كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
قال شيخنا حفظه الله:
• قال - رحمه الله -:
كتاب الصيام.
الصيام في لغة العرب: الكف والإمساك سواء كان عن الطعام أو عن الكلام أو عن العمل أو عن أي شيء.
وفي الاصطلاح: هو الإمساك بنية عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق - الثاني - إلى غروب الشمس.
وهذا التعريف ذكره بعض الفقهاء.
وهو أوضح من أن يقال: إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن أشياء مخصوصة.
فإن هذا التعريف ما يفيد كثيراً لكن التعريف الذي ذكرت وذكره بعض الفقهاء أوضح في بيان المقصود.
• يقول - رحمه الله -:
يجب صوم رمضان.
صيام رمضان مفروض بالكتاب والسنة والإجماع.
ولم يختلف أهل العلم في فرضيته.
وهو مما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة.
فمن أدلة فرضيته:
- في الكتاب: قوله تعالى: - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) -[البقرة/183].
- وأما من السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (بني الإسلام على خمس) وذكر منها صيام رمضان.
- وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون علماء وعوام وكل من يعقل الأحكام من الإسلام أن صيام رمضان واجب متحتم.
ورمضان فرض في السنة الثانية.
وصام - صلى الله عليه وسلم -: تسع رمضانات بإجماع الفقهاء.
• يقول - رحمه الله -: يجب صوم رمضان برؤية هلاله.
يجب الصوم بثلاثة أسباب: - السبب الأول: رؤية الهلال: فإذا رأى المسلمون الهلال وجب عليهم الصيام لدليلين:
- أولاً: الإجماع.
فإنه لم يختلف المسلمون أنه إذا رؤي الهلال وجب الصوم. - ثانياً: ما صح عن ابن عمر في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا).
- السبب الثاني: إتمام عدة شعبان ثلاثين يوماً.
وهذا أيضاً مما أجمع عليه الفقهاء.
أنه إذا أتم المسلمون شهر شعبان ثلاثون يوماً وجب عليهم الصيام. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً).
- السبب الثالث: إذا كانت ليلة الثلاثين فيها غيم أو قتر.
فيجب الصيام حينئذ عند الحنابلة وسيأتينا الآن قريباً تفصيل هذه المسألة وذكر الخلاف والراجح فيها.
لكن المقصود الآن أن يتصور الإنسان الأسباب الثلاثة عند الحنابلة التي توجب على المسلمين الصيام وأن السبب الأول والثاني محل إجماع وأن الثالث محل خلاف سيأتي الكلام عليه.
• ثم قال - رحمه الله -: فإن لم ير مع صحوٍ ليلة الثلاثين: أصبحوا مفطرين.
وذلك لعدم استنادهم على ما يوجب الصيام شرعاً.
لأنه إذا لم ير مع الصحو إذاً لم يهل ولا يجوز للإنسان أن يصوم إلا بموجب شرعي.
وإذا تأملت تجد هذه الصورة التي ذكرها المؤلف تخرج عن الأسباب الثلاثة.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن حال دونه غيم أو قتر: فظاهر المذهب يجب صومه.
إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر غيم أي: سحب أو قتر يعني: غبار وذلك ليلة الثلاثين من شعبان فإنه: = يجب عند الحنابلة أن يصوم الناس.
واستدل الحنابلة لهذا الحكم بأدلة: - الأول: أنه يجب الصيام احتياطاً.
- الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإن غم عليكم فاقدروا له).
قالوا ومعنى (فاقدروا): يعني: ضيقوا وإذا ضيقنا شعبان صار تسعة وعشرين يوماً.
فنصوم بناء على هذا من الغد. - الثالث: أنه صح أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يصوم في يوم الغيم.
إذاً استدل الحنابلة بثلاثة أدلة.
= القول الثاني: أنه لا يجب الصيام.
بل إما أن يكون مباحاً أو مستحباً.
لكنه لا يجب.
والقول: بأنه لا يجب.
وهو إما مباح أو مستحب: كل هذه الأقوال نسبت لشيخ الإسلام أنه - رحمه الله - قال: مباح وأنه قال مستحب.
فكأن له في هذه المسألة أكثر من قول.
واستدل: - بأنه لم ينقل عن الصحابة أبداً الوجوب ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
= القول الثالث: أن الصيام في هذا اليوم محرم.
لدليلين: - الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من صام يوم الشك فقد عصا أبا القاسم) ويوم الشك هو ليلة الثلاثين من إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر سحاب أو قتر.
- الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين).
ومن صام هذا اليوم فقد تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين حسب الواقع.
ويصام: برؤية عدل ولو أُنثى.
يعني: أن وجوب صيام شهر رمضان يكتفى به برؤية عدل واحد ولو أنثى ولا يشترط أن يشهد بذلك اثنان.
= وهو مذهب الحنابلة والشافعية.
واستدل هؤلاء بنصوص واضحة:
- أولاً: بحديث ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأي الهلال فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - أتشهد أن لا إله إلا الله فقال: نعم.
فأمر الناس بالصيام.
فهذا الأعرابي رجل واحد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادته.
وهذا الحديث يصححه بعض المتأخرين.
والصواب أنه مرسل كما قال الإمام النسائي. - ثانياً: ما صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن يتراؤوا الهلال قال: فرأيته وأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - فصامه وأمر الناس بصيامه.
- أي: الشهر.
وهذا الحديث الصواب أنه ليس له علة وهو صحيح ثابت إن شاء الله وهو نص في قبول شهادة الرجل الواحد.
= القول الثاني: أنه تقبل شهادة الرجل الواحد إذا قدم من خارج البلد وترد إذا شهد وهو في البلد. - لأنه إذا شهد قادماً من الخارج فيحتمل أن يرى ما لا يراه الناس لكونه في موقع يتمكن من الرؤية دون الناس.
وأما إذا كان في وسط البلد مع الناس وزعم أنه رآه ولم يره الناس فترد شهادته لأنهم يتمكنون من رؤية ما يرى. - ولأن الأعرابي الذي شهد عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم من الخارج.
= والقول الأخير - وهو الثالث - أنه يشترط في ثبوت دخول الشهر شهادة اثنان. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا شهدا شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا).
والصواب: القول الأول.
• قوله - رحمه الله - : (ولو أنثى).
يعني خلافاً للشافعية الذين يشترطون أن يكون الرائي من الرجال.
والدليل على صحة مذهب الحنابلة: - أن هذا خبر ديني يقبل به قول الرجل والمرأة كرواية الحديث وكالإخبار بمواقيت الصلاة فإن هذه الأخبار الدينية لا يشترط فيها أن يكون المخبر رجل بل تقبل من النساء.
وهذا هو الصواب بلا شك. -
- مسألة: خروج الشهر - بل نقول رؤية شهر شوال وغيره من الشهور فيما عدا رمضان لا يقبل في إثباتها إلا شهادة رجلين ولا يكتفى بالواحد.
وحكي على هذا الإجماع - حكاه أكير من واحد من أهل العلم ولم يخالف فيه إلا فقيه واحد وهو أبو ثور.
فمن الفقهاء من حكى الإجماع ولم يشر إلى خلاف أبي ثور ومنهم من حكى الإجماع وقال: خالف أبو ثور فقط.
وهذا هو الصواب لأنها محل إجماع أنه يشترط في إثبات دخول سائر الشهور عدا رمضان أن يشهد اثنان.
•
قوله - رحمه الله -
: (ويصام برؤية عدل).
اشتراط العدالة دل عليه الحديث السابق: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا شهدا شاهدان ذوا عدل).
فيشترط لقبول الشهادة أن يكون الشاهد عدل مستقيم تارك للكبائر لقوله تعالى: - (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) -[الحجرات/6] فالفاسق لا يقبل قوله في الأخبار العادية فكيف بدخول شهر رمضان.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم ير الهلال .... لم يفطروا.
قوله: (لم يفطروا): لأنه لا يمكن أن يخرج الشهر بشهادة واحد إذا تقدم معنا الآن أنه يشترط في إثبات خروج الشهر شهادة اثنان.
وإذا أخرجنا الشهر بتمام الثلاثين نكون اعتمدنا على شهادة رجل واحد وهو الذي شهد بإدخال الشهر.
وذلك لا نقبل هذا ويشترط شهادة شاهدان.
= القول الثاني: أنه إذا تم ثلاثون يوماً أفطر الناس ولو كان الشهر دخل بشهادة رجل واحد.
- لأن الإفطار هنا إنما هو بإتمام الشهر ثلاثين لا بشهادة الرجل الأول.
والقاعدة المتفق عليها: (يثبت تبعاً ما لايثبت استقلالاً).
فإتمام الثلاثين تبع لشهادة الرجل ولكن يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
فنثبت الآن الفطر بثلاثين تبعاً لشهادة الرجل الواحد لا أصلاً.
وهذا القول لا شك أنه هو الراجح إن شاء الله: أنه إذا تم الشهر ثلاثون يوماً أفطر الناس ولو كان دخول الشهر بشهادة رجل واحد.
وعلى هذا عمل الناس.
• قال - رحمه الله -: أو صاموا لأجل غيم: لم يفطروا.
تقدم معنا أن الحنابلة يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان عليها غيم أو قتر وجب الصيام فإذا صام الناس بناء على هذا القول فإنهم لا يفطرون بإتمام الثلاثين يوماً لأن الصيام في أول الشهر إنما وجب احتياطاً والاحتياط في آخر الشهر أن الأصل بقاء رمضان.
وهذه المسألة مفروضة عند الحنابلة.
وعلى القول الراجح لا إشكال لأنه لا يجب أن يصام بل يحرم فلا ترد هذه المسألى على هذا القول.
•
ثم قال - رحمه الله -:
ومن رأى وحده هلال رمضان وردّ قوله ... صام.
إذا رأى الإنسان هلال رمضان وحده ولم يره الناس وجب عليه أن يصوم وحده باتفاق الأئمة الأربعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا رأيتموه فصوموا) وهذا رآه.
- وبقوله تعالى: - (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ) -[البقرة/185] وهذا شهد الشهر.
- وبأن هذا الذي رأى الهلال يعلم قطعاً أن هذا اليوم من رمضان فلا يجوز له أن يفطر.
= القول الثاني ك رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الاسلام: أن من رأة هلال رمضان وحده فإنه لا يجب عليه أن يصوم.
واستدلوا بدليلين: - الدليل الأول: أن هذا اليوم محكوم عليه شرعاً أنه من شعبان.
لأنه عند الناس من شعبان فهو شرعاً من شعبان فكيف يصوم يوماً من شعبان. - الدليل الثاني: - وهو الدليل القوي - قوله - صلى الله عليه وسلم - (فطركم يوم تفطرون وصومكم يوم تصومون) ومعنى الحديث أن الفطر المعتبر وكذلك الصيام المعتبر ما وافق فيه المسلم جماعة المسلمين.
واختيار شيخ الاسلام هو الاقرب.
ومذهب الأئمة الأربعة لا يخفاكم أنه هو الأحوط لكن مع ذلك إذا صام الإنسان فينبغي أن يصوم سراً.
والسبب في ذلك: لأن لا يدخل بين الناس النزاع والخصومة بسبب أنه صائم فإنه مافي شك أنه إذا رؤي أنه صائم في يوم يعتبره من رمضان صار بينه وبين الذين لم يصوموا مخاصمة وهذا لاشك يقع كثيراً فإذا أراد أن يحتاط ويصوم يصوم سراً.
• ثم قال - رحمه الله -: أو رأى هلال شوال: صام.
يعني: أنه إذا رأى الإنسان هلال شوال وحده دون الناس فيجب عليه أن يصوم.
(= على المذهب: إذا رأى هلال شوال لا يجوز له أن يفطر وهومذهب الجمهور واختيار شيخ الاسلام.
واستدلوا: - بالحديث السابق: (فطركم يوم تفطرون وصومكم يوم تصومون).
- ولأن - وهذا دليلهم الأقوى - خروج رمضان لا يثبت إلا بشهادة اثنان والذي رآه الآن واحد فهو شرعاً لم يخرج الشهر - وإن كان هو رآه.
إذاً ذهب الجمهور كلهم بمن فيهم شيخ الاسلام إلى أنه إذا رأى هلال شوال وحده لا يفطر.
- ثالثاً: قوله تعالى: - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ) -[البقرة/286].
- الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
وترك الصيام لغير القادر لمرض أو غيره ينقسم إلى قسمين: - الأول: أن لا يستطيع في الوقت ويستطيع بعد الوقت كالمريض الذي يرجى برؤه فهذا يجوز له الفطر.
وعليه القضاء فقط. - الثاني: من لا يستطيع في الوقت ولا بعد الوقت.
والمقصود بالوقت هنا: شسهر رمضان.
فهذا يجوز له الفطر وعليه الإطعام.
ومثاله: الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه.
وسيأتي تفصيل أكثر لأحكام المريض الذي يرجى والذي لا يرجى برؤه.
• ثم قال - رحمه الله -: وإذا قامت البينة في أثناء النهار: وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه.
في الواقع المؤلف - رحمه الله - في هذه العبارة كأنه خلط بين مسألتين ولذلك لو رجعت للمقنع أو لكشاف القناع أو لأي كتاب من كتب الحنابلة ستجد أنه فصل بين المسألتين: - المسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار.
- والمسألة الثانية: من صار أهلاً للوجوب في أثناء النهار ..
نبدأ بالمسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار: وجب الإمساك والقضاء.
إذا قامت البينة في أثناء النهار: يعني عرف في وسط النهار أن هذا اليوم من رمضان فيترتب على هذا: وجوب أمرين: - الأول: وجوب الإمساك.
- والثاني: وجوب القضاء.
أما الأول: وهو وجوب الإمساك: فهومحل إجماع.
فيجب على من علم بأن هذا اليوم من رمضان في أثناء النهار أن يمسك.
والدليل على هذا:
- أولاًِ: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فاتقوا الله ما استطعتم) وهذا يستطيع أن يتقي الله في باقي اليوم بامتثال الأمر.
- ثانياً: لحرمة اليوم فإن هذا اليوم من رمضان لا يجوز للإنسان أن يأكل فيه.
- ثالثاً: لما صح عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى قوم أكلوا أول اليوم من عاشوراء أن أمسكوا وأتموا الصيام.
مع أنهم أكلوا أول اليوم بنص الحديث.
وكما قلت المسألة محل إجماع.
وأما الثاني: وهو وجوب القضاء.
يجب على المسلمين إذا أمسكوا مع ذلك أن يقضوا هذا اليوم.
والدليل:
- أن هؤلاء الناس لم يصوموا يوماً شرعياً كاملاً ولم يأتوا بشروط الصيام الصحيحة.
إذاً اختل الصيام من جهتين: أنه لم يصوموا يوماً كاملاً وأنهم لم يأتوا بشروط الصيام: كالنية من الليل.
= وإلى هذا ذهب الجماهير من أهل العلم.
أنه: يجب مع الإمساك القضاء.
= والقول الثاني: أنه يجب الإمساك دون القضاء.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام بن تيمية.
واستدل بدليلين: - الأول: أن الذين أكلوا أول اليوم في عاشوراء وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإمساك لم يأمرهم بالقضاء مع أن صيام عاشوراء كان واجباً في صدر الإسلام.
- الثاني: أن الوجوب وجوب العبادة فرع العلم.
فقبل العلم لم يجب أصلاً.
فالإمساك على هؤلاء يجب من حين علموا إلى آخر اليوم دون صدر اليوم ولا يجب على الإنسان أن يقضي ما لا يجب عليه.
والراجح.
القول الثاني.
وهذه المسألة إن كانت تقع في القديم فإنها لا يتصور أن تقع في وقتنا هذا إذ لا يتصور أن يرىحد الهلال ثم لا يستطيع أن يخبر المختصين والمختصون بدورهم يخبرون الناس لكن في القديم يقع كثيراً أن يراه في مكان بعيد ثم لا يصل إلا في منتصف النهار ثم يشهد وتقبل شهادته ويؤمر الناس بالصيام فهذا كان يقع.
أما اليوم فهي ولله الحمد لا تقع أو يندر جداً أن تقع مثل هذه المسألة.
• ثم قال - رحمه الله -: على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه.
من صار أهلاً للوجوب في أثناء اليوم أيضاً يجب عليه أن يمسك وأن يقضي.
مثاله: أن يسلم الكافر.
أو يبلغ الصبي.
أو يفيق المجنون.
فإذا بلغ الصبي في أثناء اليوم أو أسلم الكافر ترتب على هذا: - أنه يجب عليهم أن يمسكوا.
- وأيضاً يجب أن يقضوا.
وهذه المسألة فيها عن الإمام أحمد روايتان وقيل ثلاثة لكن تشككوا في إثبات الرواية الثالثة.
= فالرواية الأولى: وجوب الإمساك والقضاء.
وهو المذهب.
. أما وجوب الإمساك فلما تقدم أنه احتراماً للزمن ولأنهم أفطروا لعذر فزال هذا العذر فوجب أن يمسكوا.
= القول الثاني: لا يجب لا الإمساك ولا القضاء وهو رواية عن الإمام أحمد وهي الثانية.
أما أنه لا يجب الإمساك: فاستدلوا بأن من أفطر في أول اليوم ظاهراً وباطناً جاز له أن يفطر في آخر اليوم.
والصبي قبل أن يبلغ يجوز له أن يفطر في صدر اليوم ظاهراً وباطناً.
بخلاف الذين لم يبلغهم الخبر إلا في أثناء اليوم فهؤلاء يجوز لهم أن يفطروا ظاهراً فقط.
أما هؤلاء فإنه يجوز لهم أن يفطروا ظاهراً وباطناً.
إذاً هذا الدليل على عدم الإمساك.
وأما الدليل على عدم القضاء فلأن هؤلاء حال التلبس بالعبادة ليسوا من أهل العبادة.
((الأذان))
(نتم هذه المسألة فقط).
= والقول الثالث: ما قال عنه الزركشي: أظنه رواية عن الإمام أحمد: أنه يجب الإمساك دون القضاء.
والزركشي يقول: أظن أن شيخ الاسلام جعله رواية.
يعني: في إثبات هذه الرواية عن الإمام أحمد شك.
وهذا القول الأخير هو الصواب أنه يجب الإمساك دون القضاء.
أما عدم وجوب القضاء فلما تقدم: من أنهم لم يدركوا وقتاً يتمكنوا فيه من العبادة.
أي أنهم في صدر النهار لم يكونوا من أهل العبادة.
وأما وجوب الإمساك فلحديث عاشوراء حيث أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإمساك فكذا هؤلاء نأمرهم بالإمساك بقية النهار ولا يجب عليهم أن يقضوا.
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال - رحمه الله -:
وكذا حائض ونفساءُ طهرتا، ومسافر قدم مفطراً.
هؤلاء ثلاثة:
1 - الحائض إذا طهرت.
2 - والنفساء إذا طهرت.
3 - والمسافر إذا قدم.
ويلحق بهم شخص رابع وهو: 4 - المريض إذا شفي.
فهؤلاء أيضاً يأخذون الحكم السابق وهو وجوب القضاء ووجوب الإمساك.
- فنبدأ بالأول: وهو: وجوب القضاء بالنسبة لمن كان يمنعه مانع من الصيام كالحيض والنفاس أو كان يجوز له الفطر كالمريض والمسافر فهؤلاء يجب عليهم القضاء إجماعاً.
- لقوله تعالى: - (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) -[البقرة/184]. فمسألة القضاء لا إشكال فيها بنص الكتاب وإجماع أهل العلم.
- والمسألة الثانية:
الإمساك: فيجب على هؤلاء أن يمسكوا إذا زال العذر في أثناء النهار.
= واستدل الحنابلة على ذلك:
- بأن العذر المبيح للفطر زال فيجب أن يزول حكمه وهو الإفطار ويمسك هذا الشخص.
= والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجب على هؤلاء الأربعة أن يمسكوا.
واستدلوا بأدلة: - الأول: أن الله سبحانه وتعالى إنما فرض على المسلم صيام يوم ولا يجوز أن نلزمه بصيام يوم وصيام بعض يوم.
لأنا نوجب عليه أن يقضي.
فإذا أوجبنا عليه أيضاً أن يمسك صرنا أوجبنا عليه أن يصوم يوماً أو بعض يوم وهذا لا يدل عليه دليل من الشرع. - الثاني: أنهم أفطروا في صدر النهار ظاهراً وباطناً بإذن الشارع الذي لا شك فيه فكذلك في آخر النهار.
لأن الصوم الشرعي: الإمساك يوماً كاملاً.
وهذا القول الثاني هو الراجح إن شاء الله.
• ثم قال - رحمه الله -: ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤهُ: أطعما لكل يوم مسكيناً.
أي جاز له أن يفطر وعليه أن يطعم.
فالشيخ الكبير - الرجل الكبير السن - ومن كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه إذا لم يستطيعوا الصيام جاز لهم الفطر وعليهم فقط الإطعام.
= وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم: الشافعية والحنابلة والأحناف والجماهير.
واستدلوا: - بما صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: الشيخ والشيخة الكبير يفطرون ويطعمون.
واستدل بقوله تعالى: - (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) -[البقرة/184]. = القول الثاني: للإمام مالك وهو أنهم يفطرون ولا شيء عليهم.
واستدل: - بأنهم أفطروا بعذر شرعي ومن أفطر بعذر شرعي فإنه لا يلزم بالفدية.
وقول الإمام مالك ضعيف والصواب مع الجمهور لما استدلوا به عن ابن عباس ولا يعلم له مخالف من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. • ثم قال - رحمه الله -: أطعما لكل يوم مسكيناً.
لم يبين المؤلف - رحمه الله - المراد بالإطعام هنا ولا مقداره.
= ومقصود الحنابلة هنا هو ما يجزئ في الكفارات وهو مد بر أو نصف صاع من غيره من الأطعمة.
واستدلوا على ذلك: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في فدية الحج بالحديث الصحيح - نصف صاع.
وأما أن البر مد: - فلأنه أغلى ثمناً وأنفس فهو يساوي مدين من غيره من الأطعمه من الشعير أو التمر.
= والقول الثاني: أن الواجب نصف صاع من أي طعام كان.
واستدلوا: - بنفس الدليل: قياساً على ما جاء في فدية الحج وقالوا: لا دليل على التفريق بين البر وغيره من الأطعمة.
= والقول الثالث: أنه مد من كل الأطعمة.
واستدلوا: - بأنه روي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والفطر بالمرض محل إجماع في الجملة بين أهل العلم: للآية.
- (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) -[البقرة/184] فهي نص في جواز فطر المريض.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولمسافر يقصر.
يعني: ويسن لمسافر يقصر أن يفطر.
والفطر للمسافر جائز بإجماع أهل العلم.
ويجوز له أن يصوم على الصحيح:
- لما أخرجه البخاري ومسلم عن أنس أنه قال: كنا في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر ولم يعب أحدنا على الآخر.
وينقسم الصيام في السفر إلى قسمين: - القسم الأول: ما يترتب عليه مشقة.
فالسنة في السفر الشاق أن يفطر.
فإن صام فقد ارتكب مكروهاً أو محرماً بحسب الأذى الذي يلحق البدن من الصيام.
والدليل على هذا التفصيل: - أولاً: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس من البر الصيام في السفر).
- وثانياً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر في سفر فقيل له إن قوماً ما زالوا صائمين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أولئك العصاة، أولئك العصاة).
- القسم الثاني: أن لا يترتب على الصيام في السفر مشقة.
فهذا فيه خلاف بين أهل العلم: = فذهب الحنابلة: الإمام أحمد - المذهب الإصطلاحي والشخصي - إلى أنه يسن للمسافر أن يفطر ولو لم يجد مشقة.
واستدل - رحمه الله -: - بالنصوص السابقة وبالآثار التي نقلت عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي تدل على كراهية الصيام في السفر ولو بلا مشقة.
= القول الثاني: للأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي أن الصيام أفضل في السفر إذا لم يترتب عليه مشقة.
واستدل الجمهور بدليلين: - الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر في يوم حار فصام هو وابن رواحة.
فدل صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه إذا لم يجد مشقة فالأفضل الصيام لأنه لا يصنع إلا الأفضل. - الثاني: أن في الصيام في السفر إسراع في إبراء الذمة.
والجواب على حديث: (أولئك العصاة):أنه ثبت في هذا الحديث أن الصيام شق على أصحابه.
ونحن نقول: أنه إذا شق الصيام فهو مكروه أو محرم.
وإنما البحث مفروض فيما إذا لم يجد مشقة.
والذي يظهر والله أعلم أن مذهب الأئمة الثلاثة أحسن وأقوى وأقرب للجمع بين النصوص.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه: فله الفطر.
يعني: إذا صام الإنسان في بلده ونوى الصيام وصام ثم سافر في أثناء اليوم وخرج عن البلد فإنه يجوز له عند الحنابلة أن يفطر.
ولو كان في أول النهار مقيماً صائماً.
واستدلوا:
- بأنه ثبت عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يفطرون في أثناء اليوم في السفر.
= والقول الثاني: للأئمة الثلاثة أنه إذا أصبح صائماً في بلده ثم خرج مسافراً فإنه لا يجوز له أن يفطر. - لأنه شرع في عبادة واجبة فوجب عليه أن يتمها.
ومذهب الأئمة الثلاثة في هذه المسألة ضعيف أو ضعيف جداً.
لأنه مخالف للمنقول والمعقول.
فالمنقول عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم أفقه الناس أنهم كانوا يفطرون.
وأما المعقول: فلأن المعنى المناسب الذي أباح الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يفطر فيه وهو السفر موجود في هذه الصورة ولا يقدح في ذلك أنه كان في أول النهار مقيماً فإن هذا المعنى لا يقدح في وجود علة جواز الفطر وهي السفر.
فالراجح في هذه المسألة مذهب الحنابلة.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما: قضتاه فقط.
الحامل والمرضع إذا أفطرتا فعليهما القضاء إذا كان الفطر بسبب الخوف على أنفسهما لا بسبب الخوف على الجنين.
فإن كان الفطر بسبب الخوف على الحنين فهي المسألة الثانية التي ستأتي الآن معنا.
وجواز الفطر وأنه لا يجب عليهما إلا القضاء كلاهما محل إجماع.
حكى الإجماع ابن قدامة وابن مفلح وغيرهما وأشار إليه شيخ الإسلام بن تيمية.
إذاً إذا أفطرتا خوفاً على نفسيهما لا على الجنين فعليهما فقط القضاء دون الإطعام.
• ثم قال - رحمه الله -: - مبيناً النوع الثاني: وعلى ولديهما: قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً.
هذه المسألة وهي إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفاً على الجنين محل إشكال بين أهل العلم واختلفوا فيها اختلافاً كثيراً ونحن إن شاء الله نلخص هذا فنقول: = ذهب الحنابلة والشافعية إلى ما ذكره المؤلف - رحمه الله - أنه عليهما أن يقضيا وأن يطعما.
واستدلوا على ذلك: - بما صح عن ابن عباس وابن عمر: أنهما أفتيا المرضع والحامل بذلك: بأن يطعما.
وأما القضاء: - فقياساً على المريض.
لأن الحامل والمرضع تشبه من حيث الحقيقة المريض.
= القول الثاني: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا بسبب الجنين لا يجب عليهما إلا الإطعام فقط.
واستدلوا:
- بأنه صح عن ابن عمر وابن عباس أنه ليس على المرأة المرضعة والحامل إذا أفطرت إلا الإطعام دون القضاء ونصوا رضي الله عنهم بالفتوى أن الواجب الإطعام دون القضاء.
وهذا صحيح وإسناداً ثابت صححه الدارقطني وغيره.
وأما مارواه البيهقي عن ابن عمر أنه قال لها: - أي المرأة السائلة - أطعمي واقضي فهو أثر منكر.
فالثابت عنهما الإفتاء بالإطعام دون القضاء.
= القول الثالث: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنه لا يجب عليهما لا إطعام ولا قضاء.
وهذا مذهب ابن حزم - رحمه الله -. واستدل على هذا: - بحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع عن المسافر والحامل والمرضع الصيام.
قال ابن حزم فإذا أجاز الشارع لها أن تفطر فلا يترتب على هذا لا قضاء ولا إطعام.
= والقول الرابع - والأخير -: وهو مذهب الجمهور وأكثر أهل العلم وحوب القضاء دون الإطعام.
أما وجوب القضاء: - فقياساً على المريض.
وأما عدم وجوب الإطعام فلدليلين: - الأول: أنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على وجوب الإطعام.
- الثاني: أنه في قول ابن عباس وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسافر والمرضع والحامل الصوم لم يذكر وجوب الإطعام.
والراجح والله أعلم.
وجوب القضاء والإطعام.
قال شيخ الاسلام - رحمه الله -: صح الإطعام عن ثلاثة من الصحابة لا يعلم لهم مخالف وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس.
وإذا صح عن ثلاثة من فقهاء الصحابة إلزام المرأة بالإطعام فإنه يصعب الخروج عن هذا.
وهذا القول اختيار شيخ الاسلام في أكثر من كتاب من مصنفاته.
وهو مذهب الإمام أحمد الاصطلاحي والشخصي وهو مذهب الإمام الشافعي.
وهذا القول قوي بسبب الآثار الصحيحة الثابتة التي ليس لها مخالف ولا دافع سواء: - قلنا أن هذه الفتوى مما لا مدخل للرأي فيها وهذا محتمل لأنه قد يقال أنه يبعد أن ابن عباس وابن عمر يلزمون المرأة بالإطعام بلا دليل ولا مستند عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- أو قلنا أنه فتوى صحابي ليس له مخالف فيشبه أن يكون إجماع ثلاثة من الصحابة يفتون بهذا الأمر فأيضاً هذا كافي في أن يذهب الإنسان إلى هذا المذهب.
فنقول: يجب على المرأة إذا أفطرت بسبب الجنين أن تقضي هذا اليوم وأن تطعم.
• ثم قال - رحمه الله -: ومن نوى الصوم ثم جن، أو أُغمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءاً منه: لم يصح صومه.
أي أذا نوى الصوم من الليل ثم جن أو أغمي عليه في جميع النهار: يعني: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فإن الصيام باطل ولا يصح: - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -[أن الله تعالى يقول - في الحديث القدسي]: (كل عمل ابن له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).
ومن أغمي عليه أو جن لا ينسب إليه أنه قصد ترك الطعام ولا الشراب.
فلا يعتبر من الصائمين.
وفهم من عبارة المؤلف أن المغمى عليه لو استيقظ في أي جزء من النهار صح صومه وكذلك لو أفاق المجنون في أي جزء من النهار صح صومه سواء أفاق - المجنون أو المغمى عليه - من أول النهار أو من آخره. - لأنه قصد الإمساك في جزء من وقت العبادة فصحت عبادته.
• ثم قال - رحمه الله -: لا إن نام جميع النهار.
أي فيصح صومه.
وصحت صوم النائم في جميع النهار محل إجماع لأمرين: - الأول: أن النوم عادة فلا تبطل الصيام.
- والثاني: لأن النائم لا يفقد الإحساس بالكلية كما في الإغماء والجنون.
وللإجماع الذي ذكرته فلا إشكال إن شاء الله في مسألة النائم.
فلو نام الإنسان من قبل أن يطلع الفجر الثاني إلى أن غابت الشمس ولم يستيقظ أبداً فصومه صحيح.
• ثم قال - رحمه الله -: ويلزم المغمى عليه: القضاءُ فقط.
فقط: أي دون المجنون.
فالمسألة الأولى: أن المغمى عليه يجب عليه أن يقضي الصيام: أي في الحال التي لا يصح فيها صومه كما إذا أغمي عليه جميع النهار. - لأن زوال العقل بالنسبة له ليس زوالاً كلياً فلا يرفع التكليف.
- ولأنه لا يتأخر عادة أي لا يطول.
فإذاً المغمى عليه يجب عليه أن يقضي إذا استيقظ.
المسألة الثانية: المجنون.
المجنون ينقسم إلى قسمين:
- الأول: أن يكون مجنوناً طول النهار: أي من أول اليوم إلى آخره: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهذا لا يجب عليه أن يقضي هذا اليوم.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة) قال: (والمجنون حتى يفيق).
والمرفوع عنه القلم ليس من المكلفين فلا يجب عليه أن يقضي لأنه لم يثبت في ذمته وجوب العبادة أصلاً. - الثاني: أن يصحو في جزء من النهار ويجن في جزئه الآخر.
فهذا يجب عليه عليه أن يقضي.
لأنه أدرك جزءاً من العبادة فوجبت في ذمته.
فإذاً المجنون فيهه هذا التفصيل الذي ذكرته.
• ثم قال - رحمه الله -: ويجب تعيين النية من الليل: لصوم كل يوم واجب لا نية الفريضة.
يعني: أنه يجب: = عند الحنابلة أن يعين الإنسان النية في الليل.
ومقصود الحنابلة بالتعيين: أن ينوي أنه يصوم من رمضان أو من قضائه أو من نذره وإنما الواجب أن يعين ما هو الصيام الذي سيصومه؟ وإذا نوى نية التعيين فلا يجب عليه أن ينوي نية الفريضة لقوله - رحمه الله -: (لا نية الفريضة).
والتعليل: - أن نية التعيين تغني عن نية الفريضة.
فلو نوى الإنسان أنه غداً سيصوم قضاء عليه أو من نذره أو من رمضان فلا يشترط مع ذلك أن ينوي أنه يصوم فريضة من فرائض الله.
بل يكتفي بالتعيين. - الدليل:
- الدليل على وجوب التعيين والنية - في الجملة:
- الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) أي: أن الأعمال إنما تعتبر وتصح وتقبل بالنية.
- الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).
وهذا الحديث فيه خلاف في إثباته وتعليله.
ولعل الأقرب إن شاء الله أنه موقوف.
لكن كما هو ظاهر: أن مثل هذا الحكم يبعد جداً أن يقوله الصحابي من تلقاء نفسه بل يجزم الإنسان أن له حكم الرفع لأن فيه جزماً بإبطال عبادة مع تعيين وقت محدد لنية هذه العبادة وهو الليل فالغالب أنه مرفوع.
= القول الثاني: أن الصيام إذا كان متتابعاً سواء كان صيام رمضان أو كفارة الجماع في نهار رمضان أو كفارة قتل الخطأ أو أي صيام يشترط فيه التتابع أنه يكتفى فيه بالنية في أوله ولا يجب أن ينوي في كل يوم.
واستدل هؤلاء:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا المسام نوى أن يصوم كل رمضان حين دخل الشهر.
والفقهاء متفقون على أن الواجب استمرار النية حكماً لا حقيقة.
وهذا استمرت نيته حكماً وإن لم تستمر في بعض المواضع حقيقة فيما لو نسي أو نام.
ويشترط على هذا القول: أنه إذا جن أو أغمي عليه أو عرض له أي عارض أن يجدد النية.
وكذلك لو أفطر بسبب لا يقطع التتابع فيجب عليه أن يجدد النية لأن النية الحكمية انقطعت هنا.
وهذا القول الثاني: أقرب إن شاء الله.
وثمرة الخلاف تقريباً في مسألة واحدة: وهي: في الشخص الذي ينام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
أي الذي ينام في كل الليل فإن هذا لم يبيت الصيام من الليل فهذا: = عند الجمهور: صيامه باطل.
لأنه لم ينو في الليل.
= وعلى القول الثاني: صيامه صحيح.
ومن هنا تعلم خطورة ما يصنعه بعض الشباب من النوم طيلة الليل فإن هذا يعرض صيامه للبطلان عند جماهير أهل العلم الذين يستندون على نص صحيح عند المتأخرين وحكم بعضهم عليه بالوقف وهو: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) ففي عمله هذا خطورة عظيمة جداً.
• ثم قال - رحمه الله -: ويصح النفل: بنية من النهار هذه المسألة كالتقييد للمسألة السابقة: وهي: أنه يجوز للإنسان أن يصوم ولو في أثناء النهار إذا كان الصيام نفل.
واستدل الحنابلة على هذا: - بما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة فقال: (أعندك طعام قالت لا:.
قال: إني إذاً صائم).
فصام - صلى الله عليه وسلم - في أثناء النهار لما كان الصيام نفلاً.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز صيام النفل إلا بنية. - لعموم حديث: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).
والراجح مع الحنابلة.
لأن حديثهم مخصص لعموم هذا الحديث.
مسألة: = ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأجر يترتب من النية فقط.
وما سبق من اليوم فإنه لا أجر له عليه.
واستدلوا على هذا: - بأن الأجر يترتب على العبادة والعبادة لا يمكن أن تصح إل بنية والنية لم تأت إلا في أثناء اليوم.
= والقول الثاني: أنه إذا صام في أثناء النهار فإن له أجر يوم كامل.
- لأن الصيام في الشرع لا يكون في بعض النهار وإنما يكون في يوم كامل.
فإذا صححنا صيامه فله الأجر كاملاً.
والصواب مع القول الأول: وهو مذهب الإمام أحمد.
لأنه لا يمكن أن يثاب الإنسان بلا نية.
مسألة: يشترط لصحة صيام التطوع في أثناء اليوم أن لا يأتي بمفسد للصيام في صدر النهار سواء كان أكل أو شرب أو جماع أو أي مفسد من مفسدات الصيام.
فإن أتى به فلا صيام له ولو نواه في أثنائه.
• ثم قال - رحمه الله -: قبل الزوال وبعده.
يعني: أنه يصح أن يصوم في أثناء النهار سواء كانت النية جاءت بعد الزوال أو قبل الزوال.
واستدل الحنابلة على هذا: - بعموم حدبث عائشة.
فإنه لم يفصل بين أن تكون هذه النية بعد أو قبل الزوال.
= والقول الثاني: أنه إن كان بعد الزوال لم يصح صيامه.
واستدلوا على هذا: - بأن غالب النهار ذهب.
وإذا ذهب غالب العبادة لم تحتسب.
بدليل أن الإنسان إذا أدرك ركعة من الصلاة حسبت له هذه الركعة وإذا أدرك ما بعد الركعة لم تحسب له هذه الركعة.
فدل على هذا التفصيل.
وهذا القول الثاني ك مجرد رأي لا قيمة له - من وجهة نظري - في مقابلة النص الصريح الذي لم يفرق بين أن يكون بعد الزوال أو قبل الزوال.
نعم.
ليس في حديث عائشة ما يدل على أن دخوله - صلى الله عليه وسلم - كان قبل أو بعد لكن هذا لا يؤثر في قوة الاستدلال بعموم الحديث.
ثم أيضاً المعنى: إذا كان الشارع صحح الصيام في أثناء النهار وسيحسب له الأجر من حين النية فما الفرق بين أن يكون قبل أو بعد الزول؟ إلا تعليلات عقلية لا قيمة لها.
• ثم قال - رحمه الله -: ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرضي: لم يجزئه.
يعني: إذا قال الإنسان إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل ثم صار من رمضان فإنه لا يجزأه = عند الحنابلة.
ومعلوم أن هذا يتصور في اليوم الأول.
واستدل الحنابلة: - بأنه في هذه الصورة فقد شرط التعيين الجازم لأن هذا الرجل متردد.
وتقدم أنه يشترط أن يعين جازماً.
= والقول الثاني: أن صيامه صحيح ويجزأه عن رمضان. - لأن التردد في هذه الصورة ليس في النية وإنما في الواقع.
يعني: أنه يتعلق بالواقع لا بالنية.
أما هو فهو جازم إن كان من رمضان فهو صائم.
وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله.
فإذا فعله الإنسان فإنه يجزئ عنه من رمضان إن شاء الله.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومن نوى الإفطار: أفطر.
من نوى الإفطار أفطر ولو لم يأكل.
والدليل على هذا:
- أن استصحاب النية حقيقة أو حكماً شرط لصحة العبادة وهذا قطع النية فبطلت العبادة.
فإذا نوى الإنسان أنه أفطر فقد أفطر وبطل صيامه.
مسألة: ليس من ذلك أن ينوي أنه سيفطر.
وهذه تقع كثيراً عند الناس ولا يفرقون بين نية الفطر ونية أنه سيفطر.
فإذا نوى أنه سيفطر فإن صيامه صحيح إلى أن يفطر لأنه لم ينوي الفطر وإنما نوى أنه سيفطر كما لو قال: سأفطر إذا جاء زيد.
أو سأفطر بعد ساعة.
فهذا صيامه صحيح لأنه لم يقطع النية.
وإذا قال: سأفطر بعد ساعة فإذا مضت الساعة فإن نوى الفطر أو أفطر حقيقة بطل صيامه وإلا فهو صحيح ويبقى على نيته الأولى ولا يؤثر أنه نوى أنه سيفطر.
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
.
• ثم قال - رحمه الله -:
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة.
هذا الباب مخصص لمفسدات الصيام.
ومفسدات الصيام هي: كل ما ينافي الصيام ويبطله.
فهو من المفسدات.
وما يفسد الصيام ينقسم إلى قسمين:
- الأول: ما يبطل الصيام مع كونه مجزأ وهو بهذا المعنى يذهب بالأجر علن الصائم.
ومثاله: من يتعاطى الشتم والسب ولا يتأدب بآداب الصيام وهوصائم.
فهذا صومه مجزيء لكن يصح أن نقول لاصيام لك يعني: لا أجر لك. - الثاني: المفسد للصيام أي المبطل الذي يترتب عليه وجوب القضاء.
وهو المقصود في هذا الباب.
• قال - رحمه الله -: من أكل أو شرب ... إلى أن قال: فسد صومه.
الأكل والشرب مفسد للصيام إذا كان مغذياً بإجماع أهل العلم. - أولاً: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (يدع طعامه وشرابه).
فدل على أن من شأن الصائم أن يدع الطعام والشراب وإلا فليس بصائم. - ثانياً: قوله تعالى: - (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) -[البقرة/187]
القسم الثاني: ما يؤكل مما لا يغذي فهذا يبطل الصيام: = عند الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف.
كأن يبلع حصانة أو درهماً أو تراباً أو نجو ذلك مما لا يغذي.
والصواب التفصيل وهو:
- أنه إذا احتقن الإنسان في الأمعاء الغليظة وانت المادة المحقونة فيها ماء أو مواد غذائية فإنه يفطر لأن الأمعاء الغليظة من الأماكن التي يمتص فيها الماء والغذاء.
فإذا امتصت الماء أو الغذاء تقوى الجسد وهذا سبب الفطر. - وإن حقن في الدبر أدوية ليس فيها ماء ولا غذاء: إن تصور هذا - فإنها لا تسبب الفطر.
هذا القول هو الصواب وأظن أن شيخ الاسلام لو علم من خلال الطب الحديث أن الأمعاء الغليظة محل لامتصاص الماء لم يتوقف في التفطير - أظن هذا - وعاى كل حال سواء صار هذا أو لم يصر فالصواب أنه إذا دخل ماء أو مواد غذائية أن الإنسان يفطر.
وفي الغالب لن يخلو من ماء لأن المقصود من الحقنة الشرجية التنظيف أو خفض الحرارة أو غيره من الأغراض.
وفي الغالب مع ذلك إلى الماء فلابد من الماء.
فإذا حقن بماء فهو يفطر وعليه أن يقضي هذا اليوم لأن الأمعاء ستمتص هذا الماء.
• ثم قال - رحمه الله -: أو اكتحل بما يصل إلى حلقه.
إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه يعني: بما يستطعم حلقه فإنه يفطر.
واستدلوا على هذا: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الإثمد للصائم.
وهذا الحديث ضعيف جداً.
= واالقول الثاني: أن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه. - لأن الاكتحال ليس بأكل ولا شرب ولا يحصل للجسد منه أي نوع من أنواع النشاط والتقوية فلا سبب شرعي للتفطير به.
وهذا هو الصواب.
أن الكحل لا يفطر.
لعدم وجود المقتضي الدال على التفطير به.
• ثم قال - رحمه الله -: أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله.
أراد المؤلف - رحمه الله - في نهاية المسائل التي يفطر بها الإنسان أن يقعد قاعدة وهي تتعلق بما يوجب الفطر من الأشياء التي تدخل البدن.
لو لاحظت معي: فإن المؤلف - رحمه الله - قسم المفطرات إلى قسمين: - مفطرات تدخل البدن.
- ومفطرات تخرج من البدن.
فالقسم الأول: المفطرات التي تدخل البدن - لاحظ معي في المتن -: الأكل والشرب والاستعاط والاحتقان والاكتحال فهذه تدخل البدن.
والقسم الثاني: المفطرات التي تخرج من البدن وهي في قوله: استقاء استمنى باشر أنزل ... الخ.
فالمؤلف يريد الآن أن يقرر قاعدة للأشياء التي تفطر إذا دخلت:
• فقال - رحمه الله -:
أو أدخل إلى جوفه شيئاً.
إذاً قاعة المذهب: أن كل ما يدخل إلى الجسد إلى جوف فيه يصل إلى المعدة فإنه يفطر.
سواء دخل من المدخل المعتاد كالفم أو من غير المعتاد كما ذكر الأنف والعين أو الجاحات والجروح الغائرة أو من أي منفذ.
وسواء كان هذا الداخل مما يتغذى به الجسم أو مما لا يتغذى به الجسم.
ففي الجميع يجب على من دخل إلى جوفه مما يصل إلى المعدة شيء أن يقضي ذلك اليوم.
هذه هي قاعدة المذهب.
= والقول الثاني: - من حيث القاعدة - أنه لا يفطر شيء مما يدخل البدن إلا ما يدخل إلى المعدة أو إلى موضع يمكن أن تمتص منه المواد الغذائية والماء سواؤ كان من المدخل الطبيعي وهو الفم أو من غيره من المداخل بشرط أن يكون الداخل مغذياً.
((إذاً مرة أخرى كل ما يدخل إلى ما ينتفع به الجسم أو يمكن أن يمتص فيه مما يغذي)).
وفي الحقيقة ما يمكن أن ينتفع به الجسم هما موضعين فقط: المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة فقط.
وباقي الأشياء التي في البدن مما يدخلها مواد لا يمكن أن ينتفع بها الإنسان من حيث القوة والنشاط.
يضاف إلى مسألة المعدة والأمعاء الغليظة والدقيقة فقط مسألة المغذيات التي تدخل للدم.
فهذه تفطر لأنها في معنى الطعام والشراب وفيما عدا الإبر المغذية الضابط: ما يدخل إلى المعدة أو الإثنا عشر الغليظ أو الدقيق مما ينتفع به الجسم فهذا هو الضابط.
•
ثم قال - رحمه الله -:
غير إحليله.
= ذهب الجمهور.
إلى أن ما يدخل الإحليل فإنه لا يسبب الفطر.
واستدلوا على هذا:
- بأنه ليس بين الإحليل والجوف منفذ.
وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب لأنه أولاً ليس بين الإحليل والجوف منفذ.
ثانياً: أن ما يوضع في الإحليل لا يمكن أن يسبب نشاطاً ولا قوة للجسم. - ثم هو ليس في معنى الطعام ولا في معنى الشراب.
• ثم قال - رحمه الله -: أو استقاء.
استقاء يعني: قاء عمداً.
فمن قاء عمداً وجب عليه أن يقضي هذا اليوم.
وحكى عدد من أهل العلم الإجماع على هذا الحكم منهم الخطابي وغيره - عدد من أهل العلم حكوا الإجماع.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بحديث: أبي هريرة: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء) وهذا الحديث معلول والصواب أنه موقوف.
((الأذان)).
والصواب ما عليه الجماهير الذي حكي إجماعاً أن من استقاء عمداً فعليه القضاء: - أولاً: للإجماع المحكي.
- وثانياً: للآثار الموقوفة عن أبي هريرة وابن عمر - رضي الله عنهما -.
ومن ذهب إلى أنه لا يفطر فقوله ضعيف بمقابل ما عليه جماهير أهل العلم أو حكي إجماعاً.
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مازال المؤلف - رحمه الله - في سياق الكلام عن الأشياء التي إذا خرجت من البدن سببت فساد الصوم فذكر منها من استقاء عمداً وتحدثنا عنها في الدرس السابق.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو استمنى.
الاستمناء هو: استدعاء المني باليد أوم بغيره مما يستدعى به المني.
فإذا استدعى المني بأي طريقة كانت فهو ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن لا ينزل.
فإن لم ينزل فعمله محرم وصيامه صحيح. - القسم الثاني: أن ينزل.
فإن أنزل فإن صومه يفسد.
واستدل العلماء على فساد الصوم بالإستمناء بدليلين: - الأول: أنه إذا كان الصوم يفسد بالقبلة التي تؤدي إلى الإنزال فبالإستمناء من باب أولى.
- الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يدع شرابه وطعامه وشهوته) وهذا لم يدع شهوته.
= والقول الثاني: أن الصيام لا يفسد وإليه ذهب الظاهرية.
وذكروا أنه لادليل على فساد الصوم.
والصواب أن الصوم يفسد وسيأتينا مزيد إيضاح في مسألة المباشرة.
لأنهم قاسوا الإستمناء على المباشرة - كما سمعتم -. • قال - رحمه الله -: أو باشر فأمنى ... فسد.
المباشرة يقصد بها: أن يباشر امرأته بما دون الفرج.
فالمباشرة والتقبيل واللمس حكم هذه الثلاث مسائل واحد.
= فذهب الجماهير من السلف والخلف وحكي إجماعاً أن الإنسان إذا باشر أوقبل أو لمس فأنزل فإن صيامه يفسد.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يدع شرابه وطعامه وشهوته) فإنه لم يدع شهوته.
- الثاني: ما أخرجه البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه.
يعني يملك نفسه وشهوته عن الإنزلاق إلى المحرم.
وجه الاستدلال: أن مفهوم حديث عائشة أن من لا يملك نفسه فإنه لا يجوز له أن يقبل أو يباشر لأن هذا يؤدي إلى الإنزال الذي يؤدي إلى فساد الصوم. - الثالث: القياس على الجماع.
ووجه القياس: أن غاية ما يطلب في الجماع الإنزال.
وقد حصل له بالمباشرة أو التقبيل.
وقد حكى ابن قدامة الإجماع فيصلح أن نجعله أيضاً دليلاً.
ولم يخالف إلا الظاهرية وهم أصحاب: = القول الثاني: فذهبوا إلى أنه لا يفسد الصيام إلا بالجماع لعدم الدليل.
وقد سمعت الأدلة. -
- مسألة: فإن باشر أو قبل أو لمس ولم ينزل فالصواب أن هذا جائز إذا أمن نفسه.
وفي المسألة - مسألة مباشرة الصائم أقوال هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه مفهوم حديث عائشة المتقدم.
واعلم أن هذه المسألة كالأصل لمسائل الإنزال والمباشرة.
فأخذنا قبل قليل أن مسألة الاستمناء باليد أو بغيرها تقاس على مسلة التقبيل والآن هذه المسائل - المباشرة والتقبيل واللمس - وهذا الخلاف الذي حكيناه في المباشرة يعتبر كالقاعدة لمسائل التعامل مع الزوجة فيما يتعلق بالشهوة.
• ثم قال - رحمه الله -: أو أمذى.
إن باشر فأمذى ولم ينزل فسد صيامه أيضاً.
والدليل على ذلك:
- مسألة: فإن باشر أو قبل أو لمس ولم ينزل فالصواب أن هذا جائز إذا أمن نفسه.
- القياس على المني.
ووجه القياس: أن في كل منهما خروج السائل بشهوة.
= والقول الثاني: أن المذي لا يوجب فساد الصوم. - لأن المذي ليس كالمني , بدليل وجوب الغسل في المني دون المذي فلا يصح أن نلحق المذي به.
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.
وهو الصواب إن شاء الله.
فإذا باشر الإنسان فأمذى فإن صومه صحيح.
إلا عند الحنابلة فإن صومه فاسد على ما سمعت من الخلاف والترجيح.
• ثم قال - رحمه الله -: أو كرر النظر فأنزل.
= ذهب الحنابلة إلى أن الصائم إذا كرر النظر على سبيل الشهوة فأنزل فإن صيامه يبطل.
واستدلوا على هذا: - بأن تكرير النظر يشبه المباشرة في استدعاء المني.
فأفسد الصيام كالمباشرة.
ولهذا قلت لكم أن المباشرة أصل في مسائل هذا الباب.
واستدلوا:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أفطر الحاجم والمحجوم).
وهو حديث صحيح فقد صححه عدد من الأئمة.
وهذا الحديث هو عمدة القائلين بإفساد الصيام بالحجامة.
وذهب إلى هذا الإمام أحمد وكثير من فقهاء أهل الحديث كإسحاق لابن راهويه - رحمه الله -. = القول الثاني: وإليه ذهب جماهير العلماء من اليلف والخلف.
أن الحجامة لا تفسد الصيام.
واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم.
وأجاب شيخ الاسلام - رحمه الله - عن هذا الحديث: بأنه منسوخ بحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم). - الدليل الثاني: ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة.
قال الداقطني: رجاله ثقات.
- الدليل الثالث: حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على جعفر بين أبي طالب وهو يحتج فقال: أفطر هذان يعني الحاجم والمحجوم.
قال أنس: ثم رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجامة وكان أنس يحتجم.
قال الداقطني: لا أعلم له علة.
والراجح والله أعلم: أن الحجامة لا تفطر والسبب في ترجيح هذا القول: ما ذكره ابن حزم - رحمه الله - أن قول الصحابي رخص لا يكون إلا بعد منع.
فتبين من هذا أن آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يفطر من احتجم.
وكما قلت أن لفظ الترخيص الذي جاء في حديث أنس وفي حديث أبي سعيد الخدري صريح في أن آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الحجامة لا تفطر.
أما حديث: أفطر الحاجم والمحجوم فهو صحيح لكنه يعتبر منسوخاً بهذه الأدلة.
لأنه لا نعقل من كلمة رخص إلا هذا وما ذكره ابن حزم صحيح وقوي.
وهو أقوى مما ذكره شيخ الاسلام على قوة كلامه - رحمه الله - في العلة التي من أجلها يفطر الصائم إذا احتجم لكن مع وجود هذه الأحاديث الصحيحة فإنه لا مفر من القول بها ولعله بهذا ذهب إليه الجماهير من الصحابة فمن بعدهم فهم لا يرون التفطير بالحجامة.
• ثم قال - رحمه الله -: عامداً ذاكراً لصومه: فسد.
هذه الشروط ترجع إلى المفطرات السابقة جميعاً.
ولذلك لو أن المحقق وفقه الله جعل عامداً ذاكراً لصومه في سطر مستقل لتشمل جميع ما تقدم من المفسدات.
يشترط في الإفساد بهذه المفطرات: 1 - أن يكون الإنسان عالماً.
2 - وأن يكون ذاكراً.
3 - وأن يكون عامداً.
فإن اختل أحد هذه الشروط فإنه لا يبطل الصيام.
والدليل على هذا النصوص العامة والنصوص الخاصة. - فالنصوص العامة: كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا﴾ [البقرة/286] وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
- والنصوص الخاصة: كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).
فإذاً دل على هذه القاعدة نصوص عامة ونصوص خاصة مما لا يدع مجالاً للشك أن من أكل أو شرب أو تعاطى أي مفطر من المفطرات المذكورة فإن صيامه صحيح إذا كان ذلك تم منه جهلاً أو نسياناً أو إكراهاً.
ثم بدأ المؤلف - رحمه الله - بتعداد الأشياء التي لا تفطر عند الحنابلة.
• فقال - رحمه الله -:
لا ناسياً أو مكرهاً.
تقدم معنا.
فإن هذا كالتأكيد للشرط السابق.
فإن الأدلة الدالة على اشتراط أن يكون عامداً ذاكراً هي الأدلة الدالة على أن الناسي والمكره لا يبطل صيامهما.
•
ثم قال - رحمه الله -:
أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار.
هاتان مسألتان حكمهما واحد.
إذا إلى حلقه غبار أو ذباب أو نحو هذه الأشياء فإن صيامه صحيح.
- لأنه فعل هذا من غير قصد.
فإذا فعله من غير قصد بقي صيامه صحيحاً لما تقدم من اشتراط العمد في تناول هذه المفطرات.
• ثم قال - رحمه الله -: أو فكر فأنزل.
إذا فكر الإنسان فأنزل فإن صيامه = عند الحنابلة صحيح ولا يفسد ولو أنزل بالتفكر.
واستدلوا على هذا: - بأن التفكر أمر خارج عن الإرادة لا يستطيع الإنسان أن يدفعه.
وإذا كان كذلك لم يؤاخذ الإنسان بما يترتب عليه.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن الإنسان إذا فكر حتى أنزل فإن صيامه فاسد.
واستدلوا على هذا: - بأن الله سبحانه وتعالى أثنى على الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ولا يثني الله على عمل إلا وهو داخل في الإرادة فدلت الآية على أن التفكر ممكن من بني آدم وأنه في مقدورهم أن يتفكروا أو أن لا يتفكروا.
= والقول الثالث: وهو مذهب الإمام مالك وهو جميل جداً: وهو الراجح: أنه إن تفكر فانساق وراء هذه الأفكار ولم يمنع نفسه أفطر وإن تفكر فمنع نفسه وصرفها واشتغل بغيرها ولم يستطع دفع هذه الأفكار فأنزل فإن صيامه لا يفسد.
فإنه في الحقيقة بهذا التفصيل تجتمع الأدلة وتنسجم وتتوافق.
وأيضاً من جهة المعنى واالنظر فإنه تفصيل دقيق وجميل من الإمام مالك - رحمه الله -. وهو كما قلت - إن شاء الله - الراجح.
• ثم قال - رحمه الله -: أو احتلم.
أي: فإنه لا يفسد صيامه إذا احتلم.
وتعليل ذلك: يشبه التعاليل السابقة وهو:
- أن الاحتلام أمر خارج عن الاختيار والإرادة ولا يملك الإنسان دفعه.
فإذا احتلم صح صيامه ولو كان في وسط النهار.
وأمر الاحتلام واضح وهو محل إجماع.
• ثم قال - رحمه الله -: أو أصبح في فيه طعام فلفظه.
إذا استيقظ الإنسان من النوم ووجد في فيه طعام فإنه ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: الطعام اليسير المختلط بالريق.
فإن هذا لا يفسد الصيام ولو ابتلعه.
وقد حكي الإجماع على هذا الحكم. - القسم الثاني: أن يكون الطعام كثيراً فإنه ينقسم إلى قسمين:
- إن أخرجه ولفظه صح صيامه.
لأن الفم في حكم الظاهر لا في حكم الباطن. - وإن ابتلعه بطل صيامه.
وتعليل البطلان: أنه أكل طعاماً عامداً ففسد صيامه.
وبهذا التفصيل يكمل حكم هذه المسألة التي قد تكثر عند بعض الناس بسبب أنه يتسحر ثم ينام مباشرة فإذا استيقظ اكتشف أن في فمه بقايا طعام فحكمه على هذا التفصيل الذي ذكرت.
ثم قال - رحمه الله - في مسائل لها حكم واحد: أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر.
• قال رحمه الله: أو اغتسل ... فدخل الماء حلقه.
أو تمضمض .. فدخل الماء حلقه.
أو استنثر .. فدخل الماء حلقه.
هذه المسائل حكمها واحد لكن من الظاهر أن المؤلف رحمه الله وهم بقوله: أو استنثر.
وأن الصواب: أو استنشق.
ولذلك جاءت على الواب في المقنع الذي هو أصل هذا الكتاب وفي غيره من كتب الحنابلة جاءت على الصواب ولعل المؤلف - رحمه الله - جاء في ذهنه الاستنثار فكتبه والمعنى ولله الحمد واضح.
إذا اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل إلى حلقه الماء وابتلعه فإن صيامه صحيح - لأن هذا وقع منه بغير إرادة.
وتقدم معنا أن الإنسان إذا شرب أو أكل بغير إرادته فإن الصيام صحيح.
• ثم قال - رحمه الله -: أو زاد على الثلاث، أو بالغ ((يعني في الاستنشاق)) فدخل الماءُ حلقه: لم يفسد.
هاتان مسألتان لهما حكم واحد.
فالمسألة الأولى: زاد على الثلاث.
والمسألة الثانية: إذا بالغ في الاستنشاق.
فإذا زاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق فإن صيامه: = عند الحنابلة صحيح. - لأن الماء ذهب إلى حلقه من غير إرادة ولا قصد فلم يؤاخذ عليه.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو معتقداً أنه ليل فبان نهاراً.
هذه العبارة تشمل مسألتين:
-
- المسألة الأولى: إذا أكل يظن غروب الشمس فبانت لم تغرب.
-
- والمسألة الثانية: إذا أكل يظن عدم طلوع الفجر فبان طالعاً.
فعبارة المؤلف - رحمه الله - تشمل المسألتين.
= فعند الحنابلة: أن من صنع ذلك بطل صيامه.
واستدلوا على ذلك:
- والمسألة الثانية: إذا أكل يظن عدم طلوع الفجر فبان طالعاً.
- أولاً: بأنه ثبت عن عمر أنه قضى.
حيث أنه - رضي الله عنه - أفطر وكان يظن أنم الشمس قد غابت ثم تبين أنها لم تغب. - وثانياً: قياساً على من أكل وهو شاك بغروب الشمس.
= والقول الثاني في هذه المسألة التي تكثر جداً بين الناس: أن صيامه صحيح في المسألتين.
واستدلوا بأدلة: - أولاً: أنه جاء عن عمر - رضي الله عنه - أيضاً أنه فعل ذلك ولم يقض.
فيكون المنقول عن عمر - رضي الله عنه - روايتين.
ولا أعرف أيهما أصح لأني لم أنظر في أسانيد هذين الأثرين لأن في المسألة نصوص فلا نحتاج في الحقيقة إلى هذه الآثار. - ثانياً: حديث أسماء - رضي الله عنها - أنهم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلبدت السماء بالغيوم فأفطروا ظانين أن الشمس غربت فلما انكشف الأمر خرجت الشمس.
وليس في الحديث أنه أمرهم بالقضاء.
فلو كان القضاء واجباً لبين لهم - صلى الله عليه وسلم - وجوبه. - ثالثاً: حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما سمع الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة/187] جعل تحت وسادة عقالاً أسود وأبيض ثم صار ينظر إليه ولا يمسك حتى يتبين له الأبيض من الأسود فلما ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: إن وسادك إذاً لعريض الأبيض والأسود بياض الليل وسواد النهار ولم يأمره بالقضاء.
وهذا القول: الثاني: هو الأقرب إن شاء الله والذي تدل عهليه النصوص.
فإذا أخطأ الإنسان فإن صيامه صحيح وعليه بعد أن يتبين له أن يمسك إلى أن تغرب الشمس.
فصل
[فيما يتعلق بالجماع في نهار رمضان]
• قال - رحمه الله -:
(فصل) ومن جامع.
خص المؤلف - رحمه الله - أحكام الجماع في نهار رمضان بفصل خاص لأمرين:
- الأول: كثرة الأحكام المتعلقة بهذا المفطر.
- الثاني: للدلالة على أنه من أعظم الذنوب التي يقترفها الصائم.
• قال - رحمه الله -: من جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر.
المقصود بقوله: في قبل أو دبر.
أي لا بد أن يكون في فرج أصلي سواء كان من حي أو من ميت.
فإن لم يكن فرجاً أصلياً فإنه لا تترتب عليه الأحكام المذكوة في هذا الفصل.
فلو افترضنا أن خنثى أو لج في امرة أو رجل أولج في خنثى فإنمها لا تترتب أحكام الجماع في نهار رمضان لاحتمال أن يكون هذا العضو زائداً وليس بأصلي.
وإذا كان زائداً فإنها لا تترتب عليه الأحكام المذكورة في النمصوص.
إذاً عرفنا الآن أن قصده لافي قبل أو دبر يعني أن يكون أصلياً.
ومفهوم قوله: في قبل أو دبر: أي: سواء كالن هذا القبل أو الدبر محرم أو مباح أي من زوجة أو من أجنبي أو من رجل فإن هذه البارة عامة تشمل الجميع.
• ثم قال - رحمه الله -: مبيناً ما يترتب على الجماع في نهار رمضان: فعليه القضاءُ.
إذا جامع الإنسان في نهار رمضان فعليه: = عند الجماهير القضاء.
يجب عليه مع الكفارة التي سيذكرها المؤلف أن يقضي ذلك اليومن.
واستدلوا بدليلين: - الأول: أن الأمر العام بهذا اليوم ما زال قائماً وهو في ذمته لابد أن يؤديه.
- الثاني: أنه في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في حديث الأعرابي المجامع والذي سيأتينا في بعض ألفاظه: (وأمره أن يقضي يوماً مكانه).
وهذه الفظة شاذة وإن حاول بعضهم تصحيحها فإنها في الحقيقة الصواب فيها أنها ضعيفة لأنها مخالفة لرواية الثقات.
والدليل على ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد أن رجلاً دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسزول الله هلكت فقال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - هل تجد رقبة قال لا قال هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال هل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً قال لا.
فجلس ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذهاب ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مكتلاً فيه تمر فقال خذه وتصدق به فقال على أفقر مني يا رسول الله فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أطعمه أهلك.
وقوله: أطعمه أهلك أيضاً في الصحيحين.
فدل هذ الحديث على وجوب الكفارة وهو نص في وجوبها.
وستأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف - رحمه الله - أحكام الكفارة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن جامع دون الفرج فأنزل.
.. أفطر ولا كفارة.
المجامعة دون الفرج هي المباشرة.
وتقدم معنا أن المباشرة فيها القضاء فقط.
فإذا جامع الإنسان بما دون الفرج كأن يكون بين الفخذين أو أن يستمتع بأي جزء من أجزاء زوجته فإن الواجب عليه أن يقضي هذا اليوم فقط دون الكفارة ولو أنزل.
والدليل على هذا:
- أن النص إنما جاء بكفارة في الجماع فقط وهذا لا يسمى جماعاً في الشرع إنما الجماع ما يصير فيه إيلاج أما المباشرة فيما دون الفرج فإنها لا تسمى جماعاً في الشرع فلا يجب بناء على ذلك كفارة.
• ثم قال - رحمه الله -: أو كانت المرأة معذورة.
يعني إذا كانت المرأة معذورة بجهل أو نسيان فإنه لا يجب عليها الكفارة = عند الحنابلة ويجب عليها القضاء.
= والقول الثاني: أنه لا قضاء ولا كفارة ما دامت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب لأنه تقدم معنا أنه يشترط للمفطر أن يتم مع الذكر والعمد وهذه نفترض أنها معذورة بجهل أو نسيام أو إكراه.
وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أن المرأة إذا لم تكن معذورة فيجب عليها هي أيضاً كفارة.
واستدلوا على ذلك: - بحديث أبي هريرة فإنه دل على أن من جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة ما دام عمداً قصداً.
وبكل حال عدم ذكر الكفارة بالنسبة للمرأة لا يدل على عدم الوجوب.
وهذا هو القول الراجح إن شاء الله.
= ومفهوم عبارة المؤلف أن الرجل لو طكان ناسياً فإنه يجب عليه أيضاً الكفارة.
- لأنه نص على عذر المرأة دون الرجل.
= والقول الثاني: أن الرجل إذا كان ناسياً أو مكرهاً فإنه أيضاً لا كفارة ولا قضاء عليه. - لما تقدم في حق الزوجة.
فما ذكرناه من تعليل في عدم وجوب الكفارة والقضاء بالنسبة للزوجة المكرهة أو المعذورة هو نفس التعليل بالنسبة للرجل.
• ثم قال - رحمه الله -: أو جامع من نوى الصوم في سفره: أفطر ولا كفارة.
إذا نوى المسافر الصوم أو نوى المريض الذي يجوز له الفطر الصوم ثم جامع فلا كفارة.
والدليل على هذا: - أن إتمام الصوم بالنسبة لهؤلاء لا يجب.
وإذا لم يجب الإتمام لم يجب في إفساده كفارة.
فمعلوم أن المسافر لا يجب عليه أن يتم الصيام وكذا المريض الذي يجوز له أن يفطر.
وعليه القاء: فتقدم معنا أن المسافر والمريض يجب القضاء عليهما بالإجماع.
وإن جامع في يومين فعليه كفارتان أو كرره في يوم واحد فكفارة واحدة.
لكنه فصل بينهما وليس له مبرر من وجهة نظري.
المهم: إذا كرره في يوم ولم يكفر فكفارة واحدة في الثانية.
يعني: لو جامع في أول النهار في رمضان ثم جامع في آخر النهار في رمضان قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة.
- لأنه انتهك حرمة يوم واحد.
فعليه كفارة واحدة.
• ثم قال - رحمه الله -: وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه: فكفارة ثانية.
هذا القسم الثاني: للمسألة السابقة.
رجل جامع في يوم الأول من رمضان مثلاً ثم كفر ثم جامع فهذا الرجل اختلف فيه الفقهاء: = فمنهم من يقول: عليه كفارتان.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية.
قال: لأنه انتهك المحرم مرتين فوجبت عليه كفارتان.
= والقول الثاني: وهو للجماهير بل حكاه ابن عبد البر إجماعاً أنه إذا جامع ثم كفر ثم جامع فلا تجب عليه كفارة أخرى.
واستدلوا: - بأن هذا الذي جامع وكفر فسد صومه وأصبح من المفطرين فلا تجب عليه كفارة أخرى فإنه الآن مفطر.
ولا يوجد دليل على إيجاب كفارة أخرى عليه.
وربما نستدل بالإجماع الذي حكاه ابن عبد البر.
وهذه الإجماعات كما أشرت مراراً يستأنس بها ويستدل بها فإن كانت محكمة فهي دليل مستقل وإن كانت غير محكمة بأن يوجد مخالف فلا أقل من أن يستأنس بها ويقوى القول التي هي معه.
لأنه لا شك أنه يحكى إجماع في قول فإن هذا يقويه.
• ثم قال - رحمه الله -: وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع.
من يلزمه الإمساك في رمضان ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: من يلزمه الإمساك لكون البينة جاءت في وسط النهار أو لكونه صار أهلاً في وسط النهار.
- والقسم الثاني: من يلزمه الإمساك من نحوحائض طهرت ومريض صح ومسافر قدم.
ففي القسم الأول: إن جامع وجبت عليه الكفارة ولا إشكال إن شاء الله.
- لأنه انتهك حرمة اليوم.
وهويجب عليه الإمساك.
والقسم الثاني: تقدم معنا ذكر الخلاف في أنه: هل الحائض إذا طهرت والمريض إذا صح والمسافر إذا قدم وما أشبه هؤلاء هل يجب عليهم أن يمسكوا أو لا يجب؟ فإن قيل بوجوب الإمساك فعليهم كفارة.
وإن قيل أن الإمساك لا يجب غلا كفارة عليهم.
وتقدم معنا أن الراجح أنه لا يجب عليهم أن يمسكوا وبناء على هذا فالراجح أنه لا كفارة عليهم.
إذاً الخلاف في وجوب الكفارة يرجع إلى الخلاف في وجوب الإمساك.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومن جامع وهو معافى، ثم مرض أو جن أو سافر: لم تسقط.
يعني: رجل مقيم مكلف يجب عليه الصيام جامع ثم لما جامع زال عنه التكليف.
بأن سافر لا حيلة أو جن أو بأي سبب يزول معه التكليف.
= فقال الحنابلة: تجب عليه الكفارة ولو ارتفع عليه التكليف في أثناء اليوم.
واستدلوا على هذا:
- بأن وجوب الكفارة سابق لزوال التكليف.
= والقول الثاني: أن مثل هؤلاء لا تجب عليهم الكفارة. - لأنه تبين أنهم ليسوا من أهل الصيام في ذلك اليوم.
فأي القولين أرجح؟ الجواب: أن هذا يرجع إلى مسألة متى تجب الكفارة في الذمة؟ هل يشترط مضي وقت أو بمجرد الجماع؟ الجواب: بمجرد الجماع.
ولذلك لو جامع.
ومات أخرجنا الكفارة من تركته.
فالأقرب والله أعلم الوجوب.
• ثم قال - رحمه الله -: ولا تجب الكفارة: بغير الجماع في صيام رمضان.
الكفارة الكبرى لا تجب إلا بشرطين: - أن يكون الفطر بالجماع.
- وأن يكون هذا الجماع في نهار رمضان.
فإن تخلف أي شرط من هذه الشروط لمتجب الكفارة.
والدليل على هذا: - أن حديث أبي هريرة الذي فيه ذكر المجامع نص على وجوب الكفارة فيمن أفطر في نهار رمضان وما عدا هذه الصورة لا نص فيها ولا إجماع.
= والقول الثاني: أنها تجب الكفارة فيمن جامع في قضاء رمضان.
= والقول الثالث أنها تجب الكفارة بأي مفطر من المفطرات ولو بغير الجماع.
فالقول الثاني: أخل بشرط نهار رمضان.
والقول الثالث: أخل بشرط أن يكون الفطر بالجماع.
والصواب القول الأول وعليه الجماهير وعليه تدل النصوص أنه لا يجب عليه الكفارة إلا بهذين الشرطين.
• ثم قال - رحمه الله -: وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت دل كلام المؤلف - رحمه الله - على أن الكفارة تجب على الترتيب لا على التخيير.
= وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير ورأوا أنه لا ينتقل من خصلة إلى أخرى إلا إذا يستطع الأولى.
واستدلوا: