شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 52-91
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 52-91
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

إذاً المثال: الإنفحة التي في الجبن.
وإنما قال المؤلف - رحمه الله -: (كالجبن) لأن الجبن في وقته لا يمكن أن يتكون إلا إذا وضعت فيه الإنفحة.
والإنفحة هي: عصارة تؤخذ من معدة الجدي توضع على الجبن حتى يتجمد ويصفو ويطيب أكله.
فهذا الإنفحة يسيرة وغير مقصودة ولمصلحة الجبن.
فاتصفت بهذه الصفات الثلاث فلم تؤثر لما اختلطت ولم تُمَيَّز، لم تؤثر مع أنها اختلطت ولم تميز.

  • قال - رحمه الله -:
  • وخل التمر.
    يقصد بخل التمر: يعني: الذي فيه الماء.
    فخل التمر الذي فيه الماء له نفس الحكم ولنفس العلل.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • والسكنجبين.
    هذا مرمب من السكر والخل.
    فهذا يوضع فيه حياناً ماء فهو أيضاً يجوز السلم فيه لأن ما وضع فيه وإن كان غير مقصود وإن كان غير متميز إلا أنه غير مقصود.
    فهذه ثلاث أمثلة لما خلطه غير مقصود يجوز فيها السلم وتوقفنا على الشرط الثاني.
    والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدرس: (20) من البيع

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

  • قال - رحمه الله -:
  • الثاني: ذكر الجنس والنوع.
    الشرط الثاني من شروط صحة السلم: معرفة المسلم به.
    فهذا من شروط صحة السلم: بالإجماع.
    تعليل ذلك:
  • أن المسلم فيه أحد العوضين فوجب أن يعرف.
  • وكذلك: أن العلم بالمبيع من شروط صحة البيع والسلم نوع من البيوع كما تقدم معنا مراراً.
    إذاً تبين معنا أن هذا الشرط محل اتفاق.
    لما قرر المؤلف - رحمه الله - الشرط بدأ بالتفصيل:
  • فقال - رحمه الله -:
  • ذكر الجنس والنوع.
    هذه هي الأمور التي يعرف بها المسلم فيه.
    وهو المبيع كما تقدم معنا.
    ذكر الجنس وذكر النوع.
    ذكر الجنس والنوع والقدر كما سيأتينا بعد قليل: واجب بالإجماع.
    فإذا أراد أن يسلم في شيء من الثمار أو في غيرها فلابد أن يذكر الجنس والنوع.
    فيقول: أسلمت في تمر.
    وهذا جنس.
    ونوعه: سكري - مثلاً وهذا هو النوع.

ومن الفقهاء من قال: أنه لا حاجة لذكر الجنس مع ذكر النوع.
لأن ذكر النوع يغني عن ذكر الجنس.
على كل حال بيان جنسه وقدره أمر متفق على وجوبه كذلك أيضاً القدر وسيأتينا مصرحاً به في كلام المؤلف - رحمه الله -.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً.
    يعني: ويجب في بيان المسلم فيه أن يبين كل وصف يختلف فيه الثمن اختلافاً ظاهراً وهذا تقدم معنا بيان (( ... )) وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أنه لا يجب على العاقدين: المسلم والمسلم إليه بيان جميع صفات المسلم فيه بل يجب فقط بيان الصفات التي يختلف بها الثمن.
    ما عدا هذا من الصفات التي لا يختلف فيها الثمن فإنه لا يجب على العاقدين أن يذكراها في العقد.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وحداثته وقدمه.
    يجب أن يبين حداثة وقدم المسلم فيه.
    تعليل ذلك:
  • أن الثمن يختلف باختلاف الحداثة والقدم.
    فيجب أن يقول: حديث أو قديم.
    لكن كلمة حديث وقديم: كلمة واسعة مطاطة ولا تكفي في بيان الحداثة والقدم.
    فيجب أن يقيد الحداثة والقدم بحسب السلعة.
    ففي مثال التمر: يجب أن يقول: من تمر هذه السنة أو من تمر السنة السابقة أو من تمر التي قبلها.
    فلابد أن يبين ميزان الحداثة والقدم.
    فإن شرطه قديماً ولم يبين: = فالحنابلة يرون في هذه الصورة أن المسلم إليه له أن يأتي بأي نوع من التمر قديم من السنة السابقة أو من التي قبلها أو من التي قبلها لأن الجميع يصدق عليه أنه قديم ولم يبين في العقد مقدار القدم.
    فالحنابلة يرون أنه يجوز أن يأتي بأي تمر قديم من أي سنة.
    والحقيقة لم أطلع على خلاف - وقد راجعت المسألة على عجل - لم أطلع على خلاف في هذه الصورة وهي: ما إذا شرط قديماً ولم يبين مقدار القدم.
    لكن الحنابلة يرون أن المسلم إليه له أن يأتي بأي ثمن قديم ولو كان من عشر سنوات.
    ولو كان يوجد قول آخر يقول أن تحديد المسلم فيه بالقدم بدون ضابط لا يوجد أصلاً وأنه يجب أن يحدد مدى قدمه وحداثتة لكان هذا القول في الحقيقة متوجه ويمنع من النزاع لا سيما وأنه يوجد فرق كبير بين القديم جداً والذي صنع في السنة السابقة.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ولا يصح شرط: الأردأ أو الأجود.

لا يجوز أن يشرط الأردأ أو الأجود.
والسبب أن هذا الشرط يوقع في الاختلاف إذ ما من جيد إلا ويوجد أجود منه.
وما من سيء إلا ويوجد أسوأ منه.
وإذا كان هذا الشرط يوقع في التنازع والاختلاف فهو عكس المطلوب من شروط السلم وهي: انضباطه بما يقع في الاختلاف.
= والقول الثاني: أنه يجوز شرط الأردأ دون الأجود.

  • لأنه إذا شرط الأردأ وأتى بأحسن مما ظنه المسلم فقد جاءه بخير مما سبقه فعليه أن يقبل.
    فيجوز أن يشترط في العقد أن يأتي بالأردأ ويكون شرط صحيح لأنه مهما أتى فهو خير مما وقع العقد عليه.

  • ثم قال - رحمه الله -:

  • بل جيد ورديء.
    يعني: بل يجوز أن يشترط أن يكون جيداً ورديئاً.
    وظاهر عبارة المؤلف - رحمه الله - أنه يجوز ان يكون جيداً أو رديئاً.
    والصواب عند الحنابلة أنه يجب أن يشترط أنه جيد أو رديء.
    بمعنى أنه يجب أن يبين الجودة والرداءة.
    فهي من شروط بيان المسلم فيه التي تضاف إلى الجنس والقدر والنوع التي سبق الكلام عنها.
    = والقول الثاني: أنه لا يجب أن نذكر الجيد ولا الرديء.
    لماذا؟

  • قالوا: لأن الصفات التي يختلف الثمن باختلافها مغنيه عن وصفه بأنه جيد أو رديء.
    وهذا صحيح بلا إشكال.
    ولا معنى لكلمة جيد ولا معنى لكلمة رديء.
    - أَيُّ: معنى أن تقول سآتيك بتمر جيد.
    أي معنى لهذه الكلمة.
    لأن الصفات السابقة التي يجب أن تبين لا ختلاف الثمن لا ختلافها تغني عن كلمة جيد وعن كلمة رديء.
    كما أن كلمة جيد ورديء كلمة لا تفيد في الحقيقة تصوراً دقيقاً للسلعة محل العقد.
    فالصواب إن شاء الله أنه لا يجب أن يبين الجودة والرداءة أثناء عقد السلم.

  • ثم قال - رحمه الله -:

  • فإن جاء بما شرط أو أجود منه.
    فإن جاء بما شرط أو أجود منه: وجب على المسلم أن يقبل هذه السلعة.

  • لأنه جاءه بما عقد عليه وزيادة فوجب أن يقبل.
    = والقول الثاني: أنه لا يجب أن يقبل بل له أن يمتنع وأن يطالب بمثل ما شرط في العقد تماماً.

  • لأنه قد يدخل على المسلم إذا قبل الضرر والمنة.

والصواب: أنه يجب أن يقبل إلا إذا ترتب على ذلك ضرر.
ولا نقول: لا يجب لأنه قد يترتب ضرر بل نقول: يجب إلا إذا ترتب ضرر.
لأن الأصل أنه لا ضرر على الإنسان بأن يقبل السلعة الأجود من التي شرطت من العقد.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: أن رد المسلم للمسلم فيه يضر المسلم إليه.
فربما يجتهد في توفير هذا النوع من السلعة فإذا ردها المسلم ربما لا يتمكن من إحضار السلعة المطابقة لصفات العقد فيدخل الضرر على المسلم إليه.
والشرع جاء بالتوسط ومراعاة طرفي العقد.
فنقول: القول الوسط: أنه يجب أن يقبل إلا إذا ترتب ضرر.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • من نوعه.
    يعني: أنه يجب عند الحنابلة: أن يقبل إذا أتى بخير مما شرط إذا كان من نوعه.
    فإن لم يكن من نوعه فإنه لا يجب أن يقبل لكن يجوز.
    فإذا أسلم في تمر سكري وأتاه ببرحي فحينئذ - هل يجب أو يجوز أن يقبل؟ يجوز.
    وإذا شرط في السلم سكري وأتى بسكري أجود مما شرط؟ فإنه يجب.
    . تلاحظ أن المؤلف - رحمه الله - بين الحكم إذا أتى بنفس النوع ولم يبين الحكم إذا أتى بجنس آخر كما إذا أسلم في تمر وأحضر قمحاً وهذا سيذكره المؤلف - رحمه الله - في آخر الفصل لأنه مسألة تكثر الحاجة إليها.
    إذاً عرفنا الآن الحكم إذا أتى بنوع .... من نفس النوع أو إذا أتى بسلعة أجود لكن من نفس النوع.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه: لزمه أخذه.
    المحل هو: وقت حلول القبض.
    أو وقت حلول الأجل.
    إذا كان الاتفاق أن يحضر المسلم فيه في أول يوم من شهر صفر - مثلاً - وهو أتى بالمسلم فيه في منتصف شهر محرم.
    فهو الآن أتى به قبل محله يعني: قبل وقت حلوله.
    = فعلى المذهب: يجب أن يقبل وجوباً.
    إلا في صورة واحدة إذا ترتب على القبول ضرر كأن يأتي بفاكهة تفسد قبل حلول الأجل.
    فحينئذ لا يجب عليه أن يقبل وإلا فإنه يجب عليه القبول.
    = والقول الثاني: أنه لا يجب عليه أن يقبل ولو بلا ضرر.
    وهذا مذهب المالكية.
    أنه إذا أتي بالسلعة قبل الوقت فلا يجب على المسلم أن يقبل ولو بدون ضرر.

ويظهر لي والله أعلم أن مذهب المالكية أصح وأنا لا نلزم المسلم أن يقبل السلعة ولو بدون ضرر ما دام الإتفاق والعقد على أن يأتي بالسلعة في وقت محدد فإنه يجب أن نلتزم بهذا العقد.
والحنابلة يقولون.
أن تقديم المسلم فيه قبل وقته يقاس على الإتيان بسلعة أجود من المتفق عليه.
فتقديم الأجل كرفع النوعية عندهم.
والصواب أن هذه المسألة لا تقاس على تلك.
لأن تلك نفع محض.
فإنه أتى بسلعة خير مما اتفق عليها.
أما تقديم الأجل فليس بنفع محض بل ربما يكون نفعاً وربما يكون لا نفع ولا ضرر إنما هو تقديم للسلعة عن وقتها وغالباً سيقع ضرر على المسلم لو قبل لأنه يكون قد رتب أموره على أساس أن السلعة ستأتي في وقت معين وتصرف في وقت معين.
على كل حال.
الأقرب والله أعلم مذهب المالكية وهو أنه لا يجب على المسلم مطلقاً أن يقبل إذا أتي بسلعة قبل محلها.
انتهى المؤلف - رحمه الله - من الشرط الثاني وما زال في الشروط المتعلقة بالمسلم فيه:

  • قال - رحمه الله -:
  • الثالث: ذكر قدره.
    الثالث من شروط المسلم فيه: ذكر القدر.
    تقدم معنا قريباً أن ذكر القدر أمر مجمع عليه.
    لأنه لا يمكن أن يتميز المسلم فيه إلا بذكر قدره وإلا وقع في نزاع له أول وليس له آخر.
    لأن جهالة القدر أعظم أحياناًَ من جهالة الصفة.
    إذاً: هذا معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (ذكر قدره)
  • قال - رحمه الله -:
  • بكيل أو وزن أو ذرع يعلم.
    معرفة القدر تكون بأي مقدار يعرف به مقادير السلع: كيل، وزن، عد، ذرع.
    بأي طريقة يعرف بها المقدار.
    فإن بين قدره بالكيل والوزن فقد بينه بإجماع الفقهاء، فقد تم البيان بإجماع الفقهاء من أهل المعاني والظاهرية وغيرهم.
    بإجماع الفقهاء.
    إن بينه بالكيل والوزن.
    وأما إن بينه بغير الكيل والوزن كأن يبينه بالعد أو بالذرع أو بأي وسيلة تبين مقدار السلعة فكذلك ذهب الجماهير جميع أهل العلم ما عدا ابن حزم إلى أنه كافي في بيان المقدار.
    وقالوا إنما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الكيل والوزن في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - لأن السلع غالباً ما تقاس بهذه الموازين في العهد النبوي.

وذهب ابن حزم إلى أن السلم إذا قدر بغير الكيل والوزن فهو باطل لأن الكيل والوزن هو المذكور في حديث ابن عباس فلا نخرج عن الكيل والوزن في بيان مقدار المسلم إليه.
وهو قول غاية في الضعف ولا ينظر إليه في الحقيقة عند تأملك له فستجد أنه كذلك لا عبرة به ولا وزن له.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • يعلم.
    يعني: يجب إذا أردت أن تبين مقدار المسلم فيه أن تستعمل وحدة معلومة.
    فمثلاً - إذا قال شخص بعدت أو أسلمت في التمر خمسين صاعاً بصاع زيد.
    وصاع زيد مجهول لا يتساوى مع صاع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا مع صاع الناس وهو مجهول.
    فهذا بينه في كيل ووزن لكنه كيل ووزن لا يعلم لأن صاع زيد مجهول لا يعلمه الناس.
    فيجب إذا أراد الإنسان أن يبين أن يذكر وحدة معلومة للعاقدين.
    وهذا الشرط يحتاج إليه في القديم كثيراً لاختلاف الأصواع أحياناً بين البلدان بل داخل البلد الواحدة قد تختلف.
    أما اليوم فوحدات القياس متساوية في العالم تقريباً.
    فيكفي أن تقول أي وحدة من الوحدات المعروفة ولا يشترط أن تعين أنها وحدة البلد الفلاني أو غيره لا تحاد الأمر في وقتنا هذا.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن أسلم في المكيل وزناً أو في الموزون كيلاً: لم يصح.
    هذه المسألة من مفردات الحنابلة.
    واستدلوا - رحمهم الله - على هذا الحكم:
  • بأن السلم فيه مبيع يجب معرفة قدره فوجب الرجوع إلى القدر الشرعي وهو الكيل والوزن في العهد النبوي.
    هكذا استدل الحنابلة - رحمهم الله -. = والقول الثاني: للجماهير: الأئمة الثلاثة وغيرهم من أهل العلم ذهبوا إلى أنه يجوز أن يسلم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن المقصود في باب السلم هو معرفة المقدار وهذا يحصل سواء بالوزن لما يكال أو بالكيل لما يوزن.

وهذا القول الثاني أرجح وأقوى ونحن نقول أن مفردات الحنابلة في الغالب مسائل راجحة وقوية لأن الإمام أحمد - رحمه الله - لا يتفرد إلا بموجب صحيح ودليل قوي.
لكن قد يشذ عن هذه القاعدة بعض المسائل التي لا يكون الراجح فيها مع الإمام أحمد - رحمه الله - ومن ذلك هذه المسألة التي معنا فقول الحنابلة فيها ضعيف في الحقيقة وبعيد من حيث التعليل وأيضاً فيه مشقة على الناس.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • الرابع: ذكر أجل معلوم.
    يشترط في السلم أن يكون مؤجلاً.
    فإن كان حالاً بطل.
    فإن قال: أسلمت إليك بخمسين صاعاً من التمر تسلمها لي الآن فهو باطل.
    = وإلى هذا ذهب الجمهور: بطلان السلم الحال هو مذهب الجمهور.
    واستدلوا على هذا بأدلة:
  • الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: (إلى أجل معلوم).
    فأشار النص إلى أنه يتحتم وجود الأجل في عقد السلم.
  • الدليل الثاني: أن عقد السلم اغتفرت فيه بعض الواجبات لأجل الرفق بالناس والرفق إنما يحصل مع وجود الأجل لا بدونه.

وقول الشافعية: (فليكن بيعاً) نعم نقول فليكن بيعاً ولا يكون سلماً فالسلم شيء والبيع شيء آخر.
السلم له شروطه ومواصفاته وأحكامه الخاصة ومن أبرزها جواز بيع المعدوم والبيع له شروطه الخاصة ومن أبرزها عدم جواز بيع المعدوم.
فنقول: السلم الشرعي يجب أن يكون مؤجلاً.
فإن أسلم حالاً فالبيع باطل.
قد تكون ثمرة الخلاف ليست كبيرة.
لماذا؟ لأنه إذا أسلم حالاًوأبطلنا العقد.
فماذا يصنع؟ يبيع بيع المعينات.
لكن الخلاف في الحقيقة مهم لتصور المسألة.
فإنه يساعد على تصور المسائل والفروق بين العقود بشكل جيد.
إذاً الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو مذهب الأحناف والمالكية: أنه يشترط في بيع السلم الأجل.

  • يقول - رحمه الله -:
  • الرابع: ذكر أجل معلوم.
    له وقع في الثمن.
    يشترط في الأجل أن يكون معلوماً.
    لأنه إذا لم يكن معلوماً وقع المتعاقدان في الغرر والجهالة.
    والشرط الثاني للأجل: أن يكون له وقع في الثمن.
    معنى قول الفقهاء: (له وقع في الثمن).
    أي: أثر في زيادته.
    فلابد أن يكون في الأجل له وقع في الثمن.
    فإن أسلم في وقت قصير كأن يقول أسلمت في يومين أو أسلمت في ثلاثة أيام فهذه المدة ليس لها وقع في الثمن.
    السلم بناء على ذلك باطل لبطلان الأجل.

لما ذكر المؤلف - رحمه الله - الشرط الرابع ذكر محترزاته فما سيذكره من المسائل الثلاث هي موزعة على الشرط الرابع.

  • قال - رحمه الله -:
  • فلا يصح: حالاً ولا إلى الحصاد والجذاذ ولا إلى يوم.
    قوله: (فلا يصح: حالاً) يرجع إلى قوله: (ذكر أجل) وقوله: (ولا إلى الحصاد والجذاذ) يرجع إلى قوله: (معلوم) وقوله: (ولا إلى يوم) يرجع إلى (وقع في الثمن) مسألة (حالاً) هذه كما تقدم معنا أن اىلسلم الحال باطل عند جماهير الفقهاء وتقدم معنا الآن الخلاف.
    قوله: (ولا إلى الحصاد والجذاذ) لا يصح السلم إلى الحصاد ولا إلى الجذاذ.
    = هذا مذهب الحنابلة.
    وعللوا ذلك بأمرين:
  • الأمر الأول: أنه روي عن ابن عباس أنه كره تأجيل السلم إلى الحصاد والجذاذ.
  • الثاني: أن تأجيله إلى الحصاد والجذاذ أمر مجهول لا ينضبط إذ الحصاد والجذاذ يبعد ويقرب.
    = القول الثاني: جواز تأجيل السلم إلى الحصاد والجذاذ.
    واستدلوا أيضاً على الجواز: أي استدل القائلون بالجواز بأمرين:
  • الأمر الأول: أن الحصاد والجذاذ يعرف بالعرف والعاد واختلافه يسير.
  • والأمر الثاني: أن ابن عمر - رضي الله عنه - يشتري ويبيع إلى العطاء.
    فيؤخذ منه جواز التأجيل إلى الجذاذ والحصاد.
    الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة.
    لماذا؟ لأن الجذاذ والحصاد أحياناً يطول وتمتد فترته ولاشك أن مثل هذا يوقع الخلاف والنزاع.
    ثم الأمر سهل نقول لهم: اضبطوا ذلك بوقت يعني بتاريخ بدل أن تدخلوا في متاهة الجذاذ والحصاد أذكروا تاريخاً محدداً يحصل فيه التسليم.
    وبهذا نكون رجحنا مذهب ابن عباس على مذهب ابن عمر على أن ابن عمر لم يرو عنه التصريح بجواز السلم إلى الجذاذ وإنما روي عنه ما يفهم منه الجواز وهو أنه يبيع ويشتري إلى العطاء بينما ابن عباس روي عنه التصريح أنه يكره أن يحد الإنسان الأمر بالجذاذ والحصاد.
    فالأقرب والله أعلم ضبطاً للعقد مذهب الحنابلة.
  • قوله - رحمه الله -:
  • ولا إلى يوم.
    تعليله ظاهر:
  • لأنه ليس له وقع في الثمن.
    ثم لما قرر هذا الحكم وهو الأجل استثنى مسألة مهمة:
  • فقال - رحمه الله -:
  • إلاّ في شيء يأخذه منه كل يوم: كخبز ولحم ونحوهما.

هذه المسألة مستثناة من اشتراط: أن الأجل ليس بمعلوم، واستثناء بالنسبة للسلع التي تستلف في الأيام الأولى من قضية له وقع في الثمن.
صورة المسألة/ أن يقول الإنسان لصاحب البقالة هذه مائة ريال أأخذ منتك كل يوم خبزاً أو أأخذ منك كل يوم لحماً.
فالآن صورة السلم موجودة لأنه يوجد رأس المال الذي قبض في مجلس العقد وهو مائة ريال والمسلم فيه وهي السلع التي يأخذها تباعاً.
والشرط الذي اختل في هذه الصورة هو شرط معلومية الأجل وأن يكون له وقع في الثمن كما تقدم معنا.
فهذه الصورة جائزة.
واستدلوا على جوازها بأمرين:

  • الأمر الأول: أن الحاجة ماسة إليها وداعية إلى المعاملة بها.
    لاسيما في القديم، ولا سيما إلى الآن في بعض البلدان الحاجة ماسة لمثل هذا العمل.
    إما لحاجة المسلم أو لأنه أخرق والأخرق من مصلحته أن يقدم ثمن السلع التي سيستلمها مقدماً ويستلم السلع تباعاً لأن المبلغ لو بقي في يده فإنه سيتلفه في غير طائل.
    إذاً: الدليل الأول هو الحاجة.
  • العلة الثانية: أنه إذا جاز الشيء إلى أجل جاز إلى أجلين وثلاثة ولا فرق.
    تبين معنا الآن أن هذه المسألة هي مسألة الإسلام في جنس إلى أجلين.
    والإسلام في جنس إلى أجلين سيذكر المؤلف - رحمه الله - في الشرط السادس الذي سيأتينا إن شاء الله تفصيلاً عنه وسنأخذ هناك الفرق بين المسألة التي ستأتي وهذه المسألة.
    والذي يعنينا الآن جواز هذه الصورة وأن سبب الجواز ما ذكرته لك من التعليلين.
    لكن يشترط لجواز هذه المعاملة أن تكون الأجزاء معلومة بأن يقول: كل يوم آخذ كيلو لحم.
    أو نصف كيلو لحم.
    المهم يبين جزءاً كل يوم.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • الخامس: أن يوجد غالباً في محله ومكان الوفاء.
    المحقق - وفقه الله - فتح الحاء والصواب: مَحِلِّهِ.
    بكسر الحاء وهذا يبدو أنه سهو لأنه هو ضبطها ضبطاً صحيحاً فيما تقدم وقبل محله.
    فتصلح الفتحة إلى كسرة.
    يشترط لصحة السلم: أن يوجد المسلم فيه في محله غالباً.
    يعني: يشترط لصحة السلم أن يغلب وجود هذه السلعة في وقت حلول الأجل.
    فإذا أسلم في رطب في الشتاء فالسلم باطل لأن الرطب لا يوجد في الشتاء واختل هذا الشرط وهو أن يوجد غالباً.

فإذا أراد أن يؤجل فعليه أن يضع أجلاً توجد فيه السلعة غالباً.
وهذا الشرط متفق عليه وصحيح بلا إشكال لأنه لا يمكن إتمام العقد وتسليم المسلم فيه إلا بأن يكون غالب الوجود في وقت محله.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ومكان الوفاء.
    يعني ويجب أن يوجد غالباً في مكان الوفاء.
    فإن غلب على الظن عدم وجوده في مكان الوفاء فإن السلم باطل.
    إذاً يجب أن نراعي في الأجل الزمان والمكان.
    أما مثال الزمان: فتقدم أن يسلم في الرطب في الشتاء فهذا باطل.
    المكان: كأن يسلم في مكان محاصر لا تدخله سلعة معينة ولو كانت توجد في ذلك الزمن لكن لا توجد في ذلك المكان فهذا السلم باطل لأنه يغلب عدم وجود هذه السلعة في هذا المكان كما قلت لك كالمكان المحاصر.
    هذا معنى كلام المؤلف - رحمه الله -: (ومكان الوفاء).
    وإذا قرأت عبارة المؤلف - رحمه الله - تفهم منها هذا المعنى ببساطة وهو معنى وجيه وقيد جيد.
    الشيخ منصور في شرحه في الروض فهم من هذا الكلام فهماً آخر فقال: (معنى في مكان الوفاء) يعني: أنه لا يجوز أن نسلم في ثمرة بستان معين.
    ولا في نتاج فحل معين.
    فحمل العبارة على هذا المعنى.
    ويظهر لي أن ما حمله الشيخ منصور - رحمه الله - على هذا المعنى بعيد وأن سياق المؤلف - رحمه الله - سهل وواضح ومراد لكن لعله حمله على هذا الحمل لأن هذه العبارة لم تذكر في غالب كتب الحنابلة.
    لكن مع ذلك أقول هذا الفهم الذي ذكرته لك أولاً وشرح العبارة بهذا المعنى هو الصحيح وهو المتبادر إلى الذهن.
    نأتي مع ذلك إلى مسألة: السلم في بستان معين.
    وفي نتاج فحل معين التي ذكرها الشيخ منصور.
    ذهب الجماهير وحكي إجماعاً أنه لا يجوز للإنسان أن يشترط ثمرة بستان معين.
  • لأن ثمرة هذا البستان المعين معرضة للتلف فإذا تلفت لم يمكن للمسلم إليه أن يأتي بالمسلم فيه.
    = والقول الثاني: أنه يجوز أن يسلم في ثمرة بستان معين بشرط أن يكون السلم بعد بدو الصلاح.
    والصحيح إن شاء الله أنه لا يجوز السلم في ثمرة بستان معين مطلقاً لأن هذا فيه غرر ولأن فيه مخاطرة ولأنه لا حاجة لتخصيص ثمرة بستان معين.

فإذا كان الإنسان يرغب بمواصفات ثمرة بستان معين فالحل: أن يذكر هذه المواصفات ولا يذكر أنها من بستان معين.
فالأقرب وحكي إجماعاً وربما المخالف فيه نفر قليل من أهل العلم - بأنه لا يجوز أن يسلم في شيء معين.
لا في ثمرة بستان ولا في نتاج فحل.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • لا وقت العقد.
    يعني: أنه لا يشترط أن يوجد المسلم فيه في وقت العقد.
    والدليل على هذا:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر أهل المكدينة على السلم في السنتين والثلاث ومن المعلوم أن الثمرة في السنتين والثلاث تنقطع.
    فدل هذا على أنه لا يشترط وجود الثمرة من حين العقد إلى وقت التسليم.
  • الدليل الثاني: أن اشتراط وجود الثمرة من حين العقد إلى وقت التسليم يمنع الإرفاق الموجود في السلم.
    إنما أردنا الأجل ليتمكن من تحصيل هذه السلعة.
    فإذا اشترطنا وجود هذه السلعة من حين العقد إلى التسليم فأين الإرفاق حينئذ الحاصل بتأجيل الثمن.
    فالأقرب هو أنه لا يجب أن توجد السلعة في وقت العقد.
    وهذا مذهب الجماهير فلم يخالف في هذه المسأل إلا الأحناف.
    وقولهم في هذه المسألة ضعيف جداً.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • فإن تعذر أو بعضه: فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض.
    (إن تعذر) يعني المسلم فيه.
    (فله) يعني: المسلم.
    إذا تعذر المسلم فيه: إما أن لا تحمل الشجرة ثماراً لأي سبب من الأسباب أو أن تصاب بآفة أو أن يتغيب المسلم إليه أو لأي سبب من الأسباب تعذر تسليم المسلم فيه.
    (فله) أي للمسلم الخيار بين: الفسخ والصبر.
    وهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله - هنا: (فله الصبر أو فسخ الكل) يعني فهو مخير بين أن يصبر وبين أن يفسخ.
    ومفهوم عبارة المؤلف - رحمه الله - أنه إذا تلفت الثمرة فإن العقد لا يبطل.
    ولو تلفت الثمرة.
    وعللوا ذلك:
  • بأن بقاء الثمرة ليس من شروط صحة السلم.
    بل نخير المسلم إذا تلفلت الثمرة بين أن يصبر إلى أن يتمكن المسلم إليه من إحضار الثمرة أو يفسخ.
    = والقول الثاني: أن عقد السلم بمجرد تلف السلعة يبطل.
  • لأن السلعة هي محل العقد.
    فإذا تلفت بطل العقد.

والراجح مذهب الحنابلة.
وهو أن العقد لا يبطل وسبب الترجيح أن بطلان العقد بتلف السلعة إنما هو في بيوع الأعيان أما في البيوع التي تثبت في الذمة فإن تلف السلعة لا يؤدي إلى تلف العقد لأن السلعة ثابتة في الذمة فتلفت أو لم تتلف فهي ثابتة في الذمة.
ولهذا لا إشكال إن شاء الله في أن الأقرب للصواب مذهب الحنابلة وهو أن العقد لا يبطل.

  • يقول - رحمه الله -:
  • الصبر أو فسخ الكل أو البعض.
    الخلاف في البعض كالخلاف في الكل.
    يخير بين الصبر أو الفسخ.
    = والقول الثاني: أن العقد يبطل.
    إلا أنه في مسألة البعض من الفقهاء من قال إذا تلف البعض فإما أن يفسخ في الكل أو يصبر على الكل.
    والصواب أن حكم البعض كحكم الكل.
    فما وجد يستلمه الإنسان وما تلف فالمسلم مخير بين الصبر أو الفسخ.
    ثم لما بين أنه مخير بين الصبر أو الفسخ انتقل إلى الحكم فيما إذا اختار الفسخ.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه.
    يعني: فإذا اختار الفسخ فإنه يأخذ الثمن الموجود إن بقي موجوداً أو مثله إن كان مثلياً أو قيمته إن كان من القيميات.
    إذاً إما أن يكون نفس الثمن موجود فيأخذه وإلا أن يكون الثمن غير موجوداً لكنه من المثليات فيأخذ مثله أو نرجع إلى القيمة في القيميات.
    إذاً الحكم مفصل على هذا النحو فيما إذا اختار الفسخ.
    ولم يبين المؤلف - رحمه الله - ماذا يحصل إذا اختار الصبر لأنه إذا اختار الصبر فالأمر واضح.
    يصبر إلى أن يأتي المسلم إليه بالسلعة.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • السادس: أن يقبض الثمن تاماً معلوماً قدره ووصفه قبل التفرق.
    السادس من شروط الثمن لا من شروط المسلم فيه: أن يقبض الثمن تاماً في مجلس العقد.
    اتفق الفقهاء كلهم على وجوب تسليم وتقديم الثمن.
    واستدلوا على هذا:
  • بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أسلف فليسلف) قالوا معنى قوله: (فليسلف) يعني: فليعط.
  • واستدلوا: بأن الإرفاق إنما يحصل بتقديم الثمن.
    هذا محل اتفاق.
    إلا أن المالكية فقط يجوزون التأخير لمدة ثلاثة أيام.
    وقالوا: أن هذه المدة يسيرة ولا تمنع الإرفاق.
    والراجح مذهب الجماهير أنته لا يجوز تأخير قبض الثمن لأي مدة بل يجب أن يقبض في مجلس العقد.

ويترتب على الخلاف بين الجمهور والمالكية مسألة أخرى وهي: ثبوت الخيار وعدمه.
فاخيار ثابت على قول المالكية لأنه إذا أجل الثلاثة أيام أمكنه أن يشترط الخيار مدة هذه الثلاثة أيام.
والخيار لا يثبت في عقد السلم عند الجمهور لأنه يجب أن يكون با ... ) في مجلس العقد.
وإذا كنا نرجح مذهب الجمهور وأنه لا يجوز تأخير ثلاثة أيام فتبعاً لذلك نرجح أنه لا خيار في السلم.
بل يقع لازماً.
لأنه كيف يشترط الخيار والقبض لازم وواجب.

  • يقول - رحمه الله -:
  • السادس: أن يقبض الثمن تاماً معلوماً قدره ووصفه قبل التفرق.
    إذاً يجب أن يقبض ويجب أن يكون معلوماً قدره ووصفه.
    الثمن الذي يسلم في مجلس العقد ينقسم إلى قسمين:
  • إما أن يكون الثمن في الذمة.
  • وإما أن يكون معيناً.
    فإن كان في الذمة: فيجب بالإجماع بيان القدر والوصف.
    القسم الثاني: أن يكون معيناً فإذا كان معيناً: = فذهب الحنابلة إلى وجوب معرفة القدر والوصف: فيجب أن تقول خمسين ريال سعودي: القدر خمسين والوصف ريال سعودي.
    قالوا: - لأن الثمن لا يعلم على الوجه المطلوب إلا بذلك.
  • ولأن الثمن يجب أن يعلم قياساً على السلعة ونحن قررنا فيما سبق أن السلعة المسلم فيها يجب أن تكون معلومة.
    = القول الثاني: أنه يجب معرفة القدر دون الوصف.
    = والقول الثالث: أنه لا يجب أن يعلم لا القدر ولا الوصف وإنما نكتفي بالمشاهدة فقط.
  • قالوا: لأن المشاهدة مغنية عن معرفة القدر والوصف.
    وفي الحقيقة: بالنسبة لي أنا لا ينتهي عجبي من هذا القول: يعني: أتعجب من أن يقال بعدم وجوب معرفة القدر والوصف قول عجيب وإن كان قال به أئمة ربما كبار لكن أنت إذا تأملت كيف ينضبط العقد بدون معرفة القدر والوصف.
    لا يمكن أن ينضبط.
    ووقوع الخلاف أمر لاشك فيه.
    هذا أمر.
    الأمر الآخر نحن نقول إذا بطل العقد فإنه يجب الفسخ وقررنا في الدرس السابق أن كل ما قلنا يبطل العقد فثمرة ذلك أن يرجع المشتري بالثمن والمسلم إليه بالمسلم فيه.
    فكيف يرجع؟ بماذا يرجع؟ ربما يقول: كنت سلمت لك مبلغاً كبيراً أو صغيراً وإذا كان الثمن ليس من النقدين بل من العروض يختلفون في مقدار هذا العرض إلى آخره من الخلاف والنزاع.

ففي الحقيقة تعجبت من هذا القول ومن وجهى نظري أن مذهب الحنابلة لاشك أنه أرجح وأضبط وأقرب لقواعد البعد عن الشقاق في المعاملات المالية.
وأي كفاية في المشاهدة.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن قبض البعض ثم افترقا: بطل فيما عداه.
    إذا قبض البعض ثم قبل أن يقبض الباقي افترقا صح في المقبوض وبطل في الذي لم يقبض.
    وهذا مبني على مسألة سابقة تقدمت معنا وهي مسألة تفريق الصفقة.
    فتقدم معنا أن تفريق الصفقة صحيح وأنه على مذهب الحنابلة يجوز أن يفرق الصفقة ومعنى تفريق الصفقة أن يصح العقد في بعض السلع ويبطل في بعضها.
    كذلك هنا نقول: يصح في القبوض ويبطل فيما لم يقبض.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه: صح إن بين كل جنس وثمنه وقسط كل أجل.
    يقول - رحمه الله -: (إن أسلم في جنس إلى أجلين).
    صورة المسألة: أن يسلم في خمسين صاع من التمر يسلم بعضه في محرم وبعضه في رجب.
    فهو أسلم في جنس إلى أجلين.
    فهذه الصورة جائزة عند الحنابلة.
    واستدلوا على هذا:
  • بجنس ما استدلوا به في المسألة السابقة وهي أنه إذا جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وثلاثة وأربعة.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إلى أجل معلوم.
    فثبت جواز الأجل فيثبت جواز الأجلين.
    (((الآذان))).

لكن يصح لجواز السلم في جنس إلى أجلين أن يبين أمرين:

  • الأول: قسط كل أجل.
  • والثاني: ثمن كل قسط.
    فيقول: أسلمت إليك في خمسين أو في مائة صاع من التمر خمسين منها في محرم وخمسين منها في صفر.
    قيمة الخمسين الأولى كذا من المئة ريال وقيمة الخمسين الثانية كذا من المائة ريال فلابد أن يبين قسط كل أجل ويبين ثمن كل قسط.
    واستدل الحنابلة على هذا:
  • بأن الأجل الأبعد له قسط أكبر من الثمن.
    فيجب أن يبين حتى إذا فسخ العقد أمكن الرجوع بكل قسط بقيمته.
    = القول الثاني: أنه لا يشترط أن يبين لا قسط ولا قيمة كل أجل.
    فإن تعذر إيفاء بعض هذا الجنس في أحد الأجلين سقط من الثمن بقدر ما يسقط من المسلم فيه.
    فإذا افترضنا أنه لم يتمكن من تسليم نصف المسلم فيه فإنه يسقط من الثمن النصف أيضاً.
    وإلى هذا يميل ابن قدامة - رحمه الله -.

لكن الأقرب مذهب الحنابلة.
لأنه لا سيما في وقتنا هذا للأجل وقع عظيم في الثمن - اليوم في بيوع السلم الأجل له وقع كبير في السلم فيجب أن تبين قيمة كل قسط من البضاعة موزعة على الآجال حتى إذا تخلفت بعض البضاعة في بعض الآجال أمكن معرفة ثمنها وخصمه من قيمة السلعة أما إذا ترك الأمر هكذا أن نصف السلعة تساوي نصف الثمن فهذا يؤدي إلى الاختلاف بلا شك.

  • يقول - رحمه الله -:
  • (أو عكسه).
    يعني: أسلم في جنسين إلى أجل.
    إذا أسلم في جنسين إلى أجل فهو أيضاً يجوز.
    صورته أن يسلم في بر وقمح إلى محرم فالآن في جنسين إلى أجل.
    بين المؤلف - رحمه الله - شرط صحة هذا البيع:
  • فقال - رحمه الله -:
  • صح إن بين كل جنس وثمنه.
    يعني: صح.
    في الواقع: العبارة أسهل إذا قلنا صح إذا بين ثمن كل جنس.
    فإذا بين ثمن كل جنس فإنه صحيح.
    هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين.

الدرس: (21) من البيع

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

  • قال - رحمه الله -:
  • السابع: أن يسلم في الذمة.
    (السابع) يعني من شروط السلم.
    (أن يسلم في الذمة)
  • ثم قال - رحمه الله - موضحاً هذا الشرط:
  • فلا يصح في عين.
    بناء على أنه يجب أن يكون في الذمة لا يصح في عين.
    علل الحنابلة هذا الحكم:
  • بأن السلم في المعين قد يفضي إلى بطلال السلم بتلف هذا المعين.
    بخلاف الذي في الذمة فإنه لا يبطل.
    = وقال بعض الفقهاء: لا حاجة لهذا الشرط.
  • لأن اشتراط الأجل يغني عنه.
    والأقرب فيما يظهر لي أن هذا الشرط شرط صحيح ومعتبر: لأن شرط الأجل لا يغني عن شرط عدم التعيين إذ قد يسلم في عين معينة بشيء معين مؤجلاً.
    فإنه تقدم معنا أن السلم يجوز فيه أن يكون بسعة ليست مملوكة للمسلم إليه وقت العقد.
    لهذا أقول أن هذا الشرط صحيح ولا يغني عنه شرط آخر.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويجب الوفاء في موضع العقد.

قوله: (ويجب الوفاء في موضع العقد) يعني: أنه لا يشترط بيان موضع التسليم في العقد.

  • لأن موضع التسليم هو موضع العقد عند الحنابلة.
    ويستثنى من ذلك إذا كان موضع العقد لا يمكن التسليم فيه كأن يتم العقد في البر أو في البحر أو في الجو.
    فإن هذه الأماكن ليست موضعاً لتسليم المسلم فيه حينئذ لابد من تعيين موضعاً لتسليم السلعة.
    فإذاً عرفنا الآن: أنه لا يجب عند الحنابلة تحديد موضع التسليم.
    = القول اثاني: أنه يجب أن يحدد موضع التسليم مطلقاً.
  • دفعاً للخلاف حول موضع إقباض المسلم فيه.
    = والقول الثالث: أنه يجب في صورة واحدة وهي: ما إذا كان لحمله مؤونة.
    يعني: لحمله تكلفة مالية.
    والصواب إن شاء الله مع تفصيل الحنابلة وهو: أنه لا يجب ذكر موضع تسليم المسلم فيه إلا إذا اقتضى الحال ذلك.
    فحينئذ لابد من بيان موضع التسليم.
    والدليل على رجحان هذا القول:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس لم يحدد موضع تسليم السلعة وإنما اشترط الكيل والوزن والأجل فقط.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويصح شرطه في غيره.
    أي مع عدم وجوب ذكره: أي: موضع التسليم في العقد إلا أنه يجوز اشتراط موضع التسليم.
  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم).
    فإن اشترط مكاناً معيناً للتسليم سواء كان موضع العقد أو غيره وجب التقيد به.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن عقدا ببر أو بحر: شرطاه.
    يعني: وإن تم العقد في البر أو في البحر: (شرطاه) أي شرطا موضع التسليم.
    وتعليل ذلك:
  • تعذر التسليم في هذه المواضع.
    وتقدم معنا بيان ما يتعلق بموضع التسليم.
    وكان من الأنسب أن تكون هذه العبارة تبع لقوله: (ويجب الوقاء في موضع العقد) ولا يفصل بينهما في قضية اشتراط أن يسلم السلعة في غير محل العقد.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ولا يصح بيع المسلم فيه: قبل قبضه.
    = ذهب الجمهور من أهل اعلم إلى أنه لا يصح بيع المسلم فيه بل حكي إجماعاً.
    ولا يجوز عند الجماهير بيع المسلم فيه لا للمسلم إليه ولا لغيره ولا بمثل الثمن ولا بأكثر ولا بأقل.
    واستدل الجماهير على هذا بدليلين:
  • الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وهذا المسلم فيه لم يقبض.
  • الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن والمسلم فيه إذا باعه المسلم قبل قبضه فقد باعه قبل أن يدخل في ضمانه وربح فيه قبل أن يضمنه فوقع في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -. = القول الثاني: وهو في الجملة مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم - وسيأتينا بعض القيود على مسألة اختيار ابن القيم - لكن في الجملة اختار هذا القول هؤلاء.
    وهو: جواز بيع المسلم فيه إلى المسلم إليه وإلى غيره لكن بمثل الثمن أو أقل ولا يجوز بأكثر.
    واستدل هؤلاء بدليلين:
  • الأول: أن الأصل في المعاملات الحل.
  • الثاني: ما صح عن ابن عباس أنه قال: إذا أسلفت في شيء ولم تأخذ فخذ عوضاً وفي رواية: عرضاً - عنه بأنقص منه ولا تربح مرتين.
    فهذا الأثر الثابت عن ابن عباس فيه جواز بيع المسلم فيه.
    لكن اشترط القائلون بالجواز شرطاً: هذه الشروط مروية عن القائلين بالجواز: عن الإمام أحمد وذكرها أيضاً ابن القيم وغيره.
  • الشرط الأول: ان لا يربح.
    - كما تقدم.
    أن لا يربح إذا باع المسلم فيه.
  • الثاني: التقابض إذا كان بينهما ربا.
  • أن لا يجعله رأس مال لسلم آخر.
    لئلا يربح فيه مرتين ولئلا يكون من قلب الدين.
    وفي الحقيقة إذا تأملت تجد أنه لا حاجة للشرط الثالث لأن الشرط الأول أن لا يربح فيه وإذا جعله رأس مال لسلم آخر فسيربح فيه لكن هكذا ذكر الفقهاء هذه الشرط.
    الراجح إن شاء الله: أنه يجوز بيع المسلم فيه إلى المسلم إليه فقط دون غيره.
    والدليل على ذلك:
  • أن أثر ابن عباس فيه جواز بيع المسلم فيه إلى المسلم إليه فقط.
    وممن فهم هذا الفهم في أثر ابن عباس: ابن القيم فهو يقول: وابن عباس لم يجز بيع السلم إلى لمن هو عليه.
    ويظهر لي من سياق كلام ابن القيم أنه أيضاً يميل إلى هذا القول وهو الجواز لكن إلى المسلم إليه فقط دون غيره.
    فهذا القول إن شاء الله هو الراجح.

ولا يغيب عن ذهنك أبداً أن القول بالمنع حكي إجماعاً.
يعني يغني أن نقول الجماهير أن نقول: حكي إجماعاً فغالب السلف وفقهاء المسلمين على المنع ولذلك الورع والاحتياط يتوجه جداً في مثل هذه المسألة.
المسائل التالية مبنية في الغالب على مسألة البيع.

  • يقول - رحمه الله -:

  • ولا هبته.
    يعني: ولا يجوز أن يهب المسلم المسلم إليه لأحد.
    واستدلوا على ذلك:

  • بالقياس على البيع.
    لأن في كل منهما تمليك.
    وظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أن الذمعب لا يجوز هبة المسلم فيه لا للمسلم إليه ولا لغيره.
    والصواب أن الحنابلة يجيزون هبة المسلم فيه للمسلم إليه ولا يجيزونها لغيره.
    واستدلوا على هذا: يعني: على الجواز:

  • بأن هبة السلم للمسلم إليه هو في الحقيقة إسقاط وإبراء وليس معاوضة.
    وإذا كان إسقاطاً وإبراءً جاز.
    = والقول الثاني: في أصل المسألة: جواز الهبة للمسلم إليه ولغيره.

  • لأنه لا دليل على المنع.

  • ولأن الهبة ليست من عقود المعاوضات التي يتشدد في شروطها بل هي من عقود التبرعات فإذا قال المسلم لرجل وهبتك السلم الذي لي عند فلان فأي محظور في هذا إذ ليس هذا من باب المعاوضات التي يشترط لها القبض والعلم وعدم الجهالة والغرر وإنما هي من باب التبرعات.

  • ثم قال - رحمه الله -:

  • ولا الحوالة به.
    ذكرنا أن قوله: (ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه) وأن ما بعده من المسائل مبنية على المسألة في البيع.
    هنا نقول: (ولا الحوالة به) يعني: ولا أن نحيل المسلم إليه السلم إلى رجل آخر.
    صورة المسألة: أن يقول المسلم إليه للمسلم: أحلتك بالسلم (بالدين الذي علي) الذي علي على فلان فأحال المسلم إلى رجل آخر.
    وذكرنا سابقاً أن المسلم هو: المشتري.
    والمسلم إليه: هو المدين البائع.
    وكا قلت: هذه المسائل مبنية على البيع.
    لذلك عللوا المنع:

  • بأن هذه الحوالة إنما هي نقل للملك فمنع كالبيع.
    وإذا كان الدليل مبني على مسألة منع البيع فقد تقدم معنا أن البيع جائز وإذا كان البيع جائزاً فكذلك الحوالة به جائزة.

  • ثم قال - رحمه الله -:

  • ولا عليه.
    يعني: ولا يجوز احوالة بالمسلم فيه على شخص آخر.

صورة المسألة: أن يقول المسلم: أحلتك بالدين الذي لي على فلان لتأخذه.
المسلم يقول لرجل يطلبه دين: أحلتك بديني على المسلم إليه المدين لي بكذا وكذا.
ولتبسيط المسألة: الحوالة به.
المحيل هو: المسلم إليه.
والحوالة عليه: المحيل هو: المسلم.
وبهذا تتضح وتكون متوافقة.
بقينا في الدليل: دليل الحنابلة على الصورة الثانية وهي إذا أحالها عليه:

  • قالوا: أن من شروط الحوالة أن تكون على دين مستقر ودين السلم ليس ديناً مستقراً.
    لأنه تقدم معنا أنه إذا عجز المسلم إليه فالمسلم بالخيار بين الفسخ والصبر.
    فصار ديناً ليس مستقراً.
    = والقول الثاني: أن السلم به والسلم عليه جائز.
  • لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحيل على مليء فليحتل.
    فهذا النص يتناول دين السلم وغيره من الديون.
    وهذا البحث في الحقيقة من صميم مباحث الحوالة وسيأتينا في الحوالة شروط الحوالة وأن منها على دين مستقر وماقشة هذه المسألة.
    والذي يعنينا الآن أن الحوالة بالسلم عليه: يعني: بدين السلم عليه: جائزة لعموم الحديث.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ولا أخذ عوضه.
    يعني: ولا يجوز أن يأخذ المسلم عوضاً عن دين السلم.
    وأخذ العوض عن دين السلم هو البيع.
    ولما كان أخذ العوض عن دين السلم هو البيع: لزم من هذا أن يبين الحنابلة مالفرق بين قولهم هنا: (ولا أخذ عوضه) وبين بيع المسلم إليه.
    لابد أن يبين الحنابلة لأنهم هم الذين ذكروا هذه الألفاظ.
    وجدنا أن بعض الحنابلة بين الفرق لكن من أحسن من بين الفرق رجل كتب حاشية على شرح المنتهى فبين الفرق: فقال: الفرق بين أخذ العوض والبيع هو أنه المقصود في أخذ العوض أن يكون من غير النقدين ولغير المسلم إليه.
    فإذا أسلم في قمح فلما حل الأجل أخذ بدله شعيراً قهل هذامن بيع السلم أو من أخذ عوضه عليه؟ من أخذ العوض.
    وإذا باعه بخمسين ديناراً فهو من بيع السلم.
    هكذا فرقوا بين اللفظين.
    وإلا في الحقيقة فهو بيع.
    ولذلك الخلاف السابق في البيع ينطبق على الخلاف في الحوالة في مبادلة دين السلم بشيء من غير النقدين وتقدم معنا أن الصواب صحته إلا لغير المسلم إليه.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ولا يصح الرهن والكفيل به.

لا يصح الرهن والكفيل بالمسلم فيه.
واستدل الحنابلة على هذا:

  • بأنه إذا أخذ المسلم فيه من ثمن الرهن أو من ذمة الكفيل فقد صرف السلم في غير ما هو متفق عليه.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره).
    = والقول الثاني: أن أخذ الرهن والكفيل بالمسلم فيه جائز ولا حرج فيه.
    واستدلوا بأمرين:
  • الأمر الأول: عموم قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة .. ﴾ [البقرة/283]. والآية تشمل دين السلم ودين القروض وكل أنواع الديون ودين البيوع هو أي دين يكون في ذمة الإنسان فهي عامة تمل دين السلم وغيره.
  • والأمر الثاني: أن الحديث ضعيف لا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. والأصل في المعاملات الحل وتوثقة الديون جاء به الشرع والسلم من جملة الديون.
    لذلك الأقرب إن شاء الله جواز أخذ الرهن والكفيل وهذا مذهب الجمهور.
    إلا أن الإشكال فقط في هذه المسألة: أن المنع روي عن بعض الصحابة: كره بعض الصحابة أخذ الرهن والكفيل في دين السلم.
    وكأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم رأو أن أخذ الرهن والكفيل يتنافى مع المبدأ الذي شرع من أجله السلم وهو الرفق بالناس.
    لأن هذا العقد كله لم يشرع إلا رفقاً بالناس وتوسعة عليهم فإذا أخذ الرهن أو الكفيل صار في هذا ضيق لأن الرهن معناه حبس عين ينتفع بها الإنسان ولا يمكن أن يبيعها أو يشتريها.
    يبدو لي أن هذا مأخذ الصحابة.
    لكن على كل حال ما دامت الآية عامة والقةل بالجواز مذهب الجماهير من أئمة المسلمين فهو الأقرب إن شاء الله.
    وإن رأى الإنسان أن لا يأخذ رهناً ولا كفيلاً لأجل هذه الآثار فقد احتاط لدينه.

وبهذا انتهى باب السلم وننتقل إن شاء الله إلى

باب القرض

. باب القرض

  • قال - رحمه الله -:
  • باب القرض.
    القرض في لغة العرب: القطع.
    وفي الاصطلاح الفقهي: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
  • قال - رحمه الله -:
  • وهو مندوب.
    القرض مشروع بالسنة والإجماع.
  • أما السنة: فإنه صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقترض بكراً.
  • وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على مشروعية القرض وجوازه.
    وقوله: (وهو مندوب).
    يعني: للمقرض.

وفهم من هذا: أن الإنسان إذا طلب منه قرض وامتنع فإنه لم يترك واجباً ولا إثم عليه.
وهذا صحيح بالإجماع.
فالقرض مندوب وليس بواجب.
ولا إثم ولا تثريب على من امتنع من الإقراض، إلا أن الإقراض مندوب ومحبوب إلى الشارع.
والدليل على أن الإقراض محبوب:

  • حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً مرتين إلا كان كصدقة مرة).
    وهذا الحديث فيه خلاف في صحته.
    والأقرب والله أعلم: أنه موقوف على ابن مسعود وممن رجح الوقف الإمام الدارقطني والبيهقي.
    لكن مع ذلك أقول أن هذا الحديث له حكم الرفع وأن ابن مسعود - رضي الله عنه - لا يقول مثل هذا الحكم التوقيفي إلا عن خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإذاً وإن كان موقوفاً فله حكم الرفع.
    واستدلوا على أن القرض مندوب بدليل آخر:
  • وهو: أن من يقترض فإنه غالباً محتاج لأنه لن يشغل ذمته إلا وهو محتاج.
    واستدلوا على أنه مندوب:
  • أنه خير من الصدقة من وجه وهو: أنه يلحق طالب الصدقة غضاضة ولا يلحق طالب الدين أو القرض غضاضة.
    • مسألة/ طلب القرض ليس من المسألة المكروهة.
      كيف وقد اقترض النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وما يصح بيعه: صح قرضه.
    = ذهب الحنابلة والظاهرية إلى أنه كل ما صح بيعه صح قرضه.
    ونحن نتحدث الآن عن موضوع مهم وهو ما هي الأشياء التي يجوز أن تقرض.
    إذاً الحنابلة والظاهرية هم أوسع المذاهب: فهم يرون أن كل عين يجوز أن تباع يجوز أن تقرض ولو لم يجز السلم فيها.
    = القول الثاني في هذه المسألة المهمة: أنه لا يجوز إلا قرض ما يجوز السلم فيه.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن ما لا يجوز السلم فيه لا يمكن أن يضبط فيكون الوفاء به صعب.
    وإلى هذا ذهب الشافعية.
    لكن الشافعية اضطروا أن يستثنوا بعض الأشياء: فقالوا: يجوز فيها القرض ولا يجوز فيها السلم.
    وهذا الاستثناء يشير إلى ضعف في هذا القول.
    = والقول الثالث: وهو أضيق الأقوال: أنه لا يجوز قرض إلا المثليات دون القيميات.
    ستأتينا ما هي المثليات والقيميات.
    وهذا القول ضيق جداً وضيق بمعنى الكلمة.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن القيميات يقع التنازع عند تقييمها لسداد القرض فنكتفي بالمثليات.
    والصواب إن شاء الله مع الحنابلة والظاهرية: لعموم قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة/282].والآية عامة.
    - ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بكراً وهو عند أصحاب هذا القول من القيميات وليس من المثليات.
    فالأقرب إن شاء الله جواز اقتراض كل ما يجوز بيعه.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • إلاّ بني آدم.
    = ذهب الجماهير إلى المنع من اقتراض بني آدم.
    واستدلوا على هذا بأمرين:
  • الأول: تكريمهم.
  • الثاني: أن اقتراض بني آدم قد يؤدي إلى وطء الجارية المحرمة.
    فإذا إقترض جارية لغيره ربما يطأ هذه الجارية فيكون زنا.
    = والقول الثاني: جواز اقتراض الذكور دون الإناث.
    = والقول الثالث: جواز إقتراض الذكور والإناث بشرط أن تكون الإناث من محارم المقترض.
    = والقول الرابع: الجواز مطلقاً.
    بلا شرط ولا قيد وهذا الذي نصره ابن حزم.
    فهذه أربعة أقوال لكن هذه الأربعة أقوال لا تدل على شدة الخلاف: لأن الجماهير على المنع - جماهير أهل العلم على المنع.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويملك بقبضه.
    المؤلف - رحمه الله - يريد أن يبين متى يملك الإنسان القبض.
    فقال: (يملك بقبضه) يعني: ولا يملك قبل ذلك.
    ولو تم العقد فإن الملك لا يكون إلا بالقبض.
    = القول الثاني: أن الملك يكون بالعقد ولو لم يقبض.
    واستدل هؤلاء وهم المالكية:
  • بأن العقود في الشرع يملك المعقود عليه فيها بمجرد العقد قبل القرض.
    فالإنسان إذا باع سيارة فامشتري ملك السيارة حتى قبل القبض ولو بقيت السلعة عند البائع.
    أما مسألة: هل يبيع أو لا يبيع والضمان؟ هذه مسائل أخرى لكن ملك السلعة انتقل بمجرد العقد.
    وهذا القول - الثاني - أضيق من القول الأول.
    = القول الثالث - وهو أضيق الأقوال وأشقها: أن القرض لا يملك إلا بالانتفاع به على جهى الاستهلاك بالبيع أو بالأكل أو بغيره.
    يعني: لابد أن ينتفع ولابد أن يكون الانتفاع على وجه الاستهلاك.
    وهذا غاية في التضييق.
    الراجح: يظهر لي في هذه المسألة المهمة التي كثيراً ما ينبني عليها فروع ويكون حل النزاع بمعرفة حكم هذا القرض من حيث الملك.

الذي يظهر لي أن القرض لا يملك إلا بالقبض.
تعليل ذلك: ذكر بعض الفقهاء تعليلاً لطيفاً جداً: وهو قوله: أن القرض عقد يشتمل على معنى المعاوضة والتبرع.
فهو معاوضة لأنه سيأخذ بدله وهو تبرع لأنه إرفاق بالمقترض.
إلا أن جانب الإرفاق والتبرع فيه يغلب جانب المعاوضة.
وإذا كان جانب التبرع به يغلب جانب [[المعاوضة]] فمن المعلوم أن الاشياء المتبرع بها كالهدية والصدقة والهبة لا تملك إلا بالقبض.
وهو في الحقيقة تعليل فقهي عميق من وجة نظري.
فالأقرب إن شاء الله أنه لا يملك إلا بالقبض ولا يملك قبل ذلك ولو تم العقد.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • فلا يلزم رد عينه.
    هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة.
    يعني: فإذا كان الملك يتم بالقبض فإنه بعد ذلك لا يملك طلب بعين القرض.
    لأنه أصبح مملوكاً لمن؟ للمقترض.
    ولأن عقد القرض لازم للمقرض.
    جائز من جهة المقترض.
    عكس ما قد يتصوره بعض الناس.
    صورة المسألة: إذا أقرض زيد عمرو ألف ريال.
    متى يملك عمرو الألف؟ إذا قبضه.
    فإذا قبض عمرو الألف وأصبحت بيده مقبوضة فإن زيد لا يملك الرجوع في القرض.
    فلو قال: رجعت في القرض.
    يعني: في عين القرض فإنه لا يملك.
    وإنما له البدل.
    فهذا عين المال المملوكة المقبوضة للمقترض لا يملك المقرض إلزامه بردها بل يملك البدل كما سيأتينا فقط.
    فهو من هذه الجهة ملزم لا يستطيع أن يرجع المقرض.
    لكنه جائز للمقترض فلو قال المقترض: إذا أردت أن ترجع في القرض فهذا عين مبلغك.
    قد لا يظهر ثمرة كبيرة للخلاف إذا كان القرض مبالغ نقدية لكن يظهر الفرق الكبير لو كان القرض على أعيان لها قيم مالية فإن الأعيان تختلف فبعضها أجود من بعض.
    فلو أراد المقرض أن يرجع فللمقترض أن يقول: لا.
    لك البدل.
  • ثم قال - رحمه الله -: مكملاً لهذا الحكم.
  • بل يثبت بدله.
    إذاً إذا اقترض الإنسان شيئاً فإن الذي يثبت في ذمته: بدل القرض.
    وسيأتينا بالتفصيل في كلام المؤلف - رحمه الله - ماذا يرد المقترض؟
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • في ذمته حالاً ولو أجله.
    = ذهب كثير من الفقهاء - الجمهور: إلى أن الدين يقع حالاً ولو أجل في العقد.
    وذكروا أيضاً أنه يقع حالاً ولو سلم أقساطاً.
    وهذا عجيب.

يعني: لو أن إنساناً يقرض إنساناً كل فترة مائة ريال ألف ريال فهذا القرض أقرض جملة واحدة أو أقساط؟ أقساط.
فالفقهاء يقولون إذا أقرض أقساط فإن له أن يطالب بجميع المبلغ دفعة واحدة ولا يتأجل وإلى هذا ذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا:

  • بأن التأجيل تبرع والتبرع دائماً لا يلزم.

  • ثم قال - رحمه الله -:

  • وإن كانت مكسرة أو فلوساً، فمنع السلطان المعاملة بها: فله القيمة وقت القرض.
    يعني: وإن أقرضه دراهم مكسرة أو أقره فلوساً ثم منع السلطان من التعامل بالدراهم المكسرة والفلوس فحينئذ يجب أن يرد القيمة.
    وسيأتينا القيمة هل هي يوم القرض أو يوم الرد أو يوم الابطال؟ الدليل:

  • قالوا: أن إبطال السلطان للتعامل بالدراهم المكسرة وبالفلوس هو إبطال لماليتها فهو كما لو تلفت وهي لو تلفت لم يجز أن يرجع فيها.
    وهذا صحيح ولا إشكال في ذلك: إذا أقرضه دراهم مكسرة كان الناس يتعاملون بها ثم أبطل السلطان العمل بها فإن إبطال السلطان يعني أن هذه الأشياء ليس لها قيمة مالة مطلقاً في عرف الناس: فكيف نلزم المقرض المحسن أن يقبل هذا الرد؟ لكن المؤلف - رحمه الله - يقول: (فله القيمة وقت القرض).
    إذا جاء في كلام الفقهاء: (وقت القرض) فيعني: يوم القرض.
    وقول بعض الفقهاء: (يوم القرض) أوضح وأدق.
    = فالحنابلة يرون أنه يجب عليه أن يدفع القيمة يوم القرض.
    فإذا كانت قيمة الفلوس يوم اقرض مائة درهم وقيمة الفلوس يوم الإبطال خمسين درهماً فالواجب: مائة.
    لأن الواجب هو يوم القرض.
    لماذا؟ قال الحنابلة: لأنها وجبت - يعني: هذه الفلوس في المثال - في ذمته في ذلك اليوم.
    = والقول الثاني: أنها تجب يوم الإبطال فننظر لليوم الذي أبطل فيه السلطان العمل بهذه الفلوس وندفع تلك القيمة.
    واستدل هؤلاء:

  • بأن الواجب في ذمة المقترض إلى يوم الإبطال: الفلوس أو قيمة الفلوس؟ (نحن نقول: متى تجب القيمة في الفلوس؟ إذا أبطلها السلطان) معنى هذا أنه قبل إبطال السلطان فالواجب الفلوس لأن الفلوس مثلية.
    إذاً: مرة أخرى - نقول: هل الواجب في ذمة المقترض إلى يوم الإبطال الفلوس أو قيمة الفلوس؟ الفلوس.
    ثم يوم الإبطال صار الواجب في ذمته القيمة.
    فهم يقولون نأخذ باقيمة يوم الإبطال لأنها أصبحت في ذمته في ذلك اليوم وقبل ذلك كانت الفلوس هي التي في ذمته.
    أي القولين أرجح؟ طبعاً: القول الثالث أنه يوم الرد وهذا ضعيف ضعيف فقهاً ونظراً لكن الإشكال في أنه هل الواجب ذمة المقترض يوم الإبطال أو يوم القرض؟

فيها إشكال في الحقيقة وتردد لأنه إذا ألزمناه بأن يدفع قيمة الفلوس يوم الإبطال ففي هذا نوع من الغضاضة على المقرض والمقرض محسن وهو أعطاه الفلوس - يعني: قيمتها يوم الإقراض مثلاً: مائة.
فكيف نلزمه في يوم الإبطال بخمسين فقط.
ومن جهة أخرى أن الذي ثبت في ذمة المقترض هو قيمة هذه الفلوس يوم الإبطال فقط لا يوم القرض لأنها إلى يوم الإبطال والواجب في ذمته هو الفلوس فقط.
ففيها عندي نوع تردد.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها.
    هذا المبحث يتعلق بما هو الواجب على المقترض إذا أراد أن يرد فبين المؤلف - رحمه الله - أن الواجب أن يرد المثل في المثليات والقيمة في القيميات.
    وهذا يستدعي أن نعرف بالضبط ما هي المثليات وما هي القيميات؟ وهذا البحث وهو تحديد مفهوم المثليات: محل خلاف.
    لكن من الأشياء المفيدة أن تعرف الآن أن الخلاف في المثليات فقط: أنه كلما عرفت المثليات فالقيميات ما سواها.
    إذاً الخلاف في الحقيقة في المثليات وتبعاً للخلاف في المثليات يكون الخلاف في القيميات.
    = فالحنابلة يرون: أن المثليات هو: كل مكيل وموزن يصح السلم فيه ولا صنعة مباحة فيه.
    مثال المثليات عند الحنابلة: الحديد.
    فالحديد موزون ويصح السلم فيه وليس فيه صنعة مباحة.
    فإذا أخذنا الحديد وصنعنا منه أواني خرج عن أن يكون من المثليات وأصبح من القيميات لأنه صار فيه صنعة.
    وكذلك الذهب وكذلك الفضة وكل المعادن.
    وكذلك كل مكيل أو موزون من الحبوب التي يمكن أن تصنع لتكون خبزاً أو غير ذلك مما يؤكل لا على هيئة الحبوب.
    = القول الثاني: أن المثليات هي كل ما لا تختلف آحاده اختلافاً تختلف به أقيامها.
    ولا نحتاج أن نقول القيميات لا في القول الأول ولا في القول الثاني لأن القيميات هي ما عدا ذلك على القول الأول وعلى القول الثاني.
    = القول الثالث: أن المثليات هي كل ماله شبيه أو نظير أو مثيل ولو لم يتطابق معه تماماً.
    وإلى هذا القول ذهب بعض الفقهاء ونصره من المتأخرين شيخ مشائخنا الشيخ السعدي - رحمه الله -. واستدل على هذا بأدلة:
  • الأول: أن عائشة رضي الله عنها لما كسرت آنية أختها من أمهات المؤمنين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إناء بإناء) مع أن الإناء على مقتضى تعريف الحنابلة: قيمي.
    ومع ذلك جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلي.
  • وقال أيضاً: في الحديث نفسه: (إناء بإناء وطعام بطعام) والطعام بعد الصنع والطبخ يصبح أيضاً قيمي.
  • ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بكراً.
    وهذا القول الثالث مع قلة القائلين به من الفقهاء إلا أنه ظاهر القوة بسبب الأدلة التي استدل بها من الأحاديث المرفوعة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يحول بين الإنسان وبين ترجيحه قلة القائلين به.
    بل هو في الحقيقة قول قوي وأيضاً فيه تيسير كبير على المتعاملين بالقروض.
    على أنه قلما يحتاج الإنسان لهذه المباحث.
    لماذا؟ لأن غالب القروض إنما هي في النقود.
    هل سمعتم قروض في غير النقود؟ قل.
    يوجد لكن قليل جداً.
    ولذلك قد لا يحتاج الإنسان لا سيما في وقتنا هذا إلى كثير من هذه البحوث.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • فإن أعوز المثل: فالقيمة إذاً.
    لما قرر المؤلف - رحمه الله - أن الواجب في المثليات: المثل.
    قال: (فإن أعوز) يعني فإن لم يستطع المقترض أن ياتي بالمثلي لأي سبب من الأسباب فالواجب حينئذ في ذمته القيمة.
    وقول المؤلف - رحمه الله -: (فالقيمة إذاً) يعني يوم الإعواز.
    فننظر يوم الإعواز كم قيمة هذا المثلي وندفع للمقرض قيمة ما أقرضه.
    وهذه المسألة ترجح أي قول من الأقوال السابقة في مسألة إذا أبطل السلطان العمل بالفلوس أو الدراهم المكسرة؟ أنه يوم يوم الإبطال أو يوم القرض؟ في الحقيقة هو يؤيد يوم الإبطال لأن يوم الإبطال مثل يوم الإعواز.
    وهذا يؤيد نوعاً ما رجحان المسألة الأولى مع بقاء الإشكال فيها.
    المهم أن الواجب القيمة يوم الإعواز ينظر في قيمته وتدفع للمقرض.
    ((الأذان)).
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويحرم: كل شرط جر نفعاً.
    أي: للمقرض.
    أما الشروط التي تجر النفع للمقترض في من الإحسان.
    إذاً كل شرط يجر نفعاً للمقرض فهو محرم.
    وهو الذي يسميه الفقهاء ربا القروض.
    بخلاف ربا البيوع الذي تقدم معنا في بيع الأعيان هذا يسمى ربا القروض.

الدليل: استدل العلماء رحمهم الله على تحريم هذه الزيادة وأنها من الربا بعدة أدلة:

  • الدليل الأول: الإجماع.
    فإن هذه المسألة ولله الحمد مجل إجماع لم يختلف فيها فقهاء المسلمين.
  • الثاني: استدلوا بآثار صحيحة في البخاري وغيره عن علماء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلها تدل على أن القرض إذا جر نفعاً فهو ربا.
  • أخيراً استدلوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) وهذا الحديث فيه ضعف لكن معناه صحيح.
    إذاً هذه هي القاعدة: أنه لا يجوز اشتراط نفع سواء كان هذا النفع أعيان أو منافع.
    وسواء كان هذا النفع مشروط شرطاً صريحاً أو تواطئوا عليه بلا شرط في العقد.
    وذلك لعموم الأدلة الدالة على المنع من الزيادة.
    لما ذكر المؤلف - رحمه الله - القاعدة العامة وهي تحريم كل قرض جر نفعاً بدأ بالمستثنيات.
  • فقال - رحمه الله -:
  • وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود أو هدية بعد الوفاء: جاز.
    (وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود) إذا بدأ بالنفع الزائد بلا شرط فهو جائز لكن بشرط أن يكون بعد القضاء.
    فإن بدأه بدون شرط قبل القضاء فإنه سيأتينا حكمه وماذا يصنع المقرض.
    قال: (أو أعطاه أجود) يعني: بلا شرط.
    ولا نحتاج هنا أن نقول بعد القضاء لأنه إذا أعطاه أجود فقد قضاه.
    والدليل على جواز هذه المسألة والتي قبلها:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بكراً ورد رباعاً خياراً وقال: (خيركم أحسنكم قضاء).
    فهذا دليل على أنه إذا حصلت الزيادة بلا شرط ولا مواطئة وبعد القضاء فإنه جائز ولا حرج فيه.
    ونتوقف عند هذا الحد والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...

الدرس: (22) من البيع

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن القرض الذي جر نفعاً والأدلة التي تدل على تحريم القرض الذي جر نفعاً وأنه من ربا القروض.
وكما هي عادة الفقهاء يقررون الحكم ثم يذكرون ما يستثنى من هذا الحكم فذكر المؤلف - رحمه الله - مسائل تستثنى من هذا الحكم.

  • يقول - رحمه الله -:
  • وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود أو هدية بعد الوفاء: جاز.
    هذه ثلاث مسائل:
  • المسألة الأولى: أن يبدأ بإعطاء النفع بلا شرط.
  • والثانية: أن يقضيه خير مما اعطاه بلا شرط.
  • الثالثة: أن يهديه.
    دل كلام المؤلف - رحمه الله - أنه إذا أعطاه النفع أو الهدية أو رد أجود مما اقترض فإنه جائز بشرطين: ـ الشرط الأول: أن يكون بعد الوفاء.
    ـ والشرط الثاني: أن يكون بلا شرط.
    فإذا أعطاه هذه الأمور بلا شرط وبعد الوفاء: جاز بلا إشكال.
    الدليل على ذلك:
  • أن إعطاء المقرض هذه الأمور بعد الوفاء لم تصبح بسبب القرض.
    بل صارت إعطاء مبتدأ به.
    والمحرم هو ما يأخذه المقرض بسبب القرض.
    ثم لما بين المؤلف - رحمه الله - حكم الإعطاء والإهداء والنفع بين إذا تبرع لمقرضه قبل وفائه: يعني: لما بين حكم هذه الأشياء بعد الوفاء أراد أن يبين تفصيل حكم هذه الأشياء قبل الوفاء.
    ذكرت لكم أن الدليل أن إعطاء هذه الأشياء بعد القرض يصبح ليس سببه القرض وتعرفون الدليل الثاني ذكرناه لكم في الدرس السابق وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: اقترض بكراً ورد رباعياً خياراً وقال: (خيركم أحسنكم قضاء).
    فهذا دليل على أن ((القضاء)) بعد الوفاء لا إشكال فيه.
    إذاً دل على هذا دليل من التعليل وهو دليل مهم ومفيد لأنه ((يكشف)) مسائل أخرى ودليل من السنة.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به: لم يجز.
    إذا أعطاه هدية أو نفعاً قبل الوفاء فينقسم إلى قسمين:
  • القسم الأول: أن لا تكون العادة بينهما جرت بالتهادي.
    فحينئذ يصبح محرماً ويدخل في الحكم السابق وهو ربا القروض.
  • القسم الثاني: أن تكون العادة جرت بينهما بالإهداء والتبادل فهو جائز ولا حرج فيه.
    استدل الحنابلة على هذا التفصيل:
  • بحديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أجاز التهادي بينهما إذا جرت العادة بذلك.

وهذا الحديث إسناده ضعيف.
ولكن معناه صحيح.
والذي دل على صحة معناه أن الصحابة أفتوا بمقتضاه.
وتقدم معنا أن إفتاء الصحابة بمقتضى دليل شرعي وإن لم يجعله بمنزلة المرفوع إلا أنه يقويه ويجعل الاستدلال به مقبولاً إذا انضاف إلى هذه الفتاوى.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • إلاّ أن ينوي مكافأته أو احتسابه من دينه.
    هذا استثناء من الاستثناء.
    يعني: لا يجوز للمقترض أن يدفع للمقرض هدية قبل الوفاء إذا لم تجر العادة بينهما إلا إذا نوى أن يحتسبه من دينه أو أن يكافأة عليه وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله - على هاتين المسألتين.
    يعني: على جوزا الأخذ.
    إذا نوى أن يحتسبها من الدين أو أن يكافأه عنها.
    والدليل على هذا الاستثناء:
  • فتاوى الصحابة.
    فقد نقل عن أكثر من صحابي - رضي الله عنهم - أنهم أفتوا من أخذ هدية ممن أقرضه لم تجر العادة بينهما به أن يحتسبه من الدين.
    فإذا اقترض منه عشرة آلاف وأهداه هدية قيمتها خمسة آلاف صار القرض: خمسة آلاف.
    وإذا اقترض منه عشرة آلاف وأعطاه هدية بمبلغ خمسة آلاف ولم يرد أن يحسمها من الدين فأعطاه هدية بخمسة آلاف فكذلك أيضاً هو جائز.
    • مسألة/ إذا قلنا بجوز أخذ الهدية التي لم تجر العادة بها مع نية احتسابه من الدين أو المكافأة: فهل الأفضل مع الجواز أن يأخذ أو أن لا يأخذ؟ الجواب: أنه لا يوجد قاعدة عامة لهذه المسألة.
      فكونه يأخذ أو لا يأخذ هذا يخضع لملابسات الأحوال، وطبيعة العلاقة بين المقرض والمقترض، والمقصود من الهدية ... إلى آخره.
      فأحياناً يرى الإنسان أنه من الأنسب أن يقبل ويكافيء.
      وأحياناً يرى من الأنسب أن لا يقبل مطلقاً.
    • مسألة/ إذا قبل بنية المكافأة أو احتسابه من الدين: فهل الأفضل أن يحتسبه من الدين أو أن يكافيء؟ هذه المسألة تشبه المسألة السابقة وهي أنها تخضع للملابسات والأحوال إلا أني أقول: أن الغالب أن المكافأة خير من خصمها من الدين.
      لأن في خصم الهدية المهداة من الدين غضاضة على المقترض واضحة بينما المكافأة وإهدائه هدية أخرى قد لا يجد ىمقترض في نفسه غضاضة من قبول الهدية ممن استقرض منه.

فالأولى والأحود غالباً أن يكافيء لا أن يخصم أن الخصم من القرض دائماً ما يشعر بشيء من النقص.
فالأولى العدول عنه إلى الإهداء مقابل الهدية التي أخذها من المقترض.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر: لزمته.
    المقصود (بالبلد الآخر) يعني: غير بلد القرض.
    فإذا اقترض زيد من عمرو بالرياض عشرة آلاف وطالبه عمرو بها في مكة وهي أثمان يعني: من النقدين فإنه يلزم (عمرو) أن يسدد القرض ولو في غير بلد الاقتراض وهو في المثال (مكة) يلزمه لزوماً ويجب عليه وجوباً.
    واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
  • بأنه يمكنه السداد بم لا ضرر عليه فيه.
    فإذا أمكن السداد ولا ضرر عليه لزمه أن يسدد.
    • مسألة/ ويلحق بالأثمان كل ما ليس لنقله مؤونة.
      فيأخذ نفس الحكم.
      أي: يلزم المقترض أن يسدد القرض ولو في غير بلد القرض الذي تم عقد القرض فيه بنفس السبب وهو أنه يمكنه الوفاء بلا ضرر عليه.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وفيما لحمله مؤونة: قيمته إن لم تكن ببلد القرض أنقص.
    يعني: (وفيما لحمله مؤونة) لا يلزمه أن يسدد القرض.
    فإذا اقترض شيئاً لحمله مؤونة وطالبه بها في غير بلد القرض لم يلزم المقترض أن يرد القرض.
    واستدلوا على هذا بأمرين:
  • الأمر الأول: أن في هذا جر نفع للمقترض.
    لأنه سيكسب أجرة النقل.
  • الثاني: أنه ليس في النصوص الشرعية ما يلزم المقترض نقل القرض من بلد لبلد ولو لم يكن بلا مؤونة.
    وإنما ألزمناه في الصورة الأولى لأنه لا ضرر عليه وذمته مشغولة.
    • مسألة/ يقول المؤلف - رحمه الله -: (وفيما لحمله مؤونة قيمته) يعني: لما تبين أنه لا يلزمه السداد بين أنه يلزمه قيمة هذا القرض.
      فيلزم المقترض أن يعطي المقرض قيمة القرض في بلد القرض ما لم تكن القيمة في بلد القرض أكثر.
      سيأتينا أن المؤلف - رحمه الله - وهم في قوله أنقص.
      المهم الآن أن تفهموا الصورة ثم نرجع إلى عبارات المؤلف - رحمه الله -.

إذا اقترض زيد من عمرو خمسة آصع من القمح في الرياض ثم طلبها منه في مكة: فنحن قررنا الآن أنه لا يجب على المقترض أن يوفي هذه الآصع في مكة لأن لحملها مؤونة.
كن يجب عليه أن يعطي المقرض قيمة هذه الخمسة آصع ويشترط لهذا الوجوب أن تكون قيمة هذه الخمسة آصع في بلد المقرض ليست أكثر من قيمتها في بلد الإداء.
فإن كانت القيمة في بلد القرض أكثر من قيمتها في بلد الأداء فالواجب عليه أن يعطيه القيمة يشتري بها القرض.
صورة المسألة/ إنسان - كما قلت - اقترض خمسة آصع في الرياض قيمتها مائة ريال فطالبه بها في مكة وقيمتها في مكة خمسون ريالاً فالآن يجب على المقترض أن يدفع القيمة في بلد القرض أو في بلد السداد؟ في بلد السداد.
لماذا؟ لأن في بلد السداد أرخص فيذهب ويشتري بخمسين ريالاً خمسة آصع ويسدد.
بدل أن يعطيه مائة ريال.
فإذا كانت قيمة الآصع في الرياض مائة ريال وقيمتها في مكة مائة وخمسين ريالاً: فالواجب عليه كم؟ مائة ريال.
وهي قيمة القرض في بلد القرض لا في بلد الأداء.
وإذا فهمت المثال فستفهم أن قول المؤلف - رحمه الله - هنا: (إلا أن تكون ببلد القرض أنقص) خطأ لأنها إذا كانت في بلد القرض أنقص فهو من مصلحة المقترض.
ولعل صواب العبارة وكأنه سيكتب المؤلف - رحمه الله -: إن كانت في بلد القرض أنقص.
بدون النفي.
على كل حال بغض النظر عن عبارة المؤلف عرفنا الآن الحكم.
إذاً: يتلخص الحكم: - في أنه إذا طلبه قرضاً لحمله مؤونة: فإنه لا يجب عليه أن يوفي ويجب عليه أن يعطي القيمة: ـ إن كانت القيمة في بلد القرض أنقص.
أو بعبارة أوضح: (إن لم تكن في بلد القرض أكثر).
فإن كانت أكثر فإنه لا يلزمه قيمة ويلزمه القيمة في بلد السداد.
هذا ما يتعلق بالسداد.
ومن المعلوم كما أشرت مراراً أن غالب القروض الآن من الأثمان ليست مما لحمله مؤونة.
وهذا التفصيل إنما هو فيما لحمله مؤونة فقط.
وبهذا انتهينا من باب القرض وننتقل إلى باب الرهن.
وقبل أن ننتقل إلى باب الرهن أريد أن أشير إلى أن القرض ينقسم إلى قسمين من حيثية غير الحيثيات التي ذكرنا تقسيمها الآن: وهذا التقسيم مفيد ليتصور بعض الأحكام:

  • القسم الأول للقرض: القرض الحقيقي.
    وهو: القرض الذي ذكرت تعريفه في أول الباب وتنصرف إليه عبارات الفقهاء.
  • القسم الثاني: القرض الحكمي.
    وهو القرض الذي يثبت في الذمة بسبب النفقة على البهيمة أو على الإنسان مع نية الرجوع.
    فهذه انفقة تثبت في ذمة المنفق عليه إذا نوى المنفق الرجوع وتصبح في حكم القرض لكنها من القروض الحكمية.
    يعني: انها أخذت حكم القرض وإن لم تكن في الحقيقة من القروض الني تدخل ضمن التعريف الاصطلاحي الذي ذكره الفقهاء للقروض.
    وبهذا يستطيع الإنسان أن يعرف أن مدلول القرض في الشرع أوسع مما يقع في ذهن الطالب أنه فقط إعطاء مال لينتفع به ويرد غيره.

وبهذا انتهى الباب ولله الحمد ونبدأ ب

باب الرهن

. باب الرهن

  • يقول - رحمه الله -:
  • باب الرهن.
    الرهن في لغة العرب هو: الثبوت والدوام.
    هذا هو المعنى الأصلي.
    وأي معنى آخر يذكر لهذه الكلمة وينسب أنه معنى لغوي فهو في الحقيقة راجع إلى هذا المعنى.
    فالمعنى الأصلي هو هذا وكل ما عداه ليس من المعاني الأصلية وإنما من المعاني المتفرعة عن هذا المعنى الأصلي وهو: الثبوت والدوام.
    وأما في الاصطلاح: فهو توثقة دين بعين يتستوفى منها أو من ثمنها.
    صورة الرهن: حتى نفرع عليه المسائل التي يذكرها المؤلف - رحمه الله -: صورة الرهن: أن يقترض زيد من عمرو مائة ريال ويأخذ منه رهناً بها عشرة آصع من القمح.
    فالرهن في المثال هو القمح.
    والغرض منه كما في التعريف استيفاء الدين منه أو من ثمنه.
    علم من قولنا: (منه) أنه إنما يستوفى منه إذا كان من نفس الجنس.
    وإذا كان من جنس آخر فيستوفى من ثمنه.
    فإذا اقترض قمحاً ورهنه قمحاً آخر فهل يستوفى منه أو من ثمنه؟ يستوفى منه.
    وإذا اقترض ألف ريال ورهنه سيارة فمن ماذا؟ من الثمن.
    والرهن مشروع بالكتاب والسنة والإجماع - ولله الحمد.
    ولا إشكال فيه.
  • أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة/283] وهو نص في المقصود.
  • وأما السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقترض من يهودي ورهنه درعه - صلى الله عليه وسلم -.
  • وأما الإجماع: فحكاه غير واحد من أهل العلم.
    وما زال عمل المسلمين عليه.

إنما وقع الخلاف فقط في مسألة: هل الرهن يتعلق بالسفر والحضر أو يتعلق بالسفر فقط؟ وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة خلاف ضعيف: = فذهب الجماهير الأئمة الأربعة وعامة فقهاء المسلمين وعليه عمل الناس إلى أن الرهن مشروع في الحضر والسفر ولا تفريق بينهما.
= وذهب مجاهد فقط وهو من أئمة السلف - رحمه الله - إلى أن الرهن لا يكون إلا في السفر فقط.
واستدل: - بالآية.
(وإن كنتم على سفر فلم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة) فقوله: (وإن كنتم على سفر) صفة تقيد الحكم عنده.

والصواب مع الجماهير بلا شك لأمرين:

  • الأمر الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رهن وهو في المدينة.
    فهو لم يكن على سفر - صلى الله عليه وسلم -.
  • الثاني: أن هذا القيد خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن يحتاج الإنسان إلى توثقة الدين بالرهن في السفر لأنه قد لا يجد من يشهده على الدين أو لا يجد ما يكتب به الدين.
    وأما في الحضر فقد لا يحتاج إلى هذا.
    هذا في القديم أما اليوم فالحاجة إلى الرهن كبيرة جداً وتتعدى إثبات الدين إلى الوثوق بأداء المدين بالدين.
    فالحاجة إليه اليوم كبيرة جداً وقصره على السفر فيه تضييق على الناس وهذا على كل حال القول أشبه ما يكون بالقول المهجور.
    ثم بدأ المؤلف - رحمه الله - يبين الأشياء التي يجوز أن ترهن:
  • فقال - رحمه الله -:
  • يصح في كل عين: يجوز بيعها.
    هذه قاعدة الباب: أنه يجوز رهن كل عين يجوز أن تباع.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن المقصود من الرهن هو: استيفاء الدين عند عجز المدين عن السداد أو امتناعه.
    وهذه الحكمة تتحقق في كل عين يجوز أن تباع.
    وظاهر قول المؤلف - رحمه الله -: (في كل عين) أنه لا يجب أن نجعل الدين والمنافع رهناً بل لا يرهن إلا العين فقط.
    وهذا مذهب الحنابلة: أن الرهن لا يقع إلا على العين دون الدين والمنافع.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن الوارد في السنة رهن الأعيان دون المنافع والديون فنقتصر على مورد النص.
    = القول الثاني: أنه يجوز أن نجعل المنافع والديون رهناً.

وعللوا ذلك: - بان المقصود من الرهن يتحقق في رهن المنافع ورهن الديون.
فإذا كان المدين يملك منفعة معينة - يملك منفعة عين دون رقبتها.
فبالإمكان أن يرهن هذه المنفعة.
ويستوفى الدين من قيمة هذه المنفعة.
وكما ترى في الحقيقة لا إشكال في رجحان القول الثاني فهو ظاهر وقوي.
إلا انه لا ينبغي أن نجعل الديون والمنافع رهناً لأن هذا يدخل الدائن والمدين في متهاة المطالبة بالدين الآخر والاختلاف والتنازع.
بينما إذا رهنت عين معلومة حاضرة صار هذا أبعد عن التنازع وأقرب إلى إيفاء الديون.
فقول الجمهور من حيث الواقع العملي والتطبيق قوي وجيد.
والقول الثاني من حيث الدليل اتفصيلي وجيه جداً كما ترى.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • حتى المكاتب.
    يعني: حتى المكاتب: العبد الذي كوتب من سيده يجوز أن يجعل رهناً.
    والتعليل واضح:
  • وهو أنه يجوز أن يباع فجاز أن يرهن.
    وكل ما جاز أن يباع جاز أن يرهن.
    فإن أتم المكاتب الأقساط التي عليه وأصبح حراً لا يباع صار ثمنه هو الرهن.
    وتسدد الديون من هذا الثمن الذي يكون محل المكاتب.
    وكون قيمة المكاتب تقع محله رهناً هذا بلا إذن من الراهن بل مباشرة تكون مكان العبد المكاتب الذي كان رهناً.
    وليس للراهن الخيار: لأن قيمة العبد المكاتب بدله فتكون هي الرهن.
    وبهذا نخرج من الجهالة والغرر التي قد تكون موجود في المكاتب حين يستكمل الأقساط ويصبح حراً.
    إذاً: إذا قيل لك: كيف تصحح أن يكون المكاتب رهناً وهو ربما أصبح من الأحرار فلا يجوز أن يباع.
    فالجواب: أنه إذا أصبح حراً صارت قيمته مكانه.
  • ثم قال - رحمه الله -: مبيناً وقت الرهن.
  • مع الحق.
    يعني: يجوز أن نعقد الرهن مع عقد البيع.
    فيقول: بعتك هذه السيارة إلى شهرين بشرط أن ترهنني هذا البيت.
    وهذا المثال مثال صحيح لأن اليوم بعض السيارات أغلى من بعض البيوت - مع الأسف - ولا يقال أن امثال غير منطقي لأن اليوم بعض السيارات أغلا من بعض البيوت وإن كان ليس من العقل أن يشتري الإنسان سيارة باهضة الثمن وهو لا يملك بيتاً كما يفعله بعض الناس اليوم.
    فهذا لاشك أنه من سوء التدبير.
    لكن المثال صحيح.
    هذا عقد الرهن مع العقد.
    ومع الحق يعني: مع العقد.

وانتم تعلمون أن الرهن عقد مضاف لعقد البيع.
- الرهن عقد آخر مع عقد البيع.
فهو عقد يحتاج إلى إيجلب وقبول وشروط وعاقدان ... إلى آخره.
فعقد الرهن مع عقد البيع الذي يسبب الحق جائز.
وهو جائز باتفاق الأئمة الأربعة.

  • قال - رحمه الله -:
  • وبعده.
    يعني: ويجوز عقد الرهن بعد الحق - بعد ثبوت الحق.
    وصورته/ أن يبيع عليه بيتاً ثمن مؤجل ثم بعد ثبوت الثمن في ذمة المشتري يقول البائع وأريد رهناً بهذا البيت.
    فهذا الرهن تم بعد العقد أو مع العقد؟ بعد العقد.
    يعني: بعد ثبوت الحق في ذمة المدين وهذا جائز بالإجماع بل هو المقصود من الرهن.
    ودليل جواز مع الإجماع:
  • أن قيمة المؤجل أصبحت ثابتة في ذمة المدين وإذا كانت ثابتة في ذمة المدين احتاجت إلى توثقة بالرهن.
    وأنا أريد أن تنتبهوا إلى هذا التعليل حتى تفهموا المقصود من الرهن.
    إذاً إذا أخذ رهنا بعد ثبوت الحق يعني: بعد وقوع العقد فهو جائز بالإجماع.
    لأنه بعد العقد أصبح الثمن ثابتاً في ذمة المدين فأصبح يحتاج إلى توثقة.
    وظاهر كلام المؤلف - رحمه الله - أنه لا يجوز عقد الرهن قبل ثبوت الحق أي قبل إجراء العقد لأنه يقول: (مع الحق وبعده) ولم يقل: (وقبله).
    وهذا: = مذهب الحنابلة: أن عقد الرهن لا يصح قبل ثبوت الحق.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن الرهن يقصد منه الاستيثاق من الدين ولا دين هنا.
    = والقول الثاني: صحة وقوع الرهن قبل ثبوت الحق.
    يعني: قبل وقوع العقد.
    واستدلوا على هذا:
  • بالقياس على الضمان.
    لأن الضمان يكون قبل ثبوت الحق في ذمة المدين.
  • واستدلوا على هذا: بأن الأصل في المعاملات الحل.
  • واستدلوا على هذا أيضاً: بأنه لا ضرر من إثبات الرهن قبل الحق فإن وجد الحق نفع الرهن وإن لم يوجد الحق لم يضر الرهن.
    وهذا القول الثاني هو الراجح.
    على أن هذه المسألة لا تكاد تقع في الواقع.
    لأنه لا حاجة إليها.
    وإذا كان البائع يريد الاستيثاق التام فيجعل الرهن مع الحق.
    فإذاً لا حاجة ماسة لإيقاع الرهن قبل العقد.
    لما بين المؤلف - رحمه الله - الأعيان التي يجوز أن تجعل رهناً انتقل لبيان الديون التي يجوز أن نأخذ عليها رهناً: أو بعبارة أدق: (الحقوق التي يجوز أن نأخذ عليها رهناً).
فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل