كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
الجمع في السفر حكمه عند الحنابلة أنه يجوز وهذه المسألة أيضاً فيها خلاف متشعب لكنه أقل من الخلاف في المسألتين السابقتين التي أشرت إلى شدة الخلاف فيهما.
فنقول:
=ذهب الجماهير من السلف والخلف إلى جواز الجمع تقديماً وتأخيراً سائراً ونازلاً إذا وجد الشرط وهو مسافة القصر.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
الدليل الأول منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في عرفة جمع تقديم وفي مزدلفة جمع تأخير وقد كان في عرفة ومزدلفة نازلاً فهذا الحديث دل على الجمع بالنسبة للنازل والجمع تقديم وتأخير.
الدليل الثاني: صح عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سافر بعد زوال الشمس أخر الظهر إلى العصر وصلاهما جميعاً وهذا جمع تأخير وإذا سافر بعد زوال الشمس فإنه يصلي الظهر ثم يركب ولم يذكر العصر.
الدليل الثالث: - الأخير - حديث أبي جحيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان نازلاً قريباً من مكة خرج في الهاجرة فصلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً.
وهذا الحديث صحيح.
نقول ظاهر هذا الحديث أنه جمع تقديم حتى الفقهاء لم يرو أنه نص.
إذاً هذا أدلة الجمهور وهي كما نرى أدلة قوية وسديدة.
= القول الثاني: للمالكية: أنه لا يجوز الجمع في السفر إلا لمن كان على ظهر سير فقط أما النازل فإنه لا يجوز له أن يجمع.
واستدلوا على ذلك:
بما صح عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير.
يعني إذا كان سائراً.
والجواب عليه: أن ابن عمر لم ينف الجمع للنازل وإذا لم يذكره ابن عمر فقد ذكره غيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين بينوا أنه كان يجمع نازلاً.
= القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد وتبناه ابن حزم أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم.
واستدل على ذلك بأدلة منها:
أنه لم يصح حديث في جمع التقديم.
وأما حديث معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في تبوك جمع تقديم فهو حديث معلول ضعفه الأئمة.
والدليل الثاني: قال: أن أنس - رضي الله عنه - نص على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع جمع التأخير دون جمع التقديم لأنه قال: إذا زالت الشمس قبل أن يسافر صلى الظهر فقط ولم يصل العصر بينما نص أنس على أنه - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر بعد الزوال فإنه يجمع الظهر إلى العصر جمع تأخير.
= القول الرابع - الأخير: أنه لا يجوز الجمع مطلقاً إلا في عرفة ومزدلفة وهو مذهب الأحناف الذي اشتهروا به.
والدليل: أن أحاديث ونصوص المواقيت محكمة ومعلومة من الدين بالضرورة فلا تترك لظواهر النصوص.
فإذا قيل لهم: كيف تجيبون عن الأدلة الكثيرة للجمهور التي فيها الجمع صراحة؟
قالوا: الجمع في هذه الأحاديث يحمل على الجمع الصوري والجمع الصور هو أن نؤخر الصلاة الأولى ونقدم الصلاة الثانية ونصلي كل منهما في وقته المحدد شرعاً.
وهذا المذهب للأحناف ظاهر الضعف جداً وكما قال كثير من المحققين المتقدمين أن مذهب الأحناف يزيد من الصعوبة على المسافر ويضاعف المشقة ووجه ذلك:
أن على المسافر أن يتحرى آخر وقت الظهر ويتحرى أو وقت العصر فصار في هذا من المشقةأضعاف مما لو قيل له صل كل صلاة في وقتها بدون تحري لدقة متى يخرج هذا الوقت ومتى يدخل الوقت الثاني لأنه سيصلي الظهر قريب جداً من خروج وقته لأجل أن أصلي العصر بمجرد دخول وقت العصر فهو مذهب غريب وضعيف وفيه الحقيقة مصادمة ظاهرة للنصوص المتكاثرة التي فيها الجمع جمعاً واضحاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه فمصادمة مثل هذه النصوص من الأحناف أمر غير صحيح ودليل على ضعف قولهم في هذه المسألة.
والراجح مذهب الجمهور مع قوة مذهب ابن حزم.
لذلك لا ينبغي للإنسان أن يجمع جمع تقديم بلا حاجة بل يجعله جمع تأخير فإن جمع التأخير مجمع على جوازه إلا عند الأحناف بينما جمع التقديم فهو رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجوز دع عنك مذهب الظاهرية.
المهم نقول: الراجح إن شاء الله والأقرب للأدلة بوضوح مذهب الجماهير وهو جواز الجمع تقديم وتأخير نازلاً سائراً إلا أنه ينبغي مراعاة جمع التقديم أن لا يفعل إلا عند الحاجة لقوة ما استدل به ابن حزم.
•
ثم قال رحمه الله:
ولمريض يلحقه بتركه مشقة.
أي ويجوز للمريض أن يجمع إذا كان في تركه للجمع مشقة أو إذا لحقه بترك الجمع مشقة.
= وإلى جواز جمع المريض المحتاج للجمع ذهب الجماهير.
واستدلوا:
بحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع من غير خوف ولا مطر وفي رواية من غير خوف ولا سفر والروايتان في صحيح مسلم.
قالوا فلم يبق إلا المرض لأنه نفي الخوف والمرض والسفر فلم يبق إلا المرض.
وهناك وجه آخر للاستدلال: وهو أن ابن عباس لما سأل: لم صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
والمريض الذي يحتاج إلى الجمع إذا لم يجمع وقع في الحرج.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - روي عنه أنه أجاز للمستحاضة أن تجمع إذا هي اغتسلت وتقدم معنا أن الاستحاضة نوع من أنواع المرض.
الدليل الثالث: العمومات الدالة على رفع الحرج والمشقة عن الأمة.
= القول الثاني: للشافعية: أنه لا يجوز جمع المريض أبداً.
فلا يجوزون جمع المريض.
استدلوا:
- بأن نصوص المواقيت محفوظة متواترة محكمة فلا نتركها لظواهر النصوص الأخرى ....... ((الآذان)) انتهى الدرس،،،
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
في الدرس السابق تكلمت عن مسألة حكم جمع المريض وذكرت الخلاف وأظن أني لم أذكر الراجح.
والراجح من القولين جواز الجمع للمرض لما تقدم من أدلة وهو مذهب الحنابلة والمالكية وهو الذي تدل عليه النصوص من جهة وقواعد الشرع من جهة أخرى.
ثم بدأ المؤلف بعذر آخر وهو المطر:
• فقال رحمه الله:
وبين العشائين: لمطر.
أي ويجوز للإنسان أن يجمع بين صلاة المغرب والعشاء بعذر المطر.
= وإلى هذا ذهب الجماهير من السلف والخلف والفقهاء السبعة وأغلب أئمة المسلمين إلى أنه يجوز أن يجمع بعذر المطر بشرطه الآتي.
واستدلوا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: أن ابن عباس رضي الله عنه قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر) فنص على أن المطر من أسباب الجمع وهذا الحديث في صحيح مسلم.
- الدليل الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا للمطر بل حكي إجماع الصحابة على جواز الجمع للمطر.
- الدليل الثالث: أن في نزول المطر تأذي الناس ووقوع المشقة وفي الجمع رفع لهذه المشقة والمشقة عند أهل العلم تجلب التيسير.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز الجمع لأجل المطر لأنه ليس في النصوص المرفوعة ما يدل على ذلك ولأن نصوص التوقيت محكمة فلا يجوز الخروج عنها لظواهر نصوص أخرى.
والصواب الذي يتعين القول بجواز الجمع للمطر بشرطه لانتشاره بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم أراد المؤلف أن يبين شرط هذا الجمع:
• فقال رحمه الله:
وبين العشائين لمطر يبل الثياب.
يشترط في المطر الذي يجوز أن نجمع الصلاة لأجله شرطان:
- الأول: المشقة أن تحصل المشقة بوجود هذا المطر.
- الثاني: أن يبل الثياب.
التعليل: أن المطر الذي تحصل معه المشقة هو ما يبل الثياب.
واختلفوا في ضبط ما تحصل به المشقة على قولين: = القول الأول: أن المطر الذي يجوز معه الجمع هو المطر الذي يحتاج معه أواسط الناس إلى تغطية الرأس فنأخذ المتوسط من الناس الذي يغطي رأسه عند قدر من المطر فبه تحصل المشقة ويجوز الجمع ولا ننظر لمن إحساسه ضعيف ممن لا يتأثر بالمطر ولو كثر ولا ننظر إيضاً لمن كان شديد الحساسية بحيث يبادر إلى تغطية رأسه بأدنى مطر.
= والقول الثاني - في ضابط ذلك -: هو ما يبل الثياب بحيث إذا عصرت قطرت ماءً.
والواقع أنه ليس بين هذه الأقوال تعارض فهي كلها تقرب المعنى وتبين المقصود وهو أن تحصل مشقة بنزول هذا المطر وتضبط بمثل هذه الضوابط إما تغطية الرأس أو عصر الثياب بحيث يخرج منها ماء بسبب المطر.
فإذا حصلت هذه الأشياء أو بعضها جاز أن نجمع الصلاة وتقدم معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم جمعوا لمطر أصابهم في الفتح لم يبل أسافل نعالهم وهذا يدل على أن المشقة إذا حصلت بأي قدر بالنسبة للناس فإنها تجوز الجمع.
عرفنا من قول المؤلف: لمطر يبل الثياب.
أن المطر الخفيف لا يجوز معه الجمع وأن الطل - الذي يسمى الطل أو الندى لا يجوز معه الجمع لأنه لا يشق.
فإن قيل: أحياناً ينزل كالندى من غير مطر وتبتل الثياب منه كما يحصل في الرطوبة فهل هذا موجب للجمع؟
- الجواب: أن هذا لا يوجب الجمع إلا إذا كان هذا الندى والطل يسبب وجود الطين في الأرض فحينئذ يجوز الجمع لمعنىً آخر لكن من حيث هو.
لو فرضنا أنه في بلد مرصوف بحيث لا يوجد طين فإنه لا يجوز والحالة هذه الجمع لأن هذا القدر من المطر لا يشق على الناس إنما الذي يشق هو نزول المطر المتتابع الذي يبل الثياب أما الطل والمطر الخفيف فإنه لا يجوز الجمع وعرفت الآن كيف تفرق بين المطر الخفيف والمطر الذي يجوز معه الجمع.
وقوله: (بين العشائين): = هذا مذهب الجمهور أنه لا يجوز الجمع في المطر إلا في صلاة العشائين أي المغرب والعشاء.
واستدلوا على هذا بأمرين: - الأمر الأول: أن الآثار المروية عن الصحابة والتابعين فيها الجمع بين العشائين.
- والأمر الثاني: أن المشقة إنما تكون في الجمع بين العشائين دون الظهرين.
= والقول الثاني: جواز الجمع بين العشائين والظهرين.
دليل ذلك: - أن الجمع إنما جاز لدفع المشقة فإذا وجدت المشقة في الليل أو في النهار ثبت الحكم. - الدليل الثاني: عموم حديث ابن عباس رضي الله عنه: (من غير خوف ولا مطر) فلم يقيد ذلك بكونه في الليل أو في النهار.
نعم.
لا شك أن المطر في الليل أكثر مشقة منه في النهار لكن هذا القدر لا يوجب منع الجمع في النهار ما دام المطر يسبب مشقة.
• ثم قال رحمه الله: ولوَحْل.
أي ويجوز الجمع بمجرد الوحل.
فبمجرد ما يوجد وحل ولو بدون مطر فيجوز الجمع.
الدليل: - قاالوا الدليل على ذلك: أن المشقة الحاصلة بالطين والوحل والتي تلحق النعال والثياب وربما البدن تشبه أو ربما أكثر من المشقة الحاصلة بالمطر الذي يبل الثياب والشارع الحكيم لا يفرق بين أمرين متساويين.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز الجمع إلا بالمطر خاصة دون الوحَل. - لأن الرخصة جاءت بالمطر خاصة.
- ولأن نصوص الأوقات محكمة متواترة.
والصواب مع القول الأول وهو مذهب الحنابلة فإذا وجد الطين والوَحَل جاز الجمع بل ربما أحياناً - كما قال الحنابلة - تكون المشقة الحاصلة بالطين والوحل أكثر من المشقة الحاصلة بمجرد هطول المطر وهذا يلاحظه كل أنسان إذا خرج وكانت الأرض مليئة بالماء فإنه يتأذى بهذا الماء ربما أكثر من المطر فما بالك مع هذا الماء طين ووحل فلا شك أن المشقة ظاهرة جداً مع نزول أو وجود هذا الوحل وربما تعرض الإنسان للسقوط أو الاتساخ بسبب هذا المطر وربما كان رجلاً شريفاً فتأذى غاية الأذى لا من اتساخ ثيابه بقدر ما وقع به من إحراج ولذلك يروى أن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله دعي إلى وليمة وكان معه بعض الوجهاء وكانت السماء ممطرة فلما خرجوا من هذه الوليمة خرج قبل الشيخ عبد الرحمن رجل من الوجهاء والشرفاء وكان يتقدمه في المطر والطين ثم حصل أن هذا الشخص زلق وسقط في الطين فتأذى هذا الرجل فمن حكمة وحسن خلق الشيخ عبد الرحمن أنه بمجرد ما رآه سقط سلك طريقاً آخرؤ مباشرة حتى لا يمر من عند هذا الرجل فيشعر بالإحراج لمشاهدة الشبخ له أثناء السقوط فهذا من حسن خلق الشيخ وهو يبين أيضاً أن الوحل فيه مشقة.
• ثم قال رحمه الله:
وريح شديدة باردة.
الريح الشديدة الباردة يجوز معها الجمع والخلاف في الريح الشديدة الباردة كالخلاف تماماً أدلة وتعليلاً في الوحل فما قيل هناك يقال هنا في الأقوال والترجيح والتعليل.
وتبين من هذا أن الراجح أنه يجوز الجمع في الريح الشديدة الباردة لأنه يتأذى بها الإنسان مثل أو أكثر من المطر.
• ثم قال رحمه الله:
ولو صلى في بيته أو في مسجدٍ طريقه تحت ساباط.
يجوز للإنسان أن يجمع في المطر ولو صلى في بيته.
ويجوز له أن يجمع ولو كان بين بيته والمسجد سقفاً يقيه من المطر.
إذاً يجوز الجمع في هاتين الصورتين مع انتفاء المشقة.
والدليل:
- قالوا: الدليل على هذا قاعدة مشهورة: ((وهي أن الرخصة التي سببها المشقة تَعُم)) وذكروا أمثله لهذه القاعدة نذكر منها مثالين:
- المثال الأول: أن الترخص في السفر بالقصر والإفطار سببه المشقة ومع ذلك يجوز بالإجماع أن يقصر ويفطر ولو لم يشعر بمشقة.
- المثال الثاني: أن الشارع الحكيم إنما أجاز عقد السلم - الذي سيأتينا في كتاب البيوع - لدفع حاجة الناس ومع ذلك يجوز بالإجماع أن يتعاطى الإنسان عقد السلم ولو بلى حاجة فدل ذلك على أن الشارع الحكيم إذا قرر حكماً بناءًَ على المشقة فإنه يعم ولو في غير صور المشقة.
= والقول الثاني: أنه إذا كان سيصلي في بيته أو بينه وبين المسجد سقفاً يقيه أذى المطر فإنه لا يجوز له أن يجمع.
والتعليل: لأن الجمع إنما جاز للمشقة وهي منتفية هنا.
والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
= والقول الثالث - في هذه المسألة - هو: أنه يجوز لكل من كان المطر سبباً في فوات صلاة الجماعة عليه أن يجمع ولو لم يتأذى بالمطر.
فمثلاً: الرجل الذي بين بيته والمسحد سقفاً يقيه من أذى المطر إن لم يصل مع الجماعة ويجمع معهم فاتته صلاة الجماعة أليس كذلك؟! فإذا كانت صلاة الجماعة ستفوته فإنه يجوز له أن يجمع ولو لم يتأذى بالمطر لتحصيل فائدة الصلاة مع المسلمين في المسجد.
وهذا القول الأخير هو الراجح.
لأنه في الحقيقة به تجتمع الأدلة.
وبناءً عليه: - نقول: من صلى في بيته لعذر لا يجوز له أن يجمع ولو كان المطر أشد ما يكون خلافاً لمذهب الحنابلة.
- وأيضاً نقول: المرأة لا يجوز لها أن تجمع في بيتها ولو كان المطر أشد ما يكون.
وكل من لن يصلي مع الجماعة لا يجوز له أن يجمع إنما يجمع من كان سيخرج لصلاة الجماعة ويتأذى أو كان عدم الجمع يسبب فوات الجماعة عليه.
وهذا واضح وفي الحقيقة هذا قول متوسط وهو قول للحنابلة وهو قول - إن شاء الله - وجيه وتجتمع به الأدلة.
• ثم قال رحمه الله: والأفضل: فعل الأرفق به من تقديم وتأخير.
المؤلف رحمه الله - الآن - يريد أن يذكر أحكام عامة تشمل الجمع سواء كان يتعلق بجمع السفر أو بجمع المرض أو بجمع المطر.
فهو يقول: أن الأفضل بالنسبة لجمع التقديم والتأخير أن يفعل الأرفق به.
ونحن نريد أن نفصل:
- فنبدأ بالجمع في السفر فنقول: في الجمع للسفر الأفضل أن يفعل الأرفق به سواء كان جمع تقديم أو تأخير.
والدليل على هذا كما يلي:
- الأول: حديث معاذ رضي الله عنه في تبوك وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تارة يجمع جمع تقديم وتارة يجمع جمع تأخير حسب الأرفق له والموافق لحاله في السفر وتقدم معنا أن هذا الحديث معلول.
- الثاني: أن الجمع إنما شرع أصلاً لدفع المشقة ويتم دفع المشقة على الوجه المطلوب بأن يجمع حسب الأرفق به تقديماً وتأخيراً.
- الثالث: حديث أنس رضي الله عنه الذي تقدم معنا فإنه يدل بعمومه على أن الإنسان يفعل الأرفق لأنه كان إذا سافر قبل زوال الشمس جَمَعَ جَمْعَ تأخير.
لماذا يجمع جمع تأخير؟ لأنه سافر قبل دخول وقت الظهر. - أيضاً هناك دليل أخير وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في عرفة جمع تقديم وفي مزدلفة جمع تأخير.
وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم لأن جمعه جمع تقديم في عرفه أرفق به ليتسنى له الدعاء والابتهال والانقطاع إلى الله.
وجَمَعَ جَمْعَ تأخير لأنه أرفق به حيث سيتأخر مع الزحام إلى أن يصل إلى مزدلفة.
وهذا القول بالنسبة للسفر هو الصحيح: أن الأفضل أن يجمع على حسب ما يوافق الأرفق له.
ويمكن أن تفهموا أن: = القول الثاني: أن جمع التقديم برمته لا يجوز فقد تقدم معنا حكم الجمع تقديماً وتأخيراً وأن أحد الأقوال عدم جواز جمع التقديم وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن حزم فعندهم لا يقولون الأفضل حسب الأرفق لأن جمع التقديم أصلاً لا يجوز وإنما يقولون يتعين أن تجمع جمع تأخير.
هذا بالنسبة لتفصيل الكلام في السفر.
- وأما الكلام في المرض فكالكلام في السفر تماماً.
- بقينا في جمع المطر.
جمع المطر: الصواب أن السنة المستفيضة المعروفة عن السلف أنهم كانوا يجمعون جمع تقديم لأن جمع المطر إنما يكون أرفق إذا كان جمع تقديم حتى يصلي الإنسان ويبقى في بيته.
إذاً بالنسبة للمطر السنة المستفيضة أن يجمع جمع تقديم لكن لو فرضنا أن جمع التنأخير بالنسبة لجماعة معينة أرفق في صورة من الصور فلا مانع وإن كان كون السلف كلهم يجمعون في المطر جمع تقديم يدل على أنه لا ينبغي أبداً أن يؤخر جماعة المسجد الصلاة إلى الصلاة الثانية لأنه خلاف اتلمشهور عن السلف ولسبب آخر وهون: أنهم ربما يؤخرون الصلاة وينقطع العذر بأن يتوقف المطر.
فالخلاصة نقول:
- أنه لا ينبغي في جمع المطر إلا أن يكون جمع تقديم.
- ويجوز إذا تبين بوضوح أنه يحصل مشقة بجمع التقديم أن يكون الجمع جمع تأخير لكن الأولى والأفضل والموافق لما روي عن السلف أن يكون جمع تقديم.
• ثم قال رحمه الله: فإن جمع في وقت الأُولى اشترط (1) نية الجمع .... الى آخره.
المؤلف رحمه الله سيختم هذا الفصل ببيان شروط جمع التقديم وبيان شروط جمع التأخير.
• قال رحمه الله: فإن جمع في وقت الأُولى اشترط نية الجمع عند إحرامها.
أي: يشترط لجمع التقديم: - أن ينوي أنه سيجمع
- ويشترط في هذه النية أن تكون عند الإحرام بالأولى منهما.
إذاً: يشترط أن ينوي ويشترط أن تكون النية متى؟ عند الإحرام بهما.
واستدلوا على هذا: - بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات).
فإذا أراد أن يجمع فيشترط أن ينوي أنه سيجمع.
فإن كبر للأولى وهو لم ينو أن يجمع الثانية إليها لم يجز له أن يجمع لتخلف الشرط وهو: النية.
وأن تكون النية عند الإحرام بالأولى.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يجمع ولو ينو عند إحرامه بالأولى. - لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع يأصحابه في السفر ولم ينقل عنه أنه أمرهم أن ينووا قبل الإحرام بالأولى.
- ولأن الإلزام بهذا الشرط يوقع المشقة على من أراد أن يجمع والجمع إنما شرع لرفع المشقة.
وهذا القول - الثاني - اختيار شيخ الاسلام رحمه الله وهو الصواب - إن شاء الله -. • ثم قال رحمه الله: - مبيناً الشرط الثاني: ولا يفرق بينهما.
هذا هو الشرط الثاني من شروط جمع التقديم وهو: الموالاة.
فإن لم يوالي بين المجموعتين بأن أخر الثانية لم يصح الجمع.
= وهذا مذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا بدليلين: - الدليل الأول: أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع قط إلا موالياً بين الأولى والثانية.
- الدليل الثاني: أن معنى الجمع هو الضم وإلحاق الثانية بالأولى مع عدم التفريق ومع التفريق يتخلف هذا المعنى.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط الموالاة في جمع التقديم بل لو صلى الأولى ثم بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث صلى الثانية جاز.
وهذا مذهب لبعض الفقهاء واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله واستدل على ذلك بدليلين:
- الأول: أنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أبداً اشتراط الموالاة في جمع التقديم.
- الثاني: أن في اشتراط هذا الشرط مشقة لأنه يجب على من أراد أن يجمع أن يراعي أن تكون الثانية بعد الأولى مباشرة.
وسيأتينا الحد في التفريق في كلام المؤلف.
وما اختاره شيخ الاسلام في هذه المسألة فيما يظهر لي ضعيف: - أما قوله لم يأت نص بل جميع النصوص التي فيها جمع النبي صلى الله عليه وسلم يصلح أن تكون دليل لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولما أراد أن يجمع لم يفرق ولا في صلاة واحدة ومداومة النبي صلى الله عليه وسلم على الموالاة دليل على أنها شرط كما قلنا في الوضوء في المضمضة والاستنشاق وكما قلنا لما قررنا أنه لا يجب على الإنسان أن يتوضأ في كل صلاة إذا كان على طهارة وأن الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة صلى الصلوات بوضوء واحد ولما سأله عمر رضي الله عنه قال: عمداً صنعت لتعلموا أنه ليس بواجب.
- هذا معنى الحديث - فهذه النصوص تدل على أن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على شيء معين دليل على اشتراطه لذلك أن مذهب شيخ الاسلام ضعيف ولا أقول أن مذهب الجمهور أحوط بل أقول أنه أرجح دليلاً بالإضافة إلى أنه أحوط ويمكن أن نقول: = قول ثالث: وهو أن الموالاة شرط يسقط عند الحاجة والعذر - كما نقول في كثير من الشروط منها الموالاة في الوضوء أنها شرط لصحة الوضوء وتسقط عند الحاجة كذلك نقول هنا أن الموالاة في جمع التقديم شرط لا يصح الجمع إلا به إلا عند الحاجة من صور الحاجة: أن يصلي الإنسان الظهر ولا ينوي الجمع ولا يصلي بعدها العصر وهو مسافر - مثلاً - ثم بعد مضي ساعة أو مضي ساعتين تطرأ عليه حاجة بأن يحتاج أن يجمع ولا ينتظر إلى دخول وقت العصر فهو الآن لم يجمع ثم طرأ له عذر يلجأه إلى الجمع فنقول لك الآن أن تجمع.
إذاً: ما هي الصورة التي لا يجوز فيها الجمع؟
- الصورة أن يصلي الظهر ثم يجلسفي بيته وهو مسافر ثم بعد ساعة يعن له لا لسبب أن يصلي العصر فنقول صلاة العصر الآن باطلة لأنه يشترط لصحة الجمع الموالاة.
هذا القول هو الراجح في الحقيقة ويتوافق مع مذهب الجمهور لكن مع الأخذ بهذا القيد وهو أنه يجوز فقط عند الحاجة والعذر.
• ثم قال رحمه الله - مبيناً القدر الذي تحصل به الموالاة: إلاّ بمقدار إقامة ووضوء خفيف.
يعهني يجوز أن يفصل بين الصلاتين بهذا المقدار: بقدر إقامة ووضوء بشرط أن تكون الإقامة والوضوء خفيفين.
الدليل على ذلك: - قالوا: الدليل على هذا أنه أمر يسير والأمر اليسير لا يقطع الموالاة.
بناء عليه قال الحنابلة: أن كل فاصل يسير أيضاً لا يضر: - فلو صلى الأولى ثم تكلم بكلام يسير ثم صلى الثانية صحت الصلاة
- ولو صلى الأولى ثم ذهب يمشي مشياً يسيراً لأي غرض ثم صلى الثانية صحت الصلاة.
إذاً يكون قول المؤلف: (بقدر إقامة ووضوء خفيف) من باب التمثيل ويكون الضابط: أن يفصل بينهما بفاصل يسير.
ومقدار اليسير: بقدر الوضوء والإقامة الخفيف.
= والقول الثاني: أن الضابط العرف.
وإلى هذا مال ابن قدامة رحمه الله وقال: أن الصواب في التفريق بين الصلاتين العرف فمع اعتبر طويلاً فهو طويل وما اعتبر قصيراً فهو قصير.
وهذا الضابط هو الصواب.
وهو قريب من الضابط الأول.
فإنه في العرف لو ذهب ليقيم إقامة خفيفة أو ذهب ليتوضأ وضوءً خفيفاً اعتبر في العرف شيئاً يسيراً.
• ثم قال رحمه الله: ويبطل براتبة بينهما.
أي لو صلى الظهر لعذر المطر - مثلاً - ثم صلى راتبة الظهر ثم صلى العصر نقول صلاة العصر الآن باطلة لأنك فصلت بينهما براتبة.
وظاهر كلام المؤلف أن الراتبة تقطع الموالاة ولو كانت قصيرة لأنه يقول: ويبطل براتبة.
أي راتبة كانت.
سواء كانت طويلة أو قصيرة.
= وهذا هو المذهب: أنها تبطل ولو براتبة قصيرة.
= والقول الثاني: أنه إن صلى الراتبة بينهما صحت الموالاة.
واستدلوا بدليلين: - الأول: أن صلاة الراتبة إذا كانت قصيرة لا تعتبر تفريقاً.
- الثاني: أن الراتبة ملحقة بالصلاة وهي تبع لها فلا تؤدي إلى قطع الموالاة.
وهذا القول الثاني: هو القول الصواب.
أن القطع براتبة قصيرة لا يؤدي إلى قطع الموالاة.
-
- فإن صلى بين الصلاتين نفلاً مطلقاً أو فريضة أخرى منسية وأطال.
فإنه تنقطع الموالاة بلا إشكال عند القائلين باشتراط الموالاة وهم الجماهير.
يقول رحمه الله: - مبيناً الشرط الثالث والأخير لجمع التقديم: وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاحهما وسلام الأُولى.
يشترط لصحة الجمع أن يكون العذر سواء كان السفر أو المرض أو المطر موجوداً في ثلاث مواضع: يقول: 1 - 2 - عند افتتاحهما.
3 - وسلام الأولى.
يعني: 1 - عند تكبيرة الإحرام من الأولى.
2 - وعند السلام من الأولى.
3 - وعند تكبيرة الإحرام من الثانية.
فإن تخلف العذر في أي من هذا المواضع الثلاثة لم يجز الجمع.
الدليل:
- فإن صلى بين الصلاتين نفلاً مطلقاً أو فريضة أخرى منسية وأطال.
- قالوا: - أما عند افتتاح الأولى فلأنه وقت النية.
- وأما افتتاح الثانية فلأنه هو وقت الجمع فيجب أن يوجد فيه العذر - ونحن نتكلم عن جمع التقديم لأن المؤلف سيخصص كلاماً آخر عن جمع التأخير.
(ملاحظة: (((قال الشيخ حفظه: في جواب سائل عن دليل اشتراط أن يكون العذر موجودا عند السلام من الأولى: قال ((لم يذكروا له دليلاً والراجح أنه لا يشترط فلم يذكروا له تعليلاً واضحاً))).
ذكره حفظه الله عند الكلام عن شروط جمع التأخير وقدمته هنا لمناسبته)) = والقول الثاني: أنه لا يشترط وجود العذر إلا عند افتتاح الثانية فقط.
والدليل: - أن الجمع إنما جاز لهذا العذر سواء كان السفر أو المطر أو المرض.
فإذا وجد العذر جاز الجمع ولو لم ينو عند التكبيرة الأولى لما تقدم معنا أن النية عند افتتاح الأولى ليس بشرط.
بناء عليه: - إذا صلو المغرب والسماء صحو ثم قبيل السلام من المغرب أو بعده بقليل هطل مطر بغزارة من ما يتفق عليه الفقهاء أنه من الأمطار التي تسبب الجمع فما حكم الجمع في هذه الصورة.
= عند الحنابلة: لا يجوز.
لأن العذر لم يكن موجوداً عند افتتاح الأولى.
= وعلى القول الراجح: يجوز.
وعلى هذا فقس: - فلو أن إنساناً صلى المغرب ثم لما سلم مرض فجأة سقط واعتل لأي سبب من الأسباب:
= فعند الحنابلة.
يجب أن يصلي العشاء في وقتها.
= وعلى القول الراجح: يجوز له أن يجمع.
إذاً عرفنا الآن: ثمرة الخلاف وأن ثمرة كبيرة في الحقيقة.,
ثم بدأ المؤلف رحمه الله بالكلام عن شروط جمع التأخير:
• فقال رحمه الله:
وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأُولى إن لم يضق عن فعلها.
إذا أراد الإنسان أن يجمع جمع تأخير فحينئذ يشترط له شرطان فقط: - بخلاف جمع التقديم فإنه يشترط له ثلاثة شروط -.
- الشرط الأول: لجمع التأخير: نية الجمع في وقت الأولى بشرط أن توجد هذه النية قبل أن يضيق عن فعلها.
إذاً شرط جمع التأخير أن ينوي الجمع عند افتتاح الأولى ويشترط أن تكون هذه النية فيما بين دخول الوقت إلى أن يبقى مقدار ما يصلي الفريضة.
مثلاً: - إذا أراد أن يجمع العصر مع الظهر جمع تأخير يشترط لجواز جمع التأخير: - - أن ينوي في وقت الأولى أنه سيجمع جمع تأخير.
- وأن ينوي قبل أن يضيق وقت الأولى.
مثاله: - رجل سيجمع العصر مع الظهر ولم ينو فلما بقي ليخرج وقت الظهر خمس دقائق وهي لا تكفي للصلاة نوى فنقول النية باطلة.
- رجل آخر نوى أن يجمع جمع تأخير فلما بقي على خروج وقت صلاة الظهر ربع ساعة نوى.
فنقول الآن: (((يصح))). - رجل نوى بمجرد دخول وقت صلاة الظهر أنه سيجمع فنقول: جمعك جمع صحيح.
فعرفنا الآن ما معنى هذا الشرط.
التعليل: - قالوا: أنه لا يجوز له أصلاً أن يؤخر الصلاة الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع فإن أخرها فهو آثم.
وأما اشتراط أن ينوي قبل أن يضيق وقت الأولى عنها فلأنه إذا ضاق وقت الأولى عنها صار التأخير حينئذ محرم وسبق معنا ((أن الرخص لا تناط بالمعاصي)).
ولماذا هو محرم؟ لأننا قررنا أنه لا يجوز للإنسان أن يؤخر وقت الأولى عن وقتها الفاضل إلى وقت الضرورة إلا مع نية الجمع.
فإذا أخر إلى ضيق الوقت بدون نية الجمع فقط ارتكب محرماً.
= والقول الثاني: أن له أن يؤخر إلى أن يبقى من الوقت ما يدرك به الصلاة.
وهو على القول الراجح أن يدرك ركعة.
والصواب مع مذهب الحنابلة - وهو القول الأول - لأنه لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى أن لا يبقى منها إلا مقدار ركعة فلا يجوز له أن يفعل هذا فإن فعل فهو آثم.
• ثم قال رحمه الله:
واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
يجب أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية لأن هذا العذر هو سبب الجواز.
- فإذا دخل وقت صلاة الظهر ومرض الإنسان ونوى أنه سيجمع فلما انتصف وقت صلاة الظهر شفي هل يجوز له أن يجمع؟ بعبارة أخرى: هل يجوز له أن يؤخر صلاة الظهر إلى صلاة العصر؟
لا يجوز.
لماذا؟ لأن العذر قد زال.
فائدة ذكروها: أنه لا يشترط بالإجماع أن يبقى العذر بعد دخول وقت الثانية.
فمثلاً: إنسان جمع لعذر المرض - جمع الظهر إلى العصر - فلما دخل وقت صلاة العصر شفي فهل نقول يحرم أن تجمع؟ أو أنت آثم بالجمع؟ الجواب: لا.
بالإجماع يجوز له أنه يجمع وجمعه شرعي.
لا نقول أنه الآن ليس له إلا هذا.
يعني: لا نقول أنه هو لا يستطيع أن يصلي الآن إلا جمع لأن وقت صلاة الظهر خرج فهذا ليس بصحيح بل نقوب جمعك شرعي.
إذاً ما هي الثمرة؟ الثمرة هي: أن صلاته تعتبر أداء وليست قضاء.
لأن استمرار العذر إنما يشترط إلى دخول وقت الثانية ثم إذا دخل وقت الثانية إن زال أو بقي لا يؤثر على جواز الجمع.
وبهذا انتهى الكلام عن الجمع وتبين أن للجمع ثلاثة أعذار: 1 - السفر.
وهو أغلب وأكثر الأسباب وقوعاً.
2 - ثم المطر.
3 - ثم المرض.
والمطر أكثر وقوعاً من المرض باعتبار أن المطر يعم جميع الناس والمرض يخص بعض الناس دون بعض.
فترتيب المؤلف ترتيب منطقي.
وقبل أن ننتهي: تبين معنا من خلال كلام المؤلف أن الموالاة لا تشترط في جمع التأخير.
لأننا لا حظنا أن المؤلف اشترط في جمع التقديم ولم يشترط في جمع التأخير.
بناء عليه: لو جمع الإنسان جمع تأخير ثم صلى الظهر فهل يجب عليه أن يصلي العصر مباشرة؟ الجواب: لا.
لا يجب.
= وهذا هو مذهب الحنابلة: وهو أن الموالاة لا تشترط في جمنع التأخير.
والسبب: أن الثانية مهما أخرها إنما تقع أداء لأنها وزاقعة في وقتها.
وهذا صحيح: أن الموالاة لا تشترط في جمع التأخير.
فصل [صلاة الخوف] ثم بدأ المؤلف بالعذر الأخير من صلاة أهل الأعذار وهو الخوف.
• فقال رحمه الله: (فصل) وصلاة الخوف:
صلاة الخوف: يعني الصلاة التي سببها الخوف.
والمقصود بالخوف هنا: - إما أن يكون خوفاً من العدو وهو الغالب والأكثر وقوعاً.
- أو يكون خوفاً من غير العدو.
فلا يشترط أن يكون الخوف من عدو.
فلو خافغ من لصوص أو قطاع طرق أو من سباع أو من أي مؤذي وأمكن أن يتفادى الأذى بصلاة الخوف جاز له أن يصلي صلاة الخوف.
فإذاً صلاة الخوف لا تختص بالحرب وإنما تشمل جميع أنواع الخوف.
ولكنها يكثر وقوعها في وقت الحروب.
• وقوله رحمه الله: وصلاة الخوف صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أجمعت الأمة على أن صلاةو الخوف مشروعة بالكتاب والسنة وأن مشروعيتها محفوظة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم وصلاها هو وأصحابه والسلف الصالح وما زال المسلمون يصلون صلاة الخوف فهو إجماع محفوظ محكم لا إشكال فيه ولله الحمد.
•
يقول رحمه الله:
صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصفات كلها جائزة.
أفادنا المؤلف رحمه الله أن لصلاة الخوف صور وصفات متعددة.
قال الإمام أحمد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أوستة وفي رواية عنه هو رحمه الله: من ستة أوجه أوسبعة.
يعني أنها ثيتت في السنة بستة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا التنوع في صلاة الخوف راجع إلى أحوال الحرب.
فتارة تصلح هذه الصفة وتارة تصلح الصفة الأخرى بحسب مكان العدو وبحسب القبلة وبحسب ملابسات المعركة.
وذكر العلماء رحمهم الله صفات كثيرة لصلاة الخوف.
ونحن سنذكر بعض الصفات وسنختار الصفات التي اختارها الإمام أحمد رحمهخ الله والتي اتفق عليها البخاري ومسلم والتس يكثر وقوعها بين الناس.
- فالصفة الأولى: من صفات صلاة الخوف - ما جاء في حديث سهل رضي الله عنه وهو في البخاري ومسلم.
وهي الصفة التي اختارها الإمام أحمد مع تجويز جميع الصفات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر شيخ الاسلام رحمه الله أن من طريقة الإمام أحمد رحمه الله وغيره من أئمة المحدثين من السلف أنهم يأخذون بجميع الصفات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات ولا يختارون صفة واحدة من بين تلك الصفات بمعنى: المنع من باقي الصفات ولكنهم يختارون واحدة من تلك الصفات على سبيل التفضيل والتقديم لا على سبيل التعيين.
فالصفة الأولى: أن يكون العدو ليس في جهة القبلة ....... (((الآذان)))
انتهى الدرس،،،
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا مسألة صلاة الخوف وتعريفها ومشروعيتها وأنها بقيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقي علينا إتمام الكلام عن صفات صلاة الخوف.
وقبل الدخول قبل الدخول في صفات صلاة الخوف أقول يحسن أن نبين مسألة وهي: -
= أن السبب في جواز صلاة الخوف هو: الخوف لا السفر.
بناء على هذا يجوز أن يؤديها الإنسان في الحضو وهذا باتفاق الأئمة الأربعة رحمهم الله لكنهم اتفقوا أنهم إذا صلااها في الحضر فإنه يصليها أربعاً.
ثم تقدم معنا أنها رويت على صفات وأن الإمام أحمد قال ست أو سبع صفات وأن جميع الصفات ثابتة بإسناد صحيح يجوز أن يصلي الإنسان على وفقها وأن الإمام أحمد اختار الصفة التي جاءت في حديث سهل وهي الموافقة لظاهر القرآن.
فنقول:
- الصفة الأولى: من صفات صلاة الخوف هي: هذه الصفة وهي التي جاءت في حديث سهل واختارها الإمام أحمد
وهي تختص بما إذا كان العدو في غير جهة القبلة.
فإذا أراد الإمام أو القائد أن يصلي فإنه يقسم الجيش إلى فرقتين: - فرقة تقوم بإزاء العدو يعني تجاه العدو وفرقة تصلي مع الإمام.
فيصلي الإمام في الفرقة التي معه ركعة بالتكبير والركوع والسجود ثم إذا قام الإمام إلى الثانية بقي واقفاً وأتمت الفرقة التي معه لنفسها الصلاة وسلمت وذهبت إلى مكان الفرقة التي تجاه العدو ووقفت هي تجاه العدو وحضرت الفرؤقة الثانية وصلت مع الإمام الركعة الثانية ثم إذا جلس الإمام - إذا صلى الركعة الثانية بركوعها وسجودها وجلس قامت هذه الفرقة وأتت بركعة والإمام جالس ثم إذا انتهت من الركعة الثانية سلموا مع الإمام. - الصورة الثانية: إذا كان العدو في جهة القبلة: (الصفة السابقة ثابتة في الصحيحين والصفة هذه التي سأذكرها أيضاً ثابتة في الصحيحين).
وطريقة هذه الصفة: أن يقسم الإمام أيضاً الجيش إلى قسمين ويجعل كل قسم في صف فيمنع في هذه الصفة أن يكون الجيش كله في صف واحد ولو كان الجيش قليلاً بل لا تتم الصفة إلا إذا جعل الجيش نصفين كل نصف في صف.
فيكبر الإمام ويكبر الصف الأول والثاني ويقرأ ويركع الإمام بالصف الأول والثاني ثم يقوم فإذا قام من الركوع ثبت أصحاب الصف الثاني وسجد أصحاب الصف الأول مع الإمام ثم إذا انتهوا من الركعة الأولى كاملة وقاموا أتى الصف الثاني بالسجدة يعني أتوا ببقية الركعة فيسجدون سجدتين ويقومون فإذا قاموا تبادل الصف الأول مع الصف الثاني ثم صلوا بنفس الطريقة التي صلوا بها الركعة الأولى.
وهذه الطريقة كما تلاحظون إنما تنفع إذا كان العدو في اتجاه القبلة.
- الصفة الثالثة: أن يصلي الإمام بالفرقة الأولى ركعتين ثم تذهب وتأتي الثانية ويصلي بهم ركعتين فتمون للإمام أربع وللمأمومين لكل فرقة ركعتين.
- الصفة الرابعة: أن يصلي الإمام بكل فرقة صلاة كاملة.
يصلي بهؤلاء ركعتين كاملتين ويسلم وينصرفون ثم تأتي الفرقة الثانية ويصلي بهم الإمام ركعتين كاملتين ومعلوم أن الفريضة بالنسبة للإمام هي الأولى والثانية بالنسبة للإمام نافلة.
هذه أبرز أربع صفات صلاها النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه بإسناد صحيح أنه صلاها.
ثَمَّت صفات فيها خلاف نأخذ منها واحدة وهي: - أن يصلي الإمام بالفرقة الأولى ركعة واحدة ثم يذهبوا ولا يقضوا ثم يصلي الإمام بالفرقة الثانية ركعة واحدة ويسلم ولا يقضوا فصار أن كل فرقة صلت ركعةواحدة والإمام صلى ركعتين.
هذه الصفة جاءت في حديث ابن عباس واختلف الفقهاء: = فصحح ابن القيم هذا الحديث وأخذ به.
=وذهب الجماهير إلى أنه لا يجوز أن يصلي الإنسان ولا في الخوف ركعة واحدة.
وحمل الجمهور حديث ابن عباس على أنهم أتموا وهذا الحمل لا يتوافق مع ما في الروايات من التصريح بأنهم لم يقضوا.
ففي الروايات التصريح أنهم صلوا ركعة ولم يقضوا.
ويؤيد هذه الصفة ما تقدم معنا من حديث ابن عباس أنه قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر أربعاً وصلا السفر ركعتين وصلاة الخوف ركعة) فهذا يؤيد أن ابن عباس فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعة واحدة له ركعتين ولهم واحدة.
والأقرب أنه إذا صح حديث ابن عباس أن هذه صفة ثابتة وأنه يجوز للإنسان أن يصلي أحياناً بهم على هذه الصفة ويكتفوا بركعة واحدة.
انتهت الآن الصفات.
وليس في النصوص ولا في الآثار فيما أعلم كيفية صلاة الخوف إذا كانت الصلاة صلاة المغرب لكن الفقهاء بينوا كيفية الصلاة إذا كانت صلاة المغرب فقالوا:
- يصلي الإمام بالفرقة الأولى ركعة واحدة ثم يتمون لأنفسهم ويذهبون ويصلي بالفرقة الثانية ركعتين.
قالوا: إنما فضلنا الفرقة الثانية على الفرقة الأولى لأن الأولى أدركت تكبيرة التحريم مع الإمام وابتداء الصلاة ففضلناها.
ومن الفقهاء من قال: بل الصواب على العكس تصلي الأولى ركعتين ثم تذهب وتأتي الثانية وتصلي ركعة.
والصواب أن الأمر في صلاة المغرب واسع إن شاء الإمام أن يصلي بالفرقة الأولى ركعة أو ركعتين ولكن يبين لهم أنه سيصلي بهم ركعة أو ركعتين ثم يصلي بالفرقة الثانية ما بقي من الصلاة.
فيما عدا المغرب الأمر واضح في النصوص وإنما جاءت النصوص بركعتين لأن غالب صلاة الخوف بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في سفر ولم يصل في الحضر صلاة خوف وإنما صلااها في السفر.
وبهذا تمت الصفات وعرفنا أنها خمس إذا صححنا حديث ابن عباس.
• ثم قال رحمه الله: ويستحب أن يحمل معه في صلاتها: من السلاح ما يدفع به عن نفسه، ولا يثقله كسيف ونحوه.
يستحب للمقاتل الذي يصلي صلاة الخوف أن يحمل السلاح لكن يشترط في هذا السلاح أن يكون سلاحاً خفيفاً يؤدي الغرض للدفاع فقط.
فإن حمل سلاحاً ثقيلاً كرهت الصلاة وصحت.
وعلة الكراهة أن السلاح الثقيل يمنع من كمال الصلاة.
إذاً عرفنا الآن حكم حمل السلاح الخفيف وحكم حمنل السلاح الثقيل.
= القول الثاني: أن حمل السلاح الخفيف واجب. - لأن الله سبحانه وتعالى أمر بحمل السلاح والأصل في الأمر الوجوب.
وأجا الجمهور عنه هذا الدليل: أن اله سبحانه وتعالى إنما أمرهم بأخذ السلاح تخفيفاً عليهم ودفعاً للحرج فيما لو هجم عليهم العدو.
والقول بالوجوب وجيه لأن الله سبحانه وتعالى وإ؟ ن كان أمر بالحمل تخفيفاً لكن أيضاً دفع الضرر عن المسلمين متوجه ولازم ولو أنهم تهاونوا بهذا الأمر لأدى ذلك إلى ذهاب الأنفس.
- مسألة: فإن كان المقاتل مريضاً أو له عذر آخر كالمطر لم يجب له حمل السلام باتفاق أهل العلم.
باب صلاة الجمعة
• قال رحمه الله:
باب صلاة الجمعة.
يعني باب تبين فيه ألأحكام التي تتعلق بصلاة الجمعة.
والجمعة: لغة مشتقة من: الجمع الذي هو الاجتماع الذي هو ضد التفرق.
وفي الاصطلاح: لقب لفريضة تؤدى في الاسبوع مرة واحدة ركعتين بشروط مخصوصة يوم الجمعة.
هكذا عرفوها وهي ولله الحمد واضحة لكل مسلم فضلاً عن طالب العلم.
وصلاة الجمعة مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يخالف في هذا عالم أنها مشروعة مندوب إليها.
ويوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع كما أن يوم عرفة أو يوم النحر على الخلاف هو أفضل أيام السنة.
واختلف العلماء في سبب تسمية يوم الجمعة بهذا الاسم على أقوال كثيرة أصح هذه الأقوال:
- أنه جمع فيه خلق آدم.
سبب الترجيح: أنه روي في هذا المعنى حديث إسناده حسن.
وكانت تسمى في الجاهلية العروبة.
ومما ينبغي أن يفهمه طالب العلن أن صلاة الجمعة صلاة مستقلة ليست هي صلاة الظهر فلها أحكام مستقلة وصفات وشروط خاصة.
• قال رحمه الله: تلزم: كل ذكر.
صلاة الجمعة فرض عين وإلى هذا ذهب الجمهور بل حكي إجماعاً.
ونسب القول بأن صلاة الجمعة فرض كفاية إلى الشذوذ والخروج عن الجماعة.
والصواب بلا شك أن صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم وأن الخلاف فيها لا يشبه الخلاف في صلاة الجماعة كما يتوهمه البعض بل صلاة الجمعة فرض عين هلى كل مسلم بإجماع الفقهاء إلا من شذ.
قال: تلزم كل ذكر: يعني ولا تلزم المرأة.
وكون صلاة الجمعة لا تلزم المرأة محل إجماع وإن شئت أن نقول اشتراط الذكورية لوجوب الجمعة محل إجماع لأن المرأة ليست من أهل الجماعة.
والمرأة لا يجب عليها صلاة الجمعة ولا تنعقد بها مستقلة فلو اجتمع خمسون من النساء وأرادوا أن يصلوا الجمعة منفردات فصلاة الجمعة بالنسبة لهم باطلة ويجب أن يصلوا ظهراً.
فاشتراط الذكورية شرط وجوب وشرط انعقاد بالنسبة للمنفردات.
• ثم قال رحمه الله:
حر.
المؤلف رحمه الله في سياق بيان شروط الوجوب.
- فالشرط الأول للوجوب الذكورية.
- والشرط الثاني: الحرية.
=القول الثاني: أن الحديث صحيح لأن غاية ما هنالك أن يكون مرسل صحابي ومراسيل الصحابة حجة وقد حكي الإجماع على ذلك.
والصواب والله أعلم أن هذا الحديث ثابت وممن صحح هذا الحديث الحافظ البيهقي وكفى به إماماً رحمه الله.
ومن ذهب إلى تضعيفه من المعاصرين أو من المتقدمين فقوله ليس بصواب فإن هذا الحديث ثابت ولو كان طارق لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه يجزم بنسبة هذا الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومراسيل الصحابة حجة بلا شك.
والصواب مع الجمهور وهو أن صلاة الجمعة لا تجب على العبد وعدم وجوبها على العبد مذهب الأئمة الأربعة فضلاً عن الجمهور وهو الصواب إن شاء الله لصحة الحديث.
•
ثم قال رحمه الله:
مكلف مسلم.
يشترط لوجوب صلاة الجمعة أن يكون الإنسان مسلم بالغ عاقل وهي شروط التكليف.
والدليل على اشتراط هذا الشرط من ثلاثة أوجه:
- الأول: الإجماع.
فقد أجمعوا على أنه شرط لصحة صلاة الجمعة.
- الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة .. )
- الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله .. ) ثم أمره بفروع الإسلام.
= وذهب بعض الفقهاء إلى أن ذكر هذه الشروط في صلاة الجمعة ليس بصحيح.
يعني: ينبغي أن لا تذكر.
والتعليل: - أن القاعدة تقول: ((أن شرط الشيء هو ما يختص به)) أو بعبارةو أخرى: ((لا يعتبر الشيء شرطاً في شيء إلا إذا اختص به)) وهذه الشروط شرط لكل العبادات فأي عبادة لا تصح إلا بهذه الشروط فإذاً هي لا تختص بصلاة الجمعة.
وهذه القاعدة صحيحة تماماً ولهذا نقول من لم يذكر هذه الشروط مع شروط الجمعة من الفقهاء أصاب لا لأنها ليست شروطاً ولكن لأنها لا تختص بالجمعة.
• ثم قال رحمه الله: مستوطن ببناء اسمه واحد ولو تفرق.
يشترط لوجوب الجمعة أن يكون الإنسان مستوطناً وألأن يكون هذا الاستيطان ببناء ولو تفرق لكن لا بد أن يكون ببناء.
فإن استوطنوا بخيام أو ببيوت الشعر لم تجب عليهم.
مسألة تحديد نوع البناء والمكان الذي يشترط لصحة الجمعة سيأتينا في شروط الصحة والانعقاد فلا نطيل فيه.
لكن نبقى في شرط الاستيطان يقسم الحنابلة الناس إلى ثلاثة أقسام: الأول: - مستوطن: وهو من نوى الإقامة الأبدية في هذا المكان بحيث لا ينزح عنه صيفاً ولا شتاءً.
الثاني: - مقيم: وهو من مكث في مدينة ناوياً أكثر من أربعة أيام.
الثالث: - المسافر: وهو من مكث في مدينة أقل من أربعة أيام.
نأتي إلى الأحكام: - المستوطن: تجب عليه بالإجماع بشروطها.
- والمقيم: تجب عليه بغيره لا بنفسه.
- والمسافر لا تجب عليه لا بغيره ولا بنفسه.
إذاً لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة حكم خاص.
فالمستوطن تجب عليه والمقيم تجب عليه بغيره لا بنفسه والمسافر لا تجب عليه لا بغيره ولا بنفسه.
يناءً على هذا: - من قدم إلى مدينة الرياض ناوياً أن يقيم فيها يوم وهو يوم الجمعة وأذن لصلاة الجمعة فعند الحنابلة لا تجب عليه لأنه مسافر.
- فإن كان الإقامة أكثر من أربعة أيام فنقول:
- إن أقيمت الجمعة من مستوطنين فيجب عليك أن تصلي معهم وهذا معنى قولهم تجب عليه بغيره لا بنفسه.
- وإن لم تقم صلاة الجمعة لم يجب عليك أن تقيمها أنت ولا من معك من المسافرين ولو كانوا يبلغون أربعين.
والمستوطن أمره واضح.
= والقول الثاني: أن الناس ينقسمون إلى قسمين فقط: - مستوطن.
- ومسافر.
وأن المسافر: تجب عليه تبعاً لغيره مطلقاً.
فإذا أقيمت وجب عليه أن يحضر وأن يصلي فإن لم يفعل فهو آثم.
إذاً القول الثاني: يخالف الحنابلة في مسألتين: - المسألة الأولى: تقسيم الناس.
- والمسألة الثانية: أن جميع الناس تجب عليهم إذا أقيمت.
سواء كان مسافراً أو غير مسافر فمن كان موجوداً في المدينة وأقيمت صلاة الجمعة فيجب عليهم أن يحضروها فإن لم يفعلوا أثموا.
إذاً عرفنا الآن معنى قول المؤلف رحمه الله: مستوطن ببناء اسمه واحد ولو تفرق.
والراجح القول الثاني.
لعموم الأدلة.
• ثم قال رحمه الله: ليس بينه وبين موضعها أكثر من فرسخ.
يشترط لوجوب صلاة الجمعة أن لا يكون بين المسلم وبين المسجد أكثر من فرسخ.
فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ لم تجب عليه.
وهذا الشرط خاص بمن كان خارج المدينة.
أما من كان داخل المدينة فيجب عليه أن يجيب بالإجماع سواء كان بينه وبين الجامع فرسخ أو أكثر أو أربعة أو خمسة فيجب عليه مطلقاً أن يجيب ولو لم يسمع النداء بالنسبة لصلاة الجمعة وهذا بالإجماع.
إذاً الكلام الآن بالنسبة لهذا الشرط يتعلق بمن كان خارج المدينة.
دليل هذا الشرط: - قالوا: أن الفرسخ ثبت بالعادة والتجربة أنه يسمع منه النداء في الأحوال الطبيعية ولا يمكن أن نعلق وجوب الصلاة بسماع النداء الحقيقي لأن سماع النداء الحقيقي يختلف باختلاف الأحوال:
- فيختلف بوجود الأصوات وعدمها.
- ويختلف بوجود الريح وعدمها.
- ويختلف بمقدار رفع المؤذن صوته وعدمه.
فصارت الأشياء التي تتحكم بسماع الآذان غالباً تكون هذه الثلاثة أشياء.
فقالوا: ربط الوجوب بسماع الآذان لا ينضبط بسبب الاختلاف الحاصل بسبب هذه القرائن التي تحتف بالآذان فنربطه بما يسمع غالباً.
قالوا: وهو فرسخ.
وتقدم معنا: أن ثلاثة فراسخ تساوي ستة عشر كيلو.
إذاً الفرسخ خمسة كيلو ونصف.
فإذا كان الإنسان عن القرية أو عن المسجد بعده خمسة كيلو ونصف فيب عليه فإن كان ستة لم يجب عليه.
والتقييد بالفرسخ مذهب الأئمة الثلاثة: أحمد والشافعي ومالك.
لكن بعض الناس يقول أن مذهب مالك أنه يقيد بثلاثة أميال ونحن أخذنا أن الفرسخ يساوي ثلاثة أميال فصارت الأقوال واحدة فمن العبث أن نقول القول الأول فرسخ ولقول الثاني ثلاثة أميال فإنها نفس الشيء.
= المهم أن مذهب الأئمة الثلاثة فرسخ.
فهذا دليل على أن صلاة الجمعة لا تجب على المسافر ولا تشرع له إذا كان مسافراً سائراً وإنما تجب عليه وتشرع له إذا أقامها غيره.
•
ثم قال رحمه الله:
ولا عبد ولا امرأة.
تقدم معنا الخلاف في العبد وفي المرأة.
وأن المرأة محل إجماع.
وأن العبد محل خلاف.
وأن الصواب إن شاء الله أنها لا تجب على العبد.
• ثم قال رحمه الله:
ومن حضرها منهم: أجزأته.
يعني إذا حضر الجمعة المسافر أو العبد أو المرأة فإنها تجزأهم إجماعاً.
والتعليل: - أن الجمعة إنما سقطت عنهم تسهيلاً عليهم وإعذاراً لهم فإذا حضروها أجزأت عنهم بلا خلاف.
• ثم قال رحمه الله:
ولم تنعقد به.
معنى لم تنعقد بهم أي لم يحسبوا في تكميل العدد المشترط ولا يجوز أن يقيموها منفردين.
والدليل: - قالوا: أن هؤلاء ليسوا من أهل الوجوب فلا يعتبروا في العدد ولا يقيموها بدون غيرهم.
بناء على هذا: الطلاب الذين يدرسون في الغرب واجتمعوا في مكان معين وحكمنا على وضعهم أنهم مسافرون فإنه لا يجوز لهم أن يقيموا الجمعة فإن أقاموها لم تنعقد بهم.
لأنهم ليسوا من أهل الوجوب.
هذا إذا اعتبرناهم مسافرين.
الخلاصة: أن المرأة والعبد والمسافر لا تنعقد بهم ومعنى لا تنعقد بهم أي: أنهم لا يحسبوا ضمن العدد المشترط ولا يمكن أن يقيموها منفردين.
- أما بالنسبة للمرأة فهو محل إجماع - هذا الذي نقرره.
محل إجماع عند الحنابلة وغيرهم. - إنما الخلاف في العبد والمسافر.
= والقول الثاني في العبد والمسافر: أنها تنعقد بهم.
الدليل: - أنهم مكلفون تصح منهم الصلاة فتنعقد بهم.
وهذا القول هو القول الصحيح في إكمال العدد بالنسبة للمسافر دون إقامتها منفردين فلا يشرع.
أما العبد: ففي إكمال العدد منفردين لأنه في رواية عن الإمام أحمد: تنعقد به ويجوز أن يؤم ولو قلنا بعدم الوجوب.
وهي الأرجح.
• ثم قال رحمه الله: ولم يصح أن يؤم فيها.
يعني: ولا يصح أن يكون العبد إماماً ولا المسافر وبطبيعة الحال ولا المرأة. - أما إمامة المرأة فتقدم معنا الكلام فيها وأن الجماهير بل إن ابن حزم حكى الإجماع على أن إمامة المرأة لا تصح.
- أما إمامة العبد والمسافر فالخلاف فيها كالخلاف في مسألة الانعقاد تماماً.
من حيث الأدلة والترجيح.
والصواب.
ما تقدم أنه يصح أن يكون إماماً.
لأن من صحة صلاته صحت إمامته.
• ثم قال رحمه الله:
ومن سقطت عنه لعذر: وجبت عليه وانعقدت به.
يعني: إذا سقطت صلاة الجمعة عن شخص لعذر من الأعذار كالمرض ثم حضر المسجد فإنه إذا حضر المسجد وجبت عليه وأيضاً انعقدت به.
مثاله: لو حضر إلى المسجد تسعةوثلاثون رجلاً والمريض الذي يكمل الأربعين في البيت ثم تحامل على نفسه ودخل المسجد الجامع حينئذ نقول يجب عليك أن تصلي ويجب على الناس أن يصلوا لأن العدد انعقد بمجيئك.
التعليل:
- قالوا إنما رفع عنه الوجوب للمشقة الحاصلة بخروجه إلى المسجد فإذا خرج وأصبح في المسجد فلا مشقة لأنه الآن في المسجد فتجب عليه وهذا صحيح بلا إشكال.
يستثنى من هذا الحكم صورة واحدة وهي: ما إذا تحامل على نفسه ودخل المسجد ووجبت عليه وصلوا جماعة ثم طرأ عليه من العذر ما لا يستطيع معه أن يبقى فحينئذ يرتفع الوجوب مرة أخرى ويجوز له أن يخرج إلى بيته ولو أدى ذلك إلى إبطال الجمعة بتخلف شرط العدد.
وشرط العدد سيأتينا الكلام عنه وعن ما هيته وأدلته.
• ثم قال رحمه الله: ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام: لم تصح.
يعني إذا وجبت على الإنسان صلاة الجمعة ثم خالف ولم يصل الجمعة فهو آثم هذا أولاً.
وثانياً: إن صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة بطلت صلاة الظهر بالنسبة له.
ثم إذا بطلت نقول له: انظر إن كان يمكن أن تدرك الجمعة وجب عليك السعي إليها وإن قدرت أنه لا يمكن أن تدرك الجمعة لبعد مثلاً فيجب عليك أن تنتظر إلى أن يصلي الإمام الجمعة ثم تصلي بعد ذلك الظهر.
إذاً ما يريد المؤلف جواز التخلف فإنه إذا تخلف فهو آثم لكن يريد المؤلف أن يبين حكم صلاة الظهر بالنبة لمن صلاها قبل الإمام وهي تجب عليه.
الدليل: - أنه ترك ما أمر به وفعل ما لا يؤمر به: والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل فعل ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود باطل.
وهذا الحكم صحيح وما استدل به الحنابلة صحيح.
بناءً على هذا نقول: لمن تخلف عن صلاة الجمعة وصلى الظهر قبل أن يصلي الناس نقول: - أنت آثم بترك الجمعة.
- وصلاة الظهر التي صليتها باطلة ويجب عليك أن تعيد صلاة الظهر مرة أخرى لأن تلك الصلاة باطلة.
وهذا ما لا يتفطن له كثير من الناس الذين يتركون صلاة الجمعة - نسأل الله العافية والسلامة - ويصلونها ظهراً في بيوتهم.
• ثم قال رحمه الله:
وتصح: ممن لا تجب عليه.
يعني: إذا صلى من لا تجب عليه صلاة الجمعة إما لكونه عبداً أو لكونه امرأة أو لكونه مريض أو لأي عذر من الأعذار إذا صلى فصلاته صحيحة ولو كانت قبل صلاة الجمعة.
التعليل: - أن هذا الرجل صلى ما فرض الله عليه فصلاته صحيحة لأن هذا الرجل إنما فرض الله عليه الظهر بينما ذاك الرجل - المتخلف - أن ما فرض الله عليه الجمعة لا الظهر.
• ثم قال رحمه الله:
والأفضل حتى يصلي الإمام.
يعني: والأفضل لمن لم تجب عليه صلاة الجمعة لعذر أن يؤخر صلاة الظهر حتى يصلي الإمام وعلل الحنابلة ذلك بأنه ربما يزول العذر فتجب عليه صلاة الجمعة.
إذاً: نقول أن هذا الاستحباب ينبغي أن يقيد بمن يظن زوال العذر مثل ماذا؟ مثل: المريض.
وأما من لا يمكن أن يزول عنه هذا الوصف فلا تتعلق به هذه الأفضلية مثل من؟ مثل: المرأة فإنه لا يتصور فيها هذا الحكم.
مثال آخر: كالمريض الذي لا يتصور أن يشفى بساعة أو بساعتين فهذا أيضاً نقول: يمكن أن يصلي ولا يشترط أن ينتظر لأنه إذا صلى في أول الوقت فسيحصل فضيلة الصلاة أول الوقت فلا نأمره بالانتظار إلا إذا ظننا أنه يمكن أن يشفى.
• قال رحمه الله:
ولا يجوز لمن تلزمه: السفر في يومها بعد الزوال.
يعني لا يجوز للإنسان الذي تلزمه صلاة الجمعة أن يسافر بعد الزوال.
= وهذا مذهب الجمهور.
واستدلوا على ذلك: - بأن هذا السفر يؤدي إلى تضييع الواجب.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز السفر في حالين:
- بعد الزوال.
- وإذا سمع النداء ولو كان قبل الزوال.
وهذا القول اختاره الطوفي.
= وهناك قول ثالث: ذكره شيخنا رحمه الله في الممتع ولا أدري من قال به: وهو أنه يقول: أنه لا يجوز السفر إذا سمع الإنسان النداء فنعلق الحكم بسماع النداء لا بالزوال.
أي القولين أحوط: (أضيق).
ما اختاره الطوفي أو القول الأخير؟ ما اختاره الطوفي لأنه يقول: حتى لو لم تزل إذا سمعت النداء.
أما إذا زالت فلا إشكال.
بينما شيخنا يعلقه بالنداء: فإذا زالت الشمس ولم يؤذن وليس في هذه المدينة إلا مسجد واحد فهل يجوز أن يسافر؟ يجوز.
والصواب في الحقيقة: ما اختاره الطوفي.
السبب؟ السبب: أن الزوال هو بحد ذاته هو سبب الوجوب فإذا زالت الشمس وجبت الصلاة ولو لم تسمع النداء.
ولذلك لو كان الإنسان مسافراً وزالت الشمس ولم يسمع نداءً مطلقاً فهل يجب عليه أن يصلي الظهر؟ نعم.
يجب تتعلق بذمته.
كذلك نقول إذا زالت الشمس يوم الجمعة فقد وجبت صلاة الجمعة عليه سواء سمع النداء أو لم يسمعه.
وفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن السفر قبل الزوال جائز.
وهو صحيح.
فإنه جائز لكن مع ذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: قل من سافر قبل الزوال يوم الجمعة إلا ويرى ما يكره.
يقول هكذا رحمه الله.
لكن من حيث الأدلة فالسفر قبل الزوال جائز.
= والقول الثاني: أن السفر يوم الجمعة جائز قبل وبعد الزوال.
وهو مذهب الأحناف.
واستدلوا: - بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجمعة لا تمنع السفر.
والجواب عليه: أولاً ينظر في ثبوته فإن كان ثابتاً.
فإنه يحمل على ما كان قبل الزوال.
والصواب هو ما اختاره الطوفي - كما قلت لكم - لأن السفر في هذه الحالة يؤدي إلى تضييع الواجب.
والله سبحانه وتعالى نهى عن البيع والشراء إذا سمع النداء فكيف بالسفر فإن السفر من باب أولى أنه يضيع صلاة الجمعة تضييعاً كاملاً بخلاف البيع والشراء فقد يضيع تضييعاً جزئياً بالتأخير.
وبهذا انتهى الفصل الأول من باب صلاة الجمعة.
ونتوقف عند هذا الفاصل ..... .
انتهى الدرس،،،
فصل
[شروط صحة صلاة الجمعة]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما أنهى المؤلف الكلام عن شروط الوجوب بدأ بالحديث عن شروط الصحة.
وشروطك الصحة عند الحنابلة أربعة ويأتينا الكلام مفصلاً عن كل شرط من هذه الشروط.
وبدأ المؤلف ببيان شرط ليس من الشروط:
• فقال رحمه الله:
يشترط لصحتها: شروطٌ ليس منها إذن الإمام.
يعني أنه لا يشترط لصحة الجمعة أن يأذن الإمام بالصلاة.
بل يجب أن يصلوا ولو لم يأذن لأنها فريضة ومن شعائر الإسلام الظاهرة فتصلى بكل حال.
والدليل على أن إذن الإمام ليس بشرط:
- الدليل الأول: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما حبس عثمان رضي الله عنه في بيته صلى بالناس الجمعة وأقره عثمان وأقره جميع الصحابة فهو كالإجماع بينهم مع العلم أنه لم يأذن له بسبب الحبس.
- الدليل الثاني: أن الفتنة بقيت سنين في الشام بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وكانوا يصلون الجمعة في أثناء الفتنة بلا إذن إمام.
فهذا الأمر واضح وأدلته قوية ومن أقوى الأدلة الأثر الثابت عن علي وعثمان رضي الله عنهما أيام حصر عثمان في البيت.
ثم بدأ رحمه الله بالشرط الأول: • فقال رحمه الله: أحدها: الوقت.
الشرط الأول من شروط صحة صلاة الجمعة: الوقت.
وكون الوقت شرط من شروط صحة صلاة الجمعة أمر متفق عليه وبالإجماع ولكن الخلاف في التفاصيل.
أما أن الوقت شرط فهو أمر مجمع عليه: - لأن الله سبحانه وتعالى بين أن الصلاة مقدرة بأوقات محدودة بها لا يجوز أن تصلى إلا فيها.
- وأيضاً: للأحاديث التي ستأتينا أثناء الكلام عن الخلاف في وقت الجمعة فإن هذه الأحاديث جميعاً تدل على اشتراط الوقت من حيث هو أما تحديده فسيأتينا أنه محل خلاف ,
• قال رحمه الله:
وأوله أول وقت صلاة العيد.
أول الوقت عند الحنابلة يبدأ من نفس الوقت الذي يبدأ منه صلاة العيد وهو بعد ارتفاع الشمس قدر رمح.
وهذا القول تفرد به الحنابلة من بين الأئمة الأربعة.
فهو من المفردات.
ويقسم الحنابلة الوقت إلى:
- وقت جواز.
- ووقت وجوب.
فوقت الجواز يبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح.
ووقت الوجوب من الزوال.
الذي تفرد به الحنابلة هو أن وقت الجواز يبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح.
استدل الحنابلة على هذا بأدلة كثيرة: - الدليل الأول: أن الصحابة قالوا: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة).
ولا يسمى الغداء ولا القيلولة إلا إذا كانت قبل الزوال. - الدليل الثاني: قول الصحابة: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نذهب إلى رواحلنا حين تزول الشمس.
يعني أن الصلاة كانت قبل الزوال. - الدليل الثالث: ما رواه سهل رضي الله عنه أنه قال: (صليت مع أبي بكر قبل منتصف النهار وصليت مع قريباً من منتصف النهار وصليت مع عثمان حين زالت الشمس).
فكون أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يصلون قبل الزوال ويوافقهم جميع الصحابة فهذا دليل على أن هذا الوقت وقت جواز.
وهذا الأثر اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه:
فإذا أردنا أن نعرف الساعة السادسة نقسم ما بين طلوع الفجر إلى الزوال ست ساعات ففي الساعة السادسة تكون هي التي يجوز فيها أن يصلي.
والقول بجواز الصلاة في الساعة السادسة أيضاً من المفردات كما أن القول الأول من المفردات وهو رواية عن الإمام أحمد وهو من المفردات.
والذي أراه أن الصلاة تجوز في الساعة السادسة تجوز بلا حرج ولا تردد لصحة الآثار وكثرتها الدالة على جواز إقامة الجمعة قبل الزوال قريباً من الزوال.
إذاً عرفنا الآن أول وقت صلاة الجمعة.
• ثم قال رحمه الله:
وآخره آخر وقت صلاة الظهر.
يعني ينتهي وقت الجمعة بانتهاء وقت صلاة الظهر وهذا أمر مجمع عليه: أن وقت صلاة الجمعة ينتهي بانتهاء وقت صلاة الظهر وهذا هو الشيء المتفق عليه بين أهل العلم.
أما متى ينتهي وقت صلاة الظهر فهو محل خلاف وتقدم معنا.
• ثم قال رحمه الله:
فإن خرج وقتها قبل التحريمة: صلوا ظهراً.
يعني: إذا خرج وقت صلاة الجمعة قبل أن يكبر الإمام للتحريمة فقد فاتت الجمعة ويجب عليهم أن يصلوها ظهراً.
والدليل: من وجهين:
- الأول: الإجماع.
- الثاني: لفوات الشرط.
وهو الوقت فإذا فات شرط الوقت وهو شرط صحة لم يمكن تصحيح صلاة الجمعة فوجب أن يصلوها ظهراً.
وهذا الأمر لا إشكال فيه ولذلك هو محل إجماع.
• ثم قال رحمه الله:
وإلاّ فجمعة.
أي: وإن أدركوا منها قدر التحريمة صحت جمعة فيصلون ركعتين.
= وهذا مذهب الحنابلة.
فإذا كبر قبل خروج الوقت بثلاث دقائق - على سبيل المثال - صحت جمعة.
= والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أنهم لا يدركون الصلاة جمعة إلا بإدراك ركعة.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وهذا في الصحيح.
وفي رواية خارج الصحيح ضعيفة: (من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة).
لكن الحديث الأول يكفي.
وإلى هذا القول أيضاً ذهب ابن قدامة رحمه الله.
وهو الأقرب إن شاء الله.
فإذا لم يدركوا من الوقت قدر ركعة صلوها ظهراً.
• ثم قال رحمه الله: - مبيناً الشرط الثاني: الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها.
يشترط لصحة الجمعة: الجماعة - أي العدد -.
ويشترط لهؤلاء: أن يكونوا من أهل الوجوب.
لذلك يقول رحمه الله: من أهل وجوبها.
وقد بين رحمه الله أهل الوجوب عند قوله: (تلزم كل ذكر حر ... ) إلى آخره.
وكونه يشترط لصلاة الجمعة العدد أو الجماعة أمر متفق عليه بين الفقهاء إلا من شذ ولم يعتبر بقوله.
لكنهم اختلفوا في العدد المشروط - فهم اتفقوا على اشتراط العدد واختلفوا فيه - على أقوال كثيرة أوصلها الحافظ بن حجر إلى خمسة عشر قولاً نأخذ منها فقط رؤوس الأقوال القوية:
= فالحنابلة: يرون أنه يشترط حضور أربعين من أهل الوجوب.
فإن قَلَّ العدد عن هذا بواحد لم تصح جمعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن أول جمعة صليت بالمدينة صلى فيها أربعون من أهل الوجوب.
والجواب على هذا الدليل: أن هذه الواقعة واقعة عين لا عموم لها فربما لو كانوا أكثر أو أقل لصحت الصلاة.
والقاعدة الأصولية تقول: ((وقائع الأعيان لا عموم لها)). - واستدلوا بأحاديث فيها النص على اشتراط حضور أربعين.
وكل حديث فيه النص على اشتراط حضور أربعين فهو ضعيف وبذلك ننتهي من مناقشة كل حديث.
= القول الثاني: وهو مذهب المالكية.
قالوا: أنه لابد من حضور اثنار عشر رجلاً.
فإن قَلُّوا عن هذا العدد لم تصح.
واستدلوا على هذا: - بأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بأصحابه يوماً وقد كانوا ينتظرون عيراً تقدم من الشام فلما قدمت انفضوا إليها ولم يبلق معه إلا اثنا عشر رجلاً ومع ذلك صلى بهم الجمعة صلى الله عليه وسلم.
فدل على أن هذا العدد هو أقل عدد.
والذين بقوا من الصحابة وهم الاثني عشر هم العشرة المبشرون بالجنة وبلال وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وأما الباقون فقد خرجوا.
والجواب عن هذا الحديث: أن هذه واقعة عين أيضاً لا عموم لها أبداً وصادف مصادفة وجود هذا العدد ولو بقي رجل لم يخرج لصاروا ثلاثة عشر ولو خرج أحد الاثنا عشر لكانوا إحدى عشر.
فهي واقعة عين لاعموم لها قطعاً.
= القول الثالث: أن العدد المشترط ثلاثة: وهو رواية عن أحمد اختارها شيخ الاسلام. - لأن أقل الجمع ثلاثة.
- ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مامن ثلاثة لا تقام فيهم صلاة الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان).
والجواب على هذا الحديث: من وجهين:
- الأول: أن مفهوم العدد ضعيف وسيأتيكم في أصول الفقه أن مفهوم العدد من أضعف المفاهيم.
- الثاني: أن هذا العدد خرج مخرج الغالب وإلا فإنه قد أجمعت الأمة على أن صلاة الجماعة تحصل باثنين لكن الحديث خرج مخرج الغالب.
= القول الرابع - الأخير: وهو قول للفقيه أبي ثور والنخعي وداود الظاهري واختاره الشوكاني وعدد من أهل العلم أنه يكفي في الجمعة ما يكفي في الجماعة.
أي يكفي أن يوجد اثنين.
واستدلوا على ذلك: - أنه لا يوجد دليل يدل على الزيادة عن هذا المقدار وكل عدد قيل فهو تحكم بلا دليل.
فإذا وجد إمام يخطب ورجل واحد يستمع صحت الجمعة.
والراجح والله أعلم هو هذا القول - الرابع - وإليه أيضاً مال ابن حزم.
وهذه المسائل افتراضية ويصعب جداً أن تقع لا سيما بالنسبة للقول الثالث والرابع - ثلاثة أو اثنين فمتى يحصل أن لا يوجد إلا ذلك لكن هذا هو الراجح فيما لو حصل هذا الأمر فإن الجمعة يجب أن تقام بوجود اثنين من أهل الوجوب ولو امتنع أهل القرية كلهم إلا شخصان وجب عليهم أن يقيموا صلاة الجمعة أحدهما يخطب والآخر يستمع.
• ثم قال رحمه الله:
الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين.
= يشترط الحنابلة بل الجمهور لصحة إقامة الجمعة.
- أن يكون أهل الوجوب مستوطنون بقرية مبنية.
سواء كان البناء من طين أو من جريد النخيل أو من أي مادة.
- ويشترط أن يجمعهم اسم واحد أي أن تسمى هذه القرية باسم واحد.
- ويكون أهل القرية نازلون في القرية صيفاً وشتاءً لا يظعنون عنها أبداً ولا يتنقلون.
فإذا وجدت هذه الشروط صحت الجمعة.
والدليل على هذا الشرط:
- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعراب الذين حول المدينة بصلاة الجمعة فدل هذا على أن الاستيطان ببناء شرط.
= القول الثاني: أنه لا يصح إقامة الجمعة في القرى بل لا تكون إلا في الأمصار والمدن لا في القرى.
وهذا مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا: - بأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (لا جمعة إلا في الأمصار الجامعة).
بناء على هذا القول: يحتاج الأحناف أن يبينوا لنا ما هو الضابط في الفرق بين المدينة أو المصر وبين القرى؟
اختلفوا في ذلك إلى نحو ستة أقوال في تحديد ذلك.
ونحن سنأخذ المشهور عندهم فقط.
- فالمشهور الذي هو المذهب عند الأحناف أن: - أن المصر: كل موضع له قاض ومفت ووال يقيم الحدود.
فإذا وجدت هذه الأشياء اعتبرنا هذا المكان مصر أو مدينة وإلا فهي قرية. - الضابط الثاني: وهو المشهور عن أبي يوسف من الأحناف - أن المصر هو الموضع الذي اجتمع أهله في المسجد الجامع لم يسعهم.
= القول الثالث: - والأخير: أن الجمعة تقام في كل جماعة أقاموا في مكان واحد ولو بلا بناء ولو كانوا في الخيام بشرط أن لا يتنقلوا لطلب الكلأ والماء.
وهذا القول اختاره شيخ الاسلام رحمه الله.
والأقرب والله أعلم مذهب الجمهور مع قوة ما اختاره شيخ الاسلام إلا أني أظن أنه يندر أن يوجد أناس يسكنون سكناً دائماً في خيام بل متى اتخذ الإنسان الخيمة صار التنقل من صفته ولو أراد أن يتخذ مكاناً للإقامة الدائمة لم يكتف بالخيمة بل يتخذ بناء.
وشيخ الاسلام رحمه الله نوعية البناء سواء كانت من طين أو من حجر أو من نخل فهذل ليس له أي علاقة بالحكم إنما المهم أن يكون مقيماً وفي الحقيقة كما قلت لكم الخلاف بين الجمهور وشيخ الاسلام قد يكون ضيق جداً لأنه يندر أن يوجد مجموعة من الأعراب يسكنون سكناً دائماً في الخيام في موضع واحد.
والأعراب الآن إذا أرادوا أن يسكنوا في مكان واحد دائماً لابد أن يضعوا شيئاً أكثر من الخيام فيبنوا بناء ولو كان بسيطاً.
إذاً الأقرب قول الجماهير مع أن الخلاف ضيق بينهم وبين شيخ الاسلام.
وقبل أن ننتقل عن هذه المسألة نسيت أن أذكر لكم تحرير محل النزاع فنقول: - اتفق الفقهاء كلهم على أن أهل الخيام الذين يتنقلون لا تجب عليه الجمعة بالإجماع.
- واتفق الفقهاء على أن أهل الصحارى البعيدة عن المدن الذين لم يتخذوها موطناً وبناءً لا تجب عليهم الصلاة بالإجماع.
واختلفوا فيما عدا هذا مما ذكرته في الأقوال.
إذاً عرفنا الآن أن الاستيطان في قرية شرط صحيح وأن المتنقلون لا يجوز لهم أن يقيموا الجمعة.
وبناء على هذا: - كما قلت أهل الخيام لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم.
- وأهل السفن لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم - خلافاً لما قلته أمس -.
إذاً نقول أهل الخيام وأهل السفن لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح.
- وبالنسبة لأهل السفن الذين يسافرون فأمرهم واضح لأنا أخذنا أن المسافر لا تنجب عليه.
- وبالنسبة لأهل السفن الذين يمكثون - كما قال أخونا في السؤال - وهو يوجد فعلاً وكثير - سواء يمكثون لصيد السمك أو للبحث هن شيء معين للتنقيب أو لأي غرض فلا تجب عليهم صلاة الجمعة ولا تصح منهم لأنهم لم يستوطنوا في بناء ولأنهم سيرحلون ولو طال بهم الوقت.
أما أهل السفن الذين - كما يفعله بعض الناس اليوم - أنهم إذا ركبوا في السفينة وهم مسافرون أقاموا الجمعة فهذا لا شك أنه ليس بمشروع وأنهم يجب عليهم كلهم أن يعيدوها ظهراً لأن المسافر السائر لا إشكال أن الجمعة لا تجب ولا تصح منه ومن أقامها فقد خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الأئمة الخلفاء الراشدين وهدي عامة الصحابة والسلف لأنهم كانوا لا يقيمون صلاة الجمعة في السفر.
وكذلك نقول لو وجد الطلاب والعمال الذين يغتربون لا يوجد معهم شخصان مقيمان مستوطنان ممن تجب عليهم الجمعة فإنه إذا لم يوجد هذان الشخصان فإنه لا يجوز لهم أن يقيموا الجمعة فإن أقاموها فإنهم يعيدونها ظهرا.
إذاً لابد من مراعاة شرط السفر وشرط الإقامة والاستيطان.
وشرطا الإقامة والاستطيان متفق عليهما ولكن الاختلاف في متى تحصل هذه الإقامة هل لابد من مصر أو يكفي قرية؟ أو يكفي الخيام إذا كان أهلها لا يتنقلون بها؟.
إذاً عرفنا الآن حدود من تجب عليه صلاة الجمعة ومن لا تجب.
• ثم قال رحمه الله: وتصح: فيما قارب البنيان من الصحراء.
معنى هذه العبارة: أنه يجوز للإمام أن يقيم صلاة الجمعة في الصحراء القريبة من البنيان ولا يجب أن يقيمها داخل المدينة في الجوامع بل يجوز أن يقيم الجمعة خارج البنيان. - واستدلوا على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام العيد خارج البنيان والجمعة عيد الأسبوع فدل هذا على جواز إقامة الجمعة خارج البنيان قريباً منه.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن تقام الجمعة إلا في الجوامع داخل الأمصار.
فإن أقاموها خارج المدينة لم تصح.
والقول الأول هو الصواب.
وعرفنا من عبارة المؤلف أنهم لو أقاموا الجمعة خارج البنيان بعيداً لم تصح.
وهذا صحيح.
لأن الذي جاء في السنة إقامة العيد قريباً من البنيان فإن أقاموها بعيداً عن البنيان لم تصح.
إذاً عرفنا الآن جواز إقامة الجمعة قريباً من البنيان.
وعلى القول بالجواز فإذا أقام الإمام الجمعة خارج البنيان وكان في البلد كبار أو زمنا أو من لا يستطيع أن يخرج لأي سبب فإنه يجب عليه وجوباً أن ينيب عنه من يصلي الجمعة بهؤلاء الذين لم يستطيعوا الخروج.
ثم رجع المؤلف إلى الكلام عن شرط العدد:
• فقال رحمه الله:
فإن نقصوا قبل إتمامها: استأنفوا ظهراً.
ولو أنه جعل هذه العبارة بعد الشرط الثاني مباشرة لكان أنسب ولكنه هكذا صنع.
• قال رحمه الله: فإن نقصوا قبل إتمامها: استأنفوا ظهراً.
معنى هذه العبارة: أنه يشترط وجود العدد في جميع الصلاة فإن تخلف العدد في جزء من أجزاء الصلاة بطلت واستأنفوها ظهراً عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا:
- بأن شرط الشيء يجب أن يوجد فيه جميعاً - كما نقول بالطهارة بالنسبة للصلاة وستر العورة ... إلخ من شروط الصلاة.
فإن نقص العدد استأنفوها ظهراً: يعني ولا يجوز أن يتموها ظهراً.
فإذا خرج بعض الناس وبخروجه نقص العدد والإمام يصلي وعلم بخروجهم فالواجب عليه أن يترك هذه الصلاة وأن يستأنف الصلاة ظهراً.
فإن أتم الجمعة ظهراً لم تصح.
انتهى الآن تقرير مذهب الحنابلة.
= القول الثاني: أنه يجوز أن يتموها جمعة مطلقاً وإن نقص العدد في أثنائها.
= القول الثالث: أنه إذا نقص العدد أتموها ظهراً ولا يحتاج أن يستأنفوها.
ولا نريد أن نذكر الأدلة بالنسبة للقول الثاني والثالث لأنهما مرجوحين.
= القول الرابع: أنه إن نقص العدد قبل أن يأتوا بركعة استأنفوها ظهراًَ وإن نقص العدد بعد أن أتوا بركعة صلوها جمعة. - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أدرك الصلاة فهو حينئذ أدرك الجمعة.
وهذا القول هو الصواب.
أنه يفرق بين أن ينقص العدد قبل ركعة أو بعد ركعة.
وتقدم معنا في كتاب الصلاة أن مقصود الفقهاء إذا قالوا أدرك ركعة أو لم يدرك ركعة أي ركعة كاملة بسجدتيها.
• ثم قال رحمه الله:
ومن أدرك مع الإمام منها ركعة: أتمها جمعة.
إذا لم يدرك المأموم مع الإمام في صلاة الجمعة إلا ركعة فإنه يتمها جمعة.
واستدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الأول: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة.
- الثاني: أنه أفتى بهذا عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم لهم مخالف.
= والقول الثاني: أن من أدرك من الصلاة ركعة فإنه يصليها ظهراً. - لأنه يشترط لصحة الجمعة حضور الخطبة فمن لم يحضر الخطبة فإنه يصلي أربعاً.
لأن الخطبة - كما سيأتينا - شرط في صحة الجمعة.
فإذا لم يدرك شرط الصحة لم تصح له.
بناءً على هذا القول: جميع الناس الذين يأتون بعد خطبة الإمام نقول لهم: لا تصح منكم الصلاة جمعة ويجب أن تصلوها أربعاً ظهراً.
والراجح.
القول الأول لأن معهم نص صريح وهو من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة وهذا النص لا يستطيع الإنسان أن يتجاوزه مهما كانت قوة تعليل القول الثاني.
• ثم قال رحمه الله: وإن أدرك أقل من ذلك: أتمها ظهراً.
يعني: وإن أدرك أقل من الركعة فإنه يتم الصلاة ظهراً.
ولإتمامه الصلاة ظهراً شروط ستأتينا في آخر عبارة المؤلف لكن المقصود الآن أنه إذا لم يدرك ركعة بل أدرك أقل من ركعة فإنه يصليها ظهراً.
واستدلوا: - بمفهوم النصوص السابقة.
إذا يدل مفهوم تلك النصوص على أن من لم يدرك ركعة وإنما أدرك أقل لم يدرك الصلاة.
= والقول الثاني: لأبي حنيفة أن المأموم يدرك الجمعة بإدراك أي جزء من صلاة الجمعة ولو لم يدرك إلا التشهد الأخير.
واستدل على هذا: - بأن كل من لزمه البناء على صلاة إمامه بإدراك ركعة لزمه بإدراك أي جزء منها كالمسافر يدرك المقيم.
الآن - عند الحنابلة: إذا أدرك المسافر خلف المقيم التشهد الأخير فكم يلزمه أربعاً.
فالأحناف يقولون كذلك هنا إذا أردتم أن تلزموه بأنه باعتبار أنه أدرك جزءاً من الصلاة يصلي جميع الصلاة فهنا نقول باعتبار أنه أدرك جزءاً من الصلاة يكون أدرك الصلاة.
والجواب عليه: وهو أن القاعدة منقوضة من أصلها وهو أن المسافر إذا لم يدرك ركعة مع المقيم لم يجب عليه أن يصلي أربعاً وجاز له أن يصلي ركعتين.
إذاً إلزام أبي حنيقة للحنابلة صحيح لكن على القول الصحيح لا يلزم هذا الإلزام ونخرج عنه بما ذكرت من أن المسافر يصلي ركعتين إذا لم يدرك ركعة مع الإمام المقيم.
• ثم قال رحمه الله:
إذا كان نوى الظهر.
يعني: يشترط للمأموم المسبوق في الجمعة الذي لم يدرك ركعة وأمرناه أن يصليها ظهراً يشترط أن ينوي قبل التحريمة أنها ظهر فإن لم ينو بطلت وأعادها ظهراً.
التعليل: - قالوا: لوجهين:
- الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا دخل وقد نوى أن يصلي الجمعة والجمعة شيء والظهر شيء آخر.
- الوجه الثاني: قالوا: نحن نبني هذا على الأصل السابق وهو أن صلاة الجمعة صلاة مستقلة وليست هي صلاة الظهر.
- ثالثاً: القاعدة المقررة وهي أنه لا يستطيع الإنسان أن ينتقل بنيته من معين إلى معين لا سيما في الفرائض وهنا انتقل من معين إلى معين.
فالمعين الأول هو: الجمعة.
والمعين الثاني هو: الظهر.
وهذه الأدلة قوية جداً ووجيهة غاية ما تكون الوجاهة.
= والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يجوز أن ينويها جمعة ثم يقلبها إلى الظهر إذا تبين له أنه لم يدرك مع الإمام ما يجزئ في الجمعة.
واستدلوا بأدلة: - منها: عكس القاعدة السابقة وهي: أن الجمعة هي الظهر ولكنها مقصورة.
وتقدم معنا أن الجمعة مستقلة وليست هي الظهر مقصورة. - واستدلوا بدليل آخر: وهو المشقة والعنت والحرج الذي يلحق الناس من اشتراط أن ينوي الظهر فإنك لا تكاد شخصاً من العوام إذا دخل مع الإمام في صلاة الجمعة ينوي أنها ظهراً وإنما يدخل معه فإن تبين له أنه لم يدرك ولا ركعة صلاها أربعاً - إن كان أيضاً أنه يفهم هذا الأمر.
إذاً: في إلزام الناس بأنه يجب أن تنويها ظهراً إذا لم تدرك ركعة فأكثر فيه مشقة ظاهرة.
ومع ذلك أنا أقول أن الراجح مذهب الحنابلة لقوة الأدلة ووضوح الدلالة منها.
ومسألة المشقة والعنت لا تكفي في الحقيقة لترجيح القول الثاني.
ونقول للمتأخر أنت أسأت بهذا التأخر وأنت لست أهلاً لرفع الحرج لأن الشخص الذي تأخر وترك الخطبة الأولى والثانية والركعة الأولى والثانية ليس أهلاً أن يراعى فنقول له: إذا دخلت ناوياً الجمعة ثم تبين لك أنك لم تدرك ولا ركعة يجب عليك أن تعيدها ظهراً ولو كان صلى أربعاً لأنه دخل بنية الجمعة.
والله أعلم وصلى الله على محمد ...
انتهى الدرس،،،