شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 346-356
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القضاء

صفحات 346-356
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

القسم الثاني: الحدود فالحدود محل خلاف.
القول الأول: أنه لا يشرع كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود واستدل هؤلاء بأنّ الحدود مبناها على الدرء بالشبهات وكتاب القاضي إلى قاضي فيه شبهات كثيرة من حيث أنه فيه فرع وأصل ومن حيث وجود الوهم في الكتابة.
والقول الثاني: أنها تصح بالحدود قياسا على الشهادة على الشهادة , وقياسا على الأموال هذا القسم الثاني.
القسم الثالث: ما عدا الحدود مثل القصاص والنكاح والطلاق والخلع ونحو هذه الأشياء ففيه خلاف المذهب صحة كتابة القاضي إلى القاضي لأنّ أحكام هذه الأشياء ليست مبنية على الدرء بالشبهات بل على الإثبات.
والقول الثاني: أنه لا يصح أن يكتب فيها من القاضي إلى القاضي قياسا على الحدود.
والراجح أنّ كتاب القاضي إلى القاضي يصح في كل الأشياء بلا استثناء فله أن يكتب إلى القاضي الآخر بجميع أنواع القضايا بلا استثناء لأنه لا يوجد دليل صحيح على الاستثناء إلاّ التوهمات وعلل لا تكفي للمنع.
ثم - قال رحمه الله - (ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان في بلد واحد) إذا حكم القاضي بشيء وأرسل بالحكم لقاض آخر لينفذه فقط فإنّ القاضي الثاني ملزم بتنفيذ الحكم مطلقا ومعنى مطلقا أي سواء كان القاضي المكتوب إليه قريب أو بعيد والقريب والبعيد في عرف الفقهاء هو مسافة القصر واستدلوا على هذا بأنّ حكم القاضي ملزم واجب التنفيذ فعلى من وصله من الحكام أن يعمل به مقصودهم بهذا الكلام أنّ حكم القاضي أعطاه الشارع قوة للتنفيذ فهو يحمل في طياته بيانا وإلزاما كما تقدم معنا في أول كتاب القضاء فهذه القوة التي جعلها الله في حكم القاضي إذا وصلت إلى القاضي الآخر أصبح ملزما بها وهذا لا إشكال فيه.
ثم - قال رحمه الله - (ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلاّ أن يكون بينهما مسافة قصر) إذا كتب له بما ثبت عنده ليحكم القاضي الثاني به فحينئذ لا يجوز إلاّ إذا كان بينهما مسافة قصر فإن كان بينهما دون مسافة القصر فإنه لا يجوز وعللوا هذا بأنّ هذا الكتاب لا حاجة إليه لأنّ القاضي القريب بإمكانه أن يباشر القضية بنفسه.

والقول الثاني: أنه يعمل بما ثبت عند القاضي إذا أرسل به إلى قاض آخر ليحكم به لأنّ الحاجة قد تدعوا إلى هذا والحاجات كثيرة منها على سبيل المثال في وقتنا هذا أن ينظر القاضي في قضية إلى أن تستوي القضية استوفى الشهود والقضية لم يبقى شيء لم يبقى إلاّ مشكلة واحدة وهو أنه بدء في إجازة القاضي الناظر في القضية.
وهو لا يريد أن يحكم باستعجال فحينئذ من المصلحة أن نقول اكتب بما ثبت عندك ليحكم به القاضي الآخر بدل أن تعطل القضية لمدة شهر أو لمدة شهرين.
فهذه من الأمثلة المعاصرة وهي توجد بكثرة.
من أمثلة ما يسوغ ذلك أن يكون المحكوم عليه من أقرباء أو أصدقاء القاضي مما يستحي معه النطق بالحكم فيرسل به إلى قاض آخر ليحكم به , من أمثلة القضية.
وهو مثال مهم أن يكون القاضي المكتوب إليه يجيد هذه القضايا أكثر من القاضي الذي باشر القضية أول مرة فالقاضي الأول أراد أن يجمع كل ما يتعلق بالقضية فإذا لم يبقى إلاّ النظر والحكم أسنده إلى قاض يحسن مثلا هذا النوع من المعاملات فهو في الحقيقة لا شك أنّ القول بصحته مقتضى قواعد الشرع وهو القول الراجح إن شاء الله.
ثم - قال رحمه الله - (ويجوز أن يكتب إلى قاض معيّن وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين) معنى هذه العبارة أنّ القاضي لا يشترط أن يكتب معيّن بل له أن يكتب إلى معيّن وله أن يكتب إلى من يراه من قضاة المسلمين لأنه لا يوجد دليل على اشتراط أن يكون الكتاب موجه إلى قاض معيّن ولأنّ حكم القاضي ملزم سواء كان لهذا القاضي أو لذاك فلا معنى للتعيين ألسنا اتفقنا أنّ حكم القاضي ملزم إذا لسنا بحاجة إلى التعيين.
والقول الثاني: وهو للأحناف أنه يشترط في كتاب القاضي إلى القاضي أن يعيّن وأن يكتب أنه من فلان إلى فلان لأنّ هذا أضبط للقضية وأدعى لتطبيقها ولئلا يتدافعها القضاة المكتوب إليهم ومذهب الأحناف لا شك أنه هو الراجح إن شاء الله وهو مذهب قوي وكتابة كتاب فيه حكم في قضية من قضايا بين المسلمين إلى غير معيّن فيه نوع من عدم الاهتمام بل يجب أن يكتب إلى قاض معيّن ومن حيث العمل لا يوجد إلاّ الكتابة من قاض معيّن إلى قاضي معيّن.

ثم - قال رحمه الله - (ولا يقبل إلاّ أن يشهد به القاضي الكاتب شاهدين يحضرهما فيقرأ عليهما .... الخ) يشترط في كتاب القاضي إلى القاضي أن يشهد عليه اثنان من العدول فيقول اشهدوا أنّ هذا الكتاب كتبته أنا لفلان فيبيّن للشهود الكاتب والمكتوب إليه والمكتوب.
والقول الثاني: أنه لا يشترط بل يكفي أن يرسل الكتاب مع واحد واستدل هؤلاء أنّ عمل المسلمين والخلفاء الراشدين والنبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا فإنه يرسل كتبه مع رجل واحد.
والأمر كما قال ابن القيم جرى عمل المسلمين على الاكتفاء بواحد.
اليوم بطبيعة الحال لا يذهب مع واحد ولا مع اثنين.
وإنما يذهب بطريقة آلية ولا يقال إنّ من يحمله هو الواحد لأنّ هذا الواحد لا يعرف شيء عن هذا الخطاب ولأنه سيسلمه لثان وربما انتقل آليا.
هل يجوز كتابة القاضي إلى القاضي بالإيميل؟ يبدوا لي أنا الإيميل إذا كان باسم القاضي الصريح وليس باسم مستعار وأخبر المرسل المرسل إليه بعنوان البريد أنّ هذا جائز بل هو أوثق أحيانا وأسرع من اليدوي.
الفاكس؟ إذا توفرت الضمانات بأن عرف رقم المرسِل والمرسل إليه وكان بينهما تنسيق فكذلك ما يوجد مانع مدام توجد توثقات.

باب القسمة

باب القسمة.
القسمة اسم مصدر ومأخوذة من قسمت الشيء بمعنى جعلته أقساما.
وأما في الاصطلاح / فهي تمييز بعض الأنصباء عن بعض.
ما هي مناسبة باب القسمة في كتاب القضاء كما سيأتينا أنها تشبه أبواب المعاملات؟ أنه يوجد في القسمة إلزام.
والإلزام من شأن القضاء ونحن نقول الآن كما سيأتينا قسمة إجبار وقسمة تراضي مع ذلك بالنسبة لي أنا شخصيا لا أرى أيّ مبرر لوضع القسمة هذه في كتاب القضاء لم أقتنع منذ زمن بترتيب الفقهاء بوضع هذا الباب هنا وهو كما سيأتينا أنسب ما يكون في كتاب إما الشركة أو كتاب البيوع لكن هم روأ هذه القضية أنه فيه إلزام وهذا ليس بمسوغ في الحقيقة من وجهة نظري.
ثم - قال رحمه الله - (لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلاّ بضرر أو رد عوض إلاّ برضا الشركاء) تنقسم القسمة إلى قسمين: 1 - قسمة تراضي.
2 - قسمة إجبار.

بدأ المؤلف بقسمة التراضي وقسمة التراضي هي القسمة التي لا يجوز أن تفعل إلاّ برضا الطرفين بدأ بها معرّفا فقال [لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلاّ بضرر أو رد عوض إلاّ برضا الشركاء] إذا ترّتب على القسمة أحد أمرين: الضرر أو العوض.
فإنه لا يجوز القسمة إلاّ برضا الطرفين واستدل الحنابلة على هذا بأمرين: أما إذا ترّتب عليها ضرر فالدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - لا ضرر ولا ضرار فإذا كانت القسمة تقتضي ضررا على أحدهما فإنها لا تجوز.
وأما إذا كانت تقتضي بذل العوض فإنها تصبح من البيع وأخذنا في كتاب البيوع أنّ اشتراط الرضا محل إجماع ولهذا لا يجوز أن يجبر أي منهما على إجراء القسمة إذا كان فيها رد عوض إذن قسمة التراضي هي كل قسمة يترتب عليها ضرر أو دفع عوض وهذا الذي أراد الشيخ بيانه.
يقول الشيخ.
لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلاّ بضرر أو رد عوض.
لم يبيّن المؤلف ما هو الضرر والضرر محل خلاف.
فالقول الأول: أنّ الضرر هو كل قسمة تنقص من قيمة العين سواء أمكن الانتفاع بالجزء المقسوم أو لم يمكن وهذا هو المذهب القول الثاني: أنّ الضرر هو أن لا يمكن الإنتفاع بالنصيب بعد القسمة فإن أمكن الانتفاع فليس بضرر وهذا القول الثاني اختيار الشيخ ابن قدامة ويبدوا لي أنّ أرجح الأقوال أنّ الضرر يحصل بنقص القيمة وبعدم الانتفاع.
مثال إذا كان زيد وعمرو مشتركين في بيت قيمة البيت قبل القسمة عشرة ملايين وقيمته بعد القسمة خمسة ملايين هل هذا ضرر أو ليس بضرر؟ ضرر واضح كبير لا شك فيه المثال الذي يتعلق بالقول الثاني: أن يشترك زيد وعمرو في متجر لو قسم هذا المتجر لم يتمكن أيٌ منهما أن يعرض بضاعته فالآن بعد القسمة هل ينتفع بقسمه أو لا ينتفع هل هذا ضرر أو ليس بضرر لا شك أنه ضرر ولهذا أنا أقول الراجح إن كان قيل به أنّ الضرر يشمل الأمرين.
ثم - قال رحمه الله - ممثلا (كالدور الصغار , والحمام والطاحون الصغيرين)

بدأ الشيخ بأمثلة الضرر وذكر له ثلاثة أمثلة: المثال الأول: أن تكون الدار صغيرة.
لو قسمت لم يستمتع بها أحد منهما لصغرها وعدم كفايتها.
الثاني: أن يكون الحمام والحمام هو موضع الاغتسال لا موضع قضاء الحاجة أن يكون هذا الحمام صغيرا إذا قسم لم يقوم بالمهمة المنوطة به من دخول الناس والتنظف.
الثالث: الطاحون الصغير وهو كذلك إذا قسم لم يتمكن من طحن متاع الناس وطعامهم ولهذا نقول لما ترّتب على القسمة الضرر صارت قسمة رضا وليست قسمت إجبار.
ثم بدأ بأمثلة رد العوض فقال - رحمه الله - (والأرض التي لا تتعدل بأجزاء , ولا قيمة كبناء أو بئر في بعضها) الأرض لا يمكن أن تتعدل إلاّ بالأجزاء أو بالقيمة فإذا لم يمكن أن تتعدل لا بالأجزاء ولا بالقيمة صارت قسمة هذه الأرض من قسمة التراضي أمثلة التعدل بالأجزاء أن يملك زيد وعمرو أرض مساحتها خمسة آلاف أو ستة آلاف وهي أرض لا يوجد فيها بناء ولا أي شيء فهذه الأرض يمكن أن تقسم بالأجزاء بأن يأخذ أحدهما النصف والآخر يأخذ النصف الآخر هذه يمكن أولا يمكن؟ يمكن.
القسم الثاني: التعديل بالقيمة والتعديل بالقيمة أن يملك زيد وعمرو أرضا إلاّ أنّ عليها بناء أو بئر وهذا البناء أو البئر يوجد في جزء من الأرض فإذا قسمنا فالقسم الذي فيه البئر أو البناء لا شك أنه أرفع ثمنا من القسم الذي ليس فيه بئر ولا بناء ويكون التعديل بأن نعطي صاحب الأرض الفارغة من الأمتار ما يرفع قيمتها إلى أن تصبح مساوية للأرض أو للقسم الذي فيه بئر أو بناء.
إذا لم يمكن التعديل إلاّ بهذه الطريقة فهي قسمة تراضي ولهذا نقول أنّ النسخة اللي أشار إليها المحقق وهي قوله لبناء النسخة هي الصحيحة هو المعنى المراد فيكون المعنى والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة لبناء فيها أو بئر في بعضها.
هذه النسخة في الحقيقة جيدة والذين أثبتوا نسخة الكاف اضطروا إلى تأويلها ونحن لا نحتاج إلى تأويل مادام توجد نسخة موافقة للمعنى الصحيح.
ثم - قال رحمه الله - (فهذه القسمة في حكم البيع)

يعني أنّ قسمة التراضي المذكورة والمشروحة سابقا حكمها حكم البيع في جميع الأحكام فيشترط لها شروط البيع وفيها خيار مجلس وفيها خيار عيب وفيها خيار شرط وكل الأحكام التي تنبني على وجود عقد البيع تنبني معنا هنا وله أن يرجع مادام في المجلس وهذه من أعظم حقوق قسمة التراضي والسبب أنهم جعلوا هذه القسمة حكمها حكم البيع أنه يشترط في هذه القسمة التراضي ونحن نقول البيع هو مبادلة مال بمال بعد الرضا وهذا التعريف ينطبق معنا في هذه القسمة فإذا صارت بيعا وهذا صحيح.
ثم - قال رحمه الله - (ولا يجبر من امتنع من قسمتها) هذا تفريع على تقرير أنها قسمت تراضي فإذا قررنا أنها قسمة تراضي فينبني على هذا أنه لا يجبر أحد منهما وتعليل هذا الحكم أنّ في إجبار أي منهما إدخال الضرر عليه , إما بالقسمة المضرة أو بإلزامه بقبول عوض هو لا يريده وذلك نقول التعليل الأقرب بدل تعليل الحنابلة انه إدخال الضرر أنّ نقول هو إما إدخال الضرر أو إدخال الظلم لأنه في صورة العوض ظلم وفي صورة الضرر ضرر.
بقينا في مسألة إذا كان الشرع لا يجيز القسمة إلاّ بالتراضي فما هو السبيل لخلوص أيّ من الشريكين من الشركة كيف يخرج من الشركة إذا كان لا يستطيع القسمة فكيف يخرج من الشركة الفقهاء يرون أنه يخرج بأن يلزم بالبيع فنقول أنتم ملزمون بالبيع ويأخذ الثمن يقسّم على الشريكين فإن أراد أحدهما أن يمتلك العين فنقول أدخل أنت كأي مشتر واشتري فإن أبى أحد منهم البيع أجبره القاضي لأنه لا يمكن رفع الضرر عن الشريك الذي أراد الخروج إلاّ بالإلزام بالبيع هل يوجد طريقة أخرى للخروج من الضرر غير البيع؟ لا توجد طريقة لكن أنا حبيت أشوف واختبركم.
ثم - قال رحمه الله - بادئا بالقسم الثاني (وأما ما لا ضرر , ولا رد عوض في قسمته .... الخ) القسم الثاني: هو ما لا ضرر فيه ولا رد عوض فهو قسمة إجبار ومعنى قسمة إجبار أنه إذا طلب أحد من الشريكين القسمة أجبر الآخر إجبار عليها لأنه لا ضرر.
يقول - رحمه الله - (كالقرية , والبستان , والدار الكبيرة والأرض والدكاكين الواسعة)

القرية والبستان لفظ لا يطلق إلاّ على كبير ولهذا لم يقل كالقرية الكبيرة ولم يقل كالبستان الكبير لأنّ القرية لا تكون قرية إلاّ وهي كبيرة والبستان كذلك.
ثم قال كالقرية والبستان وقلنا أنّ هذه الأعيان كبيرة يمكن أن تقسم بلا ضرر وعلى أيّ منهما.
ثم - قال رحمه الله - (المكيل والموزون) المكيل يختص بأشياء والموزون بأشياء فالحبوب والثمار والمائعات كلها مكيلة , والذهب والفضة والمعادن كلها موزونة , لكن اشترط شرطا فقال - رحمه الله - (من جنس واحد كالأدهان , والألبان ونحوها) يشترط في المكيل والموزون أن يكون من جنس واحد لأنه لو كان من جنسين لكانت مبادلة نوع بنوع وهو نوع من البيوع ونحن نقول أنّ البيوع تحتاج إلى الرضا.
ثم - قال رحمه الله - (إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها) يجبر الشريك في قسمة الإجبار على أن يقسم مع شريكه وعللوا هذا بأنّ في هذا الإجبار رفع للضرر عن الشريك الآخر ووجه ذلك أنّ الإنسان إذا تفرد بنصيبه استطاع أن يفعل فيه ما لا يتمكن منه مع شريكه فبإمكانه أن يبني أو أن يغرس ومثلوا بهذين المثالين لأنهما من الأشياء النافعة للشريك متى استقل بقسمها.
ثم - قال رحمه الله - (وهذه القسم إفراز لا بيع) هذه القسمة ليست بيع ولا يشترط لها شروط البيع وإلاّ لم تكن قسمة إجبار بل هي إفراز يعني مجرد تمييز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر.
والقول الثاني: أنها بيع لأنّ كل واحد منهما يشتري نصيب شريكه المشاع والصحيح أنها إفراز وليست ببيع ولو كان في ظاهر العقد يوجد مبادلة لكنها مبادلة صورية وليست مبادلة على سبيل العوض.
ثم - قال رحمه الله - (ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وبقاسم ينصبونه أو يسألوا الحاكم نصبه) بيّن أنّ القسمة على ثلاثة أنواع: 1 - إما أن يتقاسموا بأنفسهم.
2 - أو أن ينصبوا هم رجلا يقسم بينهم.
3 - أو أن يذهبوا إلى الحاكم.

والجميع جائز بلا خلاف لأنّ الحق بينهما لا يخرج عنهما فلهما أن يستوفياه بماشاءا من الطرق لكن يشترط أن يكون القاسم أمينا عارفا بالقسمة فإن وضعا هما رجلا جاهلا أو فاسقا , فإنّ القسمة ليست بملزمة إلاّ بعد الرضا الثاني.
فإذا أتيا برجل متدين وفيه خير وأمانة إلاّ أنه لا يحسن كيفية القسمة فإنّ قسمته ليست بملزمة للطرفين فإن شاء بعد ذلك قبلا وإن شاء ردا.
ثم - قال رحمه الله - (وأجرته على قدر الأملاك) أجرة القاسم على قدر الأملاك لا على حسب ما اتفقوا عليه فإذا كان أحدهما يملك ثلاثة أرباع العين والآخر يملك ربع العين وأتوا بشخص عارف أمين ليقسم بينهما بأجرة فإنّ على من يملك ثلاثة أرباع العين ثلاثة أرباع الأجرة وعلى من يملك الربع ربع الأجرة.
والقول الثاني: أنه بحسب ما اتفقوا عليه فإذا اتفقوا أن يدفع صاحب الربع نصف الأجرة وصاحب ثلاثة أرباع نصفها صح لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمون على شروطهم وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
يقول الشيخ - رحمه الله - (فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة , وكيف اقترعوا جاز) إذا اقتسموا وانتهت القسمة فليس لأحد الرجوع سواء اقتسموا هم أو بقاسم أتوا به هم أو حكم بينهما القاضي إذا انتهت القسمة فإنه لا يجوز لهم الرجوع ويعتبر إلزام لأنّ قسمة القاسم كحكم القاضي فهي ملزمة ويستثنى من هذا إذا رجعوا قبل أن يبدأ بالقسمة فلهم ذلك أما بعد القسمة فإنه لا يجوز الرجوع لأنّ هذا يؤدي إلى أنه لا فائدة من القسمة.
يقول الشيخ - رحمه الله - أخيرا (وكيف اقترعوا جاز) يعني أنّ الشارع الحكيم لم يبيّن طريقة معيّنة محددة لإجراء القرعة بل لهم أن يقترعوا حسب ما يرونه مناسبا بالطريقة التي يرونها مناسبة

الدرس: (4) من القضاء

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

باب الدعاوى والبيّنات

قال - رحمه الله - باب الدعاوى والبيّنات.
الدعوى في لغة العرب / هي الطلب وأما في الاصطلاح فهي إضافة الإنسان لنفسه استحقاق ما في يد غيره أو ذمته.
وأما البيّنات فهي جمع بيّنة والبيّنة في الأصل هي الدلالة الواضحة أو الحجة الواضحة.
وأما في الاصطلاح / فهي عند الفقهاء عبارة عن الشاهدين , أو الشاهد مع اليمين والأربعة شهود ونحو هؤلاء فهذه هي البيّنات عند الفقهاء.
والقول الثاني: أنّ البيّنة هو كل ما أبان الحق سواء كان بالشهود والأيمان أو بغيرها مما يدل على المصيب من المتخاصمين وهذا الثاني هو الذي اختاره ابن القيم وهو الأقرب.
قال - رحمه الله - (المدعي من إذا سكت ترك) المدعي هو كل من إذا سكت ترك لأنه هو الطالب والطالب إذا سكت ترك وقيل أنّ المدعي هو من يطالب غيره بحق في يده أو ذمته يعني في يد المطلوب أو ذمته.
وهذا في الواقع هو الصحيح وهذا هو التعريف.
لأنّ قولهم من إذا سكت ترك أخذنا أنه إذا تقدم المدعي إلى مجلس الحكم فإنّ القاضي ينبغي أن لا يستمر في السكوت إلى أن يتكلم أحدهما بل ينبغي أن يبادر فيقول أيّكما المدعي فالتعريف الثاني هذا هو الصواب.
ثم - قال رحمه الله - (والمدعى عليه من سكت لم يترك) لأنه مطلوب والمطلوب لا بد أن يجيب إما بالإقرار أو بالإجابة عن بيّنة المدعي , وقيل أنّ المدعى عليه هو من يطالب بحق ومن يطالب بحق لغيره وهذا أيضا هو التعريف الأقرب إن شاء الله.
ثم - قال رحمه الله - (ولا تصح الدعوى والإنكار إلاّ من جائز التصرف) جائز التصرف هو من جمع ثلاث خصال البلوغ والعقل والرشد.
يعني التكليف مع الرشد فهذا شرط لصحة الدعوى لأنّ من لا يصح قوله لا يصح تصرفه في الأموال فإذا كنا لا نصح تصرفه فلا نصحح قوله وإذا لم نصحح قوله لم نصحح تصرفه.
ثم - قال رحمه الله - (وإذا تداعيا عينا بيد أحدهما فهي له مع يمينه)

إذا تداعيا عينا هي في يد أحدهما فهي لمن العين بيده لكن مع يمينه ودل على هذا الحكم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لو يعطى الناس بدعواهم لا ادعى قوم دماء ناس وأموالهم.
ولكن اليمين على المدعى عليه.
فهذا الحديث يعتبر قاعدة هذا الباب وهو أنّ الإنسان لا يعطى بمجرد الدعوى ولهذا تجد المؤلف - رحمه الله - (إذا تدعيا عينا بيد أحدهما فهي له لكن مع يمينه يعني فإنها تبقى معه لأنّ الآخر لم يأتي ببيّنة.
ثم - قال رحمه الله - (إلاّ أن تكون له بيّنة فلا يحلف) إذا تداعيا عينا بيد أحدهما وأيضا من العين بيده معه بيّنة على أنها له فإنّ العين تبقى بيده بلا يمين إلى هذا ذهب جماهير السلف والخلف من التابعين والأئمة وجماهير السلف والخلف واستدلوا على هذا بأنّ البيّنة إنما وضعت شرعا لتبيّن مع من الحق فإذا بيّنت أنّ الحق مع صاحب اليد لم نعد بحاجة إلى اليمين.
والقول الثاني: مذهب شريح فإنه ألزم مع البيّنة باليمين يعني لم يكتفي بمجرد بالبيّنة بل أضاف إلى هذا اليمين ولما قيل له ما هذا الذي أحدثت قال أحدث الناس فأحدثت.
وهذه العبارة تدل على أنه - رحمه الله - كان متفرد بهذا القول في زمن التابعين لأنّ السائل وصفه بأنه أحدث القول وأيضا شريح لم ينكر ولم يقل بل لي سلف والصحيح إن شاء الله أنّ طلب اليمين مع البيّنة يعود إلى القاضي فإنه إذا شك في بيّنته ورأى أن يلزمه مع ذلك باليمين فله ذلك لاسيما مع فساد الزمان وضعف الذمم وضعف التدين.
ثم - قال رحمه الله - (فإن أقام كل واحد بيّنة أنها له قضي للخارج ببيّنته ولغت بيّنة الداخل) الداخل هو من العين بيده , والخارج هو من العين ليست بيده فالمذهب إذا تداعى رجلان كل منهما له بيّنة والعين بيد أحدهما فالحكم أنها تعطى لبيّنة الخارج يعني لمن لم تكن العين بيده واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول" أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر.
فحصر النبي - صلى الله عليه وسلم - البيّنة في جانب المدعي فبيّنة المدعي هي المعتبرة.

الثاني" أنّ بيّنة المدعي فيها زيادة والقاعدة أنّ من معه زيادة يقبل.
وجه الزيادة يقرره الدليل الثالث وهو أنّ بيّنة من بيده العين قد تكون استفيدت من كون العين بيده فشهد معه لأنه يرى العين بيده وهي أدلة كما ترى وجيهة وترفع الاستغراب الذي قد يقع للناظر في هذه المسألة.
القول الثاني: وهو للجمهور أنها تكون لمن بيده العين لأنّ من بيده العين معه اليد والبيّنة وهذا القول الذي ذهب إليه الجمهور هو القول المتبادر إلى الذهن إذا اجتمع رجلان مع كل منهما بيّنة إلاّ أنّ إحدهما معه أيضا اليد فإنه يرجح باليد وهذا هو الراجح إن شاء الله بقينا في مسألتين إذا كانت العين ليست في يد أيِّ منهما , وإذا كانت العين في يد كل منهما! فالحكم أنهما يتحالفان ويتناصفان العين لأنه ليس لأحد منهما ما يدل على رجحان جانبه.
وهذه المسائل وإن كانت تقرر بهذا الشكل إلاّ أنه لا يخفى على الإنسان أنّ القاضي إذا عرضت عليه القضية لا يجمد على مثل هذه الأقوال بل يتحرر ويلتمس الحق حيث كان ويتأمل في البيّنات وأوضاع المتكلم وأوضاع المتداعيين وطبيعة العين يعني أنا أخشى ما أخشاه أنّ الإنسان يفهم الأقوال قوالب أنّ القاضي إذا جاءه مثل هذه المسائل يحكم بهذه الطريقة أنّ العين بيد فلان إلى آخره هذا هو الأصل ولكن القاضي عليه أن يتحرى وأن يكون مقصوده وهمّه هو إيصال الحق إلى صاحبه بأيّ طريقة كانت.
بهذا انتهى الكتاب وننتقل إلى الشهادات.

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل