كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
أي: أنها لا تصح خلف المرأة بالنسبة للرجال أما بالنسبة فلا بأس أن يصلين خلفها وسيأتي معنا ذكر هذه المسألة.
ولا تصح صلاة الرجال خلف الخنثى:
التعليل: أنه قد يكون امرأة والخنثى هو الذي أشكل أمره فلا يعرف هل هو رجل أو امرأة؟ وهو موجود في الزمن الماضي والحاضر والمعاصر فإنه يوجد من يولد ويشكل أمره هل هو رجل أو امرأة إما لعدم وجود مخرج للمرأة والرجل أصلاً أو لوجود مخرج للمرأة والرجل في ذات الوقت في هذا الخنثى.
الخلاصة: أنه لا يجوز للرجال أن يصلوا خلف الخنثى.
•
ثم قال رحمه الله:
ولا صبي لبالغ.
أي ولا تصح صلاة البالغ خلف الصبي.
= فالحنابلة يرون أنه لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي.
وكان ينبغي على المؤلف رحمه الله أن يقول: في الفريضة لأن هذا هو مذهب الحنابلة: أن نفي الصحة خاص بالفريضة وهذا أمر لا يترك أساسي فإنه ليس مما يقال أنه من التكميل والشرح.
فكان ينبغي أن يقول ولا صبي لبالغ في الفريضة.
ففي الفريضة لا يكون الصبي إماماً للبالغ لأن البالغ أكمل منه وصلاة البالغ فريضة وصلاة الصبي نافلة.
فهو أكمل من حيث هو فإنه مكلف.
وأكمل من حيث صفة الصلاة: فصلاته فريضة وصلاة الصبي نافلة.
هذا الدليل الأول.
والدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رفع القلم عن ثلاثة ... وذكر منهم الصبي حتى يبلغ) فهو مرفوع عنه القلم.
= والقول الثاني: أن إمامة الصبي صحيحة.
واستدلوا بدليلين: عام وخاص.
العام: قالوا: عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرأهم) سواء كان بالغاً أو لم لم يبلغ لأن الحديث لم يفصل.
الخاص: أن والد عمرو بن سلمة قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأله عن أحكام الدين ليبلغها لقومه فكان مما بلغه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قال له: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) فما رجع إلى قومه قال عمرو بن سلمة بحثوا فلم يجدوا إلا أنا فقد كنت أكثرهم قرآناً وهو ابن ست أو سبع سنين.
فصار هو الإمام لقومه.
ففي هذا الحديث إمامة الصبي للبالغين.
وهذا القول الثاني أصح وأقرب.
لكن إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن الإمام أحمد إذا وجد نصاً لا يتركه إلى غيره فكيف وقد ثبت عن الإمام أحمد بروايات أنه لا يرى صحة إمامة الصبي.
فكيف وقد ترك هذا النص؟ فما هو الجواب؟
الجواب: أن الإمام أحمد سأل – الأثرم أو غيره – سأله فقال له: ما تقول في حديث عمرو بن سلمة فرده الإمام أحمد وقال: أي شيء يكون؟ أو أي شيء هو؟ ولم يرده من حيث الصحة لكن الحنابلة فسروا هذا القول من الإمام أحمد بأنه يرى أن هذا العمل لم يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك لم يأخذ بالحديث.
وحاشاه رحمه الله أن يكون في المسألة نص صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يتركه.
لكنه رحمه الله ترك هذا النص لهذا المعنى كأنه رأى أن هذا الحديث لم يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن والد عمرو رجع إلى قومه في البادية وهم يسكنون بعيداً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصار هو الإمام فربما حصل هذا منهم من غير علم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ونحن نريد أن نبين وجهة نظر الإمام أحمد رحمه الله فقط وأما الراجح فهو القول الثاني لأن الأصل إن شاء الله كما سيأتيكم في أصول الفقه أن إقرار الله حجة فإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - علم فليس في المسألة إشكال وإن كان لم يعلم فإن الله تعالى يعلم وهي واقعة وقعت في زمن التشريع ولو كانت هذه الواقعة مخالفة للشرع لبينها الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
إذاً الراجح إن شاء الله صحة صلاة الصبي لبالغ.
وقوله: ولا صبي لبالغ: يفهم منه صحة الصبي لمثله وهذا صحيح لتساويهما.
ويفهم من مذهب الحنابلة – لا أقول من عبارة المؤلف – أن إمامة الصبي البالغ لا تجوز في الفريضة يفهم منه جواز إمامة الصبي في النافلة وهو مذهب الجماهير وهو الصواب إن شاء الله.
فإمامة الصبي في النافلة جائزة حتى عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور حتى لو رجحنا عدم صحة إمامته في الفريضة ففي النافلة صلاته إن شاء الله صحيحة عند الجماهير بلا إشكال.
• ثم قال رحمه الله:
ولا أخرس.
= أي أنه لا تصح إمامة الأخرس وهو من لا يستطيع النطق لا بالناطق ولا بمثله - أي أخرس آخر – عند الحنابلة.
الدليل: استدلوا على هذا الحكم:
بأن القراءة ركن مقصود معتبر في الشرع وهو لم يأت به ولا ببدله.
= والقول الثاني: صحة إمامة الأخرس بمثله فقط.
لأن المنع من ذلك يؤدي إلى أن يصلوا فرادى وتضيع الجماعة.
= والقول الثالث: صحة إمامة الأخرس مطلقاً.
لأنه وإن كان أخرساً إلا أنه معذور فليس بيده النطق وإلا لفعل.
وإذا كان معذوراً سقط اعتبار هذه الصفة وإذا لم تعتبر رجعنا إلى الأصل وهو من كان أقرأ يعني أكثر حفظاً فإنه يصلي بالناس.
والترجيح في هذه المسألة فيه إشكال
من حيث العموم والأدلة العامة تدل على أنه وإن كان أخرساً إلا أنه معذور.
وإذا نظر الإنسان إلى النصوص الخاصة وجد أن الشارع له نظر عميق جداً في القراءة بل إنه قدم القارئ على الفقيه.
وقدم القارئ على كل الناس.
فقال: (يؤم القوم أقرؤهم).
وهذا لا يصدر منه قراءة مطلقاً.
فالحقيقة فيه تعارض فما يظهر لي أي الأقوال أرجح إذا تصورنا وقوع مثل هذا الأمر.
• ثم قال رحمه الله:
ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام.
قبل شرح هذه العبارة أريد أن أنبه إلى تصحيح من حيث تفقير الكتاب (نسخة الهبدان - طبع دار ابن الجوزي) فإن الصواب في كتابة العبارة أن يقول: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ثم يضع نقطة ويبدأ مع أول السطر:
أو قيام.
إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته.
لماذا؟ لأن الحكم وهو قوله: (إلا إمام الحي المرجو زوال علته) يتعلق فقط بالقيام فليس له علاقة بالعاجز عن الركوع أو السجود أو القعود.
وصنيع المحقق وفقه الله وجزاه الله خيراً يفهم منه خلاف ذلك.
إذا تكون الجملة: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ثم نقطة ومع أول السطر أو قيام.
إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته.
نرجع إلى معنى العبارة: يقول: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود: يعني ولا تصح الصلاة خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود.
والمقصود بقوله: (عاجز عن ركوع أو سجود أو ركوع) أي لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الواجبات أو الشروط ففي الحقيقة هم يريدون هذا المعنى ولا يريدون التخصيص بمسألة العاجز عن الركوع أو السجود أو القعود.
إذاً لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط أو الواجبات.
الدليل عند الحنابلة: أن العاجز عن هذه الأشياء أخل بركن مقصود من أركان الصلاة سواء كان الركوع أو السجود أو القعود ولا يكون المفضول إماماً للفاضل.
فمن كان قادراً قدم بالإمامة.
= القول الثاني: مذهب الشافعية واختاره شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله أنه تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط.
لأن هذا العاجز معذور وإذا كان معذوراً لم يؤاخذ بما ترك وصلاته كاملة شرعاً.
وإذا ثبت ذلك - أي أنه معذور - فإنا نقدم من قدم الله ورسوله.
فنقول الأقرأ يتقدم فيصلي سواء كان هو العاجز أو القادر.
•
ثم قال رحمه الله:
أو قيام.
إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته.
أي لا تجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام إلا بشرطين:
أن يكون إمام الحي.
أن يرجى زوال علته.
واستدلوا على هذا الحكم بأدلة:
الدليل الأول: أن القيام أسهل من باقي الأركان بدليل سقوطه فقي النافلة.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه جالساً لما صرع عن فرسه - صلى الله عليه وسلم - فاشتكى.
وهذا الحديث في الصحيحين.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام الراتب وأيضاً يرجى زوال علته لن العلة كانت بسبب السقوط عن الفرس وهذا عادة يزوال.
= القول الثاني: أنه تجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام ولو لم يكن هو إمام الحي ولو لم يرجى زوال علته.
أولاً: لأن النصوص التي فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه ليس فيها تقييد بهذه القيود.
ثانياً: أنه ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه في مرض موته حين صلى جالساً وصلى خلفه أبو بكر رضي الله عنه والناس قيام.
فدل هذا على أنه لا يشترط أن يرجى زوال علته ... (الآذان .. )
والراجح في هذه المسألة أنه يجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام بلا شروط زائدة والدليل هو عموم الأحاديث التي فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس قاعداً بلا شروط زائدة بالنصوص.
ولعموم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
والباقي إن شاء الله يأتي غداً.
انتهى الدرس،،،
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام عن حكم الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط عند الحنابلة ثم حكم الصلاة خلف العاجز عن القيام فقط عند الحنابلة وذكرنا أدلة الحنابلة والشرطين اللذين ذكرهما المؤلف.
• ثم توقفنا عند قول المؤلف رحمه الله:
ويصلون وراءَه جلوساً ندباً.
يريد المؤلف رحمه الله أن يبين حكم المأمومين في الصلاة التي جلس فيها الإمام من أول الصلاة.
إذاً المقصود بقوله: ويصلون وراءَه جلوساً ندباً.
في مسألة إذا صلى جالساً من أول افتتاح الصلاة.
فإذا كان الإمام مريضاً وجلس من أول الصلاة فإنه يندب للمأمومين أن يصلوا جلوساً ولا يجب عليهم أن يصلوا جالسين وجوباً.
= استدل الحنابلة على أنه يندب فقط ولا يجب بحديث عائشة رصي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرض الذي مات فيه خرج ليصلي بالناس فصلى بهم جالساً وأبو بكر - رضي الله عنه - والناس خلفه يصلون قياماً.
فدل هذا الحديث على أن الصلاة خلف الإمام الجالس جلوساً مستحب ويجوز لهم أن يصلوا قياماً.
= والقول الثاني: أنه يجب إذا شرع الإمام في الصلاة جالساً أن يصلي المأمومون وهم جلوس وجوباً أي على سبيل الوجوب لا على سبيل الندب.
واستدلوا على هذا بدليلين:
الأول: حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ... أن قال .. : فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون).
فقوله: (فصلوا جلوساً) ثم التأكيد بكلمة أجمعين فهذا دليل على أن هذا الأمر خرج مخرج الوجوب.
الثاني: ما في حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى شاكياً وصلى بعض القوم خلفه قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا.
ولم يأمرهم بالجلوس في أثناء الصلاة إلا لأنه واجب.
وهذا القول - الثاني - هو الصحيح.
ونحتاج إلى الجواب عن حديث عائشة رضي الله عنها لأن الصحابة صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم قيام وهو جالس - صلى الله عليه وسلم - فنقول الجواب:
ـ هو بالجمع بين الحديثين كما جمع الإمام أحمد فنقول:
- يحمل حديث عائشة رضي الله عنها على من ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل وجلس.
- ويحمل حديث أنس - رضي الله عنه - وحديث عائشة الآخر على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالساً.
وهذا الجمع مقدم على النسخ الذي ذهب إليه أصحاب القول الأول - أي نسخ الوجوب - وستأخذون في أصول الفقه في مبحث مهم جداً لطالب العلم وهو تعارض الأدلة: أن مرحلة الجمع تسبق مرحلة النسخ.
إذاً قوله: (ندباً) الصواب أنه وجوباً.
• ثم قال رحمه الله:
فإن ابتدأ بهم قائماً ثم اعتل فجلس: أتموا خلفه قياماً وجوباً.
إذا بدأ الإمام الصلاة قائماً ثم جلس في أثناء الصلاة فإن المأمومين يصلون خلفه قياماً وكما قال المؤلف رحمه الله: (وجوباً).
ولا أظن أن في هذه المسألة خلاف.
والدليل: حديث عائشة رضي الله عنها فإنهم رضي الله عنهم صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قياماً.
وقد تقرر أن مخالفة الإمام الفعلية محرمة لقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
ولقوله - في بعض الألفاظ - (فلا تختلفوا عليه).
فهذا دليل على أن مخالفة الإمام محرمة ومع ذلك خالفوا الإمام مما يدل على أن القيام واجب أي أنهم تركوا المحرم للإتيان بما هو أجوب منه وهو القيام.
على كل حال لا إشكال أنه إذا ابتدأ بهم قائماً ثم جلس أنهم يصلون قياماً.
عرفنا الآن أن قوله: (ويصلون وراءه جلوساً ندباً) لا يمكن أن يعم الصورتين فيما إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم جلس وفيما إذا ابتدأ الصلاة جالساً وإنما تحمل العبارة الأولى على ما إذا ابتدأ الصلاة جالساً.
•
ثم قال رحمه الله:
وتصح خلف: من به سلس البول بمثله.,
المقصود بمن به سلس البول: من يستمر خروج البول ولا يستمسك بالإرادة.
ومقصود الحنابلة بقولهم من به سلس البول: كل من حدثه دائم.
أي: أن هذا الحكم لا يختص بمن به سلس البول بل يعم كل من حدثه دائم.
حكم من حدثه دائم: أنه يجوز أن يصلي بمثله ولا يجوز أن يصلي بغيره - أي بغير من به سلس البول.
- أما لماذا يجوز أن يصلي بمثله؟ فسبق معنا التعليل وهو: لتساويهما في الحال.
- وأما لماذا لا يصلي بغيره؟ لأن هذا الشخص يخرج منه الحدث المبطل للطهارة وعفي عنه للعذر فلا يصلي بمن استكمل الشروط.
فأما عمر - رضي الله عنه - فإنه لما خرج لبعض شغله وحمل متاعاً رأى في ثوبه أثر الاحتلام فأعاد الصلاة ولم يأمر الناس بالإعادة.
فهذا دليل قوي على أنه إذا صلى الإمام والمأموم وكلاهما يجهل أن الإمام صلى على غير طهارة فإن صلاة المأموم صحيحة وأما صلاة الإمام فإنه يعيدها.
= والقول الصواب: أن في المسألة تفصيل:
فإن صلى الإمام جاهلاً للحدث فإنه يعيد هو دون المأمومين.
وإن صلى الإمام جاهلاً للنجاسة فإنه لا يعيد لا هو ولا المأمومون فصلاة الجميع صحيحة لأن صلاة الإمام الذي يجهل تلبسه بالنجاسة صلاةٌ صحيحة.
لما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوماً بأصحابه وعليه النعل ثم خلعها لأن فيها أذىً أو قذر.
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستأنف الصلاة وإنما أتم بأصحابه بعد خلع الحذاء فدل ذلك على أن من صلى متلبساً بالنجاسة جاهلاً فإن صلاته صحيحة.
وهذا التفصيل كما قلت هو الأقرب الذي تجتمع به الأدلة إن شاء الله.
• ثم قال رحمه الله:
ولا إمامه الأُمي: وهو من لا يحسن الفاتحة.
الأمي في اللغة: هو من لا يحسن الكتابة والقراءة.
والأمي في الاصطلاح الخاص بهذا الباب هو: من لا يحسن قراءة الفاتحة.
بناء على هذا مهما حمل الإنسان من شهادات عليا في أي تخصص من التخصصات إذا كان لا يحسن قراءة الفاتحة فإنه يعتبر أمياً في هذا الباب – في باب الإمامة.
إذاً إذا قيل لك ما تعريف الأمي في باب الإمامة الخاصة فتقول: من لا يحسن قراءة الفاتحة.
ثم أراد المؤلف أن يبين بعض صور عدم الإحسان في قراءة الفاتحة:
• فقال رحمه الله:
أو يدغم فيها ما لا يدغم.
قوله: (أو) كأن إدغام ما لا يدغم وتبديل الحروف واللحن الذي يحيل المعنى كأنه يختلف عن أن لا يحسن قراءة الفاتحة.
وفي الحقيقة هذه الأشياء هي: أمثلة أن لا يحسن قراءة الفاتحة.
ولذلك لو أنه قال رحمه الله: (كأن يدغم) لكان أولى.
نعم.
عدم الإحسان في قراءة الفاتحة لا ينحصر على الثلاث أمثلة التي ذكرها المؤلف لكن هي أمثلة فإنه لا يخرج الإحسان عن أن يكون من جنس هذه الأشياء وأشياء أخرى.
قوله: (أن يدغم فيها ما لا يدغم).
أي أن يدغم حرفاً فيما لا يماثله ولا يقاربه.
وبعبارة أخرى (أسهل): أن يدغم في موضع لا يصح الإدغام فيه.
فهذا لا يحسن القراءة ولا يصح أن يكون إماماً.
التعليل: أنه بهذا الإدغام أسقط حرفاً من الفاتحة وهو الحرف المدغم في غيره سقط في موضع لا يجوز أن يسقط.
• قال رحمه الله:
أو يبدل حرفاً.
أي أن يبدل حرفاً أثناء النطق بحرف آخر ومثاله المشهور: الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً فهذا أشهر مثال ويكثر وقوعه.
فهذا الألثغ عند الحنابلة لا يجوز أن يكون إماماً مع وجود غيره.
لأنه: أيضاً لم يأت بالفاتحة فقد نطق حرفاً آخر.
واستثنى الحنابلة –بل الجمهور – الضاد فلو أبدلها بالظاء فإن صلاته صحيحة ويجوز أن يكون إماماً.
واستدلوا على هذا بدليلين:
الأول: أنهما في السمع واحد.
فإذا سمع الإنسان الضاد والظاء فإنه لا يفرق بينهما في السمع.
الثاني: أن مخرج الحرفين متقارب جداً مما يشق معه التحرز من الخلط.
وهذا صحيح وهو اختيار شيخ الاسلام رحمه الله.
•
ثم قال رحمه الله:
أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى إلاّ بمثله.
إذا لحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى فإنه لا يجوز أن يكون إماماً إلا بشخص آخر يلحن كلحنه.
من أمثلة اللحن الذي يحيل المعنى: أن يقول: ((أنْعَمْتُ)) بدل ((أنْعَمْتَ)).
لأنه صار المنعم المتكلم أو القارئ.
وهذا لحن ينقل المعنى إلى أمر آخر بعيد.
أو أن يفتح همزة ((اهدنا)) وهذا يقفع عند بعض الأعراب لأن المعنى انتقل من طلب الهداية والتوفيق والصلاح إلى طلب الهدية.
فهذا اختلاف كبير في المعنى بسبب اللحن.
إذاً إذا لحن الإنسان فإنه لا يصح أن يكون إماماً وسيأتينا حكم صلاته.
= القول الثاني في هذه المسألة: أنه يجوز أن يكون إماماً في النوافل فقط.
= القول الثالث: الجواز مطلقاً.
دليل الحنابلة أن الزهري رحمه الله يقول: (مضت السنة بذلك) أي بعدم صحة إمامة اللحَّان.
وتقدم معنا مراراً أن الإمام الحافظ الكبير الزهري إذا قال مثل هذه العبارة فإن لها ثقلاً عند أهل العلم.
لماذا؟
لأنه رحمه الله واسع الاطلاع جداً وغالباً ما يقصد بمثل هذه العبارات ما كان عليه إما العهد النبوي أو على أضعف الإيمان عهد الصحابة.
وذلك لسعة اطلاعه ووقوفه على أقوال كبار الصحابة فمثله رحمه الله إذا قال: (مضت السنة بذلك) يكون له شأن كبير في الحقيقة.
الدليل الثاني: أن القراءة ركن مقصود معتبر عند الشارع فلم يجز الاقتداء بمن يقصر فيه.
بناء على هذا: إذا كان بعض الناس يقرأ ويلحن في الفاتحة فإنه يجب وجوباً أن يتخلف عن الإمامة ولا تصح الصلاة خلفه.
فإذا كنا نعلم أن الإمام الفلاني يصلي بالمسجد الفلاني ويلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى ويغيره كالأمثلة التي ذكرت وغيرها فإنه لا يجوز أن نصلي خلفه لأنه لا يصح الاقتداء به.
ولا يخفى أن هذا فيه مشقة لا سيما في البوادي إذا يكثر فيهم من يكون إماماً وهو يلحن في الفاتحة وقد أخذنا أن القول الثاني أنه يجوز أن يكون إماماً وتصح الصلاة خلفه.
أي الأقوال أرجح؟
الذي يظهر لي وأعتمد في هذا على كلمة الزهري أن نقول أنه لا يصح الإئتمام به فإذا صلى الإنسان خلف من يلحن ناسياً أو جاهلاً فيعيد أي عند الحنابلة.
أو نقول: إذا صلى جاهلاً أو ناسياً – المأموم - فإنه يعذر.
لكن إن صلى عالماً متساهلاً أعاد.
وهناك خطورة أخرى بالنسبة لمن يصلي ويلحن: أن يعتاد الناس على سماع الفاتحة وفيها لحن فيحفظوا الفاتحة ملحونة.
ففي الحقيقة تقديم من كان بهذه المثابة فيما يبدو لي أنه لا يجوز أي: أن الإئتمام به لا يصح.
• ثم قال رحمه الله
وإن قدر على إصلاحه: لم تصح صلاته.
أي: إن قدر على إصلاح هذا اللحن لم تصح صلاته أصلاً لا منفرداً ولا إماماً.
إذاًَ كأن العبارة الأولى يقصد بها المؤلف: من لا يستطيع إصلاح الشأن.
أما من يستطيع ولم يفعل فصلاته من حيث هي باطلة.
الدليل: - تقدم معنا تعليل هذا مراراً وهو: أن من ترك واجباً عمداً في الصلاة بطلت صلاته.
فهذا ترك أمراً واجباً بل ترك أمراً يتعلق بركن كبير من أركان الصلاة وهو قراءة الفاتحة.
لما انتهى المؤلف من الذين لا يجوز أن نصلي خلفهم ولا تصح إمامتهم انتقل إلى القسم الثاني وهم الذين يصح أن يكونوا أئمة ولكن مع الكراهة.
• فقال رحمه الله:
وتكره إمامة: اللّحّان.
اللحان المقصود به هنا: كثير اللحن.
واللحن هو: نطق أواخر الكلمات على غير صوابها من جهة الإعراب.
ومراد الفقهاء – وهذا مهم: في كل باب ينبغي أن يعتني الإنسان بمراد المؤلف من كلامه – فمراد المؤلف من قوله: (اللحان): أي: الذي يلحن في الفاتحة لحناً لا يحيل المعنى أو في غيرها يحيل أو لا يحيل المعنى.
وبعبارة أوضح: المقصود به هنا الذي يلحن لحناً يحيل المعنى في غير الفاتحة أو فيها لحناً لا يحيل المعنى.
لأن اللحن الذي في المعنى يحيل المعنى في الفاتحة تقدم معنا وانتهى المؤلف من بيان حكمه فإذاً هنا يقصد رحمه الله اللحن اللذي يكون في الفاتحة ولا يحيل المعنى أو في غيرها سواءً كان يحيل أو لا يحيل المعنى.
صلاة اللحان مكروهة عند الفقهاء والتعليل عندهم: أن هذا نقص يؤثر على إمامته بالكراهة.
أما أن الصلاة تصح قالوا: لأنه أتى بفرض القراءة وإن لحن.
وهذا التعليل يرجح أي القولين في المسألة السابقة؟ ( ..... ) (ماوضح لي الجواب .. )
ذو القعدة فإن لحن لحناً لا يحيل المعنى لكنه فعله متعمداً فإن صلاته باطلة.
• ثم قال رحمه الله:
والفأْفاء، والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف.
هؤلاء ثلاثة وحكمهم واحد.
فالفأفاء: هو الذي يكرر الفاء.
والتأتاء هو الذي يكرر التاء.
ومن لا يفصح هو: الذي لا يظهر الحروف عند النطق بشكل واضح.
وإنما ذكر المؤلف رحمه الله الفأفاء والتمتام لأنهما الأكثر وقوعاً وإلا لو فرضنا أن شخصاً يكرر حرفاً غير الفاء أو التاء لأخذ نفس الحكم.
علة الكراهة في هؤلاء: أنهم زادوا في الصلاة زيادة لا تشرع.
فالفأفاء زاد: فاء.
والتأتاء زاد: تاء.
أما بالنسبة للذي لا يفصح ببعض الحروف فعلة الكراهة النقص الحاصل بعدم الإفصاح فإن هذا نقص في المعنى وإن لم يكن نقصاً في الحروف.
فهؤلاء حكم إمامتهم: مكروهة.
وأما لماذا تصح الصلاة: فلما تقدم لأنهم أتوا بفرض القراءة كاملاًَ فإنهم قرأوا قراءة كاملة لكن الفأفاء زاد ومن لا يفصح نقص في المعنى بدون نقص في الحروف.
وهؤلاء الثلاثة غيرهم أولى منهم وصلاتهم صحيحة وإمامتهم صحيحة.
•
ثم قال رحمه الله:
وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن.
يكره أن يؤم الرجل أجنبية فأكثر إذا كان لا رجل معهن والصواب أن في هذه المسألة تفصيلاً فهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يؤم الرجل امرأة واحدة فهذا محرم وليس مكروهاً فقط.
والتعليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة.
والأصل في النهي هو التحريم.
القسم الثاني: أن لا يخلو بامرأة واحدة وإنما بامرأتين فأكثر فحكمه الكراهة لأمرين: الأول: خشية الفتنة.
والأمر الثاني: تلبسه غالباً بالوساوس.
لأنه ليس معه أحد إلا النساء فربما اشتغل بالتفكير بهن أو بغيرهن.
= والقول الثاني: أنه لا يكره.
فلو فرضنا أن إماماً دخل وصلى وليس وراءه إلا خمس نسوة – مثلاً – فالصلاة صحيحة بلا كراهة إلا إذا خشيت الفتنة.
• قال رحمه الله:
أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق.
يكره أن يكون الإنسان إماماً لجماعة بشرطين:
أن يكون الأكثر يكرهه فإن كرهه الأقل لم يؤثر.
أن يكرهوه بحق.
بناء على هذا إذا كرهه الأقل فصحت إمامته بلا كراهة.
وإذا كرهه الأكثر صحت إمامته مع الكراهة.
وإذا تساوى الفريقان ففيه وجهان: والأقرب الكراهة.
هذا ما يتعلق بالشرط الأول.
أما الشرط الثاني وهو: أن يكرهوه بحق.
أما إن كرهوه لأنه يأتي بالسنة أو كرهوه لدينه وتمسكه بالحق.
فإن كراهتهم لا ينظر إليها ولا عبرة بها.
إذاً إذا كرهوه بحق فإنه يتركهم أما إذا كرهوه بغير حق كأن يكرهوه بسبب تطبيقه للسنة فإنه لا ينظر لهذه الكراهة.
فإن كرهوه لأمر دنيوي: فهي كراهة بحق.
إنما الكراهة التي ليست بحق هي التي بسبب تدينه والتزامه بالسنة ما عدا ذلك فهي كراهة بحق.
فإذا كرهوه وانطبقت الشروط فإن إمامته والحال هذه تصح مع الكراهة.
ودليل الكراهة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم: العبد الآبق حتى يرجع ومن باتت وزوجها غضبان عليها ومن أم قوماً وهم له كار هون).
وهذا الحديث كثير من أهل العلم يضعفه وهو ضعيف لكن في الحقيقة ضعفه ليس شديداً فهو مقبول ويسير جداً وأنا لا أقول أنه حسن لكن لا شك أن هناك فرق بين الحديث الذي ضعفه ضعفاً شديداً والحديث الذي ضعفه ضعفاً يسيراً.
والدليل الثاني: التعليل: أن المقصود من الجماعة الائتلاف والاجتماع وصلاته بهم وهم يكرهونه يناقض هذا المعنى.
• ثم قال رحمه الله:
وتصح إمامة: ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما.
ولد الزنا هو الولد المولود لغير أبوين شرعيين.
فإمامة ولد الزنا صحيحة.
وعليه: لماذا ذكرها المؤلف رحمه الله؟
لأن بعض الفقهاء كرهها.
ودليل عدم الكراهة: قول عائشة رضي الله عنها ليس عليه من وزر أبويه شيء.
وعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم) ولم يخص هل هو ولد زنا أو ولد شرعي.
قال: (والجندي).
الجندي أيضاً تصح إمامته بلا كراهة لعموم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
وإنما ذكر الجندي بالذات لأنه عند الفقهاء وأهل التواريخ يغلب على الجندي وقوع الظلم والاعتداء فيصير بذلك فاسقاً فتكره الصلاة خلفه.
فهذا السبب الذي جعلهم يذكرون الجندي.
لكن في الحقيقة تعليق هذا الوصف بكلمة الجندي غير دقيق مطلقاً بل قد أقول أنه فيه ظلم لجنس الجنود.
لماذا؟
لأنه ليس من المناسب أن تعلق وصف باسم ينضوي تحته أنواع كثيرة.
فمن الجنود من هو على خير واستقامة وتدين وعدم ظلم والقيام بحقوق الله وحقوق الخلق.
ومنهم من هو ظالم لنفسه.
كما أن الأطباء فيهم من هو كذلك والمهندسون فيهم من هو كذلك.
فإذاً يجب أن نعلق الوصف بالوصف الشرعي فنقول الفاسق والمعتدي تكره الصلاة خلفه.
وعلى كل حال الحنابلة لا يرون أن الصلاة خلف الجندي مكروهة لكن نقول من رأى أنها مكروهة وهو الذي احتاط عنه المؤلف فتعليقه بهذا الوصف فيه بعد.
المهم أن الصلاة خلف الجندي لا تكره.
• ثم قال رحمه الله:
ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
تصح صلاة من يؤدي الصلاة خلف من يقضيها وهنا نأتي إلى مسألة تحديد مراد الفقهاء.
فمراد المؤلف هنا: إذا اتحدت الصلاة بأن تكون الصلاتين كلاهما ظهراً أو عصراً المؤداة والمقضية.
فإذا جاء رجل وأراد أن يصلي ظهر أمس لأنه تركها نسياناً فسيؤديها قضاء ثم جاء آخر ويريد أن يصلي صلاة ظهر اليوم فاقتدائه بمن يصلي صلاة الظهر أمس قضاء صحيح بلا كراهة.
وهذا معنى قوله وتصح إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
هذا هو المذهب بل إن الخلال وهو من كبار الحنابلة - ممن ينبغي أن يطالع طالب العلم ترجمته - يقول الخلال: هذا الحكم هو عن أبي عبد الله رواية واحدة وقد غلط من روى عنه خلاف ذلك.
يعني أنه ينكر الرواية الثانية ....... (((الآذان)))
انتهى الدرس،،،
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• يقول المؤلف رحمه الله:
(تصح إمامة) من يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه.
هاتان مسألتان لهما الحكم نفسه.
فيجوز أن يكون من يؤدي الصلاة إماماً لمن يقضي الصلاة ويجوز أن يكون من يقضي الصلاة إماماً لمن يؤدي الصلاة.
وهذا - أي صحة الإمامة في هذه المسائل - هو مذهب الحنابلة.
وذكرت لكم بالأمس أن الشيخ الخلال يقول: أن الإمام أحمد لم يرو عنه في هذه المسألة إلا رواية واحدة ومن روى عنه خلاف هذه الرواية فقط غلط على الإمام أحمد.
= إذن هذا القول الأول بتفصيله.
الدليل:
الأول: استدلوا على ذلك بأنه تصح صلاة من صلى بنية الأداء فبان قضاء.
مثاله: رجل كَبَّر لصلاة العصر يظن أن وقت صلاة العصر باقٍ ثم بان بعد انتهاء الصلاة أن وقت العصر قد خرج.
فالآن هو صلى بنية الأداء والواقع أن صلاته قضاء ومع ذلك صحت.
فقالوا: إذا صحت في مثل هذه الصورة فمن باب أولى أن يصح أن يقتدي المؤدي بمن يقضي أو بالعكس.
الثاني: أنه - كما سأتينا - لا أثر لاختلاف النية بين الإمام والمأموم.
= والقول الثاني: أنه لا تصح صلاة من يؤدي بمن يقضي أوبالعكس.
والصواب مع الأول - مذهب الحنابلة لقوة ووجاهة ما اسدتلوا به ولما سيأتينا حول مسألة اختلاف نية الإمام مع المأموم وأنه لا أثر له شرعاً.
•
ثم قال رحمه الله:
لا مفترض بمتنفل.
والجواب على دليل الجماهير أن الاختلاف المنهي عنه في الحديث هو الاختلاف في الأعمال بدليل أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه فإذا سجد فاسجدوا وإذا ركع فاركعوا).
وهذا دليل على أن الاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف الذي يكون في الأعمال.
مسألة: أما صلاة المتنفل خلف المفترض – عكس مسألتنا هذه – فهي جائزة بالإجماع بلا إشكال.
فقد أجمع الفقهاء على جوازها وأنها صحيحة.
واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هل من رجل يتصدق على هذا؟).
وذلك في الرجل الذي فاتته صلاة الجماعة وأراد أن يصلي منفرداً فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعضهم أن يقوم ويصلي معه فالذي فاتته الصلاة فإنه سيصلي الفريضة ومن قام يصلي معه فسيصلي نافلة ومع ذلك صحت وبحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلت لكم أن هذا الحديث مقبول.
•
ثم قال رحمه الله:
ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها.
إذا اختلفت الصلاة ولو كان كل منهما يؤدي الفريضة فإنه لا يصح أن يأتم أحدهما بالآخر.
ولهذا قلت لكم أن قول المؤلف: ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
خاص بما إذا كانت الصلاة واحدة وذكرت لكم المثال بالأمس: رجل فاتته صلاة الظهر للأمس وأراد أن يصليها اليوم فإنه يصليها خلف من يصلي الظهر اليوم.
نرجع إلى مسألتنا:
إذا اختلفت الصلاة كمن يصلي الظهر بمن يصلي العصر فعند الحنابلة أنه لا يجوز الاقتداء.
والخلاف في هذه المسألة: كالخلاف تماماً في المسألة السابقة ولا نحتاج إلى إعادة الكلام عليها من حيث الأدلة والترجيح والقائلين: فالجمهور يرون أنه لا يجوز والشافعي وهو اختيار شيخ الإسلام يرى أنه يجوز.
تنبيه: يستثنى من الصحة - صحة اقتداء أحدهما بالآخر - إذا اختلفت الأعمال فلا يجوز أن يصلي الكسوف خلف من يصلي الظهر لأن صلاة الظهر تختلف عن صلاة الكسوف بالأعمال.
فذكر الفقهاء أنهإذا اختلفت الأعمال فلا يصح الاقتداء.
وبهذا انتهى هذا الفصل وانتقل المؤلف إلى فصل آخر يتعلق أيضاً بصلاة الجماعة.
فصل
[في موقف الإمام والمأمومين]
• قال رحمه الله:
فصل
يريد المؤلف رحمه الله بهذا الفصل أن يبين أين يقف المأموم؟ وما هي السنة في ذلك؟ وإذا خالف السنة فما حكم صلاته؟
• فقال رحمه الله:
يقف المأمومون خلف الإمام.
إذا كان المأمومون جماعة فإنهم يقفون خلف الإمام.
والدليل على ذلك: ما استفاضت به السنة ونقله الخلف عن السلف أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقفون خلفه ولا إشكال في هذا الحكم إذا كان المأمومون جماعة.
القسم الثاني: إذا كانوا اثنين فقط:
= فذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم إلى أنهم يقفون خلف الإمام أيضاً ولو كانوا فقط اثنين.
واستدلوا على هذا: بما ثبت في الحديث الصحيح أن جابر - رضي الله عنه - قدم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فصف عن يساره فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعله عن يمينه فجاء جبَّار - رضي الله عنه - وصف عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذهما النبي - رضي الله عنه - وأرجعهما إلى الخلف.
فدل هذا الحديث على أن الجماعة إذا كانوا اثنين فيقفون خلف الإمام وهو نص في المسألة.
= القول الثاني: وإليه ذهب ابن مسعود - رضي الله عنه - وتبعه تلاميذه: علقمة والأسود رضي الله عنهم وهو أن الجماعة إذا كانوا اثنين فإنهم يقفون عن جانبي الإمام عن يمينه ويساره.
والدليل على ذلك: أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وعلقمة والأسود أقبلوا إلى المسجد فرأوا الناس يخرجون وقد انتهت الجماعة فرجعوا إلى منزل ابن مسعود - رضي الله عنه - وصلى بهم وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فلما انتهى قال: (هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).
قال أصحاب هذا القول أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وهو من كبار فقهاء الصحابة ينسب هذا الحكم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والراجح قول الجماهير بلا إشكال لأن النص الذي معهم وهو حديث جابر وجَبَّار واضح جداً وهو نص بأن الجماعة إذا كانوا اثنين فيصلون خلف الإمام.
أما الجواب عن أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن نقول أن هذا الحديث منسوح ولم يعلم الصحابي الجليل ابن مسعود - رضي الله عنه - بأن السنة استقرت على أن الجماعة إذا كانوا اثنين يقفون خلف الإمام.
وإلى هذا الجواب ذهب البيهقي.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يصح رفعه.
فإن قوله: (هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) لا يثبت وأن هذا إنما هو من فقه ابن مسعود - رضي الله عنه -. فهذا الوجه في حقيقته جواب بتضعيف الحديث المرفوع وإلى هذا ذهب ابن عبد البر رحمه الله.
الوجه الثالث: أنه - رضي الله عنه - إنما فعل ذ1لك لضيق المكان أي أنه لا يتسع لصفين.
والأجوبة كلها قوية وتصلح جواباً عن أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - ويبقى أن الراجح هو أن الجماعة إذا كانوا اثنين فيقفون خلف الإمام.
• ثم قال رحمه الله:
ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه.
لما قرَّرَ المؤلف رحمه الله أن السنةأن يقف الاثنان خلف الإمام أراد أن يبين أنه يجوز أن يقفوا عن يمين الإمام أو عن يمينه وشماله.
واستدلوا على الجواز:
بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -.
وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل تحريمة جابر وجبار لما وقفا عن يمينه وشماله.
ويصح أن يكونوا عن يمينه وعن شماله سواء كانوا اثنين أو جماعة.
لكن قال الجماهير: يصح مع الكراهة لمخالفة ظاهر السنة.
• ثم قال رحمه الله:
لا قدّامه.
أي: لا تصح قدام الإمام.
والصلاة قدام الإمام تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون ذلك حول الكعبة في غير جهة الإمام بأن يكون المتقدم في غير جهة الإمام.
فإذا افترضنا أن الإمام يقف عند مقام إبراهيم والمأموم يقف في الجهة المقابلة له وبين الإمام والكعبة ذراعين وبين المأموم والكعبة من الجهة المقابلة ذراع واحد فهنا: هل تقدم المأموم على الإمام؟
الجواب: نعم.
وحكمه: أنه يجوز وحكي الإجماع على ذلك لأنهما ليسا في جهة واحدة.
((ولكن ذكروا مع ذلك أن الصف الأول هو الصف الذي يكون امتداد الصف الذي خلف الإمام والصف الثاني هو صف هؤلاء الذين تقدموا على الإمام من الجهة المقابلة.
هكذا ذكروه وحسب المطلاعة – وليست بالطويلة - فإني لم أجد خلافاً.
فقد ذكره الفقهاء ولم يذكرو خلافاً.
فإن كان في هذه المسألة خلافاً فالصواب أن الصف الأول في كل جهة يعتبر هو الصف الأول.
فالصف الأول في جهة الإمام هو الذي يكون خلفه.
والصف الأول في الجهة المقابلة هو الصف الأول.
لأن هذا الصف الأول الذي في غير جهة الإمام تقدم واتخذ المكان الأول فكيف نجعله هو الصف الثاني ومن خلفه ممن يوازي الصف الأول الذي خلف الإمام هو الصف الأول.
فمن وجهة نظري أن هذا فيه بعد لا سيما وأن الشارع الحكيم حث الناس على التقدم إلى الصلوات والجلوس في الصف الأول فهذا الشخص تقدم وصلى في الصف الأول لمن الصف الأول صار متقدماً على الإمام وقد عذره الشارع بالإجماع بأنه متقدم على الإمام فما الذي يمنع أن يكون هو الصف الأول.
المهم: أنه إذا كان في هذه المسألة خلاف فأرى أن الصف الأول في كل جهة هو الصف الأول ولو كان متقدماً على الإمام.
القسم الثاني: أن يكون تقدم المأموم على الإمام في غير المسجد الحرام.
فإذا تقدم فصلاته باطله لأنه خالف السنة المشهورة في موقف الإمام.
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
والإئتمام الكامل يكون بحيث يراه المأموم.
= القول الثاني: أن صلاة من تقدم على الإمام صحيحة مطلقاًَ لأن التقدم على الإمام لا يمنع الاقتداء.
دليل الحنابلة: استدلوا على هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صف ابن عباس عن يساره أخذه من وراء ظهره وجعله عن يمينه.
قالوا: فدل الحديث على أن اليسار ليس موضعاً للإقتداء مع خلو اليمين.
= القول الثاني: أن من صلى عن يسار الإمام وحده فهو مكروه لكن الصلاة صحيحة.
واستدلوا على هذا بأقيسة منها:
= الأول: قالوا: قياساً على صلاة المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه آخر.
= الثاني: قالوا: قياساً على صحة صلاة المأموم الذي يقف عن يمين الإمام.
وأجابوا عن حديث ابن عباس - رضي الله عنه - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما فعل ذلك لبيان السنة والأفضلية وليس لبيان بطلان الصلاة.
بدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ جابراً وجباراً رضي الله عنهما وجعلهما خلفه ومع ذلك نحن نقول لو يصلي شخص عن يمينه وشخص عن يساره لصحت الصلاة مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرجعهما إلى الخلف فكذلك نقول: أن ابن عباس - رضي الله عنه - نقله النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليسار إلى اليمين مع صحة صلاة من يصلي عن اليسار.
والأقرب هو القول بعدم البطلان استئناساً بحديث جابر فإن دلالته واضحة ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل تحريمة جابر لما صف عن يساره ولا تحريمة ابن عباس لما صف عن يساره.
• ثم قال رحمه الله:
ولا الفذ خلفه أو خلف الصف.
أيضاً هاتان مسألتان لهما حكم واحد.
إذا صلى المنفرد خلف الإمام وحده.
أو صلى خلف الصف وحده منفرداً.
= فعند الحنابلة وهو القول الأول أن صلاته باطلة.
واستدلوا بعدة أدلة:
الدليل الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف).
وسأل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: (هو حديث حسن) فكفانا مؤونته.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يصلي خلف الصف منفرداً فأمره أن يعيد الصلاة.
وهذا الحديث صححه ابن المنذر وهو قابل للاحتجاج.
وبطلان صلاة المنفرد خلف الصف من المفردات.
= القول الثاني: للجماهير: أن صلاة المنفرد خلف الصف مكروهة ولا تبطل.
واستدلوا على هذا: بأن أبا بكرة - رضي الله عنه - دخل والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكع فركع عند الباب ودب على قدميه إلى أن دخل في الصف.
وجه الاستدلال أنه - رضي الله عنه - صلى منفردا ً خلف الصف ولما انتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد).
وذكرنا أن الروايات فيها اختلاف هل قال: (لا تُعِدْ أو لا تَعُدْ).
وأن الأقرب رواية ودراية أنه قال: (لا تَعُدْ).
حتى من حيث الرواية فإن أكثر الرواة قالوا: (لا تَعُدْ).
فنهاه ولم يأمره بإعادة الصلاة مع أنه صلى منفرداً خلف الصف.
الجواب على هذا الدليل: أن هذا الصحابي وإن كان دخل في الصلاة منفرداً إلا أنه حقق المصاففة قبل أن يرفع النبي - صلى الله عليه وسلم -.فلم يتحقق فيه وصف الانفراد.
وبهذا أجاب شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله.
= والقول الثالث: وهو منسوب للعالم الكبير الحسن البصري رحمه الله واختاره ابن القيم وشيخ الاسلام أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح إلا إذا لم يجد مكاناً.
فقولهم مركب من شقين:
- الأول: أنه تبطل صلاة المنفرد خلف الصف.
وأدلتهم هي أدلة الحنابلة. - الثاني: أنها تصح إذا لم يجد مكاناً.
واستدلوا بالقاعدة المشهورة التي يقررها شيخ الاسلام مراراً وتكراراً: ((أن الواجب يسقط بالعذر لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
وهذا القول - الأخير - قوي ووجيه جداً ومع ذلك يتحتم على الإنسان أن يحرص حرصاً شديداً أن لا يصلي منفرداً خلف الصف ولو كان في الحقيقة لا يوجد مكان احتياطاً.
وسبب الاحتياط: أن الأحاديث التي ذكرها الإمام أحمد ليس فيها تفصيل ولم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الرجل هل كنت تجد مكاناً؟ أو لم تجد مكاناً؟ وإنما حكم على صلاته بالبطلان.
ويشكل مع ذلك أيضاً يؤيد الاحتياط أنه من المعلوم أن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان صغيراً كما ترون الآن المحدد بالفرش التي تتخذ لوناً مميزاً وفي الغالب أن الصفوف تكتمل ولذلك كان عمر يوكل بكل صف شخص ممات يدل على أن الصفوف كانت تكتمل ويتراص أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي الغالب أن هذا الصحابي لن يصلي منفرداً مع وجود فراغ في الصف والناس يعلمون شدة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تسوية الصفوف.
ففي الحقيقة مجموع هذه الأمور تجعل الإنسان يحتاط لمسألة الصلاة خلف منفرداً ولو لم يجد مكاناً لكن لو صلى إنسان خلف الصف منفرداً لأنه لم يجد مكاناً فلا نقول له أعد الصلاة بل صلاته إن شاء الله صحيحة.
• قال رحمه الله:
إلاّ أن يكون امرأة.
فإن كانت امرأة فإنها يجوز أن تنفرد خلف الصف بل السنة في حقها أن تصلي منفردة خلف الصف.
والدليل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأنس وأمه قال: فقمت عن يمينه وقامت أمي خلفنا.
وأيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بيت أم سليم هو وأنس ويتيم معهما فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بهم فقام أنس واليتيم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وقامت أم سليم خلفهم في الصف الثاني.
فهذان دليلان صريحان على أن المرأة إذا صلت مع الرجال منفردة فإنها تصلي خلف الصف ولا تعتبر منفردة ولا يؤثر هذا على صلاتها بل السنة أن تفعل ذلك.
• ثم قال رحمه الله:
وإمامة النساء تقف في صفهن.
لو أن المؤلف رحمه الله قال كما في الشرح: ندباً.
لكانت إضافة متميزة وهذا مهم لأنه في صميم الحكم.
إذاً وقوف المرأة في وسط صف النساء إذا كانت تأمهن هو على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب.
دليل ذلك: أن عائشة وأم سلمه رضي الله عنهما إذا صليتا بالنساء فكن يقفن بوسط الصف.
والدليل الثاني: أن هذا أستر للمرأة.
فإن وقفت أمامهن صحت الصلاة وخالفت المشروع.
وصحت الصلاة لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ولا شك أن ائتمام المأمومين بالإمام إذا تقدم أكمل وأوضح.
إذاً بهذا عرفنا أين تقف إمامة النساء؟ وما حكم هذا الوقوف؟ وما الحكم إذا خالفته؟
• ثم قال رحمه الله:
ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
لما بين المؤلف رحمه الله الحالات الخاصة كأن لا يوجد إلا مأموم واحد أو أن لا توجد إلا امرأة واحدة أو أن لا يوجد إلا اثنان أراد الآن أن يبين الحكم العالم وهو إذا وجد مجموعة من الناس منهم رجال وصبيان ونساء.
فقال: الترتيب أنه:
يلي الإمام الرجال أولاً.
ثم الصبيان ثانياً.
ثم النساء ثالثاً.
وهذا الحكم يحتاج إلى تفصيل:
أما بالنسبة للنساء فنؤخر الكلام عليه لوضوحه.
نأتي إلى مسألة الصبيان والرجال:
وينقسم حكمهم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يحضر الرجال والصبيان في وقت واحد.
فإذا حضروا في وقت واحد فإن الرجال هم الذين يلون الإمام ثم يليهم الصبيان لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى).
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب أن يصلي وراءه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه.
وهذا أمره واضح وهو بالإجماع فلا إشكال فيه وهو المذهب والإجماع.
القسم الثاني: أن يحضر الصبيان أولاً ثم يحضر بعد ذلك الرجال.
والمقصود بالرجال: هو كل ذكر بالغ.
والصبيان: كل ذكر لم يبلغ.
فإذا حضر الصبيان أولاً ثم حضر بعد ذلك الرجال:
= فعند الحنابلة أيضاً يؤخر الصبيان ويتقدم الرجال.
أي: يعمد الرجال إلى تأخير وإرجاع الصبيان ويتقدم الرجال.
واستدلوا على هذا: بدليلين:
الأول: عموم حديث: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى).
الثاني: أن أبي بن كعب - صلى الله عليه وسلم - تأخر وجاء إلى الصف ووجد صبياً فجذبه وجلس مكانه فلما انتهت الصلاة قال: أي بني لم أرد نقصك وإنما عهد إلينا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نكون خلفه.
فهذا الحديث نص أن هذا الصحابي الجليل أخر الصبي ووقف في مكانه.
وهذا الأثر إسناده صحيح.
= والقول الثاني:
((الآذان)) ......
انتهى الدرس،،،
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هذه المسألة وهي: ترتيب الأجناس الثلاثة الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا تقدم أني ذكرت (فيها) القول الأول وبينت تقسيم الحنابلة وغير الحنابلة لهم.
وهو على وجه الإجمال والإيجاز وتقدم:
أنه: إما أن يحضروا جميعاً - أي الرجال والنساء والصبيان -.
أو يحضروا متفاوتين.
فإن حضروا جميعاً في وقت واحد فالترتيب كما قال المؤلف: يكون الرجال في المقدمة ويليهم الصبيان ثم يليهم النساء.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى).
- ولأنه لو عرض للإمام عارض فإن وجود الرجال العارفين بالأحكام خلفه أدعى لتكميل النقص.
والقسم الثاني: إذا حضر الصبيان قبل الرجال: = فعند الحنابلة أيضاً يقدم الرجال ويؤخر الصبيان - أي: يرجعون من مكانهم في الصف الأول إلى الصف الثاني - وهذا هو مذهب الحنابلة.
وتقدم معنا أنهم استدلوا بدليلين: الدليل السابق: وهو عموم (ليليني منكم) وهذا يشمل ما إذا حضر الرجال أولاً أو حضر الصبيان أولاً.
واستدلوا أيضاً بأن أبي بن كعب - رضي الله عنه - حضر متأخراً ونظر في وجوه الصف الأول فرأى صبياً فأخره وقال: عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلينا أن يليه الكبار أو أولي الأحلام.
فاستدل هؤلاء بهذين الدليلين.
وهذا كله تقدم.
ثم نقول:
تنبيه: قول الفقهاء: الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
لا يعني هذا أن نجعل جميع الصبيان في الصف الذي يلي الرجال لأنه سيترتب على هذا بلا شك أن يعبث الصبيان وأن يفسدوا الصلاة على المصلين لكن لعل مقصود الفقهاء أن الصف الأول يكون فيه الرجال ثم يتخلل الصبيان الصفوف بعد ذلك وإلا بلا شك لو جعلنا جميع الصبيان في الصف الأخير بعد الرجال لصار في المسجد من اللغط والتشويش شيءٌ لا يعلمه إلا الله كيف وهم الآن يشوشون على الناس وهم متفرقون فكيف إذا اجتمعوا وخلا لهم لجو.
إذاً يجب أن لا نأخذ كلام الفقهاء أخذاً جامداً وإنما يُعْلَم أنهم رحمهم الله يدورون مع المصالح وليس من المصلحة أن يبقى الصبيان مجتمعين في الصف الأخير.
• قال رحمه الله:
ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
تكلمنا عن الرجال والصبيان.
أما النساء فلا إشكال ولا نزاع أنهن يكن بعد الرجال والصبيان.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خير صفوف النساء آخرها).
ولما تقدم معنا من حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صف إماماً وجعل خلفه أنس واليتيم وفي الصف الثالث أم سليم.
فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الصبيان.
وهذا المقدار لا شك فيه ولا نزاع فيه بين الفقهاء ولله الحمد.
•
ثم قال رحمه الله:
كجنائزهم.
يعني أن هذا الترتيب يكون في صفوف الصلاة في الفرائض وأيضاً في الجنائز في موضعين:
في صلاة الجنازة: فيكون المقدم مما يلي الإمام الرجال ثم يليه الصبيان ثم يليه النساء.
وأيضاً هذا الترتيب يكون في القبور ففي القبور يكون التقديم مما يلي القبلة عكس الإمام فيكون أو ميت يلي القبلة رجل ثم يليه الصبي ثم تليه المرأة وسيأتينا تفصيل ذلك وهل يجوز أن يقبر في القبر أكثر من ميت أو لا؟ لكن في الحال التي يجوز فيها أن يقبر في القبر أكثر من ميت فيرتبون كترتيبهم في صلاة الجماعة وكترتيبهم في صلاة الجنازة.
ثم بدأ المؤلف بمجموعة مسائل يعتبر من صلى فيها فذَّاً:
• فقال رحمه الله:
ومن لم يقف معه - إلاّ كافر ... ففذ.
أي إذا لم يقف مع الرجل إلا رجل آخر كافر فهو فَذٌّ.
ومعلوم أن الحنابلة يرون أن صلاة الفذ باطلة والسبب في ذلك أن وجود الكافر كعدمه إذ أن مصافة الكافر لا تصح بالإجماع.
وهذا الحكم وهو: أنه إذا صف مع رجل كافر فهو يعتبر فذاً أجمع عليه أهل العلم إذا كان مع العلم.
يعني إذا كان من صف مع الكافر يعلم أنه صف مع كافر فهذا محل إجماع ولا يفعل مثل ذلك إلا متلاعب.
القسم الثاني: أن لا يعلم المأموم أن مصافه كافر لأي سبب من الأسباب.
= فالجماهير أيضاً يرون أن صلاته كصلاة الفذ.
أي أنها لا تصح.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه معذور بعدم العلك بكون من صافه كافر.
وهذا القول الثاني: أقرب لأن من صاف الكافر وهو لا يعلم معذور والله سبحانه وتعالى وضع الإثم والجناح عن المعذور.
وهو من جنس الخطأ المعفو عنه شرعاً.
وقل ما يقع مثل هذا إلا في أحوال المرتد ففي حالات المرتد قد يقع أن يصاف الإنسان مرتداً وهو لا يعلم أنه من المرتدين فحينئذ حكمه عند الجمهور أنه كالفذ والقول الثاني أن صلاته صحيحة.
• قال رحمه الله:
أو امرأة.
أي إذا لم يقف مع الرجل إلا امرأة واحدة فحكمه حكم صلاة المنفرد.
والتعليل:
أن المرأة ليست من أهل المصافة.
لأنها لا تصح إمامتها فلا تصح مصافتها.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة ولا يعتبر منفرداً لأنه صلى مع من يصلي الفريضة صحيحة فالمرأة تصلي الفريضة صحيحة.
ونحن نتكلم الآن عن مسألة: هل تصح الصلاة؟ وهل يعتبر منفرداً أو لا؟ فلسنا نتكلم عن حكم أن تصف المرأة بجوار الرجل فهذه مسألة أخرى.
لكن الكلام الآن عن إذا صفت المرأة وقلنا أن مصافة المرأة مع الرجل مكروهة أو محرمة فيبقى النظر هل الصلاة صحيحة؟ أو لا؟.
= فعند الحنابلة يعتبر منفرداً وصلاته باطلة.
لأن مصافة المرأة لا تصح لا لأنها وقفت بجانبه امرأة.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه وقف بجانب من صحت صلاته.
وفي الحقيقة أنا أميل إلى مذهب الحنابلة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثين جعل المرأة خلف الصف فكأنه لا يصح للمرأة وقوف بجانب الرجل أي أنها لا تنفي عنه الانفراد.
بناءً على هذا ما نراه أحياناً في المسجد الحرام من أن بعض الناس يتأخر عن الصفوف ويصلي بجوار زوجته فهذا عند الحنابلة صلاته لا تصح لأنه بغض النظر هل المرأة من محارمه أو لا؟ وهل يجوز أن تقف بجانبه أو لا؟ فإن مصافة المرأة غير معتبرة عند الحنابلة فيعتبر كأنه صلى منفرداً ومن صلى منفرداً فصلاته باطلة.
وعرفنا القول الثاني.
المسألة الأخرى: إذا وقفت المرأة بجوار عدد من الرجال فالآن زالت مسألة الانفراد فنبقى في: هل تصح صلاتها وصلاتهم أولا؟
= عند الحنابلة تصح صلاتها وصلاتهم بهذه الصورة الثانية وهي ما إذا وقفت امرأة بجانب عدد من الرجال فهنا زال الانفراد وعليه رأى الحنابلة أن صلاتهم صحيحة.
واستدلوا على هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وبجواره عائشة رضي الله عنها في غرفته وكانت تقف بجواره وهي ليست في عباده فلأن نصحح صلاة الرجل إذا وقفت بجواره امرأة للعبادة من باب أولى.
هكذا استدلوا وما ذكروه يعتبر صحيحاً فإذا صلت المرأة بجوار عدد من الرجال فصلاتها وصلاتهم صحيحة أن الانفراد زال وكون المرأة تقف بجوار الرجل فهذا لا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
• ثم قال رحمه الله:
ومن لم يقف معه إلا .. من علم حدثه أحدهما .. ففذ.
إذا وقف رجلان أحدهما محدث فعبارة المؤلف دلت على أنه يندرج تحت هذه المسألة عدة صور:
الصورة الأولى: أن يعلم كل منهما حدث أحدهما: فحينئذ تبطل صلاة الإثنين:
- أما المحدث فلأنه محدث.
- وأما الآخر فلأنه صلى منفرداً عالماً.
الصورة الثانية: أن يجهل كل منهما حدث المحدث: فالحكم أن صلاة المحدث باطلة - بلا إشكال - وصلاة من معه: = عند الحنابلة أيضاً باطلة لأنه: صلى بجوار من لم تصح صلاته.
= والقول الثاني: أنه في هذه الصورة صلاته صحيحة.
والسبب أنه معذور إذ لا يعلم أن من بجواره محدث.
الصورة الثالثة: أن يعلم المحدث بحدثه دون من بجواره فحكمها: نفس حكم الصورة السابقة تماماً.
= فعند الحنابلة يرون أن صلاته ليست بصحيحة.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة للعذر إذ الإنسان يعذر بكونه لا يعلم أن من بجواره محدث.
الصورة الرابعة: إذا علم غير المحدث دون المحدث ففي هذه الصورة تبطل صلاة الإثنين:
- أما المحدث فلأنه محدث.
- وأما من علم فلأنه صلى منفرداً عمداً.
ويتصور ذلك: أن يعلم أن من بجواره أحدث ثم ينسى المحدث ويبقى الآخر متذكراً فحينئذ صار أحدهما يعلم والمحدث لا يعلم.
وهناك صورة أخرى: أن يأتي المحدث بناقض للوضوء يجهل أنه من نواقض الوضوء ويعلم الآخر أنه من نواقض الوضوء: يعني: المتفق عليها فحينئذ تصح هذه الصورة الرابعة وعلمنا أن حكمها بطلان صلاة الاثنين.
• ثم قال رحمه الله: أو صبي - في فرض: ففذ.
يعني أن من صلى بجوار صبي في فرض فإنه يعتبر منفرداً وصلاته باطلة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف).
= وهذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة.
ودليلهم: قالوا: أن الصبي لا تصح إمامته في الفريضة فلا تصح مصافته.
فكأن القاعدة عندهم أن من لا تصح إمامته لا تصح مصافته.
والرد على هذا الدليل: من وجهين: الوجه الأول: ما تقدم معنا أن الصواب أن الصبي تصح إمامته.
الوجه الثاني: أن هذه القاعدة منقوضة بصور كثيرة حتى عند الحنابلة: منها: الأخرس فإن إمامته لا تصح لكن هل تصح مصافته؟ نعم بالإجماع حتى عند الحنابلة فهذه الصورة تخرق عليهم هذه القاعدة ففي الحقيقة مذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف.
= القول الثاني: أنه تصح مصافة الصبي في الفريضة والنافلة.
والدليل ما تقدم معنا من حديث أنس - رضي الله عنه - أنه صاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر لما صلى هو بجوار النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلت أمه خلفهما.
ففي هذا الحديث أن أنساً - رضي الله عنه - صف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمصافته.
فإن قيل: أن هذا في النفل.
فالجواب: أن القاعدة الصحيحة تقول: أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل خاص يستثني الفريضة أو يستثني النافلة وإلا فالأصل تساوي الفريضة والنافلة في جميع الأحكام.
وبهذا نعلم أن مصافة الصبي على الصواب صحيحة ولا يعتبر من صاف الصبي منفرداً.
نأتي إلى مسألة أخرى وهي: إذا أردنا أن نقرر مذهب الحنابلة ونقول: أن مصافة الصبي لا تصح: ماذا يصنع من لم يجد إلا صبياً؟ قالوا: عليه:
أن يصف هو والصبي عن يمين الإمام فإن صف هو والصبي خلف الإمام بطلت صلاته.
أو يصف هو والصبي أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن يساره.
وبهذا تخلصوا من قضية أن يصلي منفرداً وكذلك تخلصوا من قضية أن يصلي - مثلاً - الصبي بغير جماعة فالآن هم صلوا جماعة وانتفت الفردية وأنه صلى منفرداً خلف الصف.
•
ثم قال رحمه الله:
ومن وجد فرجة: دخلها.
لما قرر المؤلف رحمه الله أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة أراد أن يبين ماذا يصنع من جاء فوجد الصف قد امتلأ.
لأنه إن صلى خلف الصف منفرداً بطلت صلاته فاحتاج إلى تصرف شرعي يقضي على هذه المشكلة.
فرتب المؤلف رحمه الله الحل على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يجد فرجة في أثناء الصف (واعلم أن هذا الترتيب مقصود بمعنى أنه لا يوجد انتقال إلى مرتبة قبل التأكد من عدم وجود المرتبة التي قبلها فمن وجد فرجه فإنه لا يذهب ليصلي عن يمين الإمام ومن وجد مكاناً عن يمين الإمام فإنه لا يجوز له أن يجذب أحداً من الصف).
إذاً قال:
ومن وجد فرجة دخلها:
الفرجة هي المكان الفارغ في الصف والمكان الفارغ في الصف يعتبر خللاً فإذا جاء الإنسان ووجد فرجة فإنه يدخل في هذا الصف لأمرين:
الأمر الأول: أن لا يصلي منفرداً.
والأمر الثاني أن يسد هذا الخلل.
والدليل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتسوية الصفوف وسد الخلل وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا تصفون كما تصف الملائكة قالوا يارسول الله كيف تصف الملائكة؟ قال: يعبون الصف الأول فالأول).
فلأجل هذا الحديث ولغيره من الأحاديث الكثيرة التي بلغت حد الشهرة والتي فيها الأمر بتسوية الصفوف وسد الخلل قلنا لمن جاء والصف فيه خلل أنه يدخ ويسد هذا الخلل.
وهذه المرحلة لا إشكال فيها أنه: إذا جاء ووجد فتحة أو فرجة أو خللاً في الصف فإنه يدخل في هذا الصف.
•
ثم قال رحمه الله:
وإلاّ عن يمين الإمام.
يعني: وإلا يجد فرجة فإنه يصف عن يمين الإمام.
فإذا لم يجد مكاناً في الصف فإنه يتخطى الرقاب إلى أن يصل إلى الإمام ويقف عن يمين الإمام.
الدليل: قالوا: الدليل على هذا العمل أن يمين الإمام موقف إذا لم يكن إلا مأموم واحد فيكون موقفاً إذا لم يجد المأموم الواحد مكاناً في الصفوف.
ولأنه إن لم يفعل هذا صلى منفرداً وأدى هذا إلى بطلان صلاته.
= والقول الثاني: أنه لا يتقدم ليصلي عن يمين الإمام.
وسيأتينا ماذا يصنع؟
لكن نحب الآن أن نقرر فقط أنه ليس من الحلول أن يتقدم ويصلي بجوار الإمام.
والسبب من عدة أوجه:
أولاً: أن هذا لا يعلم أنه حدث في العهد النبوي إلا مرة واحدة لها حكم خاص وهو حينما أوتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الظهر أو صلاة العصر وكان يؤم الناس أبو بكر - رضي الله عنه - فتخطي الرقاب ووضعوه بجوار أبي بكر - رضي الله عنه - وهنا لا يقاس عليها لأنهم لما وضعوه بجوار أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - صار هو الإمام - صلى الله عليه وسلم -.
إذا هذه الحال الفريدة في العصر النبوي لا يقاس عليها لأن من تخطى الصفوف صار هو الإمام - صلى الله عليه وسلم -.
فيما عدا هذا لا يحفظ أن حداً تقدم وصلى بجوار النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بجوار أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم مع العلم أن المسجد النبوي صغير ويمتلئ.
الثاني: أن الشارع الحكيم نهى في النصوص الصريحة عن تخطي الرقاب ولم يستثن ما إذا كانت الصفوف ممتلئة ولا يجد من دخل المسجد مكاناً فيها بل النصوص جاءت عامة في النهي عن تخطي الرقاب لما فيه من الأذى والتشويش وذهاب الخشوع بالنسبة للمأمومين.
الثالث: أن بقاء الإمام منفرداً بالإمام يقوي ويهيئ مسألة المتابعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
إذاً هذا العمل فيه نظر ولا يندب لمن دخل المسجد أن يفعل هذا الفعل وهو تخطي الناس ليقف عن يمين الإمام ولو لم يجد مكاناً في الصفوف.
•
ثم قال رحمه الله:
فإن لم يمكنه: فله أن ينبه من يقوم معه.
إذا لم يمكن أن يتخطى ويقف بجوار الإمام ولم يجد فرجة فالحل عند الحنابلة أن ينبه بعض المأمومين ويكون تنبيههم له بأحد طريقتين:
إما بالإشارة بأن يؤشر له بأن يرجع معه.
أو بالكلام بأن يقول تأخر يا فلان.
وعلم من كلام المؤلف أنه لا يستحب أن يجذبه جذباً وإنما ينبهه فإن رجع وإلا تركه.
وأما الجذب فهو محرم عند الحنابلة.
وقيل هو مكروه.
وقيل هو مباح.
وهذا العمل أيضاً فيه نظر كالعمل السابق.
ووجه هذا النظر - وجه تضعيف هذا العمل:
أن يجذب أو أن ينبه من يرجع معه: أن في هذا اعتداء على موقف المأموم.
والأمر الثاني: القاعدة المشهورة المتقررة: أنه لا يستحب للإنسان أن يتبرع بالقرب فإذا كانت المسألة منافسة على قرب وطاعة لله فإنه لا يندب للإنسان أن يتنازل أو يتبرع لغيره.
فهذه القاعدة الشرعية تتناقض مع أن نقرر أنه يندب للإنسان أو عليه أن ينبه من يرجع إلى الخلف.
إذاً إذا كان تخطي الرقاب إلى الإمام لا يشرع وأيضاً تنبيه بعض المأمومين ليرجع لا يشرع فالحل هو ما تقدم معنا وهو أن يصلي منفرداً وتصح صلاته حينئذ للعذر وتقدم معنا تقرير هذا القول وأن صلاة المنفرد خلف الصف إذا كان لعذر والعذر هو أن لا يوجد مكاناً مطلقاً في الصف أن صلاته والحالة هذه صحيحة لوجود العذر ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
• ثم قال رحمه الله:
فإن صلى فذاً ركعة: لم تصح.
ذكر الشارح أن في هذا تكرار لأنه تقدم معنا أن من صلى فذَّاً ركعة فإن صلاته لا تصح عند قول المؤلف رحمه الله: ولا الفذ خلف الصف.
وفيما أرى أن هذا ليس بتكرار وإنما ذكره المؤلف رحمه الله ليبين الحد الذي تبطل فيه الصلاة ويؤخذ من قوله: ركعة.
أي: أن من صلى منفرداً خلف الصف فإن صلاته تبطل بشرط: أن لا يجد فرجة ولا يأتي أحد ليصف معه قبل ن تفوته الركعة.
إذاً إذا ركع الإمام ورفع قبل أن يجد فرجة في الصف وقبل أن يأتي أحد آخر ليصف معه فحينئذ بطلت الصلاة.
فإن جاء أحد قبل ذلك فصلاته صحيحة معنى قول المؤلف: فإن صلى فذاً ركعة.
أي إن أدرك الركعة مع غيره صحت صلاته وإن أدرك الركعة منفرداً بطلت صلاته فلعل المؤلف رحمه الله أراد أن يبين هذا القيد وهذا الشرط لبطلان الصلاة.
إذاًَ ليست المسألة كما يفهم بعض الناس أنه بمجرد التكبير وبقائه وقتاً معيناً منفرداً خلف الصف أنه بهذا المقدار تبطل الصلاة وإنما لا تبطل الصلاة حتى تفوته الركعة.
• ثم قال رحمه الله:
وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحت.
يعني: وإلا فلا.
إذاً: إذا ركع قبل أن يدخل في الصف ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل أن يسجد الإمام صحت صلاته وإلا فصلاته باطلة لكن يجب أن نقيد كلام المؤلف حتى عند الحنابلة بقيد وهو: أن يفعل هذا الفعل لعذر.
يعني لو أن المؤلف قال: وإن ركع فذاً لعذر ثم دخل ... الخ لصحت العبارة.
إذاً يجب أن نقيد هذه العبارة بأن هذا يصح إذا كان بسبب عذر عرض لهذا الذي ركع قبل أن يدخل في الصف.
والعذر كأن لا يجد مكاناً أو يخشى فوات الركعة.
فإن فعل هذا الفعل لغير عذر فإنه إن دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع صحت وإلا فلا.
إذاً خلاصة المذهب: إذا أردنا أن نبين المذهب فيمن ركع قبل أن يدخل في الصف نقول:
إن ركع قبل أن يدخل في الصف:
ـ فإن كان لعذر فإنه ينتظر إلى أن يسجد الإمام فإن دخل معه آخر أو وجد مكاناً في الصف قبل أن يسجد الإمام صحت صلاته وإلا بطلت.
ـ وإن كان فعل هذا الفعل لغير عذر فإن أدرك الإمام مع آخر ووجد فرجة في الصف قبل أن يرفع رأسه من الركوع صحت وإلا فلا.
يعني أن الحنابلة يقولون أنه إذا كان فعل هذا الفعل لعذر يعطونه مساحة أكبر ينتظرون إلى أن يسجد الإمام وإن كان فعل هذا لغير عذر فلا يعطونه وقتاً طويلاً وإنما يقولون: إن رفع الإمام قبل أن يدخل معه أحد أو أن يدخل في الصف فصلاته باطلة.
((الدرس الثاني: بعد العشاء))
فصل
[في أحكام الاقتداء]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدم معنا الكلام عهن آخر مسألة في الفصل الذي عقده المؤلف للوقوف ونبدأ بالفصل الذي يليه وهو تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام من جهة المكان.
• قال رحمه الله:
(فصل)
المؤلف رحمه الله عقد هذا الفصل كما قلت للكلام عن تأثير المكان الذي يجتمع فيه الإمام والمأموم والبعد والقرب بين الإمام والمأموم تأثير ذلك على صلاة الجماعة أي على صحة الاقتداء أو عدم صحة الاقتداء.
واقتداء المأموم بالإمام ينقسم إلى قسمين:
إما أن يكون في المسجد.
أو خارج المسجد.
بدأ المؤلف بالقسم الأول:
• فقال رحمه الله:
يصح اقتداء المأموم بالإمام: في المسجد وإن لم يره.
ولا من وراءَه إذا سمع التكبير.
إذا اجتمع المأموم والإمام في مسجد واحد صح الإقتداء ولو لم يره ولو كان بينهما حائل ولو لم تتصل الصفوف.
وقوله رحمه الله: (في المسجد) يشمل أن يكون المأموم في ساحة المسجد أو في سطح المسجد أو في بدرون المسجد أو في أي مكان داخل حدود المسجد.
فما دام موجود في المسجد فإنه يصح الاقتداء ولو كان بعيداً ولم تتصل الصفوف ولمخ يره.
وإنما اشترط المؤلف شرطاً واحداً وهو أن يسمع الصوت والأحسن أن نقول: يشترط إمكان الاقتداء.
أن يمكنه أن يقتدي به لأن هذا العبارة أشمل وأوضح.
إذاً يشترط للمأموم الذي يقتدي بالإمام داخل المسجد شرط واحد وهو إمكانية الاقتداء فقط.
بناء على هذا
- لو صلى الإمام مع خمسة صفوف في صدر المسجد في المحراب وصلى خمسة رجال في آخر المسجد منفردين فصلاتهم صحيحة.
- ولو صلى رجلان في ساحة المسجد أو في سطح المسجد وبقيت الجماعة كلهم بجوار الإمام صحت صلاة الرجلين.
الدليل: أن المسجد وضع شرعاً للجماعة فمن كان فيه صح اقتدائه.
ونحن كما قلت مراراً نتكلم عن مسائل معينة فنحن نتكلم الآن عن صحة الاقتداء وصحة الجماعة ولسنا نتكلم عن حكم أن يتأخر خمسة منفردين في آخر المسجد فإنه هذا مكروه بالاتفاق وهو خلاف السنة التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المتوترة - وهي اجتماع المأمومين في صفوف متتالية متراصة مع قربهم للإمام.
فمن يصلي خلف المسجد منفرداً فلا شك أنه خالف السنة ووقع في المكروه.
لكن نحن نتكلم عن مسألة صحت الصلاة.
وهذا الحكم بالإجماع أي أن صلاته صحيحة بالإجماع لكونه في داخل المسجد.
ثم لما انتهى المؤلف من تقرير حكم الاقتداء داخل المسجد انتقل إلى حكم الاقتداء خارج المسجد:
• فقال رحمه الله:
وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين.
إذا كان المأموم خارج المسجد أو كان الإمام والمأموم كلاهما خارج المسجد هاتان مسألتان لهما نفس الحكم فإنه يصح اقتداء المأموم بالإمام ما دام يراه ويمكن له أن يقتدي به.
إذاً عند الحنابلة أن شرط صحة الاقتداء لمن كان خارج المسجد بمن كان داخل المسجد هو فقط شرط واحد أن يراه مع إمكانية الإقتداء فقط.
ولم يشترطوا في الرؤية أن يراه في جميع الصلاة بل لو رآه في بعض الصلاة دون بعض كأن يراه قائماً ولا يراه راكعاً أو يراه راكعاً وقائماً ولا يراه ساجداً صحت الصلاة أيضاً.
فالشرط عند الحنابلة الرؤية فقط مع إمكانية الاقتداء وهذا الشرط موجود حتى لمن كان داخل المسجد فهو شرط لا يتعلق بمسألة من اقتدى وهو خارج المسجد.
الدليل: استدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في حجرته وكان الجدار قصيراً فرآه أناس فقاموا يصلون بصلاته.
وظاهر الحال أنهم يرونه - صلى الله عليه وسلم - قائماً ولا يرونه راكعاً ولا ساجداً.
ففي هذا الحديث صح الاقتداء مع كون الإمام في مكان والمأموم بمكان آخر.
والجواب عن - (حديث عائشة) - أن الصواب أن هذه الحجرة كانت داخل المسجد وليس مراد عائشة رضي الله عنها بهذا الحديث غرفة عائشة أو بيت عائشة رضي الله عنها وهذا ما تدل عليه روايات صحيح البخاري الأخرى.
وهذا ما رجحه أيضاً الحافظ بن رجب.
ومن الفقهاء من قال بل هي حجرة عائشة - والذي أراد أنه قول ضعيف وبعيد من حيث المعنى والروايات.
أما من حيث الروايات فروايات البخاري تبين أنه مكان في المسجد سبق أن اتخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحجره.
وأما من حيث المعنى فإنه يبعد أن ينظر الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال حجرة عائشة يصلي فإن هذا يؤدي إلى أن الحجرة مكشوفة بحيث يرى الناس صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرون ما يفعل في البيت وهذا لا يتأتى.
وهذا القول الثاني هو الصواب - الذي رجحه ابن قدامة رحمه الله - وأنه يشترط لصحة المأموم خارج المسجد اتصال الصفوف.
== مسألة: هل يقتضي مذهب الحنابلة صحت صلاة من يرى الإمام في التلفاز أو من يرى الإمام من مكان بعيد في مسكنه؟ أو لا يقتضي؟.
الجواب: من الفقهاء من رأى أن قول الحنابلة بصحة صلاة المأموم مع الإمام بمجرد الرؤية يقتضي صحت الصلاة خلف التلفاز في الصلاة المباشرة ومن كان بعيداً عن المسجد ويراه وهو في بيته.
= والذي أراه أن هذا القول لا يقتضي ذلك.
السبب: أنهم نصوا أن من الشروط بالإضافة إلى الرؤية أن لا يكون بين المأموم والمسجد نهر جارٍ تجري فيه السفن ولا طريق يستطرق.
وبين من يرى الإمام في التلفاز والمسجد الذي تقام فيه الصلاة أنهر وأودية وطرق وكل ما تشاء من الفواصل والحجوزات.
(أليس كذلك؟!.
وكذلك من يصلي قريب من أيضا المسجد في بيته فإن الغالب عليه أن يكون بينه وبين المسجد أقل ما يقال طريق مسلوك.
فالذي أراه أن هذا القول لا يقتضي صحت الصلاة خلف هذه الأشياء مع البعد إنما يرى الحنابلة أو يريدون إذا كان الإنسان في مكانه في حانوته والمسجد أمامه وليس بينهما طريق وهو يرى الإمام سواء من خلال الباب أو النافذة أو من أي منفذ فإنه والحالة هذه يصح أن يقتدي بالإمام ولو لم تتصل الصفوف ويصلي في مكانه والإمام في مكانه.
وبهذا يمكن أنه نرفع ما يترتب على هذا القول من مؤاخذات كبيرة أو ضعف شديد بالنسبة لمذهب الحنابلة.
على أنا نقول أن الراجح والأظهر ظهوراً قوياً أنه لا بد من اتصال الصفوف إذا أراد الإنسان أن يصلي خارج المسجد.
(فائدة: قال شيخ الاسلام: إن صلى مع اتصال الصفوف صحت صلاته باتفاق الأئمة).
وهذا مفيد بحيث لا يعرض الإنسان صلاته للبطلان.
• ثم قال رحمه الله:
وتصح خلف إمام عالٍ عنهم.
ويكره: إذا كان العلو ذراعاً فأكثر.
أفادنا المؤلف أن الصلاة خلف الإمام العالي صحيحة وهي تكره بشرط واحد وهو أن يكون علوه ذراه فأكثر فإن كان علوه أقل من ذراع صحت بلا كراهة.
نحتاج أدلة لكل هذا التفصيل:
أما دليل الصحة والكراهة فواحد وهو أن عماراً - رضي الله عنه - صلى بقومه على دكَّه فأخذ بيده حذيفة - رضي الله عنه - وأنزله ثم بعد الصلاة قال: (ألم تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يؤم الرجل القوم وهو أعلى منهم).
وهذا الحديث دليل على أمرين:
الأول: الكراهة.
والثاني: الصحة.
ووجه دليله على الصحة أنه لم يستأنف وإنما استمر في صلاته - رضي الله عنه -.
وهذا الحديث الذي يظهر لي أنه ضعيف ومن المعاصرين من يحسنه لكن الأقرب أنه ضعيف لا تقوم به حجة.
الدليل الثاني: أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كانوا يكرهون ذلك أي أن يصلي الإمام وهو مرتفع عن المأمومين.
فهذان أثران عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعلم لهم مخالف أن ارتفاع الإمام مكروه مع صحت الصلاة.
وأما الدليل على أنه إن صلى لأقل من ذراع انتفت الكراهة فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صح عنه أنه صلى على المنبر ليعلم الناس الصلاة.
ومعلوم أنه لا يمكن أن نتصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكراهة.
فدل هذا الحديث أنه إن كان ارتفاعه أقل من ذراع صحت بلا كراهة.
وأما الدليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - في تلك الصلاة صلى في الدرجة الأولى وهذا هو الذي يدل على أنه أقل من ذراع الدليل على ذلك هو أنه إنما صلى ليعلم الناس وهو سيحتاج إلى الركوع والسجود على الأرض ومن المعلوم أن الأنسب لذلك أن يقف على الدرجة الأولى ليتمكن من ذلك بسهولة.
إذاً الحديث ليس فيه نص أنه صلى على الدرجة الأولى لكن يغلب على الظن أنه صلى الدرجة الأولى.
=والقول الثالث: وهو رواية أنها تصح مطلقاً بلا كراهة.
والراجح: مذهب الشافعية.
أنه إن كان للتعليم صحت بلا كراهة وإلا صحت مع الكراهة لأن أثر ابن مسعود صحيح وكذلك أثر عمار وحذيفة يظهر من حيث الأسانيد أنه ضعيف لكنه يتقوى بأثر ابن مسعود أو على أقل التقدير يمكن الاستئناس به وإلا فهو ضعيف لا يثبت عن الصحابيين رضي الله عنهما.
إذاً بهذا عرفنا حكم ارتفاع الإمام وعرفنا أن الفقهاء ينظرون لمدى الارتفاع إذا كان الارتفاع كثيراً صار مكروهاً وإلا صار جائزاً.
•
ثم قال رحمه الله:
كإمامته في الطاق.
إمامة الإمام في الطاق مكروهة.
والمقصود بالطاق: المحراب.
ودليل الكراهة:
أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وروي عن غيره من الصحابة كرهوا ذلك.
الدليل الثاني: أن صلاة الإمام في المحراب تمنع من كمال الاقتداء لأن المأمومين لن يروه ومعلوم أن الرؤية تكمل الاقتداء.
ويشترط لتحقق الكراهة عند الحنابلة أن لا تكون صلاته لحاجة فإن كان صلى في المحراب لحاجة كضيق المكان صحت بلا كراهة.
ويشترط أيضاً أن لا يروه فإن صلى في المحراب مع رؤية المأمومين له أيضاً تصح بلا كراهة.
إذاً يشترط للكراهة شرطان.
هذا حكم الصلاة في المحراب.
وأنا أرى أن كلامهم وجيه وأن دخول الإمام في المحراب من غير حاجة يؤدي إلى عدم اقتداء المأمومين بالشكل المطلوب.
نأتي إلى مسألة أخرى: وهي حكم اتخاذ المحراب.
وكثير من الإخوان يخلط بين المسألتين فيخلط بين اتخاذ المحراب والصلاة.
لأن عبارات العلماء في اتخاذ المحراب قد تكون شديدة أحياناً لكن عباراتهم في الصلاة بالمحراب أهون لأنه وجد محراباً فصلى فيه.
وحكم اتخاذ المحراب اختلفوا فيه وتشعبت الأقوال - ونحن لا نريد الدخول في هذه المسألة لأنه ليست من هذا الباب ولذلك لا حظ أن المؤلف تكلم عن حكم الصلاة فقط ولم يتحدث عن اتخاذ المحراب.
فتطوع الإمام في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة مكروه لأمرين:
الأمر الأول: أنه يؤدي إلى الالتباس والتشابه بين الفريضة والنافلة.
والثاني: أنه قد يظن بعض المأمومين أنه قام لأنه نسي ركعة.
الثالث: أنه روي عن المغيرة وعن غيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يصلي الإمام حيث أم الناس.
= والقول الثاني: أن صلاة الإمام في مكانه الذي صلى به بالناس تطوعه جائز بلا كراهة.
وأجابوا عن الأدلة: أنها جميعاًً ضعيفة وممن أشار إلى ضعف جمع الأحاديث الإمام أحمد لأنه قال: لم يثبت فيه إلا عن علي - يعني هذا معنى كلامه ليست هذه عبارته.
فإذا كان الإمام أحمد يقول أنه ليس في الباب إلا أثر عن علي - رضي الله عنه - دل على أنه يرى أن حديث المغيرة - رضي الله عنه - وغيره حديث ضعيف.
وحكم بعض الحفاظ على أفراد هذه الأحاديث بالضعف إما للانقطاع أو للجهالة.
الخلاصة: أن أحاديث نهي الإمام أن يتطوع في مكانه الذي صلى فيه بالناس ضعيفة كلها فإذاً الصلاة صحيحة بلا كراهة.
ولا يستهين الإنسان بهذا البحث لأن أهل العلم يعتنون بقضية الكراهة فإن بعض الناس لا يرى وزناً لأن الأمر مكروه أو الفعل مكروه أو غير مكروه لكن الأئمة يعتنون بهذا لأنهم لا يقدمون على المكروه لا سيما إذا تعلق بركن الدين وهو الصلاة.
• قوله رحمه الله:
إلاّ من حاجة.
هذ الاستثناء يرجع إلى مسألتين:
المسألة الأولى: تطوع الإمام في مكان المكتوبة.
المسألة الثانية: صلاته في الطاق أو في المحراب.
فلاستثناء يرجع إلى المسألتين جميعاً وهو أن الكراهة تزول إذا كان هناك حاجة والحاجة في الغالب وأثر ما يمثل الفقهاء به هو ضيق المكان.
فإذا صلى الإمام بالناس ثم أراد أن يتطوع ولم يجد مكاناً لضيق المكان فإنه والحالة هذه يصلي في مكانه بلا كراهة لوجود الحاجة.
• ثم قال رحمه الله:
وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة.
يعني: ويكره للإمام أن يطيل الجلوس بعد السلام مستقبل القبلة.