كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
هذا الوصف الذي ذكره المؤلف - رحمه الله - مروي في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في صحيح البخاري وهو أنه - رضي الله عنه - جاء فرمى الجمرة الصغرى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم أخذ ذات اليمين ووقف يدعو وفي حديثه يدعو طويلاً وفي الآثار الأخرى المروية عن غيره - رضي الله عنه - أنها بقدر سورة البقرة لكن التقدير بسورة البقرة ليس في البخاري ثم أنه رمى الوسطى وأخذ ذات الشمال ودعا دعاء طويلاً وكذلك نص على طول الدعاء بلا تقدير وقدر في روايات أخرى أنه بمقدار قراءة سورة البقرة ثم رمى العقبة وانصرف ولم يقف.
وهذا التفصيل الذي ذكره المؤلف - رحمه الله - هو المذكور في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - ولما صنع - رضي الله عنه - ذلك قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع.
فهذه الكيفية كيفية ثابتة في الأحاديث الصحيحة ويتأكد على الحاج أن يتحراها بأن يرمي على هذه الصفة مقتدياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنه يتأكد عليه أن يدعو دعاء طويلاً فإن هذا سنة من سنن الرمي المتأكدة، وكما قلت لكم أن هذا الطول حدد بسورة البقرة، وفي بعض الروايات بقراءة نحو مائتي آية .. ((الأذان)) ...
نكون توقفنا عند هذا الحد وغداً إن شاء الله يكون الكلام عن قوله (رماها بسبع حصيات) والخلاف في من نقص حصاة أو حصاتين أو ثلاث أو أربع وكلام أهل العلم فيما يتعلق بالنقص مما لا يتسع الوقت لذكر الخلاف فيه الآن.
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (14)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا أن هذه الكيفية التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - بقوله: (يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات ويجعلها عن يساره ويتأخر قليلاً ... إلى آخر الصفة .. تقدم معنا أن هذه الصفة جاءت صريحة في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في صحيح البخاري وأنه لما صنع هذه الكيفية في الرمي قال هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل وهذا تقدم معنا في الدرس السابق.
- بقينا في قول المؤلف - رحمه الله -: بسبع حصيات.
في هذه العبارة دليل على أنه يشترط لصحة الرمي أن يستكمل الرامي سبع حصيات فإن نقص حصاة واحدة أو أكثر بطل الرمي.
- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بسبع حصيات وقال: (خذوا عني مناسككم) ولا يجوز أن ننقص في أداء النسك عما صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن ينقص الإنسان حصاة واحدة.
واستدل هؤلاء: - بقول بن عمر - رضي الله عنه - لا أبالي بسبع رميت أو بست.
وهذا الأثر فيه ضعف وانقطاع.
= والقول الثالث: أنه يجوز أن ينقص حصاة أو حصاتين.
واستدلوا: - بحديث سعد بن مالك أنه قال - رضي الله عنه -: رجعنا من الحج وبعضنا يقول رميت بست وبعضنا يقول رميت بخمس.
ومن رمى بخمس فقد نقص رميه بحصاتين، وهذا الحديث أيضاً أعل بالانقطاع وضعفوه.
فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أنه لابد من سبع.
أنه لابد من ست.
أنه لابد من خمس.
ومن سياق هذا الخلاف تعلم أن الفقهاء لم يجيزوا الرمي إذا نقص العدد عن ثلاث.
يعني: إذا نقص ثلاث فأكثر لم يجيزوه إنما الخلاف في حصاتين فأقل.
وهذا هو الواقع فإني لم أجد خلافاً فيما اطلعت عليه من كلام أهل العلم فيمن نقص من الحصا قدر ثلاث إنما الخلاف في نقص واحدة أو نقص ثنتين.
والراجح والله أعلم أنه لا يجوز النقص أبداً لعدم صحة الآثار ولأنه لا مستند للذين قالوا بجواز النقص عن حصاتين.
وإن كانت هذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى جمع الآثار أكثر والتثبت من قضية عدم وجود فتاوى عن الصحابة تفيد جواز نقص حصاة أو حصاتين.
نعم.
هذه الآثار التي ذكرت الآن فيها ضعف لكن مثل هذا الباب يحتاج إلى تتبع أكثر وحسب ما بحثت لم أجد آثار أو فتاوى لكن يقع في ذهني أنه لو تتبعت هذه المسألة تتبعاً دقيقاً لوجد الإنسان فتاوى إما عن الصحابة أو عن التابعين ينسبونها إلى الصحابة تفيد جواز النقص.
وعلى كل حال هو ما سمعتم من الخلاف فبحسب كلام الفقهاء يجوز النقص على قول: حصاة وعلى قول حصاتين ولا يجوز النقص ثلاث مطلقاً.
- ثم قال - رحمه الله -: يفعل هذا: في كل يوم من أيام التشريق.
يعني: أن هذه الكيفية لا تختص باليوم الأول بل تفعل في كل أيام التشريق على نفس الهدي الذي ذكره الصحابي الجليل الفقيه ابن عمر - رضي الله عنه -.
- ثم قال - رحمه الله -: بعد الزوال.
يعني: أن الرمي لا يجوز قبل الزوال.
= وهذا مذهب الحنابلة وإليه ذهب الجماهير من الفقهاء وأغلب أهل العلم على هذا القول: أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال.
واستدلوا بأدلة كثيرة: من أقواها:
- الدليل الأول: حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: كنا نتحين الزوال ثم نرمي بعده.
وهذا الحديث نص في المسألة لأنهم كانوا ينتظرون بدأ وقت الجواز كما كانوا ينتظرون الزوال لصلاة الظهر. - الدليل الثاني: حديث جابر في الصحيح أنه قال: رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - جمرة العقبة ضحى ثم لم يرم بعد إلا بعد الزوال.
وهذا نص في أنه فرق بين ما يرمى في الضحى وبين ما يرمى بعد الزوال. - الدليل الثالث: صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - النهي عن الرمي قبل الزوال.
- الدليل الرابع: روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النهي عن الرمي قبل الزوال.
- الدليل الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في مواضع من الحج عديدة في ليلة مزدلفة وفي مبيت ليالي التشريق وفي الرمي أيام التشريق.
فهذه الرخص التي جاءت عن النبي - رضي الله عنه - تدل على أن مناط الترخيص هو في ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - دون ما حفظ أنه لم يرخص فيه وإلا لم يكن لمواطن الترخيص فائدة.
فهذه خمسة أدلة.
والجواب: أن الآية دلت أن الذكر في كل الأيام والسنة خصت ذكر الرمي بما بعد الزوال، ولا يصلح الاستدلال بالعمومات مع وجود نصوص خاصة في المسألة.
والأقرب والله أعلم الذي تدل عليه النصوص ومقاصد الشرع وفتاوى الصحابة فيما عدا ابن الزبير وابن الزبير كان يخالفه ابن عمر في نفس السنة فكان الناس ينتظرون ابن عمر فكان ابن الزبير يخرج من خبائه ويرمي قبل الزوال وكان ابن عمر ينتظر ويرقبه الناس حتى تزول الشمس ثم يخرج فيرمي فكأنه يريد أن يبين أن السنة في هذا لا ما كان يصنعه ابن الزبير ثم ابن الزبير خالف ابن عمر وابن عمر أفقه منه وأكثر إتباعا للسنة وخالف عمر وليس بينهما أي وجه للمقارنة في الفقه والفهم عن الله وعن رسوله وبهذا صارت فتوى ابن الزبير لا تقاوم النصوص مع الآثار السابقة.
إذاً الراجح إن شاء الله أنه لا يجوز الرمي في جميع أيام التشريق إلا بعد الزوال.
وأما الزحام الذي يلحظ في الحج ليس سببه المنع من الرمي قبل الزوال إنما سببه جهل بعض المسلمين بكيفية الرمي أو إلزام بعض أصحاب الحملات الحجاج أن يرموا في وقت معين، المهم أنها أمور خارجة عن مسألة قبل أو بعد الزوال وتعود غالباً إلى جهل الناس، ولذلك مما يغلب على الظن أن الرمي لو قدم بعد الزوال لوجد الزحام كما وجد بعد الزوال تماماً، وسيكون الزحام عند أول ساعة يجاز فيها الرمي فإذاً الزحام لن ينتهي بتقديم الرمي أو تأخيره عن الزوال إنما يحل بطرق أخرى، ومن المشاهد أنهم بعدما أوجدوا هذه التوسعة المباركة للرمي وهي توسعة مفيدة جداً ووسعت على الناس بشكل ملحوظ أنه بعد هذه التوسعة خف الزحام بشكل ملحوظ لأن مكان الرمي صار واسعاً وصار الناس يتمكنون من أن ينتشروا في مكان واسع من الأرض ليرموا هذه الجمرة سواء بعد الزوال في اليوم الثاني عشر أو بعد الزوال في اليوم الحادي عشر.
فالأقرب إن شاء الله للنصوص فيما يظهر لي بوضوح أنه لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال.
- ثم قال - رحمه الله -: مستقبل القبلة.
يعني أنه يرمي ويدعو مستقبل القبلة إذا أمكن، واستقبال القبلة أثناء الدعاء هذا ثابت في حديث ابن عمر في البخاري: أنه كان يستقبل القبلة ويدعو.
ولو لم يأت استقبال القبلة في حديث ابن عمر لكانت السنة الواضحة أن يستقبل القبلة لأنه من قواعد الشرع فإن من آداب الدعاء العامة استقبال القبلة وهذا يتناول الدعاء بعد رمي الأولى والوسطى ويدخل في عموم نصوصه.
- ثم قال - رحمه الله -: مُرَتِّبَاً.
يعني: أنه يشترط لصحة الرمي أن يبدأ بالصغرى ثم يثني بالوسطى ثم ينتهي بالكبرى.
فإن أخل بهذا الترتيب فإن الرمي لا يصح وعليه أن يستدرك الترتيب.
فإذا عكس مثلاً وبدأ بالكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى فعليه أن يرمي مرة أخرى الوسطى ثم الكبرى ليكون الترتيب منسجماً مع ما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
واستدل: = الجماهير من أهل العلم على وجوب الترتيب:
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى مرتباً وقال: (خذوا عني مناسككم).
فهذه عبادة جاءت على صفة معينة لا يجوز الخروج عنها.
= والقول الثاني: أن الترتيب سنة فإذا رمى الوسطى ثم الصغرى ثم الكبرى أو الكبرى ثم الصغرى ثم الوسطى أو بأي ترتيب شاء فإنه لا حرج عليه ورميه صحيح.
واستدل هؤلاء بدليلين:
- الدليل الأول: أن المقصود رمي الجمار الثلاث وهذا حصل.
- الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (افعل ولا حرج) فيما قدم وأخر يوم النحر.
فدل على أن التقديم والتأخير في مناسك الحج لا حرج فيه.
والجواب على الاستدلال (بإفعل ولا حرج): أنه استدلال ضعيف جداً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز التقديم والتأخير في المناسك التي هي عبادة مستقلة: النحر عبادة مستقلة والحلق عبادة مستقلة والرمي عبادة مستقلة فلا بأس في التقديم والتأخير بين هذه العبادات المنفصلة أما العبادة الواحدة فإنه لا يجوز الإخلال بالترتيب فيها كما في الرمي.
والقول بأن الترتيب سنة مذهب الأحناف وهو غاية في الضعف والبعد عن النصوص التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يدل على عنايته بالترتيب، والكيفية التي جاءت في البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - تدل دلالة واضحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن تؤدى العبادة على هذه الصفة: نعم الوقوف للدعاء وأخذ ذات اليمين ليس بواجب لأن هذا محل إجماع.
أما باقي الصفة وهي الترتيب فهذا واجب عند الأئمة الثلاثة وهو إن شاء الله الصواب.
- ثم قال - رحمه الله -: إن رماه كله في الثالث: أجزأه.
لكن لا يعنينا هذا مطلقاً: لأن الجميع متفق على أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لهم بأن يؤخروا رمي يوم إلى الذي [يليه] سواء المؤخر الحادي عشر أو الثاني عشر فهذا لا يشكل قضية في جواز التأخير.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز تأخير رمي يوم إلى الذي يليه.
فإن فعل فقد أخل بواجب وهو تخصيص الرمي بيومه.
واستدل هؤلاء:
-
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للسقاة والرعاة والرخصة يعبر بها في مقابل العزيمة.
فدل على أن غير هؤلاء المعذورين لا يوجد لهم رخصة وإنما الرخصة لهؤلاء الصنف فقط.
والباقي عزيمة وهي أن يأتي برمي كل يوم في يومه.
= والقول الثالث: أن رمي جمرة العقبة لابد أن يكون في يومه ويجوز تأخير بعض أيام التشريق إلى بعض.
واستدل هؤلاء: -
بالحديث فقالوا: في الحديث قوله: (إذا هم رموا جمرة العقبة أن يرموا من بعد غد لغد وما بعده) فنص الحديث على أنهم إذا رموا جمرة العقبة لهم أن يؤخروا رمي غد إلى ما بعده.
فقالوا: إذاً العقبة لا تؤخر وما بعدها من الأيام يجوز أن يؤخر الإنسان رمي يوم إلى ما يليه.
والراجح والله أعلم أنه لا يجوز تأخير رمي يوم إلى رمي اليوم الذي بعده.
إلا لمعذور.
فإذا كان الإنسان معذوراً جاز له أن يؤخر رمي يوم إلى يوم آخر.
وهذا العذر الذي يجوز تأخير الرمي فيه: لا يشترط فيه أن يكون لمصلحة عامة بل ولو كان لمصلحة خاصة، فالمصلحة العامة مثل من أذن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الرعاة والسقاة فهؤلاء يقومون على خدمة الناس، والمصلحة الخاصة مثل أن يكون الإنسان مريضاً أو كبيراً أو معه عائلة كثيرة ويسكن في آخر منى أو يشق عليه المجيء لرمي كل يوم في يومه لأي سبب من الأسباب.
إذاً سواء كان العذر خاصاً أو عاماً.
ولا يشترط أن يكون العذر عاماً.
وإلى هذا ذهب - أي: أن لا يشترط أن يكون العذر عاماً - ذهب عدد من الصحابة منهم ابن عمر - رضي الله عنه - وهو ظاهر اختيار ابن القيم.
وهو ظاهر فتاوى الإمام أحمد: أن العذر الذي يرخص فيه عام لا يتعلق بخدمة الحجيج العامة وإنما يتعلق به وبغيره من الأعذار الخاصة. -
ثم قال - رحمه الله -: ويرتبه بنيته.
هذا الحكم مفرع على جواز التأخير.
فإذا أخر فإن عليه أن يرتب الرمي وأن يرتب بنيه.
فإذا أخر رمي اليوم الحادي عشر إلى الثاني عشر فعليه أن ينوي أنه يرمي رمي اليوم الحادي عشر أولاً فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى بنية الرمي عن اليوم الحادي عشر ثم يرجع ويرمي عن اليوم الثاني عشر وهو يومه الذي هو فيه بنفس الترتيب الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى.
ولا يجزئ أن يرمي الصغرى عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر ثم يرمي الوسطى عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والأخيرة كذلك هذا لا يجزئ بل يجب أن يرتب الرمي بنيته عن كل يوم بيومه.
فإن رمى الصغرى عن يومين والوسطى والكبرى كذلك فرميه عن اليوم الأول صحيح وعليه أن يرجع ويرمي عن اليوم الثاني.
فيكون الرمي المشترك عن اليوم الأول والرمي المفرد الثاني عن اليوم الثاني.
ولا يجزئه أن يجمع بين اليومين.
- قال - رحمه الله -: فإن أخره عنه ... فعليه دم.
الرمي: رمي أيام التشريق ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر بإجماع أهل العلم.
فقد حكي الإجماع من عدد من الفقهاء.
فإذا غربت الشمس من اليوم الثالث عشر وهو لم يرم فقد أساء وتعدى ولا يشرع ولا يسن أن يرمي بل عليه أن يتوب وأن يذبح شاة مكان ترك هذا الواجب.
والمؤلف - رحمه الله - بين حكم ترك الرمي جملة.
ولم يبين حكم ترك الرمي جزءاً.
وحكمه كما يلي:
-
إن ترك حصاة واحدة ففيه إطعام مسكين.
-
وإن ترك حصاتين ففيه إطعام مسكينين.
-
وإن ترك ثلاثاً ففيه دم.
وعنه: ليس في ترك الحصاة والحصاتين شيء.
وعلم مما تقدم أنه إذا ترك رمي يوم أو جمرة كاملة فإنه من باب أولى أن عليه دم لأنه ترك واجباً من واجبات الحج إنما الخلاف في رمي جمرة أو حصاة أو حصاتين.
والراجح والله أعلم أنه كما قال الحنابلة إن ترك رمي حصاة فعليه إطعام مسكين أو حصاتين فمسكينين أو ثلاث فشاة، وهذا الذي كان يفتي به الإمام أحمد - رحمه الله -. -
ثم قال - رحمه الله -: أو لم يبت بها: فعليه دم.
تقدم معنا ذكر حكم المبيت في منى وأن الراجح أنه واجب، فإذا تركه جملة: ترك المبيت في الليالي الثلاث فعليه دم يذبح في مكة ويوزع على فقراء الحرم.
وكما قلنا في الرمي وأيضاً في المبيت إذا فات الوقت فإنه لا يشرع المبيت ولا يسن وعليه أن يتوب وأن يذبح شاة لتركه الواجب.
أما ترك بعض الليالي ففيه خلاف:
= فالحنابلة يرون أنه إذا ترك ليلة فكذلك: فإطعام مسكين.
وإذا ترك ليلتين: فإطعام مسكينين.
وإذا ترك الثلاث: فعليه شاة، وقالوا: إن ترك الليلة والليلتين لا يوجب شاة لأنه ليس منسكاً كاملاً مستقلاً وإنما المنسك الكامل المستقل هو: ترك المبيت في الليالي الثلاث لمن تأخر وترك المبيت في ليلتين لمن تعجل.
إذاً: إذا ترك ليلتين وهو يريد أن يقيم الثالثة فعليه إطعام مسكينين، أما إذا ترك ليلتين وهو سيتعجل فعليه شاة لأنه ترك المبيت جملة، فالتفصيل السابق: الأصل فيه: أنه في المتأخر.
يعني: يطعم مسكين إذا ترك ليلة ويطعم مسكينين إذا ترك ليلتين وعليه شاة إذا ترك الثلاث هذا في المتأخر أما المتعجل فإذا ترك ليلتين فعليه شاة وإذا ترك ليلة فعليه إطعام مسكين.
= وعنه: ليس في ترك المبيت ولو لثلاثة ليال شيء.
بل أساء وعليه التوبة ولا شيء عليه وهو رواية عن الإمام أحمد.
والراجح: الرواية الأولى.
وهي المشهورة عن الإمام أحمد وهي المذهب وعليها تدل فتاوى الصحابة كما سيأتينا في أثر ابن عباس - رضي الله عنه -.
- ثم قال - رحمه الله -: ومن تعجل في يومين: خرج قبل الغروب.
يعني أنه يجوز للإنسان أن يتعجل:
- لقوله تعالى: - (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) -[البقرة/203]. وهذا القدر وهو جواز التعجل مجمع عليه لصريح الآية ولم يلزم أحد من الفقهاء أحداً من الحجاج أن يتأخر مع صراحة الآية وكونها نص في المسألة.
أما قوله - رحمه الله -: (خرج قبل الغروب).
ففي هذا تحديد للوقت الذي إذا خرج قبله لم يلزمه المبيت ولا الرمي، والتحديد بالخروج قبل الغروب ليس في شيء من النصوص المرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن صح عن عمر وابنه - رضي الله عنهما - التحديد بذلك، وهذه الفتوى التي جاءت عن عمر وابنه - رضي الله عنهما - مؤيدة بظاهر القرآن.
لقوله تعالى: - (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) -[البقرة/203] واليوم في لغة العرب الأصل أنه يطلق على النهار لا على الليل فإذا أدركه الليل فلم يتعجل في يومين، فتبين بهذا أن من أراد أن يتعجل عليه أن يخرج قبل غروب الشمس.
فإن تأخر وبقي إلى غروب الشمس فهو ينقسم إلى قسمين:
-[القسم الأول]: أن يبقى متهاوناً.
أو متشاغلاً بغير ما يتطلبه الخروج.
فهذا عليه أن يبقى ويبيت ويرمي في اليوم الثالث عشر.
-
القسم الثاني: أن يتأخر لانشغاله بالخروج كتحميل الأمتعة والاستعداد للخروج أو لعدم تمكنه من الخروج بسبب الزحام.
فهذا القسم الثاني: = عند الحنابلة يجب عليه أن يبيت ويرمي. -
لأن أثر عمر وابنه - رضي الله عنهما - عام فيمن أدركه المغيب بعذر أو بغير عذر.
= والقول الثاني: أنه إذا أدركه المغيب بعذر من هذه الأعذار التي ذكرنا فإنه لا حرج عليه في الخروج لأنه لم ينو البقاء وإنما بقي بغير إرادته.
وهذا القول الثاني.
أرفق بالناس لكن على الإنسان الذي يريد أن يتعجل أن يحتاط تماماً ويتقدم ليتمكن من الخروج قبل غروب الشمس.
ثم قال - رحمه الله -:
وإلاّ لزمه المبيت والرمي من الغد.
تقدم معنا الدليل على هذه الأحكام وهي الآثار عن عمر وابنه - رضي الله عنهما -.
- ثم قال - رحمه الله -:
فإذا أراد الخروج من مكة: لم يخرج حتى يطوف للوداع.
طواف الوداع فيه مسائل كثيرة: - المسألة الأولى: حكمه.
طواف الوداع: = واجب عند الجماهير: أحمد والشافعي وعند الإمام أبي حنيفة.
إلا في رواية في المذهب لكن المذهب الوجوب، فالجماهير يرون وجوب طواف الوداع.
واستدل الجماهير:
-
بالسنة الصحيحة الثابتة وهي: ما رواه ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت وخفف عن الحائض).
وهذا في الصحيح. -
وأيضاً صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما رأى الناس يخرجون من كل جهة في اليوم الأخير قال: (لا يخرجن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت).
فهذه النصوص صريحة وفيها الأمر الصريح وفيها استخدام الصحابي للفظ: (أمرنا) وهو عند الجماهير وعلى الصحيح يعنى به النبي - صلى الله عليه وسلم -. = القول الثاني: وهو للمالكية أن طواف الوداع سنة.
واستدل المالكية: -
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للحائض.
-
وبأن أهل العلم أجمعوا أن أهل مكة لا طواف عليهم.
فهذان صنفان من الناس لا يجب عليهم الطواف: الحائض وأهل مكة - يعني: طواف الوداع، فاستثناء هؤلاء دليل على أن الأمر شرع على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب لأن واجبات الحج لا تسقط بالأعذار.
والجواب على هذا الدليل: أن واجبات الحج لا تسقط بالأعذار أو تسقط إلى بدل لكن طواف الوداع ليس بواجب أصلاً على الحائض حتى يسقط أو لا يسقط ولا على أهل مكة، فاستدلال المالكية في غير مكانه.
والأقرب هو مذهب الجمهور واختاره عدد كبير جداً من المحققين من أهل العلم وهو كما قلت مقتضى النصوص الصريحة. -
المسألة الثانية: على من يجب طواف الوادع؟ يجب على كل إنسان يريد الخروج من مكة ومنزله خارج الحرم.
فإن كان منزله داخل الحرم فلا طواف وداع عليه، وسواء كان منزله عن الحرم مسافة قصر أو أقل من ذلك فيجب عليه طواف الوداع، إنما الشخص الذي لا يجب عليه طواف الوداع هم فقط أهل مكة وأهل الحرم. -
المسألة الثالثة: وهي مسألة مهمة: هل طواف الوداع من مناسك الحج؟ أو يجب على كل خارج من مكة.
هذه المسألة فيها خلاف: = فذهب الجماهير من أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من الفقهاء إلى أن طواف الوداع من مناسك الحج خاصة وواجب من واجبات الحج ولا يتعلق بكل خارج من الحرم.
واستدل هؤلاء بأدلة:
- الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنه أنه أمر أحداً من الناس بطواف الوداع إلا في حجة الوداع لما رأى الناس يخرجون أمرهم أن لا يخرج أحد منهم إلا وقد طاف طواف الوداع.
- الدليل الثاني: أنه صح عن عمر - رضي الله عنه - أن طواف الوداع آخر المناسك.
هكذا قال - رضي الله عنه - وعبر بالمناسك. - الدليل الثالث: أنه صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه رأى أن طواف الوداع آخر المناسك.
- الدليل الأخير: أن طواف الوداع لو كان يتعلق بكل خارج من مكة لبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بياناً ظاهراً واضحاً ليعلم الناس أن كل من خرج فعليه أن يطوف سواء كان من الحجاج أو من المعتمرين أو من التجار أو من الزائرين أو من أي صنف كان.
أما القول أنه يجب على الحاج والمعتمر دون كل خارج فهذا لم يقل به أحد، وبهذا علمنا حكم مسألة طواف الوداع في العمرة، وفي الدرس القادم: نأخذ إن شاء الله بعض الأدلة التفصيلية للقول بوجوب طواف الوداع في العمرة والجواب عليها.
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (15)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قبل أن نستكمل الحديث عن طواف الوداع أحد زملائكم سأل سؤالاً مفيداً: عن أنه إذا كان يجوز أن نؤخر رمي يوم إلى ما بعده ونجمع في اليوم الثاني عشر فهل يجوز لنا أن نقدم فنرمي في اليوم الحادي عشر عنه وعن الثاني عشر؟ وهو سؤال مفيد وقد يحتاج إليه الآن.
والجواب على هذا:
-
أنه فيما يظهر من النصوص يجوز والله أعلم أن يقدم أو يؤخر.
والدليل على هذا: -
أن الإمام مالك - رحمه الله - أخرج حديث الترخيص للسقاة والرعاة في أن يرموا في يوم عن يومين وفي لفظه قال: (ثم يرموا عن اليومين في أيهما).
قال الإمام مالك - رحمه الله - أظنه قال: (في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر).
فالحديث نص في جواز الرمي في اليوم الحادي عشر عنه وعن اليوم الثاني عشر.
فإذاً: يتلخص أنه كما قررنا جواز التأخير كذلك يجوز التقديم والنص دل على جواز الأمرين. -
يقول المؤلف - رحمه الله -: في إكمال ما يتعلق بطواف الوداع: فإن أقام أو اتجر بعده: أعاده.
إذا أقام أو اتجر ومكث مكثاً طويلاً فإنه يجب أن يعيد طواف الوداع ويعتبر الطواف الأول لاغياً.
والدليل على هذا:
- قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف)، ومن اتجر أو أقام لم يكن آخر العهد الطواف بالبيت.
أما إن اشتغل بما يتعلق بالسفر من تجهيز أو إعداد فإنه يخرج ولو بقي وقتاً طويلاً ما دام لم يشتغل إلا بالإعداد للسفر.
مثل أن يقوم بربط العفش أو أن تخرب السيارة فيسعى في إصلاحها، فمثل هؤلاء يرخص لهم في الخروج، ويرخص أيضاً بالبقاء وقتاً قصيراً وشراء سلع تتعلق بالخارج ولو لم تتعلق بالسفر ما دام الشراء والبقاء في وقت قصير فلا بأس ولو أنه أخذ سلعاً لا تتعلق بالسفر كأن يقتني هدايا أو كتب أو أي شيء لا يتعلق بالسفر.
- ثم قال - رحمه الله -:
وإن تركه غير حائض: رجع إليه.
فإن شق أو لم يرجع: فعليه دم.
في هذه العبارة مسائل: ـ المسألة الأولى: الترخيص للحائض في ترك طواف الوداع:
- لما ثبت في الحديث الصحيح وقد تقدم معنا أنه خفف عن الحائض (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن الحائض).
فإن همت بالخروج ثم طهرت: فينقسم إلى قسمين: ـ إن طهرت قبل أن تغادر البنيان وجب عليها أن تبقى وترجع وتغتسل وتطوف للوداع.
ـ وإن طهرت بعد أن جاوزت البنيان ولو بشيء يسير فإنها تمضي ولا يجب عليها الرجوع.
-
- مسألة / هل يقاس على الحائض غيرها من الذين لا يتمكنون من طواف الوداع من أصحاب الضرورات كالمرضى الذين لا يستطيعون بحال أن يطوفوا؟ أو هذا الحكم خاص بالحائض فقط.
قل من تعرض لهذه المسألة من أهل العلم.
وبحثها بشكل موسع، لم أجده في كتب أهل العلم لكن شيخ الإسلام - رحمه الله - ذكر ما يشبه القاعدة فقال: - في سياق كلام له - (كما يرخص في ترك طواف الوداع للضرورة).
فظاهر هذا السياق أن هذا الحكم لا يختص بالحائض وإنما يتناول كل حاج لم يستطع أن يطوف لمرض أو أي مانع آخر.
وربما نقول هذا الحكم خاص بالحائض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج معه عدد كبير من الناس ليتأسوا به ولا شك أن فيهم المريض الذي لم يتمكن من الطواف ومع ذلك لم ينقل الترخيص إلا للحائض.
والراجح والله أعلم أنه لا يتعلق بالحائض ولا يختص بها بل يتناول كل حاج لا يستطيع أن يطوف للضرورة إلا إن كان هناك إجماع على أنه يتعلق بالحائض فإن لم يكن هناك إجماع فلا شك أن هذا القول الذي أشار إليه شيخ الإسلام هو القول الصواب.
- مسألة / هل يقاس على الحائض غيرها من الذين لا يتمكنون من طواف الوداع من أصحاب الضرورات كالمرضى الذين لا يستطيعون بحال أن يطوفوا؟ أو هذا الحكم خاص بالحائض فقط.
ـ المسألة الثانية / يقول - رحمه الله -: (وإن تركه رجع إليه).
إذا ترك الحاج طواف الوداع فإنه ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يرجع بعد مسافة بعيدة.
- والقسم الثاني: أن يرجع بعد مسافة قريبة.
وسيأتينا حد المسافة البعيدة والمسافة القريبة.
- فإن رجع بعد مسافة بعيدة فيجب عليه أن يصنع أمرين:
الأول: أن يأتي معتمراً وجوباً.
الثاني: أن يذبح دماً. - وإن رجع من قريب فلا شيء عليه.
= والقول الثاني: أنه إن رجع من قريب أو بعيد فلا شيء عليه.
- لأنه أدى ما أمر به فلا يلزمه شيء.
والدليل على أصل الرجوع بعد أن انتهينا من مسألة التفريق بين البعيد والقريب: الدليل على أصل وجوب الرجوع من وجهين: - الوجه الأول: أن طواف الوداع واجب.
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا تركه فيجب وجوباً أن يرجع. - الوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر برد رجل خرج بلا طواف للوداع وردوه من مر الظهران.
ومر الظهران تبعد عن مكة نحواً من خمس وعشرين كيلاً.
فهذان دليلان على وجوب الرجوع.
-
- مسألة / الضابط في استقرار الدم:
عند:= الحنابلة:
ـ أنه إن رجع من بعيد استقر الدم ولو رجع وطاف.
ـ وإن رجع من قريب لم يستقر عليه الدم الواجب بسبب ترك طواف الوداع.
والقريب والبعيد عند الحنابلة مسافة القصر على الخلاف الذي أخذناه في كتاب الصلاة.
= القول الثاني: أن القريب والبعيد يتعلق بالحرم.
ـ فمن رجع قبل أن يخرج من الحرم فهذا رجع من قريب.
ـ ومن رجع بعد أن تعدى حدود الحرم فهذا رجع من بعيد.
ونحن نحتاج إلى مسألة القريب والبعيد إذا أردنا أن نوجب الدم على من رجع من بعيد.
أما على القول الراجح الذي لا يوجب الدم على أي راجع ما دام أنه رجع وأدى الواجب فالخلاف المذكور هنا لا ينتفع منه على القول الراجح.
- مسألة / الضابط في استقرار الدم:
عند:= الحنابلة:
ـ أنه إن رجع من بعيد استقر الدم ولو رجع وطاف.
-
- مسألة / ظاهر كلام = الحنابلة: أن من رجع من قريب فإنه لا يستقر عليه الدم سواء كان هذا القريب هو محل الإقامة أو بلد آخر.
وعلى هذا إذا ذهب أهل الطائف وأهل جدة إلى منازلهم ثم رجعوا إلى طواف الوداع فلا حرج عليهم.
هذا ظاهر مذهب الحنابلة فإنهم لم يفرقوا في القريب بين أن يذهب إلى بلده أو أن يذهب إلى بلد آخر.
= والقول الثاني: وهو للمالكية:
- مسألة / ظاهر كلام = الحنابلة: أن من رجع من قريب فإنه لا يستقر عليه الدم سواء كان هذا القريب هو محل الإقامة أو بلد آخر.
ـ أن هذا القريب إذا كان هو موطن السكن فإن الدم يستقر ولو كان قريباً.
ـ وإن كان هذا القريب بلداً آخر فإن الدم لا يستقر.
والراجح بوضوح إن شاء رجحاناً بيناً مذهب المالكية وهو أن الإنسان إذا خرج إلى منزله وبلده ولو كان قريباً فإنه الدم يستقر.
فإذا خرج الرجل إلى مدينة الطائف أو إلى مدينة جدة وترك طواف الوداع فإن كان سكنه في هذه المدينة استقر عليه الدم وإن كان سكنه في مدينة أخرى وخرج إليها لقضاء حاجة فلا دم عليه ولا حرج عليه من الخروج.
وقلنا أن مذهب المالكية هو الراجح لأن الإنسان إذا رجع إلى بلده فقد ترك طواف الوداع ولو كان البلد قريباً ولأنه لو قلنا بظاهر مذهب الحنابلة لأدى هذا إلى أن جميع الذين يسكنون بمكان قريب من مكة يؤجلون طواف الوداع إلى أن يخف الزحام وهذا يؤدي إلى ترك طواف الوداع.
على كل حال هذا القول إن شاء الله هو الراجح.
- ثم قال - رحمه الله -: فإن شق أو لم يرجع: فعليه دم.
يعني: لترك الواجب.
وسيأتينا قريباً دليل إيجاب الدم في ترك الواجب.
- ثم قال - رحمه الله -: وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج: أجزأ عن الوداع.
إذا أخر الإنسان طواف الإفاضة إلى خروجه ثم طاف فإنه يجزئ عن طواف الوداع.
سواء:
- طاف بنية الإفاضة فقط أولم ينو الوداع.
- أو طاف بنية الإفاضة والوداع.
فإنه في الصورتين يجزئ عن الوداع.
لأنه يصدق عليه أنه آخر عهده بالبيت.
بقينا في الصورة الثالثة وهي محل الإشكال: - إذا طاف بنية طواف الوداع فقط ولم يكن طاف قبل ذلك طواف الإفاضة ثم خرج.
ففي هذه المسألة خلاف: = فالحنابلة يرون أن هذا الطواف الذي نوى به الوداع دون الإفاضة لا يجزئ عن الإفاضة ويعتبر ما زال محرماً ولم يتحلل التحلل الثاني ويجب عليه أن يرجع ويطوف.
واستدلوا: - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات).
وهذا نوى الوداع ولم ينو الإفاضة.
= والقول الثاني: أن هذا الطواف يجزئه عن طواف الإفاضة ولو لم ينو.
وابن رشد في بداية المجتهد ينسب هذا القول - الثاني - للجمهور.
وهو أنه إذا طاف ناوياً الوداع ولم ينو الإفاضة كفاه عن الإفاضة.
واستدل الجمهور - بحسب نسبة ابن رشد -:
-
بأن هذا الرجل طاف بالبيت وصادف وقت الوجوب فوقع عنه.
-
واستدلوا: بأن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة كما تقدمت معنا هذه المسألة مراراً.
لكن الإشكال في هذه المسألة أنه وإن قلنا أن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة إلا أن الإشكال أن هذا الرجل نوى الوداع كأنه خصه بالنية ولو كان طاف طوافاً عاماً بلا نية لقلنا أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية لكن هذا الرجل طاف بنية الوداع وعين النية وهذا مما يضعف القول بأن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة.
ولذلك الأقرب والله أعلم والذي تبرأ به الذمة أنه يجب أن يطوف طوافاً آخر للإفاضة.
بناء على هذا يتحتم على طالب العلم تنبيه الناس الذين يؤخرون طواف الإفاضة أن ينووا الإفاضة.
فهذا هو أهم شيء: أن ينووا الإفاضة سواء نووا معه الوداع أو لم ينووا فإنه يكفيهم بالإجماع لكن الإشكال إذا لم ينووا طواف الإفاضة.
ثم قال - رحمه الله -: ويقف غير الحائض: بين الركن والباب.
يقف الحاج إذا أراد أن يخرج: بين الركن والباب وهو الملتزم.
ويبسط عليه كفيه ويضع خده على هذا الملتزم.
وروي في السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصنع هذا والحديث ضعيف ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صنع هذا العمل: أي أنه التزم الملتزم، لكن صح عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يفعلون ذلك، لكن الإشكال أن المروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو عند القدوم لا عند الخروج، لكن الفقهاء قالوا: ما داموا صنعوا هذا العمل فهو مستحب عند القدوم وعند الخروج، وجعلوه عند الخروج ليكون آخر عهده بالبيت الابتهال إلى الله سبحانه وتعالى والتضرع إليه، وما دام هذا العمل مروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس به.
وظاهره أنه لا يشرب من زمزم وذهب بعض أهل العلم ومنهم الإمام الكبير مجاهد ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية إلى أنه يشرع أن يشرب من ماء زمزم كذلك في هذا الموضع، وبعد التتبع لم أجد للإمام مجاهد ولا لشيخ الإسلام دليلاً على استحباب تخصيص هذا الموضع بشرب زمزم.
فالأصل أنه لا يستحب.
- ثم قال - رحمه الله -:
وتقف الحائض ببابه.
وتدعو بالدعاء.
ظاهره أن الحائض كذلك تقف عند الباب لأنها ممنوعة من دخول المسجد وتصنع من حيث الدعاء ما يصنعه من يقف عند الملتزم.
= والقول الثاني: أنه لا يشرع للحائض أن تقف هذا الموقف ولا أن تصنع هذا العمل ولا أن تدعو بالدعاء الوارد.
-
لأن صفية - رضي الله عنه - كانت حائضاً ولم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تصنع هي من نفسها هذا العمل مما يؤكد عدم مشروعية هذا العمل بالنسبة للحائض.
ثم قال - رحمه الله -: ويستحب زيارة: قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبري صاحبيه رضي اللَّه عنهما.
يستحب إذا انتهى الإنسان من الحج أن يقصد إلى المدينة المنورة ويزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويزور قبر صاحبيه - رضي الله عنهما -. واستدل الحنابلة على استحباب هذا العمل:
- بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من حج فزار قبري فكأنما زارني حياً) أو (فكأنما زارني في حياتي).
والأشبه والله أعلم أن هذا الحديث موضوع.
ولم يثبت في مسألة زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخصوصه أي حديث صحيح.
لا في فضلها أو ثوابها ولا في الحث عليها.
وممن قرر هذه القاعدة عدد كبير من الحفاظ من أحسنهم تقريراً وتوضيحاً الحافظ ابن عبد الهادي فإنه - رحمه الله - بحث هذه المسألة بحثاً طويلاً وقرر أنه ليس في السنة أي حديث صحيح يدل على خصوص مشروعية زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما حكم زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو: سنة.
والدليل على أنه سنة: - الأحاديث العامة.
فقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل في النصوص العامة التي فيها الحث على زيارة المقابر.
-
- مسألة/ ولا يجوز شد الرحال قاصداً الإنسان زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن فعل وشد الرحال بقصد زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو: مبتدع بهذا العمل وآثم بهذا الصنع.
وأما إن شد الرحال بقصد زيارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم زار قبره - صلى الله عليه وسلم - فلا حرج عليه.
- مسألة/ ولا يجوز شد الرحال قاصداً الإنسان زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن فعل وشد الرحال بقصد زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو: مبتدع بهذا العمل وآثم بهذا الصنع.
- ثم قال - رحمه الله -: وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات أو من أدنى الحل، من مكي ونحوه.
بدأ المؤلف - رحمه الله - بذكر صفة العمرة لما أنهى الكلام عن صفة الحج، فصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات يعني: إن مر به، فإن لم يمر بالميقات أحرم من أدنى الحل.
وتقدم معنا الكلام عن المواقيت وحكم إحرام المكي بالعمرة ومن أين يحرم .. إلخ.
وتبين معنا مما سبق أن العمرة يجب أن يحرم بها الإنسان المكي وغير المكي إما من الميقات إن مر به أو من الحل إن لم يمر بالميقات، وتقدم معنا تفصيل هذا بشكل موضح.
- ثم قال - رحمه الله -: لا من الحرم.
يعني: لا يجوز أن يحرم من الحرم، - فإن أحرم من الحرم انعقدت العمرة - وهو آثم إن فعل ذلك عمداً - وعليه دم إن فعل ذلك عمداً أو سهواً أو جهلاً كما سيأتينا، فالإثم يتعلق بالقصد والعلم، والدم يجب مطلقاً ولو مع الجهل أو النسيان، هذا كله تفصيل حكم من أحرم بالعمرة من الحرم.
- ثم قال - رحمه الله -: فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر: حلّ.
ظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أن المعتمر لا يجوز له أن يتحلل إلا بعد إتمام جميع مناسك العمرة بأن يحلق بعد الطواف والسعي، فإن حل قبل ذلك فعمله ملغى ولا زال محرماً.
= والقول الثاني: أن المعتمر إذا طاف وسعى حل: حلق أو لم يحلق.
-
لأنه أتى بأركان العمرة.
وهذه المسألة مبينة على مسألة سابقة وهي هل الحلق والتقصير نسك أو إطلاق من محظور، وتقدم معنا الخلاف وأن الراجح أنه نسك، وإذا كان الراجح أنه نسك فالراجح أيضاً في هذه المسألة أنه لا يحل إلا إذا حلق بعد الطواف والسعي. -
ثم قال - رحمه الله -: وتباح كل وقت.
قوله: (وتباح في كل وقت) عبر المؤلف - رحمه الله - هنا بكلمة تباح مع أننا في سياق الكلام عن العبادات، والسبب في ذلك أنه أراد دفع قول من يقول أن العمرة تكره في بعض أيام السنة: كقول بعضهم تكره يوم عرفة أو في أيام التشريق أو في يوم النحر أو في أشهر الحج، فدفعاً لهذا عبر بقوله: (تباح).
لكن مع ذلك في الحقيقة ليس بمناسب مطلقاً أن نقول عن العمرة أنها تباح، بل العمرة:
ـ إما أن تكون سنة: - إذا قلنا: أنها مشروعة واستوفت الشروط والأركان والواجبات والمشروعية.
- أو نقول: لا تجوز إذا أخذت على صفة غير مشروعة.
أما أن نعبر عن عبادة من العبادات بقولنا (تباح) فهذا من وجهة نظري ليس بمناسب وكان ينبغي أن لا يعبر بمثل هذا التعبير عن عبادة عظيمة كعبادة العمرة.
قوله - رحمه الله -: تباح في كل وقت.
ظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أنه لا بأس بالموالاة بين العُمَرِ، ولا يشترط أن يفصل بينها بأي فاصل كان، والموالاة بين العمر ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يقصد بالموالاة أن يأخذ في السنة الواحدة أكثر من عمرة.
فهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم بل فيها خلاف بين السلف الصالح من التابعين، والذي يظهر لي أن هذا الخلاف موجود في عصر الصحابة.
واختلفوا - رحمهم الله - على قولين:
= القول الأول: أنه لا يشرع أن يأخذ الإنسان في السنة إلا عمرة واحدة كما في الحج.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بقول إبراهيم النخعي - رحمه الله -: (ما كانوا يأخذون في السنة إلا عمرة واحدة).
= والقول الثاني: أنه يشرع للإنسان أن يأخذ في سنة واحدة أكثر من عمرة.
واستدل هؤلاء: - بآثار عن ثلاثة أو أربعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بل عبر بعضهم بأن عليه عمل الصحابة، أنهم يأخذون في السنة الواحدة أكثر من عمرة.
وهذا القول الثاني: وهو جواز أخذ أكثر من عمرة في السنة هو القول الصواب إن شاء الله وعليه عمل الصحابة.
وتقدم معنا أن قول إبراهيم النخعي أو الزهري: (كانوا) أنه مهم جداً ويعبر عن طبقة من الصحابة أو من كبار التابعين وأنه يصلح للاعتماد عليه، لكن لم نأخذ به هنا لأنه مصادم بالآثار الصحيحة عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. ـ القسم الثاني: الموالاة بين العمرة بمعنى أن يأخذ عمراً متعدد في وقت قريب كأن يأخذ في كل يوم أو في كل أسبوع.
فهذا أيضاً فيه خلاف: = القول الأول: أن هذا مشروع ولا حرج فيه بل مستحب. - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
فدل الحديث على أنه من شأن العمرة أن تكرر ومن شأن الحج أن يكون في السنة مرة واحدة.
= القول الثاني: أنه لا يشرع للإنسان أن يكرر العمرة بهذا المعنى بأن يأخذ في كل يوم أو في كل أسبوع.
واستدل أصحاب هذا القول:
-
بأن السلف الصالح أطبقوا على كراهية هذا العمل.
والقاعدة عند أهل السنة والجماعة: (أن النصوص المطلقة والعامة يجب أن تفهم على ضوء فهم السلف الصالح).
ونحن نجد أن السلف الصالح الذين رووا لنا حديث (العمرة إلى العمرة كفارة) كانوا يكرهون الموالاة بين العمر بهذا الاعتبار.
وهذا القول هو الراجح.
بقينا في ضابط الفاصل بين العمر لنخرج من هذه الكراهة.
فيه خلاف: وهو على أقوال كثيرة نأخذ منها قولين: = القول الأول: أن الضابط أن يفصل بينهما بنحو عشرة أيام وهي المدة التي يخرج فيها الشعر.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد - رحمه الله -. واستدل: -
بأن أنس - رضي الله عنه - كان إذا أخذ عمرة لا يأخذ أخرى حتى يحمم رأسه أي حتى يسود.
إشارة إلى طلوع الشعر، وهذا يحصل بنحو عشرة أيام.
= والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يأخذ في شهر واحد عمرتين.
والراجح: القول الأول لأن معه أثر عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. -
ثم قال - رحمه الله -: وتجزئ عن الفرض.
أي أن العمرة التي يأخذها الإنسان مهما كان نوعها تجزئ عن الفرض، سواء كانت عمرة مفردة أو عمرة التمتع أو عمرة القران وسواء كانت عمرة مأخوذة من الميقات أو عمرة مأخوذة من أدنى الحل، فأي عمرة صحيحة فإنها تجزئ عن الفريضة.
ثم قال - رحمه الله -: وأركان الحج.
أركان الحج: هي أجزائه التي لا يتم ولا يصح إلا بها.
وهي أربعة:
ـ الأول: الإحرام.
فالإحرام هو الركن الأول من أركان الحج.
واستدلوا على أنه من أركان الحج:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات).
- وبأن الإنسان لا يدخل في الحج إلا به فهو ركنه.
والمقصود بالإحرام هنا نية دخول النسك.
= والقول الثاني: أن الإحرام واجب. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الحج عرفة).
وإلى هذا مال - فيما نقل - ابن قدامة - رحمه الله -. = والقول الثالث: أنه شرط. - قياساً على الطهارة مع الصلاة.
والقول المنسوب لابن قدامة فيه ضعف ظاهر إن ثبتت النسبة.
والراجح: إما أنه ركن أو شرط.
والمؤدى واحد.
فالنتيجة من حيث الحكم والثمرة واحدة وهو عدم صحة الحج إذا فقد.
ـ الثاني: الوقوف.
الوقوف من أركان الحج بالنص والإجماع.
- أما النص فقوله - رحمه الله -: (الحج عرفة).
- وقد أجمع أهل العلم على أنه ركن الحج ولا إشكال فيه.
ـ الثالث: طواف الزيارة.
وطواف الزيارة: ركن من أركان الحج بالنص والإجماع. - أما النص فقوله: - (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) -[الحج/29].
- وأيضاً قوله: - (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) -[آل عمران/97] وزيارة البيت هي أول ما يدخل في هذه الآية.
- وأجمع أهل العلم على أنه ركن من أركان الحج ولا إشكال فيه.
ـ الرابع: السعي.
السعي ركن من أركان الحج وفيه خلاف قوي:
= فذهب الحنابلة والجمهور إلى أن السعي ركن من أركان الحج.
واستدلوا على هذا بأدلة كثيرة نأخذ أقواها:
- منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ""ما أتم الله حج رجل لم يطف بين الصفا والمروة"".
وهذا في مسلم ولا إشكال في ثبوته. - الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) ومعنى كتب: أي فرض، وهذا الحديث في ثبوته خلاف كبير من أهل العلم منهم من ضعفه كالإمام ابن حزم ومنهم من صححه كالذهبي وابن عبد الهادي ومنهم من اختلف قوله فصححه تارة وضعفه تارة مثل الذهبي، والأقرب أنه مقبول وأنه يمكن الاستدلال به.
- الدليل الثالث والأخير: - (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) -[البقرة/158]. فمن تعظيم هذه الشعائر وجوب الطواف بينها.
= القول الثاني: أن السعي سنة.
واستدلوا بأدلة: - الدليل الأول: أن هذا مذهب ابن عباس وأنس وابن الزبير.
- الدليل الثاني: قوله تعالى: - (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) -[البقرة/158]. فرفع الجناح يدل على الإباحة أو السنية.
والجواب عن الاستدلال بالآية: أن رفع الجناح في الآية لرفع الكراهة التي كانت موجودة عند الأنصار حيث كان على الجبلين الصف والمروة صنمان فكانوا يتحرجون من السعي بينهما فبينت الآية أنه لا حرج على من سعى بينهما، وليست الآية لبيان حكم السعي وإنما لرفع هذا التوهم الخاص.
-
الدليل الثالث: أنه في مصحف أبي وابن مسعود: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا).يعني: إن لم يطف فلا جناح عليه، وهذه قراءة ثابتة.
قالوا: فإن كانت من القرآن فهي دليل وإن لم تكن من القرآن فلا أقل من أن تكون بدرجة خبر الآحاد.
فإنه لم يكن لابن مسعود أن يجزم بمثل هذا اللفظ في مصحفه إلا أن تكون قرآناً أو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. واختار القول بأنه سنة عدد من الفقهاء وليس قولاً شاذاَ. -
ثم قال - رحمه الله -: وواجباته.
الإحرام من الميقات المعتبر له، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية: بمنى، ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرمي والحلاق والوداع.
واجبات الحج سبعة ذكرها المؤلف - رحمه الله - مرتبة:
ـ الأول: الإحرام من الميقات المعتبر له.
الإحرام من الميقات واجب.
وتقدم معنا أن أهل العلم أجمعوا بلا خلاف أن من مر على الميقات وهو يريد النسك ثم تعداه فهو آثم وقد خالف واجباً من واجبات الشرع.
واستدلوا على هذا:
-
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدد المواقيت في حديث ابن عباس ولا يعلم لهذا التحديد فائدة إلا المنع من تجاوز هذه المواقيت بلا إحرام، فدل على هذا الحكم الإجماع والنص.
ثم قال - رحمه الله -: والوقوف بعرفة إلى الغروب.
تقدم معنا الخلاف فيه وأن الوقوف واجب وهذا الوقوف والوجوب يتعلق بمن جاء إلى عرفة في النهار دون من جاء إليها بالليل.
-
لأنه يجب على من جاء إلى عرفة بالنهار أن يجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة.
وتقدم معنا هذا والأدلة والخلاف والراجح، وأن مذهب الحنابلة في هذه المسألة هو الصواب. -
ثم قال - رحمه الله -: والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية: بمنى.
المبيت بمنى واجب، وتقدم معنا ذكر الخلاف وأن الراجح الذي تدل عليه النصوص إن شاء الله أنه واجب.
بقينا في مسائل:
ـ المسألة الأولى: أن القدر الواجب من المبيت هو: أن يبقى معظم الليل.
وإلى ذهب الفقهاء وقرره الحافظ بن حجر وهو واضح.
أن القدر الواجب هو البقاء في منى معظم الليل.
والمقصود بمعظم الليل: الزيادة ولو يسيرة على نصفه.
يعني: أن يبقى النصف مع زيادة ولو يسيرة بهذا يكون قد بقي معظم الليل سواء كان البقاء من أول أو وسط أو آخر الليل.
ـ المسألة الثانية: من لم يجد مكاناً في منى.
ففي من لم يجد مسألتين:
-
- المسألة الأولى: هل يجب أن يبقى في طرق وأرصفة منى ليحقق المبيت؟ أو له أن يخرج عن منى.
الراجح والله أعلم أنه لا يجب عليه بل لا ينبغي وربما نقول إذا كان معه نساء لا يمكن أن يستترن لا يجوز أن يبقى في منى على الطرق والأرصفة يؤذي الناس ويؤذي نفسه لأن الفقهاء يشترطون في البقاء في منى أن يبقى في مكان يصلح لمثله والبقاء على الأرصفة لا يصلح لكثير من الناس كما أنه يؤذي المارة.
فنقول: لا يجب على الإنسان أن يبقى لا في الطرق ولا على الأرصفة ولو كانت فارغة لأن الأرصفة لم توضع لينام عليها الإنسان وإنما وضعت لتستخدم من قبل المارة في الحج وفي غير الحج.
إذاً نقول: لا يجب على الإنسان أن يبقى على الأرصفة أو على الطرقات إما أن يجد مكاناً مناسباً أو لا يجب عليه.
- المسألة الأولى: هل يجب أن يبقى في طرق وأرصفة منى ليحقق المبيت؟ أو له أن يخرج عن منى.
-
- المسألة الثانية: إذا قلنا لا يجب عليه فهل يجب أن يبقى على حدود منى في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه ملاصقاً لمنى من أي جهة منها؟ أو يجوز له أن يذهب ثم يبيت في أي مكان من مكة.
في هذا خلاف: ... ((الأذان)).
في هذه المسألة خلاف: والحاجة إليها ماسة: = فالقول الأول: أنه له أن يذهب فيبيت في أي مكان شاء ولا يجب أن يبقى متصلاً بالحجاج الذين في منى.
واستدل هؤلاء:
- المسألة الثانية: إذا قلنا لا يجب عليه فهل يجب أن يبقى على حدود منى في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه ملاصقاً لمنى من أي جهة منها؟ أو يجوز له أن يذهب ثم يبيت في أي مكان من مكة.
- بأن الشارع إنما أوجب المبيت في منى.
فإذا لم يتمكن الإنسان منها خرج إلى أي مكان.
كما أن الإنسان الذي قطعت يده لا يجب عليه أن يغسل شيئاً آخر وإنما سقط عنه وجوب المبيت كما سقط عن ذاك غسل اليد.
= القول الثاني: أنه يجب وجوباً إذا لم يجد مكاناً في منى أن يجلس في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه متصلاً بالحجاج في منى.
واستدل هؤلاء: - بأن الله سبحانه وتعالى أوجب الجلوس في منى فإذا لم يتمكن أتى بأقل الواجب وهو الجلوس متصلاً بأهلها كما أن من لم يجد مكاناً في المسجد لا نقول له لا تجب عليك صلاة الجماعة بل نقول يجب أن تصلي في المكان الذي تتصل فيه الصفوف.
وفي المسألة إشكال وبقيت أتأمل فيها وقتاً طويلاً في الحقيقة ففيها إشكال وفي النصوص تعارض، لكن سنأخذ ثلاث نقاط تساعد على الترجيح يلتمس الإنسان من خلالها الراجح في هذه المسألة: ـ النقطة الأولى: أن المبيت في منى وجوبه وجوباً مخففاً.
بدليل أن الإمام أحمد - رحمه الله - عنه رواية أن ترك المبيت لا شيء فيه.
بينما لم يختلف قوله أن ترك الرمي كله أن فيه دم، وقرر شيخ الإسلام أن هذا مذهب أحمد وهو أن الوجوب وجوب مخفف والأدلة الدالة على هذا ولا إشكال في أن المبيت وجوبه مخفف، فهؤلاء الرعاة يتركون المبيت جملة لكن الرمي لا يتركونه وإنما يرمون في يوم عن يومين، فإذاً لا إشكال أن المبيت وجوبه وجوب مخفف.
ـ النقطة الثانية: جاء في مجموعة من الآثار بعضها مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعضها موقوف على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الاجتماع في منى إنما شرع لأنه عيد أن أيام منى أيام عيد وفي أيام الأعياد يشرع الاجتماع وفي منى لا يمكن أن نجتمع بالنهار لأن الحجاج مشغولين بالرمي فإذا يكون الاجتماع بالليل.
وهذا قرره جماعة من السلف.
ومن المعلوم أن الاجتماع للأعياد مستحي وليس بواجب.
ـ النقطة الثالثة: أنه ثبت أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يبعث رجالاً أن من بات خارج حدود منى يجب عليه أن يدخل إلى منى مما يدل على أن البقاء في البقعة مقصود لذاته.
- أخيراً: القياس على صلاة الجماعة فيه نظر من جهة أن وجوب الصلاة مع اتصال الصفوف إنما هو للإقتداء بالإمام وهذا المعنى غير موجود في منى، لذلك أنا أميل إلى أنه لا يجب على الحاج أن يجلس في أقرب مكان إلى منى بل له أن يبيت في أي مكان، لكن من خلال سياق الخلاف ومن خلال ما سمعتم تعلمون أنه يتأكد على الإنسان أن يجلس في أقرب مكان يتهيأ له الجلوس فيه مما يتصل بمنى.
أما الوجوب ففي الحقيقة لا أرى أنه يوجد أدلة تساعد على إيجاب مثل هذا الأمر وأن من تركه جملة فعليه دم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (16)
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- يقول المؤلف - رحمه الله -: والمبيت.
تقدم معنا الكلام عن المبيت وعن حكم وجوب الجلوس قرب منى عند الزحام وما يتعلق به.
- ثم قال - رحمه الله -: ومزدلفة إلى بعد نصف الليل.
المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل واجب: = عند الحنابلة.
فإن جاء بعغد نصف الليل قبل الفجر فلا شيء عليه وإن جاء بعد صلاة الفجر فعليه دم.
وتقدم معنا هذا كله.
ظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أن السقاة والرعاة أيضاً يجوز لهم ترك المبيت في ليلة مزدلفة.
لأنهم منن الذين عذروا في ليالي منى فكذلك في ليلة مزدلفة.
= والقول الثاني: أنه لا يعذر أحد في المبيت ليلة مزدلفة.
يعني: المبيت الواجب الذي تقدم معنا في مقداره.
-
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأهل الأعذار في المبيت ليالي منى ولم يأذن لهم في مزدلفة.
-
ولأن وجوب المبيت ليلة مزدلفة آكد بكثير من المبيت ليالي منى حتى قيل إنه من الأركان.
-
وثالثاً: لأن المبيت ليلة مزدلفة ليلة واحدة لا تشق لا على الرعاة ولا على السقاة ولا على أي أحد.
وهذا الثاني هو الأقرب أنه لا يرخص في ليلة مزدلفة كالترخيص ليالي منى.
لا سيما وأن المبيت عند الحنابلة والجماهير فقط إلى منتصف الليل. -
ثم قال - رحمه الله -: والرمي والحلاق والوداع.
الرمي والحلاق والوداع من الواجبات وتقدم معنا عدة مباحث تتعلق بكل واحد من هذه الواجبات، وقوله: (والحلاق) يعني: أو التقصير.
- ثم قال - رحمه الله -: والباقي سنن.
أي: الأشياء التي لم تذكر مع الواجبات ولا مع الأركان فهي سنن، وهذا يشمل جميع ما ذكر في صفة الحج المفصلة مما لم يدخل ضمن الواجبات أو ضمن الأركان.
- ثم قال - رحمه الله -: وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي.
أركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، والخلاف الذي تقدم معنا في السعي فيما يتعلق بالحج يوجد أيضاً تماماً في العمرة ولا فرق.
فالخلاف فيهما واحد.
وتقدم معنا الخلاف في الإحرام والسعي.
- ثم قال - رحمه الله -: وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها.
واجبات العمرة: أن يحلق أو يقصر والثاني أن يحرم من الميقات لمن مر به أو من الحل لمن كان في مكة، وأيضاً تقدم معنا الكلام عن أحكام المواقيت وأحكام الحلق والتقصير وما يجب في تركه وما هو القدر الواجب بالنسبة للحلق وأيضاً الأحكام التي تتعلق بالإحرام.
- ثم قال - رحمه الله -: فمن ترك الإحرام: لم ينعقد نسكه.
من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه.
بدأ المؤلف - رحمه الله - بتفصيل الكلام عن ترك هذه الواجبات والأركان والسنن، فمن ترك الإحرام لم ينعقد الحج من أصله.
وهذا بالإجماع.
-
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات).
فإذا ترك الإنسان الإحرام جملة نسياناً أو عمداً أو لأي سبب فإنه لا يدخل في الحج أصلاً ولا ينعقد له النسك.
ثم قال - رحمه الله -: ومن ترك ركناً غيره أو نيته: لم يتم نسكه إلاّ به.
معنى العبارة: من ترك ركناً أو ترك نية الركن وإن أتى به فإنه لم يتم يعني: لم يصح نسكه، وهذا معنى لم يتم نسكه، أما إذا ترك الركن فلا إشكال بالإجماع أنه إذا ترك ركناً على الخلاف في الأركان لكن إذا قيل إنه ركن فترك الركن يفسد الحج بالإجماع، وأما ترك نية الركن فتقدم معنا الخلاف في النية التفصيلية لأعمال المناسك وأن من العلماء من رأى أنها واجبة وتشترط لصحة الركن، ومنهم من رأى أنه يكتفى بالنية العامة للحج، وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة.
- ثم قال - رحمه الله -: ومن ترك واجباً: فعليه دم.
من ترك أي واجب من واجبات الحج فعليه دم، وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله -: سهواً أو جهلاً أو عمداً بعذر أو بغير عذر ففي الجميع يجب عليه دم، وهذا الدم نص المؤلف - رحمه الله – عليه، وتقدم معنا في المتن أن الدم يقصد به الشاة أو سبع البقرة أو سبع البدنة، وأيضاً تقدم معنا أنه يشترط في هذا الدم ما يشترط في الأضاحي وستأتينا قريباً، فيشترط فيه أن يتصف بالشروط المجزأة في الأضحية.
والدليل على وجوب الدم في الحج:
- ما روي عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً أنه قال: (من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً).
وهذا الأثر صحيح موقوفاً وضعيف مرفوعاً.
والقول بوجوب الدم لترك الواجب هو القول الراجح بل هو قول أهل العلم فمنذ أن أفتى ابن عباس بهذه الفتوى إلى يومنا هذا الصحابة والتابعين وتابع التابعين وجميع العلماء كلهم يفتون بوجوب الدم إذا ترك الإنسان واجباً من واجبات الحج.
فهذا هو الدليل الأول. - الدليل الثاني: أنه لم ينكر أحد على ابن عباس أنه أفتى بهذا.
- الثالث: أنه لا يعلم مخالف له وهذا بحد ذاته كاف.
فلا يعلم له مخالف مطلقاً من الصحابة ولا من التابعين. - الرابع: أنه حكي الإجماع على وجوب الدم.
والإجماع متحقق في بعض الصور لا شك، كمن ترك الرمي جملة فلا يوجد خلاف وممن حكى الإجماع على وجوب الدم في ترك الرمي جملة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فوجوب الدم من حيث هو محل إجماع.
لكن يختلفون في تحقيق المناط.
يعني: يختلفون في مسألة هل هذا العمل يستحق أن نوجب عليه الدم أو ليس من الأنساك الكاملة التي يوجب تركها دماً.
إذاً يختلفون في تحقيق المناط، أما الوجوب من حيث هو فهذا لم يختلفوا فيه، حتى أن الإنسان إذا ذهب يبحث عن الخلاف لم يجد خلافاً بين أهل العلم أن ترك الواجب فيه دم، وبهذا علمنا إن شاء الله أن هذا القول هو الراجح وأن مخالفة هذا القول الذي أطبق عليه الناس من عصر الصحابة من فتوى ابن عباس والتابعين مخالفة أشبه ما تكون بالشاذة، ولا يجرؤ الإنسان أن يخالف مثل هذه الفتوى التي أطبق عليها خيار الناس بلا حجة شرعية، فإن قيل أن إجابة الدم على الناس بلا دليل: لا يجوز.
لأنه إخراج للمال المملوك للمسلم بلا دليل شرعي، فالجواب: الدليل الشرعي هو هذا.
وأي دليل أكثر من أنه يجمع الناس على مثل هذه الفتوى ولا أحد يخالف ابن عباس فهذا بحد ذاته دليل قوي، والإجماع هو الأصل الرابع من أصول أهل السنة والجماعة، فوجوب الدم لا إشكال فيه إن شاء الله.
-
- مسألة / قال بعض أهل العلم: يجب الدم في ترك النسك أو ترك بعض النسك.
فلو ترك ليلة واحدة أو حصاة واحدة أو أي شيء من الأنساك فعليه دم.
واستدل:
- مسألة / قال بعض أهل العلم: يجب الدم في ترك النسك أو ترك بعض النسك.
- بقول ابن عباس في هذا الأثر: (من ترك نسكاً أو بعض نسك).وفي لفظ: (من ترك نسكاً أو شيئاً من نسك).
= والقول الثاني: أن الدم لا يجب إلا إذا ترك الإنسان نسكاً كاملاً كأن يترك المبيت في الليالي الثلاث.
فهذا نسك كامل إذا تركه وجب الدم.
وإلا فلا يجب. - لأن اللفظ المشهور في أثر ابن عباس ليس فيه: (من ترك شيئاً من النسك) وإنما فيه من ترك نسكه أو نسيه.
فالتبعيض هذا لا يوجد في كتب السنة فيما وقفت عليه.
فهذا لفظ لا أدري من أين جاء به بعض الفقهاء ليوجبوا الدم في كل ترك نسك ولو جزئي.
والراجح: أن الدم لا يجب إلا إذا ترك نسكاً كاملاً: مبيت بمزدلفة أو الرمي أو رمي جمرة كاملة أو المبيت جميع الليالي أو الحلق والتقصير جملة.
فالمهم أن يترك نسكاً كاملاً، وهذا القول وسط بين من يتوسع في الدماء وبين من يضيق في الدماء حتى لا يوجب الدم إلا في أشياء مخصوصة فقط.
ثم قال - رحمه الله -: أو سنة: فلا شيء عليه.
إذا ترك سنة من سنن الحج فلا شيء عليه ولا حرج.
لكن الحج ناقص النقص الفاضل فليس بحج تام التمام الكامل، وإن كان الحج تاماً من حيث تمام الوجوب لكنه ليس بتام من حيث تمام الأفضلية فهو ناقص بلا إشكال وينبغي أن يراعي الإنسان هذا.
أن من ترك سنة من سنن الحج فإنه الحج ناقص الكمال، وبهذا انتهى الكلام عن السنن والأركان والواجبات وما يترتب على ترك كل واحد منها.
-
- مسألة / لم نتكلم عن الرمي في الليل:
اختلف أهل العلم في حكم الرمي في الليل على قولين:
= القول الأول: وهو للجمهور أنه لا يجوز أن يرمي بالليل بل ينتهي وقت الرمي يوم رمي جمرة العقبة وأيام التشريق بغروب الشمس.
واستدلوا على هذا:
- مسألة / لم نتكلم عن الرمي في الليل:
اختلف أهل العلم في حكم الرمي في الليل على قولين:
= القول الأول: وهو للجمهور أنه لا يجوز أن يرمي بالليل بل ينتهي وقت الرمي يوم رمي جمرة العقبة وأيام التشريق بغروب الشمس.
- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرم في الليل.
- وبأن اليوم ينتهي بغروب الشمس.
والرمي يتعلق باليوم. - واستدلوا أيضاً بأن الليالي شرعاً ولغة تتبع اليوم القادم لا اليوم الفائت.
= والقول الثاني: أن الرمي ليلاً جائز.
واستدلوا: - بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له السائل: رميت بعدما أمسيت فقال افعل ولا حرج والمساء في لغة العرب يطلق من بعد الزوال إلى غروب الشمس في قول، وإلى منتصف الليل في قول آخر.
- واستدلوا أيضاً: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للرعاة بالرمي ليلاً.
والجواب على الدليلين: ـ أما الأول: فسؤال السائل عن الرمي حين قال: (رميت بعدما أمسيت) كان ضحى الرمي يوم العيد أن هذه الأسئلة كانت في الضحى.
فلا شك أنه رمى بعد الزوال وقبل الغروب وسكاه مساء لأن هذا يسمى مساء في لغة العرب فلم يرم في الليل، فإذاً أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على السؤال على مقتضى الحال وهو أنه رمى نهاراً.
ـ وأما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص بالرمي للسقاة والرعاة فهذا دليل للذين قالوا لا يجوز الرمي بعد غروب الشمس لأنه إذا رخص لهؤلاء بقي الذين ليس لهم عذر بلا رخصة وأنه لا يجوز أن يرموا بعد مغيب الشمس، لكن الجواب عن هذا الحديث أنه رواه الدارقطني وإسناده ضعيف فلم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في الرمي بعد مغيب الشمس للسقاة والرعاة وإلا في الحقيقة لو صح هذا الحديث لكان دليلاً قوياً للذين يرون عدم جواز الرمي بعد غروب الشمس لكن الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والأقرب والله أعلم: أنه يجوز للإنسان أن يرمي في الليل وإن احتاط ورمى في النهار فهو أولى ومتأكد لا سيما أن آخر النهار تكون الجمار شبه فارغة ولا حرج على الإنسان ولا ضيق ولا زحام في الرمي آخر اليوم في أيام التشريق.
لكن إن رمى بعد مغيب الشمس ولو بلا عذر ولو مع تمكنه من الرمي نهاراً فإن الرمي يكون أداءً وهو صحيح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أول الوقت ولم يبين آخره.
وأيضاً يستدل على صحة الرمي: بأن المنع منه قد يوجب ضيقاً وحرجاً على الناس والشريعة جاءت برفع الضيق والحرج.
وعلى كل حال: ما دام ليس في المسألة نص يمنع من الرمي لا إيماء ولا إشارة ولا أثر عن صحابي فالقول بأن الرمي لا يجوز فيه بعد.
ونأتي إلى
باب الفوات والإحصار
. باب الفوات والإحصار
- قال - رحمه الله -: باب الفوات والإحصار.
الفوات: هو ما يسبق فلا يدرك، فالفوات أخص من السبق المطلق إذ الشيء قد يسبق ويدرك، لكن الفوات لا يطلق إلا على الذي يسبق ولا يمكن أن يدرك يكون قد فات، هذا هو الفوات.
وأما الإحصار فهو الحبس والمنع من إتمام النسك في الحج والعمرة.
- قال - رحمه الله -: من فاته الوقوف: فاته الحج.
بدأ المؤلف - رحمه الله - بالفوات ثم سيختم الباب بالإحصار: من فاته الوقوف يعني في عرفة فاته الحج، والوقوف بعرفة يفوت: بطلوع الفجر يوم العيد - يوم النحر.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الحج عرفة فمن أدرك قبل طلوع الفجر من يوم النحر فقد تم حجه).
مفهوم الحديث: أن من لم يدرك لم يتم حجه.
-
والدليل الثاني: الإجماع على أنه إذا طلع الفجر ولم يقف بعرفة فقد فات الحج.
إذاً عرفنا الآن من قوله: (من فاته الوقوف: فاته الحج) متى يفوت الوقوف وماذا يترتب على فوات الوقوف وهو: فوات الحج. -
ثم قال - رحمه الله -: وتحلل بعمرة.
إذا فاته الوقوف بعرفة تحلل بعمرة، وهذه العمرة:
= على المذهب: عمرة مقصودة صحيحة.
واستدلوا على ذلك:
- بأنه صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أفتى رجلاً فاته الوقوف بعرفة بأن يتحلل بعمرة ويذبح ما استيسر من الهدي ويحج من العام القادم.
- وأفتى عمر - رضي الله عنه - أبا أيوب الأنصاري بأن يصنع ما يصنع المعتمر.
هذا القول الأخير هو الراجح إن شاء الله.
- ثم قال - رحمه الله -: ويقضي.
يعني: يجب على من فاته الحج وتحلل بعمرة أن يقضي من السنة القادمة وجوباً، فإن كان هذا الحج حج الفريضة وجب عليه أن يقضي.
لأنه يجب أن يقضي هذا الفائت ولأن الحج أصلاً واجب في ذمته، ولا إشكال فيمن كان حجه الذي فات حج فريضة، وإن كان حج تطوع فكذلك
= عند الحنابلة يجب عليه أن يقضيه.
وإلى هذا ذهب الجمهور وهو وجوب القضاء في الفوات.
واستدلوا بأدلة:
- الدليل الأول: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من لم يدرك فعليه دم وأن يتحلل بعمرة والحج من قابل).
هذا الحديث من مراسيل عطاء.
فهو لم يثبت مرفوعاً لكن مع ذلك هذا المرسل حجه باتفاق الأئمة الأربعة لأنه احتفت به قرائن تقويه: القرينة الأولى: أنه من مراسيل عطاء وهو أفقه التابعين بالمناسك فهذا يقويه.
ثانياً: أنه أفتى على وفق هذا الحديث المرسل ستة من الصحابة صح عنهم الإفتاء بما يوافق مرسل عطاء.
الثالث: أن هذا المرسل يتأيد بظاهر القرآن كما سيأتينا في دليل مستقل.
والمرسل إذا تأيد يمثل هذه الأمور صار حجة باتفاق الأئمة. - الدليل الثاني: أن هذا مروي عن ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- الدليل الثالث: أن هذا ظاهر القرآن في قوله تعالى: - (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/196] وجه أن ظاهر القرآن يؤيد هذا القول: أن الله أمر بأحد أمرين:
- إما إتمام النسك.
- أو الوقوع في الإحصار.
بقي الفوات فيجب أن يتم وإذا أتمم لم يمكن أن يتم إلا بأن يأتي به في السنة القادمة.
وهذا صحيح، يعني: أن ظاهر القرآن يؤيد الوجوب.
= القول الثاني: أنه لا يجب على الإنسان أن يقضي هذا الحج الفائت.
واستدلوا على هذا بأمرين: - الأمر الأول: ليس في السنة الصحيحة ما يدل على وجوب قضاء الحج الفائت بل في السنة الصحيحة ما يشير إلى عدم الوجوب وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الحج مرة فما زاد فهو تطوع) ولو أوجبنا قضاء الحج الفائت لأوجبنا أكثر من حج.
-
- الأمر الثاني: أنه صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (من فاته الحج فلا قضاء عليه).
والراجح والله أعلم: مذهب الجمهور وهو القول الأول ورجحانه رجحان ظاهر بين.
والجواب على أدلة القول الثاني: ـ أما قوله - صلى الله عليه وسلم - (الحج مرة فما زاد فهو تطوع) يعني: أنه لا يجب بأصل الشرع إلا أن يحج الإنسان مرة واحدة أما الواجبات بأسباب أخرى فلم يمنعها الحديث ولذلك لو أن الإنسان نذر أن يحج وجب عليه أن يحج ولا نقول أنه لا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة بل نقول يجب أن توفي بنذرك وأن تحج، كذلك الفائتة بسبب شرعي نقول: يجب أن تقضي هذه الفائتة.
ـ وأما فتوى الصحابي الجليل الفقيه ابن عباس فهي مرجوحة: - أولاً: أن ابن عباس لما أفتى عمر وكبار الصحابة بوجوب القضاء كان صغيراً ليس من أهل الفتوى وأجمعوا على ذلك ولا يعرف مخالف لفتاوى عمر وكبار الصحابة في ذلك الوقت ثم لما كبر ابن عباس رأى بعد ذلك أنه لا يجب قضاء الفائت ففتواهم كانت لما كان صغيراً ليس من أهل الفتوى ففتواهم - رضي الله عنهم - مقدمة على فتوى ابن عباس لإجماعهم واتفاقهم عليها، ثم لو فرضنا أن ابن عباس خالف في حين صدور فتوى عمر مع إجماع من مع عمر من كبار الصحابة ففتوى عمر المتوافقة مع ظاهر القرآن المتوافقة مع مرسل عطاء أقوى وهي مقدمة على فتوى ابن عباس بلا إشكال.
فالراجح إن شاء الله أن من فاته الحج لأي سبب من الأسباب ولو بعذر من الأعذار فإن عليه أن يحج من السنة القادمة وهذا يقع وكثيراً ما يقع.
فيقع للمرضى الذين لا يمكن أن يقفوا ولا محمولين في عرفة.
ويقع لبعض الأطباء الذين يدخلون لإجراء عملية أو لعلاج مريض طارئ من حين يبدأ الوقوف إلى أن يطلع الفجر فلا يتمكنون من الخروج من المستشفى فهذا يعتبر الحج بالنسبة لهم فائت وعليهم أن يتحللوا بعمرة وأن يقضوا من السنة القادمة.
- الأمر الثاني: أنه صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (من فاته الحج فلا قضاء عليه).
-
ثم قال - رحمه الله -: ويهدي.
يجب عليه القضاء والهدي، ووجوب ذبح ما استيسر من الهدي أيضاً هو:= مذهب الجمهور ولم يخالف إلا الأحناف.
واستدل الجمهور:
- بالآثار السابقة.
فإنه في مرسل عطاء أوجب الهدي وفي فتوى عمر أوجب الهدي.
فالأدلة الدالة على القضاء تدل أيضاً على وجوب الهدي.
= وقال الأحناف: لا يجب عليه هدي.
بل يتحلل بعمرة وينصرف إلى أهله.
والصواب مع الجمهور وهذه المسألة تشبه مسألة القضاء فما قيل في القضاء وقوة أدلة أصحابه يقال هنا في مسألة الهدي.
-
- مسألة / وهذا الهدي يذبح في السنة القادمة في حجة القضاء لا في حجة الفوات، وهذا الهدي يذبح ولو ذبح الإنسان في الحجة الفائتة ما معه من الهدي وقربه إلى الله في الحرم فإنه يجب عليه أيضاً أن يذبح هدياً آخر من السنة القادمة.
-
- مسألة / وهذا الحج المقضي عن الفائت يجزئ عن حجة الإسلام.
ولا يوجد دليل يمنع من أن يكون يجزئ عن حجة الإسلام.
- مسألة / وهذا الحج المقضي عن الفائت يجزئ عن حجة الإسلام.
- ثم قال - رحمه الله -: إن لم يكن اشترط.
فإن كان اشترط فلا قضاء ولا هدي ولا يجب عليه أي شيء بل يتحلل بموجب الشرط ولا حرج عليه.
- ثم قال - رحمه الله -: ومن صدّه عدو عن البيت: أهدى ثم حل.
بدأ المؤلف - رحمه الله - بالإحصار فمن صده عدو عن البيت صنع ما قال المؤلف - رحمه الله -:
-
سواء صده عن نسك الحج.
-
أو صده عن نسك العمرة.
-
وسواء كان نسك الحج تمتعاً أو قراناً أو إفراداً.
-
وسواء صده عن الحج بعد التحلل الأول أو قبل التحلل الأول.
إذا صد عن الحج فإنه يعتبر من المحصرين ويتحلل.
= والقول الثاني: أن الإحصار لا يكون بعد التحلل الأول بل عليه أن يبقى محرماً إلى أن يتيسر له الطواف بالبيت لأنه بعد التحلل الأول حل من كل شيء إلا النساء فسهل عليه أن ينتظر لإتمام النسك، وإلى هذا القول الثاني مال ابن قدامة - رحمه الله -. والصواب مع القول الأول: وهو أن الإحصار عذر بعد التحلل الأول وقبل التحلل الأول.
والمشقة الموجودة بالمنع من الطواف موجودة بعد التحلل الأول وقبل التحلل الأول.
قال - رحمه الله -: ومن صدّه عدو عن البيت: أهدى ثم حل.
قوله: (أهدى): = ذهب الجماهير إلى وجوب الهدي.
- لقوله تعالى: - (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/196].
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن ينحروا هديهم في عمرة الحديبية حين صد عن البيت - صلى الله عليه وسلم -. = والقول الثاني: أن الهدي لا يجب فمن كان معه هدي يذبحه ومن لم يكن معه شيء فإنه يتحلل بالحلق والتقصير وينصرف.
والصحيح وجوب الهدي والآية صريحة: - (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/196]. يعني: فعليكم أن تذبحوا ما استيسر من الهدي.
فلا يتحلل الإنسان إلا بالهدي أو بالإتيان ببدله كما سيأتينا في كلام المؤلف - رحمه الله - لكن الآن: الأصل هو تقرير وجوب الهدي على المحصر. -
ثم قال - رحمه الله -: أهدى ثم حل.
ظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أنه لا يجب عليه أن يحلق ولا أن يقصر لأنه يقول - رحمه الله -: (أهدى ثم حل).
وفي هذه المسألة خلاف:
= فالجماهير وأكثر أهل العلم رأوا وجوب الحلق أو التقصير وأنه يشترط للتحلل أن يحلق أو أن يقصر.
واستدلوا على هذا:
-
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بالحلق ثم أمرهم وأكد الأمر بقرائن كثيرة وغضب لما تأخروا وهذا كله يدل على وجوب الحلق.
= القول الثاني: أن الحلق لا يجب لأن الله تعالى أمر المحصر بذبح الهدي فقط والآية لم تتعرض للحلق أو التقصير فإيجابه إيجاب لشيء زائد عن الآية.
والصواب مع القول الأول: لأن ما لم يذكر في الآية ذكر في السنة وكم من الأحكام إما لم تذكر جملة في القرآن ذكرت في السنة أو ذكرت على سبيل الإجمال في القرآن وفصلتها السنة وهذا ليس بأمر مستغرب على الشرع فإيجاب الحلق والتقصير بناء على وجود السنة الصريحة فيه هو القول الصحيح.
ومن العلماء من قال: وجوب الحلق والتقصير على المحصر ينبني على مسألة: هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك ولا يتعلق بالأدلة التي ذكرها الجمهور بل ينبني على هذه المسألة الثانية وهي: هل هو نسك أو ليس بنسك؟ ونقول: إذا كانت تنبني على مسألة هل هي نسك أو ليس بنسك فتقدم معنا أن الحلق والتقصير في الحج والعمرة نسك.
بناء على هذا يجب أيضاً أن لا يتحلل المحصر إلا إذا حلق أو قصر. -
قال - رحمه الله -: فإن فقده: صام عشرة أيام ثم حلّ.
إذا فقده صام عشرة أيام ثم حل بدل عن الذبح بدلاً عن الهدي، ودليل الوجوب: - القياس على المتمتع.
= القول الثاني: أنه إذا لم يجده اشترى بقيمة الدم طعاماً ووزعه على الفقراء أو صام عن كل مد يوماً.
= القول الثالث: أنه ليس للذبح بدل فإذا لم يجد الهدي بقي محرماً إلى أن يتيسر له الهدي.
-
- لأن الله ذكر في الآية الهدي ولم يذكر له بدلاً ولو كان له بدل لذكر كما ذكر البدل في جزاء الصيد.
هذه هي أقوال أهل العلم التي اطلعت عليها.
لم أطلع على قول يقول: أنه إذا لم يجد الهدي سقط بلا بدل.
حسب مطالعتي اليسيرة لم أجد أحداً نص على هذا وإنما أهل العلم اختلفوا على ثلاثة أقوال:
- لأن الله ذكر في الآية الهدي ولم يذكر له بدلاً ولو كان له بدل لذكر كما ذكر البدل في جزاء الصيد.
-
قولين في تحديد ما هو البدل.
-
وقول أنه ليس له بدل.
لكن هذا القول الذي يقول ليس له بدل يلزمه أن يبقى محرماً ولا يقول له أن يتحلل.
فالقول بأنه إذا لم يجد هدياً أنه يتحلل بدون شيء بدون بدل عن الدم هذا القول لم أقف عليه وهو قول يتوافق مع قواعد الشرع لكن نحتاج أولاً البحث عن قائل به.
الراجح: - إذا كان ليس في المسألة إلا هذه الثلاثة أقوال فالراجح هو: القول الثاني فإن البدل بهذا الأمر جاء في الشرع.
ثم قال - رحمه الله -: وإن صدّ عن عرفة: تحلل بعمرة.
إن صد عن عرفة فإنه يتحلل بعمرة.
وهذا ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يتحلل قبل خروج وقت الوقوف.
فحينئذ يتحلل بعمرة.
ـ القسم الثاني: أن يصد عن عرفة ويبقى ينتظر ويرجو أن يدخل عرفة إلى أن يخرج يوم عرفة فحينئذ ينتقل إلى الفوات ولا يأخذ حكم الإحصار.
لذلك ينبغي لمن صد عن عرفة وظن أنه لن يتمكن: أن يبادر إلى التحلل.
لكي لا يأخذ أحكام الفوات.
- ثم قال - رحمه الله -: وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة: بقي محرماً إن لم يكن اشترط.
يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين أن الحصر لا يكون إلا بعدو.
- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أحصر بعدو ولم يحصر بغير ذلك.
فأحكام الحصر تتعلق بالعدو فقط كما جاءت السنة. - الدليل الثاني للحنابلة: أن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: (لا حصر إلا بالعدو).