كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
لكن كثير من الناس يتساهل في هذا لأنه يرى أن الأول اجتهاد والثاني اجتهاد فإن صلينا إلى الأول أو إلى الثاني فلا بأس وهذا خلاف القواعد الشرعية بل يجب أن يعمل بالاجتهاد الثاني • ثم قال - رحمه الله - ولا يقضي ما صلى بالأول يعني بالاجتهاد الأول وهذا صحيح للقاعدة المتفق عليه أن الاجتهاد لا ينقض بمثله فهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم وتدخل في أبواب كثيرة من أبواب الفقه انتهى المؤلف - رحمه الله - بهذا من الكلام عن الشرط الخامس وهو مسألة استقبال استقبال القبلة وما فيها من تفاصيل وانتقل إلى الشرط السادس وهو النية • فقال - رحمه الله - ومنها النية النية هي: الشرط السادس من شروط الصلاة ويتعلق بها مباحث كثيرة المبحث الأول تعريف النية أولاً النية في لغة العرب هي: القصد أي معنى نويت كذا قصدته ثانياً تعريف النية في الإصطلاح هي: قصد العمل على وجه القربة هذا المبحث الأول المبحث الثاني أدلة اشتراط النية لها أدلة نأخذ دليلاً من الكتاب وآخر من السنة فدليلها من الكتاب قوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ البينة يعني أن العبادة تقبل حال كونها مع الإخلاص ودليلها من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وأدلة النية أكثر من أن تحصر نصاً واستنباطاً في الكتاب والسنة المبحث الثالث المراد بالنية ذكر الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - بحثاً جيداً في المراد بالنية فقال يراد بالنية أمران الأول نية المعمول له والثاني نية نفس العمل فالمقصود
- بنية المعمول له يعني الإخلاص والمعمول له في العبادات هو الرب جلا وعلا وهذه النية لا يتكلم عنها الفقهاء وإنما يتكلم عنها الذين يتكلمون عن أعمال القلوب وهو من المباحث العقدية وأعمال القلوب فيها مؤلفات كثيرة مفيدة ونافعة لطالب العلم من أحسنها وأخصرها التحفة العراقية لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو مطبوع
- الثاني نية نفس العمل والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة
تمييز العبادة عن العبادة يعني تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات بعضها عن بعض من أمثلة تمييز العادة عن العبادة أن الإنسان قد يغتسل بنية التبرد أو بنية التنظف وقد يغتسل بنية غسل الجمعة أو الجنابة فالصورة واحدة والفرق بين العملين هو في النية من أمثلة الثاني وهو تمييز العبادات بعضها عن بعض مثل إذا أراد الإنسان أن يصلي الظهر والعصر جمعاً فإن كلاً من الظهر والعصر أربع ركعات متشابهات في كل شيء إلا في النية فالذي يميز هذه عن هذه هو فقط النية إذاً عرفنا الآن أن فائدة النية عند الفقهاء تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات بعضها عن بعض • ثم قال - رحمه الله - فيجب أن ينوي عين صلاة معينة يقصد المؤلف - رحمه الله - أنه يجب أن ينوي المصلي عين الصلاة فيجب أن ينوي من يصلي الظهر أنه يصلي الظهر ويحدد هذه النية ويجب أن ينوي من يصلي العصر أنه يصلي العصر فإن لم ينوي هذه النية المعينة المحددة بطلت الصلاة وتخلف شرط النية الدليل استدلوا بدليلين الأول عموم الحديث وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنيات والثاني أنه بهذا يحصل التمييز بين العبادات والرواية الثاني عن الإمام أحمد أنه لا يشترط تعيين الصلاة لأن في إلزام المكلف بتعيين عين الصلاة قبل الشروع فيها مشقة وحرج إذ قد ينسى الإنسان إذا أراد الشروع في الصلاة أن يعين أنها صلاة الظهر وهذا القول ضعفه المجد جد شيخ الإسلام بن تيمية القول الثالث في هذه المسألة المهمة أن الواجب أن ينوي أنه يصلي فرض الوقت أو إذا فاتته صلاة الظهر والعصر ونسي أيهما التي فاتته فإنه يصلي بنية أنه يصلي عن تلك التي فاتته من غير تحديد وهذا القول أومأ إليه الإمام أحمد ورجحه القاضي من أصحابه فاحفظ هذا المثال فإنه من أمثلة إذا سمعت أن من شدة عناية أصحاب الإمام أحمد به وبأقواله أنهم كتبوا كل شيء من فتاويه وأقواله وإيماءاته فهذا من أمثلة الإيماء أومأ الإمام أحمد ولم يذكره وإنما فقط أومأ ومع ذلك حفظ وكتب وهذا دليل على فضله وتمكنه في العلم
هذا القول هو القول الراجح الدليل أنه بهذا القول تجتمع الأدلة فيحصل التمييز وتنتفي المشقة بناء على هذا إذا أراد الإنسان أن يصلي الظهر ونوى أنه سيصلي الفريضة في هذا الوقت ولم يأت في ذهنه أنها الظهر فعلى القول الثالث والثاني الصلاة صحيحة وعلى المذهب الصلاة باطلة والأقرب والله أعلم القول الثالث كما قلت لكم • ثم قال - رحمه الله - ولا يشترط في الفرض والأداء إلى آخره يعني لا يشترط أن ينويه فرضاً وإنما يكتفي بنية الظهر التعليل قالوا أن نية التعيين تغني عن نية الفرض فإذا أراد أن يصلي فإنه لا يشترط أن ينوي أنه يصلي فرضاً بل يكتفي بأنها الظهر بل يكتفي بالتعيين إذاً إذا قيل لك لماذا لا يشترط من يصلي الظهر أن ينويها فرضاً؟ فتقول لأن نية التعيين تكفي ومعلوم أنه على القول الثالث السابق أنه إذا لم ينو أنها الظهر يجب أن ينوي أنها الفرض أنها فرض الوقت فإذاً المصلي لا يخلو أبداً إما أن ينوي عين الصلاة وأنها الظهر مثلاً أو ينوي أنها فرض الوقت فإن لم ينو لا أنها الظهر ولا أنها فرض الوقت فهي باطلة عند جميع العلماء إلا على هذه الرواية التي لا تشترط نية التعيين وفي الغالب أن هذا لا يحصل لأن الإنسان إذا توضأ وقصد المسجد ففي الغالب ينوي فرض الوقت • ثم قال - رحمه الله - ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء يعني أن المصلي إذا أراد أن يصلي صلاة أداء أو قضاء فإنه لا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة أداء ولا أنها قضاء إذا كانت أداء أو قضاء بعبارة أخرى لا يشترط أن ينوي الأداء أداء والقضاء قضاء لماذا؟ ... التعليل قالوا لأنه إذا تبين الأمر بخلاف ذلك صحت الصلاة بالإجماع فلو صلى الإنسان يظن أن الوقت خرج فنوى أنها قضاء ثم تبين بعد الصلاة أن الوقت باقٍ فالصلاة الأولى صحيحة مع أنه نواها قضاء وهي في الواقع أداء فهذه صحيحة بالإجماع والعكس صحيح لو صلى الإنسان يظن أن الوقت باقٍ بنية الأداء ثم تبين أنه خرج فإنها تصح بالإجماع الأذان تكملة بعد صلاة العشاء قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله • قال - رحمه الله - والأداء والقضاء تقدم معنا قبل الصلاة أن ذكرت أن من صلى القضاء أو الأداء فإنه لا يشترط أن ينوي الأداء أداء والقضاء قضاء وتعليل ذلك أنه لو صلى الصلاة بنية الأداء فتبين أنها قضاء أو صلى الصلاة بنية القضاء فتبين أنها أداء صحت بالإجماع وذكرت صورة ذلك فصورة الأولى أن يصليها ناوياً أنها أداء ظاناً بقاء الوقت ثم يتبين أن الوقت خرج فهي في الحقيقة قضاء ومع ذلك تصح الصلاة والعكس أن يصلي ظاناً خروج الوقت بنية القضاء ثم يتبين بقاء الوقت وأنه لم يخرج فالصلاة أيضاً في هذه الصورة صحيحة فلهذا الإجماع قال الفقهاء أنه تصح الصلاة • ثم قال - رحمه الله - والنفل والإعادة من صلى صلاة النافلة فإنه لا يشترط أن ينوي أنها نفل سواء كانت الصلاة نافلة معينة كالوتر والاستسقاء والتراويح أو كانت نافلة مطلقة كصلاة الليل في الصورتين لا يشترط أن ينوي أنها نفل ويدخل في عبارة المؤلف الصبي الذي لم يبلغ إذا صلى الظهر فهي في حقه نافلة ومع ذلك لا يشترط أن ينويها نافلة لماذا؟ ... قالوا لأن نية الوتر مثلاً تكفي عن نية النفل كذلك لأن نية صلاة الليل المطلقة تكفي عن تحديد نية صلاة الليل كذلك الصبي الذي لم يبلغ إذا صلى الظهر فنيته للظهر تكفي عن نية النفل الخلاصة أن نية النفل لا تشترط لمن يصلي نفلاً سواءً كان النفل معيناً أو كان مطلقاً لما تقدم معنا الآن • ثم قال - رحمه الله - والنفل والإعادة لا يشترط فيمن صلى الصلاة الفريضة إعادة أن ينوي أنها إعادة قياساً على عدم وجوب نية الفريضة بل هذا أولى فإذا صلى الظهر ثم تبين له بطلان الصلاة وأراد أن يعيدها فإنه لا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة إعادة وإنما يكتفى على المذهب بالتعيين أو يكتفى على القول الراجح بنية الفريضة فريضة الوقت • ثم قال - رحمه الله - وينوي مع التحريمة يعني أنه يستحب أن ينوي الفريضة ويعينها مع التكبيرة فيأتي بالتكبيرة مع النية في وقت واحد التعليل
لكي تقارن النية الفريضة التعليل الثاني لتكون الصلاة جاءت بجميع أجزاءها بنية حقيقية لا حكمية ولكن هل هذا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ في هذا خلاف بين الفقهاء فالقول الأول أن هذا على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب وهو مذهب الحنابلة التعليل أن من نوى قبل التكبيرة بزمن يسير فقد صلى الصلاة مع النية فتحقق الشرط وهو شرط النية والقول الثاني في هذه المسألة هو القول الذي تبناه الإمام الشافعي أنه يجب أن تقارن النية التكبيرة واستدل بالحديث إنما الأعمال بالنيات والصواب القول الأول بل إن أصحاب الإمام الشافعي أنفسهم يحكون قول الشافعي ويرجحون خلافه لماذا؟ لأن في هذا القول مشقة وعنت شديدين • ثم قال - رحمه الله - وله تقديمه عليها بزمن يسير في الوقت يجوز تقديم النية على التكبيرة بشرطين الأول أن يكون التقديم بزمن يسير الثاني وأن يكون التقديم بعد دخول وقت الفريضة
- نبدأ بالشرط الأول يشترط لجواز تقديم النية وإجزائها أن يكون التقديم بزمن يسير التعليل لأن هذا هو الذي يُحْتَاجُ إليه ثانياً لأن التطويل يقطع الارتباط بين النية والعمل والقول الثاني أنه يجوز أن يقدم النية على التحريمة ولو بوقت طويل ما دام مستديماً للنية ولم يقطعها لأن الاستصحاب الحكمي كالاستصحاب الحقيقي وأظن أنا أخذنا في أول كتاب الطهارة الفرق بين الاستصحاب الحكمي والاستصحاب الحقيقي وهذا القول الثاني هو الصواب
- الشرط الثاني أن يكون هذا التقدم بعد دخول الوقت ولتوضيح هذا الشرط نذكر التفصيل التالي ـ أولاً إن نوى النية قبل دخول الوقت ثم عزبت عن ذهنه وقطعها أيضاً قبل دخول الوقت فالنية لا تجزئه بلا خلاف لأن النية والإبطال حصلا قبل دخول الوقت ـ ثانياً أن ينوي قبل الوقت ويستصحبها إلى ما بعد الوقت وهذه الصورة هي التي يريدها المؤلف - رحمه الله - فهي على المذهب لا تجزئ لأنه نوى قبل دخول الوقت والقول الثاني أنه إذا نوى قبل الوقت واستصحبها إلى ما بعددخول الوقت فإنه يجزئ
لأن وهذا هو التعليل المهم استصحاب النية التي حصلت قبل الوقت كابتدائها فيه وهذا القول هو الصواب إن شاء الله فتبين معنا أنه يجوز أن يقدم النية على التحريمة بوقت طويل قبل الوقت وبعد الوقت بشرط أن لا يفسخ ويقطع هذه النية وسيذكر المؤلف - رحمه الله - مسألة قطع النية • يقول - رحمه الله - فإن قطعها في أثناء الصلاة بطلت إذا قطعها في أثناء الصلاة بطلت بلا خلاف وكذا إذا قطعها قبل الصلاة ثم صلى بلا نية جديدة فإنها تبطل بلا خلاف التعليل أن النية من شروط الصلاة ولم يأت بها وهذا أمر متبادر إلى الذهن إذاً إذا فسخ وقطع النية بطلت بلا إشكال ولا خلاف • ثم قال - رحمه الله - أو تردد بطلت إذا تردد الإنسان في النية أثناء الصلاة فإن الصلاة تبطل وهذا مذهب الحنابلة لأن هذا التردد يذهب اليقين ولأنه لم يبق جازماً مع هذا التردد والقول الثاني أن التردد لا يبطل الصلاة لأن اليقين مقدم على الشك فهو متيقن للنية متردد في ما عداها وهذا القول اختاره من الحنابلة الشيخ ابن حامد - رحمه الله - وهو من علماء الحنابلة الذين لهم اختيارات ليست كثيرة لكنها جيدة وهذا القول هو الصواب وهوعدم الإبطال بدليل يعني سبب الترجيح أن ابن مسعود رضي الله عنه قال صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ وأطال حتى هممت بأمر شر قيل وبما هممت؟ قال هممت أن اجلس وأدعه ففي هذا الحديث تردد ابن مسعود لأنه يقول هممت فهو متردد في الاستمرار في الصلاة أو قطعها وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك لم تبطل صلاته فدل هذا الأثر على صحة قول من قال أن التردد لا يبطل الصلاة ولا يقدح في النية • ثم قال - رحمه الله - وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز تأمل معي في هذه المسألة يقول إن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز أي أنه يجوز عند الحنابلة أن يقلب المصلي فرضه الذي دخل به إلى نفل جاز بشرط أن يكون الوقت متسعاً ط وفي هذه المسألة تفصيل فهي تنقسم إلى قسمين القسم لأول أن يقلب فرضه نفلاً لسبب صحيح
القسم الثاني أن يقلب فرضه نفلاً لغير سبب
- نبدأ بالقسم الثاني إذا قلب فرضه إلى نفل بغير سبب صحيح فعند الحنابلة تصح مع الكراهة قال تصح لأن نية النفل مندرجة في الفرض بدليل لو أحرم وهو يظن دخول الوقت ثم تبين له أن الوقت لم يدخل انقلبت صلاته إلى نفل فهذا يدل على أن النفل مندرج في الفرض وقالوا يكره لأنه أبطل عمله والقول الثاني أنه لا يجوز ولا يصح أن يقلب فرضه نفلاً بلا عذر ولا سبب صحيح لأن في هذا إبطال لفريضته بلا سبب
- القسم الثاني وهو الذي ذكرته لك أولاً أن يقلب فرضه نفلاً لسبب صحيح فالصواب أنه يجوز بلا كراهة مثال للسبب الصحيح أن يحرم بالفريضة ثم تحضر جماعة ويريد أن يدخل معهم ليصلي الفريضة جماعة فيجوز له أن يقلب هذه الفريضة إلى نفل ويتمها ثم يدخل مع الجماعة التي حضرت فهذا سبب شرعي صحيح وقلت أنه يجوز ويصح بلا كراهة لأن جنس قلب النية جاء في السنة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى الليل منفرداً دخل معه ابن عباس رضي الله عنه وهو في هذه الحالة قلب النية من الانفراد إلى الإمامة وسيأتينا شواهد كثيرة في المسائل التالية بهذا كمل الكلام حول مسألة قلب المفترض نيته إلى نافلة قلب الفريضة إلى نافلة بهذا التفصيل كمل والذي يظهر لي في المسألة الأولى إذا كان القلب بلا حاجة مطلقاً أنه لا يجوز ولا أظن أن أحداً يفعل هذا الفعل إذ ما هو السبب أن الإنسان يدخل في الفريضة ثم يقلبها نافلة بلا سبب فإن فعل لو تصور وجود هذه الصورة فالذي أراه أنه لا يجوز ولا يصح كما هي الرواية الثانية عن الإمام أحمد - رحمه الله - • ثم قال - رحمه الله - وإن انتقل بنيته من فرض إلى فرض بطلى إذا انتقل بنيته من فرض إلى فرض بطل الفرض الأول والفرض الثاني وهذا يحتاج إلى إيضاح أولا يقول وإن انتقل بنيته ولهذ الكلمة مفهوم لأنه لو انتقل بغير النية بأن كبر ونوى نية جديدة للفريضة الثانية بطلت الأولى وصحت الثانية لأنه هنا لم ينتقل بنيته وإنما انتقل بنيته وتكبيره وشروعه في فرض آخر إذاً عندنا صورتان
الصورة الأولى أن ينتقل بمجرد النية فقط ينوي كمن كان يصلي العصر وتذكر أنه لم يصل الظهر فقلب نيته فوراً إلى نية الظهر فهو هنا هل كبر للظهر من جديد أو انتقل بمجرد النية؟ بمجرد النية إذا انتقل بمجرد النية بطلت الأولى ولم تصح الثانية لماذا؟ بطلت الأولى لأنه قطع نيتها ولم تصح الثانية لأنه لم يدخل فيها دخولاً شرعياً إذاً عرفنا الآن أنه إذا انتقل بغير النية بأن يشرع شروعاً جديداً بتكبيرة الإحرام ونية جديدة في الفريضة الثانية فإنه في هذه الصورة تبطل الأولى وتصح الثانية وأما إن انتقل وهو المقصود بكلام المؤلف - رحمه الله - بنيته فقط بطلت الأولى ولم تصح الثانية وعرفت التعليل
- مسألة هل الذي بطل الفريضة بالنسبة للأولى أو الصلاة؟ الجواب إن نوى إبطال الفريضة صحت الصلاة نافلة لأنه إنما نوى إبطال الفريضة لا الصلاة من أصلها وإن نوى إبطال الصلاة من أصلها لم تصح الأولى لا فريضة ولا نافلة بعبارة أخرى أسهل إذا انتقل الإنسان بنيته من فريضة إلى فريضة بطلت الفريضتان ولكن هل تصبح الأولى نافلة؟ الجواب إن نوى بالإبطال إبطال الفرض فقط بالنسبة للأولى دون الصلاة صحت الأولى نافلة وبطلت فريضة وإن نوى إبطال الصلاة من أصلها بطلت الأولى والثانية فنفرق بين نية الفريضة ونية أصل الصلاة لأن نية الفريضة أمر زائد على مجرد الصلاة مداخلة من أحد الطلاب ليست واضحة من الشريط قال الشيخ بعدها هذا ينبني على الخلاف السابق قال الحنابلة وهذا ينبني على الخلاف السابق فيمن قلب فرضه نفلاً إن صحت تلك صحت هذه أحسنت تنبه ممتاز إذاً نقول إذا انتقل الإنسان نت فرضه إلى فرضه فهل تصبح الأولى نافلة أو تبطل؟ الجواب تصبح نافلة إن نوى إبطال الفريضة فقط وتبطل برمتها إن نوى إبطال الصلاة والقول بكونها تصبح نافلة مبني على المسألة السابقة وعي قلب المصلي نيته من الفرض إلى النفل وهاتان الصورتان اللتان ذكرتهما الأولى أن ينوي إبطال الفريضة فقط والثانية أن ينوي إبطال الصلاة برمتها فهذه هي الصورة الثانية
أن ينوي إبطال الصلاة كلها لا إبطال فريضة الظهر فقط في المثال المذكور يعني إذاً الصورة الثانية تسهيلاً من يصلي العصر ثم يذكر أنه لم يصل الظهر فإن نوى إبطال فريضة العصر صحت نافلة على القول بصحة النافلة وإن نوى إبطال الصلاة برمتها لم تصح لا نافلة ولا فريضة • ثم قال - رحمه الله - وتجب نية الإمامة والائتمام المؤلف - رحمه الله - يقول تجب نية الإمامة والائتمام يعني يجب على الإمام أن ينوي أنه إمام يقتدى به ويجب على المأموم أن ينوي أنه مأموم يقتدي بالإمام فان لم ين هذه النية الإمام والمأموم بطلب الصلاة في الإمام والمأموم إذاً عندنا مسألة الإمامة ومسألة المأموم
- نبدأ بالمأموم المأموم بلا نزاع بين الفقهاء الأربعة أنه لا يكون مأموم إلا بنيته فإن لم ينو لم يكن مأموماً إذاً لا إشكال في مسألة الإئتمام أنه لا تصح إلا بالنية
- نأتي لنية الإمامة فالمذهب يرون أنه يتشرط لصحة الإمامة وصحة صلاة الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة الدليل قالوا الدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنيات وذكروا تعليلاً حسناً آخر فقالوا أنه يترتب على صلاة الجماعة أحكام كثيرة منها سقوط السهو عن المأموم ومنها وجوب المتابعة وأحكام أخرى كثيرة ولا يتميز الإمام عن المأموم إلا بنية بناء على هذا لو صلى اثنان كل منهما يظن أنه الإمام بطلت صلاة الجميع ولو صلى اثنان يظن كل منهما أنه مأموم بطلت صلاة الاثنين لماذا؟ لأن شرط الإمامة والإئتمام لم يتوفر فبطلت الصلاة والقول الثاني أنه لا يتشرط للإمام أن ينوي الإمامة بل لو اقتدى شخص بشخص لم ينو أن يكون إماماً صحت الصلاة جماعة واستدل هؤلاء بحديث عائشة الثابت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في حجرته وكان جدار الحجرة قصيراً فصلى بصلاته أناس من الصحابة فظاهر هذا الخبر أنهم اقتدوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينو أن يكون إماماً
ولا يستدل بحديث ابن مسعود ولا حديث ابن عباس رضي الله عنهما لأن بعد دخولهما نوى النبي - صلى الله عليه وسلم - الإمامة فصار يؤمهما لكن في هذا الحديث لم يعلم بهم أصلاً فهو ألصق وهذا القول كما ترون فيه حديث صحيح يجب المصير إليه فالراجح أنه لا يشترط للإمامة وصحت صلاة الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة فما يحصل كثيراً وهو أن يقوم شخص يقضي الصلاة فيقف بجواره شخص لم يدرك الصلاة وؤيصلي بصلاته مع أن الإمام لم يشعر بذلك كله ففي هذه الصورة عند الحنابلة لا تصح لأن نية الإمامة والإئتمام واجبة وعلى القول الثاني صلاة الإمام صحيحة وصلاة المأموم صحيحة ولو لم ينو الإمام الإمامة لكن هناك بحث آخر الإمام له أجر الجماعة في مثل هذه الصورة وأن لم ينو؟ أو له أجر الانفراد لأنه لم ينو؟ هذا فيه خلاف والأقرب أنه ليس له نية الجماعة لأن الأعمال بالنيات ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال يعني صحتها بالنيات يعني إنما تصح الأعمال وتبطل بالنية • ثم قال - رحمه الله - وإن نوى المنفرد الائتمام لم يصح يعني إذا نوى المنفرد في أثناء الصلاة الائتمام لم يصح لأن النية لم توجد من أول الصلاة والنية شرط والقول الثاني أن المنفرد إذا نوى الإئتمام تصح الصلاة ولو في أثناء الصلاة الدليل على هذا ما تقدم معنا أن في السنة شواهد كثيرة لقلب النية وأن الصلاة تصح مع ذلك منها حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق حيث دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أثناء الصلاة ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي الليل فقام معه ابن عباس في أثناء الصلاة وصف عن يساره فأخذه وجعله عن يمينه ومنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صلى بالناس إماماً فلما حضر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع وصار الإمام النبي - صلى الله عليه وسلم - فهنا انقلبت نية أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الإمامة إلى الائتمام وفي حديث ابن عباس انقلبت نية النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإنفراد إلى الإمامة
فهذه الشواهد تدل على أن جنس قلب النية ما دام لغرض شرعي صحيح أنه جائز ولا حرج فيه فالقول الثاني هو ما قلت لك في مسألة المنفرد إذا نوى الإئتمام أنه يصح • ثم قال - رحمه الله - قوله كنية إمامته فرضاً أي كما أنه لا يجوز أن يقلب المنفرد نيته من الانفراد إلى الإمامة في الفريضة فقط يعني أن الحنابلة يرون أن المنع من قلب نية المنفرد إلى نية الإمامة ممنوع في الفريضة فقط دون النافلة لأن الإمام أحمد يقول في النافلة جاء حديث ابن عباس فهو نص في قلب النية من الانفراد إلى الإمامة لكن قاتل الإمام أحمد هذا جاء في النافلة وليس كذلك يقول الفريضة لأنه لم يأت والقول الثاني أنه يجوز لأن ما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة إلا بدليل خاص ولا دليل يستثني هذه الصورة • ثم قال - رحمه الله - وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت مقصود المؤلف - رحمه الله - بقوله إذا انفرد المؤتم يعني خرج عن الجماعة وصلى منفرداً فالحكم يقول - رحمه الله - بطلت بشرط أن يكون ذلك بلا عذر التعليل أنه ترك متابعة الإمام بلا عذر كما لو تركها في أثناء الصلاة فإن المأموم لو ترمك متابعة الإمام في صلاة الجماعة بلا عذر بطلت صلاته فكذلك إذا انفرد والقول الثاني أنه إذا ترك متابعة الإمام بلا عذر تصح الصلاة قياساً على ما إذا نوى المنفرد الإمامة أو نوى المنفرد الائتمام والصواب القول الأول وهو المذهب ومن ترك الجماعة بلا عذر ولا سبب شرعي فصلاته باطلة
- القسم الثاني أن ينفرد عن الجماعة ويترك المتابعة بعذر فهنا صلاته صحيحة لما ثبت في البخاري ومسلم أن معاذاً رضي الله عنه صلى بقومه فقرأ بالبقرة فانصرف رجل وصلى وحده فلما أخبر معاذ رضي الله عنه قال إنك منافق فقال الرجل لآتين النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما حصل قال - صلى الله عليه وسلم - أفتان أنت يا معاذ ففي الحديث إقرار للرجل على انفراده ولم يأمره بإعادة الصلاة الخلاصة أن انفراد المؤتم عن الجماعة ينقسم إلى قسمين إما أن يكون بعذر أو يكون بغير عذر
فإن كان بعذر جاز وصح وإن كان بغير عذر حرم وبطل • ثم قال - رحمه الله - وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه بلا استخلاف مقصود المؤلف - رحمه الله - أنه إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم وأنه لا يجوز ولا يصح للإمام أن يستخلف وهذا معنى قوله بلا استخلاف والاستخلاف هو أن ينيب الإمام رجلاً من الجماعة ليكمل الصلاة بالباقين فعند الحنابلة إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم ولا يصح ولا يجوز أن يستخلف التعليل قالوا لارتباط صلاة الإمام بالمأموم فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم والقول الثاني أن بطلان صلاة الإمام لا يؤدي إلى بطلان صلاة المأموم وعليه أن يستخلف الدليل الدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فأتم بالمسلمين الصلاة وقد وقع هذا بحضرة الصحابة ولم ينكره منهم أحد فهو كالإجماع وهذا القول الثاني ظاهر القوة فتبين من ذلك أن بطلان صلاة الإمام لا يؤدي إلى بطلان صلاة المأموم إلا إذا بطلت في ما يحمله الإمام عن المأموم ففي هذه الصورة تبطل صلاة الإمام والمأموم القاعدة أن بطلان صلاة الإمام لا يؤدي إلى بطلان صلاة المأموم إلا فيما يحمله الإمام عن المأموم مثاله على القول بأنه لا يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الجهرية أو في السرية على هذا القول من الذي يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة؟ الإمام فلو فرضنا أن الإمام في السرية نسي أن يقرأ الفاتحة وذهب والمأموم لم يقرأ الفاتحة بناء على أن الإمام يحمل عنه قراءة الفاتحة ففي هذه الصورة بطلت صلاة الإمام وبطلت أيضاً صلاة المأموم هذا على القول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة وستأتينا هذه المسألة في صفة الصلاة ثم في المسألة الأخير • قال - رحمه الله - وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح معنى هذه المسألة أنه إذا تأخر الإمام عن الصلاة وتقدم النائب وأحرم بالصلاة ثم حضر بعد ذلك الإمام فإنه يجوز أن يؤم الجماعة ويصبح النائب مأموماً بعد أن كان إماماً
وهذا معنى قوله - رحمه الله - وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح الدليل على هذا الحكم حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه نص في هذه المسألة بالذات حيث أصبح الإمام مأموماً وهو أبو بكر وأصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - إماماً فهذه المسألة دليها هذا النص وبهذا نكون قد توقفنا على باب صفة الصلاة والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب صفة الصلاة
هذا الباب من كتاب الزاد هو أهم باب على الإطلاق لأنه يتعلق بالصلاة والصلاة هي أهم مباحث كتاب الزاد واهم مباحث الفقهاء وإنما اعتبرنا هذا الباب هو أهم الأبواب لمزيد عناية الشارع بالصلاة والتأكيد عليها وفزع النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها وكونها فرضت في السماء وأهمية الصلاة لا تخفى على مسلم.
فإن قيل: الأبواب السابقة أيضاً في الصلاة فهي في شروط الصلاة؟
فالجواب: أن هذا صحيح لكن الباب الذي يتحدث عن ماهية الصلاة والأعمال داخلها أهم من الأبواب التي تتحدث عن الشروط التي تسبق الصلاة.
فمن هذه الجهة صار باب صفة الصلاة أهم من الأبواب السابقة له وإن كانت تتعلق بالصلاة أيضاً.
ومما يؤسف له أن عامة المسلمين اليوم لا يؤدون الصلاة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤديها.
ونظرة سريعة إلى المصلين في المساجد تنبئك عن حال الناس اليوم في معرفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - والإخلال بها من قبل عامة الناس.
ويزيد الأمر سوءاً أن يقع هذا الإخلال من طلبة العلم الذين يفترض فيهم وبهم أن يفقهوا صفة الصلاة تماماً وأن يدرسوها ويقرؤوا الأحاديث التي تعتني ببيان كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك لو نظر الإنسان إلى صلاة طلبة العلم لوجد أنها صلاة فيها كثير من الأخطاء والتجاوز السرعة الإخلال بالسنن.
وقد نظرت أنا إلى كثير من إخواننا في مناسبات مختلفة وهم يصلون فراعني وأحزنني جداً كيفية الصلاة التي يصلون عليها لا سيما بالذات ما يتعلق بالطمأنينة.
فإنك تجد بعض الناس يصلي ولا تدري هل هو يصلي أو لا يصلي من كثرت الحركة.
وأنا ذكرت مثالاً - لكثير من الإخوان - لأنه يحزنني جداً وهو أن الفقهاء ذكروا أن من ضوابط الطمأنينة والخشوع أن من يصلي إذا رأيته وحسبت أنه لا يصلي فقد أخل بشرط الطمأنينة وهو ركن من أركان الصلاة وكنت إذا مرَّ عليَّ هذا الكلام أو هذا الضابط عند الفقهاء أستغرب أن يوجد إلى هذه الدرجة أن لا يميز الإنسان هل هو يصلي؟ أو لا يصلي؟ من كثرت حركته حتى نظرت مرَّةً من المرَّات في أحد المساجد إلى شخص يصلي وقد والله ظننت أنه لا يصلي إلى أن ركع فعلمت أنه يصلي وقبل كنت لا أشك أنه لم يبدأ بالصلاة من كثرت حركته وعدم إقباله على الله إلى آخره ...
وهذه الهيئة لا شك أنها تخالف سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتعلمون كلكم يعلم القصص الكثيرة عن صلاة الصحابة لا سيما صلاة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه وأرضاه وكثير من السلف الذين كانوا يصلون صلاة تشبه صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أكثر هذه القصص لفتاً للانتباه ما روي أن رجلاً دخل البصرة لزيارة الحسن البصري رضي الله عنه ورحمه وكان لا يعرف وجهه فقال لرجل في الشارع كيف لي بالحسن؟ أين أجد الحسن؟ فقال أدخل هذا الجامع يقصد جامع البصرة وابحث عن أحسنهم صلاة وأكثرهم طمأنينة فسيكون هو الحسن البصري.
فسيستدل عليه لا بشكله وإنما بهيئته في الصلاة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الخشوع والطمأنينة كما نسأله أن يعيننا فقه هذا الباب وأن يوفقنا فيه لإصابة الحق مما اختلف فيه أهل العلم.
• قال رحمه الله تعالى
((باب صفة الصلاة))
الصفة هي: الهيئة صفة الشيء أي هيئة الشيء ومقصود الفقهاء بصفة الصلاة أي الكيفية التي تصلَّى بها الصلاة على جهة التفصيل لا الإجمال.
والعمدة في معرفة صفة الصلاة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فأمر أمراً عامَّاً بالاقتداء به اقتداء خاصاً.
وباب صفة الصلاة ذكره المؤلف بعد باب شروط الصلاة لأن هذا هو الترتيب المنطقي والطبعي وهو أن يذكر الشرط قبل ذكر المشروط وهذا الترتيب شرعي وعقلي ومنطقي.
•
قال رحمه الله:
يسن القيام عند: ((قَدْ)) من إقامتها
المؤلف رحمه الله سيذكر في هذا الباب السنن والواجبات والأركان والمكروهات وكل ما يتعلق بالصلاة على جهة التفصيل ثم يعقد باباً خاصَّاً للأركان والواجبات والمكروهات إلى آخره تفصيلاً.
لكنه في هذا الباب سيذكر كل ما يفعله المصلي سواء كان واجباً أو مسنوناً أو ركناً أو غير ذلك.
• يقول رحمه الله:
((يسن القيام عند: قَدْ من إقامتها)) أي عند قول المقيم: قد قامت الصلاة.
والمؤلف يريد بهذه العبارة بيان الوقت الذي يستحب فيه أن يقوم المصلي.
وفي هذه المسألة تفصيل فهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يقيم المؤذن الصلاة والإمام لا يرى في المسجد – ليس موجوداً في المسجد.
ففي هذا القسم لا يقوم المصلي إلا إذا رأى الإمام لما في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)).
القسم الثاني: أن يكون الإمام موجوداً يرى وفي هذا القسم اختلف الفقهاء على أقوال:
القول الأول: وهو المذهب أن المصلي يقوم إذا قال المقيم قد قامت.
والقول الثاني: أن المصلي يقوم إذا بدأ المقيم بالإقامة وهذا مذهب الأحناف.
والقول الثالث: أن المصلي ليس لقيامه حدَّاً محدوداً شرعياً وإنما يختلف ذلك بالمصلي فإن كان ضعيفاً شرع له أن يقوم مبكراً ليتمكن من تحصيل تكبيرة الإحرام وإن كان قويَّاً فلا بأس بتأخره لأنه يستطيع أن يقوم ويدرك تكبيرة الإحرام.
والخلاصة أنه ليس لهذا القيام حدٌّ معروفٌ شرعاً.
وهذا مذهب الإمام مالك.
وهذا القول الثالث هو أعدل الأقوال.
وأنتم الآن عرفتم أن هذا الخلاف والتفصيل متى؟ إذا كان الإمام يرى إذا كان الإمام لا يرى فالأمر محسوم بالحديث الذي أخرجه الشيخان.
•
قال رحمه الله:
وتسوية الصف
أي ويسن أن يسوي الإمام الصف الصفوف وتسوية الصفوف سنة بإجماع الفقهاء.
ولكن اختلفوا هل هي واجبة؟ أو ليست بواجبة؟
فالجمهور على أنها سنَّة وهو القول الأول وهو المذهب.
والقول الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة.
وهو مذهب الإمام البخاري رحمه الله وغفر له – واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
واستدل هؤلاء بالنصوص الآمرة كقوله - صلى الله عليه وسلم - ((سووا صفوفكم))
وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)).
وهذه النصوص صريحة بالأمر والإيجاب.
وهذا القول هو المتوافق مع ظواهر النصوص.
وعلى القول بالوجوب هل تبطل صلاة من ترك التسوية؟ أو لا تبطل.
أيضاً اختلف فيه الفقهاء ونكتفي فيه بالقول الراجح وهو أن الصلاة لا تبطل بترك التسوية.
وهي مسألة مهمة جدا لكثرة من يترك تسوية الصفوف من الأئمة.
إذا القول الراجح: أنها واجبة ولكن تركها لا يبطل الصلاة.
الدليل الأول أن أنس بن مالك رضي الله عنه دخل المدينة بعد غياب طويل ووجد الناس لا يعتنون بتسوية الصفوف فأنكر عليهم ولم يحكم ببطلان الصلاة.
الدليل الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة للصلاة وليست واجبة في الصلاة.
فتركها لا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
ومع كون هذا القول هو الراجح وهو عدم البطلان إلا أن طالب العلم يعرف من خلال هذا الخلاف خطورة ترك تسوية الصفوف.
المقدار الواجب:
بماذا يحصل تسوية الصفوف؟
تحصل بتطبيق ضابطين ذكرهما الفقهاء – وهي المسألة الثالثة من مسائل تسوية الصفوف.
الضابط الأول:
اعتدال الصف على سمت واحد.
الضابط الثاني: تراص الصف بحيث لا يبقى فيه فرجة.
هذا ضابطان إذا تحققا تحققت التسوية وإذا اختل أي منهما اختلت التسوية.
• قال رحمه الله:
ويقول: ((اللَّه أَكْبَرُ)).
أيضاً تتعلق بهذا اللفظ عدة مباحث.
المبحث الأول: أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذا اللفظ وهو قول المصلي: الله أكبر.
وعلى هذا جماهير العلماء من السلف والخلف أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذا اللفظ بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفتتح الصلاة إلا به ولم يحفظ عنه قط افتتاح الصلاة بغير هذا اللفظ فدلَّ ذلك على تعين هذا اللفظ.
فإذا قال: الله الأكبر أو الله الأعز أو الله الجليل فإن صلاته لم تنعقد.
المسألة الثانية:
الدليل على ركنية التكبير:
له أدله نأخذ دليلاً من القرآن ودليلاً من السنة.
فدليله من القرآن قوله تعالى ((وربك فكبر)).
وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية في الصلاة.
الدليل الثاني وهو من السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء لصلاته استقبل القبلة ثم كبِّر.
مسألة ثالثة: معنى الله أكبر.
اختلفوا في معناها على قولين:
القول الأول: أن الله أكبر تفسر بتقدير محذوف وهو الله أكبر أي من كل شيء.
وإلى هذا ذهب العلامة سيبويه.
القول الثاني: أن معنى الله أكبر أي من أن يذكر بغير التحميد والتمجيد والتعظيم.
والصواب أن التكبير يشمل المعنيين.
المبحث الثالث:
أن التكبير لا ينعقد في الفريضة إلا من قائم فإن قال التكبير أو قال بعضه قبل أن يستتم قائماً انقلبت الفريضة إلى نافلة إن اتسع الوقت وإن لم يتسع لزمه قطع الأولى واستئناف الفريضة.
•
قال رحمه الله:
رافعاً يديه
أي أنه يسن لمن أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام أن يرفع يديه وهذه السنة وهي رفع اليدين لتكبيرة الإحرام ثابتة بإجماع الفقهاء ورواها عدد كبير من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة رحمهم الله ورضي الله عنهم وأرضاهم.
بل قال الشافعي: لم يرو سنة عدد من الصحابة كما رويت هذه السنة.
فهي سنة متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
بقينا في مسألة وهي: متى يرفع اليدين بالنسبة للتكبير؟
فمذهب الحنابلة– كما ترون –ويفهم من عبارة المؤلف أن التكبير يقترن برفع اليدين.
فيرفع ويكبر في وقت واحد واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبَّرَ ورفع يديه.
ففهموا من هذا المقارنة.
والقول الثاني: أن الرفع يكون قبل التكبير فيرفع يديه ثم يكبر.
واستدل أصحاب هذا القول برواية لحديث ابن عمر وفيه: رفع يديه ثم كبَّر.
والقول الثالث: أن التكبير يسبق الرفع لما جاء في حديث مالك بن الحويرث في مسلم أنه كبر ثم رفع.
إذاً إذا أردنا أن نلخص الأقوال:
كبر ورفع في وقت واحد.
رفع ثم كبر وهو في حديث ابن عمر.
كبر ثم رفع وهو في حديث مالك بن الحويرث.
أغرب هذه الصفات الصفة التي جاءت في حديث مالك بن الحويرث ولذلك لا تكاد تجد أحداً من الفقهاء يقول بهذه الصفة.
لكن هذه الصفة ثابتة في حديث مسلم وإذا كانت ثابتة في حديث مسلم فإن الإنسان في سعة من أمره أن يأخذ بها إن شاء الله.
وعمل عامة الناس إما على حديث ابن عمر الذي يوافق مذهب الحنابلة أو على رواية ابن عمر الأخرى وهي التي توافق القول الثاني.
أما أن يقول الإنسان الله أكبر ثم بعد قليل يرفع قليل من الناس من يعمل هذه الصفة ففي الحقيقة فيها غرابة لكن مادام أنها ثابتة في حديث مالك بن الحويرث فالإنسان كما قلت في سعة أن يعتمدها.
والقول الرابع: أن السنة التنويع واختار هذا القول من العلماء المحققين الشيخ ابن مفلح في الفروع وقوله هو الأقرب: أن الإنسان يفعل هذا تارة وهذا تارة.
• قال رحمه الله:
مضمومتي الأصابع
يعني أنه يسن لمن أراد أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أن يضم أصابعه هكذا.
الدليل قالوا الدليل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر رافعاً يديه مدَّاً.
وجه الاستدلال في هذا الحديث أن المصلي إذا مدَّ يديه فإن هذا يؤدي في الغالب إلى ضم الأصابع.
والقول الثاني في هذه المسألة وهو مذهب الشافعية أن السنة نشر الأصابع لا الضم.
واستدلوا على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبَّر نشر أصابعه وهذا الحديث ضعيف.
ولو قيل أن مسألة ضم أو تفريق الأصابع الأمر فيها فيه سعة وليس في هذا تحديد لكان قولاً حسناً جداً لأنه ليس في السنة ما يثبت الضم أو التفريق لكن هذا القول الثالث لم أجد من قال به ولو قيل به لكان قولاً متجهاً جداً فإن كان قيل بهذا القول فهو الراجح وإن كان العلماء اختلفوا على قولين فقط الضم والتفريق فالضم هو الصواب.
• ثم قال رحمه الله:
ممدودة حذو منكبيه
إذاً مع الضم السنة المد ودليل المد هو الحديث السابق كما هو ظاهر وهو حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه ممدودة.
ففي هذا دليل على أن الأصابع أثناء التكبير تضم وتمد.
واستدلوا على بأن هذه الصفة الضم والمد أقرب للخشوع من النشر والطوي وهذا صحيح ولذلك تجد غالب من يكبر بدون مد وبدون ضم ينسب إلى نوع من الاستهانة بالتكبير لأن صفته وهيئته لا تدل على الخشوع والعناية بالصلاة فهذا المعنى يؤيد مذهب الحنابلة.
• ثم قال رحمه الله:
((ممدودة حذو منكبيه))
يعني أن السنة أن يكون الرفع بحيث تكون اليد حذو المنكب وهذه الهيئة جاءت في حديثين صحيحين.
الحديث الأول: حديث أبي حميد الساعدي.
والحديث الثاني حديث ابن عمر.
ففي كل من الحديثين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع إلى أن يحاذي بيديه منكبيه - صلى الله عليه وسلم -.
والقول الثاني أن الرفع إلى محاذاة الأذنين.
لما في حديث وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إلى أذنيه - صلى الله عليه وسلم -.
والقول الثالث: أن المصلي مخير فأحياناً يرفع إلى المنكبين وأحياناً إلى الأذنين.
فائدة: كان الإمام أحمد رحمه الله يقول بالتخيير بين الرفع إلى الأذنين أو إلى المنكبين ولكنه يميل ويحب الرفع إلى المنكبين وعلل ذلك بقوله أن أحاديث الرفع إلى المنكبين أكثر وأصح وأشهر مع صحة حديث الرفع إلى الأذنين.
إذاً هو يرى التخيير ولكنه يحب ويقدم الرفع إلى المنكبين ولذلك نقول المستحب للإنسان أن ينوع تارة إلى الأذنين وتارة إلى المنكبين ولكن يكون الأغلب عليه إلى المنكبين لكثرة أحاديثه وشهرتها وصحتها.
كالسجود
أي كما يفعل في السجود فإنه في السجود يضع يديه حذو منكبيه – سيأتينا التفصيل في هيئة السجود لأن المؤلف سينص عليها.
• ثم قال رحمه الله:
ويسمع الإمام من خلفه
أي أنه يسن أن يسمع الإمام المأمومين التكبير فهذا عند الحنابلة بل عند الجمهور بل الجماهير كما سيأتينا سنة.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا كبر فكبروا.
والقول الثاني أن الجهر بالتكبير واجب والتعليل أن اقتداء المأموم بالإمام لا يتم إلا بذلك.
وهذا القول اختاره شيخنا رحمه الله وغفر له الشيخ محمد العثيمين.
ولكن يشكل على هذا القول مسألة واحدة وهي أن الفقهاء يحكون الإجماع على الاستحباب وممن حكى الإجماع الشيخ النووي في كتابه المجموع.
فإذا لم يثبت الإجماع وصار في المسألة خلافاً فإن الراجح ما قاله شيخنا من أن هذا واجب وليس سنة فقط.
لأنه في الحقيقة لا يحصل الاقتداء والإئتمام على الوجه المطلوب إلا بالجهر بالتكبير وأسماع المصلين واستدل شيخنا على الوجوب بدليل آخر وهو أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يبلغ المأمومين تكبيرات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يكن تبليغ المأمومين واجباً لما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
في الحقيقة الأدلة التي ذكرها قوية جداً وواضحة لكن فقط يشكل عليها هذه المسألة وهي حكاية الإجماع.
• ثم قال رحمه الله:
كقراءَته في أولتي غير الظهرين.
أي كما يسن أن يسمع من خلفه بالتكبير كذلك يسن أن يسمعهم القراءة في صلاة العشاء والمغرب والفجر.
والجهر بهذه الصلوات بالقراءة سنة لدليلين.
الأول: الإجماع فقد أجمع الفقهاء أن الجهر فيها سنة.
الثاني: فعله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يجهر بالقراءة في هذه الصلوات.
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين • قال رحمه الله وغيره نفسه يعني ويسمع غير الإمام نفسه - وهو المنفرد والمأموم فالمنفرد والمأموم يجب عليهما أن يسمعا أنفسهما والدليل على هذا الحكم أنه لا يسمى الكلام كلاماً إلا إذا كان مع الصوت والصوت حده ما يتأتى سماعه بلا عذر بناء على هذا إذا لم يسمع المنفرد والمأموم نفسه أثناء القراءة فإنه لم يقرأ فإذا كان منفرداً وقرأ الفاتحة بلا صوت بطلت الصلاة والقول الثاني أنه لا يشترط أن يسمع نفسه بل يكتفى بالنطق بالحرف لأن الصوت أمر زائد على النطق ولا دليل على إيجابه وهذا هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله وهذا هو الصواب فائدة مهمة هذا البحث يتعلق بكل ما يشترط له النطق كالطلاق والأذكار وغيرها مما يشترط له النطق فالخلاف فيه كالخلاف في هذه المسألة فإذاً هي مسألة مهمة
ومذهب الحنابلة مع كونه مرجوحاً من حيث الدليل فهو مع ذلك يسبب التشويش على الناس فإن المأموم إذا صار يقرأ بصوت يسمع نفسه شوَّش على من بجانبه كما هو مشاهد من بعض الناس الذين يرفعون أصواتهم إذا أرادوا أن يقرؤوا • ثم قال رحمه الله ثم يقبض كوع يسراه ذهب الجماهير من السلف والخلف إلى أن السنة للمصلي أن يقبض فإن أرسل يديه فقد خالف السنة واستدلوا على هذا الحكم بنصوص كثيرة أصحها ما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال كان الناسي يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة واستدلوا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وهذه أحاديث صحيحة ثابتة في البخاري ومسلم والقول الثاني أن السنة الارسال لا القبض وإلى هذا ذهب الإمام مالك بن أنس والإمام الليث بن سعد رحمهما الله واستدلوا على هذا القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المسيء صلاته بالقبض والجواب على دليلهم من وجهين الوجه الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في هذا الحديث إلا الواجبات فقط ونأخذ السنن الكثيرة من الأحاديث الأخرى والوجه الثاني قاعدة تقدمت معنى كثيراً وهي من القواعد التي تساعد في الترجيح ومعرفة الحق من الأقوال أن الخاص مقدَّم على العام فأحاديث الجمهور خاصة بالقبض وحديث المسيء عام في صفة الصلاة والراجح كما لا يخفى الذي ينبغي المصير إليه أن السنة القبض لا الإرسال وقد يخلط بعض إخواننا بين هذه المسألة وبين مسألة القبض بعد الرفع من الركوع وهذه مسألة أخرى إذا وصل المؤلف إلى الكلام عليها تكلمنا عنها الآن عرفنا أن القبض هو السنة وأن الإرسال خلاف السنة المسألة الثانية كيفية هذه السنة؟ عن الإمام أحمد في هذه المسألة روايتان صحيحتان عنه الرواية الأولى أن السنة أن يقبض باليمنى على اليسرى على الرسغ والرسغ هو العظم الذي يفصل الكف عن الذراع
وهذه الرواية هي المذهب وقول المؤلف يقبض على كوعه لا يختلف مع ما ذكرته من القبض على الرسغ وإنما عبَّرت بالرسغ لأنه هو المروي عن الإمام أحمد ولأنه أدق ولكن هذا لا يختلف عما ذكره المؤلف لأن الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام فهو والرسغ واحد فمن قبض على الرسغ فقد قبض على الكوع دليل هذه الرواية حديث وائل بن حجر في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع يده اليمنى على اليسرى وفي رواية أخرجها الدارقطني في سننه قبض بيمينه على شماله الرواية الثانية أن السنة أن يضع يده اليمنى على الكف والرسغ والذراع لا على الكف ولا على الذراع وإنما هكذا ودليل هذه الرواية أيضاً لفظ في حديث وائل بن حجر أنه قال ووضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد ودليل هذه الرواية ايضاً اللفظ الذي في مسلم وهو أنه وضع يده اليمنى على اليسرى وليس عن الإمام أحمد فيما أعلم رواية سوى هاتين الروايتين وذهب بعض الفقهاء إلى أن للقبض صفة ثالثة وهي أن يضع يده اليمنى على الذراع واستدل على هذا باللفظ الذي أخرجه مسلم عن سهل الساعدي رضي الله عنه أنه قال ووضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى ولكن في النفس من ثبوت هذه الصفة شيء بل الأقرب عدم ثبوتها أولاً لأنه لم يذكر أحد من متقدمي العلماء هذه الصفة – فيما أعلم – ثانياً لما أراد الحافظ بن حجر أن يشرح حديث سهل في البخاري ووصل إلى هذه اللفظة وهي وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى قال وأبهم الراوي موضع القبض وفصلته الأحاديث الأخرى فهو لا يرى أن هذه الصفة مقصوده أو هذا الفظ مراد للراوي فلذلك يعتبر أن الصحابي الجليل سهل في هذه الرواية أبهم وإن تمسك أحد بظاهر النص وعمل به واعتبر هذه الصفة صفة ثالثة فلا حرج عليه إن شاء الله • ثم قال رحمه الله تحت سرته لما بين المؤلف أن السنة القبض وبين كيف يقبض بيده اليمنى على يده اليسرى أراد أن يبين الموضع الذي يضع عليه يديه فقال تحت سرته وهذا مذهب الحنابلة المذهب الاصطلاحي والأحناف أن الإنسان يقبض تحت السرة والقول الثاني أن القبض يكون فوق السرة وتحت الصدر وهو مذهب الشافعية
القول الثالث أنه يضع حيث شاء وأن المصلي مخير وهذا رواية عن الإمام احمد واختارها الحافظ الكبير الترمذي واختارها أيضاً الشيخ الفقيه المجد ابن تيمية واستدلوا بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على موضع وضع اليدين وهذا القول الاخير هو القول الصحيح وفهم من حكاية الخلاف انه لا يوجد من يقول بسنية وضع اليدين على الصدر وهذا صحيح بل الامام ابو داود صاحب السنن سئل الامام أحمد عن وضع اليدين على الصدر فكرهه فوضه اليدين على الصدر عند الإمام أحمد حكمه مكروه لأنه لم يرد ولما فيه من التشدد الغير وارد في الشرع فإذاً لا يشرع أن يضع الإنسان يديه على صدره ولا قائل بذلك بل قيل بالكراهة فإن قيل أليس في هذا الباب حديث صحيح يدل على موضع وضع اليدين من الصدر أو مما تحت الصدر؟ الجواب لا ليس في الباب أي حديث صحيح أي حديث يمرُّ بك يحدد موضع وضع اليدين فهو حديث ضعيف فإن قلت في حديث وائل بن حجر أنه قال وضع يده اليمنى على اليسرى على صدره فالجواب هذا صحيح وهو مروي في السنن وهو أقوى ما يستدل به على وضعها على الصدر ولكن مع ذلك هذه اللفظة شاذة منكرة لا تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديث وائل رواه الإمام مسلم بدون هذه الزيادة الخلاصة أنه لا يثبت في هذه المسألة حديث صحيح فيضع الإنسان يده حيث شاء ولكن من المعلوم أن وضع اليدين تحت الصدر وفي المنطقة التي بين الصدر والبطن أنه والله أعلم أقرب للخشوع • ثم قال رحمه الله وينظر مسجده كما تلاحظ عناية المؤلف العناية الشديدة بتفصيل كل مرحلة من مراحل الصلاة اهتماماً وتعظيماً لأمرها ينظر إلى مسجده أي أن السنة أن ينظر المصلي إلى مكان السجود فإن رفع بصره في قيامه عن مكان السجود فقد خالف السنة وإن رفع بصره إلى السماء فقد ارتكب محرَّماً الدليل على سنية النظر إلى موضع السجود مارواه سعيد بن منصور بإسناده عن ابن سير ين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلب بصره في السماء فلما نزل قوله تعالى والذين هم في صلاتهم خاشعون طأطأ رأسه - صلى الله عليه وسلم -
وهذا الاسناد صحيح ثابت إلى ابن سيرين ومعلوم ان ابن سيرين من التابعين فهو حديث منقطع لكنه ثابت إلى ابن سيرين أي أنا نجزم أن ابن سيرين نسب هذا الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقدم معنى أن الحديث المرسل الثابت من طريقة الإمام أحمد أن يأخذ به وأنه أولى من أقوال الرجال لا سيما وأنه يجزم هذا التابعي الجليل بنسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا المذهب هو اختيار الجمهور والقول الثاني وهو مذهب المالكية أن الإنسان ينظر إلى الأمام وهو مذهب ضعيف جدا إذ لا يعتمد على أثر ثم إن فيه تشتيتاً وإشغالاً للمصلي وإبعاداً له عن الخشوع الطمأنينة ولوضح ضعف هذا القول نجد أن محققي المالكية ضعفه واختار مذهب الجمهور وهو الحافظ ابن عبد البر مع كونه مالكياً إلا أنه يرى أن هذا القول ضعيف وأن الصواب مع الجمهور في أن السنة النظر إلى موضع السجود واستثنى العلماء من هذا الحكم العام بعض الصور العارضة فمثلاً في صلاة الخوف إذا كان العدو تجاه القبلة فالمشروع أن ينظر إلى العدو لا إلى موضع سجوده أيضاً إذا كان الإنسان يخشى على ماله وولده وهم في تجاه القبلة يخشى عليهم من الهلاك أو الضرر فإنه ينظر إليهم ولا ينظر إلى موضع سجوده وذكروا عدة مسائل مستثناة ولكن الأصل الثابت الواضح أن السنة في حق المصلي أن ينظر إلى مصلاه مسألة هل ينظر المصلي إلى مصلاه وإن كان في الجلوس بين السجدتين أو للتشهد الجواب أن هذا موضع خلاف بين الفقهاء فمنهم من يرى أن المصلي ينظر إلى إصبعه في الجلوس لحديث رواه أبو داوه في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصنع هكذا والقول الثاني أن الانسان ينظر في جميع أجزاء الصلاة إلى موضع السجود والأقرب النظر إلى اليد إن صح الحديث الذي في سنن أبي داود • ثم قال رحمه الله ثم يقول سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ السنة بعد أن يقبض الإنسان يديه ويلقي ببصره إلى موضع سجوده أن يبدأ بالاستفتاح
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنواع عديدة من الاستفتاحات اختار الإمام أحمد منها هذا الاستفتاح المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع تجويزه رحمه الله قول غير هذا النوع من أنواع الاستفتاحات فيتعلق بهذا عدة مباحث أولاً هذا الحديث المروي عن عمر في الاستفتاح روي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وموقوفاً على عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصواب الذي رجحه الإمام مسلم أن هذا الحديث موقوف على عمر رضي الله عنه ولكني لا أشك أنه مرفوع حكماً لأنه لا يعقل أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحدث ذكراً في الصلاة ويعلمه الناس ولم يأثره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا هو من جهة الاسناد موقوف على عمر لكن له حكم الرفع المسألة الثانية لماذا رجح الامام أحمد هذا النوع من الاستفتاحات على غيره؟ مع أن البخاري ومسلم أخرجا في صحيحيهما حديث أبي هريرة المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح صلاته بقوله اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث لماذا اختار الإمام أحمد هذا الحديث على ذاك مع تجويزه قول الامرين اختاره لسببين السبب الاول مافيه من تمجيد وتعظيم لله السسبب الثاني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهر بهذا الاستفتاح يعلمه الناس مما يدل على أهميته واعتناء الصحابة به مسألة هل المشروع في دعاء الاستفتاح الجهر أو الاسرار؟ الجواب المشروع فيه إجماعاً الاسرار السؤال لماذا إذا جهر به عمر بن الخطاب الجواب ليعلمه للناس وباعتبار أنا نتكلم عن الجهر والاسرار فينأخذ قاعدة في هذه المسألة وهي أن كل ما يشرع أن يجهر به وكل مايشرع أن يسر به فهو على سبيل السنية فمثلاً المشروع في قراءة الركعة الأولى والثانية من صلاة المغرب الجهر أو الاسرار؟ الجهر فهذا الجهر هو مشروع على سبيل السنية والاستحباب لا الوجوب وما حكم الاسرار بقراءة الركعة الثالثة من المغرب؟ سنة فالاسرار به يسن على سبيل الاستحباب لا الوجوب لدليلين الأول إجماع الفقهاء على ذلك
الثاني أنه هكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جهر فيما جهر به وأسر فيما أسر به فإن قرأ سراً في الركعة الأولى من المغرب فقد خالف السنة ولا حرج عليه وإن جهر في الركعة الثالثة فقد خالف السنة ولا حرج عليه ومن المعلوم أن هذا وإن قرر علماً وفقها ودليلاً إلى أنه لا ينبغي أن يعمل به بين الناس اولاً لأنه مخالفة صريحة للسنة ثانياً لما يسببه من تشوش وإشكال بالنسبة لعوام الذين لا يعرفون الأحكام الفقهية • ثم قال رحمه الله ثم يستعيذ الاستعاذة سنة عند جماهير الفقهاء عند أحمد والشافعي وأبي حنيفة واستدلوا على سنية الاستعاذة بقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله والآية عامة في القراءة داخل الصلاة وخارجها واستدلوا على ذلك بعدة أحاديث لا يخلو شيء منها منن ضعف ولكن هذه الأحاديث باعتبار أن ضعفها يسير مع ما تدل عليه الآية يكفي لإثبات سنية الاستعاذة والقول الثاني للأمام مالك أن المصلي لا يستعيذ وإنما يشرع بالقراءة واستدل على ذلك بحديث أنس أنه قال كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العاملين والجواب عن الاستدلال بالحديث أن مقصوده يفتتحون القراءة – قراءة القرآن – بالحمد لله رب العالمين وهذا صحيح ولا يمنع ذلك أن يسر بالاستعاذة والراجح من القولين القول باستحباب الاستعاذة والعمدة في الحقيقة على الآية ثم لما ذكر الاستعاذة انتقل إلى البسملة فقال ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة ذكر عدة مسائل في البسملة نأخذ هذه المسائل على ترتيب المؤلف ثم يبسمل أي أن المشروع للمصلي بعد أن يستعيذ وقبل أن يبدأ بالفاتحة أن يبسمل فيقول بسم الله الرحمن الرحيم وإلى هذا أيضاً ذهب الجمهور واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة أنه رضي الله عنه صلى وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال إني أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي هذا الحديث إثبات البسملة وأنه إنما قالها اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -
والقول الثاني للمالكية وهو أن المصلي لا يذكر بسم الله الرحمن الرحيم قبل القراءة واستدل الإمام مالك رحمه الله على ذلك بحديث أنس قال صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يفتتحون القراءة بالحمدلله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها وهذا نص صريح في نفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم الجواب أن مقصوده رضي الله عنه أنهم كانوا لا يجهرون ببسم الله ويدل على أن هذا مراده الرواية الأخرى عنه وفيها كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وبهذه الرواية يزول الاشكال وإلا بلى هذه الرواية فإن الحديث مشكل فهو ينفي البسملة صراحة لكن لما جاءات هذه لاالرواية زال معها الاشكال واستطعناأن نجمع بين أقوال الصاحبي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه والصواب أن المصلي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم المسألة الثانية هل يسر بها أويجهر؟ فالحنابلة والجمهور كما ترون يذهبون إلى أن المصلي لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واستدلوا بدليلين الأول حديث أنس السابق حيث تقدم معنا أن المنفي فيه هو الجهر والدليل الثاني وهو قوي جداً ومن أسباب الترجيح في المسألة أنه لا يعقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في كل يوم بسم الله الرحمن الرحيم جهراً في ثلاث صلوات ولا ينقل هذا نقلاً متواتراً ولا يعرفه الخلفاء الراشدون قال ابن القيم هذا من أمحل المحال – وصدق رحمه الله فلا يمكن أي يقع هذا مطلقاً وذهب الشافعية كمل هو المشهور وكما ترون بعض إخواننا الشافعية إلى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واستدلوا على هذا بأحاديث كثرة ثبت فيها الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والجواب عن هذه الأحاديث التي ذكروها إجمالاً من وجهين الجواب الأول أن الإمام الحافظ الناقد الدارقطني قال لايصح في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حديث قط الجواب الثاني عن أحاديثهم ماذكره ابن القيم فقال أحاديبثهم صريحة غير صحيحة أو صحيحة غير صريحة إما أن تكون صريحة في المقصود لكنها ضعيفة غير صحيحة
أو تكون ثابتة من جهة الإسناد لكنها غير صريحة يعني لايفهم منها الجهر والراجح من القولين الاسرار وإنما ينتفع طالب العلم إذا سمع هذا الخلاف أنه إذا سمع من يجهر عرف أن هذا قول معتبر وأن من ذهب إليه إمام أهل الحديث وهو الشافعي فلا إنكار وإنما الإنسان مقصوده معرفة الحق • ثم قال رحمه الله وهو المبحث الثالث وليست من الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم الصواب فيها أنها آية من كتاب الله ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور وإنما أتي بها للفصل بين السور وتذكر قبل كل سورة إلا التوبة هذا خلاصة الراجح في بسم الله الرحمن الرحيم إذاً هي آية في كتاب الله لكنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور أتي بها للفصل بين السور عدا سورة التوبة الدليل على هذه الأجزاء الثلاثة أولاًَ الدليل على أنها آية في كتاب الله استدل الفقهاء على ذلك بأن بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة في المصاحف وقد جرد الصحابة في المصاحف القرآن أي لم يذكروا فيه إلا القرآن فإذا وجدنا أن الصحابة كتبوا في المصحف بسم الله الرحمن الرحيم وهم لم يكتبوا فيه إلا القرآن علمنا أنها من القرآن آية يعني أن جبريل نزل بها من عند الله وأن الله تكلم بها كما تكلم بغيرها من السور والآيات وتأخذ جميع أحكام المصحف في اليمين والمس وفي كل شيء والقراءة ثانياً الدليل على أنها ليست من الفاتحة ما أخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإاذا قال الحمدلله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي الحديث ولم يذكر في أوله بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت من الفاتحة لذكرها فهذا الدليل على أنها ليست من الفاتحة وهو مذهب الجمهور واختاره ابن تيمية وغيره من المحققين
وهذه المسألة وهي - هل بسم الله الرحمن الرحيم من الفاتحة أو لا - ينبني عليها أحياناً صحة الصلاة وبطلانها لأن الإنسان قد يبدأ في قراءة الفاتحة بقوله الحمد لله رب العالمين فإذا كانت البسملة منها فإن صلاته باطله باعتبار أنه لم يقرأ الفاتحة كاملة فإذاً هي مسألة مهمة ويحتاج طالب العلم أن يعرف الحق فيها فالأقرب - والله أعلم - أنها ليست من الفاتحة بناء على هذا كيف نقسم الآيات؟ فإنك إذا فتحت المصحف ستجد أن بسم الله الرحمن الرحيم تأخذ رقم واحد ونحن نعتبر أن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فإذا أخرجنا بسم الله الرحمن الرحيم كيف سيكون تقسيم الفاتحة؟ التقسيم سهل وهو أن نقول أن الحمد لله رب العالمين آية ثم تستمر كما التقسيم في المصحف إلى قوله صراط الذين أنعمت عليهم بعد عليهم انتهت الآية السادسة وبدأت الآية السابعة وتبدأ من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين هذا ليتصور الإنسان عدد الآيات وإلا لا إشكال أنه إذا قرأ من الحمدلله إلى آخرها فقد قرأ الفاتحة كاملة وصلاته صحيحة وإن لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم بدأ رحمه الله تعالى بمسألة الفاتحة كما ستلاحظ سيذكر عدة مباحث كما تلاحظ في المتن كلها يتعلق بالفاتحة • ثم قال رحمه الله ثم يقرأ الفاتحة الفاتحة كما أشرت يتعلق بها أحكام كثيرة سيذكرها المؤلف رحمه الله الحكم الأول الفاتحة ركن من أركان الصلاة بالنسبة للإمام والمنفرد أما بالنسبة للمأموم فسيأتي بحث هذه المسألة مطولاً عند موضعها إن شاء الله وهذا مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها واستدلوا رحمهم الله على هذا الحكم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاذ الثابت الصحيح لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال رحمه الله:
ثم يقرأ الفاتحة
التعليق على هذه المسألة من الدرس الثالث:
بدأنا بالأمس بالمسألة الأولى وهي حكم قراءة الفاتحة:
فنعيد هذه المسألة:
نقول الجمهور يرون من الأئمة من الصحابة ومن بعدهم أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فإن تركها عمداً أو سهواًَ بطلت الصلاة.
واستدلوا على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "" وهو حديث صحيح ومعناه صريح.
واستدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج "" قال ثلاثاً.
وهذه الأدلة صريحة في المقصود وهي صحيحة ثابتة من حيث الإسناد.
القول الثاني: للأحناف أن قراءة الفاتحة سنة فإن تركها وقرأ غيرها من كتاب الله صحت صلاته.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
الأول: قوله تعالى ((فاقرأوا ما تيسر منه)) وجعلووا الآية عامة في الصلاة وخارج الصلاة.
والدليل الثاني: استدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي ثم اقرأ ماتيسر معك أي في الصلاة.
وهذا الخلاف خاص بالمنفرد والإمام وأن حكم قراءة الفاتحة للمأموم سيأتي في موضعه وهي مسألة مهمة سنتحدث عنها إذا جاء موضعها من الكتاب.
والراجح من القولين السابقين مذهب الجماهير لصحة وقوة وصراحة ما ستدلوا به فهي أحاديث صريحة في المقصود وصحيحة من حيث الثبوت.
كما أن في هذه الأحاديث زيادة علم وهو تخصيص الفاتحة بالقراءة وزيادة العلم يجب المصير إليها.
ويشترط في قراءة الفاتحة أن تكون متوالية مرتبة والمؤلف رحمه الله سيذكر هذين الشرطين وسيبدأ بشرط التوالي:
• فيقول رحمه الله:
فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال
لزمه أن يعيد قراءة الفاتحة من الأول فيستأنف القراءة ووجوب الإعادة في موضعين:
إما أن يسكت سكوتاً طويلاً أو يذكر ذكراً طويلاً ويشترط في السكوت وفي الذكر أن لا يكونا مشروعين.
التعليل: لأن في هذا السكوت والذكر الذي قطع به قراءة الفاتحة إخلال بنظم الفاتحة فإذا قرأها على هذا الوجه لم يقرأها كما كان - صلى الله عليه وسلم - يقرأها.
وفهم من كلام المؤلف أنه إن قطع القراءة بسكوت قصير أو بذكر قصير فإن القراءة صحيحة ولا يحتاج إلى الإعادة والاستئناف لان هذا السكوت القصير والذكر القصير لا يخل بنظم السورة.
وفهم من كلام المؤلف أيضاً إن قطع الفاتحة بذكر وسكوت طويلين لكنهما مشروعين فإن قراءة الفاتحة أيضاً صحيحة لأنه ذكر وسكوت مشروعين.
من أمثلة الذكر المشروع قول المصلي آمين ومن أمثلة الذكر المشروع تسبيح المصلي لتنبيه الإمام.
ومن أمثلة السكوت المشروع أن يسكت استماعا لقراءة الامام.
فهذه أمثلة للذكر والسكوت المشروعين.
إذاً تبين أن معنا ثلاث صور وجوب الاعادة في صورة واحدة وهي: إذ قطعها بذكر وسكوت طويل وأيضا غير مشروع وهذا هو شرط التوالي لانه في الحقيقة اذا قطعها في ذكر وسكوت طويلين قطع الموالاة.
• ثم قال رحمه الله:
أو ترك منها تشديدة
في الفاتحة إحدى عشرة تشديدة إن ترك منها واحدة لم تصح قراءة الفاتحة.
التعليل: أن التشديدة بمنزلة الحرف فإذا ترك تشديدة فكأنه ترك حرفاً.
• ثم قال رحمه الله:
أو حرفاً
أي أو ترك حرفاً فإذا ترك حرفاً واحداً من الفاتحة وجب عليه أن يعيد.
السبب: أنه إذا ترك حرفاً من الفاتحة فهو في الحقيقة لم يقرأ الفاتحة وإنما قرأ بعض الفاتحة والواجب قراءة الفاتحة بأكملها.
إذا هذا هو تعليل وجوب الإعادة على من ترك حرفاً من الفاتحة.
•
ثم قال رحمه الله:
أو ترتيباً:
إذا ترك ترتيب الفاتحة فإنه يجب عليه أن يعيد والإخلال بالترتيب يحصل في صورتين:
الأول: تقديم كلمة على كلمة.
والثاني: قراءة الفاتحة منكسة.
فإن فعل وجبل عليه أن يعيد قراءة الفاتحة لأن من شروط صحة القراءة أن نقرأ كما نزل من الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -.
• ثم قال رحمه الله:
لزم غير مأموم إعادتها
إذا أخل الإنسان بالموالاة فإنه يجب عليه أن يعيد السورة من أولها لأن شرط الموالاة اختل ولا يمكن الاتيان به على وجهه إلا بإعادة قراءة الفاتحة من أولها.
وإن أخل بالفاتحة بترك تشديدة أو حرفاً أو ترتيباً ففي وجوب الإعادة عليه تفصيل:
إن كان ترك ذلك عمدً فيجب عليه أن يعيد القراءة من أول الفاتحة.
وإن ترك ذلك بلا تعمد وجب عليه أن يعيد قراءة الكلمة.
فإذا قرأ كلمة من الفاتحة بلا تشديدة كأن يقرأ الرحمن بلا تشديدة أو الرحيم بلا تشديدة بلا قصد وجب عليه أن يعيد قراءة الكلمة فقط ولا يجب عليه أن يستأنف قراءة الفاتحة من أولها.
وإن ترك ذلك متعمداً وجب عليه أن يبدأ قراءة الفاتحة من أولها.
هذا إذا لم تبطل صلاته بتعمده ترك حرف من الفاتحة لأنه متلاعب ولكن قد يتصور هذا بسبب التساهل لا بسبب التلاعب كأن يتساهل في النطق ويستعجل عامداً ويترك حرفاً حينئذ نقول له أعد السورة ولا تعد الكلمة.
أما إذا اجتهد ونطق بالكلمة ناقصة حرفاً بلا تعمد فنقول أعد الكلمة فقط.
الخلاصة إذا ترك هذه الثلاثة أشياء التشديدة أو الحرف أو الترتيب متعمدا وجب أن يعيد قراءة الفاتحة من أولها.
وإذاتركها بلا تعمد وجب أن يعيد الكلمة فقط.
•
ثم قال رحمه الله:
ويجهر الكل
يقصد بالكل: المأموم والإمام والمنفرد فكلهم يجهرون بآمين والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الإمام غفر له وفي رواية غفر له ما تقدم من ذنبه.
وفي السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أمن ارتج المسجد تأميناً.
ولكن الذي يظهر أن في إسناد هذا الحديث ضعف.
مسألة: متى يؤمن المأموم؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المأموم يؤمن مع الإمام فإذا قال الإمام ولا الضالين قال الإمام والمأموم: آمين.
والقول الثاني: أن المأموم يؤمن إذا انتهى الإمام من قوله آمين.
وعلى هذا إذا قال الإمام ولا الضالين يسكت المأموم وينتظر إلى أن يقول الإمام آمين ثم يقول هو بعد ذلك آمين.
واستدل هؤلاء بظاهر حديث أبي هريرة لأنه يقول إذا أمن الإمام فأمنوا.
والصواب القول الأول لأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه جاء مفسراً في صحيح البخاري حيث قال: فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين.
وهذه الرواية وهي - فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين - موجودة في صحيح البخاري لكن المجد في المنتقى نسبها إلى سنن النسائي ومسند الإمام أحمد فوهم بذلك وهي موجودة في صحيح البخاري وهي مرجح قوي للقول الأول وهو دليل على أن عمل الناس اليوم هو الموافق للسنة أنهم يقولون آمين هم والإمام في وقت واحد.
ثم إن في القول الثاني: وهو انتظار قول الإمام آمين إرباك للمصلين كما يشاهد ممن يفعل هذه السنة فإنا لا ندري متى سيقول آمين ولاندري هل سيجهر الإمام بآمين أو لن يجهر إلى آخره فيحصل إرباك بسبب هذا القول.
فالراجح والله أعلم دليلاً ونظراً مع القول الأول.
•
قال رحمه الله:
ويجهر الكل ((بِآمِيْنَ)) في الجهرية
عندكم في نسخة في الجهريات هذه النسخة أصح لوجهين:
أولاً أنها أوضح في المقصود.
ثانياً هي أرجح من حيث النسخة الخطية لأن النسخة الخطية التي أخذت منها لفظة الجهريات هي النسخة المنقولة عن نسخة الشيخ عبد الله بن با بطين التي صححها هو بنفسه ومعلوم أن الشيخ رحمه الله أولاً بارع في الفقه ثانياً له عناية جداً بهذا المتن وهذه الأمور ترجح النسخة التي أشرف عليها.
فاجتمعت في هذه الكلمة المرجحات من حيث النسخ الخطية ومن حيث المعنى والأمر سهل لكن على كل حال في الجهريات أحسن.
• ثم قال رحمه الله:
ثم يقرأ بعدها سورة:
يسن بعد قراءة الفاتحة أن يقرأ الإنسان سورة في الركعتين الأولتين فقط والدليل على قراءة هذه السورة السنة المستفيضة المشهورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان يفعل ذلك أي يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية فقط دون الثالثة.
مسألة والسنة أن يقرأ الإنسان سورة كاملة ولا يقرأ بعض سورة والدليل أن هذا هو الغالب على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يقرأ سورة كاملة ولا يقرأ بعض سورة وهذا سنة ويجوز أن يقرأ الإنسان بعض السورة بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ الأعراف في صلاة المغرب ومن المعلوم أن قرأ بعضها في الركعة الأولى وبعضها في الركعة الثانية فقرأ في ركعة بعض سورة.
• ثم قال رحمه الله:
تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه.
طوال المفصل من القرآن يبدأ من ق إلى عم.
وأوساط المفصل: من عم إلى والضحى.
وقصار المفصل من والضحى إلى الناس.
فالسنة أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي الفجر بطواله وفي الباقي وهي العشاء والظهر والعصر اوساط المفصل.
والدليل على هذا حديث أبي هريرة أنه قال رضي الله عنه ماصليت خلف رجل أشبه صلاة برسول الله - رضي الله عنه - من فلان قال وكان يقرأ في الفجر بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بأوساط المفصل.
قال الحافظ بن حجر إسناده صحيح.
ويدل على ذلك أيضاً أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي موسى كتابا وقال فيه واقرأ في الظهر من أوساط المفصل.
فهذان دليلان على هذا التفصيل الذي ذكره المؤلف.
• ثم قال رحمه الله:
ولا تصح بقراءَة خارجة عن مصحف عثمان 0
مصحف عثمان هو المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وله رسم معين معروف وهو الرسم الموجود بين أيدينا اليوم وتناقلته الأمة بالتواتر العظيم سلفاً عن خلف إلى أن وصل إلينا محفوظاً بحفظ الله كاملاً برسمه الذي رسمه الصحابة.
فإذا رويت قراءة خارجة عن رسم المصحف العثماني فإنه لا يجوز أن نقرأ بها في الصلاة ولو صح إسنادها.
التعليل: لأن هذه القراءة ليست متواترة ولا يصح أن نقرأ في الصلاة بغير المتواتر.
والقول الثاني: أن القراءة إذا صح إسنادها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - جازت القراءة بها في الصلاة والاستدلال بها على الأحكام.
وهذا القول اختاره ابن الجوزي واختاره أيضاًَ شيخ الإسلام بن تيمية رحمهم الله.
الدليل: قال شيخ الإسلام: اتفق أئمة السلف على أن مافي مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة التي نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن المصحف لم يستوعب جميع الحروف وقد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأون في عصره وبعد عصره بالقراءات السبع بالأحرف السبع وكانت صلاتهم صحيحة بلا شك فدل ذلك على أن القراءة بهذه القراءات تصح معها الصلاة.
وهذا القول الثاني: هو القول الراجح بل يظهر لي أنه لا ينبغي القول بخلافه لأننا نجزم أن صلاة الصحابة بالقراءات الخارجة عن مصحف عثمان كانت صحيحة.
مسألة: فإن رويت قراءة بإسناد صحيح متوافقة مع الرسم العثماني صحت الصلاة بها ولو كانت خارج القراءات العشر المعروفة.
بهذين الشرطين صحة الإسناد وأن توافق الرسم العثماني حينئذ تصح حتى عند الحنابلة.
انتهى المؤلف من الكلام على القراءة وانتقل إلى الركوع.
• قال رحمه الله:
ثم يركع
يعني بعد فراغه من القراءة يركع.
وفات المؤلف رحمه الله سنة وهي السكتة اليسيرة التي تكون بين القراءة والركوع فإن الإمام أحمد كره أن يصل المصلي القراءة بالتكبير وذلك لما ثبت في السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسكت قليلاً قبل أن يركع.
وليس في السنة تحديد لمقدار هذه السكتة.
وذهب ابن القيم إلى أنها بقدر ما يرجع النفس للقارئ.
ومن هنا نعلم أن ما يفعله بعض الأئمة من أنهم يصلون القراءة بالتكبير مباشرة أنه خلاف السنة بل كرهه الإمام أحمد.
ثم بعد هذه السكتة كما قال المؤلف: يركع:
والركوع ركن من أركان الصلاة فإن تركه جاهلاً أو ناسياً بطلت صلاته إلا أن يذكر وهو في الصلاة فإنه يأتي به على تفصيل سيأتينا في باب سجود السهو.
الدليل على ركنيته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء ثم اركع حتى تطمأن راكعاً والله سبحانه وتعالى يقول: ((اركعوا واسجدوا)).
• ثم قال رحمه الله:
مكبراً
يعني أن السنة أن يكبر للانتقال والدليل على تكبير المصلي إذا أراد أن ينتقل من القيامإلى الركوع حديث أبي هريرة الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة كبر وإذا أراد أن يركع كبر فنص - رضي الله عنه - على أن المصلي إذا أراد أن ينتقل يكبر تكبيرة الانتقال.
مسألة: واختلف الفقهاء في موضع هذه التكبيرة.
فذهب الحنابلة إلى أنه يجب أن يبدأ التكبير مع بداية الانتقال وينتهي من التكبير مع انتهاء الانتقال.
فإن خرج شيء من التكبير عن ذلك لم يصح.
التعليل: قالوا: أن خروجه عن ذلك تكبير في غير محله والتكبير في غير محله لا يصح.
الوجه الثاني: أن الأمر في هذه المسألة واسع فيجوز أن يبدأ بالتكبير قبل أن يبدأ بالانحناء ويجوز أن يتم بعض التكبير بعد انتهاء الركوع وهذا القول وجه عند الحنابلة واختاره منهم ابن تميم من الحنابلة وعللوا ذلك بأن مراعاة هذا الأمر شاق جداً وعسر على الناس ولا يكاد يلتزم به مصلي.
وهذا القول الثاني هو القول الصواب لأنه كما قالوا يكاد يتعذر على المصلي أن يراعي هذا دائماً وأبداً فمن الصعب أن يلتزم الإنسان أن يبدأ بالتكبير إذا بدأ بالانتقال وينتهي من التكبير إذا انتهى من الانتقال الالتزام بهذا لاشك أنه متعذر أو أشبه ما يكون بالمتعذر.
•
ثم قال رحمه الله:
رافعاً يديه:
يعني أن السنة لمن أراد أن يركع أن يرفع يديه إذا كبر.
ذهب الجمهور إلى أنه يسن للمصلي إذا راد أن يكبر للركوع أن يرفع يديه واستدلوا على ذلك بأحاديث صريحة صحيحة كثيرة منها حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا استفتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع من الركوع.
ومنها حديث الساعدي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع في هذه المواضع.
والرفع عند الركوع سنة ثابتة.
والقول الثاني أنه لا يشرع للإنسان إذا أراد أن يركع لأنه لم يذكر في حديث المسيء.
وتقدم معنا مراراً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر في حديث المسيء الواجبات فقط.
• قال رحمه الله مبيناً ماذا يفعل المصلي بعد الركوع:
ويضعهما على ركبتيه مفرجتي الأصابع
السنة للمصلي ....
انتهى الدرس
قال شيخنا حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين • قال - رحمه الله - ويقول سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ يجب عند الحنابلة أن يدعو المصلي إذا ركع بهذا الدعاء سبحان ربي العظيم وهو واجب من واجبات الصلاة كما سيأتينا عند تعداد واجبات الصلاة والدليل على هذا الحك حديث حذيفة رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم قال وكان إذا ركع أي النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول سبحان ربي العظيم والدليل الآخر حديث عقبة أنه لما نزل قوله تعالى ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - اجعلوها في ركوعكم وفي إسناد هذا الحديث ضعف مسألة والواجب في قول سبحان ربي العظيم مرة وأدنى الكمال ثلاث وأقصى الكمال عشر وقيل لا حد لأكثره وقيل أن الأمر في عدد التسبيح واسع ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وليس في السنة ما يحدد الكمال وأدنى الكمال وهذا القول الأخير هو الصواب مسألة هل يتعين على المصلي أن يسبح بهذا اللفظ؟ فإن سبح بغيره فإنه لا يجزئ فيه خلاف على قولين القول الأول أن هذا اللفظ يتعين لقوله - صلى الله عليه وسلم - اجعلوها في ركوعكم ويصدق هذا عمله - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يقول في الركوع سبحان ربي العظيم والقول الثاني أن هذا اللفظ لا يتعين فإن سبح الله بأي صيغة كأن يقول سبحانك أجزأ وهذا مذهب المالكية واستدلوا بأنه ثبت في الصحيحين وفي غيرهما أذكار متعددة للركوع كما في حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي فدل ذلك على أنه لا يتعين قول المصلي سبحان ربي العظيم والقول الثاني هو الراجح والأحوط أن لا يترك المصلي في ركوعه سبحان ربي العظيم اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وخروجاً من الخلاف مسألة هل يشرع أن يزيد المصلي في ركوعه وسجوده على قوله سبحان ربي العظيم؟ في هذا أيضاً خلاف فذهب الحنابلة إلى أنه في صلاة الفريضة لا يزيد على هذا اللفظ ويجوز أن يزيد في النافلة وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أن يزيد على سبحان ربي العظيم في الفريضة والنافلة لأن الأحاديث التي فيها زيادات على هذا الذكر لم تخصص النافلة بهذا الحكم من أمثلته قول المصلي سبوح قدوس رب الملائكة والروح فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله وما ثبت في النفل ثبت مثله في الفريضة وهذا كما قلت لكم مذهب الشافعي
ومذهب الشافعي في هذه المسألة أصح من مذهب الحنابلة مسألة هل يشرع أن يقول المصلي سبحان الله العظيم وبحمده؟ فيزيد كلمة وبحمده أيضاً اختلفوا فيه على قولين القول الأول أنه لا يزيد هذه اللفظة قال الإمام أحمد - رحمه الله - أما أنا فلا أقول وبحمده والقول الثاني أن هذه الزيادة مشروعة لما جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول سبحان الله العظيم وبحمده في ركوعه والراجح القول الأول وزيادة وبحمده ضعيفه وممن أشار إلى ضعفها الحافظ أبي داود وقد نقول أن إعراض الإمام أحمد عن العمل بها أيضاً يدل على تضعيفها وعلى كل حال هي زيادة ضعيفة هذه بعض المسائل التي تتعلق بالتسبيح في الركوع وينبغي أن تعلم أن مثل هذه المسائل ستتكرر معنا في تسبيح السجود فمن المفيد لطالب العلم أن يتقنها • ثم قال - رحمه الله - ثم يرفع رأْسه ويديه المشروع للمصلي إذا رفع من الركوع أن يرفع يديه مع التكبير والدليل على سنية الرفع في هذا الموضع حديث ابن عمر السابق ولكن اختلف الفقهاء متى يرفع يديه؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد القول الأول أنه يرفع يديه مع التكبير لحديث أبي حميد الساعدي وفيه ثم قال سمع الله لمن حمده ورفع يديه ولحديث ابن عمر ثم رفع رأسه ورفع يديه كذلك والرواية الثانية عن الإمام أحمد وهو القول الثاني أنه لا يرفع يديه حتى يستتم قائماً فيقول سمع الله لمن حمده فإذا استتم قائماً رفع يديه واستدلوا برواية في حديث ابن عمر وفيها ثم رفع يديه بعدما رفع رأسه ولما ذكر الإمام أحمد هذه الرواية في المسند ذكر أن راوي الحديث وهو سفيان كان يتردد في هذه اللفظة كأنه لم يضبطها قال الإمام أحمد كان أحياناً يقول فرفع يديه وأحياناً يقول ثم بعد ذلك رفع يديه ثم ثبت على ثم بعد ذلك رفع يديه فإشارة الإمام أحمد في المسند إلى تردد الإمام سفيان وهو يقصد ابن عيينة لأن الإمام أحمد لا يروي عن الثوري يضعف هذا القول لا سيما وأن اللفظ الذي في الصحيحين ليس فيه كلمة بعد ذلك