كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
إذاً: ننتقل بعد المعتق إلى الأولياء بحسب قربهم وبعدهم من الميت.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
ثم ولاء.
يعني: ثم مولى المولى.
فإذا لم يوجد لهذه المرأة أحد من الأقرباء نسباً ولم نجد أيضاً لها ولي ووجدنا ولي مولى يعني: من أعتق الذي أعتقها فهذا له حق التزويج وهو مقدم وله الولاية لأنه لا يوجد أحد أقرب منه لهذه المرأة.
وقَلَّ أن يقع مثل هذه الأشياء وهي نادرة جداً أو لا تكاد تقع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
ثم السلطان.
السلطان: ولي من لا ولي له بالإجماع.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (والسلطان ولي من لا ولي له).
فإذا لم نجد أحداً من الأقارب ولا من الأولياء فإنا ننتقل إلى السلطان ويقوم هو بتزويج هذه المرأة.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
انتهى الدرس
الدرس: (4) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا بالأمس من الكلام عن ترتيب الأولياء عند الفقهاء وتبين أن الأحق الأب ثم الجد ثم الابن ثم الأخ ثم الأعمام، وباقي من مسائل الأولياء مسائل لم أتطرق إليها بالأمس وهي ما إذا وجد أكثر من ولي في درجة واحدة كأن يوجد عدد من الأخوة أو يوجد عدد من الأعمام فهم متساوون في القرب من الزوجة فأيهم يلي التزويج؟ ينقسم الحكم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تأذن المرأة لأحدهم، فإذا أذنت لأحدهم، فإنه هو الولي، ولا شأن للباقين في التزويج.
يعني أنه يتعين هذا للمأذون له فإن لم تأذن لأحد منهم على وجه التعيين فينقسم إلى قسمين:
إما أن يتراضوا على أحدهم فلا حرج أو لا يتراضوا، فإن لم يتراضوا فالأولى وليس الواجب في الترتيب كالتالي: يقدم خيرهم وأدينهم ثم بعده الأكبر سناً ثم إذا تشاحوا ولم يرضوا بهذه الأفضليه فالقرعة، يقرع بينهم ومن خرجت له القرعة صار هو ولي المرأة.
من هنا علمنا قول أن ما يراه كثير من الناس أنه يقدم الأكبر مطلقاً على سبيل الوجوب ليس بصحيح إلا أن الناس تعارفوا على هذا أن الأكبر هو الولي وهو خلاف ما قرره الفقهاء من أنه يقدم خيرهم وأدينهم ثم بعد ذلك أسنهم.
انتهى ما يتعلق بالأولياء، ثم انتقل المؤلف إلى موضوع آخر وهذا الموضوع يتعلق بمسألة أن الشارع الحكيم لم خول الولي تزويج المرأة، لم يجعل هذا الحق له مطلقاً يتصرف فيه كما يشاء بل وضع لهذا الحق ضوابط وحدود حتى لا يعتدي الولي في استخدام هذا الحق الذي منحه إياه الشارع، ولهذا تحدث المؤلف عن مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: مسألة العضل.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(فإن عضل الأقرب)
إذا عضل الأقرب انتقلت الولاية عنه إلى غيره وسيأتينا إلى من ستنتقل، إذا عضل الولي المستحق للولاية فإنها تنتقل عنه.
والدليل على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه بعضله تعذر تزويج الزوجة أو تعذر تزويج المرأة وإذا تعذر انتقلنا إلى من بعده.
الثاني: أنه بعضله خرج من العدالة إلى الفسق، والسبب أنه ظالم والظالم فاسق فإذا خرج إلى الفسق انتفت الشروط المتقدمة بحق الولي وانتقلت الولاية إلى من بعده.
إذاً إذا عضل الولي فان الولاية تنتقل إلى من بعده وسيأتينا إلى من تنتقل.
والعضل هو أن يمنع الولي تزويج الكفء الذي رغبت فيه ورغب فيها هذا هو العضل.
فإذا منعها على هذا الوجه فهو فاسق إذا كان بغير حق وتنتقل الولاية عنه وهذا هو النوع الأول من الأنواع التي تنتقل عنهم الولاية.
النوع الثاني ذكره المؤلف بقوله:
(أو لم يكن أهلاً)
إذا لم يكن أهلاً فإن الولاية تنتقل عنه والولي يصبح ليس أهلاً إذا اختل شرطاً من الشروط المتقدمة كأن يكون صغيراً أو مجنوناً أو فاسقاً أو كافراً، إذا اختل أي شرط من هذه الشروط المتقدمة التي اشترطها الفقهاء الذي وضعها في الولي صار ليس أهلاً للولاية ثم تنتقل بسبب ذلك الولاية عنه إلى من بعده.
النوع الثالث: أشار إليه رحمة الله تعالى بقوله:
(أو غاب غيبة منقطعة)
إذا غاب غيبة منقطعة فإن الولاية تنتقل عنه لكن الفقهاء اختلفوا في ضابط الغيبة المنقطعة على أقوال: القول الأول: هو الذي ذكره الشيخ موسى هنا فيقول الشيخ لا تقطع إلى بكلفة ومشقة هذا هو التعريف الأول للغيبة المنقطعة، هي أن يسافر الولي سفراً لا يبلغ معه إلى بكلفة ومشقة، وهذا هو مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن يكون بحيث لا يمكن أن يكاتب أو يمكن أن يكاتب لكن لا يجيب.
القول الثالث: أن يسافر مسافة قصر إذاً كل ولي يسافر مسافة قصر سقطت ولايته على هذا القول.
القول الرابع: أن يتغيب غيبة تُستَغب معها المرأة يعني يدخل عليها الضرر بسبب هذا الغياب.
القول الأخير: أن يغيب غيبة ينصرف معها الكفء المرغوب يعني يوجد كفء راغب في الزواج لكن بسبب غيبة الولي قد ينصرف لأنه لن ينتظر حينئذ نعتبر هذه الغيبة غيبة منقطعة.
ولا يشترط في الغيبة المنقطعة أن تكون مع السفر فلو استتر في البلد وترتب على استتاره إغرار بالمرأة أو ذهاب الكفء الخاطب فإنه يعتبر غاب غيبة منقطعة.
أرجح الأقوال القول الرابع لأنه أشمل الأقوال إذا غاب الولي غيبة يدخل الضرر معها على المرأة انتقلت الولاية عنه إلى من بعده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) وهذا الضابط كما قلت أرجح مما ذكره المؤلف رحمه الله.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(زَوجّ الأبعد)
هذا الحكم في الصور الثلاث إن عضل، أو فقد الأهلية، أو غاب غيبة منقطعة، انتقل إلى الأبعد ومقصود المؤلف بالأبعد هنا يعني الذي يليه مباشرة فإذا سافر الأب انتقلت الولاية إلى الأبعد وهو أبناء العم أو إلى من يليه مباشره وهو من؟ الجد عند الحنابلة والابن على القول الثاني على ما سبق تفصيله.
والقول الثاني: أنه إذا وجدت أحد الأسباب الثلاثة فان الولاية تنتقل مباشرة إلى السلطان لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " السلطان ولي من لا ولي له" وهذه لا ولي لها باعتبار وجود المانع.
واستدلوا أيضاً بوجود المانع يجعل الموجود كالمعدوم كأنه مات.
والراجح البين الرجحان أنه ينتقل إلى من بعده والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "السلطان ولي من لا ولي له" وهذه لها ولي وهو الثاني في الدرجة بعد الأب إن كان الأب هو الذي عضل إذاً نقول تنتقل لمن بعده ولا تنتقل إلى السلطان لأن هذا هو معنى الحديث فالسلطان لا يكون ولي أي امرأة لها ولي.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(إذا زوج الأبعد أو زوج أجنبي بغير عذر لم يصح)
إذا زوج الأبعد أو زوج أجنبي بغير عذر لم يصح إلى هذا ذهب كثير من أهل العلم أنه إذا اعتدى الأبعد وزوج فان النكاح لا يصح.
واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" وهو حيث صحيح فدل الحديث على أنه إذا لم يلي التزويج الولي المعين من قبل الشارع فإن العقد يكون باطلاً.
والقول الثاني: أن العقد صحيح لكنه موقوف على رضا من له الحق وهو الولي الأول أو صاحب المرتبة الأولى.
واستدلوا على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءته البكر التي زوجها أبوها بغير رضا جعل لها الخيار.
والراجح مذهب الحنابلة، والسبب في الترجيح أن الاستدلال بالحديث الثاني الذي استدل به أصحاب القول الثاني لا يستقيم لسببين:
السبب الأول: أنه تقدم معنا أن هذا الحديث ضعيف وأن الأئمة أعلوه بالإفساد.
والسبب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم اثبت لها الخيار لا لاختلال الولي وإنما لاختلال الرضا لأنها تقول زوجني أبي بغير رضا إذاً الشرط الذي اختل ليس عدم وجود الولي وإنما عدم وجود الرضا ولهذا الاستدلال به لا يستقيم، فالراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، فإذا اعتدى أحد الأولياء ظلماً وزوج المرأة بغير رضا الولي الأول فإن الحكم إعادة النكاح فيعقد من جديد سواء رضي بالزوج أم لم يرضى يجب أن يعاد النكاح لاختلال شرطه الأهم وهو وجود الولي غير الشرعي.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(الرابع الشهادة)
الشرط الرابع: الشهادة ذهب الحنابلة والشافعية والأحناف إلى أن الإشهاد في النكاح شرطاً من شروط الصحة فإن لم يُشهد بطل العقد إلا أن بين الأحناف والحنابلة والشافعية خلاف بسيط وهو أن الشافعية يقولون أن الإشهاد ركن وليس بشرط، والحنابلة والأحناف يقولون أنه شرط لكن لا قيمة لهذا الخلاف لأن الجميع يرى أن العقد إذا فُقد الإشهاد باطل إذاً ليس هناك محصلة في تسميته ركن أو تسميته شرط.
استدل الجمهور بأدلة: الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد وضعفه أيضاً الإمام ابن المنذر بل ذهب عدد من المحققين إلى أنه لا يصح في الإشهاد حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح أنه ليس في السنة يعني من الأحاديث الصحيحة ما يدل أبداً على اشتراط وجود الشهود في صحة النكاح على كل حال هذا هو الدليل الأول.
الدليل الثاني: أنه روي عن عمر وابن مسعود وغيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام اشتراط الشهادة في النكاح.
الدليل الثالث: أن في الإشهاد حفظاً لحق الولد لئلا يجحد الوالد نسب ابنه بأي سبب من الأسباب، فالإشهاد يثبت العقد.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد وينسب إلى المالكية أن الإشهاد ليس بواجب، وإنما الواجب الإعلان فإذا أعلن صح العقد أشهد أو لم يُشهد.
ويستدل على هذا بأدلة: الدليل الأول: أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتق صفية رضي الله عنها وأرضاها وجعل العتق صداقها وتزوجها ولم ينقل أنه أشهد.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي طلب الزواج ملكتكها بما معك من القرآن ولم ينقل أنه أشهد.
الثالث: أنه لا يوجد دليل على الإشهاد فالدليل عدم الدليل وتقدم معنا أن عدد من الأئمة يرى أنه لا يصح في الباب حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الثالث: أن الواجب إما الإعلان أو الإشهاد، إذا وجد الإعلان أو الإشهاد كفى، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ الفقيه ابن حزم رحمه الله.
واستدل على هذا بأن الشارع الحكيم إنما أراد خروج العقد من السفاح إلى النكاح وهو يحصل بالإعلان الذي هو نقيض نكاح السر الذي يسمونه نكاح السر فإذا حصل الإعلان حصل مقصود الشارع والإشهاد نوع من الإعلان.
والراجح إن شاء الله مذهب ابن حنبل أن الواجب إما الإعلان أو الإشهاد، إلا أنه فقط يتنبه إلى مسألة يتوقف فيها شيخ الإسلام وهي: ما إذا حصل عقد النكاح مع الإشهاد سراً فهنا الإعلان فقد والإشهاد وجد لكن الإشهاد سراً فهذا توقف فيه شيخ الإسلام وهو فعلاً محل توقف فيجب وجوباً تجنب عقد النكاح السري ولو مع الإشهاد، فإذا أراد الإنسان أن يكتم نكاحه لسبب أو لآخر فإنه لا يجعله سراً بالنظر لجميع الأطراف يمكن أن يكون سر لمن لا يريد أن يطلع عليه كزوجته أو غيرها لكن يُطلع عليه عدداً بأن يصنع وليمة ويدعوا إليها بعض الناس الذين يريد أن يدعوهم ليحصل الإعلان لأنه في الحقيقة وجود النكاح السري المتكتم عليه ولو مع وجود الإشهاد محل نظر كبير لأن الشارع لا يريد الإشهاد بقدر ما يريد الإعلان، فالإعلان أهم من الإشهاد فيتنبه الإنسان إلى هذه المسألة، لما قرر الشيخ الإشهاد انتقل إلى شروطه.
نريد أن ننبه إلى تنبيه وهو أنهم يقولون أن المالكية يرون أن الإشهاد كما ذكرت لكم حكمه أنه سنة وبالنظر في كتب المالكية نجد أن لهم تفصيل آخر هم يقولون: أن الإشهاد عند العقد سنة يعني لا يجب أن يُشهد عند العقد لكن يجب ألا يدخل بالمرأة إلا وهو أشهد إذاً عندهم سعه في تأخير الإشهاد إلى مرحلة الدخول لكن لا يجوز أن يدخل إلا بعد أن يشهد فإن دخل قبل أن يشهد فالنكاح عندهم فاسد، وعليه أن يفسخ هذا النكاح، الفرق بينهم وبين الجمهور أن العقد عند الجمهور إذا عُقد بدون إشهاد لا ينعقد أصلاً أما عند المالكية فينعقد ويصح فإن لم يشهد قبل الدخول فسخ العقد فبينهما فرق لكن في النتيجة المحصلة واحدة وهو لاشك بينهما فرق أساسي لأن المالكية يصححون العقد لكن في النتيجة يكون الأمر واحد لأنه إن لم يشهد صار النكاح باطلاً، لذلك يجب أن نتنبه إلى هذا وأنه لا يصلح أن نقول المالكية يرون أن الإشهاد سنة ونطلق، هذا غير صحيح يجب أن نعطي المذهب حقه لأنهم يرون أنه واجب قبل الدخول.
يقول المؤلف ـ رحمه الله ـ في بيان الشرط:
(فلا يصح إلا بشاهدين)
اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يكتفى بواحد بل لابد من شاهدين لما في الحديث (وشاهدي عدل) فإن شهد واحد فإنه لا يجزئ ونحن نتحدث الآن عن العدد لا عن الذكورية والأنوثه وهذه مسألة أخرى نحن نتحدث عن العدد فالعدد لا يجوز أن يقل عن اثنين باتفاق الأئمة الأربعة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(عدلين)
اتفق الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والشافعي على أن العدالة شرط لصحة الشهادة.
واستدلوا على هذا بأن الشهادة نوع من الولاية والولايات الشرعية يشترط فيها العدالة وأن لا يكون فاسقاً والمقصود بالعدالة هنا يعني الظاهرة.
القول الثاني للأحناف: أن العدالة ليست بشرط بل تصح شهادة الفاسق.
واستدلوا على هذا أن الأدلة الآمرة بالإشهاد ليس فيها اشتراط العدالة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ذكرين)
يعني أنه يشترط أن يكون الشهود من الذكور فيها احتمال نقول ذكرين، ذهب الأئمة الثلاثة لاشتراط الذكورية وهم مالك وأحمد وأبو حنيفة.
واستدلوا بأمرين:
الأول: أحاديث ضعيفة جداً.
الثاني: أن الزهري قال: (مضت السنة أن لا تقبل للنساء شهادة في النكاح والطلاق والحدود).
القول الثاني: للأحناف نَفَسُهم في باب النكاح مع النساء جيد يعني من وجهت نظرهم جيد ولذلك هم يقولون ممكن يشهد رجل وامرأتان لأن هذه الشهادة لا تتعلق بالمال ولا يوجد مانع من شهادة النساء.
ثم جاء ابن حزم صاحب القول الثالث يوسع المسألة أكثر فقال: يجوز أن تشهد أربع نسوة فتخلوا الشهادة من الذكور تماماً وأيضا لعدم وجود دليل مانع وابن حزم رجل ظاهري إذا لم يوجد دليل نص فالأصل أن الكل تُقبل شهادتهم.
في الحقيقة الأقرب من حيث الأدلة مذهب ابن حزم إذ لا يوجد ما يمنع من شهادة أربع نسوة لولا الأثر المروي عن الزهري فإن صح هذا إلى الزهري فلا كلام أنه يجب أن يكون الشهود من الذكور ولا دخل للنساء لأنه يقول مضت السنة وهو إمام إذا قال هذه الكلمة فهو يعنيها مضت السنة ألا تقبل شهادة النساء في النكاح والطلاق والحدود فإن صح هذا إلى الزهري الإمام الكبير فإن الراجح مذهب الجمهور من الأئمة وإن لم يصح فالراجح مذهب ابن حزم وليس مذهب الأحناف، لا نشترط وجود ذكر لكن في الغالب راح يكون هذا الأثر صحيح باعتبار أن الأئمة الثلاثة اعتمدوا عليه فالحقيقة لم أراجع الإسناد إلى الزهري لكن يغلب على ظني أنه إن شاء الله ثابت باعتبار أن الأئمة استدلوا به.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(مكلفين)
ذهب الأئمة الأربعة إلى اشتراط التكليف والتكليف هو أن يكون الشاهد بالغ وعاقل أما اشتراط العقل فكما هو مذهب الأئمة الأربعة فهو مذهب بالإجماع بجميع أهل العلم لأن المجنون ليس أهلاً للشهادة ولا يتحمل تحملاً يؤدي معه الأداء الصحيح وأما البلوغ فكما قلت لكم هو مذهب الأئمة الأربعة.
والقول الثاني: أن من قارب البلوغ وهو عاقل تقبل شهادته.
الجمهور استدلوا على اشتراط البلوغ بأن الإنسان قبل أن يبلغ تحت ولاية غيره ونحن قلنا أن الشهادة نوع من الولاية وإذا كان تحت ولاية غيره فكيف يتولى على غيره هذا تعليل الجمهور، في الحقيقة كلام الأئمة الأربعة وجيه لاسيما في مثل هذا العقد المهم الحساس، ينبغي أن لا يشهد عليه من لم يبلغ وإنما يكتفى بالشهادة على النكاح من قبل البالغين، لكن لما علمت هذه المسألة ليس فيها أدلة نص يعني من الكتاب أو السنة فإنه يتوجه أنه إذا تم العقد بشهادة اثنين لم يبلغا أنه لا نحكم بفساد العقد وإن رجحنا وجوب البلوغ وأن مذهب الأئمة الأربعة صحيح لكن إذا وقع الأمر حينئذ نقول العقد صحيح لأمرين:
الأول: لا يوجد دليل على اشتراط البلوغ صريح.
الثاني: أن أصل وجوب الشهادة ليس بقوي فإذا جمعت بين الأمرين لا تكاد تشك أنه إذا عقد الأمر النكاح وشهد عليه اثنان لم يبلغا وقاربا البلوغ فإنه يصحح العقد ومن خلال الخلاف السابق تعلم أنه لم يقل أحد من الفقهاء بتصحيح شهادة الصبي الصغير الذي لم يميز أو الذي ميز قريبا كأن يكون له سبع سنوات أو ثمان سنوات هذا لا أعلم أحد من أهل العلم صحح شهادة هذا الطفل إنما الخلاف في الرجل الذي قارب البلوغ وهو عاقل ويفهم هذا الخلاف فيه كما سمعت.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(سميعين)
يشترط في الشهود أن يكون لديهم حاسة السمع وهذا الشرط باتفاق الأئمة الأربعة ودليلهم ظاهر جداً لأن المشهود عليه هنا قول والقول إنما يسمع سماعاً إذا لم يكن يسمع فعلى ماذا يشهد ولهذا اتفق الأئمة الأربعة على هذا الحكم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ناطقين)
ذهب الجمهور إلى أن الأخرس لا تصح شهادته ودليلهم أيضاً ظاهر وهو عدم تمكنه من أداء الشهادة عند الحاجة إليها.
وإلى هذا ذهب الشافعية والأحناف والحنابلة وهم الجمهور.
القول الثاني للمالكية: وهو قول للحنابلة أنه يصح إذا تمكن من أدائها كتابة وفي الحقيقة الحنابلة هم الذين قالوا مسألة الكتابة، والمالكية عندهم إطلاق فيما رأيت قالوا تصح شهادة الأخرس مطلقاً لكن يبدو لي أن مقصودهم يعني إذا أداها كتابةً وهذا القول الثاني صحيح إذا كان لا يتكلم ولكنه يسمع فإنه إذا كان سميع لكنه أخرس فان شهادته صحيحة لأنه إذا طُلب منه أن يؤديها سيؤديها كتابةً.
ومن هنا علمنا أن الأخرس الذي لا يحسن الكتابة لا تصح شهادته عند الأئمة الأربعة وعلمنا أيضاً من خلال تعليل الحنابلة والمالكية أن الأخرس الذي يتكلم بالإشارة تصح شهادته لأنه سيؤدي الشهادة بالإشارة ومن يحسن الإشارة من الناطقين ينقل شهادته إذاً الضابط أن الأخرس إذا استطاع أن يؤدي الشهادة بالكتابة أو بلغة الإشارة فان شهادته صحيحة.
انتقل المؤلف إلى موضوع آخر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وليست الكفاءة ... )
انتهى المؤلف من شروط صحة النكاح ثم أراد أن ينبه إلى شرط الكفاءة وهو شرط عند بعض أهل العلم أراد أن ينبه إلى الأحكام المتعلقة بهذا الشرط.
فالكفاءة لغة: المساواة.
وشرعاً: مساواة الزوج للزوجة في الدين والنسب.
وقولنا في التعريف في الدين والنسب يعني على ما مشى عليه المؤلف أما الصفات التي يطلب فيها التساوي لتحقيق المكافأة أو لتحقيق التكافؤ فهي مختلف فيها بين الفقهاء كما سيأتينا لكن نحن نريد أن نعطي تعريف عام للكفاءة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ليست الكفاءة شرطاً)
ذهب الجمهور من أهل العلم، عامة أهل العلم إلى أن الكفاءة ليست من شروط الصحة وإن كانت من شروط اللزوم فهي ليس من شروط الصحة لكنها من شروط اللزوم ويترتب على هذا أن العقد على رجل ليس مكافئ للمرأة صحيح إلا أن للأولياء الحق في الفسخ إذاً يجب أن نتصور مذهب الجمهور تماماً قبل أن ننتقل إلى الأقوال والأدلة إذاً ليس شرط صحة ولكنه شرط لزوم نحتاج أدلة لطرفي القول.
الدليل الأول: على أنه ليس من شروط الصحة أن النبي صلى الله عليه وسلم (زوج قرشية وهي فاطمة بنت قيس من أسامة بن زيد وهو مولى) والحديث في الصحيح.
الدليل الثاني: أن أبا حذيفة رضي الله عنه زوج سالماً من ابنة عمه هند وهي قرشية، هند هذه ابنة الوليد بن عتبة من صميم قريش وسالم مولى لامرأة من الأنصار.
الدليل الثالث: ليس في النصوص الشرعية ما يدل على اشتراط المكافأة أو أن يكون كفأً التكافؤ.
الدليل الرابع: مجموعة من الأحاديث لا يصح منها شيء تدل على عدم اشتراط الكفء صراحة.
القول الثاني: أن كون الزوج كفء للزوجة شرط صحة يعني أنه من حقوق الله ليس من حقوق الآدميين فلو رضي الزوج والزوجة وجميع الأولياء الأقرباء من الطرفين لا يعني شيء والعقد باطل.
واستدلوا بدليلين: الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "العرب بعضهم أكفاء لبعض والموالي بعضهم أكفاء لبعض" فالحديث قسم إلى قسمين ودل بمفهومه أن غير العربي ليس كفء للعربي وهذا الحديث قال عنه أبو حاتم: (هذا كذب وباطل).
الدليل الثاني: قالوا أن عمر بن الخطاب قال على ملأ من الناس لأمنعن تزويج الحسيبات إلا من الأكفاء وهذا الأثر ضعيف.
وأنا أقول من عندي حاشا لله أن يقول أمير المؤمنين عمر هذا الكلام أبداً وهو يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم يزوج الموالي من القرشيات حاشاه أن يقول مثل هذا.
القول الثالث: كون الزوج كفؤ ليس بشرط صحة ولا لزوم ليس بشرط مطلقاً وهو مذهب ابن حزم ومذهب لبعض الفقهاء استدلوا بأن الأحاديث المذكورة في القول الأول ليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ رضا باقي الأولياء فدل على أن رضاهم غير معتبر.
والراجح إن شاء الله القول الثالث لأنه لا يوجد في السنة ما يدل على الاشتراط أضف إلى هذا وجود أحاديث تدل على عدم الاشتراط لكن من الحكمة بلا شك أنه إذا كان التزويج بغير الأكفاء يدخل الشقاق على كامل العائلة والحمولة ويؤدي إلى أضرار ومفاسد كبيرة أنا أقول من الحكمة وليس من الأحكام الشرعية ألا يقدم الولي على مثل هذا التصرف صيانة لاجتماع العائلة ولعدم دخول فساد على الأب والزوجة وربما على الأبناء وربما تطور الأمر إلى أكثر من هذا نعم صحيح على طالب العلم أن يبين أن هذه عصبية جاهلية ليست من الإسلام في شيء وأن ينور الناس ويفقههم في هذا الباب لكن هذا شيء واستخدام الأولياء الحكمة في التصرف أحياناً شيء آخر.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(وليست الكفاءة وهي دين ومنصب وهو النسب والحرية)
الكفاءة عند الحنابلة في أمرين فقط الدين والمنصب.
المنصب عرفه الشيخ بقوله النسب والحرية نبدأ بالأول وهو الدين والمقصود بالدين يعني أن يساويها ديناً فالمقصود بالدين هنا الصلاح والاستقامة وقيل المقصود بالدين فعل الأوامر واجتناب النواهي وبين القولين تشابه شديد إلا أن القول الأول كأنه يتطلب مرحلة أو درجة من الصلاح أكثر من مجرد فعل الأوامر وترك النواهي بناءً على هذا لا يجوز أن يزوج التقية للفاجر لأن ليس بينهما تساوي في الدين ولا يجوز أن يزوجها للفاسق ولو لم يصل إلى مرحلة الفجور لأنه ليس بينهما تساوي في الدين.
والقول الثاني: أن الدين ليس شرطاً في التزويج وعلى القول الثاني العمل، فالآن الناس يزوجون المرأة وإن كانت صالحة لرجل وإن كان فاسقاً والعقد صحيح وهو في الحقيقة لا يوجد ما يدل بطلان العقد إذا زوج الرجل ابنته الصالحة من رجل فاسق أو فاجر بغير الزنى لا يوجد ما يدل على البطلان لكن لاشك أن تزويج الإنسان ابنته الصالحة إلى رجل فاسق ليس من أداء الأمانة وقد يكون آثم في هذا الصنع أولاً لأنه لم يراعي مصلحة المرأة وثانياً وهو الأهم أنه يعرَّض المرأة إلى خلل في دينها بسبب طول الصحبة مع هذا الفاسق ويستثنى من هذا ظروف معينه وملابسات خاصة تكون المصلحة في التزويج لكن في الأصل أنه ليس من أداء الأمانة أن يزوجها للفاسق.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(ومنصب وهو النسب)
النسب تقدم معنا أنه من شروط الكفاءة والخلاف المتقدم ينصب في الحقيقة على النسب والأدلة التي ذكرت تدل على عدم اشتراط النسب ومما يدل على قوة القول بأن اشتراط النسب لا تدل عليه الأدلة مع الأحاديث التي تقدمت قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾ فجعل الكرامة والمنزلة إنما هي بالتقوى وليست بالنسب وكما أن قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ يدل على هذا.
وجه الاستدلال أن الله تعالى ذكر في الآية أن الحكمة من جعلهم شعوب وقبائل أن يتعارفوا لا أن يتفاخروا ومنع تزويج غير النسيب هو من باب التفاخر إذاً هاتان الآيتان تدلان على قوة ما تقدم من أنه لا يشترط الكفاءة في النسب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(والحرية)
الحرية شرط عند الجمهور واستدلوا بدليلين:
الأول: أن النبي عليه الصلاة والسلام خير بريره لما أعتقت وبقي زوجها عبداً.
الثاني: أن العبد ينقص درجة كثيرة عن الحرة ويدخل عليها الأذى بسبب أن العبد سيكون مشغولاً بمصالح سيده عن حقوق زوجته.
والقول الثاني: أن الحرية لا تشترط فيجوز أن نزوج الحرة للعبد والأقرب أنه شرط لزوم لا صحة فإن حديث بريره فيه التخيير وليس فيه الفسخ ونحن نقول نبقى مع هذا الحديث النبوي ونقول هو شرط لزوم والقول بأنه شرط لزوم قوي في الحقيقة لأنه صحيح أن العبد مشغول بمنافع سيده وخدمته عن حقوق الزوجة ويدخل عليه الضرر.
((الأذان))
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(شرطاً في صحته)
يعني وليست الكفاءة شرطاً في صحته لكنه أراد أن يبين أنها شرط لزوم فقال يتقدم شرط أنه هل هي شرط في الصحة أو لا؟ يقول: فلو زوج الأب عفيفة بفاجر أو عربية بأعجمي فلمن لم يرضا من المرأة أو الأولياء الفسخ.
إذا زوج الرجل موليته من غير الكفء صح العقد وثبت الخيار للمرأة وباقي الأولياء وأفادنا المؤلف أن جميع الأولياء وليس صاحب المرتبة الأولى في الولاية فقط بل لجميع الأولياء حق الفسخ ولو كان الولي الأول راض، فإذا زوج الأب ابنته من رجل فلأخيه وابنه ولكل الأولياء حق الفسخ إذا لم يرضوا بهذا الرجل من حيث الكفاءة.
واستدل الحنابلة على هذا بأن الضرر والضيم يدخل عليهم جميعاً، ودخول ضرر يثبت الحق في الفسخ.
القول الثاني: أنه ليس لكل الأولياء الحق في الفسخ إنما الحق فقط للولي الأول وهو صاحب الولاية الشرعية.
واستدلوا على هذا بأن إذن الباقين غير معتبر فاعتراضهم كذلك لا يعتبر، واستدلوا بأن الله تعالى جعل الولاية لهذا الرجل وأناط به الحكم فقوله هو المعتبر.
والراجح إن شاء الله القول الثاني لأن مذهب الحنابلة وهو القول الأول يؤدي إلى نوع من الفوضى فكل واحد من الأولياء لم يرض بهذا الزوج لأي سبب كان ذهب يبحث عن اختلال شرط الكفاءة في الدين أو في النسب أو في الصفات الأخرى التي ذكرها الفقهاء كالصنعة وتطلب هذا الأمر إلى أن يبطل النكاح.
مادام الشارع جعل الولاية لهذا الأول فهو المفوض في الرضا وعدم الرضا.
بهذا انتهى الباب الأول وننتقل إلى باب المحرمات.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
(باب المحرمات في النكاح)
باب المحرمات في النكاح باب مهم ومفيد ليعرف الإنسان من يجوز أن يتزوج ومن لا يجوز والمحرمات تنقسم إلى قسمين:
محرمات إلى الأبد ومحرمات إلى أمد.
والمحرمات إلى الأبد له أقسام:
بدأ المؤلف بالقسم الأول وهو المحرمات بالنسب، وبدأ الشيخ بالمحرمات بالنسب لأنهن أشد المحرمات تحريماً لشدة القرب من الرجل، والمحرمات من النسب سبع نساء ذكرن بالآية: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾، يظهر لي من ترتيب الآية أن القرآن بدأ بالأقرب فالأقرب أليس كذلك؟ بناءً على هذا تثبت الآية أن العمة أقرب من الخالة وهذا نستفيد منه ليس في باب النكاح فقط لكن نستفيد منه في صلة الرحم إذا كانت الآية هذا ترتيبها إذاً نقول أن العمة أكثر في صلة الرحم من الخالة، والخالة لها صلة رحم بالإجماع قوية لكن نقول يلمس من الآية وتأكد هذا بأن الشارع بدأ بتحريم بنات الأخ قبل بنات الأخت مما يؤكد هذا المعنى وأن أقرباء الرجل أقرب.
هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ((انتهى الدرس)).
الدرس: (5) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس تحدثنا عن أول باب المحرمات من النساء وقبل أن أكمل أحب أن أنبه إلى مسألة تتعلق بمسألة الكفاءة وأن الحنابلة يرون أن لباقي الأولياء الفسخ إذا لم يرضوا.
تحدثنا عن هذه المسألة والخلاف فيها.
الشيء الذي أحب أن أضيفه هو أن هذا الخلاف في كون الأولياء لهم الحق في الفسخ أو عدمه إنما هو إذا وقع العقد والزوج ليس من الأكفاء.
أما إذا تزوجت المرأة بالكفؤ ثم بعد ذلك أصبح ليس من الأكفاء فهنا عند الحنابلة وغيرهم ليس للأولياء حق الفسخ وإنما الذي له حق الفسخ في هذه الصورة فقط الزوجة.
وهذا فيما إذا كان من الأكفاء ثم أصبح بعد ذلك من غير الأكفاء.
وهذه المسألة ضرورية ولابد من التفريق بين الصورتين.
ونعود إلى الكلام عن المحرمات من النساء ...
تقدم معنا أن المحرمات على نوعين:
ـ محرمات على سبيل التأبيد.
ـ ومحرمات إلى أمد.
وأن المؤلف - رحمه الله - بدأ بالمحرمات على سبيل التأبيد وأنهن أقسام.
وبدأ المؤلف - رحمه الله - بالمحرمات نسباً لأنهن أشد أنواع النساء تحريماً وبدأ بأشد المحرمات نسباً وهي الأم.
والمحرمات بالنسب تقدم أنهن في كتاب الله سبع نسوة معدودات محصورات: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ... ﴾ [النساء/23] فهذه سبع نساء هن المحرمات.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
تحرم أبداً: الأُم، وكل جدة وإن علت.
الأم والجدة من المحرمات في باب النكاح.
ودليل هذا ظاهر وهو: قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾.
وأم الأم: أم وإن كانت تسمى جدة إلا أنها في الشرع أيضاً: أم.
والأم في الشرع واللغة والعرف هي: المرأة التي ولدتك.
سواء كانت ولادة حقيقة وهي الأم المباشرة.
أو ولادة مجازية وهي التي ولدت من ولدتك.
إذاً: هذه هي الأم المرادة بالتحريم.
ومن المعلوم إن شاء الله أن تحريم الأم محل إجماع والقرآن واضح الدلالة عليه ولا إشكال فيه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
والبنت وبنت الإبن وبنتاهما.
تحرم: ـ البنت.
ـ وبنت الإبن.
ـ وبنتاهما: يعني: بنت البنت.
وبنت بنت الابن.
هؤلاء أربع نسوة.
لكنه ختم هذا:
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وإن سفلت.
إذاً: بنت البنت.
وبنت ابن البنت وإن سفلت محرمات على الإنسان.
ودليلها أيضاً واضح وهو: قوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾.
فالبنت بالإجماع والنص فلا يجوز للإنسان أن يتزوج من ابنته.
وهذا الأمر أوضح من أن ينبه عليه ولكنه أراد أن يذكر المحرمات في القرآن.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
من حلال وحرام.
أفادنا المؤلف - رحمه الله - أن البنت وإن كانت من زنا فهي محرمة على أبيها يعني - ولابد أن نقول يعني: - الزاني.
وإلى هذا ذهب الجماهير.
فذهبوا إلى أن البنت من الزنا محرمة على أبيها وهو: الزاني.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن هذه البنت مخلوقة من ماء الرجل فهي في الواقع والحقيقة ابنة له.
- الثاني: القياس على مسألة أجمع عليها وهي: تحريم الأم على ابنها من الزنا.
فاستدل الجمهور بهذين الدليلين وذهبوا إلى تحريم ابنة الزنا.
= والقول الثاني: وهو للإمام الشافعي.
فهو يرى جواز الزواج بابنته من الزنا.
واستدل على هذا بدليلين: - الأول: أن هذه البنت لا تنتسب إليه شرعاً.
- الثاني: أن هذه البنت التي جاءت من الزنا - والعياذ بالله - ليست من أولاده بدليل: أنها لا تدخل في آية المواريث بالإجماع.
فلذلك ذهب - رحمه الله - إلى أنه لا تحرم بنت الزنا ولكن مع ذلك قال: أن الزواج بها مكروه.
وهذا من الإمام الشافعي مبني على أصله الذي تقدم معنا مراراً وهو الأخذ بظاهر الحال.
فالظاهر أن هذه شرعاً ليست ابنته وإذا لم تكن ابنته في ظاهر الشرع جاز له أن يتزوجها لعدم وجود المانع الشرعي.
مذهب الإمام الشافعي في الحقيقة ضعيف - أو ضعيف جداً.
لأنه يستقيم مطلقاً النظر للظواهر وترك الحقائق.
وهذه البنت لا شك أنها من مائه فكيف يجيز له أن ينكحها.
والقياس على ولد المرأة من الزنا قياس جلي إذ لا فرق بينهما كذلك ولد المرأة من الزنا ليس بابن لها ولذلك نقول إن شاء الله ما ذهب إليه الإمام أحمد والإمام مالك والإمام أبو حنيفة وغيرهم من أهل العلم هو الصواب إن شاء الله وهي محرمة ولا تجوز مطلقاً للأب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وإن سفلت.
يعني: وإن نزلت.
وتقدم معنا الكلام عنه: بنت البنت - وبنت بنت الابن.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وكل أُخت.
يقصد بـ: (كل) يعني: سواء كانت شقيقة أو لأم أو لأب.
والدليل على التحريم: الآية.
فالآية نصت على تحريم الأخوات.
فالأخوات لا يجوز للإنسان أن يتزوج بهن ولا أن ينظر إليهن نظر شهوة وهذا لا إشكال فيه وهو كما محل إجماع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وبنتها.
يعني: بنت الأخت محرمة، لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخت﴾.
فبنت الأخت محرمة على الإنسان ولا يجوز له أن ينكحها للنص الصريح في كتاب الله.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وبنت ابنتها.
يعني: بنت بنت الأخت.
أيضاً محرمة:
- لأن بنت بنت الأخت هي في الواقع: بنت الأخت.
والمؤلف - رحمه الله - ترك مسألة/ ولعله يرى أنها ظاهرة وهي: بنت ابن الأخت.
فهو يقول: بنت بنت الأخت باقي عليه: بنت ابن الأخت.
فبنت ابن الأخت تعتبر من بنات الأخت أيضاً.
ولذلك لو قال المؤلف - رحمه الله -: (وبنات أولادها) لانتهى الإشكال.
إذاً بنت الأخت وبنت وبنت الأخت وبنت ابن الأخت كلهم يدخل صراحة في الآية.
وهو أيضاً أمر مجمع عليه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وبنت كل أخ.
أيضاً: (كل) هنا تشير إلى الأخ الشقيق ولأب ولأم.
وأرى أن المؤلف - رحمه الله - لو قدم بنت الأخ على بنت الأخت لكان أوفق وأحسن.
لماذا؟ ليطابق الآية.
بنات الأخ: صرح القرآن بتحريمهن.
وهن محرمات بالإجماع.
وما يقع من وهم عند بعض العوام الذين هم بعيدين عن العلم تماماً أن بنت الأخ تجوز وهم فاحش ولا يقع فيه إلا إنسان ربما لم يقرأ القرآن مطلقاً.
ولذلك هو يقع من أناس مغرقين في الجهالة والبعد عن أحكام الشرع لأن هذا الحكم موجود في القرآن.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وبنتها.
يقصد: (بنتها) يعني: بنت بنت الأخ.
فبنت بنت الأخ هي في الواقع بنت للأخ.
ولذلك فهي: أيضاً داخلة في الآية وهي محرمة بالإجماع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وبنت ابنه.
يعني: بنت ابن الأخ.
فبنت ابن الأخ هي في الواقع بنت للأخ وهي داخلة أيضاً في الآية وتحريمها ظاهر ومجمع عليه.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وبنتها وإن سفلت.
يعني: بنت بنت ابن الأخ، فهذه من بنات الأخ.
وطول السلسلة لا يمنع من نسبتها للأخ.
فإذاً: كل بنت تنزل عن الأخ من بنات بناته أو بنات أبنائه فهي محرمة وهي داخلة في الآية.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وكل عمة وخالة وإن علتا.
العمة والخالة: محرمات: بنص الآية.
وأيضاً هن محل إجماع، فالعمة والخالة محرمات.
لكن نلاحظ أن المؤلف - رحمه الله - لم يقل: وبنتها وبنت بنتها وبنت بنت أخوها: لأن بنت العمة وبنت الخالة حلال.
- لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾.
- ولأنه لا يوجد دليل على التحريم.
ولذلك لاحظ أن المؤلف - رحمه الله - أطلق.
فبنات العمة وبنات الخالة من النساء التي يجوز للإنسان أن يتزوج بهن.
بهذا انتهى القسم الأول من المحرمات وننتقل إلى القسم الثاني وهي: الملاعنة.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: والملاعنة على الملاعن.
ـ القسم الثاني: المحرمات باللعان.
والمحرمة باللعان تحرم على زوجها الذي لاعنها. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (للملاعن ليس لك عليها سبيل).
فالملاعنة محرمة على الزوج.
-
- مسألة/ فإن رجع الزوج وأكذب نفسه.
فإن أكذب نفسه: = فالمذهب: أنها تظل محرمة عليه.
ولا يجوز له أن يتزوجها ولو أكذب نفسه.
ونقل بعض الحنابلة عن الإمام - رحمه الله - رواية أخرى أنه: من أكذب نفسه جاز له أن يعقد عليها من جديد لمن هذه الرواية اعتبرها كثير من الحنابلة رواية شاذة.
لأن الحديث عام.
لاسيما وأن الذي روى هذه الرواية قد ينقل في أحيان كثيرة ما يستغرب عن الإمام أحمد فإذا جمعت هذا مع هذا تبين لك أن حكم بعض الحنابلة عليها بالشذوذ صحيح.
ـ القسم الثاني: إذا لم يكذب نفسه فإنه بالإجماع لا يرجع إليها.
وإنما يوجد خلاف قال ابن قدامة وهو خلاف شاذ فالإجماع إن شاء الله محفوظ بالنسبة إذا لم يكذب نفسه.
هذا ما يتعلق بالقسم الثاني.
وهو فقط الملاعنة.
ننتقل إلى القسم الثالث: قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ويحرم بالرضاع: ما يحرم بالنسب، إلاّ أُم أُخته وأُخت ابنه.
ـ القسم الثالث: المحرمات بالرضاعة.
يقول - رحمه الله -:ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب.
- مسألة/ فإن رجع الزوج وأكذب نفسه.
الله سبحانه وتعالى صرح في القرآن بتحريم امرأتين بالرضاع فقط: ﴿أمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ و ﴿أخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء/23].
ولكن النص في القرآن على هاتين المرأتين لا يعني قصر الحكم عليهما.
فإن أهل العلم أجمعوا على أن الحكم ليس مقصوراًَ على هاتين وإنما يمتد إلى جميع المحرمات بالرضاعة مما يقابلن المحرمات بالنسب.
واستدلوا على هذا:
- بالحديث الصحيح الثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب).
فبالاستدلال بهذا الحديث وبالإجماع قاس العلماء باقي المحرمات من الرضاعة على المذكورات في الآية الكريمة.
وبهذا عرفنا أن كل محرمة من النسب يقابلها محرمة من الرضاعة - وسيأتيتنا في كتاب الرضاعة تفصيل كثير حول هذا وما يستثنى والأشياء التي لا تستثنى والخلاف في بعض المحرمات بالرضاع سيأتينا إن شاء الله في ذلك الكتاب.
إلا أن الشيخ المؤلف - رحمه الله - استثنى امرأتين وهذا الاستثناء من القاعدة هو وضع قاعدة يقول: يرم بالضراع: ما يحرم بالنسب.
فاستثنى من هذا مسألتين: ـ الأولى: يقول: (إلا أم أخته).
أم أخته من النسب: ـ إمام أن تكون أمه.
ـ أو زوجة أبيه.
إذاً: أم أخته من النسب: محرمة.
لكن أم أخته من الرضاع ليست محرمة.
معنى أم أخته من الرضاع لا كما يفهمه بعض الناس - معناها: يعني إذا كان لك أخت لها أم من الرضاع.
وليس المعنى أم أخته من الرضاع - كما يفهمه كثير من إخواننا.
إذاً: معنى أم أخته من الرضاع يعني: إذا كان لك أخت لها أم من ارضاع فهذه الأم لا تحرم عليك.
وجه الاستثناء: أن أمها من النسب تحرم وأمها من الرضاع لا تحرم.
إذاً: يجب أن نفهم كيف كان هذا استثناء من القاعدة العامة.
ـ الثاني: أخت ابنه.
أخت ابنك: ـ إما أن تكون ابنتك.
ـ أو تكون ربيبتك.
وفي الصورتين محرمات: ابنتك وابنة زوجة يعني ربيبتك محرمة.
لكن أخت ابنك من الرضاع ليست محرمة عليك.
يعني: إذا كان لابنك أخت من الرضاع فهي لا تحرم عليك.
بينما ما يقابلها من النسب: محرم.
ولهذا استثنى المؤلف - رحمه الله - هاتين المسألتين من القاعدة العامة.
هكذا ذكر المؤلف - رحمه الله - وغيره من الحنابلة.
بينما ذهب جمهور عريض من العلماء إلا أنه لا حاجة لاستثناء هاتين المسألتين أصلاً لأنها لا تدخل في القاعدة لأن العلاقة بين هاتين المرأتين المحرمتين هي المصاهرة وليست النسب، فإذاً لا تدخل في القاعدة أصلاً.
ولهذا اعتبروا استثناءها غير صحيح لأنها لم تدخل أصلاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
ويحرم بالعقد: زوجة أبيه.
انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى المحرمات بالمصاهرة.
والمحرمات بالمصاهرة أربع:
ـ ثلاث منهن يحرمن بمجرد العقد.
ـ وواحدة لا تحرم إلا بالدخول.
وجعلها المؤلف الأخيرة حتى يذكر المحرمات بمجرد العقد متسلسلات.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
ويحرم بالعقد: زوجة أبيه.
قوله: (ويحرم بالعقد: زوجة أبيه) ظاهره: سواء كان بعد الدخول أو قبل الدخول.
- لأن المرأة بعد العقد تعتبر من نساء الرجل فتدخل في الآية ولم تشترط الآية الدخول.
يقول - رحمه الله - ويحرم بالعقد: زوجة أبيه.) يحرم بمجرد العقد زوجة الأب وأيضاً هذا منصوص عليه في القرآن بقوله: ﴿ولا تنكحوا كا نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾.
فالآية نص بتحريم الزواج بمن عقد عليها الأب.
ولهذا أصبحت هذه المسألة محل إجماع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وكل جد.
الجد: كما تقدم معنا مراراً هو: أبو الأب وإن على، وهو في الشرع: أب.
الآية التي نصت على تحريم نكاح ما نكح آباؤنا يدخل فيها الجد، والجد أيضاً: محل إجماع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وزوجة ابنه وإن نزل.
زوجة الابن وإن نزل يعني: ابن الابن وابن الابن.
زوجات هؤلاء جميعاً محرمات. - لقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾.
فحليلة الابن محرمة بمجرد العقد على الأب.
ودليل هذا القرآن ولهذا أصبحت هذه المسألة محل إجماع من الفقهاء.
وكما ترى الشارع الحكيم فيما يتعلق بالنكاح تولى بيان الأمر بشكل واضح وغالب المسائل محل إجماع لأن هذه المسألة حساسة وهذا يعطي الإنسان أن عقد النكاح عقد اهتم به الشارع اهتماماً بالغاً والاحتياط له في الحقيقة واجب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: دون بناتهن.
يعني: دون بنت زوجة الأب.
فبنت زوجة الأب حلال للإبن وهي: الربيبة.
ولهذا صرح هنا لعله لدفع التوهم صرح بعدم تحريم بنت زوجة الأب لأنها ربائب وليس بينها وبين ابنه من زوجة أخرى أي علاقة فهي تجوز ولا حرج في الزواج منها.
وكما قلت هو في العمة والخالة لم يصرح بالنفي لكن هنا صرح بالنفي دفعاً للتوهم والإلتباس.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
وأُمهاتهن.
يعني: أم زوجة الوالد وأم زوجة الولد.
فأم زوجة الوالد إذا تزوج الأب بزوجة أمها حلال للإبن كما أن ابنتها حلال للابن كذلك أم زوجة الابن نفس الشيء حكمها أنها حلال للأب.
- لأنه لا يوجد بينهم صلة.
- ولا يوجد ما يدل على المنع، والأمر واضح وإنما صرح على حكمه دفعاً للتوهم.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وتحرم: أُم زوجته وجداتها بالعقد.
هذا: الثالث: مما يحرم بمجرد العقد والأخير، وهو: أم الزوجة: قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: (وتحرم: أُم زوجته وجداتها بالعقد) يعني: بمجرد العقد.
والدليل على تحريمها: - قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾.
وأم المرأة يطلق على أمها القريبة التي ولدتها وعلى من ولدت من ولدتها أو على التي ولدت من ولدتها وهي الجدة وإن علون.
وتحريمهن أيضاً نص في الكتاب ومحل إجماع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وبنتها وبنات أولادها: بالدخول.
هذا النوع الرابع.
وهو: بنت الزوجة.
وبنت ابنتها، لا تحرم إلا بالدخول.
وهي: المرأة الوحيدة التي يشترط - يعني: من المحرمات بالمصاهرة - الوحيد التي يشترط لتحريمها مع العقد: الدخول.
واستدلوا على هذا: - بقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾.
[النساء/23] فالآية نصت على اشتراط الدخول.
-
- مسألة/ نلاحظ أن الآية اشترطت مع الدخول: أن تكون في حجر الزوج.
وهذه المسألة: نقول هي محل خلاف.
- أي: في اشتراط هذا الشرط المنصوص عليه في الآية: خلاف.
= فذهب الجماهير ومنهم الحنابلة - كما ترى في كلام المؤلف وغيرهم من أئمة المسلمين: إلى عدم اشتراط هذا الشرط.
وقالوا: الربيبة تحرم على الزوج - يعني زوج الأم - بعد سواء كانت في حجره أو لم تكن كذلك.
وأجابوا عن الآية: بأنها خرجت مخرج الغالب.
لأن الغالب أن تكون ابنة الزوجة في بيت الزوج.
- يعني ابنى الزوجة من غيره - في بيته.
واستدلوا:
- مسألة/ نلاحظ أن الآية اشترطت مع الدخول: أن تكون في حجر الزوج.
- بأن الآية فصلت في حكم الدخول فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ولم تفصل في اشتراط كون الربيبة في حجر الزوج.
ففي هذا إشارة إلى أنه لا يشترط على سبيل الحقيقة.
= القول الثاني: وهو مذهب ابن حزم.
أنه يشترط.
واستدل على هذا بأمرين ظاهرين: - الأول: الآية.
فقال: الآية صريحة في اشتراط هذا الأمر. - والثاني: آثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
- مسألة/ إذا اشترطنا أن تكون في حجر الزوج فبماذا يحصل تحقق أن تكون في حجره؟
= قال الظاهرية: يحصل بأمرين:
ـ الأول: أن تكون البنت في بيته وتحت كفالته ورعايته.
فهنا تسمى في حجره.
ـ الثاني: أن لا تكون في بيته لكن يكون هو الذي يتولى مصالحها كأنه الولي.
فإذا تحقق أحد الأمرين فهي في حجره.
يتحقق الشرط عند الظاهرية.
خلاصة الأمر: إذاً: أن الربيبة تحرم بشرطين: ـ أحدهما: مجمع عليه وهو الدخول.
ـ والثاني: مختلف فيه وهي أن تكون في حجره.
والأقرب والله أعلم: أنه لا يشترط.
لأن ظاهر الآية يفيد هذا بعدم التفصيل فيه ولأن أئمة المسلمين قاطبة فهموا أن هذا القيد المذكور في الآية قيد خرج مخرج الغالب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: فإن بانت الزوجة أو ماتت قبل الخلوة: أُبحن.
تلاحظون أن المحقق - وفقه الله - أشار إلى نسخة أنها: (أو ما تت بعد الخلوة) وهذه النسخة لعلها هي الصواب.
لأنه تحصل الفائدة من تنصيص المؤلف على الدخول وعدمه إذا كانت العبارة بعد لا إذا كانت.
يقول - رحمه الله - أنه إذا بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أبحن.
أبحن: إذا ماتت أو بانت: لأن المانع زال فدخلن في عموم الآية المبيحة للمحصنات من النساء.
- مسألة/ إذا اشترطنا أن تكون في حجر الزوج فبماذا يحصل تحقق أن تكون في حجره؟
= قال الظاهرية: يحصل بأمرين:
ـ الأول: أن تكون البنت في بيته وتحت كفالته ورعايته.
-
- مسألة/ قوله: (بانت الزوجة أو ماتت قبل الزوجة: أبحن) يريد المؤلف أن يؤكد على مسألة أن التحريم يكون بعد الدخول.
وأنه لا يكون قبل الدخول ولو كان بعد الخلوة.
إذاً: من كلام المؤلف نشترط الخلوة أو الدخول؟ نشترط الدخول - نحن قلنا أنها لا تحرم إلا بالدخول فهو يريد أنها لا تحرم بدون الدخول ولو كان بعد الخلوة.
وإلى هذا ذهب الجمهور.
مستدلين: بالآية: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾.
= القول الثاني: أن مجرد الخلوة بالمرأة يحرم البنت ولو لم يدخل بها.
واستدلوا على هذا:
- مسألة/ قوله: (بانت الزوجة أو ماتت قبل الزوجة: أبحن) يريد المؤلف أن يؤكد على مسألة أن التحريم يكون بعد الدخول.
- بأن الشارع جعل الخلوة مقررة للمهر وموجبة للعدة فكذلك تحرم البنت.
والراجح مذهب الجمهور وذلك لأن الله نص في القرآن على اشتراط الدخول وليس مع نص الله بحث أو نظر أو تعليل.
فنقول: الخلوة جعلها الشارع مقررة للمهر كما سيأتينا وموجبة للعدة لكنها لا تحرم البنات إذا حصلت مع الأمهات بل لابد من الدخول يعني: لابد من الوطء.
فهذا هو المراد بالدخول.
فصل قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: فصل وتحرم إلى أمد: أُخت معتدته وأُخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما.
انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى القسم الثاني من أصل التقسيم وهن: المحرمات إلى أمد.
والمحرمات إلى أمد أيضاً: أقسام.
بدأ: ـ بالقسم الأول وهي: المحرمة بسبب الجمع.
ويجب أن تستحضر كلمة: (بسبب الجمع).
لأنها تعليل لكثير من الأحكام والتفصيلات المذكورة في هذا الباب.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وتحرم إلى أمد: أُخت معتدته وأُخت زوجته.
تحرم أخت المعتدة وأخت الزوجة مطلقاً.
يعني: يحرم أن يجمع بين أختين حرتين أو أمتين.
أو إحداهما حرة والأخرى أمة.
يحرم الجمع بين الأختين مطلقاً. - لقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾.
فأخذ الفقهاء من هذا تعميم الحكم وأنه لا يجوز للإنسان أن يجمع بين أختين.
وسيأتينا إن شاء الله مسألة / معتدته وماذا يقصد المؤلف بها.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وبنتاهما.
يعني: يحرم الجمع بين زوجته وبنت أخت زوجته زوجته.
وبين معتدته وبين بنت أخت معتدته.
لماذا؟ - لأنه من الجمع بين المرأة وخالتها.
والجمع بين المرأة وخالتها محرم ولا يجوز كما سيأتينا وسينص عليه المؤلف.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وعمتاهما وخالتاهما.
لا يجوز الجمع بين الزوجة وعمتها ولا بين الزوجة وخالتها.
وإلى هذا ذهب كل علماء المسلمين من أهل السنة.
واستدلوا على هذا: - بالحديث الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
وكما قلت: هو محل إجماع إنما خالف من لا قيمة له مطلقاً في الخلاف ولو أنهم لم يحكوا قولهم أصلاً لكان أولى: والذين خالفوا هم: الخوارج والشيعة.
ولا قيمة لخلافهم مطلقاً.
إذاً: نقول: الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها محرم بالنص والإجماع.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
فإن طلقت وفرغت العدة: أُبحن.
قوله: (وفرغت العدة) أفادنا أنه لا يجوز الجمع بين معتدة الإنسان وأختها مطلقاً.
والمعتدات على قسمين:
ـ القسم الأول: الرجعية.
فالرجعية لا يجوز الجمع بينها وبين أختها أو عمتها أو خالتها بالإجماع.
ـ القسم الثاني: البائن بينونة صغرى.
أو بينونة كبرى.
- فالبائن بينونة صغرى/ مثل/ المختلعة.
- والكبرى/ مثل/ المطلقة ثلاثاً.
= فالحنابلة يرون أنه لا يجوز الجمع بين البائن بينونة كبرى وأختها أو خالتها أو عمتها.
واستدلوا على هذا: - بأن من كانت في العدة لها حق على الزوج ولزوجها حق عليها.
= والقول الثاني: أنه يجوز الجمع بين البائن بينونة كبرى أو صغرى وبين عمتها أو خالتها.
واستدلوا على هذا: - بأنه لا يمكن أن يعود الرجل لزوجته التي بان منها.
فليس في زواجه من أختها أو خالتها أو عمتها جمع بينهما.
وفي الحقيقة: أولاً: لم أجد من فرق - يعني: من المتقدمين - بين البائن بينونة كبرى وصغرى هم يحكون الخلاف بين الرجعية والبائن سواء كانت كبرى أو صغرى.
هذا شيء.
الشيء الثاني: في القول بأنه يجوز الجمع بينهما وجاهة وقوة.
- القول الثاني: وجيه وقوي لأنه فعلاً إذا نظرت لروح النص والسبب الذي من أجله منع الشارع من ذلك تجده مفقود تماماً في البائن سواء بينونة كبرى أو رجعية.
لكن مع ذلك لو أن الإنسان انتظر إلى أن تخرج من العدة خروجاً من الخلاف لاشك أنه أحوط.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: فإن تزوجهما في عقد أو عقدين معاً: بطلا.
(إن تزوجهما) يعني: من لا يجوز أن يجمع بينها وبين الأخرى في عقد واحد أو في عقدين: بطلا.
(في عقد واحد) صورته: أن يقول: زوجتك أختي فيقول قبلت.
فالآن تزوج في عقد واحد امرأتين لا يجوز الجمع بينهما.
صورة أن يجمع بينهما بعقدين: أن يحضر ولي المرأة وولي خالتها.
ويقولان للزوج زوجناك جميعاً فيقول: قبلت.
فهنا في عقدين وفي الأول في عقد واحد.
فإذا حصل هذا بطل النكاح.
تعليل البطلان: - أن العقد وقع جملة واحدة فصار في هذا العقد جمع بين من لا يجوز الجمع بينهما.
والجمع علة الإبطال.
واستدل على هذا:
- بالآية.
﴿الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾.
قال الحنابلة: والمرأة قبل أن تتوب تسمى زانية فتدخل في الآية.
= القول الثاني: وهو مذهب الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأبو حنيفة أنه لا يشترط أن تتوب بل له أن يعقد عليها ولو لم تتب.
واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: أن الله تعالى يقول: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾.
ولم يذكر في الممنوعات الزانية.
والجواب على هذا الاستدلال: أن الله تعالى أيضاً قال في سياق الممنوعات: ﴿والمحصنات من النساء﴾ يعني: ويجوز لكم نكاح المحصنات من النساء وهذه ليست محصنة بل زانية.
ثانياً: إذا لم تذكر الزانية في الآية الأولى فقد ذكرت في الآية الثانية. - الدليل الثاني: أن عمر وابن عباس - رضي الله عنهما - نصا على الجواز جواز نكاح الزانية.
وهو صحيح عنهما.
الراجح: الراجح مذهب الحنابلة.
إن شاء الله بلا إشكال.
ولا تردد.
والإمام أحمد أخذ بالآية ولم يلتفت إلى الآثار.
أضف إلى هذا: أنه صح عن عمر - رضي الله عنه - فتوى أخرى أصرح من هذه الفتوى ونسينا أن نذكر هذا (فتوى ابن عباس وعمر ليس فيها التصريح على أن هذه الزانية لم تتب.
لكن سئل عن نكاح الزانية فأجازه.
وفي الفتوى الثانية لعمر - رضي الله عنه - جاءه رجل وقال: إني أردت أن أنكح ابنتي فزعمت أنها زنت وأنها تخشى الفضيحة والعار - نسأل الله العافية والسلامة - فقال عمر - رضي الله عنه - هل تابت؟.
فقال: نعم.
فقال: زوجها.
ففي هذه الفتوى النص الصريح على التوبة بينما الفتوى الأولى التي استدل بها الجمهور ليس فيها التصريح.
الفتوى الأولى هي كالتالي: أن عمر - رضي الله عنه - جيء بامرأة ورجل قد زنيا فضربهما ثم أراد أن يزوج المرأة بالرجل فأبى الرجل - الزاني - قال الجمهور فهذا أمير المؤمنين سيزوج قبل التوبة.
في الحقيقة صحيح أن ظاهر الفتوى والأثر أن التزويج بعد الجلد يعني: كأنها إلى الآن ما تابت - كأنها - لكن هذا محتمل وربما بعد أن أوتي بها إلى أمير المؤمنين تابت ولو كانت أقيم عليها الحد بالضرب.
وهنا فائدة بسيطة وهي أن ما نسمع عنه من أن مجموعة من الناس الذين يسلكون مسك مسلك الإغواء للنساء ويوقعوهن في حبائل الزنا أو ما دون الزنا ثم يتنكبها ويقلب لها ظهر المجن موجود من عصر الصحابة فهذا الرجل يطلب منه عمر أن يتزوج بها وقد زنا بها فيأبى وهذا نجده إلى الآن تجد من يكثر من مغازلة النساء والإيقاع بهن إذا أراد أن يتزوج ذهب إلى العفائف والحرائر وفي هذا أكبر واعظ لكل من سولت لها نفسها أن تتعاطى بالهاتف مع الشباب فإن النهاية وخيمة جداً كما ترى.
وتعجبت جداً لما قرأت الأثر فيا سبحان الله.
-
- مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أنه يحرم على الزوج .....
(((الأذان))).
أقول ظاهر كلام الحنابلة أنه يشترط لصحة النكاح توبة الزوجة الزانية فقط وأنه لا يشترط أن يتوب الزوج.
= والقول الثاني: أنه يشترط أن يتوب الزوج والزوجة وأن اعقد لا يصح إذا كان الزوج زاني إلا إذا تاب.
ودليل هذا القول ظاهر لأن الآية لم تفرق بين الزانية والزاني.
لكن الإشكال أني ما أعرف دليل الحنابلة - ما وجدت لهم دليلاً - لماذا فرقوا مع وضوح الآية؟ يعني: لا أذكر الآن لهم دليلاً فلم يفرقوا مع وضوح الآية إلا وهم يستندون على دليل واضح بالتأكيد لكن لا أذكر أنا لهم دليلاً معيناً.
- مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أنه يحرم على الزوج .....
(((الأذان))).
-
- مسألة/ كيفية التوبة/ = ذهب الحنابلة: أن المرأة تعرف توبتها بأن تراود من قبل الزاني أو من قبل غيره فإن امتنعت فهو دليل التوبة وإلا فلا.
= والقول الثاني: أن توبة الزانية كتوبة غيرها تكون بالنجم والاستغفار والاقلاع.
والراجح أن توبة الزانية كتوبة غيرها ولهذا يقول: ابن قدامة - رحمه الله - والصحيح أن توبة الزانية كتوبة غيرها بالندم والتوبة والاستغفار.
لكن هذه الطريقة الغريبة التي سلكها الحنابلة وهي: أن ترواد.
وهي منصوص الإمام أحمد - رحمه الله - اعتمدوا فيها على فتوى لابن عمر - رضي الله عنه -. لكن الراجح بلا شك إن شاء الله هو القول الثاني وهو أن توبتها بالتوبة والندم والاستغفار والإقلاع.
وأما فتوى ابن عر فهي والله أعلم فتوى خاصة في مناسبة خاصة ولا أراد - رضي الله عنه - أنه دائماً نمتحن الزانية حتى نعرف هل هي تائبة أولا؟
- مسألة/ كيفية التوبة/ = ذهب الحنابلة: أن المرأة تعرف توبتها بأن تراود من قبل الزاني أو من قبل غيره فإن امتنعت فهو دليل التوبة وإلا فلا.
فتعميم هذه الفتوى غير مناسب من وجهة نظري.
يقول - رحمه الله -:
والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها.
ـ الشرط الثاني: أن تنقضي العدة.
= وذهب الحنابلة إلى هذا: استدلالاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تنكح حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض).
= والقول الثاني: أنه لا يشترط انقضاء العدة.
- لأن هذا الماء ماء محرم ولا يثبت النسب فلا يمنع عقد النكاح.
والصواب مع الحنابلة فهم أحض بالدليل.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد.
انتهى الدرس
الدرس: (6) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
كنت تحدثت في الدرس السابق عن شروط نكاح الزانية وأخذنا الشرط الأول وهو التوبة، والشرط الثاني وهو انقضاء العدة، وأخذنا الراجح في اعتبار هذين الشرطين أو عدم اعتبارهما وانتهت هذه المسألة، بقينا في مسألة تلحق بالشرط الثاني وهو انتهاء العدة، وهو بماذا تنتهي العدة.
ذهب الجمهور إلى أن عدة الزانية بوضع الحمل أو بالإقراء، فإن كانت حامل فبوضع الحمل وإن كانت حائل فبالإقراء.
والقول الثاني أن عدة الزانية تنقضي بحيضة واحدة يعن أنها تستبرأ فقط، وتقدم معنا أن الاستبراء يحصل بحيضة واحدة.
وإلى هذا القول الثاني ذهب بعض الفقهاء وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح وستأتينا هذه المسألة إن شاء الله في كتاب العدد لكن أردت أن أنبه إلى كيفية انقضاء العدة بالنسبة للزانية وهو أن الصحيح أنها تنقضي بحيضة واحدة.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ومطلقته ثلاثاً حتى يطأها زوج غيره)
يعني وتحرم عليه المرأة التي طلقها ثلاث مرات حتى تنكح زوجاً غيره.
ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾.
وقوله فإن طلقها يعني الطلقة الثالثة، وهذا الحكم دل عليه مع النص الإجماع وهو أن المرأة إذا طلقت ثلاث تطليقات صحيحات فإنها لا ترجع إلى زوجها إلا بعد نكاح زوج آخر.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(والمحرمة حتى تحل)
يعني ولا يجوز أن ينكح المحرمة إلا بعد أن تحل التحلل الكامل أي الثاني.
ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم أن يَنكح أو يُنكح.
وإلى هذا ذهب الجماهير وعامة علماء الأمة إلى أنه لا يجوز ولا ينعقد نكاح المحرمة.
والقول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة أن المحرمة يجوز أن يعقد عليها الإنسان ويصح العقد واستدل أبو حنيفة بأن ابن عباس أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة وهي محرمة.
والجواب على هذا الاستدلال: أن الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها وهي حلال لأنها رضي الله عنها أخبرت بذلك وهي أعلم بالقصة من ابن عباس رضي الله عنهما لأن العقد كان عليه وهي أعلم بملابسات القضية كما أن قولها أنه عقد عليها صلى الله عليه وسلم حلالاً يوافق الحديث المتقدم فهو مرجح لأمرين ولهذا فالصواب إن شاء الله مع الجماهير وهو أنه لا يجوز أن يعقد على المحرمة إلا بعد الإحلال الثاني.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ولا ينكح كافر مسلمة)
لا يجوز أن يمكن الكافر من نكاح المسلمة والعقد إن تم فهو باطل ودل على بطلانه وتحريم إجرائه من الأصل النص والإجماع.
أما النص فقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ فلا يجوز إنكاح المشرك إلا إذا آمن وقبل ذلك لا يجوز أن يعقد له على المسلمة.
والإجماع حكاه غير واحد من أهل العلم أنه لا يجوز أن يعقد لكافر على مسلمة فإن فعلوا فالعقد باطل.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ولا مسلم ولو عبداً كافرة)
أي ولا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة.
لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾
فالمشركات كافرات لا يجوز للإنسان أن يعقد عليهن لنص هذه الآية واستثنى المؤلف جنس كافرة وهي قوله (إلا حرة كتابية) أفادنا الشيخ بقوله (إلا حرة كتابية) مسألتين:
الأولى: أنه يجوز نكاح الكتابية سيأتينا الكلام عنه.
الثانية: أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية وأن الجواز يختص بالحرة.
واستدل الجمهور على هذا بقوله تعالى: ﴿فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فنص على أنه يجوز للإنسان أن ينكح الأمة بشروط ستأتينا إذا كانت مؤمنة، فدلت الآية على أن الكافرة لا يجوز أن تنكح.
الدليل الثاني: أن المنع من نكاح الأمة الكافرة مروي عن عمر وابن مسعود.
والدليل الثالث: أن نكاح الأمة الكافرة يؤدي إلى استرقاق الكافر لأولاد المسلم لأن زوجته الكافرة أولادها أرقاء لسيدها الكافر.
فهذه ثلاث أدلة قوية جداً في المنع من التزوج بالأمة غير المسلمة ولو كانت كتابية.
القول الثاني: أنه يجوز مثلاً الإنسان أن يتزوج الأمة الكتابية قياساً على جواز ملك الأمة الكتابية وملك منافعها وبضعها فإذا جاز للإنسان أن يملك ملكاً تاماً أمة كتابية ويشمل الملك الاستمتاع فالزواج وهو أقل من باب أولى وهذا مذهب أبي حنيفة وهو ـ رحمه الله ـ كثراً ما يقيس أقيسة مقابل للنصوص فهذه المسألة فيها نص من الكتاب وفتاوى عن الصحابة فكيف نترك هذا كله ونرجع إلى أقيسة عقلية مجردة.
فالراجح إن شاء الله مذهب الجمهور: أنه لا يجوز للإنسان أن ينكح الأمة الكتابية وإنما الجواز يختص بحرائر أهل الكتاب.
المسألة الثانية: جواز نكاح الكتابيات
لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾
وجواز نكاح الحرة الكتابية مذهب الجماهير ويكاد يكون استقر عليه الأمر أي على الجواز وكان يوجد خلاف عند بعض المتقدمين ولكن كأن الأمر استقر على الجواز لصراحة الآية من جهة ومن جهة أخرى أن عدد من الصحابة تزوجوا كتابيات منهم حذيفة رضي الله عنه.
الأمر الثالث: المؤيد للجواز أن ما يروى من المنع عن عمر وابنه وغيره من الصحابة يحمل على الإرشاد لا على التحريم ولهذا أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه حذيفة أن يفارق زوجته الكتابية فأبى رضي الله عنه وأرضاه ثم لما توفي عمر فارقها وكأنه أراد بيان الجواز، وقد أشار هو إلى تعليل آخر فإن حذيفة سئل لماذا فارقتها بعد ذلك؟ فقال لئلا يرى أني صنعت ما لا ينبغي وهذا ملحظ لهذا الصحابي الجليل كأنه لو أطاع عمر وفارق زوجته صدق عليه أنه صنع ما لا ينبغي وهو رضي الله عنه لم يصنع إلا أمراً جائزاً ولعل هذا أيضاً
يعود إلى قضية الجواز.
مسألة: المراد بالكتابيات أهل التوراة والإنجيل فقط دون غيرهم من الكتب السماوية ومن كانت تتدين بالكتب الأخرى كتب داؤود أو إبراهيم أو غيرهما من أنبياء الله ليست من أهل الكتاب.
مسألة: مع القول بجواز نكاح الكتابيات إلا أن الجمهور من الفقهاء رأوا أن هذا الجواز مكروه يعني جائز مع الكراهة واختار الكراهة شخ الإسلام ابن تيمية وهو قول وجيه جداَ أي القول بالكراهة لأن الزواج بغير المسلمة قد يؤدي إلى فساد الأولاد ورقة دينهم وقد يتشبع الابن بدين أمه لاسيما مع كثرة غياب الأب فالقول بالكراهة هذا قول وجيه جداً.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ولا ينكح حرٌ مسلمٌ أمة مسلمة ... )
انتقل المؤلف إلى حكم نكاح الأمة المسلمة ولهذا تلاحظ أن الشيخ يقول ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة لماذا قال الشيخ أمة مسلمة؟
لأنه تقدم معنا أن نكاح الأمة الكافرة لا يجوز.
ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أنه يجوز أن ينكح الأمة المسلمة بشرطين:
الأول: أن لا يجد طولاً لنكاح الحرائر يعني لا يجد سعة في المال.
الثاني: أن يخشى العنت وسيأتينا ما هو العنت عند الفقهاء.
ودليل الشرطين قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ إلى أن قال: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ فنصت الآية على الشرطين.
القول الثاني: جواز نكاح الأمة إذا وجد العنت وإذا وجد الطول أي ولو كان مستطيعاً، فهو يشترط صاحب هذا القول فقط العنت، وممن ذهب إلى هذا القول الإمام الثوري رحمه الله وغفر له.
القول الثاني: جواز نكاح الإماء ولو مع السعة والطول وإلى هذا ذهب الأحناف.
واستدلوا بتعليل فقالوا إن القدرة على النكاح لا تمنع النكاح فمقصودهم بالقدرة يعني إذا كان يجد طولاً ومقدرة وسعة في المال فإن القدرة على النكاح بسبب وجود الطول لا تمنع النكاح.
والراجح مذهب الجماهير لأمرين:
الأول: أنه يؤيده فتاوى الصحابة.
الثاني: أن التعليل الذي ذكره الأحناف لا قيمة له مطلقاً ولا عبرة به في مقابل الآية مجرد أقيسة عقلية في الحقيقة لا قيمة لها.
فالآية تقول: ﴿من لم يستطع منكم طولاً﴾ وهو يقول: أن من استطاع الطول فإن هذا الطول لا يمنع النكاح والآية نص على أنه يمنع النكاح فأي تعليل عقلي أضعف من مثل هذا التعليل مقابل النص.
بقينا في رأي الثوري: أن الإنسان إذا وجد العنت له أن يأخذ الأمة ولو وجد الطول.
نحن نقول أن هذا القول للإمام الثوري رحمه الله قوي بشرط ألا يتمكن مع هذا الطول من نكاح الحرائر اللاتي يحصل بها العفة مثاله أن يجد مالاً لكن لا يجد إلا صغيرة لا يطأ مثلها فهذا يجد طول لكن هذا الطول لا يرفع عنه العنت أو يجد طولاً ولا يجد إلا امرأة غائبة كأن يخطب امرأة فيقال له ذهبت للحج تحتاج لكي ترجع إلى سنة كما في الوقت السابق لما كان السفر يأخذ مدة طويلة فكيف سيصبر سنة.
الضابط: أن يجد مالاً ولكن لا يستطيع بهذا المال أن يتزوج من تعفه إما لصغرها أو لغيبتها أو يجد مالاً ولكن لا يجد من يزوجه خطب ولم يزوجوه الناس، لسبب أو لآخر إذا هذه مجموعة من الأمثلة وقد نص الإمام أحمد نفسه على من وجد طولاً ولم يجد إلا غائبة فله أن ينكح الأمة، نحن نقول أن هذا الكلام صحيح.
فيكون القول الراجح: أنه لا يجوز نكاح الأمة إلا بوجود الشرطين إلا إذا وجد طولاً لا يستطيع معه نكاح الحرائر فهو في الحقيقة القول الراجح مركب من مذهب الجماهير وقول الثوري وهذا القول إن شاء الله تجتمع به الأدلة.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(إلا أن يخاف عنت العزوبة)
اختلف الفقهاء ما المراد بالعنت فذهب الحنابلة إلى ما ذكره المؤلف وهو أن يحتاج إلى التمتع أو الخدمة.
وإلى هذا ذهب أيضاً المجد ابن تيمية.
والقول الثاني: أن العنت هو أن يخشى الزنا فلا يجوز له أن ينكح الأمة إلا إذا خشي أنه إن لم نكحها وقع في الزنا.
والراجح إن شاء الله المذهب وهو اختيار كما قلت المجد لأن المشقة والعنت يحصل وإن لم يخشى على نفسه الزنا كما أن الآية مطلقة ﴿لمن خشي العنت﴾ والعنت يحصل بهذا المقدار وإن لم يحصل الزنا، فهم من هذا أنه لو احتاج الأمة للخدمة فإنه يجوز أن يتزوج وليست المسألة مقصورة على إرادة الاستمتاع، وأيضاً لو أراد أن يستمتع بها واحتاج إلى الجماع ولم يخشى أن يصل إلى مرحلة الزنا فيجوز له عند الحنابلة عند المعتمد على المذهب أن ينكح الإماء.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(أو ثمن أمة)
يعني ويشترط ألا يجد ثمن الأمة فإن وجد ثمن الأمة فلا يجوز له أن ينكح الإماء فصارت الشروط ثلاثة
لكن الشروط عند الحنابلة والجمهور اثنان فقط وهو ألا يجد طولاً وأن لا يخشى العنت، وأضاف المؤلف مخالفاً للمذهب هذا الشرط وهو أن لا يجد مالاً يشتري به أمةً علل أصحاب هذا القول قولهم بأنه إذا وجد مالاً يتمكن به من شراء الأمة ارتفع العنت والحرج يستطيع أن يشتري الأمة ويقضي حاجته منها ولا يحتاج مع ذلك إلى الزواج.
الدليل الثاني: أنه تخلص بهذا من استرقاق ولده.
القول الثاني وهو المذهب: أنه لا يشترط أن يجد ثمن أمة ولو وجد ثمن أمة مادام تحقق الشرطان فإنه يجوز له نكاح الإماء والأقرب والله أعلم ما اختاره المؤلف وهو أنه يُشترط ألا يجد ثمن الأمة لأنه إذا وجد ثمن الأمة فلا حاجة أن ينكح أمة لأن العنت والمشقة المشترطة في الآية تزول، فإن قيل كيف تشترطون شرطاً إضافياً والآية لم تنص إلا على شرطين فالجواب أن الشرط الثاني المذكور في الآية يتضمن الشرط الثالث لأن العنت يرتفع مع وجود ثمن الأمة، فالأقرب إن شاء الله ما اختاره المؤلف.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ولا ينكح عبد سيدته)
يعني لا يجوز للعبد أن ينكح سيدته، ولا يجوز للسيدة أن ترضى وتأذن بنكاح العبد لها والسبب في هذا أنه إذا ناكح العبد سيدته اجتمع حقان متنافيان فله عليها حق الزوجية ولها عليه حق الملك وبين الحقين تنافي كبير فالزوجية تقتضي طاعة الزوج وأن ينفق عليها والملك يقتضي طاعة السيد وأن ينفق على عبده فتنافى وتعارض حقان ولهذا قالوا لا يجوز وحكي إجماعاً وهذا صحيح فماذا تصنع إذا أرادت أن تنكحه؟ تعتقه ويتزوجها لكن ربما تقول إذا أعتقته لن يرد النكاح فربما هذا مأخذ الجمهور.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ولا سيد أمته)
يعني ولا يجوز للسيد أن ينكح أمته.
وعللوا هذا بأن الملك أقوى من النكاح فليس السيد بحاجة إلى إدخال الأضعف على الأقوى، فإنه بالملك أي بكونه مالكاً لها يستحق المنفعة والبضع، وأما النكاح فلا يستحق معه إلا البضع فقط، وهذا القول يؤيد مسألة أخرى وهي: أنه يشترط عدم وجود ثمن الأمة مادام أن الحنابلة يرون عدم جواز نكاح السيد لأمته هذا يؤيد أنه لو كان واجد لسعر الأمة أنه لا يتزوج أنه يشتري هذه الأمة.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(وللحر نكاح أمة أبيه دون أمة ابنه)
للحر نكاح أمة أبيه لأن الابن لا يملك وليس هناك شائبة ملك لممتلكات أبيه فالابن في هذه الحال يتزوج امرأة أجنبية تماماً ولا يوجد شائبة ملك له عليها إذا يجوز للابن أن يتزوج أمة أبيه لكن يقول الشيخ دون أمة ابنه فلا يجوز للإنسان أمة ابنه علل الحنابلة هذا بأن ممتلكات الابن فيها شائبة ملك للأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنت ومالك لأبيك" وإذا كان للأب شائبة ملك لأمة ابنه فتكملة الاستدلال وقد تقدم معنا أن الإنسان ليس له أن يتزوج أمته.
القول الثاني: يجوز للإنسان أن يتزوج أمة ابنه لأن ممتلكات الابن ملك خالص له قبل أن يتملكها الأب فهو في الحقيقة تزوج امرأة أجنبية.
الراجح: أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج أمة ابنه.
مأخذ الترجيح: سبب الترجيح ليس الدليل الذي ذكره الحنابلة ولكن هناك مأخذ آخر وهو أن الأب إذا كان الابن يستطيع أن يزوجه فهو يجد الطول فانتفى في حقه الشرط وإذا انتفى الشرط لم يجز للإنسان أن يتزوج الأمة.
إذاً نحن نقول: لا يجوز أن تتزوج أمة ابنك لأن ابنك يجب عليه أن ينفق عليك لتتزوج وقد أشار إلى هذا المأخذ اللطيف الجميل ابن رجب الحنبلي رحمه الله وغفر له.
فإذا اعتمدنا هذا المأخذ نقول لا يجوز للابن أن يزوج أباه أمته ولا أمة غيره لأن مأخذ المنع هو أنه يجب على الابن أن يزوج أباه وأن مقدرة الابن على تزويج أباه تجعل الأب له سعة وطول في التزوج من الحرائر.
إذاً نقول أن هذا إن شاء الله هو الراجح لكن لابد أن نتنبه أنه لتعليل غير التعليل الذي ذكره المؤلف.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(وليس للحرة نكاح عبد ولدها)
ليس للمرأة أن تتزوج بعبد ولدها وهذه المسألة مبنية على المسألة اللاحقة لهذه المسألة وهي أن ملك أحد الزوجين للآخر يفسخ النكاح كما أن ملك ولد أحد الزوجين للآخر يفسخ النكاح وإذا تزوجت بعبد ابنها فقد تزوجت بمن يملكه ابنها فدخلت في المسألة اللاحقة ويمكن أن نقول لهذا المنع مأخذ آخر وهو: أن للأم أن تتملك من مال الابن إذاً ساوت الأب في قضية وجود شائبة الملك، فللمنع من زواج المرأة من عبد ابنها هذان المأخذان.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(وإن اشترى أحد الزوجين الآخر أو بعضه انفسخ نكاحهما)
إذا اشترى أحد الزوجين الآخر انفسخ النكاح لدليلين:
الأول: الإجماع والإجماع يتعلق بشراء أحد الزوجين فقط دون شراء ولد أحد الزوجين يبطل العقد.
الثاني: ما تقدم معنا أنها إذا اشترى صار بين الحقين تعارض، فحق العبد يتعارض مع حقه كزوج.
إذاً مسألة إذا اشترى أحد الزوجين ليست محل إشكال مطلقاً.
ثم قال: أو ولده يعني وإن اشترى ولد أحد الزوجين الآخر أيضاً انفسخ النكاح.
عللوا هذا بأن ملك الابن كملك الأب الدليل على أن ملك الابن كملك الأب أن الابن والأب يستوون في المنع من القصاص وأحكام الاستيلاد وإذا كان ملك الابن كملك الأب صارت مقيسة على المسألة السابقة كأن ملك ولد أحد الزوجين كملك أحد الزوجين للآخر.
القول الثاني: أن ملك ولد أحد الزوجين لا يؤدي إلى الفسخ لأنه لا دليل على فسخ النكاح والأصل في العقد الشرعي أنه إذا انعقد مستوفياً الشروط الشرعية أنه لا يفسخ ولا يبطل إلا بدليل شرعي.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(أو مكاتبه)
إذا ملك مكاتب أحد الزوجين الآخر انفسخ النكاح والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في ولد أحدهما تماماً فما قيل هناك يقال هنا.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ومن حرم وطؤها بعقد حرم وبملك يمين إلا أمة كتابيه)
هذه قاعدة جميلة كل من حرم وطؤها بالعقد حرم وطؤها بملك اليمين والمؤلف يريد أن يشير إلى مسألة وهي أنه لا يجوز للإنسان أن يطأ الإماء غير الكتابيات فلو أن المسلمين غزوا مشركين أو مجوس أو ملحدين أو شيوعيين ثم سبوا نساءهم فإنه لا يجوز أن توطأ هذه المرأة لماذا؟ لأن من لا يجوز وطؤها بعقد لا يجوز وطؤها بملك.
وهل يجوز للإنسان أن يتزوج من مجوسية أو المشركة أو شيوعية أو الملحدة؟ لا يجوز.
إلى هذا القول ذهب الجماهير وحكي إجماعاً بل أن من حكى الإجماع نسب المخالف إلى الشذوذ.
استدلوا بقوله: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ لكن الإشكال أن هذه الآية في سياق النكاح وليست في سياق الوطء بملك اليمين.
القول الثاني: وذهب إليه نفر يسر لكن هؤلاء النفر من المتقدمين وهم سعيد بن المسيب، طاؤوس، وعطاء ونصرهم شيخ الإسلام ابن تيمية وأنا نبهتكم إلى أنه من المهم جداً أن تراعي هل الخلاف نازل أو عالي فإذا كان الخلاف عالي صار الخلاف قوياً جداً، لكن لما يكون الفقهاء من القرن الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، على قول ثم يأتي فقيه من السابع أو الثامن أو التاسع ويخالف فإن الخلاف يكون ضعيف، هنا الخلاف في مسألتنا عالي وهو من الفقهاء السبعة من التابعين، استدل أصحاب القول الثاني بِأدلة واضحة جداً.
الدليل الأول: أن النبي صلى الله عله وسلم لما غزا هوازن أذن للصحابة بوطء الإماء بعد الاستبراء وهن مشركات.
الدليل الثاني: عموم الآية ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ وملك اليمين في الآية لم يقيد كما قيد في النكاح بل أن عدم تقييده في الآية إشارة إلى أنه لا يقيد باعتبار أنه قيد في النكاح دون الوطء وملك اليمين.
الدليل الثالث: أن عامة السبايا اللاتي كن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كن من مشركي العرب وكان الصحابة يطأونهن رضي الله عنهم.
لعله من الظاهر لك جلياً أن القول الثاني قوي جداً لكن يشكل عليه الإجماع وهذا الإشكال أشكل حتى على ابن قدامة فابن قدامة رحمه الله يقول: (وأدلتهم ظاهرة وقوية ويشكل عليها مخالفة سائر أهل العلم) فلولا هذه المخالفة لكان القول بالجواز هو القول لكن مع هذه المخالفة الغريبة يعني من الجماهير الأئمة الأربعة عامة الفقهاء حتى أن الإمام أحمد لما أورد عليه إماء أو سبايا هوازن قال: (لعلهن أسلمن) أجاب عن الحديث بهذا الجواب، وفي الجواب هذا ضعف فالأصل عدم الإسلام.
على كل حال الراجح من الأدلة بشكل واضح القول الثاني، ولكن يشكل عليه الإجماع فقط، وهذه من وجهة نظري من المسائل الغريبة لأن الأدلة واضحة مع ذلك ذهب الفقهاء جميعاً إلا من ذكر ثلاثة أو أربعة إلى المنع، فالمسألة غريبة.
قال المؤلف - رحمه الله -: (إلا أمة كتابية)
يعني تستثنى الأمة الكتابية فالأمة الكتابية ما وجه الاستثناء؟ أن الأمة الكتابية لا يجوز أن توطأ بالعقد لكن يجوز أن توطأ بملك اليمين ولهذا ذهب الجماهير وهو محل إجماع إلا أنه روي عن الحسن البصري فقط أنه كره فقط وطء الأمة الكتابية ولم ينقل عنهم المنع والتحريم فذهب الجماهير إلى أنه يجوز وطء الأمة وأدخلوه في عموم الآية ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ فوطء الأمة الكتابية لا إشكال فيه.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ومن جمع بين محللة ومحرمة .. )
إذا جمع بين محللة ومحرمة في عقد واحد صح فيمن تحل فإذا تزوج امرأة محرمة فإن العقد يصح في الحلال ويبطل في الحرمة.
والدليل على هذا أن النكاح الذي وقع على الحلال في المثال نكاح مستوفي الشروط مكتمل الأركان فهو صحيح والنكاح على المحرمة يبطل.
القول الثاني: أنه إذا جمع في عقد واحد بين من يجوز نكاحها ومن لا يجوز فإن العقد كله باطل فيمن تجوز وفيمن لا تجوز وعلل أصحاب هذا القول قولهم بأن العقد واحد فإذا بطل بطل كل ما فيه، والصواب أن العقد يصح فيما يصح ويبطل فيما يبطل ولأن العقد وإن كان واحداً إلا أنه يتناول امرأتين إحداهما مستوفية للشروط والأخرى لم تستوفي فيصح في المستوفية.
قال المؤلف - رحمه الله -:
(ولا يصح نكاح الخنثى ... )
الخنثى هو: من له آلة الذكر وآلة الأنثى أو من ليس له آلة ذكر ولا آلة أنثى فهذا خنثى.
ثم هذا الخنثى قد يكون مشكل وقد يكون غير مشكل، فالخنثى المشكل هو الذي لم تظهر عليه لا علامات الرجولة ولا علامات الأنوثة فهذا يعتبر خنثى مشكل.
يقول الشيخ: (ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره)، ذهب الحنابلة إلى أن المشكل لا يجوز أن ينكح فلا يجوز له أن ينكح امرأة ولا يجوز له أن ينكح رجل.
التعليل: قالوا أنه لم يوجد فيه ما يتحقق معه من الجواز.
معنى التعليل: أنه ربما لو نكح امرأة يكون امرأة ولو نكح رجلاً ربما يكون رجلاً، فإذاً لم نتحقق فيه سبب الجواز، فيبقى على المنع إلى أن يتبين أمره ولو طال.
والقول الثاني: أن الخنثى المشكل يرجع إلى قوله فإن قال أنه يميل إلى النساء زوج بامرأة وإن قال أنه يميل إلى الرجال تزوجه رجل.
واستدل أصحاب هذا القول بأن هذه علامة على كونه رجل أو امرأة، وبأن هذا الأمر لا يعرف إلا من قبله.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو يعلى، وهو قول وجيه، وهو خير من حبس هذا الخنثى، مع حاجته للنكاح مدة طويلة، وربما يكون الخلاف في هذه المسألة في وقتنا هذا نادر وقليل باعتبار أن بالامكان التعرف على حقيقة الخنثى هل هو رجل أو امرأة بطرق كثيرة جداً تغني عن إبقائه معلقاً بين الأنوثة والرجولة.
قال المؤلف - رحمه الله -:
باب الشروط والعيوب في النكاح
الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شروط النكاح وقد تقدمت معنا، وشروط النكاح تسمى الشروط الشرعية وسبب تسميتها بأنها الشروط الشرعية أنها من وضع الشارع.
القسم الثاني: الشروط في النكاح
وتسمى الشروط الجعلية لأن العاقدان هما اللذان وضعاها وجعلاها في العقد.
والشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة.
والشروط الصحيحة تنقسم إلى قسمين:
شرط يقتضيه العقد: كأن يشترط أن تسلم إليه زوجته فهذا الشرط تحصيل حاصل لأن العقد يقتضي تسليم الزوجة.
الثاني: شرط ليس من مقتضى العقد وفيه مصلحة للشارط، كأن تشترط ألا يتزوج عليها.
القسم الثاني: الشروط الفاسدة
وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الفاسدة الغير مفسدة، فالشرط فاسد والعقد صحيح، كأن يشترط الرجل ألا مهر لها، ونحن الآن لا نريد إعطاء أحكام عن الشروط لكن نريد تصوير الأقسام فقط.
القسم الثاني: الشرط الفاسد المفسد، يعني أن الشرط يفسد والعقد يفسد، وهو عند الحنابلة أربع أقسام فقط نكاح الشغار، ونكاح المتعة، ونكاح التحليل، والنكاح المعلق على شرط.
إذاً الآن بصفة عامة تصورنا أقسام الشروط.
مسألة: اختلف الفقهاء عموماً في الشروط في النكاح يعني في تصحيحها والإلزام بها، فذهب الجماهير الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أن الشروط لا تلزم، بل يستحب الوفاء بها فقط.
واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وهذه الشروط ليست ف كتاب الله.