شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 183-222
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا

صفحات 183-222
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن مهور الكفار بعد إسلامهم، وقطعاً أن بعض المهور لبعض الذين أسلموا كانت فاسدة، فإنه قد يجعل مهرها خمراً أو خنزيراً، ولم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم إلى مهورهم هذا أولاً.
ثانياً: أن في العادة إذا كان الرجل أصدق امرأته منذ زمن أنها تصرفت فيه، وأعطته إلى غيرها بيعاً أو هبةً أو استئجاراً، وغيرها أعطاه إلى ثالث ومع تطاول المعاملات على الصداق يكون إبطاله فيه عسر ومشقة عظيمين، كما أن فيه صد عن سبيل الله، وفيه تنفير للمسلمين عن الدخول في الإسلام، ولهذا نقول أنه باعتبار هذه العلل مجتمعة يبقى المهر كما كان مادام مقبوضاً.
القسم الثاني: المهر الذي لم يقبض، وكذلك نفس الحكم الذي لم يسمى، ولهذا هنا كلام الشيخ قوله في المتن وإن لم تقبضه ولم يسمى، العبارة في نسخ الزاد هكذا فيما أعلم (ولم يسمى) لكن العبارة الصحيحة (أو لم يسمى) وهذه العبارة وهي عدم التسمية ليست في المقنع إنما أتى بها الشيخ موسى زيادة، لكن في غير المقنع من كتب الحنابلة قال (أو) وهو المقصود يعني إذا (لم تقبضه) أو (لم يسمى)، إذاً نقول القسم الثاني إذا لم تقبضه أو لم يسمى أصلاً فحينئذ لها مهر المثل.
والقول الثاني: أنه إذا لم يسمى فلها مهر المثل بلا إشكال، لكن إذا كان فاسداً فالقول الثاني أنه لها بمقدار قيمة المهر الفاسد، فإذا أهداها آلات طرب أو خنزير أو خمر ننظر إلى قيمة هذا المهر الفاسد ونعطي المرأة بمقدار هذه القيمة، والصحيح أن لها مهر المثل، لأن المهر الذي فيه مال فاسد لا يعتبر مالاً في الشرع ليس له قيمة ولا اعتبار، ولذلك نحن نهدر هذا المهر تماماً، ولا نعتبر فيه لا القيمة ولا غير القيمة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: فصل (وإن أسلم الزوجان معاً) إذا أسلم الزوجان في وقت واحد بقي النكاح على ما هو عليه بالإجماع، والدليل هو ما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين الذين أسلموا.

والدليل الثاني: الإجماع المحكي ومقصود الحنابلة بقولهم معاً يعني أن يتلفظا بالإسلام في وقت واحد، يقول الزوج والزوجة الشهادتين في وقت واحد، فإن اختلف أو تقدم أحدهما أو تأخر فله حكم آخر سيذكره المؤلف، لكن يشترط لبقاء العقد أن يتلفظا بوقت واحد.
والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يتلفظا به في وقت واحد، بل يشترط أن يكون في مجلس واحد، وعلة القول الثاني تقدمت معنا وهي تعليل يشتهر بين الفقهاء وهو قولهم أن حال المجلس حال العقد، يعني أن كل ما يكون في مجلس العقد يعتبر كأنه كان أثناء العقد، وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله، بل القول الأول كما قال ابن القيم وغيره من الأقوال التي يتعذر وقوعها فإنه يتعذر أن ينطق الزوج والزوجة لا إله إلا الله في وقت واحد هذا لا يكاد يقع والشرع لا يعلق بأمور يندر وقوعها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (أو زوج كتابية بقي نكاحهما) يعني إذا أسلم زوج الكتابية فإن النكاح يبقى على ما هو عليه لأنه يجوز للمسلم أن ينكح الكتابية، وهذا الحكم محل إجماع يعني عند القائلين بجواز نكاح الكتابية، كما أنه مقتضى النظر لأنه إذا أسلم ما زال يجوز له أن يكون زوجاً لهذه المرأة ما دامت كتابية.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين ... ) يقصد بقوله هي: يعني الكتابية سواء كانت مع كتابي أو مع غير كتابي، أما هو يعني لو أسلم الكتابي فتقدم، فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل، إذا أسلمت المرأة قبل الدخول بطل النكاح، لأنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة، ولا يجوز للكافر أن يتزوج المسلمة، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: حكي الإجماع.
الدليل الثالث: قوله تعالى ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ لكن الشطر الأول هو الدليل الآن، بناءً على هذا بمجرد إسلام الزوجة قبل الدخول يعتبر العقد مفسوخ، ولا نسميه طلاقاً، وتنتهي علاقة المرأة بالرجل بمجرد إسلام المرأة، كل هذا إذا كان قبل الدخول، سيأتينا تعليق على هذا في المسألة الثانية.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فإن سبقته فلا مهر ... )

إذا أسلمت هي قبله فلا مهر يعني فليس لها المهر، وعلل الحنابلة هذا بأن الفرقة جاءت من قبلها لأنها هي التي أسلمت، فبإسلامها انفسخ النكاح، والقاعدة أن الفرقة إذا كانت من جهة الزوجة فلا مهر لها.
القول الثاني: أنها لها نصف المهر، والسبب في ذلك أن الفرقة في الحقيقة ليست من قبل الزوجة بل من قبل الزوج، لأنها إنما فعلت ما فرض الله عليها وهو الإسلام، وهو الذي بتركه الإسلام صارت الفرقة، واختار هذا القول أبو بكر من كبار أصحاب الإمام أحمد والمرداوي، ونصروه وقووه وقالوا الخطأ منه لا منها، فلها نصف المهر، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله بلا إشكال وهو مقتضى النظر والفقه لأنه ليس السبب منها السبب منه هو، لأن الفطرة والأصل الإسلام، فهو خالف الفطرة وترك الإسلام، وأما هي فلم تصنع إلا الرجوع إلى الفطرة، ولا إشكال إن شاء الله أن هذا هو الراجح.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن سبقها فلها نصفه) يعني إن أسلم هو فلها نصف المهر، والتعليل لأنه السبب منه هو لأنه أسلم، فالحنابلة مطردة عندهم القاعدة الذي يسلم هو السبب.
والقول الثاني: أنه لا شيء لها لأن الفرقة منها حيث تركت الإسلام، نفس المسألة السابقة، لكن الغريب أن أبو بكر في المسألة الأولى قال كما سمعتم، في المسألة الثانية وافق الحنابلة ونص على هذا ولا أعلم ما وجه التفريق، أما المرداوي فاطرد وقال هذه المسألة كتلك المسألة، وكلام المرداوي هو المنطقي والمعقول والمقبول أنه لا فرق بينهما ونعتبر الزوج هو الذي تسبب في الفرقة لأنه ترك الإسلام، يعني في المسألة الثانية، وبناءً على هذا يدفع نصف المهر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن أسلم أحدهما بعد الدخول ... ) إذا أسلم أحدهما بعد الدخول فهي مسألة فيها اضطراب شديد جداً، نحن نلخص الأقوال كما يلي:

القول الأول: أنه يوقف على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر قبل انقضاء العدة عاد إلى الزوج إلى زوجته وإلا فلا، وهذا القول وهو اعتبار الوقت بانقضاء العدة هو مذهب الأئمة الأربعة، إلا أن الأحناف والمالكية عندهم تفصيلات أخرى، لكن من حيث اعتبار العدة اتفق الأئمة الأربعة على اعتبار العدة، والإمام أحمد روي عنه اعتبار العدة من أكثر من طريق حتى بلغ مجموع الذين رووا عنه هذه الفتوى نحو خمسين رجلاً، كأنها من أكثر ما روي عن الإمام أحمد خمسون واحد رووا عن الإمام أحمد أنها تنتظر إلى العدة، فإن أسلم أحدهما وإلا فالفراق، هذا القول يتضمن أمرين: الأول: أن النكاح يبقى ولا ينقطع.
والثاني: أن حدود النكاح إلى نهاية العدة.
أما الدليل على الأول فأدلة كثيرة منها الأول أن صفوان بن أمية تأخر إسلامه عن زوجته لمدة نحو شهر وردها النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول، وكذلك أبو سفيان تقدم إسلامه على إسلام زوجته هند ومع ذلك ردها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم على النكاح الأول، وكذلك عكرمة فإنه أبى الإسلام وخرج إلى اليمن وخرجت زوجه في إثره إلى اليمن وأقنعته بالإسلام وأسلم وأبقاهم النبي صلى الله عليه وسلم على نكاحهما الأول.
وأما الدليل على مسألة العدة فهو ما رواه شبرمة وهو أحد التابعين أنه قال كان الرجل والمرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أسلم أحدهما وقف على العدة فإن أسلم الآخر قبلها وإلا انقطع النكاح، هذا الأثر ضعفه الشيخ العلامة الألباني في إرواء الغليل، لكن في الحقيقة الأثر يحتاج إلى جمع طرق، ولأن العلل التي ذكرها الشيخ لم أبحث الأثر بشكل عميق لكني لم أقتنع مع ذلك بالعلل التي ذكرها الشيخ رحمه الله فيحتاج الأمر إلى جمع طرق وتحرير حال شبرمة يحتاج إلى جهد كثير وطويل، لاسيما وأن هذا الأثر في الحقيقة مهم في المسألة جداً، وتضعيفه بأشياء بسيطة مما لا يقبل، على كل حال أنا لا أقول هو صحيح أو ضعيف، لكني أقول أنه يحتاج إلى نظر أعمق من هذا، هذه هي أدلة الجمهور، وهي فيما يتعلق ببقاء النكاح أدلة لا شك فيها، أما فيما يتعلق بتأقيته بالعدة فهي محل نظر.

القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ونصره ابن المنذر ونصره الخلال وأيضاً تلميذه أبو بكر وأيضاً نصره ابن حزم وعدد من أهل العلم، أنه بمجرد الإسلام تنقطع العلاقة، بمجرد ما يسلم أحدهما تنقطع العلاقة بينهما، واستدلوا على هذا بأن المبطل للنكاح هو اختلاف الدين، ومبطلات النكاح لا تختلف أن تكون قبل الدخول أو بعد الدخول، كما أن قوله تعالى ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ آية مطلقة لم تفرق بين قبل الدخول وبعد الدخول، وقوله ﴿لا هن حل لهم﴾ أيضاً لم تفرق بين قبل الدخول وبعد الدخول، فهم في الحقيقة تمسكوا بالأصل، فقالوا بما أن إسلام أحد الزوجين يفسخ النكاح إذاً يفسخه مباشرة، ولا يوجد هناك مدة يرجع إليها في ذلك، لأن المبطل مبطل مطلقاً.
القول الثالث: وهو قول الشيخ الفقيه النخعي ونصره جداً شيخ الإسلام وابن القيم، وخلاصة هذا القول أنه إذا أسلم أحد الزوجين فالنكاح باقي مطلقاً ودائماً، إلا أنه يكون عقد جائز لا لازم، ومعنى هذا أنها إذا أسلمت المرأة فهي تبقى في عقد الزواج وعلى عصمة الزوج، لكنه بقاء غير ملزم فإن شاءت أن تتزوج فلها ذلك، واستدل هؤلاء بأدلة: الدليل الأول: وهو من أدلتهم القوية، أنه لا يوجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع اعتبار العدة يعني اعتبار مدة العدة والانتظار إلى نهايتها لبقاء النكاح أو فسخه، فتعليق الأمر على العدة تعليق على أمر لم يعتبره الشارع مطلقاً، هذا أولاً.
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بعد سنين اختلف فيها، وعلى كل الأقوال هي بعد العدة، لأنه ردها على قول بعد ست سنين، وعلى قول بعد ثمان عشر سنة، وعلى قول بعد أربع سنوات، والحقيقة تحرير هذا لا يعنينا لأنه على كل الأقوال بعد انتهاء العدة.
الدليل الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشر إلى اعتبار العدة في الوقائع التي أقر النبي صلى الله عليه وسلم عليها الزواج بعد إسلام أحد الزوجين، يعني حديث عكرمة وسفيان وغيره لم يشر فيها إلى اعتبار العدة.

وهذا القول مع كونه من الأقوال التي ظاهرها القوة إلا أن اثنان من أهل العلم وهم ابن عبد البر وابن قدامة يعتبرون هذا القول شاذ، مخالف لجماعة المسلمين، ما هو الشاذ في هذا القول؟ الشاذ في هذا القول عندهم هو إرجاع الزوجة إلى زوجها بعد انتهاء العدة، هذا المفهوم هو الشذوذ، فإرجاعها بعد العدة لم يقل به أحد إلا النخعي وشيخ الإسلام وابن القيم، واعتبر أيضاً من الشذوذ، وتقدم معنا أن الأئمة الأربعة على اعتبار العدة أي على التأقيت بالعدة.

المسألة هذه في الحقيقة فيها إشكال كبير، وليست من المسائل التي ممكن أن الإنسان يرجح فيها ببساطة، فيه امرأة خرجت من الروم وقت الإمام أحمد وأسلمت، جاء عبد الله بن الإمام أحمد وقال: ههنا امرأة خرجت من الروم وأسلمت فهل ترى لها أن تتزوج فالإمام أحمد قال: اختلف الناس في هذا رحمه الله فذهب بعضهم إلى التأقيت بالعدة، وذهب بعضهم إلى الانتظار مطلقاً، وذهب بعضهم إلى فسخ النكاح، ثم قال الإمام أحمد وأما أنا فأتهيب الجواب فيها.
هذا هو وهو يعني من هو رحمه الله يعني من هنا أقول أنه ما يلزم أن في كل مسألة أن الإنسان يرجح ومع ذلك أنا أعطي نقاط، لاشك أن أدلة شيخ الإسلام وابن القيم غاية في القوة والواقع أنه قوية جداً من حيث الدلالة والثبوت، حتى أنها أثبت من أدلة الجمهور، ويؤيدها أثر عن عمر وأثر عن على بإسناد صحيح، فهي أدلة قوية جداً جداً، هذا شيء الشيء الثاني أشار ابن القيم إلى شيء وهو أنه لو لم نقل بتصحيح القول الثالث الذي تبناه هو لكان القول الثاني وهو مذهب ابن حزم وابن المنذر أقوى من مذهب الجمهور لأن القاعدة أن ما يبطل يبطل قبل وبعد الدخول، فأشار إلى هذا المعنى أن القول الثاني أقوى يعني ابن القيم يرى أن القول الذي حكي هو أضعف الأقوال قول الأئمة الأربعة يعتبره أضعف الأقوال، وهذا لا يزيد المسألة إلا إشكال، فإن شاء الله تبقى كما هي وتتوقف على بحث أثر شبرمة وعلى أن الإنسان يستخير فيها مراراً ويسأل الله أن يفتح عليه، ولاسيما وأن المسألة هذه اليوم مسألة مهمة جداً والسبب أنه ولله الحمد الدخول في الإسلام أصبح بأعداد كبيرة جداً، ونسبة الدخول في الإسلام الآن في أوروبا وأمريكا هي أعلى نسبة، ولا تقارنها أي نسبة أصلاً فنسبة الدخول في الإسلام إلى نسبة عدد السكان مرتفعة جداً تصل أحياناً إلى عشرة بالمئة وهي نسبة خيالية تعتبر وتسعة بالمئة وثمانية بالمئة، كل هؤلاء يحتاجون إلى هذه المسألة لأنهم غالباً لا تريد أن تبقى على عصمة زوجها الكافر ويتقدم إلى خطبتها مسلم مباشرة لتثبيتها على الإيمان وترجع إلى مسألتنا هذه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول)

يعني إذا انتهت العدة ولم يسلم أحدهما تبينا أن العقد مفسوخ من الأول، وعللوا هذا بأن سبب الفسخ هو اختلاف الدين وهو موجود من حين أن أسلم أحدهما، إذاً إذا لم يسلم بعد انتهاء العدة نعتبر العقد مفسوخ من الأول، ويترتب على هذا أنه إذا وطءها في أثناء العدة فإنه يترتب عليه أن يدفع مهر آخر لأن المهر الذي وجب بالعقد دفع، وهذا مهر بسبب الوطء الذي كان بعد الفسخ لأنه تبين معنا أنه بعد الفسخ يفهم من هذا أنه لا يجوز للزوج أثناء التربص أن يطء امرأته، لأنه لم يتبين هل هي زوجة أو ليست بزوجة، كما أنه يفهم من هذا أن من فعل هذا بالإضافة إلى ترتب مهر آخر ينبغي أن يعزر وأن يؤدب لأنه وطء هذه التي ينتظر فيها في حال لا يجوز له أن يطأها.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول ... ) إذا كفرا، مقصود الشيخ بكفرا هنا ارتد فالبحث الآن في الردة لأن البحث في الدخول في الإسلام تقدم ولذلك لو أن الشيخ قال إن ارتد كان أوضح لأن المقصود في الحقيقة الكلام على أحكام المرتد فإذا ارتد أحد الزوجين عياذاً بالله نسأل الله العافية والسلامة، فالحكم كالحكم إذا أسلم أحد الزوجين إن ارتد قبل الدخول انفسخ النكاح مباشرة وإن ارتد بعد الدخول فننتظر مضي العدة، فإن انتهت العدة قبل أن يرجع إلى الإسلام تبينا أنه مفسوخ وإن رجعا بقيا على نكاحهما.

وهذه المسألة قلت أنها كالمسألة السابقة لكن عند التأمل تجد أنها من حيث العمل ترجح قول الجمهور، لأنه الآن مثلاً من الأشياء التي انتشرت ترك الصلاة بالكلية، لا يصلي مطلقاً وإذا لم يصلي مطلقاً فإن العلماء اختلفوا فيه على قولين: منهم من يرى أنه مرتداً خارجاً عن الدين، ومنهم ومن يرى لأنه يبقى على الإسلام وإن قتل حداً، فعلى القول بأنه يكون مرتد إذا كان مرتداً فعند شيخ الإسلام وابن القيم يعامل معاملة إذا أسلم أحدهما، هنا يكون فيه إشكال، يعني يترتب على هذا أن نقول للزوجة إذا قالت أن الزوج لا يصلي مطلقاً ماذا نقول؟ تبقين وأنت على الخيار، إلى متى؟ ليس له حد.
فتقول إلى متى أبقى مع هذا الزوج الذي لا يصلي؟ ليس له حد وتبقى على هذا على شرط ألا يطأها، فإذا تبينا أنه لم يرجع، ومتى نتبين أنه لم يرجع ربما لا يصلي وربما يقول سأصلي بعد أسبوع تبقى القضية غير منضبطة في الحقيقة مطلقاً، لاسيما في مثال الردة لأن الإسلام وعدمه قد يكون تحديد الزوج لكونه سيسلم أو لا واضح، يعني بعد مضي مدة يقول سأسلم أو سأبقى على ملة الكفر التي أنا عليها، لكن بالنسبة لترك الصلاة دائماً كما هو مشاهد في الواقع تبقى ربما بعض الناس ما يرجع إلى الصلاة إلا بعد ثلاث سنوات، أو بعد خمس سنوات، ولكن بالنسبة للجمهور الأمر مضبوط جداً جداً نقول تبقين معه إلى انتهاء العدة إن صلى فهو زوجك وإن لم يصلي فقد انفسخ النكاح، وفي هذا انضباط كبير جداً وهو مما يرجح قول الجمهور، على أن شيخ الإسلام نص أن الردة كإسلام أحدهما، وأنا أقول أن هذا مما يقوي قول الجمهور، بالإضافة إلى أثر شبرمة إن صح، ومع ذلك في الحقيقة المسألة مشكلة كيف لم يأتي أي شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة يعلق الأمر بالعدة، ولا إشارة من قريب أو بعيد، هذا في الحقيقة غريب ومشكل ومع هذا الأئمة الأربعة لا يختلفون في اعتبار العدة، فلا بد أن أثر شبرمة هذا له أصل إن شاء الله، وهو الذي عليه اعتمد الأئمة في تحديد الأمر في النكاح.
إلى هنا نتوقف على باب الصداق.
هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • ((انتهى الدرس))

الدرس: (10) من النكاح

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(باب الصداق)

الصداق تعريفه هو: العوض الذي يعطى للمرأة مقابل للنكاح ونحوه، والمقصود بنحوه أي وطء الشبهة والنكاح الفاسد.
والصداق في النكاح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم﴾ وأما السنة: فسيأتينا منها عدد كبير، ومن ذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه أصدق امرأة تزوجها بنواة من ذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" أولم ولو بشاة" فهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم له على الدخول على المرأة بالصداق.
أخيراً الإجماع: والإجماع حكاه غير واحد، إذاً الصداق ذكرنا تعريفه، وأخذنا أنه مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
قال المؤلف - رحمه الله -: (يسن تخفيفه) ذهب الفقهاء إلى أن السنة في المهر التخفيف، وأن تخفيف المهر أحب إلى الله.
واستدلوا على هذا بنصوص: النص الأول: حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أكثر النساء بركة أقلهن مؤنه" هذا الحديث إسناده ضعيف لا يثبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في الحقيقة معناه صحيح، يدل على معناه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتينا، والآثار المروية عن الصحابة وقواعد الشرع العامة.
الدليل الثاني: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خير النساء أيسرهن مهراً"، وهذا الحديث صححه المتأخرون.

الدليل الثالث: الأثر المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لا تغلوا صداق النساء فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صداق نسائه ولا بناته عن اثنتي عشرة أوقيه) وهذا الأثر ثابت إن شاء الله عن أمير المؤمنين عمر.
كما ترى الآثار واضحة جداً، وإذاً نصتصحب هذا الأصل أثناء دراسة مسائل الصداق، وهو أن الأحب للشارع أن يكون يسيراً قليلاً.
مسألة: فإن زاد الإنسان في المهر زيادة كثيرة مع القدرة فهو جائز بلا كراهة بشرط أن يخلو من سبب إضافي يدل على الكراهة، كالمباهاة والمنافسة الجاهلية في مقدار الصداق، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وهو الصحيح إن شاء الله.
قال المؤلف - رحمه الله -: (يسن تخفيفه وتسميته في العقد) أفادنا المؤلف رحمه الله بهذه العبارة مسألتين: الأولى: أن تسمية النكاح يعني ذكر مقدار المهر في أثناء العقد أنه سنة.
والدليل على هذا من وجهين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي المهر.
الثاني: أن تسمية المهر أثناء العقد أقطع للنزاع.
المسألة الثانية التي أفادها كلام المؤلف هو: جواز عدم تسمية المهر في العقد لأن تسمية وذكر المهر سنة إذاً يجوز ألا يذكر.
والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، فإن مفهوم الآية أنه: يجوز أن يطلق قبل أن يفرض لها فريضة، يعني قبل أن يسمي ويذكر المهر في العقد.
الدليل الثاني: ما أخرجه أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً ولم يذكر مهراً، فيجوز أن الإنسان يعقد العقد ولا يذكر المهر مطلقاً، ويؤجل الكلام عن المهر إلى ما بعد الدخول ولا حرج في هذا بدلالة القرآن والسنة.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وتسميته في العقد من أربعمائة درهم إلى خمسمائة درهم) يعني ويسن أن يتراوح المهر بين الأربعمائة والخمسمائة درهم.
الدليل على هذا أن صداق بنات النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة، وصداق نسائه خمسمائة درهم صلى الله عليه وسلم.

أما الدليل على صداق البنات رضي الله عنهن وأرضاهن فهو أثر عمر السابق فإنه قال وأخبر أن صداق النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه وبناته هذا المقدار وهو اثنتي عشرة أوقية والأوقية أربعين درهم.
والدليل الثاني أن علي بن أبي طالب لما عقد على فاطمة رضي الله عنها وأرضاها أراد أن يدخل عليها فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أعطها شيئاً فقال: لا أملك شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين درعك رضي الله عنه وأرضاه فأعطاه الدرع، درع من حديد وقدره في بعض الروايات بأنها بأربعمائة درهم، هذه الرواية لم أقف على إسنادها التي فيها التقدير أن الدرع قيمته أربعمائة درهم لم أقف على إسنادها، لكن مع أثر عمر ربما يقبل أنه هذا المقدار، أما أن صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فهذا ثابت من حديث عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصدق نسائه اثنتا عشرة أوقية ونشاً قيل: ما النش؟ قالت: النش نصف أوقية" وكما قلت الأوقية أربعون درهم يكون المجموع خمسمائة درهم.
من الظاهر أن بين أثر عمر وحديث عائشة شيء من الاختلاف، لأن عمر يخبر أنها اثني عشر أوقية، وعائشة تخبر أنها اثنتي عشرة أوقية ونصف، والجواب عن هذا الاختلاف من وجهين: الأول: أن يكون الصواب مع عائشة ويكون ما ذكره عمر رضي الله عنه مخالف للواقع، وسبب الترجيح أن حديث عائشة صحيح وهي أخبر بصداق نسائه من عمر.
الجواب الثاني: وهو الصحيح أو وهو إن شاء الله الأقرب أن عمر أراد أن يخبر على سبيل الإجمال، ولم يرد أن يحدد بدقة وإنما أراد أن يخبر إخباراً مجملاً، وإلا فهو يعرف مقدار الصداق، وهذا الجواب الثاني أحسن إن شاء الله، إذاً عرفنا الآن ما هو مستند الحنابلة في تحرير المهر بين هذين المقدارين.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) أفادنا المؤلف رحمه الله أيضاً مسألتين:

المسألة الأولى: أن المهر يجوز مهما كان قليلاً أو كان كثيراً، بعبارة أخرى لا حد لأقله ولا لأكثره، أما أنه لا حد لأكثره فهذا محل إجماع أنه لا حد لأكثره ويدل عليه ظاهر الآية: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ واختلف المفسرون في معنى القنطار، ولكن على جميع الأقوال هو المال الكثير فالاستدلال بالآية صحيح.
الثاني: أنه لا يوجد في النصوص ما يدل على تحديد أكثر المهر.
المسألة الثانية: أقله، لا حد لأقله عند الجمهور، واستدل الجمهور على هذا بإطلاق الآية ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، والمال يصدق على الكثير وعلى القليل.
والقول الثاني للأحناف: أنه لا يجوز أن يقل المهر عن ما تقطع به يد السارق، واستدلوا بحديث وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا مهر دون عشرة دراهم"، وهذا الحديث لا أصل له يعني أقل من أن نقول ضعيف، ليس في كتب السنة، والغالب أن العلماء إذا قالوا لا أصل له يعني أنه لم يرو بإسناد.
والراجح إن شاء الله مذهب الجمهور وهو أن المهر لا حد لأقله.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) هذه هي المسألة الثانية: كل ما صح ثمناً صح مهراً.
والدليل على هذا: أن المهر عوض البضع، فكل ما جاز أن يكون عوضاً في البيع والأجرة يعني في الإجارة صح أن يكون مهراً، وسيذكر المؤلف مجموعة من الأشياء التي تستثنى لكن الأصل أن كل ما صح ثمناً للمبيع أو أجرة في الإجارة، فإنه يصح أن يكون مهراً.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وإن أصدقها تعليم القرآن .. )

قوله وإن أصدقها تعليم القرآن أفادنا المؤلف بهذه العبارة بل بالتي قبلها، يعني هو مستفاد من عموم العبارة السابقة، أنه يجوز أن يكون المهر قليلاً وكثيراً، حالاً ومؤجلاً، حالاً وفي الذمة، وعيناً، لأنه يقول: (كل ما صح أجرة أو ثمن صح مهراً)، وهذه الأشياء تصح، وأيضاً يجوز أن يكون منفعة، ويجوز أن يكون عيناً، وهذا الذي أقوله اتفق عليه الأئمة الأربعة في الجملة، وهو أنه يجوز مهما كان نوعه وجنسه وتأجيله وحلوله إلى آخره، إلا أن الأحناف خالفوا في المنفعة، فلم يرو أن المنفعة يصح أن تكون مهراً، واستدل الأحناف على عدم تصحيح المنفعة مهراً في أن الله سبحانه وتعالى اشترط أن يكون المهر من المال والمنفعة ليست مالاً.
واستدل الجمهور الذين يرون جواز أن تكون المنفعة مهراً بأدلة: الأول: أن المنفعة وإن لم تكن مالاً فهي بمعنى المال ولذلك يعاوض عنها بالمال.
الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمان حجج﴾، والإجارة للرعي منفعة وليست مالاً.
لهذا نقول الراجح إن شاء الله: جواز جعل المنفعة مهراً، يستثنى من هذا مسألة واحدة فقط أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله، وهي أنه لا يجوز أن تكون المنفعة خدمة خاصة للزوجة، يعني أن يكون المهر هو منفعة خدمة الزوجة، واستدل على هذا بأمرين: الأمر الأول: أن في هذا إهانة وامتهاناً للزوج.
الثاني: وهو من وجهة نظري الأهم أن في هذا تعارض الحقوق، بأن العقد يقتضي أن تخدم الزوجة الزوج، وهذا المهر يقتضي العكس، وما ذكره الشيخ وجيه وصحيح، فإذاً يجوز أن تكون المنفعة أي نوع من الأنواع، إلا خدمة الزوجة، فلها أن تقول مهري أن تقوم بإدارة المزارع الخاصة بي، أو المنازل الخاصة بي، أو بتأجير البيوت التابعة لي، ونحو هذه، أو بمتابعة المعاملات الخاصة بي، إلا أنه يجب أن تكون المنفعة محددة ومعلومة.

نرجع، يقول الشيخ رحمه الله تعالى: (وإن أصدقها تعليم قرآن لم يصح)، لا يصح عند الحنابلة أن يكون العوض هو تعليم القرآن، والتعليل ظاهر لما تقدم معنا في كتاب البيوع، أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ونحن نقول أن كل ما صح عوضاً في الأجرة والبيع صح مهراً، وهذا لا يصح عوضاً في الأجرة، فلا يصح مهراً في الحقيقة، مسألة تعليم القرآن داخلة في عموم عبارته السابقة، يعني لو لم يذكرها لأمكن طالب العلم أن يعرفها من خلال القاعدة، لأنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن عند الحنابلة إنما نص عليه الشيخ لأن فيها نصاً من السنة، ولقوة الخلاف فيها، إذاً عرفنا الآن مذهب الحنابلة أنه لا يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً.
واستدلوا على هذا بأنه ليس مما يجوز أخذ الأجرة عليه.
الدليل الثاني: أن تعليم القرآن ليس مالاً.
القول الثاني: أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً، واستدل الحنابلة على هذا بحديث الواهبة، فإن الواهبة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم لما لم يرد أن ينكحها أنكحها رجلاً، ولم يكن مع الرجل أي نوع من الأموال النقدية، لا الحاضرة ولا الغائبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" هل معك شيء من القرآن؟ فقال: نعم، فقال: أنكحتكها بما معك من القرآن، أو زوجتكها بما معك من القرآن".
فالباء في هذا الحديث باء المعاوضة فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل عوض البضع تعليم القرآن، وهو نص في المسألة.

الدليل الثاني: أن تعليم القرآن منفعة معلومة محددة، فجاز أن تكون مهراً، واشترط القائلون بالجواز معرفة مقدار ما سيعلم الرجل المرأة، وهل التعليم هو التحفيظ؟ أو التعليم هو حسن القراءة؟ فلا بد أن يبين هذا بالتمام حتى نخرج من الجهالة إلى العلم، إذاً يجوز أن يكون تعليم القرآن عند هؤلاء مهراً، والصحيح هو هذا إن شاء الله، ولا يستطيع أن يخرج الإنسان عن مقتضى هذا الحديث، وما أجاب به الحنابلة عن الحديث ضعيف جداً وهو أنهم قالوا: مقصود النبي صلى الله عليه وسلم زوجتكها بما معك من القرآن أي نظراً لقدرك ورفعتك بحفظ القرآن، وهذا كلام فيه تكلف ظاهر جداً، ثم إنه يجعل العقد بلا مهر، ونحن تقدم معنا أن خلو العقد من المهر يفسد النكاح.
الخلاصة أن الراجح إن شاء الله: هو هذا أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً للمرأة.
قال المؤلف - رحمه الله -: (بل فقه وأدب وشعر .. )

يعني بل يجوز أن يكون تعليم الفقه والأدب والشعر المباح مهراً، وتعليل ذلك أن هذا التعليم تعليم معلوم، ومنفعة محددة، فجاز أن تكون مهراً، والشيخ هنا يقول رحمه الله: (بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم) فذكر الفقه والأدب والشعر المباح، هل في كلام الشيخ إشكال؟ الإشكال الذي ظهر لي أنه كيف يقول الشيخ بل فقه وغيره من الحنابلة يقولون بل فقه وحديث إلى آخره، مع العلم أنهم قرروا في كتاب البيع أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم الفقه والحديث، نصوا على هذا أليس كذلك؟ الجواب عن هذا أن يقال: أن قوله بل فقه يعني على القول بجواز أخذ الأجرة هذا حتى نحمل كلام المؤلف على محمل حسن، وإلا في الحقيقة ينبغي أن لا يذكر الفقه باعتبار أنه قرر فيما سبق أنه لا يجوز أن تؤخذ الأجرة على تعليم الفقه، وهنا نقول على القول بجواز تعليم الفقه والحديث، ينبغي أيضاً أن يحدد، الفقه طويل ومتشعب والحديث كذلك والتفسير والنحو، ينبغي أن يحدد ما هو الشيء الذي سيكون محل التعليم، وإذا حدد الشيء كأن يقول تعليم كتاب الصلاة مثلاً، إذا حدد الكتاب ينبغي أن يحدد ما هو التعليم المقصود، هل تقصد أنه يفهم أو يحفظ؟ ثم إذا حدد ينبغي أن يحدد إذا افترضنا أن التعليم هو الفهم يعني أن يشرح له إلى أن يفهم، ينبغي أن يحدد مدى الشرح المتعلق بالفهم، يعني كأن يقول المهر هو شرح كتاب الصلاة إلى أن تفهم الزوجة كتاب الصلاة على ألا يتجاوز مدة الشرح شهر مثلاً، لأنه قد يكون المتعلم ذكي، وقد يكون غبي، وقد يكون بطيء الفهم، وقد يكون سريع الفهم، فإذا كان المهر هو التعليم والتفهيم، ربما يجلسون ثلاث أربع سنوات ما فهم الكتاب، فإلى أي حد يكون العمل، ومن الناس من يفهم من أول مرة ومنهم من يفهم من ثاني مرة ومنهم من يفهم من ثالث مرة ومنهم من لا يفهم أبداً، فإذاً لا بد من وضع حد معين للفهم، وهذا كله نصوا عليه الحنابلة وهو حقيقي، ولذلك إذا كان في منطقة من المناطق اعتادوا أن يكون المهر هو التعليم بسبب جودتهم وكثرة الدين فيهم ورغبتهم في الخير ينبغي تحديد هذا الشيء، حتى لا يكون مثار اختلاف.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وإن أصدقها طلاق ضرتها .. )

وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح، لا يجوز أن يكون المهر طلاق الضرة الأخرى، لأمرين: الأمر الأول: أن طلاق المرأة الأخرى ليس بمال، والله تعالى شرط في المهر أن يكون مالاً.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسأل المرأة طلاق أختها"، فهذا النوع من المهر محرم.
القول الثاني: أنه يجوز أن يجعل طلاق الضرة مهراً، لأن للزوجة الجديدة منفعة واضحة، وهي خلو الزوج عن مشارك، وهذا القول الثاني كما ترون ضعيف جداً لأنه مصادم للنص، والقول إذا صادم النص لا عبرة به، ولو ظهر للإنسان أن ما ذكره أصحابه من تعليل وجيه، فهو قول ضعيف مصادم للنص، كيف ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر فيجعله بعض الناس مهراً هذه مضادة للشرع.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وله مهر مثلها) له مهر مثلها: يعني إذا لم نصحح هذا المهر فللمرأة مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن المهر إذا لم يصح فإنا نرجع إلى مهر المثل، وهي قاعدة الحنابلة وغيرهم من الفقهاء كما سيأتينا في المسألة اللاحقة.
القول الثاني: أن لها مهر ضرتها، يعني نعطيها بمقدار مهر الضرة، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، لأن هذا المهر أقرب إلى المهر المسمى، وهذا القول هو الراجح، لاحظ الآن سيأتينا مسائل أخرى تشبه هذه المسألة، لاحظ الآن أنا رجحنا القول الذي فيه مهر المثل أو الأقرب للمسمى، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وسيأتينا أن هذا لو وضع قاعدة لكان مفيداً سيأتينا الآن في المسألة اللاحقة.
قال المؤلف - رحمه الله -: (ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل) إذا بطل المسمى وجب مهر المثل عند الجماهير.
استدلوا على هذا بأن البضع لا يستباح إلا بعوض، فإذا بطل العوض رجعنا إلى بدله، وأقرب الأبدال مهر المثل، والمهر يبطل لعدة أسباب: إما أن يكون المهر محرماً، كأن يصدقها خمراً أو خنزيراً، أو يبطل لكونه مجهولاً، أو لا يبطل وإنما لم يسمى.
هذه قاعدة الحنابلة، والحقيقة أن في المسألة تفصيل آخر وهو كالتالي:

أن نقول إذا كان المهر لم يسمى، فالواجب بدله مهر المثل، والدليل على هذا حديث صحيح وهو أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه سئل عن رجل عقد على امرأة ثم مات فأفتى رضي الله عنه وأرضاه بأن لها مهر مثلها، ثم قام أحد الصحابة وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بمثل ما حكم به ابن مسعود، قال الراوي: فلما علم ابن مسعود بموافقته النبي صلى الله عليه وسلم فرح فرحاً لم يفرح مثله في الإسلام، عبارة ضخمة جداً يعني كأنه بعد إسلامه لم يفرح بشيء كفرحه بموافقته لفتوى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذا الحديث أخذ بعض أهل العلم أن من ضوابط معرفة الإنسان لفهمه أن يوافق قول المحققين، وهذا الصحيح، فإذا كان الإنسان فهمه وإدراكه وفهمه للنصوص يوافق فهم المحققين وعلى رأسهم الصحابة فهذا دليل على صحة فهمه وجودة ذهنه، وإن كان العكس فالعكس، وليس المقصود أن يكون الترجيح واحد، لكن الفهم واحد أما الترجيح فيختلف فيه الناس، فهذا الحديث نص في أنه إذا لم يسمى المهر فلها مهر المثل.
القسم الثاني: أن يكون المهر باطلاً، لكونه محرماً كالمغصوب والخنزير والخمر وما شابه ذلك، فهذا الحنابلة أيضاً يرون أن لها مهر المثل.
والقول الثاني: أنه في هذا النوع للزوجة مثل المغصوب أو قيمته، فإذا غصب سيارة وأصدقها للمرأة ثم تبين أنها مغصوبة فالمهر عند الحنابلة مهر المثل، والمهر على القول الثاني أن يأتي بسيارة مثل هذه السيارة المغصوبة.
والقول الثالث: أنه إن كان خمراً فتعطى بمقداره خلاً، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو في الحقيقة لا يختلف عن القول الثاني نفس الشيء.

على كل حال الراجح إن شاء الله القول الثاني وهو أن يأتي بمثل المغصوب أو بقيمته، إذا كان المهر مغصوباً يأتي بمثله أو قيمته، لكن إذا كان المهر خمراً كيف يأتي بمثله؟ خل هذا الذي أشارت إليه الرواية الثالثة، لكن الإشكال الآن أن بين قيمة الخمر وقيمة الخل فرق كبير، وهي مثلاً امرأة نصرانية لا تعرف أحكام الإسلام وأصدقها خمراً باهض الثمن رضيت به مهراً، ثم تبين أنه في الشرع لا يجوز، فقال: آتي لك بدله وهو الخل، الخل أرخص بكثير من الخمر، وقد يكون الفرق بينهما كبير، ولهذا نقول إن القول الثاني أرجح لأنه أضبط، تأتي ببدله، فإن لم تتمكن لعدم وجوده أو للمانع الشرعي فتأتي بالقيمة، فنقول كم قيمة هذا الخمر ويكون هو الصداق.
وهذا القول في الحقيقة فيه عدل كبير جداً، متوافق مع الشرع وفيه طمأنينة في استباح البضع، لأنها إنما رضيت بهذا القدر من المهر، وكما تعلمون قد يكون بين المهرين بون شاسع جداً، فإذا أصدقها سيارة جديدة تقدر بمائة ألف ريال وصداق مثلها عشرة آلاف ريال بين المهرين تسعين ألف ريال، فدخل عليها ضرر على مذهب الحنابلة لو قلنا لها مهر المثل، أما على هذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام ففيه عدل، وإن شاء الله أنه أقرب لقواعد الشرع.
فصل وإن أصدقها ألف إن كان أبوها حياً وألفين إن كان ميتاً وجب مهر المثل، قوله وجب مهر المثل يعني فسد المهر المسمى ووجب مهر المثل، هذا مقصود المؤلف، يعني فسد المهر المسمى ووجب مهر المثل والحنابلة يرون أن هذا المهر فاسداً لأنه مجهول، فإنا لا نعلم هل الأب ميت أو حي، وأخذنا أنه لا يصح أن يكون المهر مجهولاً ويجب إذا كان مجهولاً مهر المثل، فإن كان حال الأب معلوماً يعرف هل هو ميت أو حي فإنه أيضاً لا يصح أن يكون مهراً لأن تعليق المهر على موت الأب أو حياته لا ضرر فيه صحيح لا للزوجة ولا للزوج، ولا يجوز تعليق المهر على أمر ليس فيه غرض صحيح.

القول الثاني: أنه يصح تعليق المهر على هذا الأمر لأنه قد يكون فيه غرض صحيح للزوج وفيه غرض صحيح للزوجة، أما غرض الزوجة فواضح فهي إذا قالت إن كان الأب ميتاً فلي ألفين وإن كان الأب حياً فلي ألف غرضها صحيح، لأنه بموت أبيها تكون حاجتها أكبر، وبحياته تكون حاجتها أقل، وهذا يجعل الأمر متناسباً مع مقدار المهر، وقد يكون هو أيضاً له غرض صحيح بأن يكون لا يحب أباها أو يستثقل أباها فإن كان الأب ميتاً فهي كالبشارة له ويعطيها ألفين، وإن كان حياً نقص، بالنسبة للقول الثاني وجيه في الحقيقة لاسيما إذا كان الغرض لها لكنه ليس من المروءة تعليق المهر مهما كان الغرض على موت الأب تعليقه على موت الأب أمر غير جيد لاسيما إذا كان المهر أكثر في حال موت الأب، بل ينبغي أن يعلق المهر على أمر آخر سوى موت الأب يحصل به الغرض، على كل حال إن علقه عليه فالرواية الثانية عن الإمام أحمد أرجح إن شاء الله.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وعلقه ... ) نعم إذا علقه فقال: إن كان لي زوجة بألفين، وإن كان ليس لي زوجة بألف، فيصح المسمى بلا إشكال لأن للمرأة غرض صحيح في خلوه من المشاركة، بل أن الفقهاء يقولون من أكبر أغراض المرأة خلو الزوج من مشاركة، فتعليق هذا الأمر أو المهر على هذا الأمر صحيح ولا إشكال عليه فإن تبين أن له زوجة فيعطيها ألفين وإلا فألف.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وإذا أجل الصداق .. ) إذا أجل الصداق أو بعضه صح بلا نزاع، فيجوز أن يكون مؤجلاً أو معجلاً، ولا إشكال في ذلك لأنه معاوضة، فيقاس على البيع، فلا إشكال إن شاء الله في كونه مؤجلاً.
قال المؤلف - رحمه الله -: (فإن عين أجلاً ... ) إذا كان المهر مؤجلاً فهو على قسمين: إما أن يكون مؤجلاً لأجل معين، فيحل بحلول الأجل، ولا إشكال ويجب على الزوج أن يدفع المهر عند حلول الأجل.
القسم الثاني: ألا يكون مؤجلاً بأجل معين، وإنما يطلق، فالحنابلة يرون أنه إذا أطلق فالتسمية صحيحة، ويحل بالفرقة، والفرقة تحصل بأحد أمرين طلاق أو موت.

استدل الحنابلة على تصحيح المسمى مع جهالة الأجل بأن العرف والعادة جرت بأن المؤجل إذا لم يحد بأجل معين فحده الفرقة، والعرف دليل معتبر في الشرع، ولهذا قعد الفقهاء أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
القول الثاني: أنه إذا أجله بأجل مجهول فسد الأجل ووجب حالاً.
والقول الثالث: أنه يفسد المسمى برمته ولها مهر المثل، ولا شك أن الحنابلة قولهم أرجح وأوفق وهو الذي يدل عليه عمل الناس والأعراف السائدة، وأما إلغاء الشرط وحلول المهر ففيه مضرة ظاهرة على الزوج، ولا يأتي فيما أرى الشرع بمثله.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وإن أصدقها مالاً مغصوباً .. ) إن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه وجب مهر المثل، تقدم معنا أن قاعدة الحنابلة أنه متى فسد المسمى فالواجب مهر المثل، وأن من صور فساد المسمى أن يصدقها مالاً محرماً كالخنزير والخمر، وتقدم معنا أن القول الثاني وجوب مثله أو قيمته، وأن هذا إن شاء الله أرجح القولين وأقرب لقواعد الشرع.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وإن وجدت ... ) وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشه وقيمته، معنى هذه العبارة: أنه إذا أعطى الزوج زوجته مهراً معيباً فإن الزوجة تخير بين أمرين: الأول: أن تمسك المهر المعيب، وتأخذ الأرش وهو الفرق بين قيمة المهر سليماً ومعيباً.
والخيار الثاني: أن ترد المهر وتأخذ قيمته إن كان قيمي أو مثله إن كان مثلي.
والقول الثاني: أنه ليس لها إلا أن تمسك أو ترد فقط، وهذه المسألة تقدمت معنا بعينها في خيار العيب، فما يقال هناك هو ما يقال هنا، تماماً، الخلاف هنا كالخلاف هناك، وذكرت هناك أن الراجح: أنها تخير بين الإمساك وبين الرد فقط بظاهر حديث المصراة، كذلك هنا لأن هذا العقد فيه معاوضة، يعني النكاح والمهر فيه معاوضة، فلعله إن شاء الله الأقرب هنا هو الأقرب هناك، وإن كانت المسألة أيضاً تحتاج إلى مزيد تأمل هنا وهناك لكن الأقرب إن شاء الله الآن هذا.

يقول الشيخ هنا رحمه الله تعالى: (وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشه وقيمته)، مقصود الشيخ بهذه العبارة: أي إذا كان معيناً، إذا كان المهر معيناً فالحكم هو ما ذكرت، أما إذا كان المهر في الذمة فإنه إذا كان معيباً فلها بدله لا الأرش ولا القيمة، لأنه في الذمة، فإذا قال صداقك شاة عمرها كذا وصفتها كذا وكان ينوي أن يعطيها شاة عنده تنطبق عليها المواصفات ثم تعيبت الشاة بأي عيب، فالواجب أن يحضر لها شاة تتوافق مع الوصف المذكور في العقد، إذاً الخلاصة أن الخلاف السابق في المعين لا في ما في الذمة لأن ما في الذمة يجب بدله مطلقاً.
قال المؤلف - رحمه الله -: (وإن تزوجها على ألف ... ) إذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية، مقصود المؤلف هنا: أنه يجوز للأب أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من المهر، ويكون ملكاً له، لكن ينبغي أن تتنبه أن المهر هو مجموع ما لها وله، مال الزوجة وللأب، المجموع هو المهر، يسمى مهراً، لأنه سيأتينا فروع تنبني على مقدار المهر، هل المهر ما تأخذه الزوجة أو ما يأخذه الأب؟ الصواب أن المهر ما تأخذه الزوجة والأب، نرجع لمسألتنا، الحنابلة يرون أنه يجوز للأب أن يشترط لنفسه قدراً معيناً من المهر، واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: الأول: الآية السابقة ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ ففي الآية أن شعيب عليه الصلاة والسلام اشترط لنفسه أن يرعى موسى الغنم والمهر في هذه الحالة للأب كله.
الدليل الثاني: الذي استدل به الحنابلة أن الأب له أن يتملك من مال ولده ما يشاء، واشتراط الأب قسماً من المهر هو بمعنى التملك.
القول الثاني: أن المهر كله للمرأة.
والقول الثالث: أنه إذا اشترط الولي هذا الشرط فسد المسمى ولها مهر المثل.
والقول الرابع: أن ما يشترط لأحد سوى الزوجة إن كان قبل العقد فهو للزوجة، وليس لمن سمي له وإن كان بعد العقد فهو لمن سمي له.

واستدلوا أي أصحاب القول الرابع بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أيما امرأة نكحت على مهر أو محاباة أو حباء أو عطية فهو لها قبل العقد، ولمن سمي له بعد العقد" وهذا الحديث كما ترى نص على التفصيل المذكور في القول الرابع نص تماماً، لكن هذا الحديث فيه إشكال من حيث الثبوت، فهو أعل بعلتين: العلة الأولى: أنه رواه ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن جريج مدلس وأجاب أصحاب هذا القول عن هذه العلة بأن ابن جريج صرح بالتحديث عند الإمام النسائي، فانتهينا من علة التدليس.
العلة الثانية: أن الإمام الكبير البخاري قال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يعني لم يسمع من عمرو، وهذه علة قادحة، ولم يذكر عنها أصحاب هذا القول جواباً مع ذلك أقول أن هذا الحديث يؤيده أمران: الأول: أنه روي هذا الحديث من طريق آخر عن مكحول مرسلاً ومراسيل مكحول جيدة.
الثاني: أن هذا الحديث روي عن عائشة رضي الله عنها، وهو ضعيف لكن ضعفه يسير، فاجتمع معنا هذا الحديث، مع حديث عائشة وضعفه يسير، مع مرسل مكحول، من وجهة نظري أن اجتماع مثل هذه الأمور تعطي الحديث قوة لاسيما وأنه فيما يظهر لي أن ما في الحديث من تفصيل متوافق مع قواعد الشرع.
((الآذان)) لهذا يكون إن شاء الله الراجح القول الرابع لأن هذا الحديث يعضده ويقويه.
قال المؤلف - رحمه الله -: (فلو طلق قبل الدخول .. ) إذا طلق الإنسان قبل الدخول وبعد العقد فللمرأة نصف المهر، ونص المسمى هنا ألف، وهذا معنى ما قلته أولاً، أن المهر هو مجموع ما يعطى الأب والزوجة، فإذا كان المهر يتقدر بألفين، فنصفه ألف، لقوله تعال: ﴿فنصف ما فرضتم﴾، وسيأتينا كم للمرأة قبل الدخول وبعد الدخول، لكن المؤلف يريد أن يشير هنا إلى أنه يأخذ نصف مجموع ما أعطى الأب والمرأة.
قال المؤلف - رحمه الله -: (ولا شيء .. ) يعني لا تملك المطلقة وهي ابنته المطالبة بالألف، ولا الزوج يملك المطالبة بالألف، لأن حقيقة ما صار أن المهر للمرأة ثم أخذه الأب، كأنه أخذه بعد قبض المرأة يعني الزوجة، وإذا أخذ الأب المهر بعد قبض الزوجة له فلا يستطيع أحد أن يطالبه به لا ابنته ولا الزوج.

قال المؤلف - رحمه الله -:

(ولو شرط ذلك لغير الأب فكل مسمى لها) يعني أن جواز اشتراط الأولياء شيء من المهر خاص بالأب، أما غيره من الأولياء كالأخ والعم والابن فليس لهم أن يشترطوا، واستدل الحنابلة على هذا بأن غير الأب ليس له أن يتملك من مال ابنه فلا يساوي الأب.
واستدلوا ثانياً بأن الأصل أن المهر ملك للزوجة، وإنما خرجنا عن هذا الأصل بوجود أدلة تستثني الأب.
قال المؤلف - رحمه الله -: (ومن زوج بنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها .. ) يجوز للأب أن يزوج ابنته ولو كانت كبيرة وثيبة بدون مهر مثلها ولو كرهت.
واستدل الحنابلة على هذا بأمرين: الأمر الأول: جميع النصوص الدالة على استحباب تخفيف المهور.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ صداقاً عن بناته اثنتي عشرة أوقية، وهذا بلا شك أنه ليس مهر مثلها، بل مهر مثل بنت النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، فهذان دليلان على جواز أن يكون أقل ولا يشترط رضا المرأة.
القول الثاني: وهو الذي تبناه الإمام الشافعي أنه لا يجوز للأب أن يأخذ مهراً أقل من مهر المثل.
أولاً استدل بأمرين: الأمر الأول: أن في هذا تعدي على حقوق المرأة.
الثاني: أنه بهذا مفرط، لأن عليه أن يعمل بما فيه صلاح المرأة، وليس من صلاحها الغض من مهر مثلها.
والراجح إن شاء الله القول الأول لأن معه النصوص التي ذكر.
والله أعلم وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

  • ((انتهى الدرس)).

الدرس: (11) من النكاح

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن زوجها به ولي غيره ... ) قوله وإن زوجها به، الضمير في قوله به يعود إلى ما دون مهر المثل، فإذا زوجها بما دون مهر المثل غير الأب ورضيت وأذنت جاز، والعلة في ذلك أن الحق لها فإذا أسقطته سقط، ولهذا جوزنا لغير الأب أن يزوجها بدون مهر المثل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن لم تأذن فمهر المثل) إذا لم تأذن يعني للأولياء غير الأب، فيجب مهر المثل، لأن المهر عوض عن البضع، والعوض لابد فيه من رضا صاحبه، وصاحب العوض هي الزوجة، فإذا لم تأذن ولم ترض فإن المسمى يبطل، ولها مهر المثل، وهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال على من يكون تكميل المسمى الذي هو دون مهر المثل، إلى أن يبلغ إلى مهر المثل، في هذا خلاف بين الفقهاء اختلفوا على قولين:

القول الأول: أنه الزوج، فعلى الزوج أن يكمل إلى أن يبلغ مهر المثل، لأنه هو الذي أخذ العوض واستمتع بالزوجة فعليه أن يدفع مقابل هذا الاستمتاع، والمقابل هنا هو مهر المثل.
والقول الثاني: أن الزوج عليه أن يدفع المسمى، وعلى الولي أن يكمل إلى مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن الولي هو الذي فرط وهو الذي قصر بأخذ دون مهر المثل، ولعل الأقرب أنه على الولي، لأنه فرط بتزويجها بأقل من مهر المثل، ويفهم من كلام الفقهاء حين قالوا فرط، أن تصرفه هذا إذا لم يكن تفريطاً وإنما صنع ذلك لصالح الزوجة، كأن تخطب من قبل رجل مرغوب ومعروف بالصيانة والقيام على الزوجة بما ينبغي من حقوقها ولكنه لم يرض إلا بهذا المهر الذي هو دون مهر المثل فرضي مراعاة لمصلحة المرأة فإنه لا يُضمّن في مثل هذه الصورة، أما إذا لم يكن هناك مصلحة مراعاة فإن الولي يضمن.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن زوج ابنه الصغير بمهر المثلي أو أكثر .... ) أفادنا المؤلف أن للأب أن يزوج ابنه بأكثر من مهر المثل، ويصح ويكون لازماً ويثبت في ذمة الصبي.
والدليل على هذا: أن المرأة قد لا ترضى إلا بهذا المهر، كما أن هذا الابن قد لا يزوج إلا بهذا المهر، ولهذا جاز له أن يزيد على مهر المثل.

والقول الثاني: أنه ليس للأب أن يزيد عن مهر المثل، لأنه يتصرف بمال ابنه بطريق الوكالة وعليه أن يراعي مصلحة الابن وليس من مصلحة الابن زيادة المهر عن مهر المثل، والصواب إن شاء الله أن للأب أن يزيد في مهر ابنه عن مهر المثل، لما في ذلك غالباً من المصلحة ويندر أن يدفع الأب أكثر من مهر المثل بغير مصلحة، ومن هنا عرفنا أن الشارع الحكيم يفرق بين أن يكون الولي هو الأب وبين أن يكون الولي سواه من الأولياء كالأخ والعم والابن، لأن الأب فيه زيادة شفقة وحرص على الابن والابنة ولذلك خوله الشارع أن يتصرف أكثر من غيره من الأولياء.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن كان معسراً لم يضمنه الأب) هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان أهل الزوجة والزوجة يعرفون أنه معسر، فإذا كانوا يعرفون فإن الأب لا يضمن المهر، السبب في ذلك أنه ليس للأب دور سوى أن يكون وكيلاً عن ابنه، والوكيل لا يضمن الثمن كما في البيع، ولا يضمن العوض هنا في النكاح، لأنه مجرد وكيل لا يدخل ذمته شيء من الضمان.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن الأب إذا زوج ابنه المعسر فإنه يضمن، لأن لسان الحال يقول وأنا ضامن عنه، وعلى هذا يدل العرف، أن الأب إذا زوج ابنه المعسر كأنه يقول أنا أضمن ما على ابني من مهر ونفقه.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله أنه يضمن ما دام زوج ابنه وهو معسر فكأنه يقول ما يجب على ابني فهو علي، وفهم من هذا التفصيل أن الابن إذا كان موسراً فإن الأب لا يضمن مطلقاً، وهذا صحيح وهو رواية واحدة عن الإمام أحمد لم يختلف فيه، أنه إذا كان موسراً فإن الأب لا يضمن ما على ابنه في حالة كونه موسراً قادراً، ولو عجز بعد ذلك مادام حين العقد موسراً فإنه لا ضمان على الأب.
انتهى الفصل الأول من باب الصداق ننتقل إلى الفصل الثاني.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فصل وتملك الزوجة .. ) هذا الفصل خصصه المؤلف للكلام عن ملك المهر والتصرف فيه وما يتعلق بهذه المسائل.
أفادنا المؤلف أن المهر يملك بالعقد، يعني بمجرد العقد، وتعليل ذلك أن العقد موجب بذاته لملك العوض، فملكت المرأة المهر به.

والقول الثاني: أن المرأة لا تملك بالعقد إلا نصف المهر، واستدلوا على هذا بأن الزوج ربما طلق قبل الدخول فلا يكون لها إلا نصف المهر، والراجح إن شاء الله المذهب وهي أنها تملك جميع المهر بالعقد، والقول الثاني ضعيف فقهاً وتعليلاً لأمور: الأمر الأول: أن الطلاق عارض والأصل عدمه، وإنما يريد الإنسان النكاح للدوام لا للطلاق، والقاعدة الشرعية أن الحكم للغالب لا للعارض، فكيف نثبت الحكم هنا للعارض.
ثانياً: ينبغي على هذا القول أن لا تملك المرأة شيء مطلقا، ً لأنه ربما أيضاً ارتدت، وإذا ارتدت لم تستحق شيئاً من المهر، فإذا كانوا يراعون أنه ربما طلق، كذلك يجب أن يراعوا أنها ربما ارتدت.
وهذا كله يدل على الضعف الشديد في القول الثاني، فالراجح إن شاء الله أن المرأة تملك المهر بمجرد العقد لأن العوض في العقود يملك بها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولها نماء المعين قبل قبضه) بدأ الشيخ الكلام عن فروع ملك الزوجة للمهر بالعقد.
الفرع الأول: أنه إذا كان المهر معنياً فإن المرأة تملك النماء المتصل والمنفصل، فهو لها، والتعليل أن هذا النماء نماء في ملكها، ونماء الإنسان في ملكه هو من ملكه، يعني أنه نمى والعين في ملكها، ونماء العين المملوكة ملك لمالك العين، وهذا صحيح ولا إشكال فيه، ومفهوم قوله المعين: أن غير المعين ليس كذلك وهذا الذي أشار إليه بقوله: (وضده بضده) ضد المعين غير المعين، فإذا كان المهر مالاً لم يعين فإن المرأة لا تملك نماء هذا المهر غير المعين، ولا تملك أن تتصرف فيه، لأنه لم يعين ولهذا لا يمكن أن يكون نماؤه تبعاً له لعدم التعيين، وهذا أيضاً لا إشكال فيه فإذا قال: صداقك شاة وصفها كذا وكذا، أو سيارة وصفها كذا وكذا، أو بيت وصفه كذا وكذا ولم يعين، فإنها لا تملك النماء.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن تلف فمن ضمانها ... ) هذه أيضاً من فروع ملك المهر الفرع الأول: أن لها أن تتصرف فيه.
والفرع الثاني: أن ضمان المهر عليها فلها أن تتصرف والضمان عليها، واستثنى المؤلف من الضمان ما إذا منع الزوج زوجته من قبض المهر فإذا منعها فإن الضمان لا يكون عليها، وفي هذه المسألة بحث:

البحث الأول: أن الزوج إذا منع زوجته من التصرف في المهر فحكمه حكم الغاصب، عليه النقص ولها الزيادة.
المسألة الثانية: أن المؤلف أفادنا أن المرأة تملك التصرف، وعليها الضمان بملك المهر بالعقد، وذلك لأن المهر دخل في ملكها وإذا دخل الشيء في ملك الإنسان ملك التصرف فيه وعليه ضمانه.
القول الثاني: أن التصرف في المهر والضمان له لا يكون إلا بعد القبض، أما قبل القبض فإنها لا تملك ذلك، قياساً على ما تقدم في البيع أن الأعيان المملوكة بعقود معاوضة لا يتصرف فيها ولا تدخل الضمان إلا بعد القبض، فالخلاف الذي تقدم معنا في كتاب البيوع في التصرف في المبيع قبل قبضه وفي ضمانه يأتي معنا في التصرف في المهر قبل قبضه والتصرف فيه وضمانه قبل قبضة، فهناك ذكرنا الأقوال وهي نفسها هنا التفريق بين المكيل والموزون وغيره والقول بالتعميم، وترجيح أن الحكم عام لجميع الأعيان فكذلك هنا، الخلاصة أن البحوث التي تقدمت معنا في قبض الثمن في البيع من حيث التصرف والضمان، تأتي معنا في قبض المهر من حيث أيضاً التصرف والضمان، ولهذا نقول أن الراجح بناءً على البحوث السابقة أن المهر لا يصح التصرف فيه ولا يضمن مطلقاً إلا بعد القبض، مهما كان نوع المهر معدوداً مذروعاً مكيلاً موزوناً مهما كان نوع المهر فإنه لا يصح التصرف فيه ولا يضمن إلا بعد القبض، ولو كان من العقار أو من المنقود عموماً يشمل جميع أنواع المهور وهذا الذي تقدم معنا في البيع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وعليها زكاته) يعني عليها زكاة المعين، لأنه دخلها في ملكها بالعقد وعلى الإنسان أن يزكي الأموال التي يملكها إذا حال عليها الحول، فعليها الزكاة بالنسبة للمعين، أما غير المعين فلا زكاة فيه على المرأة لأنه لم يعين ولم يستقر الملك عليه بعد، فإذا قال الزوج لزوجته قبل العقد أو بعد العقد سيكون المهر سيارة وصفها لها ولم يقبضها إياها إلا بعد سنة فإنها إذا قبضت هذه السيارة يبدأ الحول بعد القبض، أما إذا قال صداقك هذه السيارة التي يشار إليها الآن فإنه يحسب الحول من حين العقد.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن طلق قبل الدخول ... )

من الأشياء التي تستغرب على المؤلف رحمه الله أنه لم يذكر الأمور التي يستقر بها المهر، مقررات المهر مع أنه من أهم مباحث الصداق لم يذكره الشيخ، وهذا غريب في الحقيقة، والسبب في ذلك أن الأصل وهو المقنع لم يذكر مقررات المهر، أما غيرهم من الحنابلة وغيرهم من الشافعية والمالكية وسائر أهل العلم فإنه في الحقيقة يعتنون عناية خاصة بمقررات المهر، لأنها مهمة من حيث ثبوت المهر، وللخلاف القوي في بعضها، ولشدة حاجة الناس إليها، في الحقيقة أنا استغربت من الشيخ أنه ترك مقررات المهر، مع أنه ذكرها في كتابه الإقناع وذكرها في كتبه الأخرى، وذكرها الشيخ ابن قدامة في غير الأصل في غير المقنع، لكن على كل حال الأصل والمختصر الزاد لم يذكرا مقررات المهر.
نقول مقررات المهر أربعة: الأول: يتقرر ويستقر المهر، ومعنى يتقرر ويستقر: أي لا يسقط مهما كان السبب بعد ذلك، يتقرر أولاً بالموت فإذا مات الزوج أو ماتت الزوجة حتف أنفها أو انتحرت أو حتف أنفه أو انتحر أو مات بأي سبب من الأسباب فإن المهر يستقر ويثبت للمرأة، واستدل الجماهير على هذا الحكم بأمرين: الأول: حكي إجماعاً.
الثاني: حديث ابن مسعود رضي الله عنه فإن رجلاً تزوج امرأة ولم يسمي لها مهراً فسئل ابن مسعود فقال: لها مهر نسائها لا نقص ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في بروة بنت واشق بنفس هذا الحكم الذي حكمه ابن مسعود، فإذاً الموت من مقررات المهر ولا إشكال.
الثاني: الوطء، والوطء أيضاً من مقررات المهر بالإجماع، بل هو المقرر الأول في الحقيقة للمهر، والدليل على أن الوطء من مقررات المهر من وجهين: الأول: الآية وهي قوله تعالى: ﴿ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، فنصت الآية أنه لا يتقرر المهر إلا بالمس، والمس في الآية هو الوطء.
الدليل الثاني: هو الإجماع.

الثالث من مقررات المهر: الخلوة، والمقصود بالخلوة يعني المجردة ولو بلا وطء، فإذا خلا الزوج بزوجته وانفردا فإنه يجب بذلك المهر، سواء وطء وجامع أو لم يجامع، ويستثنى من هذا إذا منعت المرأة زوجها من الوطء، أو كان ممن لا يطأ مثله، ففي هاتين الصورتين لا تكون الخلوة مقررة للمهر، فيما عدا هاتين الصورتين الخلوة مقررة للمهر، ولو خلا بها وهي حائض يعني لا يستطيع أن ينكحها، ولو خلا بها وهي محرمة، يعني ولو وجدت موانع حسية أو شرعية، والدليل على أن الخلوة من مقررات المهر من وجهين: الوجه الأول: وهو الأصل عليه الاعتماد، أنه روي عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب المهر، فجعلوا مناط استقرار المهر على الخلوة، وهذه الآثار التي رويت عن الصحابة رضي الله عنهم هي العمدة في باب ثبوت واستقرار المهر بمجرد الخلوة.
الدليل الثاني: أن المرأة بتسليم نفسها للزوج أثناء الخلوة أدت ما عليها من التمكين فاستحقت بذلك المهر.
والقول الثاني: أن الخلوة لا توجب المهر إذا خليت عن الوطء، لأن الآية صرحت باشتراط المس ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، والمس هو الجماع، والراجح القول الأول لورود الآثار الصحيحة عن الصحابة بل عن الخلفاء.
المقرر الرابع والأخير: المباشرة أو أن يستحل منها ما لا يستحله إلا الزوج، هذا المقرر الرابع على شقين: الشق الأول: أن يباشر أو يقبل أو يمسك أو يلمس كما قال الفقهاء، ولو بلا خلوة، جعلوا هذا المباشرة وما يلحق بها من مقررات المهر، واستدلوا على هذا بأن هذا من جملة الاستمتاع فيقاس على الوطء.
الشق الثاني للمقرر الرابع: أن يستحل منها ما لا يستحل غيره، كأن يراها عريانة، فإن رؤية الرجل للمرأة عريانة ليست من المباشرة، إلا أنها مما لا يستحله إلا الزوج.

والقول الثاني: أن المباشرة ونحوها لا تقرر المهر، لأن الآية والآثار دلت على أن مقررات المهر الوطء والخلوة، والمباشرة ليست وطء ولا خلوة، ولهذا نقول إنها ليست من المقررات، يعني لأنها ليست وطءً ولا خلوة، والراجح بوضوح إن شاء الله أنها ليست من المقررات، فعلى الراجح تكون المقررات ثلاثة، الموت والوطء والخلوة، فإذا حصل أحد هذه الثلاثة تقرر المهر ووجب في ذمة الزوج، ولا يمكن أن يسقط أبداً لأنه استقر.
نرجع إلى كلام المؤلف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة ... ) إذا طلق الزوج قبل الدخول أو الخلوة، يعني قبل مقررات المهر، فله نصف المهر، لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، هو الشيخ يقول له نصف المهر أو نقول لها نص المهر النتيجة واحدة، فإذاً إذا طلق قبل الدخول فله نصف المهر، وهذا الحكم منصوص عليه في الآية.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (فله نصفه حكماً) معنى قوله حكماً أي قهراً، يدخل في ملكه بلا اختيار، لأن الآية أثبتت أن له النصف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (دون نمائه المنفصل) له نصف المهر دون النماء المنفصل، يعني وهو للزوجة، باعتبار ما تقدم معنا أن المهر يملك بنمائه المنفصل والمتصل بمجرد العقد، فإذا طلق قبل الدخول رجع بنصف المهر الذي سلم، وأما النماء فهو للزوجة لما تقدم معنا من ملكها إياه.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه) يعني والمتصل أيضاً للزوجة، لكن أراد المؤلف أن يبين بماذا يرجع الزوج، إذا كان النماء متصلاً، فيقول يرجع بنصف القيمة قبل النماء، فإذا أصدقها شاة تقدر بمائة ريال مثلاً وسمنت الشاة وصحت وأصبح قيمتها ثلاثمائة ريال فهو يرجع بخمسين ريال، بالقيمة قبل النماء المتصل، والخلاصة والأسهل أن نقول يرجع بنصفه والنماء المتصل والمنفصل للزوجة، فإذا قلنا أن النماء المتصل كله للزوجة، إذاً لن يرجع الزوج إلا بنصف ما أعطاها قبل هذا النماء المتصل، وإنما نص الشيخ على المتصل لأن المنفصل أمره واضح، المنفصل سيبقى عند الزوجة لكن الإشكال في المتصل فبين الشيخ كيف يحسب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

(وإن اختلف الزوجان ... ) بدأ الشيخ بمسائل الاختلاف، وبدأ بالمسألة الأهم، وهي ما إذا اختلفا في القدر يقول: وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق يعني فالقول قول الزوج وإلى هذا ذهب الجمهور أنهما إذا اختلفا في قدر المهر أو الصداق فالقول فيه قول الزوج، فإذا قال: الزوج قدر المهر مائة وقالت: قدر المهر ثلاثمائة، فالمهر مائة، والدليل للجمهور: أن الزوج ينكر الزيادة، والمنكر جانبه مرجح لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب للزوجة إلا مائة، ومن المعلوم أن هذا الاختلاف يقصد الشيخ بعد العقد أو قبل العقد؟ الاختلاف دائماً يكون بعد العقد، لأنه بعد العقد ثبتت الحقوق فأي منهما نقبل قوله.
القول الثاني: أنهما إذا اختلفا في القدر نرجع إلى مهر المثل، لأنهم اختلفوا وتعذر معرفة المهر المسمى فرجعنا إلى مهر المثل.
والقول الثالث: أنا نقبل قول من يشبه قوله الواقع، فإذا كان قول الزوج والزوجة كلاهما يشبه الواقع فسخ النكاح، وهذا مذهب الإمام مالك، فإذا كانت الأعراف أن متوسط العوائل يكون الصداق فيها ثلاثون ألفاً، هذا هو المتوسط، والعاقد والمعقود عليها من متوسط العوائل، فزعم الزوج أن المهر خمسة آلاف ريال، وزعمت الزوجة أن المهر ثلاثون ألف ريال، فعلى المذهب المهر خمسة آلاف، وعند المالكية المهر ثلاثون ألف ريال، إذا زعمت الزوجة في هذا المثال أن المهر ثلاث وثلاثون ألف ريال، وهو زعم أن المهر ثلاثون ألف ريال فالحكم عند المذهب القول قول الزوج وعند المالكية ينفسخ النكاح، ويستقبلون عقداً جديداً إن شاؤا، وقول المالكية ينفسخ يعني بدون طلاق، هذا ظاهر عبارة المالكية، نفسخ العقد بدون طلاق، لأنهم عبروا بكلمة يفسخ، مذهب المالكية في الحقيقة فيه اعتدال وفيه توسط وإن كان الأصل دائماً أن القول قول مُنكر وهذا قاعدة صحيحة ويدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" لكن في مثل الأمور التي فيها أعراف سائدة، جرى عليها الناس، ترجيح قول من قوله يؤيد أو يتوافق مع العرف أقرب من اعتبار القواعد العامة، فالذي يبدو أن قول المالكية أقرب إن شاء الله.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (أو عينه)

إذا اختلفوا في عين الصداق فقالت المرأة الصداق هذا البيت، وقال الزوج بل الصداق هذه المزرعة، فالقول قول الزوج لما تقدم معنا أن القول قول المنكر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (أو فيم يستقر به .. ) إذا تنازعوا في حصول ما يستقربه المهر، فالقول قول الزوج بلا نزاع، لأن هذه المسألة ليس فيها أعراف، فهي تقول حصلت الخلوة، والزوج يقول لم تحصل الخلوة، أو هي تقول حصل الوطء، والزوج يقول لم يحصل الوطء، أو هي تقول مات الزوج، والزوج يقول لم يمت، إذاً الموت لا يدخل معنا في هذا الخلاف، الحنابلة يقولون أنه بلا نزاع وهذا صحيح، لأنه ينفي وقوع شيء، والأصل أن الأشياء لم تقع وليس الأصل أن الأشياء وقعت، فالقول قول الزوج إن شاء الله بلا إشكال يستثنى من هذا مسألة واحدة وهي ما إذا كانت المرأة بكر وأثبتت بعد خلوته بها صارت ثيبة، فإن استطاعت أن تثبت فالقول قولها وهذا كما لو أتت ببينة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وقولها في قبضة) يعني والقول وقولها في قبضة، فإذا قال الزوج: قبضت المهر وقالت الزوجة: لم أقبض المهر فالقول قول الزوجة لأن الأصل عدم قبض عدم المهر.
والقول الثاني: أنه إذا جرت عادة الناس أن المهر الحال يسلم قبل الدخول فالقول قول من يدل العرف والعادة على صحت قوله، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام وهو قوي جداً وظاهر الرجحان، وهنا نكون قدمنا الأصل على الأصل أو الأصل على العادة؟ قدمنا العادة على الأصل، وسيأتينا مراراً أنه عندنا في الفقه الظاهر والأصل والعادة، أحياناً نقدم الظاهر وأحياناً نقدم الأصل وأحياناً نقدم العادة حسب قرائن المسائل، وفي هذه المسألة رسالة دكتوراة مفيدة جداً هل يقدم الأصل أو الظاهر أو يقدم الأصل على العرف أو العرف على الظاهر، فإذا تعارض الأصل والظاهر فهناك خلاف بحسب ملابسات القضية، وأيضاً الشيخ العلامة ابن رجب تحدث عن تعارض الأصل والظاهر.

فصل هذا الفصل عقده المؤلف لبيان أحكام المفوضة، وأطال المؤلف في أحكام المفوضة واختصر في أحكام المهر المسمى، وهذا من وجهة نظري خلل في الحقيقة لأن غالب الناس المهر فيها مسمى، إذاً هذا الفصل في أحكام المفوضة، النساء تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: المفوضة.

القسم الثاني: المسمى لها المهر والمؤلف انتهى عن المسمى لها المهر وانتقل إلى الكلام عن المفوضة.
والمفوضة أو التفويض في لغة العرب: إحالة الأمر إلى الغير، أو إسناد الأمر إلى الغير، وهو ينقسم إلى قسمين: تفويض بضع، وتفويض مهر، وسيذكر الشيخ تفويض البضع ويبدأ به ثم ينتقل إلى تفويض المهر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (يصح تفويض البضع ... ) تفويض البضع ذكر المؤلف تعريفه الدقيق، وأما معناه العام الذي يسهل معرفة ما هو المفوضة، فتفويض البضع هو إخلاء النكاح من المهر، هذا هو تفويض البضع، وقد يكون إخلاء النكاح من المهر بالسكوت عن المهر وقد يكون بشرط نفيه، ولا توجد صورة ثالثة.
فإن كان تفويض البضع بالسكوت عن المهر فهذا صحيح وجائز، وتقدم معنا أن تسمية المهر حكمه في الشرع سنة، وذكرنا الأدلة على أن تسمية المهر في العقد سنة وليس بواجب، فالسكوت عن التسمية جائز ولا حرج فيه.
النوع الثاني: أن يكون التفويض بشرط نفيه، وتقدم معنا أن شرط عدم المهر عند الحنابلة شرط فاسد لا يفسد، وأن القول الثاني أنه شرط فاسد مفسد، وأن الراجح أن اشتراط عدم المهر شرط فاسد مفسد، وهذا كله تقدم معنا في الكلام عن الشروط في النكاح وليس شروط النكاح.
نأتي إلى التعريف الدقيق وقد أوضحه الشيخ بعبارة جلية يقول: تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة يعني بلا مهر، أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، فإن كان الأب فله أن يزوج المجبرة بلا مهر، وإن كان غير الأب فليس له ذلك إلا إذا أذنت.
هذا ما يتعلق بتفويض البضع، وأما ما الحكم إذا فوض الولي البضع فسيذكره المؤلف لاحقاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وتفويض المهر .. ) كما أخذنا حقيقة تفويض البضع، نأخذ حقيقة تفويض المهر، تفويض المهر هو جعل تحديد المهر إلى الزوجين أو إلى غيرهما، ونسيت أن أنبه أن الأصل في التفويض والذي ينصرف إليه عند الإطلاق تفويض البضع لا المهر، فالأصل إذا قيل مفوضة يعني في البضع لا في المهر.
إذاً نرجع ونقول تفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أي أحد الزوجين أو أجنبي، فإذا حصل ذلك فهي مفوضة تفويض مهر، ثم بدأ المؤلف بالحديث عن الحكم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:

(فلها مهر المثل في العقد) أفادنا المؤلف أن عقد المفوضة صحيح، وأن للمفوضة بنوعيها البضع والمهر مهر المثل، والدليل على هذا: أن التفويض جعل المهر مجهولاً، والمهر المجهول يجب فيه مهر المثل، أو يجب بدله مهر المثل، وهذا يستوي فيه تفويض البضع وتفويض المهر، وذكر بعض الفقهاء خلافاً في تفويض المهر، وهذا الخلاف ضعيف، والصواب إن شاء الله أن حكم تفويض البضع والمهر واحد، وأن فيهما مهر المثل، والدليل على هذا حديث ابن مسعود فإن الرجل الذي مات لم يسمي المهر في النكاح فأوجب ابن مسعود مهر المثل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ويفرضه الحاكم بقدره .. ) هذه العبارة فيها مسائل: المسألة الأولى: أنه يجوز للمرأة المطالبة بفرض المهر بالإجماع، ومعنى فرض المهر هو تحديد قدره.
ثانياً: إذا امتنع الزوج من فرض المهر، فإن الحاكم يلزمه بذلك، وإلا أوجب عليه مهر المثل.
قوله (بقدره): يعني أن الحاكم يجب أن يفرض المهر إذا رفض الزوج من فرضه بقدره والضمير يعود على مهر المثل، يعني يفرض مهر المثل، والسبب في ذلك أن الزيادة إجحاف على الزوج والنقص إجحاف بالزوجة، والعدل هو مهر المثل، ولذلك نقول الحاكم ليس له أن يقدر ما شاء بل يجب عليه أن يقدر قدراً يتساوى مع مهر المثل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن تراضيا قبله) وإن تراضيا قبله يعني: قبل تقدير الحاكم على مفروض جاز، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لا فرق بين كون قليل وكثير، وتعليل ذلك أن الحق لا يخرج عنهما يعني عن الزوج والزوجة، فإذا تراضيا صح ما تراضيا عليه.
مسألة: ويكون المبلغ الذي تراضيا عليه حكمه حكم المسمى، يعني كأنهم سموا مهراً معيناً في العقد، ويأخذ أحكام المهر المسمى كلها.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (يصح إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه) يعني لو قالت الزوجة قبل أن يفرض الزوج، أو قبل أن يفرض الحاكم مهر المثل: أبرأته من المهر صح، وإن كان مهر المثل الآن مجهولاً، والسبب في ذلك أن الإبراء من المجهول جائز صحيح، إذاً يجوز لها أن تبرأه ولا حرج، وليس هذا من النكاح بلا مهر، لأنه الآن عقد على أساس أن لها مهر المثل، لكن هي أبرأته.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ومن مات منهما .. )

مازال الكلام عن المفوضة، يقول ومن مات منهما يعني من الزوجة أو الزوج قبل الإصابة والفرض المقصود بالإصابة الوطء والمقصود بالفرض تقدير وبيان المهر، فالحكم يقول ورثه الآخر، إذا مات أحدهما قبل التقدير والإصابة فإن الآخر يرثه بالإجماع، والسبب في ذلك أن العقد جعلها زوجة، وهو عقد كما تقدم معنا صحيح، فتدخل في النصوص الآمرة بفرض قدر من التركة للزوجة، وهذا أمر واضح لا إشكال فيه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (ولها مهر نسائها) أفادنا المؤلف بهذه العبارة قاعدة، وهي أن كل ما يتقرر به المهر المسمى يتقرر به مهر المفوضة، وتقدم معنا أن المسمى من جملة الأشياء التي يتقرر بها الموت، فموت أحد الزوجين في نكاح التفويض أيضاً يتقرر به المهر.
((الآذان)) هذا مذهب الحنابلة، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود رضي الله عنه حيث جعل الموت مقرراً للمهر، والنكاح الذي في حديث ابن مسعود مفوضة.
القول الثاني: أنه لا مهر لها مطلقاً، لأن هذا الفراق بالموت فراق بلا مسيس ولا فرض، فيقاس على الطلاق، والله تعالى يقول: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ وهذه فورقت بلا مس ولا فريضة، فتقاس على الطلاق، فليس لها شيء، والجواب عن هذا الاستدلال أن قياس الموت على الطلاق قياس مع الفارق الكبير، لأن الطلاق يختلف عن الموت بأشياء كثيرة، منها أن الموت يقرر المهر في الحياة والطلاق لا يقرره، ومنها أن العدة تجب بالموت ولا تجب بالطلاق، فقياس أحدهما على الآخر قياس فيه نظر القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد كما أن القول الأول والثاني روايات عن الإمام أحمد، أن لها نصف مهر المثل، وهذه الرواية رويت عن الإمام أحمد، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية شن على هذه الرواية حملة بقصد أنها لا يمكن أن تثبت عن الإمام أحمد، أي يقصد إثبات عدم صحة هذه الرواية عن الإمام أحمد، وذكر أوجه كثيرة جميلة جداً في بيان ضعف نسبة هذه الرواية إلى الإمام أحمد، منها أن هذه الرواية تخالف المشهور عن الإمام أحمد، فإن أصحاب الإمام المعروفين المشهورين رووا عنه خلاف هذه الرواية،

الثاني: أن هذه الرواية تخالف طريقة ومنهج الإمام أحمد، لأن الإمام أحمد إذا اختلف الصحابة على قولين لا يخرج إلى قول ثالث، والصحابة اختلفوا على القول الأول والثاني فقط، أنه لا شيء لها أو لها المهر الشيء الثالث: أن الإمام أحمد لا يخالف النصوص، وحديث ابن مسعود ظاهر في أن الموت يقرر المهر بالنسبة للمفوضة، وما ذكره الشيخ من تضعيف نسبة هذه الرواية للإمام أحمد صحيح وقوي، وهذا البحث الذي بحثه الشيخ في كيفية إضعاف بعض الروايات التي تنسب إلى الإمام أحمد مفيد، ويحسن ويجدر بالإنسان أن يطالعه.

هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • ((انتهى الدرس)).

الدرس: (12) من النكاح

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما زال البحث في المفوضة وكما قلت بالأمس المؤلف رحمه الله أطال فيها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة) يعني وإن طلق المفوضة قبل الدخول، فلها المتعة وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة، أن المتعة في هذه الحال واجبة، واستدل الجمهور هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدرة وعلى المقتر قدرة متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين﴾، الآية نصت على أنه إذا خلي النكاح عن الفرض والمس، فإن الواجب حينئذ المتعة.
والقول الثاني: للمالكية وهم يرون أن المتعة مشروعة، إلا أنها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، يعني أنه تستحب ولا تجب واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في آخر الآية السالفة ﴿حقاً على المحسنين﴾، والإحسان ليس بواجب، الإحسان درجة من درجات الندب لا الوجوب.
القول الثالث: أن لها نصف مهر المثل، واستدلوا على هذا بأن هذه المفوضة لو دخل بها لوجب لها مهر المثل، فإذا طلقها قبل الدخول لها نصفه قياساً على الطلاق والمهر المسمى فيه.
والراجح القول الأول.

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل