وإنما العكس طلب من غير أهل الميت أن يصنعوا طعاماً.
-
- مسألة: استثنى الشيخ الفقيه ابن قدامة من هذا صورة وهي: ما إذا جاء أقارب أهل الميت من بلد بعيد وسكنوا كضيوف قال: فإنه لا يسعهم عرفاً إلا أن يصنعوا لهم طعاماً.
وهذا القول وجيه جداً.
وهذا الطعام المصنوع في الحقيقة ليس لأجل الاجتماع للعزاء بقدر ما هو إكرام للضيوف الأقارب الذين حضروا لتعزية أهل الميت بدليل أن هذا الطعام يصنع لهؤلاء ولا يصنع لسائر الناس.
فأقول: أن ما ذكره الشخ ابن قدامة - رحمه الله - وجيه ولا بأس به وإن كان قد يفتح باباً لكن الأصل أنه لا بأس به إذا تقيدوا بهذا القيد وهو أن يأتي إليهم ضيوف يسكنون عندهم فيحرجون منهم عرفاً فيكرمونهم فلا بأس بهذا القدر إن شاء الله.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ... انتهى الدرس
- مسألة: استثنى الشيخ الفقيه ابن قدامة من هذا صورة وهي: ما إذا جاء أقارب أهل الميت من بلد بعيد وسكنوا كضيوف قال: فإنه لا يسعهم عرفاً إلا أن يصنعوا لهم طعاماً.
فصل
[في زيارة القبور]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فهذا الفصل هو آخر فصل في كتاب الجنائز وختم المؤلف - رحمه الله - به كتاب الجنائز ليذكر أحكام زيارة القبور والتعزية وما يتعلق بهذه الأمور.
وصدر الفصل بحكم زيارة القبور:
• فقال - رحمه الله -:
تسن.
ومقصوده - رحمه الله - بقوله: (تسن) يعني للرجال فهي سنة للرجال وهو محل اتفاق.
ودليل السنية:
- قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت).
وهذا في مسلم.
وفي رواية للترمذي: (فإنها تذكر الآخرة).
ـ فزيارة الرجال للقبور سنة بالإجماع والنص.
ـ والغرض منها عند أهل السنة والجماعة: - أولاً: الاعتبار والاتعاظ بحال الموتى للاستعداد.
- ثانياً: الدعاء للموتى.
وليس للزيارة قصد سوى ذلك.
ـ وأما قصد القبور لعمل عبادة أو لدعائه أصحابها أو للدعاء عند أصحابها كل هذا يدور بين الشرك والبدعة.
فبعض هذه الأعمال شرك وبعضها بدعة - ستأتيكم مفصلة إن شاء الله في كتاب التوحيد.
• ثم قال - رحمه الله -: تسن زيارة القبور إلاّ لنساء.
مسألة زيارة النساء للقبور مسألة الخلاف فيها قوي والأقوال متكافئة ولكل قول في الحقيقة وجهة نظر معتبرة.
= فمذهب الحنابلة واختاره شيخ الاسلام وابن القيم والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأبنائه - رحمهم الله جميعاً - أن زيارة المرأة للقبور محرمة، وهو رواية للحنابلة.
واستدلوا على التحريم: - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله زائرات القبور) وفي رواية: (زوَّارات القبور).
واعتمد الذين استدلوا بهذا الحديث على مسألة تصحيح رواية: (زائرات) وأن رواية: زائرات وزوَّارات كلاهما ثابت.
وإثبات رواية زوَّارات وزائرات الذي يظهر لي - الآن - أنه صحيح يعني: أن رواية زائرات صحيحة وثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. = والقول الثاني: أن زيارة القبور مكروهة.
= والقول الثالث: أنها مباحة.
واستدل الذين قالوا بالإباحة بعدة أدلة - نأخذ أقوى وأصح هذه الأدلة: - الدليل الأول: ما ثبت أن عائشة - رضي الله عنها - زارت قبر أخيها عبد الرحمن في مكة.
وأجاب المانعون بأجوبة منها: - أنها لم تزر أخاها وإنما مرت على قبره أثناء دخوةل مكة لأنها لم تحضر موته ومرور المرأة بالمقابر لا حرج فيه إنما الممنوع الزيارة فإذا مرت بدون قصد فيشرع أن تسلم ولا حرج في ذلك.
- وأجابوا بجواب آخر وهو: أنها قالت: أنها زارت أخاها لأنها لم تحضر موته وإلا لم تفعل ففي هذه العبارة منها دليل أنها ترى المنع لولا أنها لم تحضر الجنازة.
- الدليل الثاني: الحديث الذي سبق معنا وفيه خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - واستغفاره لأهل قباء وفي آخره قالت عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم - كيف أقول لهم: يعني للموتى فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة الدعاء الذي سيأتينا.
وهذا الحديث ثابت في الصحيح.
والجواب عنه من وجهين: - الوجه الأول: أن يحمل هذا على أنها أرادت العلم لنشره لا للعمل به في هذه المسألة يعني: أرادت أن تعرف أحكام الزيارة لتنشر هذا العلم باعتبار أن عائشة - رضي الله عنها - من علماء الصحابة ولها فتوى معتبرة فأرادت أن تطلب العلم فقط.
- والوجه الثاني: أنها أرادت بذلك - يعني: إذا مرت من غير قصد.
وإذا سمعت الأقوال عرفت أنه لا قائل بأن زيارة النساء سنة وإنما مكروهة أو محرمة أو مباحة فقط فلا أعلم أن أحداً من أهل العلم قال بأن زيارة النساء سنة.
والأقرب والله أعلم فيما يظهر القول الأول.: - لأنه يغلب على النساء عند زيارة القبور الوقوع في المحرم والمنهي عنه من البكاء والجزع وعدم الصبر. - والحكم إذا علل بعلة منتشرة لا تنضبط منع كاملاً.
- ومما يدل على التحريم: - مما يقوي القول بالتحريم: حديث أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فإذا كانت المرأة منهية عن اتباع الجنازة فمن باب أولى الزيارة.
وعلى كل الأقرب المنع وإن كان الأمر كما قلت فيه إشكالات وفيه بحث من جهة تكافؤ الأقوال والأدلة ولكن الأقرب هو ما ذكرت من المنع وهو اختيار عدد كبير من المحققين المعاصرين والمتقدمين.
-
- مسألة: فإذا قيل أن الزيارة محرمة: فالصواب أنه يستوي في ذلك زيارة قبور سائر الناس وزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لايوجد في الأدلة أبداً ما يدل على التفريق فزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره سواء.
بناء على هذا لا يجوز للمرأة أن تزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قبر صاحبيه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -.
- مسألة: فإذا قيل أن الزيارة محرمة: فالصواب أنه يستوي في ذلك زيارة قبور سائر الناس وزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لايوجد في الأدلة أبداً ما يدل على التفريق فزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره سواء.
• ثم قال - رحمه الله -: - مبيناً السنة في أذكار دخول المقابر:
ويقول إذا زارها أو مر بها.
استفدنا من هذه العبارة أن هذا الذكر مندوب لمن زار: يعني: دخل.
أو مر مروراً فإنه يقول هذا الذكر.
وسواء مر وبينه وبين المقبرة حائل أو ليس بينه وبين المقبرة حائل فما دام مر بالمقبرة فيقول هذا الذكر:
- ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ)).
المؤلف - رحمه الله - في هذا الذكر خلط أربعة أحاديث والحقيقة إتيانه بالذكر على هذه الطريقة مشوش جداً ولو أنه اكتفى بلفظ واحد لأحد الصحابة مخرج في الصحيح لكان أولى من هذا التدخيل بين الألفاظ.
فليس في السنة حديث بهذا التركيب.
وممن أن نفصل الذي قاله: - فقوله: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ)) إلى هنا هذا الذكر كامل من حديث أبي هريرة في مسلم.
- قوله: ((يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ)) هذا جزء من حديث عائشة في مسلم ولكن في مسلم بدل منكم: منا.
- وقوله: ((َسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)) جزء من حديث بريدة في مسلم.
- وقوله: (اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) هذا جزء من حديث عائشة عند الإمام أحمد.
وحديث عائشة الذي رواه الإمام أحمد آخره: ((اللهم لا تحرمنا أجرهم وأوله كلفظ حديث أبي هريرة في مسلم.
فصار حديث عائشة الذي رواه الإمام أحمد: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم.
• ثم قال - رحمه الله -: وتسن تعزية المصاب بالميت.
في التعزية عدة مسائل: - المسألة الأولى: التعزية هي تسلية المصاب والتخفيف عنه وأمره بالصبر والدعاء له وللميت.
هذه هي التعزية في الشرع فليست ذكراً معيناً كما يفهم بعض الناس وإنما التعزية هي ما يجمع هذه المعاني.
-
المسألة الثانية: التعزية مشروعة بجماع الفقهاء فلم يخالف أحد من الفقهاء أن التعزية سنة.
-
المسألة الثالثة: اتفق الفقهاء على أن التعزية مشروعة قبل وبعد الدفن فكلهم رأى أن هذا جائز إلا أنهم اختلفوا في الأولى: = فمنهم من قال: الأولى بعد الدفن.
= ومنهم من قال: الأولى قبل الدفن.
وعلل الذين قالوا بأن الأولى بعد الدفن: - بأنه قبل الدفن أهل الميت مشغولون به وبتجهيزه وبوقوع الخبر عليهم كما أنه بعد الدفن تزداد عادة الأحزان فيحتاج الإنسان إلى تعزية. -
المسألة الرابعة: الصواب أنه ليس للتعزية صيغة معينة وهذا قول الإمام أحمد واختيار شيخ الاسلام بن تيمية فكيفما عزى وبأي لفظ جاز.
-
المسألة الخامسة: أفضل الصيغ ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يتعين كما تقدم: (لله ما أخذ ولله ما أبقى وكل شيء عنده بمقدار) وأمرها أن تصبر وتحتسب.
-
المسألة السادسة: مدة التعزية: = ذهب الجمهور من الفقهاء ومنهم الحنابلة إلى أن مدة التعزية ثلاثة أيام.
ثم إذا انتهت صارت التعزية مكروهة.
واستدلوا على هذا بأمرين: -
الأول: أن أهل الميت بعد ثلاثة أيام تخف عندهم الأحزان وفي تعزيتهم إثارة من جديد لهذه الأحزان.
-
الثاني: استأنسوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل لامرأة مسلمة تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا).
فأجاز الإحداد ثلاثة أيام على غير الزوج فاستأنسوا به.
= القول الثاني: أنه لا حد لوقته وهو مذهب المالكية. -
لعدم الدليل على التحديد.
فيجوز أن يعزي الإنسان في اليوم الرابع والخامس والسادس.
والصواب: أن التعزية تنتهي بثلاثة أيام إلا إذا رأى المعزي أن الأثر والحزن باق على أهل الميت فلا بأس أن يخفف عنهم بلا كراهة.
وقوله: (تعزية المصاب).
فيه دليل على أن التعزية لا تختص بأهل الميت بل يعزى أصدقائه ومعارفه الذين ليسوا من الأخلاء إذا أصيبوا بالميت.
لأنه يقول: تعزية المصاب.
إذا أصيبوا بالميت.
يعني: إذا وجدوا لفراقه حزناً وأسىً.
وقد تجد بعض معارف الميت موته أشد عليهم من بعض الأقارب وهذا معروف ولذلك نقول يعزى كل من أصيب بهذا الميت فإذا كان الميت كل الناس أصيبوا به كأن يكون من علماء الأمة المشهود لهم بالخير والصلاح فالجميع يعزي الجميع لأن الجميع مصاب.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويجوز البكاءُ على الميت.
يجوز أن يبكي الإنسان على الميت عند الحنابلة والجمهور.
ـ لكثرة النصوصض الدالة على جوازه:
- منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى على ابنه.
- ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - بكى على عثمان بن مظعون.
- ومنها: أن جابر بكى على أبيه فجعلوا يسكتونه والنبي - صلى الله عليه وسلم - صامت ولم ينكر عليه.
- ومنها: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما كشف وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى.
وفي السنة غير هذه الأحاديث كثير في جواز البكاء.
ويشترط في البكاء: أن لا يصحبه منكر من النياحة أو الجزع أو التسخط كما سيأتينا.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله).
فالجواب عليه: أن البكاء المقصود في هذا الحديث هو: النياحة.
يعني البكاء المحرم جمعاً بينه وبين النصوص.
والبكاء رحمة بالميت وشفقة عليه وطلباً للخير أفضل من التجلد أو من الضحك.
ودليل الأفضلية: - أنه حال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم ختم المؤلف - رحمه الله - الباب بالمحرمات التي تحصل فيما بعد الموت.
• فقال - رحمه الله -: ويحرم: الندب، والنياحة، وشَق الثوب، ولطم الخد، ونحوه.
ـ الندب: هو تعداد محاسن الميت مع استخدام حرف الندب أو الندبة وهو: وا.
هكذا عرفه الفقهاء كأن يقول: وارجلاه واجبلاه واسنداه.
قال بعضهم: وأن يكون مع البكاء.
والصواب أن البكاء ليس شرطاً في الندب فقد يحصل بلا بكاء.
ـ وأما النياحة: فهي البكاء على الميت معه الجزع والتسخط وعدم الصبر ورفع الصوت.
فالنياحة لا بد فيها من البكاء.
• قوله: وشق الثوب ولطم الخد ونحوه.
ـ شق الثوب: واضح.
ـ ولطم الخدود: واضح.
وقوله: ونحوه: يعني: كالصراخ فإنه من أكثر ما يعمل من الجزع عند موت [الإنسان].
والدليل على تحريم هذه الأمور:
- قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).
وهذا نص في تحريم هذه الأمور. - وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (النائحة إذا لم تتب قبل الموت جاءت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب).
وإلباس المرأة سربال من القطران وهو عادة ما يكون حاراً جداً.
والدرع هو الثوب ومن جرب دليل على أن هذا الفعل محرم بل هو من الكبائر لما فيه من الاعتراض على قدر الله والتسخط.
والمعنى الذي يجمع هذه الأشياء المحرمة هو: إظهار الجزع وعدم الصبر وعدم الرضا مع ما يحتف به من قرائن من الضرب ورفع الصوت والصراخ .. إلى آخره.
وبهذا انتهى ولله الحمد الكلام عن كتاب الجنائز وننتقل إلى كتاب الزكاة.
يتبع الدرس = كتاب الزكاة.