كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
ثم - قال رحمه الله - مبيّنا النصاب (وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار أو عرض قيمته كأحدهما)
ذهب الحنابلة إلى أنّ النصاب مقدر بأصلين الفضة والذهب وأنه إذا بلغت قيمة العرض أيّا منهما فإنه يقطع بأخذه ولهذا يقول - رحمه الله - وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار واستدل الحنابلة على هذا بأنّ رجلا سرق مجن والمجن هو الترس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعت يده لأنه قوّم المجن فبلغ ثلاثة دراهم.
والدليل الثاني لهم: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لا قطع في أقل من ربع دينار فجاءت النصوص باعتبار الذهب والفضة.
القول الثاني: أنّ الأصل في النصاب هو الفضة ويقدر به الذهب والمتاع لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سرق الرجل المجن قدره بالفضة ولم يقدره بالذهب.
القول الثالث: أنّ الذهب أصل بنفسه لنفسه فقط , والفضة أصل لنفسها وتقوّم بها الأعيان.
والقول الأخير: أنّ الأصل هو الذهب فقط وما عداه يقوّم به.
والراجح المذهب لأنّ النصوص اعتبرت الذهب والفضة فنقدر المتاع بهما فإذا صار قيمة المتاع إذا اعتبرناه بالدراهم نصابا وإذا اعتبرناه بالذهب ليس بنصاب يقطع أو لا يقطع؟ يقطع عند الحنابلة ولا يقطع عند القائلين بأنّ الأصل في التقويم هو الذهب فهذه المسألة ينبني عليها الحكم بشكل واضح بأنّا نقدر الأعيان المروقة إما بالذهب أو بالفضة والراجح كما قلت إن شاء الله المذهب.
ثم - قال رحمه الله - (وإن نقصت قيمة المسروق أو ملكها السارق لم يسقط القطع)
معنى هذا الكلام أنّ السارق إذا سرق المتاع ثم لما سرقه نقصت قيمته فإنه لا يسقط القطع , لأنّ الشرط هو أن يخرج المسروق بقيمته من حرزه ثم نقصه بعد ذلك لا قيمة له بدليل أنه لو أخرجه ثم استعمله فإنّ القيمة ستنقص بهذا الاستعمال والقطع لابد منه.
ثم - قال رحمه الله - (أو ملكها السارق)
إذا ملكها السارق بهبة أو ببيع أو بإرث فإنّ القطع لا يسقط مقصود المؤلف يعني إذا وصلت إلى الحاكم فإنه إذا ملكها بعد وصولها إلى الحاكم فإنّ القطع لا يسقط فإذا قال السارق للمسروق سأشتري منك السلعة بعد أن وصلت إلى الحاكم فإنه لو اشترى لا يسقط القطع أما إذا اشتراها قبل أن تصل القضية إلى الحاكم وترفع إليه فإنّ القطع يسقط حينئذ.
ثم - قال رحمه الله - (وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز)
تعتبر القيمة وقت الإخراج من الحرز لأنه وقت السرقة والسرقة هي سبب القطع فلما كانت السرقة هي سبب القطع اعتبرنا وقتها ففي الوقت الذي يخرج فيه المتاع من الحرز نعتبر القيمة في ذلك الوقت لا قبل ولا بعد فإذا أخرج السلعة من الحرز فلما أخرجها وصارت خارج الحرز ارتفعت وبلغت نصابا فلا قطع ولو أخرجها ثم نزلت وصارت أقل من النصاب فيجب القطع.
الدرس: (4) من الحدود
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال - رحمه الله - (وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز)
هذا تقدم معنا وأنّ سببه أنّ الإخراج هو سبب وجوب القطع فاعتبرنا وقته وتقدم في الدرس السابق.
ثم - قال رحمه الله - مفرعا على هذا القيد (فلو ذبح فيه كبشا أو شق فيه ثوبا فنقصت قيمته عن نصاب ثم أخرجه)
هذه المسائل مفرعة أنّ الوقت الذي يعتبر فيه القيمة هو الإخراج من الحرز فإذا ذبح الكبش قبل أن يخرجه من الحرز فإنّ هذا الكبش بذبحه تنزل قيمته فإذا نزلت قيمته عن النصاب فإنه لا قطع فيه فإذا ذبحه ثم أخرجه فلا قطع قيمة الكبش بسبب الذبح قبل إخراجه كذلك إذا شق فيه ثوبا يعني في الحرز قبل أن يخرجه ونقصت قيمته عن النصاب ثم أخرجه فلا قطع للسبب ذاته وهو أنه نقصت قيمته عن النصاب ويستوي في هذا ما إذا صار النقص أو وقع النقص بفعل السارق أو بغير فعله مثل أن يسقط الشيء بلا سبب من السارق ثم تنقص قيمته ومثل أن يقوم هو بتكسير الشيء وتنقص قيمته فالصورتين لهما نفس الحكم.
يستثنى من هذا ما إذا صنع هذا الصنع حيلة لأنّ الحيل لا تسقط الواجبات ولا تبيح المحرمات فإذا فعل هذا حيلة ليتخلص من القطع فإنه لا تنفعه هذه الحيلة ويقطع.
ثم انتقل الشيخ - رحمه الله - إلى الشرط الثالث من شروط وجوب إقامة حد السرقة.
فقال - رحمه الله - (وأن يخرجه من الحرز)
ذهب الحنابلة بل الأئمة الأربعة إلى أنّ الحرز شرط فإذا سرق من غير حرز فلا قطع والأئمة الأربعة بل الجماهير استدلوا على هذا بالحديث السابق فيمن أخذ من ثمر الحائط وفي آخر الحديث فإذا أواه الجرين ثم أخذ فإنه يقطع فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - القطع في صورة واحدة وهي ما إذا وصلت الثمرة إلى الجرين لأنه حرز ولم يجعل القطع فيما دون ذلك لما إذا أخذ من الشجرة وأخرجه خارج البستان أو أكل منه داخل البستان فلا قطع لعدم تحقق شرط الحرز.
والقول الثاني: أنّ السارق يقطع وإن أخرجه من غير حرز لأنه أخذ المال بغير حق والصواب مع القول الأول.
بل القول الثاني فيه شذوذ والعمل على خلافه بين قضاة المسلمين على مدار الأعصار فهو شاذ في الحقيقة.
ثم - قال رحمه الله - مبيّنا الحرز (وحرز المال ما العادة حفظه فيه)
لما بيّن أنّ الحرز شرط لوجوب القطع انتقل إلى بيان ماهية الحرز.
والحرز هو ما يحفظ فيه الشيء وتحديد كون المكان المأخوذ منه حرزا أو لا يرجع فيه إلى العرف والسبب في هذا أنّ الشارع لما بيّن وجوب اعتبار الحرز ولم يبيّن حد الحرز رجعنا فيه إلى العرف.
يقول الشيخ - رحمه الله - (ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره)
فذكر عدة اعتبارات يختلف فيها اعتبار الشيء حرزا أو لا.
الأول" طبيعة المال فمن الأموال ما يوضع في صندوق ومنها ما يوضع في البيت بلا صندوق ومنها ما يوضع في الدكان ومنها ما يوضع في الشارع فهو يختلف باختلاف طبيعة المال ويختلف باختلاف طبيعة البلدان وطبيعة البلدان تختلف باعتبارين , باعتبار طبيعة الناس وخفة الدين وكثرة السرقة أو باعتبار السلطان وهو الذي أشار إليه في قوله وعدل السلطان وجوره فكلما كان السلطان عادلا مقيما للحدود انتشر الأمن وخفت السرقة وكلما كان العكس حصل عكسه.
ثم - قال رحمه الله - (وقوته وضعفه)
هناك بين عدل السلطان وجوره وبين قوته وضعفه فقد يكون عادلا ضعيفا وقد يكون صاحب جور وقوي والحقيقة المؤثر في الحكم هنا المؤثر الأول القوة , والضعف أكثر منه في العدل والجور فإنّ السارق يخشى السلطان القوي أكثر من خشيته للسلطان العادل لكن بطبيعة الحال أنّ غالب السلاطين إذا كانوا أهل عدل فإنهم سيقومون بما أوجب الله عليهم من حفظ الأموال والأنفس والأعراض ويكون في هذا كف للسارق على كل حال الأموال تختلف بهذا الاعتبار ولهذا قال كأنه مبيّنا للقيد الأول كأنه يشرح قوله باختلاف الأموال.
ولهذا يقول - رحمه الله - (فحرز الأموال والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة)
هذا النوع من الأموال وهي الجواهر والنقود والأقمشة يكون حفظها بأمرين: أن تكون خلف الأبواب وخلف الأغلاق فيشترط أن تكون الأبواب مغلقة وأن تكون أيضا محكمة بالأقفال بلا هذين القيدين يكون المال ليس في حرز مثله , وفهم من كلام المؤلف أنّ المال إذا كان داخل بيت والباب مقفل ومغلق لا يشترط مع هذا أن نضع المال في صندوق بل صرح الحنابلة بما يدل على أنهم لا يرون هذا صراحة في مسألة أخرى وهي قولهم فإذا كان الباب مفتوحا فإن كانت الأموال في الصناديق فهي حرز وإلاّ فلا , فهم من مجموع هذه المسائل أنّ الحنابلة يرون أنّ الباب المغلق والمقفل بقفل أنّ هذا حرز ولا يشترط أن يكون في صندوق وما دام المؤلف أرجع أو أحال على العرف فعندنا الأعراف لا تكتفي في النقود بوضعها داخل المنازل ولو أغلقت الأبواب بل جرت العادة أن تحفظ داخل المنزل في وعاء خاص إما في صندوق أو تجوري أو دولاب المهم أن توضع في مكان خاص وليست توضع في البيت هكذا بدون حفظ ربما في القديم كانت العادة أن توضع الأشياء في البيوت بلا حفظ ربما ولكن العرف الآن أنه لا بد أن توضع في صندوق.
فمثلا لو كان صاحب البيت تاجر مجوهرات فليس من المنطق أبدا أن يأتي بكراتين من المجوهرات ويضعها في مجلس الرجال كمستودع للمجوهرات ثم إذا سرقت يقول أنها سرقت من حرز لأنّ وضعها في هذا المكان ليس وضعا لها في الحرز بل لا بد أن تكون في مكان آمن يأمن معه عليها من السراق.
المهم أنّ هذا يرجع إلى الأعراف وقضية حساسة وتستحق في الحقيقة تطويل وتوضيح لأنه غالب الشروط التي تختل هو الحرز فمثلا السيارات هي إذا وضعت بجوار البيت حرز؟ أو لا بد تدخل في البيت هذه مسألة؟ من المعاصرين من يقول وضعها في الشارع أي مال في الشارع ليس في حرز في أردت أن تحفظ السيارة لابد أن تدخلها في داخل البيت فهذه المسألة ترجع إلى قضيتنا وهي هل هذا حرز أو ليس بحرز فمثلا في السيارات يبدوا لي أنا بوضوح وجلاء بدون خفاء أنّ وضعها في الشارع بجوار البيت حرز وأنّ هذه السيارة إنما تحفظ في مثل هذا والناس إنما اعتادوا إدخال السيارات في البيوت في وقت قريب قبل مثلا عشر سنوات أو قبل عشرين سنة كان الناس لا يعرفون أو غالب الناس لا يعرفون إدخال السيارة إلى داخل المنزل فوضع السيارة في الشارع مع إقفال السيارة وإحكام قفلها يعتبر حرز فإذا سرق يجب أن يقطع هذه مسألة على سبيل التمثيل لتعرف أهمية معرفة الحرز وما يعتبر حرزا تقطع به اليد وما لا يعتبر.
ثم انتقل المؤلف إلى الأموال الأخرى.
فقال - رحمه الله - (وحرز البقل)
البقل يقول الخليل هو كل نبات ليس من الشجر , أي نبات لا يعتبر شجرة فهو من البقل وقيل أنّ البقل هو ما تخضر به الأرض ومفهوم هذا يعني سواء كان يأكل أو لا يأكل وقيل إنّ البقل هو كل نبات لا ساق له وهذه الأقوال كما لا يخفى متقاربة ومعناها واحد
من أمثلة البقل الخس والبصل والجرجير ونحوها.
يقول - رحمه الله - (وقدور الباقلاء)
الباقلاء اختلفوا فيه , فالقول الأول: أنه الفول الأخضر.
والقول الثاني: أنّ الباقلاء شيء والفول بنوعيه شيء آخر وأما الراجح فلم أستطع أن أرجح لأني ما أعرف الباقلاء يعني شكله ولا طريقته وأما الكتب فهم مختلفون ويبدوا لي أنّ الباقلاء قريب من الفول وإن كان يختلف عنه.
على كل حال لو قال الشيخ والفول لكان أشهر لكن ربما كان الباقلاء أشهر في زمنهم والفول أشهر في زماننا.
ثم - قال رحمه الله - (ونحوهما)
يعني نحو هذه البقول والشجر.
قال - رحمه الله - (وراء الشرائج)
هي أعواد إما أن تكون من القصب أو من الخشب ويشترط أن تصف بجوار بعضها وتربط وبهذا تكون حرزا لما ورائها.
يقول الشيخ - رحمه الله - (إذا كان في السوق حارس)
فتبيّن معنا أنها لا تكون حرز إلاّ بأمرين: وجود الشرائج , ووجود الحارس.
وهذا عرف في زمنهم أنها لا تحفظ إلاّ بمثل هذا في زمننا لا يشترط وجود لا الشرائج ولا الحارس بل وجود في مكانها في السوق الذي تباع به عادة يعتبر حرز تحفظ الأموال في مثله ولا يعتبر التاجر مفرط إذا وضعها فيه فإن سرقت قطع السارق متى بلغ قيمة المسروق النصاب.
قال - رحمه الله - (وحرز الحطب والخشب الحظائر)
الحظائر هي الأماكن التي تعد لبهيمة الأنعام ويشترط الحنابلة مع وضع الخشب في الحظائر أن يكون الخشب مربوط بعضه إلى بعض فإذا ربط المالك الخشب بعضه إلى بعض ووضعه في حظيرة فهذا يعتبر حرز فإن ألقى الحطب في الحظيرة بلا ربط بعضه إلى بعض فليس بحرز لأنه مع الربط يصعب مع السارق إخراجه وبلا ربط يسهل على السارق إخراجه هكذا قرر المؤلف وكأنهم كانوا يضعون الخشب في أحواش البهائم وأما الآن فإنّ الحطب لا توضع في أحواش البهائم وإنما لها أماكن خاصة وهذا يعود بنا إلى قضية العرف.
ثم - قال رحمه الله - (وحرز المواشي الصير)
الصير هي حظائر الغنم معنى هذا أنّ وضع البهائم في الحظائر المعتادة يعتبر حرز وإذا لا يشترط في المزارع لكي نقطع السارق أن يكون على المزرعة جدار مبني وأن يكون لها باب مغلق.
إنما إذا وضعنا الأغنام في حظائر معتادة فإنّ السرقة منها تعتبر سرقة يقطع بمثلها.
حرز البهائم إذا خرجت من الحظائر لترعى يحصل بأمرين: أن يوجد الراعي وأن يكون الراعي غالبا وليس دائما ينظر إليها فإذا عرف عن الراعي الإهمال وأنه نصف الوقت ينظر إليها ونصفه لا ينظر إليها فإنّ السارق منها لا يقطع وإذا عرف أنّ الراعي ينظر إليها غالبا ويحرص على حمايتها مع وجوده في الوقت كله فإنّ هذا يعتبر حرز ويقطع السارق بسرقة ما يوازي النصاب وكما قلت مرارا أنّ هذا يرجع إلى العرف واليوم مثلا يكثر من بعض الشباب الفارغ سرقة الأغنام لبيعها والانتفاع بثمنها فهل يشترط أنا نقول لصاحب المزرعة
أغلق بابك وأحكم جدارك ولا تكتفي بوضع مثل هذه الأغنام في الحظائر أو لا يقال مثل هذا.
من وجهة نظري أنه في وقتنا هذا تنقسم الأغنام إلى قسمين:
القسم الأول: الأغنام مرتفعة الثمن يعني يوجد من الأغنام ما قيمته خمسمائة ألف ستمائة ألف الواحدة بغض النظر عن مشروعية هذه الأسعار نحن نتحدث عن السرقة ولسنا نتحدث عن البيع والشراء بأسعار مرتفعة مثل هذه الأغنام ومثل هذه الإبل المرتفعة في الحقيقة حرزها لا يكون بوضعها في الحظيرة فقط بل يجب أن يحترز المالك وأن يضعها خلف جدار مغلق باب مغلق لارتفاع ثمنها لأنها أصبحت الآن بمعنى الأثمان التي الحنابلة يشترطون أن تكون خلف الأبواب المغلقة الآن أصبحت بمعناها بل أكثر أحيانا قيمتها ما يمكن أن يخزن في البيت من الأثمان والأموال.
أما سائر الأغنام التي تباع في الأسواق واعتاد الناس على وضعها في الحظائر سواء حظائر خاصة أو الحظائر العامة التي توجد في المبيعة العامة هذه تعتبر حرز ويقطع بها.
قال - رحمه الله - (وأن تنتفي الشبهة)
ثم انتقل الرابع من الشروط.
الشبهة مرت معنا كثيرا والشبهة عبارة عن نقص في الجناية يوجب منع إقامة الحد وهذا النقص قد يكون له أسباب كثيرة والشبهة تدرأ الحدود وأخذنا الخلاف فيما سبق على قولين وأنهم استدلوا بآثار الصحابة وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ادرءوا الحدود بالشبهات.
وأنّ القول الثاني أنّ الحد لا يدرأ بالشبهة لأنّ النصوص الآمرة بإقامة الحدود عامة وأنّ الراجح بلا إشكال إن شاء الله الدرء الشبهات حسب نظر القاضي لورود ذلك عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال - رحمه الله - (فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا)
إذا سرق الابن من مال أبيه فإنه لا يقطع التعليل من هذا أنّ النفقة واجبة على الأب للابن ولهذا إذا سرق فقد سرق من مال له فيه حق فصارت هذه شبهة تمنع القطع.
والقول الثاني: أنه إذا سرق تقطع وأصحاب هذا القول استدلوا بالعمومات على المذهب إذا قتل الابن الأب يقتل.
لكن إن سرقه لا يقطع ففرقوا بين القصاص والسرقة وهو في الحقيقة تفريق وجيه وهو الراجح والقول الثاني فيه ضعف.
لأنّ سرقة الابن من مال أبيه فيها شبهة كبيرة.
قال - رحمه الله - (ولا من مال ابنه وإن سفل)
السرقة من مال الابن لا توجب القطع لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنت ومالك لأبيك.
والشبهة فيها واضحة وهي أقوى بكثير من المسألة السابقة فإذا سرق فإنه لا يقطع لكونه سرق مالا جعل له فيه الشارع حظا وحقا.
طبعا في قول ثاني أنه يقطع والغريب أنه هذا القول الثاني اختاره ابن المنذر مع أنّ ابن المنذر مع الذين يرون دفع الحدود بالشبهات ودرءها بها لكن في مثل هذه المسألة الواضحة وهي أخذ الأب من مال الابن يرى القطع وهو عجيب كيف نقطع الأب وهو له أن يتملك من مال ابنه ابتداء فربما قال الأب لم أسرق وإنما نويت التملك قبل أن آخذ أليس كذلك؟ فقطع الأب في الحقيقة فيه بعد ولولا أنّ ابن المنذر من المحققين المتأنيين في اختياراتهم لقلنا أنّ هذا قول منكر أو ضعيف جدا لأنه يخالف قواعد الشرع.
قال - رحمه الله - (والأب والأم في هذا سواء)
يريد المؤلف أن يبيّن أنّ الأم لا تنقص عن الأب في هذا الباب والسبب في هذا أنّ حق الأم على الابن أكبر من حق الأب على الابن فلا أقل من أن تساويه في درء العقوبة بالشبهة وهذا صحيح فالأم في هذا الباب كالأب ولا ينبغي أن يختلف في هذه المسألة كما اختلف في مسألة هل لها أن تتملك في مال ابنها أو لا فإنّ في هذه المسألة بر الأم يقتضي أن لا تقطع.
وهذا الابن الذي يضيق على أمه إلاّ أن تسرق هو يحتاج من يعزره ويعاقبه لأنّ الأم لم تسرق إلاّ بعد أن ضيق عليها الابن.
قال - رحمه الله - (ويقطع الأخ وكل قريب بسرقة مال قريبه)
يعني أنّ سائر الأقارب بما فيهم الأخ لا يساوي الأب ولا يساوي الأم لأنّ هذه القرابة قرابة لا تمنع الشهادة فلا تقاس على قرابة الأب
الدليل الثاني: العمومات.
والقول الثاني: أنه لا يقطع لأنّ نفقة الأقارب قد تجب على المسروق منه وهذه شبهة تؤدي إلى درء الحدود.
والراجح القول الأول لأنّ هذه الشبهة في الحقيقة ضعيفة.
قال - رحمه الله - (ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقته من مال الآخر)
إلى هذا ذهب الحنابلة واستدلوا بدليلين: الدليل الأول" أنه جرت العادة أنّ كل من الزوجين يتبسط بمال الآخر وهذه العادة تؤدي إلى شبهة تمنع إقامة الحد.
الدليل الثاني: أنّ عبدا سرق مال زوجة سيده فرفعه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلم يقم عليه الحد.
وإذا كان عمر لم يقم الحد على عبد الزوج فكيف بالزوج.
والقول الثاني: إقامة الحدود بين الزوجين يعني في السرقة , وهؤلاء يستدلون بالعمومات.
والقول الثالث: إقامة الحد على الزوج دون الزوجة , لأنّ للزوجة حق في مال الزوج وليس للزوج حق في مال الزوجة.
والقول الثالث فيه قوة لأنه في الحقيقة إذا أخذ هذا الزوج من مال زوجته فلا شبهة , ويليه في القوة المذهب.
قال - رحمه الله - (ولو كان محرزا عنه)
ولو كان محرزا عنه , أما إذا لم يكن محرزا عنه فلا قطع بالإجماع لتخلف شرط الحرز سواء كان زوج وزوجة أو غيرهما وإنما ذكر المؤلف هذا القيد لعله لوجود الزوج والزوجة في بيت واحد دائما مما يتعذر معه وجود المال في الحرز وإلاّ لنا أن نقول لماذا لم يقل ولو كان محرزا عن الأم ولو كان محرزا عن الأب ولو كان محرزا عن الأخ , يعني المسائل هذه من باب واحد , خص الزوجين بلو كان محرزا عنه لعله لهذا السبب.
قال - رحمه الله - (وإذا سرق عبد من مال سيده)
إذا سرق العبد من مال سيده لم يقطع بالإجماع وهو مروي عن عمر وابن مسعود , ولما أقل لم يقطع بالإجماع يعني الإجماع المحكي.
والقول الثاني: أنه يقطع وهو مذهب الظاهرية وهذا القول نوع من الشذوذ وتمسك بالعمومات مع وجود الآثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتماع العلماء على عدم القول بالقطع.
ثم - قال رحمه الله - (أو سيد من مال مكاتبه)
إذا سرق السيد من مال المكاتب فلا قطع لأمرين: الأمر الأول" أنّ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
الثاني: أنّ السيد يتمكن.
وأبطل العقد الذي بين العبد والسيد.
ولهذا لا قطع بينهما.
قال - رحمه الله - (أو حر مسلم من بيت المال)
فلا قطع لأنّ لكل مسلم حق في بيت المال فإذا سرق فقد سرق من مال له فيه حق وهذا شبهة وفهم من كلام المؤلف أنّ العبد لو سرق فإنه يقطع لأنّ العبد ليس له حق في بيت المال وإنما حقه على السيد يعني من جهة النفقة.
والقول الثاني: أنّ العبد المملوك لسيد مسلم لا يقطع لأنّ لسيده حق في بيت المال , ستأتينا قاعدة أنّ من سرق من مال من لو سرق من مال من يملك منه من لو سرق منه لم يقطع لم يقطع كما سيأتينا قاعدة في آخر هذا الباب.
والعبد لو سرق من مال السيد لم يقطع فإذا سرق من مال لسيده فيه حق أيضا لم يقطع وهذا صحيح ولا معنى للتفريق بين العبد والحر لأنّ لكل منهم حق في بيت المال هذا حق مباشر وهذا حق من طريق سيده.
قال - رحمه الله - (أو غنيمة لم تخمس)
إذا سرق الإنسان سواء اشترك في المعركة أو لم يشترك من الغينمة قبل التخميس فلا قطع.
والخمس هو المال الذي يكون لله ولرسوله يعني لبيت المال من مجموع الغنيمة فإذا سرق من الغنيمة قبل أن تخمس فقد سرق من مال له فيه حق باعتبار أنّ له حق في بيت المال فلا يقطع وفي الحقيقة الشبهة درء الحدود بالشبهات الشبهات أحيانا تكون قوية , يعني مثل هذه الشبهة فيها ضعف لأنّ الغنيمة الذي يكون لبيت المال وسيصرف من بيت المال على جميع المسلمين عن طريق.
يعني الشبهة هذه فيها ضعف كما أنّ فيها .... الذين جاهدوا
تحت راية الإمام لأنّ الغنيمة ..... وتقدم معنا مرارا أنه يوجد في الأعيان ما يكون له نفس القيمة وخير من بعضه أليس كذلك
هنا في هذه المسألة تداخل .....
قال - رحمه الله - (أو فقير من غلة وقف على الفقراء)
إذا سرق من غلة جاءت من وقف موقوف على الفقراء وهو فقير فلا قطع لأنه يستحق بالوصف من هذه الغلة وهذا الاستحقاق هو الشبهة التي دُرِء بها عنه الحد.
قال - رحمه الله - (أو شخص من مال فيه شركة له)
يعني إذا سرق أحد الشركاء من مال الشركة فلا قطع وإن كان الملك فيه على سبيل الشيوع أو بعبارة أدق إن كان الملك فيه على سبيل الشيوع لأنّ له حق في هذا المال فلا قطع.
قال - رحمه الله - (أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه لم يقطع)
إذا سرق من مال لأحد ممن لا يقطع من السرقة منه حق فيه لم يقطع , فإذا سرق من مال أبوه شريك فيه لم يقطع لأنّ السرقة من مال الأب لا توجب القطع , وإن سرق من مال لسيده فيه شركة لم يقطع وهكذا وهي قاعدة عند المؤلف.
أو لأحد مما لا يقطع بالسرقة منه , يعني أو سرق من مال مشترك لأحد لا يقطع بالسرقة منه.
بهذا انتهى الشرط الرابع وتلاحظ أنه أطال الشيخ في الشرط الرابع في الشبهات وأنواعها وتفصيلها لأنه ليس لها ضابط معين فأراد أن يبيّن المسألة بكثرة الأمثلة.
قال - رحمه الله - (ولا يقطع)
فيه دليل على أنّ السرقة لا تثبت إلاّ بأحد أمرين: الشهادة أو الإقرار.
ولا يوجد سبيل ثالث لإثبات أنّ فلانا سرق هذه العين تبيّن من كلام المؤلف أنّ وجود العين المسروقة في بيت شخص من الأشخاص لا يعني أنه السارق ولا يقام عليه الحد بهذا السبب مهما كانت الملابسات لأنه يحتمل أن يوضع فيه هذه العين ليتهم ويحتمل أن تسقط من صاحبها ويوجد احتمالات كثيرة فلا يتعيّن أن يكون سارقا فلا يقطع.
يقول الشيخ - رحمه الله - (إلاّ بشهادة عدلين)
أي أنه لا يمكن أن نقيم الحد إلاّ بشهادة عدلين فلا يقام بشهادة امرأتين ولا بشهادة رجل وامرأة ويشترط في هذين الرجلين ما يشترط في باب الزنا أن يكون مسلم حر عدل وإلاّ لم تقبل شهادته.
قال - رحمه الله - (أو إقرار مرتين)
يشترط في الإقرار أن يكون مرتين استدل الحنابلة على هذا بأنّّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اعترف عنده رجل بسرقة فأعاد عليه مرتين فدل هذا على اشتراط التكرار في إثبات حد السرقة وهذا الحديث ضعيف.
والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يعترف مرتين بل إذا اعترف مرة واحدة كفى وأقيم عليه الحد وهذا هو القول الراجح لعدم وجود أي دليل يدل على أنه ينبغي تكرار الاعتراف.
قال - رحمه الله - (ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع)
هذا هو الشرط الثاني في الإقرار وهو أن يستمر على إقراره إلى أن يقطع فإن رجع في أي مرحلة من المراحل قبل أن يتم القطع فإنّ الحد يدرأ بذلك تقدمت معنا هذه المسألة في الزنا وقلنا إنّ الإقرار يقبل الرجوع عنه لدليلين: الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -:" ادرؤوا الحدود بالشبهات".
والثاني: القياس على الزنا عند من يرون أنّ ماعز أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبول رجوعه.
والقول الثاني: أنّ الإقرار لا يمكن الرجوع فيه ولا يقبل من صاحبه الرجوع لأنه ليس في الأدلة ما يدل على قبول الرجوع ممن اعترف ولأنّ هذا قد يؤدي إلى تعطيل الحدود لأنه كلما اعترف إنسان لقن الرجوع ثم يرجع ولا يقام الحد والمسألة فيها احتمال كبير والقول الذي عليه الجمهور كما قلت لكم في الزنا قول قوي وهو أنه الرجوع عن الإقرار يعتبر ويدرأ به الحد وذلك لوجود عدد كبير من الآثار عن علي وعثمان وبعضها مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن المرفوع قد لا يصح لكن الآثار كثيرة جدا ولم أتمكن من الوقوف على أسانيدها لكنها كثيرة بشكل ملفت للانتباه وهو أنهم رأوا - رضي الله عنهم - أنّ الحد يدرأ بالشبهة وأحيانا يكتفون بشبهة بسيطة جدا وروي عن بعضهم تلقين الرجوع عن الإقرار لكن كما قلت لم أقف على صحة هذا الإسناد.
فروي عن علي أنه أوتي بسارق.
فقال له أسرقت؟ قل لا.
وروي عن عثمان أنه جيء بزاني فقال له أزنيت؟ قل لا.
فمثل هذه الآثار والمطلع على مجموع الآثار يقوم عنده ظن قوي أنّ هذا موجود بين الصحابة وهو درء الحدود بالشبهات ولو قيل أنه يختلف باختلاف المجرم أو من أتى بجناية فأحيانا ينبغي أن يقبل منه وأحيانا أن لا يقبل لكان هذا أيضا له وجه.
قال - رحمه الله - (وأن يطالب المسروق منه بماله)
الشرط السادس لإقامة الحد أن يطالب المسروق منه بماله بأن يأتي إلى القاضي ويطلب استرداد المال فإن اعترف السارق أو شهد عليه شاهدان ولم يطلب المسروق منه ماله فلا يقام الحد لأنّ الحد أقيم لحق الله ومراعاة للمسروق منه ولأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع رجلا بطلب المسروق منه.
والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يطالب بماله بل إذا ثبت بالأدلة الشرعية أنه سرق أقيم عليه الحد وإلى هذا ذهب عدد من المحققين منهم ابن المنذر ومنهم شيخ الإسلام وغيرهم - رحمهم الله - أنه لا يشترط أن يطالب المسروق منه بماله بل متى ثبتت السرقة أقيم الحد وهذا القول هو الراجح.
قال - رحمه الله - (وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت)
إذا استوفت الجناية الشروط السابقة فإنّ السارق تقطع يده اليمنى من مفصل الكف ولا خلاف في هذا وهو أنه يبدأ باليمنى وتقطع من مفصل الكف وقد اتفقوا على البداية باليمنى.
ثم إذا سرق مرة أخرى وهذا لم يذكره المؤلف ولعله تركه لندرته وإلاّ فهو مهم في الحقيقة ثم إذا سرق مرة أخرى فإنها تقطع رجله اليسرى روي هذا عن الصحابة وفيه حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تقطع اليد اليمنى ثم الرجل اليسرى.
وهذا الحديث لا يسلم إسناد من أسانيده من ضعف إلاّ أنه يتقوى بمجموع الطرق فيما يبدوا لي
ويصل إلى الحسن.
القول الثاني: أنه إذا قطعت يده اليمنى ثم سرق مرة أخرى تقطع يده اليسرى لقوله تعالى ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة/38] وهذا القول ضعيف جدا أولا مخالف للآثار وثانيا مخالف للحديث الذي يمكن تحسينه.
وثالثا لا ينسجم بطبيعة الشرع بأنه يقيم الحدود بما لا يخل بالمقاصد الأساسية.
والإنسان إذا قطعت منه اليدين أصبح عاجز عن أداء مهامه.
مسألة / إذا سرق الثالثة عند الحنابلة لا يقطع منه شيء وإنما يحبس حتى يتوب.
ودليل الحنابلة أنه روي عن علي أنه أوتي بالثالثة يعني بسارق سرق المرة الثالثة فحبسه ولم يقطع منه شيئا.
والقول الثاني: وهو مذهب الجمهور أنه إذا قطعت في المرة الثانية الرجل اليسرى تقطع في الثالثة اليد اليسرى وبالرابعة الرجل اليمنى.
واستدل الجمهور على أنّ هذا صح عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - واستدلوا أيضا بحديث أبي هريرة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقطعه على هذا التوالي وهذا الحديث أيضا يمكن تحسينه والراجح إن شاء الله مذهب الجمهور وهو الذي جنى على نفسه بتكرار السرقة وإذا قطعت منه الأربع في الغالب لن يسرق.
ولا لا لأنه ما يستطيع أن يسرق لأنه انتهى الجوارح فإن سرق قتل لأنه تبيّن أنّ هذا فاسد الطبع لا يمكن كف شره إلاّ بالقتل ويقتل تعزيرا في المرة الخامسة.
يقول - رحمه الله - (وحسمت)
ظاهر عبارة المؤلف أنّ الحسم واجب والحسم هو أن تغمس اليد في الزيت الحار لتمتلئ العروق من الزيت فينحبس الدم.
والقول الثاني: أنّ الحسم سنة وليس بواجب وربما كانت هذه الطريقة في السابق وأما اليوم فالطبيب يتمكن من إيقاف الدم بغير الحسم ولا أدري اليوم كيف هل في الساحة بعد القطع يوقفون الدم.
ما عندي علم بهذا أما في القديم فكانوا يحضرون إقامة الحد ثم بمجرد ما يقطع تغمس يده في هذا الزيت الحار وفي الحقيقة غمس اليد ربما يكون أصعب بلحظة وإذا كان السيف حاد وسحبت اليد بقوة وبان المفصل بشكل واضح سيكون القطع سهل بخلاف الغمس اليد في الزيت الحار لأنه إذا غمسها في الزيت الحار ينبغي أن ينتظر قليلا إلى أن يعمل الزيت عمله يعني ما يغمسها ويخرجها بسرعة وفيه ألم واضح في الحقيقة المهم أنه غمس اليد في الزيت إذا لم يتمكنوا من إيقاف الدم إلاّ به فقول الحنابلة أنه واجب صحيح لأنه به تنحفظ النفس وإذا تمكنوا من إيقاف الدم بغيره فهو سنة وعليهم أن يوقفوا الدم بطريقة أخرى.
قال - رحمه الله - (ومن سرق شيئا من غير حرز ثمرا كان أو كثرا أو غيرهما أضعفت عليه القيمة ولا قطع)
الكثر هو جمار النخل , المؤلف يريد أن يبيّن أمرين: الأمر الأول أنّ السرقة من غير الحرز لا يوجب القطع وهذا تقدم معنا شرط مستقل.
المسألة الثانية التي يريد المؤلف أن يبيّنها أنّ من سرق ثمرا أو نحو الثمر فإنه تضاعف عليه القيمة فيدفع القيمة ومثلها , والحنابلة ذهبوا إلى أنه تضاعف القيمة في نوعين من المال فقط الثمر والماشية فقط واستدلوا على هذا بأنّ الثمر فيه الحديث المتقدم من أخذ ثمرا من حائط فإن أكل منه بفيه فلا حرج عليه وإن أخذ منه فعليه القيمة مضاعفة واستدلوا على الماشية أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من أخذ شاة من غير مراحها فعليه القيمة ومثلها فقال الحنابلة جاء النص في هذين النوعين فمن سرق شيئا من هذين النوعين من غير حرزه فعقوبته أن تضاعف عليه القيمة وإن سرق من غيره فلا يعاقب بمثل هذا وإنما يعزر بأمر آخر.
والقول الثاني: أنّ من أخذ أي مال من غير حرز فإنّه يعقب بمثل هذا وأنّ هذا الحكم لا يختص بالثمر والماشية بل هي قاعدة عند هؤلاء
أنّ من سرق من غير حرز يعاقب بمثل هذا وهذا القول الثاني أحسن وأقوى وهو أنّ هذا الحكم عام لا يختص بالثمر ولا بالماشية.
باب حد قطاع الطريق
قطاع الطريق في الاصطلاح هم من يخرجون على المارة لسرقة المال بالقهر والغلبة هؤلاء هم قطاع الطريق الأصل فيهم قوله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة/33] فهذه الآية نص في عقوبة قاطع الطريق , قال ابن عباس معلقا على الآية نزلت في المسلمين فهذه الآية أصل في هذا الباب.
يقول الشيخ - رحمه الله - (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح .... إلى آخره)
يشترط لمن خرج على الناس ليعتبر من المفسدين ومن قطاع الطرق أن يتحقق فيه ثلاثة شروط ذكرها المؤلف بقوله الذين يعرضون للناس بالسلاح , هذا الشرط الأول أن يخرجوا بالسلاح واشتراط خروجهم في السلاح محل إجماع من حيث الأصل يعني في الجملة لكن اختلفوا فيما لو خرجوا بالعصي والحجارة ونحوها فهل يعتبر هذا خروج وقطع للطريق أو لا على قولين:
القول الأول: أنه يعتبر خروج لأنّ العصا أداة للقتل والقطع وهي من جملة السلاح.
والقول الثاني: أنهم إذا خرجوا بمجرد العصي والحجارة فإنهم ليسوا قطاع طريق لأنّ السلاح عند الإطلاق يطلق على السيف ونحوه من المحددات التي تقطع والراجح القول الأول أنهم متى خرجوا وأخافوا الناس ولو بغير سلاح حاد فإنهم من قطاع الطريق.
ثم - قال رحمه الله - (في الصحراء أو البنيان)
هذا الشرط الثاني أن يخرجوا في الصحراء أو البنيان أما إذا خرجوا في الصحراء فهو موضع إجماع يعتبرون من قطاع الطرق وأما إذا خرجوا في البنيان فالمذهب كما ترى أنهم قطاع طريق لأنّ الخروج في البنيان أعظم لأنّ المدن اعتيد فيها الأمن والاطمئنان وقطع الطريق فيها مما يوجب الفوضى.
الدرس: (5) من الحدود
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بدأ المؤلف في الكلام عن أحكام الصيال
فقال - رحمه الله - (ومن صال على نفسه , أو حرمته , أو ماله آدمي أو بهيمة)
الصيال في لغة العرب / الإقدام بقوة.
وأما في الاصطلاح/ فهو الاستطالة على الغير بغير حق وعرفنا بذلك تعريف الصيال لغة واصطلاحا.
والصيال محرم لأنه من أذية المسلم ومن الاعتداء عليه وهو محرم بأدلة الشرع العامة.
يقول المؤلف - رحمه الله - (ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله)
هذه الثلاثة أصناف هي التي يصال عليها عادة إما النفس أو المال أو العرض وسيبيّن المؤلف لا حقا حكم دفع الصائل بكل واحدة من هذه الثلاثة.
يقول المؤلف - رحمه الله - (فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به)
قوله فله الدفع عبارة تدل على أنّ الدفع جائز لكن المؤلف لا يريد هذا فإنه سيبيّن ما حكم الدفع بعبارة خاصة بهذه المسألة لكنه يريد أن يبيّن أنه من حيث الأصل له أن يدفع الصائل واشترط المؤلف في دفع الصائل أن يبدأ بالأخف فالأخف , فلا يجوز له أن يدفعه بشيء مع قدرته على أن يدفعه بأخف منه والدليل على هذا أنّ دفع الصائل إنما جاز ضرورة والضرورة تقدر بقدرها فلا يجوز له أن يزيد عن ما يحصل به دفع الضرورة.
والدليل الثاني: أنّ الأصل في أموال وأنفس المسلم الحرمة والعصمة وإنما جاز لكونه صائلا فلا يستباح منها إلاّ ما يدفع صياله واستثنى الفقهاء من هذا الحكم العام وهو أنه لا بد أن يبدأ بالأخف فالأخف صورا.
فالصورة الأولى" إذا ظن أنه لن يدفع إلاّ بالقتل فله أن يبدأ به فإذا غلب على ظنه أنّ هذا الصائل لن يندفع بالأخف فالأخف بل لن يندفع إلاّ بالقتل فله أن يقتله.
الصورة الثانية" أن يخشى المعتدى عليه أن يبادر الصائل بقتله فله أيضا أن يبادر هو بقتل الصائل.
والذي يظهر لي أنّ هذه الاستثناءات لا نحتاج إليها وإن كان جملة الفقهاء ذكروها والسبب في ذلك أنه عند التأمل في الأمور التي استثناها الفقهاء ستجد أنه ينطبق عليها أنه لا يمكن دفعه بالأخف فالأخف فإذا ينطبق عليها الشرط ولسنا بحاجة إلى استثناءها لكن الفقهاء - رحمهم الله - لما رأوها خارجة عن صورة الدفع بالأسهل فالأسهل جعلوها مستثناة وإلاّ هي عند التأمل لا تستثنى فمثلا الذي يخشى أن يبادر الصائل بقتله هل يستطيع أن يدفع بالأخف فالأخف لو دفع بالأخف فالأخف ذهبت نفسه فإذا هو لا يستطيع في الواقع وهكذا جميع الأمثلة التي ذكروها كمستثنيات من هذه القاعدة.
ثم يقول المؤلف - رحمه الله - (فإن لم يندفع إلاّ بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه)
إذا لم يمكن أن يندفع الصائل إلاّ بقتله فله أن يقتله ولا ضمان عليه ونفي الضمان يشمل القصاص والكفارة والدية , والسبب في نفي الضمان أنه فعل فعلا مأذونا له فيه شرعا وما أذن به الشارع فإنه لا يترتب عليه ضمان , وهذا صحيح بل سينتقل المؤلف إلى مرتبة أعلى
فيقول - رحمه الله - (فإن قتل فهو شهيد)
والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -[من قتل دون ماله فهو شهيد] هذا الحديث في البخاري لكن الحديث المشهور من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد.
خارج الصحيح إنما الذي في الصحيح المال فقط لكنه يدل على الدفع عن النفس وعن العرض وأنّ من قتل في سبيل الدفع عنهما فهو شهيد.
ثم - قال رحمه الله - (ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته دون ماله)
انتقل المؤلف إلى حكم دفع الصائل إذا صال على النفس أو المال أو العرض , نبدأ بالنفس إذا صال على النفس فاختلف الفقهاء في حكم دفعه على أقوال: القول الأول: وهو المذهب أنه إذا صال عليه في فتنة فإنه لا يدفع يعني لا يجب عليه وإن صال في غير فتنة فإنه يجب عليه أن يدفع واستدلوا على هذا التفصيل بالجمع بين الأدلة.
فقالوا لا يجب الدفع حال الفتنة لأنّ عثمان - رضي الله عنه - منع عبيده أن يدفعوا ومنع أبناء الصحابة أن يدفعوا حتى قتل , ولو كان منعه محرم لأنكر عليه الصحابة فلما لم ينكروا علمنا أنّ الدفع ليس بواجب.
الدليل الثاني: أمير المؤمنين عثمان اشتهرت عنه العبارة [من ألقى سيفه فهو حر] قال لعبيده من ألقى سيفه فهو حر يعني كالملزم لهم بعدم الدفع.
والدليل الثالث: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فغطي رأسك.
فدل الحديث على أنّ له أن يستسلم إذا هدده بالسلاح الصائل وأن يغطي رأسه حتى لا ينظر أثناء قتله وهو مبالغة في جواز ترك الدفع وأما الدليل على وجوب الدفع في غير الفتنة فقوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة/195] فإنّ ترك الدفع يؤدي إلى الهلاك.
والقول الثاني: أنّ الدفع واجب مطلقا واستدلوا بالآية السابقة.
والقول الثالث: أنّ الدفع واجب مطلقا إذا كان الصائل كافر ولا يجب مطلقا إذا كان الصائل مسلم واستدلوا بالأدلة الأولى للحنابلة
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة ففيه الجمع بين النصوص.
المسألة الثانية / حكم الدفع إذا كان الصيال على العرض.
إذا كان الصيال على العرض فجب الدفع بالإجماع وتعليل ذلك أنه ليس من سبيل شرعا لإباحة الأبضاع فليس للإنسان أن يبيح عرضه لأحد ولهذا وجب عليه أن يدفع فمسألة الدفع عن العرض أيضا واضحة وهي محل إجماع.
المسألة الثالثة والأخيرة: الدفع عن المال وفيه خلاف فذهب الجماهير من الفقهاء والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنّ الدفع عن المال سنة وليس بواجب واستدلوا على هذا بأنّ بذل المال مجانا جائز فترك الدفع عنه من باب أولى.
والقول الثاني: وهو للأحناف وجوب الدفع عن المال واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتل دون ماله فهو شهيد.
وهذا اللفظ في البخاري كما تقدم معنا.
واستدلوا أيضا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتل من أراد أن يأخذ مالك.
والراجح مذهب الجمهور والحديث الذي فيه من قتل دون ماله فهو شهيد.
لا يدل على وجوب الدفع وإنما يدل على جوازه وأنّ صاحبه إذا قتل فهو شهيد فعرفنا الآن حكم الدفع في الأحوال الثلاثة إذا صال الإنسان على نفسه أو ماله أو عرضه.
قال - رحمه الله - (ومن دخل منزل رجل متلصصا فحكمه كذلك)
التلصص هو الدخول بغرض السرقة , ودفعه يكون كذلك يشير إلى أنه يجب أن يدفع بالأخف فالأخف , وهذا الحكم لا يختص بمن دخل الدار طلبا للسرقة بل يعم كل شخص دخل الدار بغير إذن ولو للفرجة ولو للتلقط الأخبار كل شخص دخل دار المسلم بغير إذنه فإنّ له أن يدفعه بالأخف فالأخف إلى أن يصل إلى القتل.
فلو دخل الإنسان هكذا بيتك لا يريد شيء إنما يريد الإطلاع على البيت فلك أن تقول أخرج فإن لم يخرج فلك أن تخرجه باليد فإن حصل قتال وقتلته فهو هدر.
لأنه معتد على حرمة المنزل فيدفع دفع الصائل الأخف فالأخف ولهذا لو أنّ المؤلف - رحمه الله - عمم العبارة فقال [ومن دخل الدار بغير إذن فكذلك] لكان أولى ليشمل جميع الصور.
باب قتال أهل البغي
قوله باب قتال أهل البغي.
البغي في لغة العرب / هو الظلم والعدوان.
وأما في الشرع فذكره المؤلف وسنقف مع تعريف المؤلف وهو يتكون من ثلاث جمل.
والبغي والظلم محرم في جميع الشرائع.
والدليل على هذا الباب وهو قتال أهل البغي قوله تعالى ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي﴾ [الحجرات/9] وجه الاستدلال عند الفقهاء أنّ الآية أجازت قتال كل من امتنع عن الحق فاستدلوا بها على قتال أهل البغي , وإلاّ اقتتال طائفتان من المسلمين ليس هو البغي المقصود في تعريف الفقهاء ولكن استدلوا به من حيث أنّ الله أجاز قتال الفئة الباغية بكونها خرجت عن الطاعة ولم تستجب للأوامر فكذلك الباغية وهي التي تخرج عن الإمام.
يقول الشيخ - رحمه الله - معرفا لأهل البغي من يكونوا أهل البغي.
يقول - رحمه الله - (اذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهم بغاة)
الفقهاء - رحمهم الله - يرون أنه لا يمكن أن نسمي الخارجين بغاة إلاّ إذا توفر فيهم ثلاثة شروط فإن تخلف أي شرط انتقلوا من كونهم من البغاة فأصبحوا قطاع طرق.
نبدأ مع شروط المؤلف
يقول - رحمه الله - (اذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة)
الشرط الأول" أن يخرجوا فإذا اجتمع نفر لهم شوكة ومنعة وعندهم شبهة لها تأويل سائغ لكنهم لم يخرجوا فقط اجتمعوا فإنهم ليسوا بغاة ويجب أن تعرف أنّ هناك فرقا كبيرا بين أن نحكم على مجموعة أنهم بغاة وبين أن نحكم عليهم قطاع طريق وسيأتينا أنّ لهذا الخلاف ثمرات في كيفية التعامل معهم كبيرة جدا فيجب أن نعرف متى نطلق على هذه المجموعة أنهم بغاة لنطبق عليهم الأحكام التي سيذكرها المؤلف إذا الشرط الأول الخروج.
الثاني: لهم شوكة ومنعة.
فإذا اجتمعوا وخرجوا واعترضوا وأبدوا شبهه لكن لا شوكة لهم ولا منعة فلا يجوز للإمام أن يعاملهم معاملة البغاة لأنهم ليس لهم شوكة وقوة ومنعة وشيء يرجعون إليه في الدفاع عن أنفسهم.
الشرط الثالث: قوله شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ.
يجب أن يكون سبب الخروج تأويل ويجب أن يكون التأويل سائغ فإن لم يكن لهم تأويل فهم قطاع طرق وإن كان لهم تأويل ليس بسائغ فهم أيضا قطاع طرق وسيأتينا الأدلة على هذه الشروط من آثار الصحابة لكن الذي يعنينا الآن أنه يشترط في الفئة الخارجة لكي تسمى بغاة أن توجد فيهم هذه الشروط الثلاثة.
الخروج والقوة والتأويل.
مسألة/ الخارجون عن الإمام لا يخرجون عن ثلاث أصناف:
الصنف الأول: الذين يخرجون بقوة ومنعة بلا تأويل فهؤلاء قطاع طرق.
القسم الثاني: الخوارج وهم الذين يخرجون عن الإمام ويكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم فهؤلاء خوارج.
القسم الثالث: قوم من أهل العدل لهم شبهه وتأويلات سائغة خرجوا على الإمام بشوكة وقوة فهؤلاء هم المقصودون بهذا الباب وهم البغاة.
قال شيخ الإسلام [والفرق بين الخوارج والبغاة من وجهين: الوجه الأول: أنّ الخوارج يقاتلون ابتداء ويفرح بقتالهم فإنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فرح واستبشر بأنه هو الذي تولى قتال الخوارج بحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على قتلهم.
بينما البغاة سيأتينا أنهم لا يبدأون بالقتال إلاّ بعد أحكام معينة.
الفرق الثاني" أنّ البغاة من المسلمين بالإجماع , بينما الخواج اختلف السلف والخلف في تكفيرهم فمنهم من رأى أنهم خرجوا عن الدين ومنهم من رأى أنهم من المسلمين وهذا فرق كبير بينهم وبين البغاة.
فإنّ البغاة لم يختلفوا فيهم أهل العلم أنهم من المسلمين] ولهذا فإنّ الخلط بين البغاة والخوارج خطأ وإن كان البغاة والخوارج يجب أن يقاتلوا لكن يجب أن يعرف الإنسان الفرق بين البغاة والخوارج كما ذكرها الشيخ - رحمه الله -
قال - رحمه الله - (وعليه أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه فإن ذكروا مظلمة أزالها وإن ادعوا شبهة كشفها)
يجب على الإمام قبل أن يقاتل البغاة أن يسأل عن الشبهة التي أوجبت خروجهم والمظلمة التي يدعون ويجب عليه إذا بينت له أن يسعى في رفع الظلم وكشف الشبهة.
والدليل على هذا أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - راسل أهل البصرة مرارا وراسل الخوارج مرارا قبل أن يقاتلهم فدل هذا على وجوب المراسلة قبل البدء بالقتال.
والدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات/9] فإنّ الإصلاح يستدعي المراسلة قبل البدء بالقتال وهذا صحيح لا يجوز للإمام أن يقاتلهم حتى يعرف الشبهة التي عندهم فإن أمكنه كشف الشبهة وبيان الحق واقتنعوا فبها ونعمت وإلاّ فإنه كما سيذكر المؤلف يقاتلهم.
قال - رحمه الله - (فإن فاءوا وإلاّ قاتلهم)
يعني فإن رجعوا بعد أن بيّن لهم وكشف المظالم وإلاّ قاتلهم وجوبا فإنّ الإمام إذا لم يقاتل الفئة الباغية فهو آثم لما يدخلونه على الناس من الشبهات وإخلال بالأمن فيجب عند الحنابلة على الإمام أن يقاتلهم واستدلوا على هذا بقوله تعالى ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ [الحجرات/9] فأمر بقتال الفئة الباغية إذا لم ترجع إلى الحق بعد أن بيّن لها الحق بنصوص الكتاب والسنة.
المؤلف - رحمه الله - وعفا عنه ترك بعض المسائل المذكورة في الأصل وهي في الحقيقة من أهم مسائل الباب فترك ثمرة الحكم على قوم بأنهم بغاة يعني ما يترتب على هذا الحكم من فروع فقهية في الحقيقة تركه لهذا يعتبر من وجهة نظري نقص ظاهر ومخل بالباب لأنه يجب أن ترتب الأحكام بعد أن تعرف حقيقة البغاة.
فنقول إذا قاتل الإمام البغاة فإما أن يرجعوا ويتوبوا ويعرفوا الحق أثناء القتال أو يهزموا بأن يتمكن الإمام من هزيمتهم.
فإذا حصل أي من الأمرين: ترتب على هذا ثلاثة أحكام:
الحكم الأول: أنه لا يجوز الإجهاز على جريحهم ولا إتباع مدبرهم.
فلا يتبع المدبر ولا يجهز على الجريح.
وإنما يتوقف القتال.
والدليل على هذا أنّ أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - أمر أصحابه بذلك في معاركه مع الخوارج ومع أهل الشام.
الحكم الثاني: أنه لا يجوز للإمام أن يسبي نسائهم ولا أن يصطفي أموالهم وهذا الحكم أيضا مستفاد من سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - التي وافقه عليها الصحابة فإنه لما هزم أهل الشام في بعض المعارك لم يسبي نسائهم ولم يصطفي أموالهم وكانت هذه النقطة من النقاط التي اعترض فيها الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقالوا إذا قاتلتهم أن تسبي نسائهم وأموالهم.
أو أن تكف عن قتالهم.
فما استطاعت عقولهم أن تجمع بين القتال لتوحيد الأمر وبين الكف عنهم لأنهم إخوان لنا.
ولكن أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة استوعبوا هذا الحكم الشرعي فنهى علي بن أبي طالب أحدا من أفراد الجيش أن يسبي امرأة منهم أو أن يأخذ
مالا لهم بل إنه لما انتهت المعركة أمر بإرجاع الأعيان الموجودة إلى أصحابها من البغاة.
الحكم الثالث: أنّ ما أتلفه أهل العدل على أهل الظلم فإنه لا يضمن بالإجماع من الأموال والأنفس.
وما كان باقيا بعينه لشخص معلوم فإنه يرد.
ولهذا لما انتهت المعركة قال أمير المؤمنين علي لأهل الظلم الذين خرجوا عليه من وجد ماله فليأخذه وكان أحد أصحاب علي - رضي الله عنه - يطبخ في قدر لهذا الرجل فجاء ليأخذها , فقال لو تنتظر إلى أن ينضج الطعام فقط فضرب القدر وسكب ما فيه وأخذ القدر وذهب , وإنما كان ذلك بحزم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنّ كل من وجد ماله بعينه
فإنه يأخذه.
المسألة الثالثة: ما أفسده أهل البغي على المسلمين فهو لا يضمن على الصحيح.
والدليل على هذا أنه لما وقعت الفتنة بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - - ورضي الله عنهم - لم ينقل قط أنّ أحدا من الذين دخلوا في القتال ضمن شيئا من المال أو من الدم
والقول الثاني: أنّ أهل الظلم يضمنون لأهل العدل ما أفسدوه عليهم ويضمنون الأنفس كذلك لأنهم ظالمون والأصل وجوب الضمان على من أتلف مال المسلم أو نفسه , والصحيح كما قلت إن شاء الله الأول لأنّ هذا مروي عن الصحابة فهذه الأحكام الثلاثة أو الأربعة هي التي أسقطها المؤلف وهي كما ترون هي ثمرة الحكم على قوم أنهم من البغاة أو من قطاع الطرق أو إلى آخره.
تقدم معنا في قطاع الطرق أنهم يضمنون أو لا يضمنون؟ وإذا تابوا هل يضمنون؟ تقدم معنا أنّ ضمانهم دائما وأبدا ثابت.
تابوا قبل القدرة أو لم يتوبوا قبل القدرة.
وهذا فرق كبير بين قطاع الطرق وأهل البغي.
قال - رحمه الله - (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة فهما ظالمتان وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى) إذا حصل قتال بين طائفتين ليس مع أحدهما الإمام وكان سبب القتال كما قال المؤلف عصبية أو رياسة فإنه لا تأتي معنا الأحكام السابقة من عدم الضمان من قبل الجهتين بل يجب الضمان على الجهتين وعلل الحنابلة هذا بأنّ هذا القتال لم يأذن فيه الشارع بل هو معصية وإذا كان الشارع لم يأذن به فإنّ الأصل فيمن أتلف مالا أو نفسا أن يضمنها ولهذا جعلوا الضمان عليهم وهذا صحيح إذا اقتتلت طائفتان.
باب حكم المرتد
قال - رحمه الله - باب حكم المرتد الردة لغة / الرجوع.
وأما في الاصطلاح / فهو الإتيان بما يخرج عن الملة.
وهذا تعريف الردة.
أما تعريف المرتد / فذكره المؤلف - رحمه الله - بقوله (وهو الذي يكفر بعد إسلامه)
المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه , والكفر قد يكون بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد أو بالشك.
ولا يخرج عن هذه الأنواع.
فالقول بالكفر.
بأن يسب الله أو يسب رسوله أو يسب الدين من حيث هو دينه.
وأما بالاعتقاد.
فكأن يعتقد أنّ لله شريكا يدبر الكون معه.
وأما بالفعل.
فكأن يسجد للصنم أو يهين القرآن إهانة لا تصدر عن مسلم.
وأما الشك فكأن يشك بخبر الله الذي جاء في القرآن أو أن يشك بكفر من أجمعت الأمة على كفره كالمشرك العابد للوثن واليهودي والنصراني.
فهذه أجناس الكفر لا تخرج عنها وإنما تتعدد الأمثلة.
المؤلف سيذكر جملة من الأمثلة هي تعتبر كالأصول في المكفرات.
يقول - رحمه الله - (فمن أشرك بالله)
يعني فهو مرتد والدليل على هذا أدلة كثيرة منها قوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء/116] وعدم المغفرة تكون مع الخروج عن دين المسلمين وما عداه فيغفر إما من الله أو بالتوبة.
والشرك مناقض لأصل الدين الذي أرسلت من أجله الرسل ولهذا لا شك في كفر من أتى بخصلة من خصال الشرك الأكبر.
ثم - قال رحمه الله - (أو جحد ربوبيته)
إذا جحد أنّ الله هو الخالق البارئ المصور المدبر لهذا الكون فهو كافر , ودليل كفره أنه مكذب لما تواتر في كتاب الله وسنة رسوله وأجمع عليه المسلمون من أنّ الله سبحانه وتعالى هو الرب المدبر.
ثم - قال رحمه الله - (أو وحدانيته)
كلمة الوحدانية أحيانا نجد أنّ العلماء يطلقونها على الربوبية فيقولون الوحدانية التفرد بالربوبية , وأحيانا يطلقونها على الإلوهية وإن كان كأنه يعني يبدوا لي أنّ استعمالها في الربوبية أكثر منه في الإلوهية لكنهم يستعملونها في الإلوهية ولهذا نقول الوحدانية هي التفرد بالربوبية والإلوهية.
فكأنه جمع بين الأول والثاني لأنّ الأول يتعلق بالإلوهية والثاني يتعلق بالربوبية.
ثم - قال رحمه الله - (أو صفة من صفاته)
إذا جحد وأنكر صفة من صفات الله فهو كافر لكن يشترط لهذا أن لا ينكرها بتأويل سائغ أو ينكرها ومثله يجهل هذه الصفة يعني بتأويل أو جهل يقبل من مثله إذا أنكرها بغير تأويل ولا جهل فهو كافر فإذا جاء شخص وقال الله سبحانه وتعالى ليس بصيرا ولا سميعا ولا يتكلم ولا ينزل وليس له يد ولا عين ولا قدم فإنكاره لهذه الصفة إن كان جهلا ومثله يجهل هذه الصفة فلا يكفر لحديث الذي أنكر صفة القدرة حين أمر أولاده أن يحرقوه ثم ينثروه في الريح.
وأما إن كان يعلم هذه الصفة ومثله لا يجهلها فإن كان بتأويل سائغ مقبول له وجه من اللغة فإنه لا يكفر وإلاّ فإنه يكفر وهذه الشروط تقلص ولا توسع التكفير بإنكار الصفات؟ يصعب أن تكفر بإنكار صفة لأنّ غالب الذين ينكرون الصفات عندهم تأويل سائغ إما من اللغة او من ظواهر النصوص فإن جاء أحد ينكر صفة بغير تأويل سائغ ففي الغالب ستجد أنّ فيه من المكفرات سوى إنكار الصفات شيء كثير مثل الصوفية الحلولية أو الملحدة أو المستهزئين بالكتاب الذين ينكرونه على صفة الاستهزاء فلا تجد إنسان لا يُكَفر إلاّ بمجرد إنكار الصفة إلاّ بنطاق ضيق جدا في الحقيقة.
ثم - قال رحمه الله - (أو اتخذ لله صاحبة أو ولدا)
إذا زعم أنّ الله اتخذ صاحبة أو ولدا فإنه يكفر لأنّ القرآن مليء بنفي الصاحبة والولد ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾ [المؤمنون/91] وإذا أثبت هو أنه لله ولد أو له صاحبة فإنه يكفر ولا نقول هنا بتأويل أو بغير تأويل لأنه لا يوجد تأويل سائغ في إثبات الولد لله ولا في إثبات الصاحبة.
فبمجرد ما يعتقد أنّ لله ولدا فهو كافر أو له زوجة فهو كافر.
ثم - قال رحمه الله - (أو جحد بعض كتبه أو رسله)
إذا جحد بعض الكتب أو بعض كتاب أو جحد أحدا من الرسل فإنه يكفر , أولا لأنه مكذب لما جاء في الكتاب والسنة.
وثانيا: لقوله تعالى ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ [البقرة/85] فالكفر ببعض الحق كفر بكل الحق.
المكفر هذا والذي قبله لا يكاد يوجد بين المسلمين.
لا زعم أنّ لله صاحبة ولا إنكار صفة بغير تأويل وبغير جهل.
ثم - قال رحمه الله - (أو سب الله أو رسوله فقد كفر)
سواء سبهما على سبيل الاستحلال أو ليس على سبيل الاستحلال، والسب في اللغة/هو التنقص والشتم.
وأما في الاصطلاح فالسب يرجع فيه إلى العرف فما اعتبر سبا فهو سب وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام - رحمه الله - وهو ضابط وتعريف متقن جدا لأنّ السب يختلف جدا باختلاف الأوقات والأعراف والأزمان فما اعتبر في عرف من الأعراف سبا فهو سب , وسب الله وسب رسوله من المكفرات بل هو أعظم وأشنع مكفر على الإطلاق , يعني المكفرات القولية , والدليل على كفر صاحبه مع ظهوره وجلائه من وجهين: الأول: أنه لا يسب الله سبحانه وتعالى أو رسوله إلاّ وقد خرج من قبله التعظيم الواجب.
وإذا لم يعظم الله ولم يعظم رسوله فهو كافر.
الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾ [التوبة/65] ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [البقرة/190] وجه الاستدلال أنّ الآية دلت على كفر المستهزئ والساب أشنع منه بمراحل فمن سب الله أو سب رسوله نسأل الله السلامة والعافية فهو كافر خارج عن الملة.
قال - رحمه الله - (ومن جحد تحريم الزنا أو شيئا)
جحد المحرمات الظاهرة كفر والجحد هو الإنكار , والمحرمات الظاهرة هي المحرمات المعلومة من دين الإسلام بالضرورة سواء أنكر تحريم شيء محرم أو أنكر وجوب شيء واجب , ويلتحق بما علم من الدين بالضرورة كل ما أجمع عليه العلماء إجماعا عاما لا إجماعا خاصا فما أجمع عليه إجماعا عاما يعني معلوم للعامة فإنكاره كفر كتحريم الخمر ووجوب الصلاة والزكاة ووجوب بر الوالدين وتحريم الشرك هذه إجماعات عامة.
أما الإجماعات الخاصة كتحريم جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها ونظائر هذه المسائل التي هي إجماعات خاصة يعلمها الفقهاء فإنكارها ليس بكفر لأنه يتصور ممن أنكرها الجهل.
يقول المؤلف - رحمه الله - (ومن جحد تحريم الزنا أو شيئا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها بجهل عرف ذلك وإن كان مثله لا يجهله كفر)
إذن إذا أنكر شيئا من المحرمات الظاهرة إما أن يكون جاهلا فيعرف فإنّ أقر فذاك وإلاّ فهو كافر أو يكون عالما فيكفر مباشرة من دون تعريف وهذا صحيح إذا أنكر الإنسان شيئا معلوما من الدين بالضرورة فهو كفر لأنه تكذيب للكتاب وتكذيب للسنة فيعرف فإن رجع وإلاّ أتممنا عليه الكفر إلاّ إذا كان عالما فيكفر ابتداء بلا تعريف.
ثم عقد المؤلف فصلا لبيان حكم المرتد.
... فصل
يقول المؤلف - رحمه الله - (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف)
سيأتينا أنّ الحكم أنّ من ارتد عن الإسلام فهو كافر لكن اشترط المؤلف بعض الشروط.
فيقول وهو مكلف فبيّن المؤلف أنّ غير المكلف ارتداده لا يعتبر فإذا ارتد فلا نقيم عليه الحد ولا نعتبره في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة مرتدا وهذا أمره واضح بالنسبة للصغير دون التمييز وبالنسبة للمجنون.
مسألة / داخل هذا الشرط المميز.
المميز هل تعتبر ردته أو لا تعتبر؟ فيه خلاف بين الفقهاء.
القول الأول: أنها لا تعتبر ردته لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع القلم عن ثلاثة.
وإقامة حد الردة من جملة العقوبات وهي مرفوعة عن من لم يكلف.
القول الثاني: أنّ إسلامه معتبر وردته معتبرة , فإن ارتد قتل واستدل هؤلاء بأنّ علي - رضي الله عنه - والزبير بن العوام - رضي الله عنه - اسلموا ولهم ثمان سنين.
عقول كبيرة في الحقيقة طفل عمره ثمان سنوات دين جديد في قريش مع الأهوال الموجودة في أول البعثة يسلم عقل كبير بمعنى الكلمة لا ينتهي عجب الإنسان من طفل يكون بهذا التفكير والمستوى ولهذا لم يسلم إلاّ طفلان علي والزبير لأنه بعض الكبار ما أسلموا إللي عقولهم كبيرة ما أسلموا فكيف.
دليل على انه - رضي الله عنهم - لهم عقول راجحة فاستدل الحنابلة وهو وجه عند الحنابلة أنه إذا دلت النصوص على اعتبار إسلامه فنعتبر ردته فنصحح الإسلام والردة.
والقول الثالث: أنّ إسلامه صحيح وردته لا تعتبر , جمعا بين النصوص وهذا القول اختاره ابن مفلح ومال إليه ابن قدامة ولا شك أنه أقوى الأقوال المذكورة وهو إن شاء الله الراجح.
تنبيه!! وعلى جميع الأقوال إذا ارتد المميز فإنه لا يقتل ولو اعتبرنا ردته صحيحة وإنما ينتظر به إلى أن يكلف وننتظره بعد التكليف لمدة ثلاثة أيام على المذهب ثم إذا لم يرجع أقيم عليه حد الردة وهذا بلا خلاف واستدلوا على هذا بأنّ الصبي ليس من أهل العقوبات فلا نقيم عليه الحد إلاّ بعد أن يبلغ.
ثم - قال رحمه الله - (مختارا)
يشترط للردة أن يأتي بهذه الردة قولا أو عملا أو اعتقادا مختارا فإن كان مكرها فإنه لا يكفر لقوله تعالى ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل/106] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وهذا محل إجماع أنه إذا أكره على الكفر فإنه لا يكفر.
ثم - قال رحمه الله - (رجل أو امرأة)
إذا ارتد الرجل فحكمه إذا استوفى الشروط القتل بالإجماع , وإذا ارتدت المرأة ففيها خلاف.
فالمذهب وهو مذهب الجماهير أنّها تقتل لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من بدل دينه فاقتلوه.
ولأن امرأة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ارتدت فقتلها.
والحديث الأول في الصحيح والحديث الثاني ضعيف.
القول الثاني: أنّ المرأة إذا ارتدت فإنها تسبى وتكون أمة واستدلوا على هذا بأنّ أمير المؤمنين أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما ارتدت بنو حنيفة وقاتلهم سبى النساء وعاملهم معاملة الإماء.
وأهدى علي - رضي الله عنه - إحدى نساء بنو حنيفة وهي أم محمد بن الحنفية , وجه الاستدلال أنّ الصحابة أقرّوه على هذا العمل ولم ينقل إنكار فهو إجماع من الصحابة على طريقة ابن قدامة.
القول الثالث: أنها تحبس أبدا حتى تسلم أو تتوب وتضرب لترجع واستدل هؤلاء بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل النساء فقال ولا تقتل امرأة.
والجواب أنّ هذا الحديث في الكافرة الأصلية أما المرتدة فليست كذلك والراجح المذهب لكن لم أجد جوابا عن عمل أبي بكر الصديق , الراجح المذهب لعموم الأدلة ووضوحها ليس في ذهني ولم أجد جوابا كيف يخرج أهل العلم صنيع أبي بكر الصديق , ربما تحتاج مراجعة أكثر المهم أنا لم أجد وليس في ذهني بعد التأمل ما يجاب به عن مثل هذا العمل إلاّ أن يقال هناك فرق بين الردة الجماعية والردة الفردية ولكن هذا لم أرى أحدا أشار إليه وإلاّ لو قيل هناك فرق بين الردة الجماعية والفردية لكان وجيه لأنه كما سيأتينا حصلت ردة كثيرة في زمن الصحابة في زمن عمر وعثمان ما نقل أنه سبيت النساء إلاّ أنّ الردة التي حصلت في زمن الصحابة هي من قبل الرجال على كل حال الراجح المذهب ولكن نلتمس لاحقا الجواب عن أثر أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
ثم - قال رحمه الله - (دعي إليه ثلاثة أيام)
يشترط قبل قتل المرتد أن يدعى إلى الدين لمدة ثلاثة أيام , والدليل على هذا أنّ رجلا قدم إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وسأله كعادته عمر - رضي الله عنه - عن أخبار القوم الذين جاء منهم فقال حصل وحصل وارتد رجل وقتلناه , فقال عمر بن الخطاب أفلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا ثلاثة أيام ثم قتلتموه اللهم إني لم أشهد ولم أحضر ولم أرضى فدل هذا الأثر أنّ عمر - رضي الله عنه - يرى أنّ صنيعهم منكر وأنه كان يجب عليهم وجوبا الانتظار.
الدليل الثاني: روي نحوه عن علي - رضي الله عنه - وفيه ضعف.
الدليل الثالث: روي نحوه عن عثمان.
الدليل الرابع: روي في الحديث المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ينتظر بالمرتد ثلاثة أيام وهذا الحديث معلول بالإرسال فقط مرسل وأنتم تعرفون أنّ المراسيل ليست في الضعف كغيرها وأنها تصلح للاستئناس والاحتجاج متى احتفت بفتاوى وقد احتفت الآن بفتاوى عمر - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة.
القول الثاني: أنه يستحب ولا يجب الانتظار ثلاثة أيام فلولي الأمر أن يقتله بمجرد ما يرتد واستدلوا على هذا بأنّ أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - لما ذهب إلى اليمن أرسل له النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ فلما قدم ودخل المجلس ثنى له أبو موسى الوسادة فرأى رجلا مربوطا فقال ما بال هذا قال إنه ارتد قال لا أجلس حتى يقتل فلم يجلس حتى قطعت رقبته فقالوا في هذا الحديث أنه لم ينتظر به لمدة ثلاثة أيام وإنما قتل في المجلس.
والجواب على هذا الحديث.
أولا أنّ سنة عمر المؤيدة بفتاوى غيره من الصحابة وبالحديث المرسل أولى من فتوى معاذ وفتوى أبي موسى الأشعري.
ثانيا: أنه يحتمل وليس احتمالا بعيدا أنّ هذا المرتد بقي عند أبي موسى الأشعري لمدة ثلاثة أيام.
الدليل الثاني لأصحاب القول الثاني: عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من بدل دينه فاقتلوه.
ولم يقل استتيبوه ثلاثة أيام.
والراجح الأول إن شاء الله لأنّ القاعدة عند الفقهاء تقول لأن يخطئ الوالي بترك العقوبة خير من أن يخطئ بظلم المعاقب.
لا نقول ينتظر ثلاثة أيام لاسيما مع هذا الأثر الصحيح الصريح من أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -
ثم - قال رحمه الله - (وضييق عليه)
يعني أنه يجب في أثناء الثلاثة أيام أن يضييق عليه إما في المكان أو المطعم أو في المشرب أو في الجميع لقول عمر - رضي الله عنه - أطعمتموه كل يوم رغيفا.
فهذا دليل على أنه يجب أن يضييق عليه ولا ينتظر بالمرتد لمدة ثلاثة أيام ويوضع في المكان المريح وإنما يوضع في مكان يحصل عليه فيه ضيق ليراجع نفسه.
ثم - قال رحمه الله - (فإن لم يسلم قتل)
لعموم النصوص السابقة لقوله - صلى الله عليه وسلم - من بدل دينه فاقتلوه ولقتل معاذ ولقتل الصحابة الذين نقلوا إلى عمر فإنّ عمر لم ينكر القتل وإنما أنكر عدم الانتظار ثلاثة أيام فقتل المرتد يشبه أن يكون متواتر.
ثم - قال رحمه الله - (بالسيف)
يعني أنه يجب أن يقتل بالسيف لا بغيره لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوه بعذاب الله.
وفسروا العلماء جميعا عذاب الله النار.
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة والقتل بالسيف من الإحسان فلا يجوز أن يقتل إلاّ بالسيف.
ثم - قال رحمه الله - (ولا تقبل توبة من سب الله ..... ألخ)
بدأ المؤلف ببيان من لا تقبل منهم التوبة فإذا ارتد فلا نقبل منه الرجوع ومقصود المؤلف بقوله لا تقبل منه التوبة يعني في أحكام الدنيا، أما في أحكام الآخرة فإن صدقت توبته فهي مقبولة بالإجماع إنما نحن نتحدث عن أحكام الدنيا أما في بينه وبين الله فهي مقبولة وهذا بلا خلاف.
قال - رحمه الله - (من سب الله)
من سب الله ثم قال تبت فإناّ نقول التوبة غير مقبولة لأنّ الذنب الذي اقترفته عظيم يدل على أنّ فيك من الخبث والفساد ما لا يتصور الرجوع عنه فلا نقبل منه ونقتله ولو زعم أنه تاب توبة نصوح.
القول الثاني: أنّ من سب الله تقبل توبته ويقبل منه ويرفع عنه الحد أولا لعموم النصوص الدالة على قبول توبة التائب.
الثاني: أنّ الذين استهزءوا بالله وبرسوله قبلت توبة بعضهم لقوله تعالى ﴿إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة﴾ [التوبة/66] وقوله إن نعف عن طائفة منكم هذا العفو بالتوبة لأنّ الكافر لا يعفى عنه والمسلم لا يعفى عنه بالكبائر إلاّ بالتوبة فدل على قبول توبته.
الدليل الثاني: أنه جاء في بعض النصوص أنّ فريقا من الذين استهزءوا قبل منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - التوبة لكن لم يظهر لي صحة هذا الأثر وهي مروية ذكرها الحنابلة لكن يغلب على ظني أنها ليست بصحيحة يعني أنه لم يثبت أنه رضي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل توبة أحد من الذين استهزءوا لكن هو مروي أنه قبل والآية واضحة في تقوية هذا الأثر لكنه من حيث الإسناد لا أظن أنه يصح يحتاج إلى مراجعة لم أرجع إسناده لكن لا أظنه يصح.
والراجح أنّ التوبة مقبولة.
قال - رحمه الله - (أو رسوله)
لا تقبل توبة من سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفس الدليل السابق أنّ توبة الرسول وهو سيد الخلق ونبي الله دليل على أنه فسد قلبه بما لا يصلح بعده أضف إلى هذا أنّ في سب الرسول حقا للرسول ولا نعلم هل صفح عنه أو لا.
والقول الثاني: أنّ ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تقبل توبته ويرفع عنه الحد.
والقول الثالث: أنّ ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تقبل توبته ويعتبر من المسلمين يرث ويورث ويغسل ويكفن ويدفن مع المسلمين إلاّ أنه مع ذلك يقتل لحق رسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه سب الرسول ولا نعلم هل صفح عنه الرسول أو لا فصارت الأقوال ثلاثة , أنها لا تقبل توبته مطلقا.
أنها تقبل مطلقا.
أنها تقبل لكن مع ذلك يقتل.
هذا القول الثالث نصره شيخ الإسلام بأدلة كثيرة جدا متنوعة بطرق مختلفة في الصارم المسلول حتى قال البعلي وهو اختصر الصارم المسلول كما تعلمون في الكتاب اختصره وقال أتى بأنواع وأصناف من الأدلة لا يمكن للمنصف إذا رآها إلاّ أن يقرّ بصحتها وهو كذلك استدل بأدلة كثيرة - رحمه الله - وأثبت أنه سب الرسول فلا مناص من قتله لكن إن تاب قبلت توبته ودفن مع المسلمين وإن لم يتب قتل ردة وصار مع الكافرين.
ثم - قال رحمه الله - (ولا من تكررت ردته)
من تكررت ردته ولو لمرة واحدة كما هو ظاهر كلام المؤلف أنها لا تقبل توبته لقوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ [النساء/137] فقالوا الآية حكمت عليه بالمرة الثانية أنه لن تقبل توبته.
القول الثاني: أنه إذا ارتد مرة تقبل وإذا ارتد الثانية لم تقبل واستدل هؤلاء بالآية واستدلوا أيضا بأنّ ابن مسعود - رضي الله عنه - أوتي برجل ارتد فعفا عنه فلما أوتي به المرة الثانية مع جماعة عفا عمن معه وقتله وقال قد جئت قبل هذه مرة.
لكن هذا الأثر عن ابن مسعود فيه ضعف.
القول الثالث: أنّ من تكررت ردته فإنه تقبل توبته لكن ينبغي بالنسبة لمن تكررت ردته أن يستقسي الإمام وأن يعاقبه عقوبة بليغة حتى يتبيّن له أنه تائب وليس متلاعب لكنه إذا تبيّن أنه تاب فإنه يقبل منه لاسيما إذا كانت الردة سببها الشهوة وليست الشبهة فإنّ من ردته بسبب الشهوة قد تتكرر لكن يتوب توبة نصوح ,أما من كانت ردته بسبب الشبهة فهذا الذي ينبغي أن يتثبت في حاله الإمام
ثم - قال رحمه الله - (بل يقتل بكل حال)
هذه ثمرة عدم قبول التوبة أنّ مصيره القتل بكل حال مهما أظهر من الرجوع والتوبة.
قال - رحمه الله - (وتوبة المرتد وكل كافر إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا رسول الله)
توبة كل مرتد مهما كان نوع الردة إسلامه ثم بيّن بماذا يكون الإسلام فقال بأن يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا رسول الله.
الدليل على هذا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله ومفهوم كلام المؤلف أنه إذا ارتد ثم شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا رسول الله فإنه لا ينبغي الكشف عن حقيقة سبب الردة وهل رجع عنها وهل تاب وأقلع وإنما نكتفي منه بالتوبة فإذا أشرك صار يسجد للأصنام ثم تاب فإنّا نقبل منه ولا نقول هل ترى الآن أنّ السجود للصنم شرك أو لا وإنما نقبل منه ونكل باطنه إلى الله.
ثم لما بيّن المؤلف - رحمه الله - أنّ التوبة تقبل بمجرد الشهادتين أراد أن ينبه إلى مسألة وهي قسم من المرتدين لا تقبل توبتهم بمجرد الشهادتين.
يقول - رحمه الله - (ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه)
إذا جحد فرض بأن قال الصلاة ليست بواجبة أو الحج ليس بواجب أو جحد نحو الفرض كأن يجحد أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالته عامة للثقلين فهذا له توبة خاصة.
يقول فيها - رحمه الله - (فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به)
توبة الجاحد لا تحصل إلاّ بأن يأتي بأمرين: الشهادتين وأن يقر بالذي جحد لأنه إذا لم يقر بالمجحود فإناّ لا نعلم هل رجع عنه أو لم يرجع ولهذا يجب أن يشهد ويجب أن ينطق ويقول رجعت عن جحد وجوب كذا وكذا وأنا أرى الآن أنه واجب أو رجعت عن تحريم كذا وكذا وأنا أرى الآن أنه محرم تصريحا ولا نكتفي منه أنه يقول تبت وأشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله بل يجب مع الشهادتين أن يقر بما جحد أو بطريقة أخرى.
قال - رحمه الله - (أو قوله: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام)
يعني مع الشهادتين فالشهادتان ثابتتان لكن إما أن يقر بالمجحود أو يقول أنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام إلى هذا ذهب الحنابلة.
والقول الثاني أنّ الجاحد لا تقبل توبته إلاّ بالشهادتين وأن يقر ولا تقبل توبته بمجرد أن يقول أنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام.
والقول الثالث: أنه إن كان كفره بإنكار أصل من أصول الإسلام ظاهر فإنه يكتفى من أن يقول أنا بريء من دين يخالف دين الإسلام وإلاّ فإنه يجب أن يقر بما جحد وإلى هذا القول مال الشيخ العلامة ابن قدامة وعلل هذا بأنه يوجد من المبتدعة من الذين يكفرون ببدعتهم من يرى أنّ الإسلام هو الملة التي هو عليها فلا ينفعه أن يقول أنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام لأنّ دين الإسلام عنده هو ما هو عليه ولا شك أنّ هذا التنبيه من ابن قدامة جيد وأنا ما نقبل من المنكر إذا كان لم ينكر شيئا ظاهرا من الإسلام إلاّ إذا أقر واعترف بما جحده من دين الإسلام وغالب الكفر بالجحود غالبا يكون من القسم الثاني وهو إنكار شيء غير معلوم من الدين بالضرورة ولهذا الأقرب والأحسن أن يقال أنّ الكافر جحودا لا يقبل منه إلاّ بالشهادتين وأن يقر بما جحد مطلقا فنقول أقرّ بما جحدت واشهد الشهادتين ويكون هذا مقبولا منك.