شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 189-228
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 189-228
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

• قال المؤلف رحمه الله: ويشترط: تقدم خطبتين.

فتقدم معنا ذكر ثلاثة شروط من شروط صحة صلاة الجمعة واليوم نبدأ بالشرط الرابع وهو: اشتراط تقدم خطبتين.
= فيشترط الحنابلة لصحة الجمعة أن يتقدمها خطبة وهذا هو مذهب الجمهور.
فإن لم يكن بين يدي صلاة الجمعة خطبة لم تصح الجمعة.

استدل الجمهور بدليلين:

  • الأول: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) فأوجب السعي لذكر الله والذكر في الآية يقصد به خطبة الجمعة.
  • الثاني: النقل المتواتر المستفيض الذي لم يختلف فيه المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبل صلاة الجمعة خطبتين.

إذا تقرر أن الخطبة شرط لصحة صلاة الجمعة ننتقل إلى مسألة لا بد منها: وهي هل يشترط في هذه الخطبة أن تكون خطبتين؟ أو يكتفى بخطبة واحدة؟ = ذهب الحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون خطبة الجمعة خطبتين.
استدلوا على هذا:

  • بحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يخطب خطبتين يجلس بينهما.
    وهذا في الصحيحين.
  • واستدلوا بدليل آخر فقهي لطيف: أن الخطبتين أقيما مقام الركعتين.
    فالإخلال بإحدى الخطبتين إخلال بإحدى الركعتين.
    وكون الخطبتين أقيما مقام الركعتين هذا منقول عن عجدد من الصحابة.
    = والقول الثاني: أنه يجزئ خطبة واحدة فقط لأن الله أمر بالسعي إلى ذكر الله والذكر في الآية مطلق يصدق على الخطبة الواحدة.
    والراجح القول الأول.
    سبب الترجيح: (وسيتكرر سبب الترجيح هذا معنا ولذلك أريد أن تفهموه).
    سبب الترجيح: أن الله سبحانه وتعالى أمر بإقامة الخطبة بقوله: (فاسعوا إلى ذكر الله) أمراً مجملاً عاماً.
    فجاءت السنة لبيان كيفية إقامة الخطبة.
    وبيان الواجب واجب.
    وصار بيانها في السنة واجب أيضاً.
    بناء على هذا إذا خطب الخطيب خطبة واحدة ونزل وصلى.
    فنقول له: ارجع فاخطب خطبتين وصلي ركعتين للجمعة فإن لم يبق وقت فصلها ظهراً.
    إلا أنا نقول: أن الخطبة واجبة وشرط لصحة الجمعة.
    ومن شروط صحة الخطبة أن تكون خطبتين.
    وقد سمعت أنه يوجد بعض الناس يخطب خطبة واحدة وهذا لعارض إما لضجره أو لتأخر الناس أو لأي سبب من الأسباب فيخطب خطبة واحدة وينزل.
    فمثل هذا نقول له: يجب أن تعيد صلاة الجمعة.
    هذا على مذهب القائلين بالوجوب.
    وهو الصواب إن شاء الله.
    ثم أراد المؤلف رحمه الله أن يبين شروط صحة الخطبة لما كانت هي بذاتها من شروط صحة الجمعة: • فقال رحمه الله: ومن شرط صحتهما: حمد اللَّه.
    = يشترط عند الحنابلة والشافعية لصحة الخطبة أن تشتمل على الحمد فإن لم تشتمل على الحمد بطلت.
    واستدلوا على ذلك: بما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه ثم قال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
    والدليل الثاني: أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم المستفيضة دلت على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الخطب بالحمد لله.
    = والقول الثاني: للأحناف.
    أنه يجزئ في الخطبة أن يذكر الله تكبيراً أو تحميداً أو تهليلاً بشرط أن يكون الذكر بنية الخطبة.

بناء على هذا: عند الأحناف - لو صعد الإنسان المنبر وقال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله بنية أنه يخطب جمعة ونزل لصحة الخطبة.
فينبني على قولهم هذا الأثر.
فإن صعد المنبر وقال: سبحان الله والحمدلله والله أكبر ونزل ولم ينو أنه يخطب فإن الخطبة لا تصح.
استدلوا على ذلك بعموم الآية.
وذكر الله يحصل بهذا المقدار.
= القول الثالث: مذهب المالكية.
أنه يشترط في الخطبة أن يطلق عليها خطبة في لغة العرب ولو بلا تحميد.
بناء على ذلك: لو صعد المنبر وخطب عن موضوع من الموضوعات أي موضوع خطبة تسمى في لغة العرب خطبة ولم يحمد فيها الله مطلقاً بأن قال: بسم الله الرحمن الرحيم اعلموا أن كذا وكذا .. عن موضوع معين ذا صبغة موضوعية مستقلة صحت الجمعة.
فإن صعد المنبر وقال: الحمد لله رب العالمين وتكلم بكلام مفيد لا يعتبر في لغة العرب خطبة فإن الخطبة حينئذ تبطل.
والراجح مذهب الحنابلة.
لما تقدم.
ففي الحقيقة أيجاب الحمد في الخطبة من وجهة نظري أنه صحيح والأدلة تدل عليه ومذهب الحنابلة والشافعية في هذا قوي وإن رأى بعض المحققين أن في اشتراطه لصحة الجمعة ضعفاً لكن من وجهة نظري أنه شرط صحيح.
وسيأتينا في آخر شروط الجمعة القول الراجح في الشروط الصحيحة للجمعة إن شاء الله.
• ثم قال رحمه الله: والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم.
يشترط لصحة الخطبة أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فإن خطب خطبة كاملة مستوفاة لم يصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم بطلت.
واستدلوا على ذلك:

  • بقاعدة وهي: (أنه كلما وجب ذكر الله وجب ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم).
    كما في الآذان والشهادتين.
    = والقول الثاني: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست بواجبة فإن تركها ولو عمداً صحت الخطبة.
    واستدلوا بدليلين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة.

والثاني: أن القاعدة التي ذكروها ليست بصحيحة فإنه ثبت في الشرع في مواضع كثيرة وجوب ذكر الله بلا ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم: منها: - التسمية على الذبيحة - والتسمية في الأكل - والتسمية عند الجمار - ومواضع أخرى كثيرة ثبت فيها ذكر الله بلا ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول هو الراجح.
أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست شرطاً لصحة الجمعة.
• ثم قال رحمه الله: وقراءَة آية.
أي يشترط في صحة خطبة الجمعة أن يقرأ فيها آية فإن لم يقرأ فيها آية بطلت الخطبة.
ويشترط في الآية: أن تكون مفيدة.
وأن لا يقتصر على جزء منها لا يفيد معنىً تاماً.
واستدلوا على هذا:

  • بما في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب الجمعة يقرأ آيات ويذكر الناس.
    = القول الثاني: أن قراءة الآية لا تجب وإنما يستحب لأنه لا دليل على الوجوب.
    وأما الحديث وهو يقرأ آيات ويذكر فلا يراد منه الوجوب بدليل: أنه قال في الحديث يقرأ آيات وليست آية.
    وأجمع الفقهاء كلهم أنه لا يجب أن يقرأ آيات وإنما يجب أن يقرأ عند القائلين بالوجوب آية وليست آيات.
    إذاً الاستدلال بهذا الحديث ليس صحيحاً لأنه لو دل الوجوب لدل على وجوب قراءة آيات لا آية.
    نعم.
    هو مستحب ومسنون لكن لا دليل على الوجوب والشرطية.
    والراجح عدم الوجوب.
    • ثم قال رحمه الله: والوصية بتقوى اللَّه عزوجل.
    يقصد المؤلف رحمه الله أن تشتمل الخطبة على موعظة.
    والدليل على هذا:
  • ما تقدم معنا: وهو قوله: (يقرأ آيات ويذكر الناس) فدل على أن من شأنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعظ الناس ويذكرهم في الخطبة.
    الدليل الثاني: أن المقصود من الخطبة هو الوعظ وتذكير الناس بتقوى الله فإذا لم تشتمل على المقصود منها بطلت.
    وهذا صحيح.
    • ثم قال رحمه الله: وحضور العدد المشترط.
    يشترط لصحة الجمعة أن يحضر العدد المشترط على الخلاف في العدد المشترط.
    والدليل:
  • أن المقصود من الخطبة تذكير الناس وحثهم على تقوى الله وطاعته فإذا لم يوجدوا لم يحصل الغرض من الخطبة.
  • الدليل الثاني: أن الخطبة من الأمور الإضافية التي لا تحصل إلا مضافة إلى شيء آخر وهو - هنا - وجود الناس.

ويجب أن تلاحظ أنا لا نتحدث هنا عن كمية العدد وإنما نتحدث عن وجود العدد وتقدم معنا أن وجود العدد شرط بالإجماع وإنما الخلاف في مقدار العدد.
انتهت شروط الصحة.
القول الراجح في الشروط بعد ما أخذنا الخلاف في كل واحد منها على حدة هو أنه يشترط لصحة الجمعة ثلاثة أشياء:

  • الأول: الحمد.
    بأن يحمد الله.
  • والثاني: اشتمالها على الموعظة.
  • الثالث: أن تسمى خطبة عرفاً.
    وهذا - الشرط - لم يذكره المؤلف رحمه الله وهو شرط صحيح.
    فالشروط على القول الصواب ثلاثة.
  • فإذا صعد الإنسان المنبر وقال: الحمد لله رب العالمين اعلموا أنه من يطع الله يدخله الجنة ومن يعصه يدخله النار.
    ونزل.
    فأي الشروط تخلف؟ وأيها انطبق؟ الحمد وجد.
    والموعظة كذلك.
    أما الخطبة فلم توجد فنقول الآن هذه الخطبة باطلة أنها لا تسمى خطبة عرفاً.
    إذاً هذا المثال في الحقيقة هو الذي يوضح مدى انطباق الشروط وتخلف الشروط لا سيما الشرط الأخير.
    فإذا صعد المنبر وحمد الله ووعظ الناس وذكرهم وخطب خطبةً تسمى في العرف خطبة ونزل فخطبته صحيحة ولو لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يقرأ آية.
    إذاً هذا هو القول الصواب.
    ومع ذلك أقول: أنه لا ينبغي مطلقاً لخطيب الجمعة أن يترك قراءة آية.
    لأنه في الحقيقة هذا الشرط وإن كان الراجح أنه ليس من شروط الصحة لكن السنة واضحة جداً بأنه صلى الله عليه وسلم كان في خطبة الجمعة يقرأ آيات أحياناً تكون آيات في أثناء الخطب وأحياناً تكون الخطبة كلها تفسير لآيات من كتاب الله فمن الخطأ الإخلال بمثل هذا وهو خلاف الأولى لوجهين:
  • الوجه الأول: استفاضة السنة بقراءة آيات.
  • والوجه الثاني: أن خطبته حينئذ محل خلاف فمن الفقهاء من يصححها ومنهم من يبطلها فلا ينبغي للإنسان في مثل هذه العبادة العظيمة أن يعرضها للبطلان وإنما يستوفي الشروط التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله.
    هذا إذا أردنا أن نبين ما ينبغي ويجدر بالإنسان.
    أما إذا أردنا أن نتكلم من منطلق علمي وفق الأدلة وحسب الراجح فلا يشترط إلا ثلاثة شروط.
    ذكر المؤلف رحمه الله هذه الشروط وترك بعض الشروط فنأخذ شرطين:
  • الأول: يشترط لصحة خطبة الجمعة دخول الوقت على الخلاف السابق.
  • الثاني: يشترط الموالاة بين الخطبتين.
    وهذا من المعلوم أنه شرط صحة عند القائلين باشتراط خطبتين وليس بشرط صحة عند القائلين بأنه يجزئ خطبة واحدة.
    بناء على هذا: نقول للإيضاح والبيان: إذا خطب الخطيب - كما يفعله أيضاً بعض الناس اليوم - قبل الزوال فإن هذه الخطبة عند الجمهور الذين يقولون أن وقت صلاة الجمعة أنه لا يدخل إلا بعد الزوال تكون باطلة وإذا بطلت الخطبة بطلت صلاة الجمعة.
    إذاً كذلك نقول: إذا أمكن وتيسر أن لا يبدأ الإنسان الخطبة إلا بعد الزوال فهو أولى وأجدر على أني أقول لكم أن مسألة دخول وقت صلاة الجمعة في الساعة السادسة عندي ليس فيه أي إشكال والسنة واضحة تماماً فيه بحيث ما يتردد الإنسان أو يدخله الحرج في ذلك وهذه ليست من المسائل التي يتردد فيها الإنسان وإن كانت هذه المسألة من مفردات الحنابلة لكن الأدلة التي استدل بها الإمام أحمد واضحة وجلية ووجه الاستدلال بها قوي جداً فلا إشكال فيها إن شاء الله.
    لكن مع ذلك لو أن الإنسان حرص على أن يؤخر بدأ الخطبة إلى ما بعد الزوال فلا شك أنه أولى لأن الخطبة الآن تكون صحيحة عند الجماهير.
    لما أنهى المؤلف رحمه الله الكلام عن الشروط التي تشترط لصحة خطبة الجمعة بدأ في الكلام عن الأشياء التي لا تشترط: • فقال رحمه الله: ولا يشترط لهما الطهارة.
    لا يشترط لصحة الخطبة أن يكون الخطيب على طهارة.
    ومقصود الحنابلة بالطهارة هنا: الطهارة الصغرى والكبرى.
    بناء عليه يصح أن يخطب الجنب وخطبته صحيحة وصلاته أيضاً صحيحة إذا اغتسل.
    استدلوا على أنه لا تشترط الطهارة:
  • لأن الخطبة عبارة عن ذكر بين يدي الصلاة فلا يشترط لها طهارة كالآذان فالآذن ذكر بين يدي الصلاة ومع ذلك لا يشترط له الطهارة فلو أذن الجنب صح الآذان كذلك خطبة الجمعة ما هي إلا ذكر بين يدي الصلاة.
    إذا قرر الحنابلة أن الطهارة الصغرى والكبرى لا تشترط لخطبة الجمعة يدخل عليهم إشكالان.
  • الإشكال الأول: كيف يدخل الجنب.
  • والإشكال الثاني: كيف يقرأ القرآن؟

فأجابوا عن هذا الإشكال بأن المكث في المسجد وقراءة القرآن صحيحة مع الإثم.
فيقولون هو آثم ويحرم عليه أن يصنع ذلك لكن الخطبة صحيحة لأنه لا ارتباط بين الخطبة وبين أن يكون على طهارة.
قال الحنابلة: كمن يصلي وقد سرق درهماً وكان واضعاً له في جيبه صحت فصلاته صحيحة لأنه لا ارتباط بين هذا الدرهم المسروق وبين الصلاة كذلك هنا قالوا لا ارتباط بين أن يقرأ آيات أو يمكث في المسجد وهو جنب وبين الخطبة.
فالخطبة أمر آخر.
= والقول الثاني: أنه تشترط الطهارة الصغرى والكبرى قياسياً على تكبيرة الإحرام لأنه يشترط لصحتها الطهارة الصغرى والكبرى.
هكذا قال الأحناف.
= والقول الثالث: أنه يشترط لصحة خطبة الجمعة الطهارة الكبرى دون الصغرى.
قال ابن قدامة رحمه الله: وهذا أشبه بأصول الإمام أحمد.
ويستثنى على هذا القول من توضأ لأن من توضأ جاز مكوثه في المسجد جاز مكوثه في المسجد.
والراجح مذهب الحنابلة لأنه لا تعلق بين الخطبة وبين أن يكون على طهارة ومكثه في المسجد وقراءة الآية هو آثم إذا صنع ذلك لكن الخطبة والصلاة بعد ذلك صحيحة.
على أنه تقدم معنا أن الجنب على القول الراجح أنه يجوز له أن يقرأ القرآن فسقط هذا الإشكال وبقي فقط مسألة المكث في المسجد فلو توضأ لسقد هذا الإشكال أيضاً.
• ثم قال رحمه الله: ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة.
لا يشترط في خطبة الجمعة أن لا يخطب إلا من سيصلي بل لو خطب شخص وصلى آخر صحت الصلاة والخطبة.
الدليل على ذلك:

  • أن الخطبة والصلاة منفصلين.
    كما لو صلى صلاتين.
    = والقول الثاني: أنه يشترط لصحة الخطبة أن لا يتولاها إلا من يتولى الصلاة.
  • لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولى الخطبة والصلاة.
  • والخلفاء كذلك.
    والراجح مذهب الحنابلة.
    لأنه لا يظهر وجه واضح لا شتراط ذلك.
    إذا الانفصال بينهما تام.
    فإذا خطب رجل ثم صلى آخر لكون الأول يحسن الخطبة والثاني يحسن الصلاة لكان هذا جائز.
    وغاية ما نقول أنه خلاف السنة - ولا ينبغي أن يفعل إذا لم يحتج الإنسان إلى ذلك - لأن ظاهر السنة أن رجلاً واحداً يتولى الخطبة والصلاة.

ثم انتقل رحمه الله إلى الموضوع الثالث من مواضيع هذا الدرس وهو سنن الخطبة: • فقال رحمه الله: ومن سننها: أن يخطب على منبر يسن للخطيب ولا يجب أن يخطب من على منبر.
والدليل على هذه السنة من ثلاثة أوجه:

  • الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ منبراً من ثلاث درج.
    فكان يخطب على الدرجة الثالثة ثم لما توفي صلى الله عليه وسلم وقف على الثانية أبوبكر رضي الله عنه ثم لما توفي وقف عمر رضي الله عنه على الثالثة ثم لما توفي وقف عثمان رضي الله عنه موقف أبي بكر ثم لما توفي وقف علي رضي الله عنه موقف النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الوجه الثاني: الإجماع فإن العلماء أجمعوا على أن اتخاذ المنبر سنة.
  • الوجه الثالث: أن صعود الإمام على المنبر أبلغ في تحقيق المقصود من الخطبة.
    فلا شك ولا مرية في أن اتخاذ المنبر سنة.
    وينبغي في المنبر أن يكون نحواً من منبره صلى الله عليه وسلم يعني ثلاث درجات أو أكثر بقليل ولا ينبغي أن يكون أعلى من ذلك تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
    وكون منبر النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث درج:
  • إما أن يكون بأمره صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر يقف على الأرض بجوار جذع ويخطب ثم قالت له امرأة ألا أصنع لك منبراً فأذن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وصنع المنبر المنبر من ثلاث درج.
    فإما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وجه بأن يكون ثلاث درج هذا احتمال فإن الحديث لم يبين بأن يكون من ثلاث درج.
  • أو نقول أنها هي التي وضعت ثلاث درج ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك وخطب عليه.
    فهو يعتبر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إما القولية أو الإقرارية.
    إذاً لا إشكال في سنية اتخاذ المنبر.
    • ثم قال رحمه الله: أو موضع عال.
    يعني: إذا لم يتيسر المنبر الثابت المصنوع لهذا الأمر فإنه يتوخى أن يقف على موضع عال لكي يتمكن من إسماع الناس وليحصل المقصود من الخطبة.
    • ثم قال رحمه الله: ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم.
    يشرع للإمام إذا صعد المنبر وأقبل على الناس أن يسلم عليهم وهذا الحكم بلا نزاع عند الحنابلة فليس فيه لا أوجه ولا روايات وإنما كلهم رأوا أن هذا سنة.
    والدليل على أن هذا سنة:
  • أحاديث كثيرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم على الناس.
    وهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا يثبت منها حديث.
    = القول الثاني: أن السلام على الناس إذا قابلهم ليس بمشروع.
  • لأنه لم ينقل في حديث صحيح.
  • واكتفاء بسلام الإمام حين الدخول.
    لأن الإمام أولاً يدخل المسجد ويسلم على الناس ثم يصعد على المنبر فقالوا: السلام الأول يكفي.
    ولا يظهر لي في المسألة شيء فهنالك إشكال فيها.
    (والنصوص العامة قد يرجح بها لكن الإشكال أنه لم ينقل مع أن ابن عمر نقل لنا كيف كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم بدقة .... فهذا الوصف الدقيق مع عدم ذكر السلام محل إشكال.
    والأمر يسير ... ولكن ما يظهر لي في المسألة شيء ... وإذا افترضنا أن الإمام أول ما يلاقي الناس من على المنبر مباشرة فلا إشكال في السلام ... فهذه تضاف .. فإذا كانت مقابلة الناس مباشرة من على المنبر فلا إشكال في السلام .. لكن الإشكال إذا دخل وسلم ورد الناس عليه ثم ... • ثم قال رحمه الله: ثم يجلس إلى فراغ الأذان.

هذه سنة: أن الإمام إذا صعد المنبر يجلس قبل أن يبدأ بالخطبة.
فهذه سنة وليست بواجبة.

والدليل على ذلك:

  • أولاً: مارواه السائب في صحيح البخاري أنه قال: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس الخطيب على المنبر.
    ففي هذا دليل على أنه كان يجلس بين يدي الأذان.

  • ثانياً: أن هذا الأمر تناقلته الأمة سلفاً عن خلف وهو أن الإمام يدخل ويجلس.
    ولا نقول أنه محل إجماع ولكن نقول أن العمل هذا تناقلته الأمة سلفاً عن خلف.

• ثم قال رحمه الله: ويجلس بين الخطبتين.

يستحب للخطيب أن يجلس بين الخطبتين.
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ثم جلس ثم يقوم فيخطب.
هذا دليل الاستحباب.
دليل عدم الوجوب: أن عدداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ومنهم المغيرة بن شعبة ومنهم أبي بن كعب كانوا يسردون الخطبة بلا جلوس .... فإذا أراد الخطيب أن يسرد الخطبة بلا جلوس فينبغي أن يسكت سكتة لطيفة بين الخطبتين.
= القول الثاني: وهو للشافعية: أن الجلوس واجب.

  • لفعله صلى الله عليه وسلم وفعله صلى الله عليه وسلم خرج بياناً للواجب.
    والراجح والله أعلم.
    مذهب الحنابلة للآثار المروية في الباب وأن كون الخطيب من الصحابة يفعل هذا الفعل ويقره عليه الناس بلا إنكار فهذا بحد ذاته دليل قوي على أن الجلوس سنة.
    • ثم قال رحمه الله: ويخطب قائماً.
    يعني: يسن أن يخطب قائماً.
    فإن خطب جالساً صحت الخطبة.
    أما دليل السنية: - فحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً.
    وأما دليل عدم الوجوب: - أن عثمان رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه وعمر بن العزيز رحمه الله خطبوا وهم جلوس.
    = القول الثاني: وجوب الخطبة قائماً.
    فإن لم يخطب على هذه الصفة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بطلت الخطبة ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أبداً أنه خطب جالساً مع الصحة والقدرة.
    والراجح.
    أيضاً الأول.
    لعموم الآثار.
    لأنها فعلت على ملأٍ من الناس وحضور في خطبة الجمعة ... • ثم قال رحمه الله: ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا.
    يسن للإنسان أن يعتمد على أحد ثلاثة أشياء: 1 - عصا.
    2 - أو قوس.
    3 - أو سيف.
    فهذا سنة: إن فعل أثيب وإن ترك صحت الخطبة.
    الدليل على هذا:
  • حديث الحكم بن حزم رضي الله عنه وهو من الصحابة المقلين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وهو متكئ على عصا أو قوس.
    هذا الحديث ضعفه ابن عساكر فقال: غريب وإسناده ليس بالقوي ... حسب ما ظهر لي.
    بالإضافة إلى هذا له شواهد فيها ضعف ولكن يمكن أن تقوية.
    = القول الثاني: فيه تفصيل:
  • لا يشرع مطلقاً ... أو القوس يشرع إذا احتاج إليه الإنسان بأن يخطب على الأرض ولا يشرع إذا لم يحتج إليه الإنسان بأن يخطب على المنبر.
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ القوس والعصا في أول الأمر ثم لما اتخذ المنبر لم ينقل عنه أنه اتخذ عصا ولا قوس.
    كان يتخذ العصا في خطبة الجمعة والقوس في الخطبة حال الحرب.
    وهذا القول الأخير كله هو الذي يفهم من كلام ابن القيم رحمه الله.
    وأخذنا الأدلة على مسألة القوس والعصا أما الأدلة على مشروعية السيف فهو أنه لم يأت في النصوص أبداً أنه صلى الله عليه وسلم اتكأ على السيف.

وفي حديث ابن الحكم السابق اتكأ على القوس أو العصا ولم يذكر السيف.
وهذا القول الأخير هو الراجح إذا صح ما قاله ابن القيم رحمه الله وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اتخذ المنبر لم ينقل عنه أنه اتخذ عصا أو قوس.
وأظن أن ابن القيم يقصد بهذه العبارة أنه لم ينقل أنه اتخذ وإلا لا يوجد حديث - حسب ما اطلعت عليه - فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ العصا أول الأمر فلما اتخذ المنبر لم يتخذ عصا.
هذا التفصيل الذي يذكره ابن القيم لا يوجد في الأحاديث حسب ما أعلم لكن لعله فهم ذلك من أمرين:

  • الأول: أن الحكم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر وهذا في مسند الإمام أحمد أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر أيام الفقر قبل الفتوحات.
  • الثاني: أنه لم ينقل في الأحاديث الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ عصا بعد أن اتخذ المنبر.
    لكن لو قال قائل: أن الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم - إذا صححنا حديث الحكم - كات يتخذ العصا حين كان يخطب بجوار الجذع فما المانع أنه استصحب هذا الأمر ولم نحتج إلى نقله مرة أخرى في المنبر؟ فلو قال قائل بهذا لكان له وجه.
    فأقول أن الراجح هو كلام ابن القيم إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ عصا حين اتخذ المنبر.
    إذا ثبت هذا المقدار صح كلام ابن القيم.
    أما إذا لم يثبت فالأصل أنه سنة لكن إذا ثبت - كما يقول هو - أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ عصا لما اتخذ المنبر فكلامه رحمه الله صحيح.
    • ثم قال رحمه الله: ويقصد تلقاء وجهه.
    أي أنه يستحب للإمام إذا صعد المنبر وبدأ الخطبة أن يقصد تلقاء وجهه ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً لأنه هكذا كان يخطب النبي صلى الله عليه وسلم ..... (الآذان).
    انتهى الدرس،،،

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

• قال المؤلف رحمه الله: ويقصد تلقاء وجهه.

يعني أنه يسن للخطيب إذا بدأ الخطبة أن يستقبل الناس بوجهه وأن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً.
والدليل على هذا من وجهين:

  • الوجه الأول: أن هذا ظاهر السنة: فإنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت يميناً وشمالاً.
  • والوجه الثاني: أن هذا أبلغ في الإيصال وفي استواء الناس في استماع الخطبة لا سيما في القديم فإنه إذا كان يخطب بلا مكبر إذا التفت يميناً لم يسمعه أهل الشمال وكذلك العكس.

وعرف من التعليلين أنه لا يوجد في المسألة نص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمسلمين إلا أحاديث ضعيفة في هذا الباب.
لكن مع ذلك لم أر خلافاً في استحباب الدعاء فلا أقول أن هذه المسألة محل إجماع لكني أقول لم أر بعد البحث أحداً من أهل العلم عارض في مسألة استحباب الدعاء للمسلمين في خطبة الجمعة.
= مسألة: وهل يدعو للإمام؟ اختلفوا في الدعاء للإمام على قولين: = القول الأول: أنه لا يدعي للإمام.

  • لأن الدعاء للإمام بدعة محدثة ليس لها أصل.

فصل [في صفة صلاة الجمعة، وحكم تعددها، وما يسن في يومها] • ثم قال رحمه الله: فصل يريد المؤلف رحمه الله أن يبين في هذا الفصل ما يتعلق بصفة صلاة الجمعة وعدد الركعات والسنن الخاصة بيوم وصلاة الجمعة والمسألة المهمة وهي: حكم تعدد صلاة الجمعة.

بدأ بأهم هذه الأمور وهي: صفة صلاة الجمعة: • فقال رحمه الله: والجمعة ركعتان.
اتفق العلماء بلا نزاع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن صلاة الجمعة ركعتان.
وهذا الإجماع يعضده النصوص المتكاثرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ركعتين ونقل هذا نقلاً متوتراً فلا إشكال في أن الجمعة ركعتان.

• ثم قال رحمه الله: يسن أن يقرأ جهراً.
أفاد المؤلف رحمه الله: أن القراءة في صلاة الجمعة تكون جهرية.
فيجهر الإمام بالقراءة ولو كانت صلاة نهارية.
وذلك:

  • أولاً: لأن هذه الصلاة عيد.
    وثانياً: لأنها صلاة يجتمع لها الناس.
    وإذا اجتمع الناس لصلاة شرع الجهر فيها.
    هذا فضلاً عن أن السنة المتواترة أن الإمام يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة.

ثم بين الموؤلف السنة في السور التي تقرأ في صلاة الجمعة: • فقال رحمه الله: في الأُولى: ((بِالْجُمْعَةِ))، وفي الثانية: ((بِالْمُنَافِقِيْنَ)).
ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالجمعة وبالمنافين.
وهذه سنة ثابتة.
والقراءة في صلاة الجمعة جاءت على ثلاثة أوجه:

  • الوجه الأول: أن يقرأ بالحمعة وبالمنافقين.
    الوجه الثاني: أن يقرأ بالجمعة والغاشية.
    وهذا أيضاً ثابت في صحيح مسلم من حديث النعمان رضي الله عنه وقل من يأتي بهذه السنة كأنها من السنن المتروكة.
  • الوجه الثالث: وهي السنة المشهور الأخرى: أن يقرأ بسبح والغاشية وهذا أيضاً ثابت في صحيح مسلم.
    فصارت القراءة على ثلاثة أوجه.
    يناوب الإنسان بينها تارة يقرأ الجمعة والمنافقية وتارة الجمعة والغاشية وتارة سبح والغاشية.
    لأن هذا ثابت في السنة الصحيحة وذكره مسلم في صحيحه.
    • ثم قال رحمه الله: وتحرم إقامتها: في أكثر من موضع من البلد.
    تحرم إقامة الجمعة في أكثر من موضع من البلد.
    =وهذا مذهب الجمهور.
    بل حكي إجماعاً إلا عن عطاء فقط فلم يخالف إلا هو وروي أن الإمام أحمد أيضاً يرى جواز تعدد الجمعة مطلقاً.
    لكن القاضي من أصحاب الإمام أحمد حمل هذه الرواية على الجواز عند الحاجة ورأى أنه لا يصح عن الإمام أحمد القول بالجواز مطلقاً.
    وما ذكره القاضي صحيح إذ أستبعد أن يكون الإمام أحمد يرى جواز تعدد الجمعة بلا حاجة مطلقاً.
    إذاً: ذهب الجماهير بل حكي إجماعاً أنه لا يجوز أن تتعدد الجمعة بلا حاجة وإنما نقل الخلاف عن اثنين: عطاء.
    والإمام أحمد وذكرت أنه لا يثبت هذا عن الإمام أحمد إذ هو موؤل ومحمول على الحاجة.
    والدليل على هذا الحكم:
  • أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الجمعة في مسجده فقط ولم تتعدد في عهده ولا في عهد الخلفاء إقامة الجمعة.
    ولو كانت الجمعة يجوز أن تتعدد لأقيمت في عهده لألا تتعطل المساجد.
    أريد أن أنبه هنا: إلى أن ابن حزم وتابعه الشوكاني يرون الجواز فمن من الممكن أن يضافا إلى عطاء والإمام أحمد في الرواية عنه.
    لكن نحن نقول أن هذا إجماع محفوظ قبل ابن حزم فضلاً عن الشوكاني.

فالإشكال الآن في الحقيقة هو في ابن حزم وعطاء والإمام أحمد وعرفنا أن ابن حزم متأخر وعرفنا ما يتعلق بالإمام أحمد فصار المخالف حقيقة هو عطاء.
• ثم قال رحمه الله: إلاَّ لحاجة.
يعني: أنه يجوز أن تتعدد الجمعة عند وجود الحاجة وذكر الفقهاء ثلاثة أمثلة للحاجة:

  • الأول: وهو أشهر وأغلب الأعذار: الضيق.
  • الثاني: خشيت وقوع الفتنة من الإجتماع.
  • الثالث: البعد.
    فإذا كان المسجد ضيقاً جاز أن نقم الجمعة في جامع آخر.
    وإذا صار في اجتماع فئتين من الناس في هذا الميسجد وقوع فتنة كأن يكون بينهم خلافات أو شقاقات أو أحقاد قديمة وإذا اجتمعوا في هذا المسجد صار ذلك سبباً لنشوب الفتنة جاز لمجرد ذلك أن نقيم الجمعة في مكان آخر.
    والتعليل لجواز إقامة الجمعة: أن الشارع الحكيم إنما شرع الجمعة لما فيها من التأليف والاجتماع واقتراب القلوب فإذا حصل ضد ذلك من الجمعة صار هذا سبباً في حواز إقامة الجمعة في جامع آخر.
    أما الضيق والبعد فلرفع الحرج.
    ولاشك أنهم رحمهم الله أرادوا التمثيل لا الحصر فلو وجد سبب آخر يقتضي جواز إقامة الجمعة في أكثر من جامع لجاز إقامة الجمعة في أكثر من جامع.
    إذاً يقول المؤلف رحمه الله: وتحرم إقامتها: في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة.
    وقوله: إلا لحاجة يقتضي أنه إذا ضاق المسجد فإنه يجوز أن نقيم الجمعة الثانية ويحرم أن نقيم الجمعة الثالثة.
    وإذا لم يتسع المسجد الأول والثاني جاز أن نقيم الجمعة الثالثة دون الجمعة الرابعة وهكذا .. لأنه يقول لحاجة والحاجة تقدر بقدرها.
    الدليل على ذلك:
  • استدل الفقهاء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة بدليلين:
  • الأول: النصوص العامة الدالة على رفع الحرج.
  • الثاني: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما كان بالكوفة أقام صلاة العيد خارج البلد وأقام من يصلي للضعفة والنساء داخل البلد.
    ونحن نعلم أن صلاة العيد والجمعة كلاهما من صلاة الأعياد وتتشابه في كثير من الأحكام لذلك قاس الفقهاء ما ثبت عن علي رضي الله عنه في صلاة العيد في الجمعة.
    إذاً: وتحرم إقامتها: في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة.
  • ذكرنا الدليل الأول:
  • والدليل الثاني: أن الحاجة دعت إلى تعدد الجمع في الأمصار ووقع هذا واشتهر وتواتر ولم ينكر فكان كالإجماع من حين أقيمت الجمعة مرة أخرى انتشر هذا في البلدان الإسلامية وصار عليه عمل الناس واشتهر ولم ينكر فهو كالإجماع بين الناس لذلك لاتجد أحداً ينكر إقامة الجمعة الأخرى مع وجود الحاجة.
    = والقول الثاني: وإن كان قول فيه ضعف - أنه لا يجوز تعدد الجمعة مطلقاً ولو مع الحاجة وإنما يحاول الناس التوسع لبعضهم البعض.
    واستدلوا على ذلك:
  • بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم مع طول صلاتهم الجمعة لم يصلوها إلا في مسجد واحد.
    والجواب على هذا الدليل من وجهين:
  • أولاً: أن الحاجة لم تكن موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
    ثانياً: أن في الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ميزة لا توجد بعد عهده وهو أنه المبلغ صلى الله عليه وسلم المباشر عن الرب سبحانه وتعالى فتلقي الأحكام منه مباشرة مزية لا توجد في ما بعهده من الأئمة والخطباء.
    والراجح مذهب الجمهور وهو جواز الإقامة عند وجود الحاجة.
    ثم لما قرر المؤلف تحريم تعدد الجمعة ذكر ما يترتب على هذا الحكم: • فقال رحمه الله: فإن فعلوا فالصحيحة: ما باشرها الإمام أو أذن فيها.
    أي: إذا أقيمت الجمعة في أكثر من جامع بلا حاجة فالجمعة الصحيحة هي التي باشرها الإمام أي: الجمعة الصحيحة في المسجد الذي صلى فيه الإمام سواء صارت هذه الصلاة - التي مع الإمام - متقدمة أو متأخرة فهي الصحيحة والأخرى باطلة.
    واستدلوا على هذا بدليلين:
  • الأول: أن في تصحيح الأخرى افتيات على الإمام.
  • الثاني: أنه لو قيل بتصحيح الأخرى لأمكن لكل أربعين رجلاً أن يفسدوا صلاة الإمام مع من معه من المسلمين بأن يقيموا هم الجمعة أولاً فتبطل صلاة الإمام ومن معه.
    وهذا مذهب الجماهير وهو أن الصلاة الصحيحة هي التي مع الإمام وهو الصواب.
    • ثم قال رحمه الله: فإن استويا في إذن أو عدمه: فالثانية باطلة.
    يعني: إذا أقيمت صلاة الجمعة في أكثر من جامع بلا حاجة واستويا الجمعتان في إذن الإمام يعني أنه أذن لكل منهما فالصلاة الصحيحة هي الأولى والصلاة الباطلة هي الثانية.

وتعرف الأولى: بتقدم تكبيرة الإحرام فأي الإمامين كبر أولاً فالثانية باطلة.
وقيل تعرف الأولى: بالشروع في الخطبة فأيهما شرع أولاً فالثانية باطلة.
= القول الثاني: أن الصلاة الصحيحة هي الصلاة في الجامع الكبير في وسط البلد والجوامع في أطراف البلد صلاتهم باطلة سواء تقدمت أو تأخرت صلاة الجامع الكبير.
وهذا قول في مذهب الحنابلة.
وهذا القول هو الأقرب.
فإذا أقيمت صلاة الجمعة في الجامع الكبير ودعت الحاجة إلى إقامة جمعة أخرى فأقيمت جمعة ثالثة فالكلام في الجمعة الثالثة كالكلام في الجمعة الثانية.
فإذا افترضنا أن صلاة الجامع الكبير دائماً صحيحة فأي الجمعتين أصح: = عند الحنابلة يرجع في ذلك إلى الوقت.
إلى الأولى.
والأولى باعتبار تكبيرة الإحرام أو باعتبار الشروع.
وهذا هو الصواب بالنسبة للجمعة الثانية والثالثة.
لأنه بالنسبة للجمعة الثانية والثالثة لا يوجد عندنا جامع كبير أو جامع هو الأصل بحيث أن جوامع أطراف البلد نقول هي التي تبطل والجامع الكبير تصح.
فنرجع في الصورة الثانية إلى مذهب الحنابلة ونقول من أقام الجمعة أولاً صحت ومن أقام الجمعة ثانياً لم تصح.
وذكر شيخنا رحمه الله في الممتع قولاً آخر وهو: أن الصلاة الصحيحة هي الأولى: أي هي صلاة الجمعة الذي وجد أولاً والصلاة الباطلة هي صلاة الجامع الذي وجد ثانياً بغض النظر عن أيهما يكبر أولاً فإذا بني مسجد في سنة 1427 وبني مسجد في سنة 1428 وإمام المسجد الذي بني في سنة 1428 كبر أولاً.
فأي الجمعتين صحيحة؟ وأيهما الباطلة؟ صلاة الجامع الذي بني أولاً أصح ولو كبر ثانياً.
وهذا القول قول قوي جداً إلا أني لم أقف على قائل بهذا القول من أهل العلم أو نص على هذا القول فإن كان أحد من أهل العلم نص عليه فهو قول وجيه وقوي وإن لم يكن أحد نص عليه فالتفصيل السابق هو الصواب.
• قال رحمه الله: وإن وقعتا معاً أو جهلت الأُولى: بطلتا.

بلا نزاع عند الحنابلة.

  • لأنهم أقاموا جمعة متعددة بلا حاجة في وقت واحد فبطلت الجمعتان.
    فإذا بطلت نقول:
  • إن أمكن أن تعاد جمعة بأن يجتمعوا في مسجد واحد ويقيموها جمعة وجب أن يفعلوا وإلا صلوها ظهراً.

المسألة الثانية: أو جهلت الأولى: لحنابلة يبطلون الثانية.
لكن إذا جهلنا أيهما الأولى وأيهما الثانية فعند الحنابلة تبطل الأولى والثانية.
التعليل: قالوا: لأنا نعلم أن إحدى الجمعتين باطلة ولا يمكن أن نبطل إحدى الجمعتين تحكماً بلا دليل فبطلتا لأنه لا مزية لأحدهما على الأخرى.
وفي هذه االصورة يجب أن يصلوها ظهراً فقط ولو أمكن أن يصلوها جمعة.
التعليل: أن إحدى الصلاتين صحيحة وبها سقطت الجمعة فلا يمكن أن تصلى مرة أخرى لأنه لا يجوز أن تتعدد الجمعة فوجب أن يصلوها ظهراً.
فتكون بالنسبة للجماعة التي هي في واقع الأمر الأولى ستكون سنة وتكون بالنسبة للجماعة التي صلوها ثانياً ظهراً حقيقة.
طبعاً هذه مسائل يحسن بطالب العلم أن يلم بها وإن كان الوقوع لها بعدما كثرت المساجد وانتشر الإسلام نادر أو متعذر.
فإذا وقعت صار عند طالب العلم معرفة بها.
إذا أقيمت جمعتان بلا لاحاجة ف ثم لما أنهى الكلام عن ما يتعلق بذات صلاة الجمعة انتقل إلى الكلام عن السنن المتعلقة بالجمعة.
• فقال رحمه الله: وأقل السنة بعد الجمعة: ركعتان وأكثرها ست.
جاءت السنة متنوعة في مسألة صلاة السنة البعدية للجمعة.

  • فثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته.
  • وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان سيصلي بعد الجمعة فليصل أربعاً).
    وهذا أيضاً صحيح وفي مسلم.
  • السنة الثالثة: في سنن أبي داود أن ابن عمر رضي الله عنه صلى بعد الجمعة أربعاً ثم صلى ركعتين.
    ثم ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
    والظاهر أن شاء الله أن أسناده صحيح وليس له علة.
    فاختلف الفقهاء في التوفيق بين هذه النصوص على عدة أقوال: = القول الأول: أن المسلم مخير إن شاء يصلي أحياناً أربعاً أو ركعتين أو ست وهذا مذهب الإمام أحمد.
    = والقول الثاني: - من الفقهاء من جمع بشكل آخر فقال: يصلي ست ركعات فنجمع بين حديث الأربع والركتعتين بأن يصلي ست ركعات.
    = القول الثالث: أنه إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في البيت صلى ركعتين وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام رحمه الله.

والصواب أن نقول: أنه إن صلى في المسجد صلى أحياناً أربعاً وأحياناً ستاً وإن صلى في البيت صلى ركعتين.
وإذا أراد أن يصلي ستاً فإنه يصلي ركعتين ثم أربع.
لما في حديث ابن عمر أنه صلى ركعتين ثم أربعاً هكذا لفظه.
وقيل: بل يصلي أربعاً ثم ركعتين لأنه إذا صلى ركعتين ثم أربع صارت تشبه الظهر لأنه سيصلي ركعتي الجمعة ثم ركعتين أشبهت ماذا الظهر.
والصواب في القول الأول لأن حديث ابن عمر وهو عمدة القائلين بسنية الست فيه أنه صلى ركعتين ثم أربع.
والصلاة ست جاء عن عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو من الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة.
إذاً قوله ركعتان وأكثرها ست.
عرفنا دليل أنه يصلي ركعتين ودليل أنه يصلي ست ثم عرفنا كيف نوفق بين الأحاديث التي جاءت في هذ الباب.
ولم يتعرض المؤلف للسنة القبلية والصواب أنه ليس للجمعة سنة قبلية محددة ولكن يندب الإنسان أنه إذا جاء إلى المسجد أن يصلي لما في الأحاديث الصحيحة التي فيها الندب أن يصلي الإنسان إلى طلوع الإمام وسيأتينا الآن بعض هذه الأحاديث.
• ثم قال رحمه الله: ويسن: أن يغتسل.
يسن أن يغتسل لصلاة الجمعة.
ونريد أن نذكر قبل الخلاف في هذه المسألة تحرير محل النزاع: أولاً: اتفق الفقهاء كلهم أن غسل الجمعة سنة فهذا القدر لم يختلفوا فيه.
ثانياً: اتفق الفقهاء كلهم على أن من ترك غسل الجمعة فصلاته صحيحة فهذا القدر لا خلاف فيه.
ثم اختلفوا في حكم غسل الجمعة: = فمذهب الحنابلة والجماهير بل حكي إجماعاً - حكاه ابن عبد البر وسيأتينا التعليق على مسألة الإجماع - أنه سنة متأكدة جداً فإن تركها لم يأثم.
واستدلوا على أنه سنة:

  • بما استدل به أصحاب القول الثاني وسيأتينا.
    واستدلوا على أنها ليست بواجبة:
  • بحديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل).
    هذا الحديث فيه كلام كثير وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف طويل والأقرب أنه سمع حديث العقيقة فقط وبضعة أحاديث غير محددة ولم يسمع جميع الأحاديث.
    والصواب - إن شاء الله - أن هذا الحديث صحيح.
    وممن صححه الحافظ الكبير أبو حاتم في العلل نص على أنه صحيح.

فتكون المسألة بناء على هذا محل إجماع.
وإلى هذا يميل ابن رجب أنها محل إجماع وأن من نقل عنه من أهل العلم الوجوب فليس مقصوده الوجوب الذي إذا تركه الإنسان أثم.
فإذا ثبت هذا التحقيق الذي أبدع به الحافظ ابن رجب والحافظ بن عبد البر صار عدم الوجوب أمر واضح جداً وقوي وسديد.
= مسألة: هل الغسل واجب ليوم الجمعة أو لصلاة الجمعة؟ فيه خلاف ونختصر على الراجح: الراجح: أنه للصلاة لا لليوم.
بناء على هذا لا يجب على الصبي مثلاً ولا على المرأة ولا على كل من لا تجب عليهم صلاة الجمعة أن يغتسلوا.
بدليل: 1 - قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من جاء الجمعة فليغتسل).
2 - وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (من اغتسل غسل الجنابة ثم أتى الجمعة .. ). ففي الحديثين تعليق الاغتسال بالذهاب لصلاة الجمعة فدل على أنه يتعلق بالصلاة لا باليوم ... انتهى الدرس،،،

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

بعد أن انتهينا من الكلام على سنة الاغتسال للجمعة بدأ المؤلف رحمه الله بعد ذلك ببيان السنن الأخرى: • فقال رحمه الله: ويتنظف ويتطيب.
يعني أنه يسن لمن أراد أن يذهب إلى صلاة الجمعة ويتأكد في حقه أن يتنظف وأن يتطيب.
والأدلة على هذه السنية متكاثرة جداً.

  • منها ما تقدم معنا: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستاك وأن يتطيب) وهذا نص في السنية.
  • ومنها: ما تقدم معنا أيضاً أن أهل العلم أجمعوا على سنية التطيب والتنظف.
  • ومنها: ما أخرجه البخاري من حديث سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يغتسل يوم الجمعة ويتطيب ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن ثم يأتي إلى الجمعة ولا يفرق بين اثنين وينصت إلى الإمام إلا غفر له ما بين الجمعتين).
    ففي هذا الحديث التأكيد الشديد حيث: ذكر الاغتسال ثم قال: ويتطهر ما أمكنه من الطهور ثم قال يدهن ويتطيب.
    وكل هذا تأكيد لمسألة التنظف والتطيب.

وهذا القدر مما أجمع عليه.
وهو من شعائر الجمعة: أي التنظف.
والتطيب وأن يأتي الإنسان إليها مستكملاً أكثر ما يستطيع من الجمال والطهارة والنظافة.
• ثم قال رحمه الله: ويلبس أحسن ثيابه.
أي: ويندب ويستحب للإنسان أن يلبس يوم الجمعة أحسن ما يجد من ثيابه.
والدليل على هذا من وجهين:

  • الأول: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لو اشتريت حلة للأعياد وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
    والجمعة من جملة الأعياد.
  • الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم يروى عنه أنه قال لو أن أحدكم اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته.
    وهذا الحديث وإن كان معناه صحيح إلا أنه معلول.
    ولكن يكفي لإثبات هذه السنة الحديث الأول مع أني لم أقف على خلاف بين أهل العلم في أنه يستحب للإنسان أن يلبس أطيب ما يجد من الثياب في الجمعة.
    إذاً مسألة لبس الثياب هذا أمر لا إشكال في ثبوته لا من حيث النصوص ولا من حيث المعنى ولا من حيث كلام أهل العلم.
    والسنة أن يوفق الإنسان في لبسه لبس مجتمعه ما لم يكن اللبس محرماً.
    فيتجمل بما يتجمل به أهل البلد ما لم يكن محرماً.
    بناء على هذا لا يتعين ثوب معين لا أن يلبس رداء وإزار ولا أن يلبس ثوي ولا غير ذلك ولا أن يغطي رأسه ولا أن يبقي رأسه مكشوفاً.
    فكل ذلك لا يتعين وإنما يتجمل بما يتجمل به أهل البلد ما لم يكن محرماً.
    • ثم قال رحمه الله: ويبكر إليها.
    يعني: أنه من المستحب والمسنون أن يبكر الإنسان إلى صلاة الجمعة.
    والدليل على هذا من أوجه كثيرة:
  • منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ثم تحضر الملائكة لسماع الذكر).
    فهذا الحديث فيه حث واضح وصريح أن يحضر الإنسان إلى الجمعة مبكراً.
    وقوله: (من اغتسل غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه ..... الخ.
    يحتمل أن معنى قوله: (من اغتسل غسل الجنابة: يعني أنه يغتسل كغسل الجنابة.

ويؤخذ من هذا قاعدة: أن جميع الاغسال المستحبة والواجبة في الشرع صفتها صفة غسل الجنابة.
ويحتمل أن يكون معناه: أنه يتقصد الجماع يوم الجماع ليغتسل غسل جنابة ثم يذهب إلى المسجد.
وهذا المعنى ليس ببعيد.
بل قال الإمام أحمد رحمه الله: وينبغي للرجل أن يطأ زوجته أو أمته صبح الجمعة.
فهو فهم من الحديث هذا أي أنه يغتسل غسل الجنابة الحقيقي.
على كل حال الحديث يحتمل ذلك.
المقصود الآن أن التبكير الذي دل عليه هذا الحديث سنة متفق عليها ويحصل فيها من المنافع أشياء كثيرة.
ولكن اختلفوا في: متى يبدأ التبكير؟

  • فمن العلماء من قال: يبدأ وقت التبكير من طلوع الفجر.
    وعلى هذا كأنه يندب الإنسان أن يصلي الفجر في المسجد الذي سيصلي فيه الجمعة لأنه من المعلوم أنه لن يذهب إلى مسجد الجمعة ويترك صلاة الفجر.
  • ومن الفقهاء من قال: بل يبدأ وقت الفضيلة من طلوع الشمس لأنه قبل هذا الوقت مشغول بصلاة الفجر وبالأذكار وبتطبيق السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي: البقاء في مصلاه إلى طلوع الشمس.
    وكأن هذا القول - الثاني أحسن.
    لأن الإنسان في صدر النهار مشغول بهذه الوظيفة أي صلاة الفجر والأذكار والبقاء في موضعه.
    • ثم قال رحمه الله: ماشياً.
    أي أن المستحب للإنسان أن يذهب إلى صلاة الجمعة ماشياً ولا يركب.
    واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا واستمع كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها).
    هذا الحديث ظاهر إسناده الصحة.
    والحقيقة ليس له علة واضحة.
    لكن أشكل على كثير من أهل العلم أنه لم يأت في جميع السنة حديث صحيح فيه من الأجر ما في هذا الحديث.
    ولذلك بعض العلماؤ استغرب متن الحديث.
    لأنه يقول: له بكل خطوة أجر سنة قيام وصيام.
    وهذا أجر عظيم جداً لم يأت في أي نص ولم يترتب على أي عمل من الأعمال هذا الأجر ولذلك استغربه بعض الأئمة.
    لكن من حيث الإسناد صحيح.
    ثم مفردات هذا الحديث: من غسل واغتسل ودنا ومشا تشهد لها النصوص الأخرى.
    بناء على هذا: نقول يستحب للإنسان أن يمشي ولا يركب إن كان يستطيع إلى هذا الأمر سبيلاً.

فإن قال الإنسان: - إن ركبت ووصلت إلى الجامع مبكراً وشرعت في العبادات.

  • وإن ذهبت ماشياً تأخر الوقت.

فالأقرب والله أعلم أنه إذا كان يستطيع فإنه يذهب ماشياً لأن المشي في يوم الجمعة بناء على هذا الحديث مقصود لذاته فيمشي فإذا وصل بدأ بالأعمال الصالحة المختلفة من الصلاة والقراءة.

  • ومن العلماء من قال: إذا ترتب على مشيه أن يتأخر تأخراً ملحوظاً بيناً فإنه يركب.
    والذي يظهر لي: الأول.
    لكون الشارع نص على مسألة المشي بالذات في صلاة الجمعة.
    • ثم قال رحمه الله: ويدنو من الإمام.
    الدليل على الدنو: - الحديث السابق.
    لأن فيه: (ودنا واستمع .. ). ويدل عليه أيضاً عموم الأحاديث الأخرى كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ... ). وهذا عام لصلاة الجمعة ولغيرها من الصلوات.
    ومن المعلوم أنه كلما تقدم وصار في الصف الأول صار يدنو من الإمام أكثر.
    • ثم قال رحمه الله: ويقرأ سورة ((الْكَهْفِ)) في يومها.
    يندب الإنسان أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة.
    وفي الباب نحو ستة أحاديث كلها ضعيفة وأحسن ,اصح ما في الباب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين).
    وله ألفاظ سوى هذا اللفظ كثيرة.
    وهذا الحديث الذي هو أصح ما في الباب أيضاً معلول بالوقف وممن أعله بالوقف الإمام الحافظ النسائي.
    ولكن كثير من أهل العلم يرون أن هذا الحديث وإن كان له حكم الوقف فله من جهة أخرى حكم الرفع لكونه مما لا يقال بالرأي فإنه من المعلوم أنه لا أحد يعلم أنه يندب الإنسان أن يقرأ في يوم الجمعة سورة الكهف.
    ولهذا تتابعت أقوال أهل العلم ولم يشذ منهم أحد أن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة مستحبة ومندوبة وإن كان في الحقيقة في هذا الموضوع يحتاج إلى بحث أعمق لا سيما إذا نظر الإنسان في مجموع الأدلة فلا يكاد يجد دليلاً سالماً من العلة يصلح للإعتماد.
    لكن لا نريد أن ندخل في هذه المسألة.
    المهم أن أقوى ما في الباب حديث أبي سعيد رضي الله عنه وله حكم الرفع قطعاً من جهة الإسناد.
    وجماهير أهل العلم يرون استحباب قراءة سورة لكهف يوم الجمعة.

ثم قال رحمه الله: ويكثر الدعاء.
أي أنه ينبغي على المسلم بالذات يوم الجمعة أن يتحرى كثرة الدعاء بأن يكون دعائه يوم الجمعة أكثر من دعائه في غير هذا اليوم.
وعلة هذا: أن في الجمعة ساعة إجابة فإذا أكثر من الدعاء صار أقرب أن يصيب هذه الساعة.
والدليل على أن في الجمعة ساعة إجابة: الحديث الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل خيراً إلا أعطاه الله أياه).
وفي الحديث مسألة قائم يصلي - هذا في البخاري.
فإذا كان في يوم الجمعة ساعة تعتبر ساعة إجابة يجيب الله سبحانه وتعالى فيها دعاء العبد أدى ذلك إلى أن الإنسان يكثر من الدعاء لعله أن يصيب هذه الساعة.
واختلف العلماء في تحديد هذه الساعة اختلافاً كثيراً ومتشعباً ومتنوعاً وذكر الحافظ ابن حجر نحواً من أربعين قولاً في الفتح.
ونقتصر على قولين هما أصح هذه الأقوال: = القول الأول: وهو الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله أنها آخر ساعة من العصر.
لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحروها آخر ساعة من العصر).
قال الإمام أحمد رحمه الله: وأكثر الأحاديث على أنها بعد صلاة العصر.
وتقدم معنا أن الإمام أحمد رحمه الله من أهل الاستقراء التام وإذا كان يقول أن أكثر الأحاديث على أنها بعد صلاة العصر فهذا له وزنه الثقيل باعتبار أن الإمام أحمد رحمه الله حافظ بل إنه - كما تقدم معنا - قيل: أنه أحفظ الأئمة.
وعلى كل حال هو من الحفاظ الذين يستقرئون الأحاديث ويتتبعونها فلكلمته هذه وزن ثقيل جداً عند من يعرف هذه الصنعة.
= والقول الثاني: أن ساعة الإجابة من صعود الإمام إلى انتهاء الصلاة.
وهذا أيضاً ثابت في صحيح مسلم.
فينبغي على الإنسان أن يتحرا هاتين الساعتين بالدعاء والابتهال والتضرع.
• ثم قال رحمه الله: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الدليل على أن الجمعة يخص بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

  • قوله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة).

وهذا الحديث صححه بعض المتأخرين والصواب أنه ضعيف وممن ضعفه عدد من الأئمة على رأسهم الإمام البخاري والإمام أبو حاتم.

  • الدليل الثاني: العمومات التي فيها الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تشمل أيضاً يوم الجمعة.
    وبهذا علمنا أن مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة إنما يستأنس لها بالأحاديث العامة وأنه ليس في هذه المسألة حديث صحيح خاص.
    • ثم قال رحمه الله: ولا يتخطى رقاب الناس.
    ذهب الحنابلة إلى أنه يكره فقط أن يتخطى الإنسان رقاب الناس.
    ودليل الكراهة:
  • أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتخطى الرقاب يوم الجمعة فقال له: (اجلس فقد آذيت).
  • والدليل الثاني: أن في تخطيه الرقاب إيذاء للمؤمنين.
    وإيذاء المؤمنين ممنوع.
    = والقول الثاني: أن تخطي الرقاب محرم فإن تخطى الرقاب فهو آثم.
    وهذا القول اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وهو الذي تدل عليه النصوص والقواعد العامة.
    ومتى علم الإنسان أنه إن تخطى الرقاب أثم صار هذا من أسباب التقدم وحضور الصلاة مبكراً.
    • ثم قال رحمه الله: إلاّ أن يكون إماماً.
    إذا كان المتخطي هو الإمام جاز بلا كراهة بشرط أن لا يجد طريقاً آخر يصل من خلاله إلى المنبر بلا تخطي للرقاب فإن وجد طريقاً آخر حرم عليه أن يتخطى الرقاب ولو كان إماماً.
    والدليل على استثناء الإمام من وجهين:
  • الأول: أن الحاجة داعية إلى مثل هذا.
    وتتعلق به مصلحة إقامة الصلاة.
  • الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقيمت الصلاة وهو غائب وقام في الصف تخطى أو تخلص من الصفوف حتى قام في الصف الأول.
    وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم لأنه الإمام.
    • ثم قال رحمه الله: أو إلى فُرْجَة.
    يعني أن من دخل المسجد ورأى فرجة في الصفوف الأمامية جاز له أن يتخطى الرقاب إلى أن يصل إلى هذه الفُرْجَة بلا كراهة.
    والدليل: أن الذين لم يتقدموا إلى هذه الفُرْجَة من المأمومين الذين في الصوف أسقطوا حق أنفسهم بعدم تقدمهم إلى هذا المكان والشارع حث على تسوية الصوف والتراص وسد الخلل فإذا لم يقم به هؤلاء فقد أسقطوا حرمتهم.
    = والقول الثاني: أنه يجوز التقدم إلى الفرجة بشرط أن تكون في الصف الذي بين يديه فقط.

وهذا اختيار شيخ الاسلام بن تيمية.
= والقول الثالث: أنه يجوز إذا كان بينه وبين الفرجة صف أو صفين أو ثلاثة فقط.
= والقول الرابع: أنه لا يجوز مطلقاً.
وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
في الحقيقة اختيار شيخ الاسلام يتوافق مع هذه الرواية.
وجه ذلك: أن الشيخ رحمه الله يقول: لا يجوز تخطي الرقاب إلا إذا إلى الفرجة التي بين يديك والفرجة التي بين يدي ليس فيها تخطي للرقاب.
فصار قوله كقول الإمام أحمد وربما هو رحمه الله يريد هذا - يريد أن يختار هذه الرواية عن الإمام أحمد وهي المنع مطلقاً.
وهذا القول هو الصواب - المنع مطلقاً ولو وجدت فرجة.
والدليل على ذلك: أن الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم اجلس فقد آذيت إنما تقدم ليجلس في فرجة.
وهذا هل هو احتمال أو نص؟ هذا احتمال.
لأننا نجد اليوم بعض الناس يتقدم لعله يجد فرجة وليس يتقدم ليجلس في فرجة.
فربما كان الرجل كذلك لكن مع ذلك نقول: أنه ولو وجدت فرجة فإن حرمة الناس الذين تقدموا لا تسقط بقضية أنهم لم يتقدموا وأذيتهم لا تجوز مع ذلك.
• ثم قال رحمه الله: وحرم: أن يقيم غيره فيجلس مكانه.
يعني: أنه يحرم أن يقيم الرجل رجلاً آخر ويجلس مكانه فإن فعل فهو آثم وفي صحة صلاته خلاف.
والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لايقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس فيه).
• ثم قال رحمه الله: إلاّ من قدّم صاحباً له في موضع يحفظه له.
يعني: أنه يستثنى من حكم المسألة السابقة ما إذا أرسل الإنسان رجلاً يجلس في مكان ثم إذا قدم هذا الرجل قام له من مكانه ليجلس فيه.
فهذا جائز لدليلين:

  • الأول: أن الذي قام قام باختياره.
  • الثاني: أن الشيخ الفقيه الإمام الكبير محمد بن سيرين كان يصنع ذلك.
    فقد كان يرسل غلاماً يجلس حتى إذا جاء قام وجلس مكانه.
    وأما القائم فإنه يكره له أن يقوم لأن التبرع بالقرب مكروه.
    ولذلك القاعدة المشهورة تقول: الإيثار بالقرب مكروه.
    إذاً عرفنا الآن حكم الذي سيأتي وحكم الذي سيقوم.

فإن قام الرجل للرجل بلا إرسال - فلو حضر رجل كبير وقام له رجل آخر بلا اتفاق سابق فإنه ينبغي للإنسان أن لا يجلس فيه بل ينبغي أن يأمر من قام أن يرجع إلى مكانه وإلى هذا ذهب الإمام أحمد فإنه دخل الجامع مرة فقام له رجل فأبى الإمام أن يجلس في مكانه وقال له: ارجع فاجلس في مكانك.
وهذا على سبيل الندب ولو جلس لجاز.
إذاً في الحقيقة نقول: يكره للقائم ولمن أراد أن يجلس أن يفعل هذا.
لكن إن أرسل رجلاً وجلس مكانه فلا مانع على أن هذا لا ينبغي لكن لا نقول أنه لا يجوز بل يجوز لما ذكرنا من الآأثار عن محمد بن سيرين وهو من التابعين وهو بنفسه عالم وقوله معتبر وإقرار الناس له في عصر التابعين أيضاً يستدل به مع أننا لا نقول أن هذا دليل إنما نقول أن غاية ما هنالك أن تكون فتوى لتابعي لكن يستأنس بها الإنسان.
• ثم قال رحمه الله: وحرم رفع مصلى مفروش.
يعني أنه يحرم على الإنسان أن يرفع المصلي المفروش الذي وضعه شخص ليأتي بعد حين ويجلس فيه.
والدليل على التحريم: من وجهين:

  • الأول: أن في هذا افتياتاً على من وضع هذا المصلى المفروش.
  • الثاني: أنه يقع في رفعه غالباً نزاع بين الرجلين والشارع الحكيم إنما أمر بالجمعة وحث عليها كما تقدم معنا تأليفاً للقلوب واجتماع الكلمة.
    فما كان يسبب عكس هذه الحكمة صار ممنوعاً في الشرع.
    = والقول الثاني: أنه يجوز رفع هذا المصلى.
  • لأن من وضعه فهو ظالم مغتصب للبقعة.
  • ولأن الشارع الحكيم إنما أمر بالتبكير بالأبدان لا بحجز الأمكنة.
  • ثالثاً: ولأن هذا يفضي غالباً إلى تخطي الرقاب وهو مكروه عند الحنابلة ومحرم على الصواب.
    إذاً القول الثاني: جواز رفع المصلى لهذه الأدلة الثلاثة.
    = القول الثالث: وجوب رفع المصلى على ولي الأمر.
    يعني أنه يجب على ولي الأمر أن يرفع هذا المصلى.
    لأن صاحب المصلى ظالم ومغتصب وعلى ولي الأمر أن ينكر هذا المنكر.
    - وولي الأمر: المسؤول سواء كان جهة أو غير ذلك إنما المهم أن تكون مخولة من ولي الأمر.
    وهذا القول - الثالث - اختيار شيخ الاسلام.
    وهو الصواب.

فما يصنعه بعض الناس اليوم من وضع مصلى مفروش بعد صلاة الجمعة ثم لا يحضر هو إلا في منتصف النهار أو قريباً من الزوال هو آثم بهذا الصنيع ومغتصب للبقعة وفي صحة صلاته خلاف بين الفقهاء.
إذاً صار في هذه المسألة - الراجح عكس المذهب تماماً فالمذهب يقولون: وحرم رفع مصلى.
والصواب أنه يجب لكن على ولي الأمر.

• ثم قال رحمه الله: ما لم تحضر الصلاة.
يعني: أنها حضرت الصلاة فيجوز رفع هذا المصلى.
الدليل: أن الحرمة للمصلي لا لهذا المصلى فإذا لم يحضر رفع هذا المفروش.
وفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا حضرت الصلاة وصاحب المصلى لم يحضر يحرم أن نصلى فوقه بل يجب أن نرفع هذا المصلى - المفروش - ونصلي في المكان ولا يجوز أن نصلي على هذا المفروش لأن هذا المفروش مال للغير لا يجوز أن ننتفع به.
وهذا هو الصحيح: أنه إذا تأخر يجب أن نرفع المصلى المفروش ثم نصلي في مكانه.
• ثم قال رحمه الله: ومن قام من موضع لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً: فهو أحق به.
إذا اتخذ الإنسان مكاناً في صلاة الجمعة ثم قام لعارض سواء كان هذا العارض جوع أو احتاج إلى قضاء الحاجة أو ليقضي مصلحة تتعلق بأهله طارئة فإنه أحق بمجلسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام من مجلس فهو أحق به إذا رجع إليه).
لكن اشترط الحنابلة: أن يعود قريباً.
فإن تأخر جاز لغيره أن يجلس فيه.
= والقول الثاني: - أنه إن تأخر وهو ما زال في حاجته التي قام من أجلها وجب أن ينتظر.

  • وإن اشتغل بحاجة أخرى جاز للآخرين أن يجلسوا في مكانه.
    وهذا قول للحنابلة وليس رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
    وهذا القول هو الصواب لأنه ما دام قام لأداء حاجة وهو فيها فإنه ينتظر ولو تأخر لكن إن اشتغل بغيرها وصار يضيع الوقت بأمور أخرى صار الذين في المسجد أحق منه بهذه البقعة.
    • ثم قال رحمه الله: ومن دخل والإمام يخطب: لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما.
    إذا دخل المصلي والإمام يخطب فإنه يصلي ركعتين ولو فاته استماع الخطبة أثناء صلاته للركعتين.
  • لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من دخل والإمام يخطب فليصل ركعتين).
    وهذا القدر متفق عليه وفي رواية لمسلم: (وليوجز فيهما).

فاشتمل هذا الحديث على جميع الأحكام التي ذكرها المؤلف رحمه الله.

  • والدليل الثاني: أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: أصليت قال: لا.
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قم فصل).
  • والدليل الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).
    فلا شك إن شاء الله أن من دخل فالسنة في حقه أن يصلي ركعتين ولو كان الإمام يخطب.
    • ثم قال رحمه الله: ولا يجوز الكلام: والإمام يخطب.
    لا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب.
  • لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت).
    وإذا كان يحرم على الإنسان أن يأمر بالمعروف وهو قوله: أنصت.
    فمن باب أولى أن يتكلم بالكلام المباح.
  • ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تكلم والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً).
    وهذا مذهب الجماهير.
    أنه يحرم على الإنسان أن يتكلم والإمام يخطب.
  • فإن كان المأموم لا يمكن له أن يسكع كلام الخطيب إما لصمم أو لبعد أو لأي عارض.
    فإنه أيضاً يجب عليه أن لا يتكلم بكلام مرتفع يسمع.
    وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله.
    لكن مع ذلك يجوز له أن يقرأ القرآن أو أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أو أن يذكر الله.
    قال الإمام أحمد: ولا يرفع بذلك صوته.
    إذاً عرفنا أن من لايسمع الخطبة لا يجوز له أن يتكلم مع غيره ولا أن يرفع صوته بالكلام لكن يجوز له أن يذكر الله في نفسه.
    = إذا رأى الإنسان شخصاً يتكلم فإنه بنص الحديث يحرم عليه أن ينهاه عن هذا المنكر.
    فلا يجوز له أن يقول له: أنصت أو اسكت.
    فإن قال فقد لغى.
  • لكن هل يجوز أن يشير إليه إشارة بالسكوت؟ في هذا خلاف: والصواب أنه يجوز.
    والدليل على ذلك: - ما جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فتوجه للنبي صلى الله عليه وسلم وقال رافعاً صوته: متى الساعة؟ فتركه النبي صلى الله عليه وسلم.
    قال الراوي: فأومأ إليه الناس أن اسكت.

ففي هذا الحديث أن الناس أشاروا إليه بالسكوت والنبي صلى الله عليه وسلم يراهم وهو يخطب ولم ينكر عليهم هذه الإشارة فدل ذلك على أن إشارة الناس لمن يتكلم ليسكت تجوز ولا تعتبر من الإخلال بالاستماع للخطبة.
• ثم قال رحمه الله: إلاّ له أو لمن يكلمه.
يجوز أن يتكلم الإمام.
ويجوز للمأموم أن يتكلم مع الإمام فقط.
والدليل على ذلك: - ما تقدم معنا: أولاً: النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: أصليت.
فهذا دليل على جواز أن يخاطب الإمام أحد المأمومين.
وأما الدليل على أن يخطاطب أحد المأمومين الإمام فهو أن رجلاً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وقال هلكت الأموال وانقطعت السبل .... الحديث.
ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه خاطبه أثناء الخطبة.
فدلت النصوص إذاً على جواز أن يكلم المأموم الإمام أو أن يكلم الإمام من شاء من المأمومين.
ولا أعلم في جواز مخاطبة المأموم للإمام والإمام للمأموم خلاف.
• ثم قال رحمه الله: ويجوز قبل الخطبة وبعدها.
يجوز أن يتحدث الإنسان قبل الخطبة ولو بعد دخول الإمام.
ويجوز أن يتحدث بعد الخطبة ولو قبل انصراف الإمام.
والدليل على ذلك:

  • أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال لصاحبه أنصت والإمام يخطب.
    فحدد المنع في أثناء الخطبة.
  • والدليل الثاني: أن المأموم ممنوع من الكلام لينصت فإذا لم يكن الإمام يخطب لم توجد هذه العلة.
  • ثالثاً: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يدخل ويصعد المنبر ويجلس ويأخذ أصحابه - الصحابة - بالحديث والكلام مع بعضهم إلى أن يبدأ بالخطبة فينصتون.
    فهذا دليل على أن تحدث المأمومين مع بعض قبل أن يبدأ الإمام بالخطبة جائز ولا حرج فيه.
    بل لو قيل أن هذا إجماع الصحابة لكان صحيحاً لأن الذين حضروا خطبة عمر رضي الله عنه هم سادة الصحابة ومع ذلك لم ينكروا على الناس أنهم يتحدثون.
    مسألة: هل يجوز أن يتحدث الإنسان بين الخطبتين؟ الجواب: فيه خلاف.
    والصواب أنه يجوز.
    لما تقدم معنا أن الأحاديث علقت المنع بخطبة الإمام والإمام الآن لا يخطب ولا يتكلم فيجوز حينئذ أن يتكلم المأموم مع صاحبه بين الخطبتين.
    وبهذا انتهى باب صلاة الجمعة ووقفنا على باب صلاة العيدين.
    انتهى الدرس،،،

باب صلاة العيدين

. قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما أنهى المؤلف الكلام عن صلاة الجمعة بدأ بالكلام عن صلاة العيد.
لأن بين صلاة العيد والجمعة تشابه كبير جداً كما سيأتينا وقيست مسائل كثيرة من مسائل العيد على مسائل الجمعة فهو ترتيب منطقي.
وقدم الجمعة على العيد لأنها أوكد منها وأفرض ولأنها تتكرر أكثر من العيد.
فهي عيد الأسبوع وصلاة العيدين تتكرر في السنة مرة بالنسبة لكل عيد.
• قال رحمه الله: باب صلاة العيدين.
العيد أصله من: عود المسرَّة.
ولا يطلق العيد على ما ليس فيه مسرَّة.
وهو في اللغة: يطلق على ما يعود ويتكرر ويقصد مجيئه في الزمان والمكان.
وأما في الشرع: - فهو معلوم - المقصود بصلاة العيدين أي: صلاة عيد الفطر والأضحى.
• قال رحمه الله تعالى: وهي فرض كفاية.
صلاة العيد مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
كما ستأتينا النصوص في أفراد المسائل.
وأجمع أهل العلم قاطبة على أنها مشروعة محبوبة للشارع لكن الخلاف وقع في الحكم التكليفي لها.
= فذهب الحنابلة: إلى أن صلاة العيدين فرض كفاية.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة منها:

  • أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليها ولم يتركها أبداً.
  • وثانياً: أنها من شعائر الدين الظاهرة.

ومن المعلوم أن الشارع متشوف جداً لبقاء المرأة في بيتها - فهذا كالمواتر في الشرع - ومع ذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم وأكد حتى ذهب بعض العلماء إلى وجوب خروج النساء مما رأى من تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا يدل على أنه على الأقل في حق الرجال واجباً باعتبار أنه أمر النساء به مع محبة الشارع بقاء المرأة في البيت.

  • الثالث: - الأخير -: أن صلاة العيد من شعائر الإسلام الظاهرة والإجتماع لها أكبر من الإجتماع لصلاة الجمعة فلا يناسب مع ذلك أن تكون سنة.
    والراجح.
    القول الأخير لقوة ما استدل به أصحابه.
    والجواب عن دليل المالكية والشافعية: القائلين بالسنية: أن المسؤول عنه في الحديث الفرائض اليومية فقط ولذلك توجد صلوات واجبة بالإجماع لم تذكر في الحديث لأنها ليست يومية كالصلاة المنذورة.
    إذاً قال: وهي فرض كفاية.
    وعرفنا أن الراجح - إن شاء الله - أنها فرض عين.
    • ثم قال رحمه الله: إذا تركها أهل بلد: قاتلهم الإمام.
    أي: أنه يجب على الإمام إذا ترك أهل بلد صلاة العيدين أن يقاتلهم حتى يرجعوا.
    والدليل على ذلك من وجهين:
  • الأول: أن في تركها تهاوناً في الدين.
  • ثانياً: أن صلاة العيد من أعظم شعائر الإسلام فإذا تركوها قوتلوا.
    • ثم قال رحمه الله: ووقتها كصلاة الضحى.
    يعني أن وقت صلاة العيدين يبدأ مع بداية وقت صلاة الضحى.
    ومعلوم أن المؤلف لم يذكر هنا الوقت بالتفصيل وإنما أحال على وقت صلاة الضحى.
    مع العلم أن صلاة العيد أوكد بل الراجح أنها فرض أوكد من صلاة الضحى فينبغي أن ينص على الوقت بوضوح.
    المهم: أن صلاة الضحى يبدأ وقتها من خروج الشمس وارتفاعها رمح كما تقدم معنا.
    واستدل الحنابلة على أن وقت صلاة العيد يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها بأدلة ليست من النصوص.
    بدليل من النص ودليل من النظر.
  • أما الدليل من النظر: فقالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في هذا الوقت.
    لماذا؟ لأن العلماء أجمعوا أن وقت الفضيلة لصلاة العيد يبدأ من هذا الوقت ويبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في وقت الفضيلة.

إذاً هذا دليل مركب لا يعتمد على نص صريح لكنهم يركبون ذلك من إجماع العلماء على أن أفضل الأوقات يبدأ من بعد طلوع الشمس وارتفاعها ويبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في هذار الوقت المجمع على أنه أفضل الأوقات.

  • الدليل الثاني: من الأثر أيضاً - وهو: أن الصحابي الجليل عبد الله بن بسر رضي الله عنه خرج لصلاة عيد أو أضحى فتأخر الإمام فأنكر رضي الله عنه تأخر الإمام وقال: قد كنا صلينا صلاتنا في ساعتنا هذه - يعني: مع النبي صلى الله عليه وسلم - وكان وقت صلاة التسبيح.
    فدل هذا الحديث على أن بداية صلاة التسبيح - يعني النافلة - هو وقت بداية صلاة العيدين وهو: طلوع الشمس وارتفاعها.
    = وهذا مذهب الجمهور: فالجماهير من أهل العلم ذهبوا إلى هذا القول.
    = خالف الشافعي - رحمه الله - وهو: القول الثاني: فقال: بل يبدأ وقت صلاة العيدين من طلوع الشمس ولو لم ترتفع.
    والشافعي رحمه الله محجوج بجميع الأدلة الدالة على أن هذا الوقت وقت نهي ومذهبه رحمه الله في هذه المسألة ضعيف.
    فالصواب مع الجمهور أن وقت صلاة العيدين يبدأ بعد طلوع الشمس وارتفاعها وأن هذا وقت الجواز والأفضلية.
    • ثم قال رحمه الله: وآخره الزوال.
    الزوال تقدم معنا مراراً بيانه وهو: ميلان الشمس عن كبد السماء.
    فإذا دخل وقت صلاة الظهر انتهى وقت صلاة العيد.
    ومعنى كلام الفقهاء: أن أوله طلوع الشمس وارتفاعها وآخره الزوال - أنه يفهم من كلام الفقهاء أنه يجوز للإمام والناس أن لا يصلوا صلاة العيد إلا في آخر النهار مثلاً - يعني بعد طلوع الشمس بساعتين.
    هذا الذي يفهم من كلام الفقهاء ولم أقف على خلاف في أنه يجوز أداء صلاة العيد في كل هذا الوقت.
    ولو قال قائل: أن تأخير الصلاة عن الوقت الذي كان يصليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو صدر النهار أقل أحوال الكراهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء كلهم ومعاوية إلى عمر بن عبد العزيز إلى من بعده كانوا يصلون العيد في صدر النهار.
    فالقول بحواز التأخير إلى بعد طلوع الشمس بساعات كثيرة أقل أحواله في الحقيقة الكراهة لمخالفة السنة مخالفة ظاهرة.
    • ثم قال رحمه الله:

فإن لم يعلم بالعيد إلاّ بعده: صلوا من الغد.
أي: أنه إذا لم يعلم الناس والإمام بصلاة العيد إلا بعد الزوال فإنه يجوز لهم أن يصلوات صلاة العيد من الغد.
= وهذا مذهب الجماهير - في الجملة.
واستدلوا على ذلك:

  • بما صح عن أبي عمير بن أنس بن مالك أن أعماماً له من الأنصار أخبروه أن هلال شوال غم عليهم فأتموا الشهر حتى جاء ركب فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأو الهلال فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يخرجوا لصلاتهم من الغد.
    وهذا الحديث صحيح.
    وكما قلت لكم هذا مذهب الجماهير.
    = القول الثاني: للإمام مالك رحمه الله.
    فإنه يرى أنه إذا فاتت الصلاة بأن لم يعلموا بالهلال فإنها لا تصلى من الغد: - لأن وقتها فات.
  • وقياساً على الجمعة.
    فإن الجمعة إذا خرج وقتها لا تصلى جمعة وإنما تصلى ظهراً.
    والراجح مع الجماهير لوضوح النص وصراحته بذلك.
  • مسألة: = والحنابلة يرون أن صلاة العيد من الغد قضاء مطلقاً.
    = والقول الثاني: أن صلاة العيد من الغد: - إن كانت بعذر فهي أداء وليست قضاء.
    والقول الثاني أقرب إن شاء الله.

  • مسألة: أيضاً تتعلق بمسألة فوات العيد: هل يشرع لمن فاتته صلاة العيد أن يصليها أو لا يشرع؟ اختلفوا في ذلك على أقوال: = فالمذهب أنه يصلي العيد على هيئة العيد.
    يعني ركعتين.
    واستدلوا على ذلك:

  • بأن أنس بن مالك رضي الله عنه فاتته صلاة العيد مع الإمام فجمع أهله وأمر من يصلي بهم العيد.
    = والقول الثاني: أن من فاتته صلاة العيد والخطبة يصلي أربعاً.
    وهو قول عند الحنابلة.
    = والقول الثالث: أن من فاتته صلاة العيد فإنه لا يشرع له أن يقضيها.
    وهو للأحناف واختيار شيخ الاسلام بن تيمية.
    واستدل على ذلك:
  • بأن صلاة العيد شرعت على هيئة وصفة معينة: منها تقدم الخطبة واجتماع الناس وكل ذلك مفقود في المنفرد فلا يشرع له أن يقضي الصلاة.
    ولولا أثر أنس رضي الله عنه لكان هذا القول هو أقوى الأقوال.

• ثم قال رحمه الله: وتسن: في صحراء.
السنة في صلاة العيد أن تصلى في الصحراء.
ومعنى قوله تسن: أنه لو صلاها في البلد لجاز لكن مع الكراهة كما سيأتينا.
= وإلى هذا ذهب جميع الأئمة إلا الشافعي.

واستدل الأئمة على هذا الحكم:

  • بما نقل متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يصلون العيد في الصحراء القريبة من البلد وأن صلاة العيد في الصحراء القريبة أفضل من صلاة العيد في المساجد الجوامع.

وبالنسبة للأضحى: استدلوا بمعنيين أيضاً: - الأول: أنه يندب للإنسان أن لا يأكل إلا بعد الأضحى من أضحيته وفي الإمساك مشقة فينبغي أن يبادر الإمام بالصلاة ليأكل الناس.

  • الثاني: أن ذبح الأضاحي لا يشرع ولا يجوز إلا بعد الصلاة فينبغي أن يبادر بالصلاة ليذبح الناس أضاحيهم.
    وكما ترون - الإجماع وهذه التعليلات قوية وهي كفيلة إن شاء الله بإثبات هذه السنة مع أن الأحاديث ضعيفة.
    • ثم قال رحمه الله: وأكله قبلها.
    يعني أنه يشرع للإنسان أن يأكل قبل أن يخرج لصلاة الفطر.
  • لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغدو لعيد الفطر حتى يأكل تمرات.
    وفي رواية معلقة في صحيح البخاري موصولة عند أحمد بإسناد صحيح: وتراً.
    فتلخص لنا الآن بالنسبة لصلاة عيد الفطر أنه يستحب أن يأكل هذا أولاً.
    ثانياً: يستحب أن يكون الأكل من التمر.
    ثالثاً: أن يأكل وتراً.
    فإذا طبق هذه الثلاث فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم.
    • ثم قال رحمه الله: وعكسه في الأضحى إن ضحى.
    يعني أنه يستحب للإنسان أن لا يأكل في الأضحى قبل الصلاة وإنما يؤخر إلى أن يأكل بعد الصلاة.
    استدلوا على هذا:
  • بحديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأكل في الأضحى إلا بعد الصلاة.
    وهذا الحديث فيه ضعف ولكنه يقبل التحسين.
    وقال الإمام أحمد رحمه الله: كان صلى الله عليه وسلم يأكل من أضحيته.
    واستدل على هذا بعدم الأكل قبل الصلاة.
    ومثل هذه العبارة كما تقدم معنا من الإمام أحمد مقبولة جداً لمعرفته رحمه الله بالسنة والسيرة فهو يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأكل إلا من أضحيته صلى الله عليه وسلم.
    • ثم اشترط شرطاً لهذا: فقال رحمه الله: لمضح.
    يعني أن ترك الأكل قبل صلاة الأضحى سنة لمن أراد أن يضحي بعد الصلاة.
    أما من لم يرد الأضحية فالأمر سيان إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.
    واستدلوا على هذا:
  • برواية في حديث بريدة أخرجها الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يرد أن يضحي لم يبال أن يأكل.
  • واستدلوا بدليل آخر وهو: أن المنع من الأكل إنما كان ليبدأ بأكل الأضحية تقرباً إلى الله فإذا لم يضحي إن شاء أكل وإن شاء ترك.
    إذاً: إذا قيل لك: ما هي السنة بالنسبة لمن لم يرد أن يضحي؟
  • لا نقول: أن السنة أن يأكل.
    ولا نقول أن السنة أن لا يأكل: ولكن نقول: السنة إن شاء أكل وإن شاء ترك.
    • ثم قال رحمه الله: وتكره في الجامع بلا عذر.
    ومن المعلوم أن هذه العبارة لو قدمها المؤلف بعد قوله: في صحراء لكان أنسب فيكون الكلام عن موضوع واحد في موضع واحد.
    إذا صلى في الجامع فإما أن يكون بعذر أو بغير عذر.
  • فإن كان بعذر صحت بلا كراهة.
    لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي العيد فمطروا فصلاها في الجامع.
    وهذا فيه ضعف.
  • وأما إن كان بلا عذر فهو مكروه.
    ودليل الكراهة: أن في هذا مخالفة صريحة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • مسألة: يستثنى من هذا: صلاة العيد في الحرم المكي فإنها تكون في الحرم لا في الصحراء.
    واستدلوا على هذا بدليلين:
  • الأول: شرف البقعة وعظم الأجر في المسجد الحرام.
  • الثاني: أن هذا عمل السلف والأئمة من القديم فإنه لم يحفظ أن أحداً منهم خرج من مكة ليصلي العيد.
  • الثالث - وهو تعليل يستأنس به: أن الخروج لضواحي مكة فيه صعوبة لكثرة الجبال.
    أي هذه الأدلة أقوى؟ الأقوى: الاستدلال بعمل السلف لأن الاستدلال بمسألة كثرة الأجر موجود في حرم المدينة ومع ذلك لم تؤثر.
    إذاً علمنا أن الذي يؤثر فعلاً هو أن هذا هو عمل السلف.
    لكن تذكر مثل هذه الأشياء للإستئناس والتقوية.
    • ثم قال رحمه الله: ويسن: تبكير مأموم إليها.
    يسن أن يأتي المأموم لا الإمام إلى الصلاة مبكراً.
    والدليل على هذا من أوجه:
  • أولاً: فعله عدد من الصحابة.
    (وإذا قلنا فعله عدد من الصحابة تعلم مباشرة أنه ليس في المسألة نص).
  • ثانياً: أن في هذا دنو من الإمام وهو محبوب للشارع في الجملة.
  • ثالثاً: ما ثبت في السنة أن المسلم في صلاة ما انتظر الصلاة وصلاة العيد داخلة في عموم هذا الحديث.
    • ثم قال رحمه الله: ماشياً.
    يعني أنه يندب أن يخرج الإنسان إلى صلاة العيد ماشياً.
    والدليل: - أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: المشي إلى العيد من السنة.
فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل