كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
والاستنشاق: هو أن يسحب الماء إلى داخل الأنف.
فإن وصل إلى أقصى الأنف فهو المبالغة.
وإن جذبه أدنى جذب فهو المجزئ.
فتبين معنا من تعريف المضمضة أنه ينبغي أن يعرف الإنسان حكم المج: أليس الإنسان إذا تمضمض يمج الماء؟
فما حكم المج؟
إذا لم يمج فماذا سيصنع؟ ... يبلعه.
الواقع أن المج من كمال المضمضة لكن لا يوجد دليل على الوجوب لأن الشارع إنما أوجب المضمضة والمج لا يدخل في تعريفها ولكن لاشك - كما أسلفنا - أن المج من كمال المضمضة لأن بعد المضمضة يصبح الماء مليئاً بما تخلف في الفم.
ومقصود الشارع من المضمضة تنظيف الفم.
وباقي مسألة واحدة - في مسألة المضمضة والاستنشاق - وهي مسألة: الوصل والفصل: هل السنة أن يصل المضمضة والاستنشاق؟ أو السنة أن يفصل؟
ما هو الوصل؟ وما هو الفصل؟
المقصود بالوصل: أن يتمضمض ويستنشق من كف واحدة.
والمقصود بالفصل: أن يتمضمض من كف ويستنشق من كف أخرى.
الثابت في السنة الصحيحة الذي لا يحفظ عن النبي ‘ غيره هو: الوصل.
أي: بكف واحدة.
فيرفع الماء باليمنى ويستنثر باليسرى.
ولكن إت تمضمض واستنشق بكفين فلا حرج.
ولا يوجد ما يدل على بطلان مضمضته أو استنشاقه لكن السنة أن لا يفصل وإنما يصل.
وعليه عمل كثير من الناس - على إني أرى بعض الناس يفصلون وهذا أدنى أحواله أن نقول أنه خلاف السنة وينبغي أن يصل الإنسان تأسياً بالنبي ‘.
• ثم قال ’:
ويغسل وجهه
أيضاً ينبغي أن يقول المؤلف: ثلاثاً.
وبالنسبة للوجه تولى المؤلف بيان حدود الوجه فقال:
من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ومن الأُذن إلى الأُذن عرضاً.
حد الرأس الذي ذكره المؤلف يشمل الجهات الأربع من الأعلى والأسفل واليمين والشمال.
فمن الأعلى يقول: من منابت شعر الرأس.
فالجزء الذي ينبت فيه شعر الرأس هو بداية الوجه لكن اشترط أهل العلم أن يكون من المنابت المعتادة فلا ينظر للأفرع وهو من نبت شعره على جبهته.
ولا ينظر للأصلع وهو من انحسر شعره عن جبهته.
وإنما ينظر إلى المعتاد فيكون هو الحد الذي يبتدئ منه الوجه.
فلو أن إنساناً غسل وجهه ولكن لم يستوعب الجزء الذي فيه منابت الشعر المعتاد وإنما نزا عنه قليلاً فإن الوضوء يعتبر باطلاً لأنه لم يستوعب الوجه غسلاً وأخذنا في أول الباب أن غسل الوجه فرض بالنص والإجماع.
هذا بالنسبة لحد الوجه من الأعلى.
ثم قال: إلى ما انحدر من اللحيين والذقن:
اللحيان هما: العظمان أسفل الوجه.
وهما: العظمان اللذان تنبت عليهما اللحية.
والذقن: هو مجتمع هذين العظمين.
إذاً هذا تحديد الوجه من الأعلى - اليمين والشمال - ومن الأسفل وهو الذقن.
بناءً على هذا هل يجب على الإنسان أن يغسل أعلى حلقه الملاصق للوجه؟
الجواب: لا.
لأن حد الوجه ينتهي بالذقن والذقن شيء والحلق شيء آخر.
ثم قال: ومن الأذن إلى الأذن عرضاً: تقدم معنا أن إلى ما بعدها خارج الغاية:
طيب: من الأذن إلى الأذن هل ما قبل من داخل أو خارج؟
فيه خلاف: في كتب اللغة.
لكن الراجح أنه خارج كما قيل في إلى تماماً وهذا القول ممن رجحه العلامة الصنعاني وإن كان بعض المعاصرين يرى أن من داخل لكن الصواب أن من خارج.
إذاً فقوله من الأذن إلى الأذن نقول أن الأذنين خارجان.
وعليه فمنتهى الوجه الأذن.
ويفهم من عبارة المؤلف أن ما بيت الخد والأذن داخل في الوجه.
أليس كذلك؟ فهو يقول من الأذن إلى الأذن:
إذاً فما بين الخد والأذن داخل - وهو الصواب.
وهو البياض المحاذي لصماخ الأذن.
فيجب غسله عند جماهير أهل العلم - الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي وأبو حنيفة - وخالف مالك في هذه المسألة.
فنبقى مع قول الجمهور ولا نحتاج إلى الخلاف في هذه المسألة.
ثم لما بين المؤلف - ’ - الحدود انتقل إلى الكلام عن ما في الوجه:
• فقال ’:
وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه.
بين حكم ثلاثة أنواع من الشعر:
الأول: الشعر الخفيف.
والثاني: الشعر الكثيف.
والثالث: الشعر المسترسل.
ولم يبين المؤلف ’: هل غسل هذه الأنواع من الشعر واجب أو مستحب أو سنة؟ والواقع أن فيها تفصيلاً.
وقبل أن نذكر حكم كل واحد منها يجب أن نعرف الفرق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف: فما هو الفرق بينهما؟ نقول:
• أن ضابط الشعر الخفيف هو أن يرى الخد من تحته.
وسيأتينا حكمه.
• وضابط الشعر الكثيف هو: أن لا يرى الخد من تحته.
إذاً انتهينا من معرفة الشعر الخفيف والشعر الكثيف فباقي الشعر المسترسل: ونقول: ضابط المسترسل هو: ما خرج من اللحية عن حد الوجه طولاً أو عرضاً.
فهذا يسمى عند الفقهاء: شعر مسترسل.
فلا يشترط أن يكون طويلاً بل مجرد ما يخرج عن هذا الحد يعتبر مسترسلاً.
بعد أن تصورنا ما هو الشعر الخفيف وما هو الشعر الكثيف وما هو الشعر المسترسل؟ فنبين أحكام هذه الأنواع الثلاثة من الشعر:
بالنسبة للشعر الخفيف: فيجب أن يغسل وما تحته: الدليل: قالوا أن هذا الشعر وما تحته من جلد يرى في حكم الظاهر وتحصل به المواجهة فيجب أن يغسل.
وبالنسبة للشعر الكثيف: نص الإمام أحمد أنه ليس من السنة غسل داخل الشعر الكثيف - الكثير - ولكن يجب أن يغسل ظاهره لأن ظاهره تحصل به المواجهة.
ما هو الدليل على أن باطنه لا يغسل؟
الدليل: أن النبي ‘ ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه كان كث اللحية ولم ينقل أنه كان يغسل باطن اللحية.
وبالنسبة للشعر المسترسل: ففي حكمه إشكال فقد اختلف فيه أهل العلم:
المذهب - مذهب الحنابلة: الوجوب , ومن هنا نعلم أن قول المؤلف ’: مع ما استرسل منه يعني بذلك: الوجوب.
وممن اختار وجوب غسل ما استرسل من اللحية من المحققين المجد وشيخ الاسلام وابن مفلح - وكل واحد من هؤلاء إمام من الأئمة.
الدليل: قالوا: أن الشعر المسترسل من اللحية تحصل به المواجهة وما تحصل به المواجهة فهو داخل في حد الوجه فيجب أن يغسل.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن غسل الشعر المسترسل من اللحية سنة وليس بواجب وممن اختار هذا القول من المحققين الحافظ ابن رجب - وهو أيضاً من كبار أهل العلم.
وقد كان عندي تردد كثير في هذه المسألة منذ زمن والآن تبين لي بوضوح أن غسل المسترسل ليس بواجب الدليل: الذي ساعد على الترجيح: أخرج البخاري في صحيحة عن ابن عباس - وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان في قوله - أن قال ثم أخذ كفاً من ماء وغسل وجهه وتقدم معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كث اللحية حتى أنه بعض المأمومين يرى لحيته - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ القرآن من خلفه وإذا كانت لحيته كثه - صلى الله عليه وسلم - ولم يأخذ لها إلا كفاً واحدة للوجه فإن هذه الكف لا تستوعب غسل جميع ما استرسل هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن ما استرسل من اللحية خارج محل الفرض فإن الله أمرنا أن نغسل الوجه وتقدم معنا تحديد الوجه كما جاء في كتب أهل اللغة ومن المعلوم أن الخارج عن اللحين خارج عن محل الفرض.
فلهذا أرى أنه لا يجب على الإنسان أن يغسل ما استرسل من اللحية ولكن لا شك أن الإحتياط أن يغسل الإنسان ما استرسل من لحيته احتياطاً وتطبيقاً للسنة.
• ثم قال:
ثم يديه مع المرفقين.
تقدم معنا البحث في مسألة يديه مع المرفقين وكيف دخل المرفقان في حد اليد مع أن إلى في لغة العرب لا يدخل ما بعدها فيما قبلها.
• ثم قال - رحمه الله -:
ثم يمسح كل رأسه مع الأُذنين مرة واحدة.
بين في مسألة مسح الرأس ثلاث قضايا:
الأولى: استيعاب الرأس.
وهذا يؤخذ من قوله: كله.
الثانية: أنه يمسح مرة واحدة.
فقد نص على أنها مرة واحدة في قوله: مرة واحدة.
الثالثة: أنه يمسح مع الرأس الأذنين.
ففي هذه الجملة - الخمس كلمات - بين حكم ثلاثة مسائل.
أولاً: السنة أن يمسح الإنسان على رأسه مرة واحدة لأنه لم يحفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على رأسه أكثر من مرة وأي حديث يمر بك في أي كتاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أكثر من مرة فاعلم أنه شاذ أو ضعيف.
شاذ: يعني أن يكون رواية لحديث صحيح.
أو ضعيف: أي أن يكون برأسه حديث مستقل ولكنه ضعيف.
فلا يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقاً أنه مسح أكثر من مرة.
ثانياً: أن يستوعب الرأس.
تقدم معنا الخلاف في حكم استيعاب الرأس وأن الصواب هو مذهب الحنابلة وهو وجوب استيعاب جميع الرأس بالمسح لأن الباء في الآية للإلصاق والإلصاق يعني استيعاب الرأس مسحاً.
- فهذا تقدم معنا -.
بقي معنا الأذنين فلم يبين المؤلف كيفية مسح الأذنين ولا كيفية مسح الرأس.
أما كيفية مسح الر أس: فقد بينه الصحابي الجليل عبد الله بن زيد - في الحديث المتفق عليه فأخبر أن النبي ‘ بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب إلى قفاه ثم عاد إلى مقدم رأسه.
هذه هي السنة في كيفية المسح.
وهذه الكيفية صحيحة وروي في حديث عبد الله بن زيد العكس - في رواية للحديث - أنه بدأ بمؤخر رأسه ثم أقبل إلى مقدمه ثم رجع.
والأصح من الروايتين الأولى.
- أن يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب إلى قفاه.
والثانية: يجاب عنها بأحد جوابين:
• إما أن نقول إنها ضعيفة.
• أو نقول أن الواو فيها لا تفيد الترتيب.
بينما رواية عبد الله بن زيد - في الصحيحين فيها استخدام كلمة ثم وهي نص في الترتيب.
إذاً تبيت معنا أن السنة أن يبدأ بمقدم رأسه.
لكن هل هذه الكيفية واجبة؟ أو سنة؟
صرح الحنابلة أنه كيفما مسح أجزأه لكن لا ينبغي الإخلال بهذه الكيفية المنصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
باقي المسألة الأخيرة: وهي: كيفية مسح الأذنين:
جاء في حديث ابن - في سنن النسائي أن النبي ‘ (مسح بأن وضع السبابتين في الصماخ ومسح يإبهامه على ظاهر الأذنين).
هذا الحديث أصله في البخاري لكن هذه الكيفية في النسائي وسنن النسائي صرح اثنان أو ثلاثة من الحفاظ أن جميع ما فيه مما لم يعله النسائي لا في السنن المجتبى ولا في السنن الكبرى أنه صحيح وبغض النظر عن صحة هذه الرواية إلا أنها تفيد قوة الأحاديث الموجودة في سنن النسائي.
إذاً عرفنا الآن - ما يتعلق بمسح الأذنين وتقدم معنا أن الخلاف في مسح الأذنين خلاف قوي وأن الإنسان في الحقيقة يتردد في الوجوب وعدمه إلا أنه من الغرائب أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على عدم الوجوب.
وهذا الإجماع ليس بصحيح لأن مذهب الحنابلة الوجوب.
لكن حكاية هذا الإجماع يجعل الإنسان يميل إلى القول بعدم الوجوب.
• ثم قال ’:
ثم يغسل رجليه مع الكعبين -
((هذه لم تشرح))
• ثم قال ’:
ويغسل الأقطع بقية المفروض.
لم يبين المؤلف ما هو مقصوده بالأقطع؟ في أي عضو من الأعضاء وهو أراد أن لا يعين حتى يعم إذاً أي عضو من أعضاء الوضوء إذا قطع غسل البقية والدليل قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم [الأنفال/60]
وقول النبي ‘ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا في الصحيحين.
إذاً إذا انقطع العضو من الإنسان سواء كان سبب القطع عقوبة أو كان سببه قضاء مقدر فإنه يغسل الباقي.
• ثم قال ’:
فإن قطع من المفصل: غسل رأس العضد منه.
يعني: إن شمل القطع كل اليد من المفصل فإنه يجب أن يغسل رأس العظم لأنه كان من اليد - داخل في اليد.
لم يبين المؤلف حكم العضو المقطوع جملة فلو أن إنساناً قطعت يده من الكتف أو من منتصف العضد فماذا يجب عليه؟
سقط.
فلم يبينه المؤلف لأنه معلوم من كلام المؤلف: لأنه قال: يغسل بقية المفروض فإذا لم يكن للمفروض بقية فلا يجب أن يغسل شيئاً.
فهذه المسألة عرف حكمها من مفهوم كلام المؤلف.
• ثم قال ’: بعد أن بين كل ما يتعلق بالوضوء -:
ثم يرفع نظره إلى السماء.
روي أن النبي ‘ قال من توضأ ثم رفع بصره إلى السماء ثم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) وهذا الحديث بزيادة رفع البصر حديث ضعيف.
بناء على هذا فلا يسن للإنسان أن يرفع بصره إذا انتهى من الوضوء بل أكثر من أنه لا يسن لا يشرع فهو بدعة لأنه من صميم العبادة ولا يوجد له دليل يدل عليه.
لكن من عادة أهل العلم رحمهم الله أنهم لا يطلقون البدعة على مسألة فيها خلاف بالنسبة للآخر وإن كانت المسألة ينطبق عليها تعريف البدعة لكن جرى عمل العلماء أنهم ما يطلقون بدعة إذا كانت المسألة محل خلاف فربما الحديث الذي تضعفه أنت يصححه غيرك إذاً نكتفي بقولنا غير مشروع.
• قال ’:
ويقول ما ورد.
في الروض يقول: ومنه (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) هذا الحديث صحيح في البخاري ومسلم.
لكن أخرج الترمذي زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).
وسبق معنا قاعدة أن الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم بألفاظ زاد عليها غيرهم زيادات لم تذكر في الصحيح فالغالب عليها الضعف بل لو قال الإنسان: كلها ضعيفة إلا شيء يسير لصدق.
ومن ذلك هذا اللفظ فإن هذا الفظ ضعيف - هذه الزيادة ضعيفة لأن الحفاظ الأثبات الذين رووا هذا الحديث في الصحيحين لم يذكروها.
• قال - رحمه الله -:
وتباح معونته
يباح للإنسان أن يعان.
ليس سنة ولا محرم لكنه مباح بدليل أن المغيرة بن شعبة - أعان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يتوضأ فويؤخذ من هذا أنه لا غضاضة على الإنسان أن يقبل إعانة الآخرين له مالم يكن في منة وتنقص عليه وجرت العادة أن إعانة الصغير للكبير أو المفضول للفاضل ليس فيها منة فقبول هذه الإعانة لا بأس به ولا حرج.
وهذا سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - وإمام المتوكلين يقبل الإعانة والإعانة شيء والسؤال شيء آخر فإن بعض الناس يخلط بين الإعانة والسؤال.
إذا عرض أحد عليك إعانة فلا حرج في القبول لكن الحرج في السؤال أن تسأل الإعانة من الناس هذا هو المذموم.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتنشيف أعضائه.
ما هو حكم التنشيف؟ مباح.
لأنه يقول: وتباح.
ثم قال وتنشيف.
إذاً الحنابلة يرون أن تنشيف الأعضاء مباح.
ولكن مع ذلك الأئمة الأربعة كلهم بلا خلاف يرون استحباب ترك التنشيف وفي رواية عن أحمد كراهية التنشيف.
فصارت الأقوال ثلاثة:
• إما أن نقول: مباح.
• أو أن نقول: يستحب تركه.
• أو أن نقول: مكروه.
والراجح مذهب الحنابلة: أنه مباح.
واستدل الأئمة الأربعة على استحباب ترك التنشيف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل فجاءته ميمونة بمناديل فردها - رضي الله عنها - ولم يرد أن ينشف.
هذا الحديث يقوي مذهب الأئمة الأربعة.
لكن يجاب عن هذا الحديث بأن هذه قضية عين وربما كان رده - صلى الله عليه وسلم - لسبب لا نعلمه.
فتكون الرواية المشهورة عن الإمام أحمد وهي إباحة التنشيف هي الأقرب.
أما الحكم بأنته يستحب تركه - يعني أن يتعبد الإنسان ربه بترك التنشيف هذا فيه بعد.
ولو كان من مستحبات الوضوء ترك التنشيف لجاء في الأحاديث الصحيحة ولم يأت عرضاً في مثل حديث ميمونة.
بهذا انتهى المؤلف - رحمه الله - من باب فروض الوضوء وصفته وانتقل إلى باب مسح الخفين ...
(((انتهى الدرس وانتهى الباب)))).
باب مسح الخفين
• قال المؤلف - رحمه الله -:
باب مسح الخفين.
لما ذكر - رحمه الله - الغسل أعقبه بالكلام على المسح لأن المسح يقوم مقام الغسل.
والمسح هو: إمرار اليد على الشيء.
في لغة العرب.
وفي الإصطلاح: إصابة البلة حائل مخصوص بكيفية مخصوصة.
والخف: اسم لما يلبس على الرجل من الجلد.
ولما عرفنا الخف فمن المناسب أن نعرف الألفاظ التي تقرب الخف ومنها:
- الجرموق: هو ما يلبس على الرجل من جلد فوق الخف ويكون قصيراً.
- والموق: هو الجرموق.
فالصحيح أنه لا فرق بينهما. - الجوربان: هما ما يلبس على الرجل من غير الجلد كالصوف والقماش.
• قال - رحمه الله -:
يجوز: يوماً وليلة.
عرفنا من هذه العبارة أن حكم المسح على الخفين جائز.
وجواز المسح على الخفين مذهب الجماهير من أهل العلم بلا خلاف بينهم.
ويدل على المشروعية أمران:
-
الأمر الأول: أحاديث صحيحة: ـ كحديث علي - في صحيح مسلم: (يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن).
ـ وحديث صفوان -: (أمرنا أن لا ننزع الخفاف إذا كنا سفراً ثلاثة أيام).
ـ وحديث عوف بن مالك -: نحو هما.
إذاً السنة الصحيحة الصريحة الواضحة تدل على مشروعية المسح على الخفين. -
الأمر الثاني: إجماع الصحابة.
حكم هذا الاجماع الحافظ ابن المبارك فقال - رحمه الله -: (لم يختلف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الخفين) عرفنا الآن مشروعية المسح والأدلة وأنه مشروع بالنص من السنة والإجماع.
• يقول - رحمه الله -: يجوز يوماً وليلة ولمسافر ثلاثة بلياليها.
هذا هو وقت المسح.
فوقت المسح هو: يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
وعرفنا الأدلة: - حديث علي -: (يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن والمقيم يوم وليلة). -
وحديث صفوان السابق.
-
وحديث عوف بن مالك.
فكلها تدل على هذا التوقيت.
ومقصود الفقهاء بيوم وليلة: أي أربعة وعشرين ساعة.
وليس كما يظن بعض الناس أن المقصود به خمس صلوات.
فهناك فرق بين هذين التوقيتين.
• ثم قال - رحمه الله -: - في مسألة مهمة من أهم مسائل الباب.
من حدث بعد لبس.
يريد المؤلف بهذه العبارة أن يبين متى يبدأ حساب المدة؟.
= فعند الحنابلة: يبدأ احتساب المدة من الحدث.
لذا يقول: من حدث بعد لبس.
وهذا التوقيت هو مذهب جمهور الأئمة.
استدل الجماهير: بحديث صفوان - السابق: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفراً ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة لكن بول وغائط ونوم).
فقوله: (لكن من بول وغائط ونوم) قالوا: أنه يفهم من هذه العبارة أنه بعد مضي يوم وليلة من الغائط ينتهي المسح.
أو ثلاثة أيام للمسافر.
والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد وهي من المفردات: أن ابتداء المدة من أول مسحة.
الدليل: قالوا أن النبي ‘ يقول في الحديث الصحيح (يمسح المسافر ثلاثة أيام) ولو اعتبرنا أن المدة تبدأ من الحدث لم يصدق عليه أنه مسح ثلاثة أيام.
سيتبين الدليل بالمثال: إذا فرضنا أن إنساناً توضأ ولبس الخف في الساعة الرابعة - بعد صلاة العصر - وفي الساعة الخامسة أحدث ثم في الساعة السابعة مسح.
• عند الحنابلة: متى يبدأ؟ ... ـ يبدأ: من الخامسة - من ساعة الحدث.
• وعلى الرواية الثانية: متى يبدأ المدة؟ ... ـ يبدأ من: الساعة السابعة.
• الفرق بين الخامسة والسابعة: ... ـ ساعتان.
وهاتان الساعتان ذهبتا على الماسح عند الحنابلة لأنه لم يتمكن من المسح إلا لمدة ثلاث وعشرين ساعة فالساعتين لم يتمكن فيهما من المسح.
إذاً لم يصدق عليه أن الشارع أباحه المسح لمدة يوم وليلة.
وهذا القول يعتبر من مفردات مذهب الحنابلة بالنسبة للمذاهب الأربعة وممن اختاره أيضاً أبو ثور والأوزاعي وشيخ الإسلام رحمهم الله الجميع.
وهذا القول هو الصحيح: وهو أن حساب المدة يكون من أول مسحة بعد الحدث لا من الحدث نفسه.
ثم لما بين المؤلف مدة المسح والوقت الذي يبتدئ الحساب منه انتقل إلى شروط الممسوح فقال ’:
على طاهر مباح ساتر للمفروض يثبت بنفسه من خف وجورب صفيق ونحوهما.
الشرط الأول: من شروط جواز المسح:
- أن يكون الخف أو الجورب طاهراً.
ما هو الدليل على أنه يشترط أن يكون الممسوح طاهراً؟ الجواب: أن الدليل هو الإجماع.
فقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم.
لكن بقيت مسألة في قضية طهارة الممسوح وهي: أن مراد الفقهاء بقولهم طاهر هو الطهارة العينية لا النجاسة الطارئة.
بعبارة أخرى: يجوز المسح على المتنجس لا على النجس.
بمعنى: أنه لو كان الخف مصنوع من جلد نجس فهل يجوز أن نمسح عليه؟ الجواب: لا.
لا يجوز.
إذا كان الخف مصنوع من صوف وأصابه البول فهل يجوز أن نمسح عليه؟ نعم.
يجوز.
فإذا مسحنا على خف متنجس فيجب عند إرادة الصلاة أن نطهر الخف ولكن لو أردنا أن نقرأ القرآن فهل يجوز أن نمسح ونقرأ؟
نعم.
يجوز.
لماذا؟
لأن المسح على الخفين مسح صحيح ولو كانا متنجسين ولكن يجب أن نغسل الخفين المتنجسين إذا أردنا الصلاة.
وبهذا نكون قد عرفنا مقصود الفقهاء رحمهم الله.
فإذا قيل لك: ماذا يقصد المؤلف بقوله على طاهر؟
فتقول: يقصد على طاهر العين ولا يقصد نفي الطهارة أو النجاسة الطارئة.
• قال - رحمه الله -:.
مباح
يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يمسح على الخف المحرم.
وهذا التحريم يأتي من سببين:
- إما بسبب الكسب.
- أو بسبب الذات.
يعني محرم لذاته ومحرم لكسبه.
• المحرم لكسبه: كالخف المغصوب أو المسروق أو المشري بمال حرام أو بمال ربا أو بمال الرشوة.
• المحرم لذاته: أو لعينه: كالخف المصنوع من حرير أو من جلد نجس.
ما الدليل؟ دليل هذه المسألة قاعدة عامة عند الجمهور "" أن الرخص لا تناط بالمعاصي""، والمسح رخصة فلا يناسب تجويزه لمن اقتنى خفاً محرماً لكسبه أو لعينه.
والقول الثاني: أنه يجوز المسح على الخف المحرم لكسبه لأنه لا علاقة بين التحريم والمسح بدليل أنه لو لم يمسح فهو آثم - مسح أم لم يمسح ولأن الإثم يتعلق بالغصب.
والقول الثاني: أقرب.
وإن كان الاحتياط أن يعيد صلاته.
لكن من حيث الدليل الأقرب صحة الصلاة.
• ثم قال - رحمه الله -: - في الشرط الثالث من شروط الممسوح: ساتر للمفروض.
يعني أنه يشترط لجواز المسح على الخف أن يكون ساتراً لجميع الفرض.
وهو القدم إلى الكعبين.
ما الدليل على هذا الحكم؟ الدليل: أن الخف إذا ظهر بعضه وستر بعضه فإن حكم المستور المسح وحكم الظاهر الغسل والمسح والغسل لا يجتمعان فتعين الغسل لأنه الأصل.
فيقولون أن هذه الرجل اجتمع فيها ظاهر ومغطى فالظاهر يجب أن يغسل لأنه منكشف والمغطى يجب أن يمسح ولا يمكن أن تجتمع طهارة المسح والغسل فننتقل إلى الغسل لأنه الأصل.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن هذا الشرط غير ثابت بدليل:
- أن خفاف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت ممزقة بسبب الفقر وكانوا مع ذلك يمسحون عليها.
- ولأن الأدلة عامة - الأدلة التي سبقت معنا - كحديث علي وصفوان وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام.
وهو الصواب بل العمل بمذهب الحنابلة شاق أو متعذر لا سيما في أوقات الفقر والعوز.
• ثم قال ’: - مبيناً الشرط الرابع:
يثبت بنفسه.
يشترط في الممسوح أن يكون ثابتاً بنفسه فإن لم يثبت إلا بالربط أو بالشد أو بلبس النعل فإنه لا يجوز والحالة هذه أن نمسح عليه.
فإذا كان الجورب واسع لأي سبب من الأسباب بحيث لا يثبت بنفسه فإنه لا يجوز أن نمسح عليه ولو تم ربطه وشده.
لأنه يقول: ويثبت بنفسه يعني أنه يشترط فيه أن يثبت بنفسه.
ما الدليل؟ الدليل: قالوا أن الأدلة الدالة على جواز المسح - الرخصة - وردت في المعتاد وما لا يثبت بنفسه فليس معتاداً فلا يدخل في النصوص.
ولا بد أن تنتبهوا لهذين الشرطين: -
- أن يكون ساتراً لمحل الفرض.
- وأن يثبت بنفسه.
لماذا؟ الجواب: لأن عليهما تفاريع كثيرة في المذهب كما سيأتينا فلا بد من فهم هذين الشرطين والخلاف فيهما.
القول الثاني: أنه لا يشترط أن يكون ثابتاً بنفسه.
فلو ثبت بمثبت أياً كان بربط أو شد أو بلبس النعل فإنه يجوز أن نمسح عليهما.
وهذا مروي عن الإمام أحمد وأيضاً هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ’. والراجح هو عدم اشتراط هذا الشرط بل هو شرط ضعيف جداً.
• ثم قال ’ في الشرط الخامس: من خف وجورب صفيق ونحوهما.
(مِنْ) في قوله: (مِنْ خف) متعلقة بقوله: (على طاهر) يعني أن العبارة هكذا: على طاهر من خف وجورب صفيق ونحوهما.
يعني أنه يجوز المسح على جنس هذا الأشياء - الخف والجورب والموق والجرموق أما ما عدا هذه الأشياء كالنعل فإنه لا يمسح عليهما بلا خلاف وحكى الإجماع أكثر من واحد.
إذاً بالإجماع لا يجوز المسح على النعل ونحوه إنما جنس الجوارب أو الخفاف وهي مايكون منها من جلد أو من صوف هي التي جاءت السنة بجواز المسح عليها.
وعرفنا من قول المؤلف أن الجورب حكمه حكم الخف.
فإن قيل النصوص فيها ذكر الخف وليس فيها ذكر للجوارب فالجواب من وجهين: • الأول: أنه روي عن تسعة من أصحاب النبي ‘ أنه يجوز المسح على الجوارب ولا يعلم لهم مخالف فاعتبره عدد من الفقهاء إجماع وهو كذلك.
• الثاني: أن الجوارب تقاس على الخفاف.
فإذاً لا إشكال في المسح على الجورب.
• ثم قال ’: وعلى عمامة.
لرجل محنكة.
يعني أنه يجوز المسح على عمامة الرجل.
والدليل على جواز المسح على العمامة:
• أولاً: أنه ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على عمامته.
• وثانياً: أن العمامة تقاس على الخف بجامع مشقة النزع في كل منهما.
والقول بجواز المسح على العمامة من الأقوال التي تميز بها مذهب الحنابلة لأن الجمهور يرون عدم جواز المسح على العمامة وهو القول الثاني: ويأخذون بعموم الآية فإن الله أمرنا بأن نمسح على رؤوسنا فقال (وامسحوا برؤوسكم) قالوا: فلا يجوز أن نمسح على غير الرأس.
لكن الحنابلة أخذوا بحديث صحيح مروي في صحيح مسلم فهم أحظ بالدليل.
وكما قلت هذا القول من مميزات مذهب الحنابلة ومن الأدلة على ما يتميز به مذهب الحنابلة فقد أخذنا في أول درس مميزات مذهب الحنابلة فالأول منها أخذهم بالأدلة والنصوص.
• لكن شرط المؤلف شروطاً فقال - رحمه الله -:
لرجل - وأن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.
يشترط للمسح على العمامة:
- أن يكون اللابس لها رجل.
- وأن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.
ومعنى التحنيك أن تدار من تحت الحنك.
• الدليل على أنه يشترط أن يكون اللابس لها رجل: أن المرأة يحرم عليها لبس العمامة لما فيه من التشبه بالرجال ولذا فإنه لا يجوز لها إذا لبست وخالفت: أن تمسح.
• الدليل على اشتراط التحنيك: قالوا أن النص جاء بالمسح على العمامة والعمامة إذا أطلقت في عرف المسلمين في العهد النبوي هي العمامة المحنكة فبها تناط الرخصة دون العمائم التي لم تحنك.
القول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون محنكة لأن النصوص الصحيحة التي جاء فيها جواز المسح لم تشترط التحنيك.
= مالجواب على دليل الحنابلة؟
- أجاب شيخ الاسلام عن هذا الدليل بقوله: أن السلف إنما كرهوا لبس العمامة الغير محنكة لأنه يحتاج إلى التحنيك في الجهاد ونحوه.
لأن الفارس إذا ركب بدون أن يحنك عمامته فإنها تسقط هكذا قال شيخ الاسلام وهو جواب سديد.
= إذاً قيل لك هل كره السلف لبس العمامة غير المحنكة؟ - فالجواب: نعم كرهوا لبس العمامة التي لم تحنك.
= فإذا قيل لك لماذا؟ - فالجواب: لأنه يحتاج إليها في الجهاد ونحوه لا لمسألة المسح.
• قال - رحمه الله -: أو ذات ذؤابة: الكلام في الذؤابة كالكلام في التحنيك: يعني:
إما أن تكون محنكة أو تكون ذات ذؤابة لكن من المفيد أن تعرف أن عدداً من العلماء الذين رأوا جواز المسح على المحنكة يرون عدم جواز المسح على العمامة ذات الذؤابة فلابد من التحنيك.
والصواب أنه لا يشترط لا التحنيك ولا الذؤابة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وعلى خمر نساء مدارة تحت حلوقهن.
يجوز عند أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله أن تمسح المرأة على الخمار بشرط ذكره وهو: - أن تكون مدارة تحت الحلق.
الدليل:
• أولاً: قالوا: صح عن أم سلمة - رضي الله عنها - وهي من فقيهات الصحابة أنها مسحت على الخمار.
• ثانياً: القياس على الخف بجامع مشقة النزع.
القول الثاني: للجماهير: أنه لا يجوز المسح على خمر النساء لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على الجواز وما فعلته أم سلمة - رضي الله عنها - أثر وليس بنص.
القول الثالث: أنه يجوز عند الحاجة كوجود البرد أو أن تكون لفة الرأس عليها لنحو وضع حناء أو لأي صورة من صور الحاجة.
وهذا القول - الثالث - يشعر به كلام شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله -.
وهو الصواب فهو وسط بين المانعين والمجيزين.
وإلا في الحقيقة فإن القول بالمنع أقرب لأنه لم يأت نص صحيح على الجواز والأصل المسح وفعل صحابية واحدة وإن كانت من الفقيهات لا يقوى في الحقيقة على التنازل عن فرض من فروض الوضوء وهو مسح الرأس.
لكن مع وجود هذا الأثر ووجود الحاجة يكون الجواز متوجهاً.
ويدل على الجواز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبد رأسه في الحج والظاهر أنه مسح ملبداً يعني مسح حال كونه ملبداً.
فهذا أيضاً يقوي مسألة المسح على خمار المرأة.
• ثم قال - رحمه الله -:
في حدث أصغر.
هذا الشرط السادس وهو: أنه إنما يجوز المسح في الحدث الأصغر دون الأكبر والدليل على هذا حديث صفوان وفيه - كما تقدم - قوله إلا من جنابة.
ثم أيضاً هذا الحكم محل إجماع.
• ثم قال - رحمه الله -:
وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة - ولو في أكبر - إلى حَلِّهَا:
هنا تبين أن عندنا أنواعاً من الممسوح:
الأول: الخف.
والثاني: الجوارب.
والثالث: العمامة.
والرابع: الخمار.
والخامس: الجبيرة.
لكن هم يجعلون العمامة والخمار شيء واحد.
وعلى كل نستطيع أن نقول هي خمس.
الجبيرة: يجوز عند الحنابلة أن يمسح على الإنسان وخالفوا بهذا مذهب الظاهرية فإنهم يرون عدم الجواز.
الدليل:
• أولاً: صح عن ابن عمر - أنه مسح على عصابة ربط بها يده.
• ثانياً: روي عن عدد من التابعين أنهم مسحوا على الجبائر.
فإن قيل: هل معنى الاستدلال بالآثار أنه لا يوجد في الباب نصوص؟
فالجواب: نعم بدليل قول البيهقي ’: لا يصح في هذا الباب أي حديث.
فعرفنا من قول البيهقي: أن أي حديث فيه المسح على عصابة أو لفافة على الجرح فهو حديث ضعيف.
ومن أشهر هذه الأحاديث حديث صاحب الشجة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى - أرشده إلى المسح على الجرح الملفوف.
ولكن هذا الحديث وإن صححه بعض المعاصرين فإنه حديث ضعيف كما قال – النووي –.
هذه المسألة مهمة فيجب أن تفهم أنه في باب الجبائر لا يوجد حديث صحيح وإنما العمدة على أمرين:
• الأول: ما صح عن ابن عمر: فلو كان يوجد آثار عن الصحابة لكانت المسألة أقوى إنما صح فقط عن ابن عمر.
• والثاني: أنه روي عن عدد من التابعين.
ثم لما بين مشروعية المسح على الجبيرة ذكر الشروط: فقال ’:
لم تتجاوز قد الحاجة.
يعني أنه يشترط لجواز المسح على الجبيرة: أن يقتصر في شدها على موضع الحاجة.
الدليل:
قالوا الدليل: قاعدة مشهورة متفق عليها: "" أن الضرورة والحاجة تقدر بقدرها بلا زيادة ولا نقصان "".
فإذا شد الإنسان الجبيرة أكثر من الحاجة – صورة هذه المسألة:
كأن تنكسر يد الإنسان من الوسط ويكفي لبرئها أن يشد عليها جبيرة بمقدار شبر فالمعالج شد الجبيرة بمقدار شبر ونصف.
فكم الزيادة؟
زاد عن حاجة المريض نصف شبر.
فحينئذ نقول هذا الشد لا يجوز.
وماذا يصنع؟
يقول الحنابلة:
• إن أمكن أن تفك الجبيرة بلا ضرر وجب أن تفك.
• وإن لم يمكن فإنه يمسح ويتيمم عن الباقي.
ما هو دليل هذا الحكم؟
الدليل: القاعدة ""أن الضرورة أو الحاجة تقدر بقدرها"".
والقول الثاني: في هذه المسألة: ويفهم من كلام الإمام أحمد أنه يجوز أن تشد كيفما تيسر حال وقوع الحادث لأن مراعاة ذلك فيه مشقة.
وهذا القول هو الصواب.
لأنه من الصعوبة بمكان إذا أراد الطبيب في وقتنا هذا أن يجبص اليد أن نقول له: أن لا يزيد التجبير عن الحاجة، فهذا فيه صعوبة بالغة ومشقة والمشقة في الشرع تجلب التيسير والمريض في حال المرض والانكسار يصعب عليه أن يراعي مثل هذه الأشياء الدقيقة.
• ثم أكمل المؤلف - رحمه الله - بقوله:
ولو في أكبر إلى حلها.
لماذا اضطر المؤلف أن يقول (ولو في أكبر)؟
الجواب: لأنه قال فيما تقدم في حدث أصغر فاحتاج أن ينبه إلى أن الجبيرة ليست كالخف وإنما يجوز أن يمسح عليها حتى في الحدث الأكبر وهو غسل الجنابة أو غسل الحيض.
• قال - رحمه الله -:
إلى حلها:
يعني أنها لا تتوقت كما يتوقت الخف.
ما هو الدليل على أنه يمسح في الحدث الأكبر وأنه لا وقت للجبيرة؟
الدليل:
• أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (لا ضرر ولا ضرار).
• والقاعدة المتفق عليها: ""الضرورات تبيح المحرمات"".
وفهمنا من قول المؤلف: وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة أنه يجب أن نمسح على جميع الجبيرة من جميع الجهات.
من أين فهمناه؟
من قوله: (وجبيرة) يعني: ويمسح على جميع الجبيرة لأنه لم يخصص شيئاً من الجبيرة.
وسيزيد المؤلف هذا الحكم بياناً في آخر الباب حيث قال: وعلى جميع الجبيرة.
وفهمنا من هذه العبارة عدة فروق بين الجبيرة والخف:
الأول: الوقت.
الثاني: مسح كل الجبيرة.
الثالث: في الحدث الأكبر.
الرابع: عد قوله على قدر الحاجة بينما الخف لا يشترط أن يكون على قدر الحاجة.
• ثم قال - رحمه الله -:
إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة.
هذا هو الشرط الأخير من شروط المسح على الخفين والعمامة والخمار والجبيرة عند الحنابلة وهو: أن يكون أدخلها بعد كمال الطهارة.
الدليل على هذا الشرط ما ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنه لما هم بنزع خف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له - صلى الله عليه وسلم - (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
فهذا دليل على اشتراط لبس الخفين على طهارة.
وعموم كلام المؤلف يتناول الخف والجورب والعمامة والخمار والجبيرة.
وكلام المؤلف صحيح في كل هذه الأشياء إلا في أمرين:
- العمامة.
- والجبيرة.
فالمؤلف: اشترط للمسح على هذه الأشياء الخمسة أن يكون اللبس تم على طهارة - وكلامه صحيح في الجميع لحديث المغيرة - إلا في مسألة العمامة وفي مسألة الجبيرة ففيهما خلاف:
فمسألة العمامة: القول الثاني: فيها أنه يجوز المسح ولولم يلبس على طهارة.
الدليل: يقول شيخ الإسلام ’ أنه من المعتاد عند لبس العمامة والوضوء أن الإنسان إذا مسح رأسه يعيد العمامة إلى اللبس ثم يغسل رجليه.
وعليه هل لبس العمامة قبل أو بعد غسل الرجلين؟
الجواب: قبل.
قبل أو بعد كمال الطهارة؟
الجواب: قبل.
فيقول ’ هذا معتاد بين الصحابة وليس من المعتاد عندهم أنهم إذا مسحوا الرأس جعلوا العمامة على الأرض ثم بعد غسل الرجلين لبسوا العمامة.
فيقول: الرسول - صلى الله عليه وسلم - روي عنه جواز المسح على العمامة وهم اعتادوا لبس العمامة على هذه الكيفية أثناء الوضوء إذاً لا يشترط أن تلبس العمامة على طهارة.
وأحب أن أنبه إلى مسألة مهمة جداً وهي: أن مقصود الذين قالوا لا يشترط الطهارة يعني لا يشترط كمال الطهارة فلو لبس الإنسان العمامة على حدث ثم مسح عليها فإنه لا تصح الطهارة لكن لو لبس العمامة قبل تمام الطهارة كما في المثال فإنها تصح.
بينما عند الحنابلة – أن الصورة التي ذكرت يجعلون المسح عليها لا يجوز لأنه لبس العمامة قبل كمال الطهارة حيث بقي عليه غسل القدمين.
وهذا القول هو الصواب.
بقينا في الجبيرة: القول الثاني فيها: أنه لا يشترط أن تلبس على طهارة لا كاملة ولا ناقصة حتى لو شد الجبيرة على حدث فإنه يجوز له أن يمسح.
وهذا القول اختاره المرداوي ’. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
الدليل: قالوا: أنه يشق على الإنسان ويعسر عليه أن يراعي الطهارة عن حدوث الحادث فإذا انكسرت اليد – مثلاً – وأرادوا تجبيرها يصعب على المريض أن يراعي قضية الحدث.
وكما تقدم القول أن القاعدة المتفق عليها: المشقة تجلب التيسير.
والآثار التي رويت عن ابن عمر والتابعين ليس فيها اشتراط هذا الشرط فصار المجموع أن هذا ليس شرطاً صحيحاً والصواب عدم اشتراط لبس الجبيرة على طهارة.
ثم لما أنهى المؤلف ’ الكلام على الشروط تفصيلاً انتقل إلى بعض التفاصيل في المدة.
• فقال ’:
ومن مسح في سفر ثم أقام أو عكس، أو شك في ابتدائه: فمسح مقيم.
ثلاث مسائل:
- إذا مسح الإنسان في السفر ثم أقام فإنه يمسح مسح مقيم من حيث المدة.
- وإذا مسح الإنسان مقيماً ثم سافر وهذا معنى قوله أو عكس فإنه أيضاً يمسح مسح مقيم.
- وإذا شك هل ابتدأ المسح مسافراً أو مقيماً فإنه يمسح مسح مقيم.
وجميع هذه المسائل حكمها عند الحنابلة أنه يمسح مسح مقيم.
وهذه المسائل عامة الناس بحاجة إليها ولا يكاد يخلو منها مسلم لا سيما مع كثرة السفر في عصرنا هذا.
نبين المسائل الثلاث: المسألة الأولى: إذا مسح في سفر ثم أقام فإنه يمسح مسح مقيم بلا خلاف.
فإذا مسح في السفر لمدة يوم ثم أقام فكم بقي له؟ بقي له ليلة.
وإذا مسح في السفر لمدة يوم وليلة ثم أقام فكم بقي له؟ لم يبق شيء.
فيجب أن يخلع مباشرة.
المسألة الثانية: إذا مسح مسح مقيم ثم سافر فعند الحنابلة كم يمسح؟ يوم وليلة.
فإذا مسح في بيته لمدة يوم ثم سافر فكم باقي له؟ ليلة.
لماذا مع أنه مسافر؟ يقول الحنابلة تغليباً لجانب الحظر.
والقول الثاني: في هذه المسألة أنه يمسح مسح مسافر.
الدليل: قالوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن فعلق المسح على وصف وهو: السفر فإذا وجد الوصف وجد الحكم.
فإذاً إذا مسح الإنسان يوم وسافر فعلى القول الثاني: كم بقي له؟
يومان وليلة.
والراجح هو القول الثاني.
بلا تردد لوضوح النص.
• مسألة: إذا مسح الإنسان مقيماً ثم سافر فإنه يمسح مسح مسافر مالم تكن المدة انتهت أثناء إقامته.
وهذه مسألة يحصل فيها خلط عند كثير من الناس.
• فإذا إذا مسح الإنسان لمدة: ثلاث وعشرين ساعة ثم سافر فكم بقي له؟
ساعة ويومين.
• إذا مسح لمدة أربع وعشرين ساعة ثم سافر فكم يبقى له؟
لا يبقى له شيء فيخلع ويغسل.
• قال ’:
أو شك في ابتداءه.
الشك إنما يتصور بالنسبة للمسافر.
فمثلاً: مسافر شك هل ابتدأ المسح مقيماً أو مسافراً؟
فإنه يتم مسح مقيم على المذهب.
مسألة: إذا شك الإنسان هل مسحه مسح مقيم أو مسافر؟
فعند الحنابلة: مقيم.
وعلى القول الصواب ... ....... ((انقطع التسجيل للآذان)).
• قال الشيخ حفظه الله: -
الآن يا إخواني نختم بهذه المسألة:
أسألكم سؤال: نريد الجواب على مقتضى مذهب الحنابلة.
- رجل مسح مقيماً ثم سافر فماذا يمسح؟ يمسح مسح مقيم.
- رجل مسح مسافراً فعند الحنابلة: يمسح مسافراً وهذا بالإجماع.
- رجل شك هل مسح مسح مقيم أو مسح مسافر؟
= عند الحنابلة: يمسح مسح مقيم.
= وعلى القول الراجح ماذا نقول؟ يمسح مسح مسافر.
لماذا؟ لأنه الآن في الاسفر وعلى القول الراجح أن المسافر يمسح مسح سفر.
فهذه المسألة أصلاً متصورة على مذهب الحنابلة فقط لأنهم يجعلون المسافر إذا مسح مقيماً ثم سافر فإنه يمسح مسح مقيم. - الخلاصة التي يحتاج إلى فهمها: أن المقيم إذا مسح ثم سافر يمسح مسح مسافر.
والمسافر إذا سافر فبلا خلاف.
• ثم قال ’: - في آخر مسائل المسح.
وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه: فمسح مسافر.
إذا توضأ الإنسان ولبس الجورب ثم أحدث ثم سافر قبل أن يمسح ثم مسح مسافراً: = فعند الحنابلة أنه يمسح مسح مسافر بل بلا خلاف في هذه المسألة.
لماذا؟ التعليل: لأنه ابتدأ المسح مسافراً.
وفي هذه المسألة دليل على ضعف قول الحنابلة: أن مدة المسح تبدأ من الحدث لا من المسح.
فإنهم ناقضوا أنفسهم في هذه المسألة.
ففي هذه المسألة: جعلوا ابتداء المدة من المسح لا من الحدث.
• ثم قال ’: ولا يمسح: قلانس.
هذه المسائل كلها مكررة.
فقوله: ولا يلبس قلانس.
لأنه سبق اشتراط التحنيك.
والقلانس غير محنكة.
وأخذنا أن الصواب أنه لا يشترط للعمائم أن تكون محنكة.
فالصواب: إذاً جواز المسح على القلانس.
• قال ’: ولفافة.
لأن من شروط المسح على الخف أن يثبت بنفسه.
واللفافة لا تثبت بنفسها.
والصواب: وهو رواية عن الإمام أحمد جواز المسح على اللفافة قياساً على الخف بل هي أولى منه بالجواز.
ماهي اللفافة؟ اللفافة هي ما يلف على القدم حتى يستر محل الفرض سواء كان لبرد أو لغيره فإنهم في القديم كانوا لفقرهم قد لا يجدون جوارب ولا خفاف فيستخدمون لفائف يلفون على الرجل ليحصل الدفئ بها.
فالحنابلة يرون أنه لا يجوز المسح على اللفافة.
لماذا؟ لأنها لا تثبت بنفسها.
وتقدم معنا أن هذا الشرط غير صحيح.
ولذلك نقول الرواية الثانية عن الإمام أحمد جواز المسح على اللفافة وهو الصواب.
• ثم قال ’:
ولا ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه.
لماذا لا يجوز أن نمسح على ما يسقط من القدم؟
لأنه لا يثبت بنفسه.
وقد تقدمت مناقشة هذه المسألة.
لماذا لا يجوز المسح على ما يرى منه بعضه؟
لأنه غير ساتر لمحل الفرض.
وتقدم مناقشة هذه المسألة.
إذاً الصواب على ما تقدم أن نقول: أنه يجوز المسح على ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه.
وبهذا نكون توقفنا على مسألة لبس خف فوق خف.
وهي مسألة مهمة جداً نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله.
والله أعلم ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(((نبدأ مباشرة بالشرح باعتبار أنه تأخر قليلاً وقت البداية وتوقفنا عند قول الماتن في باب المسح على الخفين وإن لبس خفاً على خف))).
شرع المؤلف - رحمه الله - في بيان حكم لبس خفين فوق بعضهما وهي مسألة تمس الحاجة إليها في زمن البرد الشديد لا سيما في الأماكن الباردة فمن المناسب جداً أن يتقن طالب العلم أحكام لبس الفوقاني والتحتاني من الخفاف.
• فقال - رحمه الله -:
فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث: فالحكم للفوقاني.
قاعدة المذهب - قبل أن ندخل في الصور - أن الخف إذا مسح تعلق به الحكم سواء كان الفوقاني أو التحتاني فإذا خلع الممسوح فإنه لا يجوز أن يمسح بعد ذلك على الباقي من الخفين.
ثم نأتي إلى التفصيل: إذا تطهر الإنسان بأن غسل رجليه ثم لبس التحتاني ثم لبس الفوقاني قبل أن يمسح التحتاني ثم مسح الفوقاني فحينئذ هل تعلق المسح بالتحتاني أو بالفوقاني؟ - بالفوقاني.
فإذا خلع الفوقاني فعلى المذهب لا يجوز له أن يمسح على التحتاني.
هذه هي الصورة الأولى.
لماذا؟ - لأن المذهب يعلقون الحكم بالممسوح.
القول الثاني: - في هذه المسألة -: أن له أن يتم المسح على التحتاني لأنه لبسه على طهارة غسل فيتم المسح على التحتاني.
مثال يوضح هذ المسألة:
إذا توضأ وغسل رجليه ولبس خف تحتاني ثم لبس خفاً فوقاني ومسح على الفوقاني فلما ذهب من اليوم والليلة يوم خلع الفوقاني.
فهل يجوز على المذهب أن يمسح على التحتاني؟ ... - لا.
وهل يجوز أن يمسح عليه على القول الثاني؟ ... - نعم.
وكم باقي له؟ - ليلة.
إذاً يجوز على القول الصحيح أن يمسح على التحتاني بعد أن خلع الفوقاني وإن بدأ المسح على الفوقاني ولكن يتم المسح الباقي من اليوم والليلة بالنسبة للمقيم.
ننتقل إلى الصورة الثانية:
إذا لبس الإنسان الخف التحتاني على طهارة كاملة - ومقصودي بقولي الطهارة الكاملة: هي طهارة الغسل - ومسح على هذا الخف ثم لبس الفوقاني بعد أن مسح التحتاني فعلى المذهب هل يجوز أن يمسح على الفوقاني؟
لا.
لا يجوز.
والسبب أن الحكم يتعلق بالممسوح والممسوح الآن هو التحتاني.
إذاً الفوقاني لا يجوز له أن يمسحه على المذهب.
والقول الثاني: أنه يجوز له أن يمسح الفوقاني إذا لبسه بعد أن مسح على التحتاني.
لماذا؟ لأنه لبسه على طهارة.
والقول الراجح القول الأول - مذهب الحنابلة - لماذا؟
التعليل: لأنه الفوقاني وقد لبس على طهارة مسح والخف لا يمسح عليه إلا إذا لبس على طهارة غسل.
إذاً إذا لبس خفاً بعد أن مسح على التحتاني وأراد أن يتوضأ ماذا يفعل يخلع الفوقاني ويمسح وهذا هو المذهب وهو الصواب.
• ثم قال ’:
ويمسح: أكثر العمامة،
يجب على من أراد أن يتوضأ وقد لبس العمامة أن يمسح على أكثر العمامة ولا يجب عليه أن يمسح على كل العمامة.
التعليل: قالوا:
• قياساً على الخف.
• ولأنه إنما مسح بدلاً عن الغسل فدخله التخفيف.
بناء على هذا لا يجب على من لبس العمامة أن يمسح على داخل الأكوار - اللفائف -.
مسألة: إذا ظهر من الرأس شيء فعند الحنابلة يسن أيضاً أن يمسح عليه فيمسح على الرأس أو على ما ظهر من الرأس والباقي من العمامة.
إذاً إذا قيل لك هل يجب أن يستوعب الإنسان العمامة مسحاً كما يستوعب الرأس مسحاً؟ فالجواب: لا.
وإنما يجب عليه أن يمسح أكثر العمامة.
قياساً على الخف.
• ثم قال ’:
وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه
يريد المؤلف ’ تعالى أن يبين كيفية المسح على الخف.
فبين أن كيفية المسح تكون بأن يمسح من أطراف الأصابع إلى بداية الساق وكيفما مسح أجزأ.
- فإذا فرضنا أنه مسح طولاً بأن مرر يده من الأصابع إلى الساق أجزأه.
- وإذا فرضنا أنه مسح عرضاً بأن عرض كفه على الخف ومسح مابين الأصابع إلى الساق أجزأ.
قال الإمام أحمد: كيفما مسح الإنسان أجزأه لأنه ليس في السنة ما يدل على كيفية المسح.
• ثم قال ’
دون أسفله وعقبه:
لم يصح عن النبي ‘ في حديث أنه مسح على أسفل الخف ولا على العقب وإنما يسمح كما قال المؤلف على ظاهر القدم فقط.
فلا يجب على المتوضئ أن يمسح على أسفل الخف ولا على العقب بل إنه لا يشرع لأنه لم يأت في الشرع ما يدل على مشروعية المسح على أسفل الخف ومن المعلوم أن المسح عبادة توقيفية.
وإذا كان النبي ‘ مسح كما في حديث المغيرة وكما في حديث علي بن أبي طالب على ظاهر القدم فقط فنحن نتأسى به ‘ ونمسح على ظاهر القدم فقط دون العقب ودون أسفل الخف.
• ثم قال ’:
وعلى جميع الجبيرة.
بين المؤلف ’ كيفية المسح على البدائل الأربع التي ذكرها فيما سبق: الخف والعمامة والجبيرة.
وبين في كلام الشيخ هنا – الماتن - الفرق بين العمامة والخف والجبيرة.
فالفرق بينهما:
• أن العمامة والخف يمسح أكثرهما.
• والجبيرة يجب أن تمسح من جميع الجهات.
التعليل: قال شيخ الإسلام ’: الجبيرة بدل الجلد والجلد يجب تعميمه بالغسل فيجب تعميم الجبيرة بالمسح.
فالجبيرة ليست كالخف فقد شرعت تخفيفاً على المكلف وإنما هي بدل عن الجلد فيجب أن تعمم من جميع الجهات فإذا جبر الإنسان يده يجب أن يمسح على الجبيرة من فوق وأسفل ومن الجهتين اليمين والشمال.
وهذا الحكم مما يفوت على كثير من الناس فيظن أن مسح الجبيرة كمسح الخف.
فتجد بعض الناس - كما نلاحظهم في أماكن التطهر العامة - إذا جبر رجله مسح على ظاهر القدم وترك أسفل الجبيرة وهذا خطأ ويعتبر وضوئه باطل بل يجب أن يمسح على جميع الجبيرة.
ثم ذكر المؤلف ’ مسألتين حكمهما وتعليلهما واحد:
• فقال ’:
ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث، أو تمت مدته: استأنف الطهارة.
أفادنا المؤلف أنه في صورتين تبطل طهارة المسح على الخفين:
الصورة الأولى: إذا انتهت مدة المسح على الخفين ولو كان على طهارة فإنها تبطل طهارته عند المذهب بمجرد انتهاء مدة المسح.
الصورة الثانية: إذا خلع الخف.
وهذا معنى قوله: ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث.
فإذا خلع الخف أو ظهر بعض محل الفرض بسبب خلع جزئي للخف أو انتهت مدة المسح فعند الحنابلة تبطل الطهارة.
التعليل: قالوا أن المسح على الخفين أقيما مقام الغسل فإذا خلع الخف بطلت الطهارة في القدم وإذا بطلت الطهارة في بعض الأجزاء بطلت في جميع الأجزاء.
بناء على ما قرره الحنابلة إذا مسح الإنسان قبل نهاية مدة المسح بساعة واستمر طاهراًَ وانتهت مدة المسح بانتهاء هذه الساعة واكتمال يوم وليلة فإن الطهارة تكون قد انتقضت بمجرد انتهاء وقت المسح ولو لم يحدث أي حدث آخر.
كذلك لو أن الإنسان في أثناء اليوم والليلة - في وسط اليوم والليلة - مسح على الخفين وتطهر ثم بدا له أن يخلع الخفين لأي عارض فإنه بمجرد خلع الخفين تبطل طهارته.
والقول الثاني في هذه المسألة:
أن الطهارة في المسألتين تبقى وتستمر لأن تطهره ثبت بدليل شرعي فلا ينتقض إلا بدليل شرعي يدل على الانتقاض وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن مجرد خلع الخف أو أن انتهاء مدة المسح ناقض للطهارة فالأصل بقائها.
إذاً على القول الثاني تبقى الطهارة ولا يعتبر من نواقض الوضوء.
فإن قيل: لماذا لم يذكر خلع الخف وانتهاء المدة في باب النواقض؟
فالجواب لأن ذكر هاتين المسألتين في باب المسح على الخفين أنسب من ذكرهما في باب النواقض لأن هذا الباب مخصص لجميع أحكام الخفين.
وبهذا يكون انتهى باب المسح على الخفين.
وكما ذكرت لكم في كل باب مسائل مهمة وأساسية ومسائل أخرى أهمية.
فمسائل المسح على الخفين في وقتنا هذا قليلة الأهمية بينما مسائل لبس الخفين في وقتنا هذا شديدة الأهمية.
وهكذا فالمقصود أن يركز طالب العلم على المسائل المهمة ويعتني بها.
ثم قال
باب نواقض الوضوء
.....
تابع
باب نواقض الوضوء.
• قال - رحمه الله -:
باب نواقض الوضوء.
المقصود بالنواقض أي المفسدات.
أي هذا باب مخصص لبيان ما يفسد الوضوء.
والأصل في النقض أن يكون في البناء فهو حقيقة في لغة العرب في البناء.
لكن استعمل مجازاً في نقض المعاني.
كما نقول هنا باب نواقض الوضوء لأن هذا نقضاً معنوياً وكما يقولون في أصول الفقه نقض العلة فإن هذا نقضاً معنوياً.
والعلاقة بين المعنيين - الحسي والمعنوي - أن في كلاً منهما إبطال.
لأنه لا يمكن أن نستعمل اللفظ في غير حقيقته مجازاً إلا بوجود علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي.
وهذا الباب غاية في الأهمية ويحتاج إليه المسلم في اليوم عدداً كبيراً من المرات تنقص وتزيد فضبطه لطالب العلم لنفسه ولغيره من المسلمين من العلم المتحتم بل إن هذا الباب بدون تفاصيل يجب حتى على العوام أن يعرفوه أما بتفاصيل وخلافاته وأدلته فيجب على أهل العلم وطلابه فقط.
بدأ مؤلف بسرد نواقض الوضوء فقال:
ينقض (1) ما خرج من سبيل.
لاحظ عبارة المؤلف حيث قال: ما خرج من سبيل: فأي شيء يخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء.
قاعدة المذهب واضحة وسهلة.
وحتى يتبين لك فائدة هذه القاعدة وقول المؤلف: ما خرج من سبيل أنه قاعدة مهمة مفيدة لو قيل لك الآن قبل أن ندخل في تفاصيل أحكام النقض ما حكم رطوبة فرج المرأة؟
البول والغائط معروف حتى العوام يعرفون أنها ناقضة للطهارة.
لكن لو قيل لك أن المرأة يخرج من فرجها رطوبة - تبتلى بها النساء - فهل تنقض أو لا تنقض؟
فكيف عرفت أنها تنقض من القاعدة لأن المؤلف يقول كل ماخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء.
وأنا الآن لا أقرر أن رطوبة فرج المرأة تنقض أو لاتنقض فسيذكرها المؤلف وسنتكلم عليها بتفصيل لأهميتها.
لكن أردت أن أمثل بأحد المسائل التي تعتبر صعبة مما يمكن لطالب العلم أن يعرف حكمها من خلال قاعدة المؤلف.
إذاً كل ماخرج من السبيل فهو ناقض للوضوء.
الدليل: حديث صفوان السابق: وهو قوله ولكن من بول أو غائط أو نوم.
والخارج من السبيلين: على قسمين:
- إما أن يكون معتاداً.
كالبول والغائط أو أن يكون غير معتاد كأن يخرج حصى أو شعر أو أي خارج من السبيلين منغير المعتاد.
فالمعتاد - البول والغائط.
فبإجماع الأمة أنه ناقض ولا إشكال فيه لصراحة الآيات والأحاديث فيه. - أما غير المعتاد فالجماهير من أهل العلم يرون أنه ناقض فإذا خرج من دبر الإنسان مثلاً - حصاة ابتلعها وخرجت مع دبره - فإنها تنتقض طهارته بخروج هذا الخارج وإن كان غير معتاد.
واستدل الجماهير: بحديث المستحاضة فإنه في حديث المستحاضة أمر النبي ‘ المستخاضة أن تتوضأ لكل صلاة مع أن هذا الخارج يعتبر غير معتاد.
المعتاد الحيض أما الاستحاضة فليس من المعتاد وإنما هو أمر طارئ على المرأة.
وعند المالكية أن غير المعتاد لا ينقض.
والصواب مع الجماهير.
• ثم قال ’:
(2) وخارج من بقية البدن، إن كان بولاً أو غائطاً أو كثيراً نجساً غيرهما.
الخارج من غير السبيلين: يعني من بقية البدن عى قسمين:
- إما أن يكون بول وغائط.
- أو أن يكون من غير البول والغائط.
فإن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الطهارة ولو كان قليلاً وهذا الحكم عند الجماهير ولم يخالف - فيما أعلم - في هذا الحكم أحد من أهل العلم إلا الشافعية قالوا: إذا كان البول والغائط خرج من مخرج أعلى من المعدة فإنه لا ينقض وإن كان من مخرج أسفل من المعدة فإنه ينقض.
وأما الحنابلة فلا يفرقون سواء كان خروجه من مخرج أعلى من المعدة أو أسفل منها والصواب مع الحنابلة.
الدليل: أن الشارع الحكيم علق نقض الطهارة بخروج البول والغائط من أي مكان كان كما في الحديث (ولكن من بول أو غائط أو نوم) وقبله في الآية (أو جاء أحد منكم من الغائط).
ننتقل إلى القسم الثاني: من الخارج من بقية البدن: وهو غير البول والغائط فهذا يشترط الحنابلة للنقض به شرطين:
الأول: أن يكون كثيراً.
والثاني: أن يكون نجساً.
مثال للخارج من بقية البدن ن غير البول والغائط كالرعاف والحجامة والقيء هذه أبرز ثلاثة أمثلة تخرج من بقية البدن من غيرالبول والغائط.,
فالحنابلة يرون أن هذا الخارج ينقض بشرطين الأول أن يكون كثيراً والثاني أن يكون نجساً.
وتعريف الكثير عند الحنابلة هو ما فحش في النفس أي إذا استعظمه الإنسان فهذا هو الكثير والنجس معروف.
دليل الحنابلة على أن الخارج من بقية البدن من غير البول والغائط إذا كان فاحشاً نجساً نقض الطهارة:
ما ثبت في الحديث أن النبي ‘ قاء فتوضأ.
إذاً الآن عرفنا مذهب الحنابلة تماماً.
تفاصيل الخارج من بقية البدن ودليل الحنابلة.
وشروط الحنابلة.
فعرفنا كل ما يتعلق بمذهب الحنابلة في الناقض الثاني وهو الخارج من بقية البدن.
نرجع إلى الخلاف في الخارج من بقية البدن من غير البول والغائط كالرعاف والحجامة والقيء.
القول الثاني: في هذه المسألة أنه لا ينقض شيء من ذلك.
للقاعدة التي ذكرناها في أول هذا الدرس وسنحتاج إليها مراراً وتكراراً.
أن نقض الطهارة حكم شرعي يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة.
وليس في الكتاب ولا السنة ما يدل لى أن خروج الرعاف أو الحجامة أو القيء ينقض الطهارة.
إذاً لا دليل لا من كتاب ولا سنة على أن هذه الأمور تنقض الطهارة.
يبقى علينا أن نجيب على حديث قاء فتوضأ.
ماهو الجواب؟
الجواب أن لفظ الحديث الصحيح: قاء فأفطر.
وسبب وقوفنا عند هذا المثال لأبين لكم فائدة مهمة وهي أنه كثيراً ما يترتب على تحرير لفظ الحديث الحكم الشرعي.
فالذين لم يحرروا لفظ هذا الحديث أو رجحوا صحة لفظ قاء فتوضأ استنتجوا من هذا وجوب الوضوء من القيء.
ولكن الصواب أن لفظ الحديث الصحيح قاء فأفطر.
فإذا كان هذا هو لفظه فإنه لا دليل على النقض أصلاً بالقيء.
فإذاً الراجح أنه أي خارج من باقي البدن من غير البول والغائط فإنه لا ينقض الطهارة سواء كان حجامة أو قيء أو غيرهما.
• ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى الناقض الثالث فقال - رحمه الله -.
(3) وزوال العقل، إلاّ يسير نوم من قاعد أو قائم.
زوال العقل أيضاً هنا نقول أن عبارة المؤلف - رحمه الله - زوال العقل هنا جيدة حيث لم يعبر بالنوم وإنما قال زوال العقل فإي زوال للعقل بأي سبب فيعتبر ناقضاً للوضوء.
فإذا ضبطت هذه القاعدة - هي عبارة من عبارات المؤلف - لكنها في الحقيقة قاعدة.
فإذا قيل لك: رجل أغمي عليه ثم أفاق هل يجب أن يتوضأ؟
الجواب: يجب.
وكيف عرفت هذا الحكم؟
من قول المؤلف: زوال العقل.
نرجع إلى تفصيل الكلام:
زوال العقل ينقسم إلى قسمين:
- إما أن يكون بغير النوم.
- أو أن يكون بالنوم.
فزوال العقل بغير النوم: كالسكر.
والإغماء.
والجنون.
فهذا ينقض بإجماع العلماء.
وزوال العقل بالنوم: فهذا محل خلاف شديد بين أهل العلم وكثرت الأقوال والأدلة والردود.
ونحن نلخص إن شاء الله هذا كله في ثلاثة أقوال: القول الأول: مذهب الحنابلة: - لاحظ عبارة المؤلف - يقول - رحمه الله -: ينقض مطلقاً إلا اليسير منه (بشرط أن يكون) من قاعد أو القائم.
- فإذا كان النوم كثيراً من قاعد أو قائم: فينقض.
- وإذا كان النوم يسيراً من مضطجع: فينقض.
فالآن تصورنا مذهل الحنابلة: أن النوم ينقض مطلقاً إلا اليسير بشرط أن يكون من قاعد أو قائم.
الأدلة: أما كونه ينقض مطلقاً فاحديث صفوان السابق (ولكن من بول أو غائط أو نوم) فهذا صريح بأن النوم من نواقض الوضوء.
أما استثناء اليسير من قاعد أو قائم فقالوا: لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس - أن أصحاب النبي ‘ كانوا يغفون في المسجد ويخفقون الخفقة والخفقتين ومن كان ينتظر الصلاة هل هو عادة مضطجع أو قاعد أو قائم؟ قاعد أو قائم.
فيستدلون بدليلين مركبين لأن قولهم مركب: النوم ينقض مطلقاً إلا يسير النوم من القاعد أو القائم.
إذا نظرت تجد أن أدلة الحنابلة قوية فقد أخذوا بالنصوص التي تدل على النقض وبالأحاديث التي تدل على عدم النقض.
القول الثاني: للأوزاعي: أن النوم لا ينقض مطلقاً: قال لأنه ثبت أن النبي ‘ كان ينام ويصلي بلا وضوء والصحابة ينامون ويصلون بلا وضوء.
ودليل الأوزاعي دليل واضح.
القول الثالث: أن النوم ليس حدثاً بنفسه ولكنه مظنة الحدث فإذا بقي مع النائم شعوره وإحساسه فإن طهارته لا تنتقض.
دليلهم: قالوا: جمعاً بين الأخبار.
وجه الجمع: قالوا حديث صفوان دل على أن النوم ناقض مطلقاً وأحاديث نومه ‘ وإغفاء الصحابة تدل على أنه لا ينقض فنجمع بينهما ونقول نوم الصحابة والنبي ‘ لم يكن نوماً مستغرقاً وإنما بقي معه إحساس وشعور وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو قول قوي كما نرى.
مسألة: إذا قال الإنسان لا أدري هل بقي معي إحساسي أو لم يبق إنما غفوت قليلاً؟ فهل انتقضت طهارتي؟ - هذا السؤال كثيراً ما يسأل عنه لا سيما من يحصل منهم ذلك وهم في انتظار صلاة الجمعة.
فالجواب: نعم انتقضت لأمرين: نقول الأصل أن طهارتك انتقضت لسببين: الأول: الأصل في النوم أنه ناقض ولكن من بول أو غائط أو نوم.
الثاني: أن عدم معرفتك أنه بقي شعورك أو لا دليل على أن الشعور ذهب.
إذاً تبين أن القول الثالث هو أرجح الأقوال إن شاء الله وإنه عند أدنى تردد فإن الإنسان يعتبر النوم ناقض لأن هذا هو الأصل في النوم.
ثم انتقل إلى الناقض الرابع:
(4) ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل، ولمس ذكر ذكره أو أُنثى قبله لشهوة فيهما، ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها، ومس حلقة دبر وأمرد، ولا مع حائل ولا ملموس بدنُه، ولو وجد منه شهوة.
• فيقول ’:
ومس ذكر:
يعني أن مس الذكر ناقض للوضوء.
هذه المسألة أيضاً من المسائل التي كثر فيها الخلاف فمذهب الحنابلة والشافعية والمالكية - الأئمة الثلاثة - وهو منسوب إلى أكثر الصحابة على أن مس الذكر ينقض الوضوء.
واستدلوا: بحديث بسرة بن صفوان أن النبي ‘ قال من مس ذكره فليتوضأ وهذا الحديث صححه الأئمة ومنهم الإمام أحمد رحمه الله.
إذاً لا إشكال في معرفة وجه الاستدلال بهذا الحديث.
القول الثاني: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء وهو مذهب الأحناف.
واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
بل نصره كما أن القول الأول هو اختيار تلميذه ابن القيم ونصره.
فهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها شيخ الاسلام وتلميذه ابن القيم.
واستدلوا بحديث طلق أنه سأل النبي ‘ أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره في الصلاة.
فقال النبي ‘ إنما هو بضعة منك.
فقالوا هذا الحديث يدل على عدم النقض وهو معلل بعلة لا تنسخ وهي قوله: إنما هو بضعة منك.
الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ينقض الوضوء بالنسبة لي بلا إشكال مطلقاً.
أولاً: حديث بسرة هذا حديث صحيح بل قال البخاري هو أصح حديث في الباب.
ثانياً: ثبت في الشرع التفريق بين الذكر وغيره من الأعضاء.
كقول النبي ‘ لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه ولم يأت في الأحاديث أن شيئاً من أجزاء الجسم نهي عن مسها باليمين فإذاً عرفنا من هذا الحديث أن هناك فرقاًَ بين الذكر وغيره من الأعضاء
ثالثاً: حديث طلق حديث ضعيف وهذا مالم يتفطن له كثير من الذين رجحوا القول الأول.
فمن ضعفه؟
ضعفه أئمة الحفاظ الذين لم يسمح التاريخ بمثلهم: فضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم وأبوزرعة والدارقطني والبيهقي والشافعي.
فهولاء ستة فمن القوم بعد هؤلاء.
فإذا ضعف هؤلاء حديث لم يبق بعده فائدة.
إذاً حديث طلق الذي يعارض به حديث بسرة حديث ضعيف.
ثم أيضاً تبين الفرق بين الذكر وغيره من الأجزاء.
فإذاً مس الذكر الصواب أنه ينقض الطهارة.
المؤلف ’ سيذكر عدة مسائل تتعلق بأصل هذه المسألة - مسألة مس الذكر.
قال: متصل:
يشترط الحنابلة أن يكون الذكر أصلياً متصلاً.
التعليل: لأنه هو الذي له الحرمة.
أما إن كان ذكراً مقطوعاً فإنه لا ينقض الطهارة.
- إذا مس الإنسان ذكر الميت فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
تنتقض.
لماذا؟ لأنه متصل.
ثم قال: أو قبل.
يعني أو مست المرأة قبلها.
الجزء الذي ينقض هو الفرج الذي بين مسكتيها هذا هو الجزء الذي إذا لمس انتقضت الطهارة.
أما ما عدا هذا فإنه لا تنتقض الطهارة به.
فإذا مس الإنسان ذكره أو مست المرأة فرجها فقد انتقضت طهارة كل منهما.
وعرفنا من قول المؤلف: أو قبل: أن مس المرأة لفرجها يساوي في الحكم مس الذكر لذكره.
فالحكم يستوي فيه الرجل والمرأة.
والقول الثاني: أن المرأة لا تستوي مع الرجل في هذا الحكم لأن الحديث فيه من مس ذكره.
فخص الذكر ولأن الذكر مظنة خروج المذي.
بخلاف المرأة.
والصواب مع الحنابلة أن مس المرأة فرجها ينقض كمس الذكر لذكره.
لأن الأصل في الأحكام تساوي الذكر والأنثى.
والنص في الذكر في الحديث خرج مخرج الغالب.
ثم قال: بظهر كفه أو بطنه.
أفادنا المؤلف بهذه العبارة فائدتين: الأولى: أنته يشترط أن يكون المس بلا حائل.
والثانية: أنه يشترط أن يكون المس بالكف سواء كان ظاهر الكف أو باطنه.
فإذا مسه من وراء ثوب.
فهل تنتقض أو لا؟ لا تنتقض: لأننا نقول يشترط أن يكون بلا حائل.
وإذا مس الإنسان ذكره بذراعه فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟ لا تنتقض.
لأنه يشترط أن يكون بماذا؟ بالكف.
وإذا مسه بظاههر كفه فعل تنتقض أو لا تنتقض؟ تنتقض.
سواء كان بظاهر أو باطن الكف.
الدليل على هذه التفاصيل:
حديث أبي هريرة أن النبي ‘ قال من أفضى بيده إلى ذكره فقد وجب الوضوء وفي لفظ ومسه.
هذا الحديث الصواب أنه موقوف لكن هو حديث لا يقال من قبل الرأي.
فله حكم الرفع.
والقول الثاني: أن المس بظاهر الكف لا ينقض.
قالوا لأن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف.
ولا يسمى إفضاءً إذا كان بظاهر الكف.
والجواب: أن ابن سيده وهو من أئمة اللغة أثبت في كتابه المحكم أن الإفضاء يكون بباطن وظاهر الكف لغة.
فإذاً الراجح في هذه المسألة: هو مذهب الحنابلة.
فعرفنا الآن معنا قول المؤلف بظاهر كفه أو بطنه.
أنه أراد أن ينص على الظاهر والباطن لمراعاة الخلاف.
ثم قال: ولمسهما من خنثى مشكل.
تقدم معنا أنه يشترط في مس الذكر لكي تنتقض الطهارة أن يكون الذكر أصلياً ومتصلاً.
الخنثى: من المعلوم أن له آلة أنثى وآلة ذكر.
فأحد الآلتين زائد.
ولا يعرف أيهما الزائد فإذا مس الخنثى ذكره فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
الجواب: لا تنتقض لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون هو العضو الزائد في هذا الخنثى ونحن نشترط في الممسوس أن يكون أصلياً.
وإذا مس الخنثى قبله فهل تنتقض الطهارة؟
نعم لأنه يحتمل أن يكون هو الزائد.
وإذا مس الخنثى الدبر والقبل انتقضت لأن أحدهما أصلي قطعاً.
فإذاً لمس القبل والدبر بالنسبة للخنثى فيه هذا التفصيل وهو أن نقول إن مس الخنثى أحدهما لم تنتقض الطهارة والتعليل لاحتمال أن يكون هذا هو العضو الزائد.
وإن مس الدبر والقبل انتقضت الطهارة لأن أحدهما أصلي قطعاً.
وهذا معنى قول المؤلف ولمسهما من خنثى مشكل.
ثم قال: ولمس ذكر ذكره أو أُنثى قبله لشهوة فيهما.
إذا مس ذَكَرٌ ذَكَرَ الخنثى أو مست أنثى قُبُلَ الخنثى لشهوة في المسألتين انتقضت الطهارة.
نأخذ المسألتين كل واحدة على حدة:
الأولى: إذا مس ذَكَرٌ ذَكَرَ الخنثى بشهوة انتقضت الطهارة.
التعليل: يقولون: إما أن يكون هذا العضو أصليٌ فيكون قد مس الأصلي وإذا مس الذكر الأصلي انتقضت الطهارة.
أو أن يكون ليس أصلياً فتنتقض لأنه مسه بشهوة ومس الإنثى بشهوة ينقض الطهارة.
الأنثى كذلك: إذا مست أنثى قبل الخنثى لكن بشهوة فنقول أنها تنتقض الطهارة بكل حال لماذا؟ لأنه إما أن يكون هذا هو فرج الخنثى الأصلي .............................. ((انقطع التسجيل للآذان ثم أكمل الشرح بعده)
: ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها.
ثم قال بعد ذلك: ومس حلقة دبر.
كما تلاحظ فصل المؤلف: بين مس الدبر ومس الذكر.
وأهل العلم يعتبرون هاتين المسألتين مسألة واحدة فالمؤلف لم يحسن في ترتيب المسائل فكان يجب أن يجعل ذكره لمسألة مس الدبر بعد ذكر مسألة مس الذكر ثم يذكر بعد ذلك مس المرأة.
أما تعليل المحشي: بأن المؤلف - رحمه الله - لا حتاج لذكر هذا النقض لدخوله في عموم مس الفرج فهذا فيما يظهر لي ليس بصحيح لماذا؟
لأن المؤلف لم يذكر كلمة الفرج مطلقاً.
فلو قرأت كلام المؤلف ستجد أنه لم يذكر كلمة الفرج حتى نقول يكتفى بها بل التنصيص على مس الدبر أمر مطلوب وجيد لكن الخطأ وقع في الترتيب فقط وليس في أصل الذكر.
نأتي إلى مس الدبر.
هل تنتقض به الطهارة أو لا؟
الحنابلة يرون: أن مس حلقة الدبر ناقض للطهارة.
ماهو الدليل؟ الدليل: قالوا: أنه في حديث بسرة من مس ذكره وفي لفظ صحيح صححه أحمد وأبو زرعة من مس فرجه قالوا والفرج يعم القبل والدبر فمن مس الدبر فقد انتقضت طهارته.
والقول الثاني: أن مس الدبر لاينقض الطهارة.
قالوا: لأن الحديث من مس ذكره: هذا أولاً وثانياً أن مس الذكر مظنة خروج المذي بخلاف مس حلقة الدبر.
وهذا القول اختيار المجد ابن تيمية.
وابن مفلح.
والصواب مع (((الحنابلة))) المؤلف: أن مس الدبر ينقض الطهارة لأن معنا حديث صحيح نص في المسألة.
فتبين معنا الآن:
أن مس الذكر ومس القبل ومس حلقة الدبر - هذه الثلاث - جميعها ناقضة للطهارة.
وتبين معنا:
أن من أقوى أدلة الجماهير مسألة من مس ذكره فليتوضأ.
أضف إلى هذا الدليل دليل آخر.
وهو أنه روي النقض بمس الذكر عن بضعة عشر صحابياً.
وهذا الحكم مما لا يقال بالرأي مطلقاً.
فسبيله التوقيف.
ونحن نجزم أن هذا العدد من الصحابة لم يقولوا بنقض الطهارة إلا عن توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
انتهى الدرس
ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها.
ومس حلقة دبر.
الناقض الخامس:
هو مس المرأة بشهوة.
هذا يعتبر من نواقض الوضوء واعتبار مس المرأة بشهوة ناقض هو مذهب الحنابلة والمالكية وهو مذهب الفقهاء السبعة وكما ترى أن القول مركب من جزئين:
- أن مس المرأة ينقض.
- وأنه يشترط لذلك أن يكون هذا المس بمشهوة.
الدليل: كما أن القول مركب فالدليل أيضاً مركب من نصين: النص الأول: قوله تعالى ﴿أو لا مستم النساء﴾ فقالوا هذا دليل على أن مس المرأة ينقض الطهارة.
والدليل على أنه لابد أن يكون لشهوة.
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل عائشة وخرج للصلاة بغير وضوء.
فهنا مس المرأة ولم يتوضأ.
فجمعاً بين الأحاديث قالوا لا بد أن يكون المس بشهوة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً.
لا بشهوة ولا بغيرها.
واستدلوا بحديث عائشة السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وخرج إلى الصلاة ومن المعلوم أن تقبيل الزوج لزوجته غالباً ما يصحب برغبة.
واستدلوا بدليل آخر قوي وإن كان من التعليل: وهو: أن المسلمين ما زالوا يمسون نسائهم ولم يأت في الشرع دليل صريح على وجوب الوضوء من مس المرأة.
وفي رأيي أن هذا الدليل قويٌ.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
بقينا في الجواب على استدلالهم بالآية لأن الاستدلال بها دليل شرعي هو نص في المسألة.
الجواب عليه: أنه صح عن ابن عباس - أنه فسر الآية بالجماع.
وإذا سقط الاستدلال بالآية بقي دليل القائلين بعدم الوجوب قوي وواضح.
ثم لما قرر المؤلف - رحمه الله -:هذه المسألة انتقل إلى نظيرتها فقال: أو تمسه بها: يعني أو تمس المرأة الرجل بها: يعني بشهوة.
فهو أيضاً ناقض.
الدليل قالوا: لأنها ملامسة تنقض الوضوء في حق الرجل فتثبت في حق المرأة كذلك.
ولما سبق أن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام مالم يرد دليل صحيح يفرق بينهما والخلاف في تمسه بها كالخلاف في مس الرجل للمرأة بها.
إذاً الخلاصة:
الحنابلة يرون أن الرجل إذا مس المرأة بشهوة أو المرأة إذا مست الرجل بشهوة انتقضت الطهارة.
والخلاف في هاتين المسألتين خلاف واحد استدلالاً ونيجة وترجيحاً.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله -: إلى التنفصي في حكم هذه المسألة: - وهذه التفاصيل التي سيذكرها المؤلف - رحمه الله - مبنية على القول بنقض الطهارة بمس المرأة.
• قال - رحمه الله -:
لا مس شعر وسن وظفر وأمرد.
إذاً استثنى أربع صور.
هذه الصور حتى عند الحنابلة الذين يرون أن مس المرأة ينقض الوضوء لا تنقض.
المسألة الأولى: مس الشعر والسن:
يعني لو أن إنساناً مس شعر زوجته أو مس سنها أو ظفرها فإنها لا تنتقض الطهارة بهذا المس.
حتى عند الحنابلة.
قالوا: لأن هذه الأشياء في حكم المنفصل كما لو مس ثوبها ولذلك لو كلق الإنسان شعر زوجته أو طلق سنها فإن الطلاق لايقع.
بينما لو طلق يد زوجته فإن الطلاق يقع على الخلاف في اليد لكن السن الأمر فيه أظهر.
وقيل: أن مس الشعر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة.
وهذا القول هو الراجح.
نحن الآن نتكلم على فرض أن مس المرأة ينقض الوضوء.
إذا افترضنا أن مس المرأة ينقض الوضوء فإن الحنابلة يقولون أن مس الشعر لا ينقض والصواب أنه ينقض لأن مس الرجل شعر زوجته بشهوة قد يكون أبلغ من مس بعض الأخرى.
إذاً عرفنا أن مس الشعر والسن والظفر عند الحنابلة لا ينقض.
وعرفنا تعليلهم: وهو أن هذه الأجزاء في حكم المنفصل.
ثم قال: وأمرد:
يعني ولا مس أمرد فإن مس الأمرد لا ينقض الطهارة.
قالوا: لأنه ليس محلاً للشهوة.
شرعاً.
فمسه لا ينقض وأيضاً لقوله تعالى: أو لا مستم النساء.
فنص على النساء.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا مع حائل
يعني أن مس المرأة مع وجود الحائل لا ينقض الطهارة لأن الأصل في إطلاق كلمة المس هوأن يكون بلا حائل كما تقدم في مس الذكر.
إذا فهذه خمس مسائل: مس الشعر والسن والظفر والأمرد والمس مع حائل كلها لا تنقض الطهارة حتى على مذهب الحنابلة.
وعرفنا تعليل ذلك عندهم.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا ملموس بدنُه، ولو وجد منه شهوة.
الكلام السابق كله في حكم الماس أما الممسوس فإنه لم يتحدث عنه المؤلف إلا هنا فقال: ولا ممسوس.
فالممسوس طهارته باقية.
فإذا مس الزوج زوجته: نقول للزوج توضأ وللزوجة لا يلزمك الوضوء.
لماذا: قال الحنابلة لأن شهوة الماس أشد والقصد إنما تأتى منه.
يعني: أن من تعمد مس زوجته فإن الشهوة عنده أشد وهو الذي قصد المس.
وربما المسوس لم يخطر بباله شهوة مطلقاً.
القول الثاني: الذي مال إليه ابن عقيل من الحنابلة أن الممسوس تنتقض طهارته إذا وجدت منه الشهوة.
فعند ابن عقيل تفصيل: يقول: الممسوس:
إن شعر بشهوة انتقضت الطهارة وإن لم يشعر بقية طهارته صحيحة.
ويظهر لي أن هذا القول - الثاني - هو الصواب.
انتهى المؤلف - رحمه الله - من التفصيل في الناقض الخامس وعرفنا أصل الخلاف في رأس المسألة وهو مس المرأة وعرفنا في تفاصيل هذا الحكم عند الحنابلة.
• ثم قال - رحمه الله -: - في الناقض السابع:
(7) وينقض: غسل ميت.
غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء عند الحنابلة فقط - يعني تفرد الحنابلة باعتباره ناقضاً.
وأما الجماهير فإنهم لم يروه من النواقض.
استدل الإمام أحمد على هذا الحكم بالآثار التي رويت عن الصحابة فقد جاء عن عدد من أصحاب النبي ‘ أنهم رأو أن غسل الميت يوجب انتقاض الطهارة.
ونحن أخذنا في أول درس أن من أصول الإمام أحمد الأخذ بما جاء عن الصحابة.
فهذا يبين لنا أهمية معرفة أصول الإمام أحمد ولذلك تفرد من بين الأئمة باعتبار غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء.
والقول الثاني: مذهب الجماهير أن غسل الميت لا ينقض الوضوء.
قالوا: لا يوجد دليل شرعي على نقض الطهارة بتغسيل الميت.
ومذهب الجمهور هو الصواب إن شاء الله - أن تغسيل الميت لا يعتبر من نواقض الوضوء لعدم وجود دليل شرعي صحيح وإن كانت آثار الصحابة في الحقيقة قوية لمعنى خاص وهو أن مثل هذا الحكم - نقض الوضوء - مما لا يقال بالرأي ففي الغالب أن أصحاب النبي ‘ أخذوه توقيفاً عنه ‘ لكن مع ذلك نقول مادام لا يوجد نص مرفوع إلى النبي ‘ في مثل هذه المسألة المهمة نبقى على الأصل هو الطهارة ونقول الراجح أن من غسل ميتاً فإنه لا تنتقض طهارته.
إلا إذا مس ذكر الميت بلا حائل فهنا ترجع إلى مسألة مس الذكر.
- مس ذكر الآخر من المسائل التي لم يتطرق إليها المؤلف مع أنه اعتنى بالتفاصيل.
فإذا مس الإنسان ذكر غيره فهل تنتقض الطهارة أو لا؟ هذا فيه خلاف: يظهر لي والله أعلم أن مس ذكر الغير لا ينقض الطهارة ومال إلى هذا القول ابن عبد البر.
لأن الحديث يقول من مس ذكره فنص على ذكر نفسه.
على كل هذه فقط استطراداً بمناسبة تغسيل الميت.
• قال ’: (8) وأكل اللحم خاصة من الجزور.
هذه المسألة أيضاً من المفردات.
أن أكل لحم الجزور ينقض الطهارة.
وإذا أردنا أن نحرر مذهب الحنابلة نقول: الحنابلة يقولون: أن لحم الجزور ينقض وأنه لا ينقض شيء من أجزاء الجزور إلا اللحم خاصة وهذا معنى قول الشيخ هنا وأكل اللحم خاصة يعني دون باقي أجزاء الجزور كالكبد والطحال .. ألخ.
إذاً الحنابلة يرون أن اللحم فقط هو الذي ينقض من الجزور وهو من المفردات.
واستدلوا بحديث البراء وحديث جابر بن سمرة في مسلم وهي أحاديث صحيحة لم ينازع أحد في صحتها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم قيل أنتوضأ من لحوم الغنم قال: لا.
وفي الحديث الآخر إن شئت في حديث قال لا وفي حديث الآخر قال إن شئت.
الحديث صريح ونص في المسألة لا يقبل التأويل ولا يقبل التضعيف.
القول الثاني: للجماهير أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء لا ينقض الطهارة.
واستدلوا بحديث صحيح عن جابر - قال كان آخر الأمرين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار قالوا هذا الحديث ناسخ للأحاديث السابقة.
لقوله كان آخر الأمرين.
ولذا ذهب الجماهير إلى القول بأن أكل لحكم الجزور لا ينقض الطهارة.
الجواب على استدلال الجمهور.: نقول الجواب من أوجه:
- الوجه الأول: أن القاعدة المتفق عليها عند العلماء - لم يخالف فيما أعلم فيها أحد - أن الخاص مقدم على العام.
وترك الوضوء مما مست النار عام لأنه يشمل جميع اللحوم - لحم الغنم والبقر والإبل والدجاج وكل أنواع اللحوم - بينما الوضوء من لحم الإبل حديث خاص.
والخاص دائماً مقدم على العام. - الوجه الثاني: أن حديث جابر ترك الوضوء مما مست النار لم يفرق فيه بين لحكم الغنم والإبل بينما حديث البراء فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بين لحم الإبل والغنم فدل على أنهما حديثان منفصلان لكل حكمه.
- الوجه الثالث: أورد عليهم شيخ الإسلام فقال: ما ترون بأكل النيء من لحم الإبل إن كان ينقض فصار حديث البراء لم ينسخ وتناقضوا وإن لم ينقض لم يدخل في حديث من ما مست النار.
إذاً أجاب الحنابلة عن أدلة الجمهور بهذه الثلاثة أجوبة.
والقول بأن لحم الإبل ينقض هو القول الصواب لما جاء فيه من أحاديث صحيحة صريحة لا معارض لها.
تنبيه: مهم جداً: وهو أن بعض الكتاب قال أنه روي عن الخلفاء الأربعة أنهم لايرون الوضوء من لحم الإبل - وهذه لو صحت لصار المصير إلى أن لحم الجزور لا ينقض - ولكن الصواب أن ماروي عن الخلفاء الأربعة è لا يثبت عنهم.
وإلا فإن الإنسان إذا رأى هذه الآثار توقف حقيقة لكن بعد البحث وجدنا أنها لا تثبت عن الخلفاء.
قال: وأكل اللحم خاصة: الحنابلة يرون أن أكل الكبد والطحال من الجزور لا ينقض الطهارة.
قالوا: لأن اللحم لا يطلق على هذه الأجزاء وفي الحديث أنتوضأ من لحوم: واللحوم لا تطلق على باقي الأجزاء.
والقول الثاني: أن الوضوء من باقي الأجزاء واجب.
لأن كلمة لحم الجزور يطلق على جملة الجزور كما أننا نقول لحم الخنزير يطلق على جملة الخنزير.
فإذاً اللحم وباقي الأجزاء تنقض الوضوء لأن اللحم يطلق في العرف على كل أجزاء الحيوان.
بقينا في مسألتين:
حليب الإبل: ومرق لحم الإبل:
أما الحليب: فلا إشكال أنه لا ينقض لأنه لايدخل في مسمى اللحم مطلقاً.
أما المرق ففيه خلاف بين أهل العلم على قولين:
- منهم من رأى أنه ينقض لأن المرق خلاصة اللحم.
- ومنهم من رأى أنه لا ينقض لأنه لا يسمى لحماً وإن كان خلاصة اللحم.
وفي الحقيقة المسألة عندي فيها تردد.
مسألة مرق اللحم.
وأميل إلى أنه لا ينقض لأن الأصل السلامة وإلا في الحقيقة فيها تردد.
ومحل الإشكال إذا لم يكن في المرق قطع ولو صغيرة أما إذا كان فيها قطع صغيرة فلا إشكال أنها تنقض.
انتهينا من الناقض الثامن ثم انتقل إلى الناقض التاسع •:فقال - رحمه الله -: (9) وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلاّ الموت.
قاعدة المذهب أن كل حدث أوجب غسلاً فيوجب أيضاً الوضوء فيجب على الإنسان إذا حصل له حدث يوجب الغسل أن يغتسل وأن يتوضأ فإذا اغتسل ولم يتوضأ ترتب على هذا جواز استباحة ما يشترط له الاغتسال دون ما يشترط له الاغتسال والوضوء.
فمثلاً الصلاة يشترط لها الاغتسال والوضوء فإذا اغتسل بلا وضوء فإنه لا يجوز له أن يصلي لماذا؟ لأن كل ما أوجب غسلاً أكبر أوجب الوضوء.
والقول الثاني: أن نية الاغتسال تكفي عن الوضوء والدليل أن الله سبحانه وتعالى لم يأمرنا في حال الجنابة إلا بالاغتسال (وإن كنتم جنباً فاطهروا) والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي أفرغ عليك هذا الماء ولم يأمره بالوضوء وهذا القول هو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله -. وهو القول الصواب.
إذاً هذه القاعدة وهي أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً قاعدة مرجوحة.
فعلى المذهب إذا صار على الإنسان جنابة واغتسل ولم يتوضأ فهل يجوز له أن يصلي وهل يجوز له أن يقرأ القرآن؟ ........... لأن قراءة القرآن يشترط لها ارتفاع الحدث الأكبر دون الحدث الأصغر.
كم صار عدد النواقض؟ تسعة.
والصواب أنها ثمانية.
لماذا؟ لأن مس الدبر ذكرنا أنه هو مسألة مس الذكر.
فالنواقض في الحقيقة ثمانية.
حتى الترقيم هذا من المحقق ربما أراد المصنف أن النواقض ثمانية وليست تسعة.
إذاًَ لو أن المحقق لم يجعل الرقم 6 على مسألة مس حلقة الدبر لكان هو الصواب.
• قال - رحمه الله -:
" ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس: بنى على اليقين.
هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم أن الإنسان إذا تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ولو كان هذا الشك وصل إلى مرحلة غلبة الظن فإنه يبقى الأصل فيه الطهارة وإذا تيقن الإنسان الحدث وشك في الطهارة ولو وصل هذا الشك إلى مرحلة غلبة الظن فإن الأصل بقاء الحدث.
الدليل: حديث عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شكي إليه الرجل يجد الشيء في الصلاة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لاينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً.
فهذا نص في أنه لا ينتقل عن اليقين الأول إلا بيقين أما الشك وغلبة الظن فإنها لا تنقله.
وهذه قاعدة مريحة للإنسان.
إذاً إذا شك الإنسان فإنه يبقى على طهارته ولو غلب على ظنه خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه إذا غلب على ظنه فإنه ينتقل إليه.
قال (إلا الموت):
الحنابلة يرون أن كل ما أوجب طهارة كبرى أوجب طهارة صغرى قالوا: إلا الموت فالموت هل يوجب الاغتسال؟ نعم يجب أن نغسل الميت.
فالموت يوجب الاغتسال لكن عند الحنابلة لا يوجب الوضوء لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بتغسيل الميت دون الوضوء ولم يأمر بالوضوء.
ونحن نقول للحنابلة كذلك أمر بغسل الجنابة دون أن يأمر بالوضوء - نفس الدليل.
فمذهب الحنابلة في الميت يضعف مذهبهم في باقي موجبات الغسل.
• قال - رحمه الله -:
فإن تيقنهما وجهل السابق: فهو بضد حاله قبلهما.
إذا تيقن الإنسان الطهارة والحدث لكن لا يدري أيهما السابق منهما فحكمه عند الحنابلة أن يرجع إلى حاله قبلهما.
مثال: يوضح هذه المسألة:
إنسان بعد الزوال تيقن الطهارة والحدث ولكن لا يدري أيهما السابق فنقول له ماذا كانت حالتك قبل الزوال؟ فقال كنت محدثاً: فنقول إذاً أنت الآن طاهر وإن قال كنت قبل الزوال متطهراً فنقول أنت الآن محدث.
هذا الجزء الأول من المسألة وهو أن نتصور المسألة.
باقي التعليل: لماذا الحنابلة يذهبون إلى مثل هذا المذهب؟
التعليل: نقول إذا كان الإنسان تيقن الطهارة والحدث بعد الزوال وكان قبل الزوال محدثاً فنقول أن هذا الحدث ارتفع قطعاً بالطهارة التي بعد الزوال.
وأما الحدث الذي بعد الزوال فيحتمل أنه هو الحدث الذي كان قبل الزوال واستمر ويحتمل أنه حدث مستجد فدخل الاحتمال على الحدث واليقين على الطهارة.
والقول الثاني: أنه يجب عليه بكل حال أن يتطهر.
وهذا القول - الثاني - هو الراجح احتياطاً.
ختم المؤلف ’ الباب بأحكام المحدث من حيث الأشياء التي لا يجوز له أن يفعلها.
• فقال ’:
ويحرم على المحدث: مس المصحف
مس المصحف محرم على المحدث عند الحنابلة بل عند الأئمة الأربعة بل عند جمهور السلف والخلف بل حكي إجماعاً.
واستدلوا: بدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿لايمسه إلا المطهرون﴾ وقد استدل شيخ الاسلام بهذه الآية وقرر الاستدلال كما يلي:
- بعبارة مبسطة - قال نحن نقر أن هذه الآية في اللوح المحفوظ والمقصود بهم الملائكة لكن نقول أن في الآية إشارة إلى أن القرآن الذي نزل أيضاً لا يمسه إلا لمطهرون كما أن اللوح المحفوظ في السماء لا يمسه إلا المطهرون.
فالاستدلال من باب الإشارة التنبيه لا من باب النص.
هكذا قرر شيخ الاسلام الاستدلال بهذه الآية.
وبهذا نتجاوز الخلاف في أنه هل الآية يقصد بها اللوح المحفوظ أو المصحف.
الدليل الثاني: في الكتاب الذي كتبه النبي ‘ لعمرو بن حزم ((وإن لا يمس القرآن إلا طاهر)) وهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول واستدلوا به.
القول الثاني: ذهب إليه الظاهرية وهو أنه يجوز للإنسان أن يمس المصحف.
قالوا: لا يوجد دليل لا من الكتاب ولا من السنة الصحيحة يدل على المنع.
والصواب مع الجماهير.
لأن في الأدلة التي ذكروها كفاية ومستند.
• ثم قال ’: والصلاة.
يعني يحرم على المحدث الصلاة.
وتحريم الصلاة على المحدث وبطلانها منه محل إجماع من الفقهاء ويدل عليه الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي ‘ قال لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
فمن السنة والإجماع.
• ثم قال ’: والطواف
ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه يشترط لصحة الطواف ارتفاع الحدث الأصغر واستدلوا بحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن الطواف مثل الصلاة إلا أنه الله أباح فيه الكلام.
والقول الثاني للأحناف أن الطواف لا يشترط له الطهارة من الحدث.
قالوا والصواب في حديث ابن عباس أنه موقوف عليه.
وهذا القول اختيار شيخ الاسلام.
وهو القول الأقرب للصواب.
لكن من فوائد العلم أن الإنسان يعلم الآن أن اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف مذهب جمهور الأئمة وهذا يوجب له الاحتياط بأن لا يطوف إلا متطهراً ويوجب له أن يوصي غيره بالاحتياط.
فمن فوائد العلم أن يعرف الإنسان قوة الخلاف وضعفه.
خلافاً لمن نرى من بعض إخواننا أنه إذا عرف الراجح صار كأن القول الثاني لا قيمة له فهذا خطأ من حيث العلم بل يجب أن الإنسان إذا رأى قوة الخلاف أن يحتاط في العبادة.
وبهذا نكون انتهينا من باب نواقض الوضوء ونبدأ مستعيناً بالله ب
باب الغسل
.
باب الغسل
• قال - رحمه الله -:
باب الغسل.
الغسل: هو استعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص.
هكذا عرفه الفقهاء وقول الإنسان الغسل أسها من هذا التعريف.
فما يتبادر إلى ذهن المسلم منى معنى الغسل أسهل من هذا التعريف الذي يذكره الفقهاء.
• قال - رحمه الله -:
وموجبه: خروج المني.
يخرج من الإنسان أربع سوائل:
المني والمذي والودي والرابع من المرأة وهو ماء المرأة.
فيحتاج طالب العلم أن يعرف الفرق بينها.
فالمني: ماء أبيض ثخين أو غليظ.
فهو ماء ولونه أبيض وثخين ورائحته وهو رطب كرائحة العجين.
ورائحته وهو يابس كرائحة البيض إذا جف.
المذي: ماء أبيض لكنه رقيق.
فيتوافق مع المني في أن كلاً منهما ماء وأبيض إلا أنه رقيق بخلاف المني فهو ثخين.
ومن علاماته الخروج بعد الملاعبة أو التفكير.
الودي: ماء أبيض ثخين.
ومن علاماته الخروج بعد البول.
فإن قلت كل من المني والودي يشتركان بنفس التعريف: ماء أبيض ثخين لكن لا يمكن أن يقع الخلط بين المني والودي لأن المني كما سيأتينا لا يخرج إلا دفقاً ولأن الودي يخرج بعد البول.
ماء المرأة: الذي يقابل المني بالنسبة للرجل.
قال الفقهاء ماء أصفر رقيق.