كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
وهذا القول ضعيف.
إلا أن تقوم قرائن تدل على أن جحوده كان بسبب النسيان حينئذ يكون هذا القول قوي لأنه جحدها ناسياً ثم تذكر أنها تلفت يوم الخميس وأقام بينة.
ولا يخفى عليكم أن الحديث الآن كله فيما إذا أقام بينة.
أما إذا ما أقام بينة فلا يقبل مطلقاً.
ولعله: إجماع.
وإن كنت ما وقفت على .. - لكني لم أقف على خلاف إلا فيما إذا أتى ببينة.
- قال - رحمه الله -:
- بل في قوله: ((مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ)) ونحوه.
- فإن قال: ((لَمْ تُوْدِعْنِي)) ثم ثبتت ببينة أو إقرار، ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببينة.
هذه مسألة واحدة انتهينا منها وهي مسألة: (إذا قال: ((لَمْ تُوْدِعْنِي)) ثم ثبتت ببينة أو إقرار، ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببينة.) هذه مسألتنا التي تحدثنا عنها.
ثم قال: (بل في قوله: ((مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ)) ونحوه.) يفرق الحنابلة بين ـ أن يقول: (لم تودعني).
ـ وبين أن يقول: (مالك عندي شيء) - فإذا قال: (لم تودعني) فقد حجد الوديعة من أصلها وتقدم الكلام عليه.
- أما إذا قال: (مالك عندي شيء) ثم قامت البينة على وجود الوديعة إما ببينة أو بإقرار ثم أقام المودع بينة أنها تلفت فإنه يقبل قوله.
لأن البينةلا تتعارض مع قول المودع.
ووجه ذلك: أن المودع إذا تلفت عنده الوديعة بغير تعد ولا تفريط فإنه في هذه الحالة فعلاً ليس عنده شيء للمودع.
فإذاً: كلامه لا يتعارض مع البينة.
وهذا صحيح.
وفي الحقيقة هذا تقرير هذه المسائل وبيان الراجح فيها لكن لو قيل في مثل هذه المسائل يرجع إلى القرائن ونظر القاضي وطبيعة الدعوى وطبيعة المودع لكان هذا القول هو الراجح في الحقيقة لأن هذه القرائن والملابسات قد تدل على الصادق من الكاذب وقد تكون بخلاف ما يقرره الفقهاء.
إذاً: عرفنا الآن الأحكام والراجح من حيث تقريرات الفقهاء وأقول: أنه لو قيل بالرجوع إلى الحاكم لكان هو الأولى. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو بعده بها.
مقصود المؤلف - رحمه الله - أنه يقبل قول المودَع إذا ادعى أن التلف كان بعد الجحود وأقام بينة.
وهذا معنى قوله: (بها).
إذا ادعى أن التلف كان بعد الجحود.
ففي المثال السابق: ذكرنا أنه أنكر يوم الجمعة وزعم أنها تلفت الخميس لكن لو زعم أنها تلفت السبت لقبل قوله.
وعللوا ذلك:
- بأنه لا تعارض بين قوله وبين البينة.
لأن البينة أثبتت وجود الوديعة يوم الجمعة ثم أثبتت البينة الأخرى أنها تلفت يوم السبت.
إذاً: ليس بين البينتين تعارض.
وهذا القول صحيح.
وهذه المسألة مما يؤكد المسألة السابقة وهي أنه يرجع في مثل هذه المسائل إلى حنكة القاضي ونظره في الملابسات. - ثم قال - رحمه الله -:
- وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه: لم يقبل إلاّ ببينة.
يعني: إذا ادعى وارث المودَع.
فإذاً المسألة مفروضة فيما إذا مات المودَع.
فإذا مات المودَع وادَّعى الوارث أنه هو أو مورثه أدى الأمانة فإنه لا يقبل إلا ببينة.
التعليل: - قالوا: أن المودِع إنما ائتمن المودَع ولم يأتمن الورثة.
فعلى الورثة إذا أرادوا إثبات ذلك أن يحضروا بينة.
ومن هنا نعلم أنه ينبغي على الإنسان إذا كانت عنده ودائع أن يثبتها مكتوبة موثقة حتى لا يدخل الورثة في مشاكل مع المودِع وحتى لا يضطر الورثة إلى إنكار الوديعة.
فيجب أن يكون المودَع نبيهاً وأن يضبط ما يتعلق بالوديعة لأنه إن مات وقد أداها ولم يثبت أنه أداها فيستطيع المودِع أن ينكر.
وهذه المسألة تشبه المسائل السابقة التي ربما يستغلها بعض الناس في التلاعب.
من هنا نقول: يجب إذا أديت الأمانة أن تثبت أنك أديت الأمانة حتى لا تعرض الورثة للمسائلة. - قال - رحمه الله -
- وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم: أخذه.
مراد المؤلف - رحمه الله - يعني: إذا أودع رجلان شيئاً مشركاً بينهما عند المودَع فإنه إذا طلب أحهما نصيبه يدفع إليه بلا رضا من الشريك الآخر.
لكن هذا مشروط بأن يمكن قسمة هذا الشيء المودع بلا غبن ولا ضرر عليهما.
حينئذ يجب على المودع وجوباً أن يدفع نصيب هذا الرجل إليه ولا يحتاج لا إلى رضا الشريك الآخر ولا إلى استئذان الحاكم.
وقيل: أنه لا يجوز ولو كان الشيء يقبل القسمة الدفع بل يجب أخذ رضا الشريك لأنهما دفعا إليه في وقت واحد.
ولأن لا يحصل الخطأ في القسمة.
والصحيح الأول: لأنه لا معنى من هذا الاحتراز لأن الحنابلة يقولون: أنه يجب الدفع بهذا الشرط وهو أن يمكن أن تقسم بلا ضرر على أي منهما.
فهم من كلام المؤلف أن الوديعة المشتركة إذا كانت مما لا يقبل القسمة فإنه لا يجوز أن يدفع المودَع إلى أحد الشريكين نصيبه إلا برضا الشريك الآخر.
وهذا صحيح.
لأن قسمة الشيء الذي لا يقبل القسمة يحتاج إلى اجتهاد وتخمين وتقدير لا يؤمن معه الحيف والنقص على أحدهما.
فنحتاج إما إلى رضا من الشريكين أو إلى أن يقوم الحاكم هو بنفسه بقسمة هذه الوديعة.
وهذا صحيح.
وإذا دفع نصيب أحدهما إلى الآخر يضمن فيما إذا كانت الوديعة لا تقبل القسمة.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر: مطالبة غاصب العين.
لو أن المؤلف - رحمه الله - قال: (وللمستودع مطالبة غاصب العين وكذا المضارب والمرتهن والمستأجر) لكان أوضح.
المقصود الآن بيان: حدود صلاحيات المستودع فيما إذا غصبت العين.
فهو يريد أن يبين أن: المستودع.
له أن يطالب بالعين المغصوبة.
وكذلك المضارب والمرتهن والمستأجر.
إذاً: نقول للمودَع إذا غصبت العين أن يطالب بها عند الحنابلة.
ومن حقوقه أن يطالب بها.
واستدلوا على هذا: - بأن المطالبة بالعين المغصوبة من جملة الحفظ المأمور به.
فإذا قام به فقد قام بما هو واجب عليه.
= والقول الثاني: أنها إذا غصبت فليس له أن يطالب بل المطالبة من حق المالك فقط.
وعللوا هذا: - بأن المودَع عمله حفظ العين فقط.
ولم يؤمر بالمطالبة فليست من حقوقه.
والراجح: المذهب.
وهذا الخلاف كله ينطبق على ما ذكره المؤلف - رحمه الله - من الثلاثة أصناف وهم: المضارب والمرتهن والمستأجر.
هؤلاء لهم أن يطالبوا.
وبهذا انتهى باب الوديعة وننتقل إن شاء الله إلى
باب إحياء الموات
. باب إحياء الموات
- قال - رحمه الله -:
- باب إحياء الموات.
الموات.
مشتق من الموت.
والموت: هو مفارقة الحياة.
أو البقاء بلا روح.
ويطلق الموات أو الموت على الأرض التي لا تملك: لغة.
سيأتينا في الشرع.
ولو كانت مزدهرة بالزرع الذي نبت بأمر الله لكنها ما دامت ليست مملوكة لأحد فهي موات.
ثم شرع المؤلف - رحمه الله - بتعريف الموات شرعاً وكما قلت أن المؤلف - رحمه الله - تارة يعرف وتارة لا يعرف وكأنه يعرف ما يرى أنه يحتاج إلى تعريف وإيضاح.
-
يقول - رحمه الله -:
-
وهي: الأرض المنفكة عن الإختصاصات وملك معصوم.
تعتبر الأرض في الشرع مواتاً إذا اتصفت بصفتين: ـ أن لا تكون من الاختصاصات.
ـ ولا تكون ملكاً لأحد خاص.
والمقصود: (بالاختصاصات) المرافق التي ينتفع بها وهي تابعة للعامر.
فكل ما هو حول العامر مما ينتفع به للعامر فإنه من الاختصاصات التي ليست من الموات فلا يجوز أن تحيا.
مثالها/ الاماكن التي يحتطب منها الناس.
أو يرعون فيها بهائمهم أو ما قرب من البئر التي يشرب منها الناس كل هذه الأمور وغيرها تعتبر من الاختصاصات.
ومن الاختصاصات الأرض المعدة لصلاة الاستسقاء أو لصلاة العيدين.
وهكذا من خلال هذه الأمثلة يمكن أن تكون تصورت ما هي المرافق التي تحيط بالعامر من البنيان والتي لا تدخل في الأرض الموات التي يجوز إحيائها.
وأما قوله - رحمه الله -: (وملك معصوم).
يعني: وأن لا تكون مملوكة لأحد معين سواء الملك بإرث أو ببيع أو بهبة أو بأي سبب من أسباب الملك الشرعية.
فإذا اتصفت الأرض بهاتين الصفتين فإنها موات شرعاً. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
فمن أحياها: ملكها.
من أحيا الأرض الموات ملكها بالإجماع.
ومستند الإجماع: - قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من أحيا أرضاً مواتاً فهي له).
وهو نص.
ولهذا ولله الحمد لم نجد في المسألة خلاف. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
من مسلم وكافر.
مقصود المؤلف - رحمه الله - تقرير قاعدة وهي: (أن كل من جاز أن يملك جاز أن يحيي).
ولهذا يجوز لكل مسلم ولكل كافر أن يحيوا الأراضي الموات.
ولكن المقصود بقوله: (كافر) يعني: الذمي.
أما الكافر الحربي فغنه لا يتملك في أرض المسلمين.
إذ كيف نمكنه من التملك وماله هو مباح.
فإذاً: المقصود (الكافر) الذمي. -
يقول - رحمه الله -:
-
بإذن الإمام وعدمه.
يعني: سواء استأذن الإمام أو لم يستأذن الإمام فإنه يملك.
واستدلوا على هذا: -
بأن الحديث عام.
أن كل من أحيا أرضاً مواتاً فهي له.
ولم يشترط الحديث الإذن من الإمام.
واستدلوا بدليل آخر:
- وهو: أن تملك الأرض بالإحياء يشبه تملك المباحات من نوع الاحتطاب ونحوه وصيد ونحوه.
وإذا كانت تشبه الاحتطاب والصيد فهو جائز بلا إذن الإمام.
وهذا مذهب الجماهير من الفقهاء أنه لا يشترط إذن الإمام لتملك الأرض بالإحياء.
= والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف فقط أنه يشترط لتملك الأرض أن يأذن الإمام.
واستدلوا على هذا: - بأن للإمام نظر في تحديد الأراضي التي هي من مصالح العامر والأراضي التي ليست من مصالح العامر.
وإذا كان له نظر في تحديد هذه الأراضي اشترط إذنه.
ةظاهر الحديث عدم الاشتراط.
وأظن أن العمل الآن على الاشتراط على أنه يشترط للإحياء أخذ الإذن. - قال - رحمه الله -:
- في دار الإسلام وغيرها، والعنوة كغيرها.
يعني: أنه يجوز التملك: سواء أحيا الأرض التي في دار الإسلام أو أحيا الأرض التي خارج دار الإسلام أو أحيا الأرض التي فتحت عنوة أو أحيا الأرض التي فتحت صلحاً.
في كل هذه الصور الإحياء صحيح.
والدليل على هذا: - العموم.
وأنه لا يوجد مخصص للنص.
وإذا لم يوجد مخصص للنص فإن القاعدة إعمال القاعدة: (إعمال النص على عمومه).
وعمومه يدل على هذا.
وهو أمر واضح. - ثم قال - رحمه الله -:
- ويملك بالإحياء: ما قرب من عامر، إن لم يتعلق بمصلحته.
المؤلف - رحمه الله - يريد أن يتحدث عما قرب من العامر ولا يريد أن يتحدث عما بعد من العامر.
ولهذا يقول - رحمه الله - هنا: (ويملك بالإحياء: ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته).
الأراضي القريبة من العامر تنقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: أن تتعلق بها مصالح العامر.
فهذه لا يجوز لأحد أن يتملكها.
لأن هذا التملك يضر بمصالح الساكنين في العامر.
والأحكام الشرعية مبنية على أنه لا ضرر ولا ضرار.
ولأن في تملك هذا النوع من الأراضي افتيات على ملاك ما قرب منها.
ـ القسم الثاني: ما قرب من العامر لكن لم تتعلق به مصالحه.
فليس مرعىً لأهل العامر ولا مكاناً للاحتطاب ولا تتعلق به اي مصلحة من مصالح العامر.
فهذا يجوز إحياؤه.
واستدلوا على جواز الإحياء: - بأن النص العام يتناول هذا النوع من الأراضي وإن كانت قريبة .. (الأذان).
- ثم قال - رحمه الله -:
- ومن أحاط مواتاً.
بدأ المؤلف - رحمه الله - ببيان صفة الإحياء: يعني: كيف يحصل الإحياء؟ أو بماذا يكون الإحياء؟ - فيقول - رحمه الله -:
- ومن أحاط مواتاً ..
يعني: فقد أحياه.
فأفادنا المؤلف - رحمه الله - أن إحاطة الأرض الموات بحائط يعتبر إحياء له.
والمقصود بالحائط: يعني: الذي يمنع من دونه.
وليس مقصودهم أي حائط ولو كان قصيراً بل المقصود ما يمنع الدخول إلى الأرض.
وسواء أحاط الأرض ليزرعها أو ليربي فيها الماشية أو ليبني فيها أياً ما كان فالإحاطة تعتبر إحياء.
واستدلوا - رحمهم الله - على ذلك: - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أحاط أرضاً فهي له).
وهذا الحديث في أسانيده ضعف لكن كثير من المعاصرين يصححونه بمجموع الطرق.
فهذا الحديث نص على أن الإحاطة تعتبر إحياء.
ولم يبين المؤلف - رحمه الله - بماذا تكون الإحاطة؟ أي: هل يشترط للإحاطة أن تكون من مواد معينة أو الإحاطة تكون حسب الجدر المبنية في كل زمان.
هذا القول الثاني هو المراد: أن الإحاطة ربما تكون باللبن أو بالخشب أو بالسعف - حسب ما تحصل الإحاطة به وحسب غرض المحيط.
ربما أحاطها ليبني وربما ليزرع وربما ليربي الماشية ولكل من هذه الأغراض ما يناسبه من الحائط.
= القول الثاني - في كفيفة الإحياء أنه يرجع فيها إلى العرف. - لأن الشارع الحكيم قرر أن من أحيا أرضاً فقد ملكها ولم يبين كيفية تفصيلية للإحياء فنرجع فيه إلى العرف.
فما اعتبر في العرف إحياء فهو إحياء وما لا فلا.
وهذا القول الثاني هو الصحيح لأنه ليس في النصوص ما يدل على تعين الإحاطة وأما هذا الحديث فهو إن صح لا يدل على أن الإحياء لا يكون إلا بالإحاطة.
لأن ذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يعني تخصيصه بالحكم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين.
الدرس: (47) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما زال الكلام في كيفية إحياء الموات وذكرنا في الدرس السابق التعليق على قول الماتن أن الإحياء يتم بالإحاطة.
واليوم ننتقل إلى النوع الثاني من الإحياء وهو حفر البئر:
-
فيقول المؤلف - رحمه الله -:
-
أو حفر بئراً فوصل إلى الماء.
إذا حفر الإنسان بئراً في الأرض الموات ووصل إلى الماء فإنه بهذا الوصول يعتبر أحيا الأرض.
إذ بإخراج الماء فيها تيسرت سبل الإحياء.
لكن الفقهاء يرون أن إخراج الماء هو بحد ذاته إحياء.
وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله -: (فوصل إلى الماء) أنه لو حفر فيها بئراً ولم يصل إلى الماء فليس بإحياء ولو حفر.
وهذا هو المذهب.
لكن إذا حفر البئر ولم يصل إلى الماء فحكمه أنه يأخذ حكم التحجير.
وهو - أي: التحجير - الشروع في الإحياء قبل إتمامه.
ولم يذكر المؤلف - رحمه الله - حكم التحجير والشروع في الإحياء وإن كان صاحب الأصل ذكره وهو مهم لأنه سيأتينا أنا نحتاج إلى حكمه في أكثر من مسألة.
فحكم التحجير والشروع في الإحياء هو: ـ أن المتحجر يكون أحق بهذا المكان من غيره مع عدم الملك.
هذا هو الحكم.
ويتفرع على هذا: ـ أن المتحجر لا يجوز له أن يبيع لأنه لم يملك الأرض إلا أنه مع ذلك أحق من غيره بهذه الأرض التي حفر فيها بئراً ولم يصل إلى الماء. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليزرع: فقد أحياه.
إذا أجرى الماء إلى الأرض أو حبس الماء عن الارض ليزرع: فقد أحيا.
فبإجراء الماء إلى الأرض تيسرت السبل لإحيائها سواء أجرى الماء من نهر أو من عين أو من أي مصدر من مصادر المياه.
وكذلك إذا حبس الماء عن الأرض فيما إذا كان حبس الماء عنها من أسباب صلاحها فإن بعض الأراضي من صلاحها واستعدادها وقبولها للزراعة أن يحبس الماء عنها.
فإذا حبس الماء أو أجرى الماء فإنه يعتبر بهذا أحيا الأرض.
-
- مسألة/ والإحياء يكون بإجراء الماء أو بحبس الماء لا بالزرع.
فقول المؤلف - رحمه الله -: (ليزرع) هذا بيان للغاية من إجراء الماء وليس بياناً لما يحصل الإحياء.
الإحياء في الواقع يحصل بإجراء الماء أو حبسه لا بالزرع.
فإن زرع زرعاً مجرداً عن إجراء الماء فليس بإحياء عند الحنابلة.
إذاً: مجرد الزرع لا يعتبر من الإحياء غند الحنابلة.
تقدم معنا في المسألة التي في الدرس السابق أن الإحياء يرجع فيه إلى العرف.
وأن هذا القول هو الراجح.
لكن المقصود الآن تقرير المذهب وهو أنهم لا يرون الإحياء بالزرع.
وإنما بإجراء الماء أو بحبسه.
فتحصل عندنا من الطرق: ـ الإحاطة.
ـ وحفر البئر.
ـ وإجراء الماء.
ـ وحبس الماء.
هذه أربع طرق للإحياء.
- مسألة/ والإحياء يكون بإجراء الماء أو بحبس الماء لا بالزرع.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
ويملك حريم البئر العادية: خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البديّة: نصفها.
تقد معنا أن الإنسان إذا حفر البئر فقد أحيا الأرض.
لكن المؤلف - رحمه الله - لما ذكر أن هذا من أسباب الإحياء لم يبين إلى أي حد يحيي.
فإذا حفر البئر في هذه الأرض: ماذا يملك من الأرض؟ هنا أراد المؤلف أن يبين المساحة التي تملك بحفر البئر.
وهي مسألة متممة جداً لمسألة الإحياء بحفر البئر.
فإنه لا ينتفع بمسألة الإحيار بحفر البئر إلا بتقري هذه المسألة.
= فالحنابلة يرون: التفريق بين البئر العادية والبئر الابتدائية. -
فيقول - رحمه الله -:
-
ويملك حريم البئر العادية: خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البديّة: نصفها.
البئر العادية هي البئر القديمة وهي منسوبة إلى عاد ولا يقصد تخصيص النسبة بعاد وإنما أصبح كل أمر قديم ينسب إلى عاد.
والمقصود بالبئر العادية: يعني التي حفرت ثم انطمرت ثم أعاد هو حفرها.
ويقصد بالئر البدية التي استحدث حفرها من جديد ولم تكن محفورة من قبل.
فحريم البئر العادية خمسون ذراعاً.
وحريم البئر البدية: النصف.
خمس وعشرون ذراعاً.
الدليل: -
قالوا الدليل على هذا: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (حريم البئر العادية خمسون ذراعاً وحريم البئر البدية خمس وعشرون ذراعاً).
وهذا الحديث نص في المسألة.
إلا أن الإشكال أن هذا الحديث مرسل والمرسِل له هو سعيد بن المسيب - رحمه الله -. والمرسل كما تعلمون من أقسام الحديث الضعيف إلا أنه مع ذلك استدل به الإمام أحمد - رحمه الله -.
السبب في ذلك: أن الإمام أحمد والإمام ابن معين ربما غيرهم لكني أنا وقفت على كلام الإمام أحمد وكلام ابن معين يقولون أنه أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب.
أضف إلى هذا أمر أشار إليه الحافظ الحاكم وهو قوله: إن الحفاظ المتقدمون نظروا في مراسيل سعيد بن المسيب فوجدوها صحيحة متصلة.
وهذا حكم هلى جميع المراسيل والحاكم إمام حافظ وينسب الحكم للحفاظ لا إلى نفسه.
من مجموع هذين الأمرين: انطلق الإمام أحمد فأخذ بهذا الحديث واستدل به واتكأ عليه.
وهذا صحيح: ما دام مراسيل سعيد بن المسيب بهذه المثابة من القوة والمتانة والصحة والثبوت فإن الاستدلال بها سليم ولا غبار عليه.
= القول الثاني: ان حريم البئر هوم المقدار الذي يحتاج إليه في إخراج الماء منها.
وهذا اختيار القاضي أبو يعلى من الحنابلة.
- يقول - رحمه الله -: هذا هو الحد.
واستدل هؤلاء:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حريم البئر قدر الرشا).
يعني: أنه بقدر ما يسحب الحبل لإخراج الماء يكون حريم البئر.
وهذا الحديث ضعيف.
وتلاحظ الآن - أو نستطيع أن نقول قاعدة: (أن الإمام أحمد يقدم المرسل القوي على الحديث الضعيف).
وما نقول هنا الحديث الضعيف خير من المرسل لأنه حديث مرفوع إلا أنه ضعيف والمرسل لم يتصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بل إن الإمام أحمد - رحمه الله - يقول: المرسل القوي خير من الحديث الحديث.
هو لم يقل هذه القاعدة بالتصريح لكن يفهم هذا من طريقة تفقه الإمام أحمد - رحمه الله -. لهذا نقول: الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أن حريم البئر هو هذا المقدار المذكور في الحديث.
ومادام ليس في الباب إلا هذا المرسل إلا عن هذا التابعي الجليل فهو مكان للاستمساك والاعتبار.
(الحريم) هو: ما يكون حول البئر.
حريم الشيء ما يكون حوله.
ولذلك نحن نقول: (حريم العامر) يعني ما يكون حول البلد العامر من الأراضي.
وحريم البئر يعني: ما يكون محيطاً بالبئر من الجوانب.
-
- مسألة/ هذا التحديد فيما إذا حفر البئر للسقي.
أما إذا حفر البئر ليزرع فله ما حول الأرض مما يريد أن يزرعه ولو كان أكثر من خمسين ذراعاً أو خمساً وعشرين ذراعاً بالنسبة للعادية والبدية.
إذاً: هذا التحديد فيما إذا كان يريد السقي.
أن يأخذ هو ويسقي غيره.
وأما إذا كان يريد أن يزرع فمن المعلوم أنه يأخذ من الأرض القدر الذي يريد أن يزرعه مما هو حول البئر.
- مسألة/ هذا التحديد فيما إذا حفر البئر للسقي.
-
قال - رحمه الله -:
-
وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه.
فهم من كلام المؤلف - رحمه الله -: أنه ليس للإمام إقطاع العامر لأنه خص الإقطاع بالموات.
= وهذا مذهب الحنابلة: وهو أنه لا يجوز للإمام أن يقطع العامر إلا لمصلحة معتبرة فإذا انتفت المصلحة فللإمام أن يسحب الأرض المقطعة ممن أعطيها.
= والقول الثاني: أن للإمام أن يقطع العامر لكن قالوا: لمصلحة بيت المال.
واستدلوا على هذا: -
بأن الإمام يستطيع أن يعطي مالاً من بيت المال فالأراضي نوع من الأموال فكذلك يستطيع أن يعطيها من شاء.
والواقع انه ليس بين القولين فرق يذكر.
لأنه قيد في القولين وجود المصلحةز فإذاً بين القول الثاني والذمهب تقارب كبير جداً ويعود القولان إلى مسألة اعتبار المصلحة. -
يقول - رحمه الله -:
-
وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه.
الإقطاع: في اللغة هو التمليك والإرفاق.
وفي الشرع: إعطاء الإمام أرضاً لمن ينتفع بها.
والإقطاع مشروع بالسنة الصحيحة: -
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث ووائل بن حجر - رضي الله عنهما -. فإذاً: الإقطاع مشروع.
يقول - رحمه الله -: (وللإمام إقطاع موات لمن يحييه ولا يملكه).
أفادنا المؤلف: أن الإمام إذا أقطع رجلاً أرضاً فإن هذا الرجل لا يملك الأرض بمجرد أن يقطعه إياها الإمام.
بل يتوقف الأمر على إحيار الرجل للأرض.
واستدل الحنابلة على هذا: -
بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما ولي الخلافة وجد أن بلال بن الحارث أحيا بعض الأرض التي أقطعه إياها النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك بعضها لم يحييه فسحب منه الجزء الذي لم يحييها ولو كان بلال يملك الأرض بمجرد الإقطاع لم يأخذ منه عمر - رضي الله عنه - شيئاً من الأرض.
ودليل الحنابلة واضح وقوي.
= القول الثاني: أن الإنسان إذا أقطع أرضاً فإنه يملك الأرض بمجرد الإقطاع.
واستدلوا على هذا:
-
بأن الإقطاع يفهم منه في اللعة والعرف: التمليك.
فإذاً: يثبت بمجرد الإقطاع.
وهذا القول وإن كان ظاهرة القوة إلا أنه ضعيف.
والسبب في ضعفه: أنه مصادم لهذا الأثر الصحيح عن عمر بن الخطاب.
وإذا كان عمر - رضي الله عنه - قام باسترجاع الأرض فلاشك أن هذا أمر أقره عليه الصحابة ولم ينكروا عليه هذا الأمر فهو أشبه ما يكون ثابتاً بالاستفاضة لا سيما وأن عمل الخلفاء الراشدين يكون مشهوراً بين الصحابة.
على كل حال: الراجح مذهب الحنابلة. -
قال - رحمه الله -:
-
وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها.
(وإقطاع الجلوس) لابد أن ننبه إلى أن الإقطاع ينقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: إقطاع الإحياء وهو الذي تكلمنا عنه الآن.
ـ والقسم الثاني: إقطاع الإرفاق وهو الذي أشار إليه المؤلف - رحمه الله - بقوله: (وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها).
للإمام الحق في إقطاع الإرفاق كما أن له الحق في التمليك أو الذي يسميه بعض الفقهاء إقطاع الموات.
إقطاع الموات هو إقطاع التمليك.
لكن الحنابلة لا يسمونه إقطاع تمليك.
لماذا؟ لأنهم لا يرون أن الملك يثبت بمجرد الإقطاع.
إقطاع الإرفاق هو أن يعطي الإمام رجلاً من الناس مكاناً عاماً لينتفع به.
كأن يعطيه رحبة المسجد التي خارج حدود المسجد.
أو أن يعطيه مكاناً في السوق فارغاً.
وما شابه هذه الأماكن التي يرتفق فيها الناس بالبيع والشراء غالباً.
فإذا أعطيها صار أحق بها من غيره وصار حكمها حكم التحجر ونحن تقدم معنا حكم التحجر وهو أنه لا يملك إلا أن المتحجر أحق به من غيرها.
قال الإمام أحمد - رحمه الله - من أقطعه الإمام فهو أحق ومن غيره إلى الليل.
فإذاً يظل استحقاقه من الصباح حيث أفطعه الإمام إلى أن تغيب الشمس.
وهذا حق من حقوق الإمام.
والدليل على ذلك: -
أن للإمام نظر فيمن يكون بقائه أضر على الناس وفيمن يكون بقائه أقل ضرراً على الناس.
ولهذا: فله أن يقطع زيد ويمنع عمرو لأن زيداً أقل ضرراً على الناس من عمرو.
فلما كان للإمام هذا النظر صار من حقوقه أن يقطع إقطاع الإرفاق.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ومن غير إقطاع: لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال.
(ومن غير إقطاع).
مقصود المؤلف - رحمه الله - أنه كما يجوز للإنسان أن يجلس في المكان الذي أقطعه إياه الإمام كذلك له أن يجلس ولو لم يقطعه الإمام في الأماكن الواسعة التي لا تضر بالناس.
ويكون أحق بهذا المكان ما دام متاعه فيه.
فإن رفع المتاع صار غيره له الحق في الجلوس في المكان.
إذاً: هذه المسألة الأخيرة: هي أن للإنسان أن يجلس وينتفع في المكان العام ولو بلا إقطاع من الإمام بشرط أن لا يكون في جلوسه أذىً للناس.
وهو أحق بهذا المكان ما لم يرفع متاعه.
وقول المؤلف - رحمه الله -: (ما لم يرفع متاعه).
هذا هو الفرق بين انتفاع الإنسان بالمكان بسبب إقطاع الإمام وبين انتفاع الإنسان بسبب أنه جلس بلا إقطاع.
والفرق هو: أنه إذا أقطع الإمام رجلاً من الناس فإنه أحق بهذ المكان ولو قام عنه ولو رفع متاعه.
فهو أحق به لأن الإمام أقطعه إياه.
أما إذا جلس هو بلا إقطاع فهو أحق بالمكان لكن ما لم يرفع متاعه.
ثم أشار المؤلف - رحمه الله - إلى مسألة أخيره وهي: قوله - رحمه الله -: (وإن طال).
يعني: وإن طال بقائه في هذا المجلس ولو لمدة أيام فإنه يكون أحق بهذا المكان من غيره ولو طال.
واستدل أصحاب هذا القول: أنه أحق بغير وإن طال: - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به).
وهذا الحديث صحيح.
وهذا الرجل سبق إلى هذا المكان فهو أحق به من غيره ولو طال.
= والقول الثاني: وهو المذهب: فالمؤلف - رحمه الله - خالف المذهب في هذه المسألة: القول الثاني: أنه هو أحق به إلا إن طال لأن طول بقاء الإنسان في هذا المكان يؤدي إلى ما يكون أشبه شيء بالتملك والتملك لا يجوز في المرافق العامة.
فإذا طال بقائه في هذا المكان صار كالمتملك والتملك لا يجوز.
قلت لكم فيما سبق: أن المؤلف - رحمه الله - يخالف المذهب وأنه لمخالفته عدة احتمالات وأن الأقرب منها أن ما يذكره المؤلف - رحمه الله - أشبه ما يكون بالاختيار.
هذا الموضع يقوي جداً أن المؤلف - رحمه الله - إذا خالف أنه يكون أشبه ما يكون بالاختيار.
والسبب: أن المؤلف - رحمه الله - يقول هنا: (وإن طال) فتشعر من عبارة المؤلف - رحمه الله - أنه أراد المخالفة وأنه لم يكتب هذا الكلام سبق قلم أو وهم أو نسيان ويؤكد هذا أن المؤلف - رحمه الله - في الإقناع وافق الحنابلة.
يعني: في كتابه الآخر وافق الحنابلة وذكر كما يذكر كل الحنابلة أنه له المكان ما لم يطل البقاء في هذا المكان.
ثم نأتي فنجد هنا أن المؤلف - رحمه الله - خالف ما ذكر هو نفسه في الإقناع مما يشير إلى أن ما يذكره في الزاد نوع من الاختيار.
يعنيك هكذا يظهر لي.
فأنا لم أجد أحداً تكلم عن مخالفات المؤلف - رحمه الله - وعن سبب مخالفة المؤلف للمذهب في كتابه الزاد لكن يظهر لي أنه نوع من الاختيار وودت أن أجد كلام لا سيما المتقدمين عن سبب مخالفة المؤلف - رحمه الله - للمذهب الاصطلاحي.
- قال - رحمه الله -:
- وإن سبق اثنان: اقترعا.
يعني: وإن سبق اثنان إلى المكان الذي يباح اتخاذه من المرافق العامة فالحكم أن يقترعا. - لأنهما استويا في السبق.
وإذا استويا في السبق استويا في الاستحقاق لأن سبب الاستحقاق هو السبق فلما استويا فيه لم يوجد ما يخرج بهما عن الإشكال إلا إجراء القرعة فإذا اقترعا من أصابته القرعة جلس في هذا المكان. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولمن في أعلى الماء المباح: السقي، وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه.
مقصود المؤلف ان يتحدث عن مسألة كثيراً ما تقع في القديم وهذه المسألة هي: ( .......... ) في التشاح به.
فإن الحكم إذا وقعت هذه المسألة: أن من في أعلى الماء يسقي إلى أن يبلغ الماء حد كعب الرجل ثم يترك الماء لمن بعده ومن بعده يسقي كذلك إلى أن يبلغ الماء الكعب من الرجل ثم يترك الماء لمن بعده وهكذا الثاني والثالث.
ولو أدى ذلك إلى انتهاء الماء عن الثاني أو عن الثالث فالحكم يبقى كما هو ولو انتهى الماء عمن يليه.
إذاً: عرفنا .... وعرفنا أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الماء قليلاً يحصل فيه المشاحة فإذا حصلت المشاحة فالحكم هو هذا الذي سمعت.
الدليل على هذا التفصيل الدقيق:
- أن هذه المسألة وقعت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفتى فيها.
وذلك أن رجلاً من الأنصار اشتكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزبير بن العوام فقال: إن الزبير يسقي قبلي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اسقي يا زبير ثم دع الماء لجارك.
هذه الفتوى الأولى.
فقال الأنصاري: - لعله مع الغضب - أن كان ابن عمتك يارسول الله.
فتلون وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - واشتد غضبه ثم قال: اسق يازبير إلى أن تبلغ الجدر ثم دع الماء.
ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتاه أولاً بأن يأخذ دون حقه الواجب وهو أن يسقي السقي المعتاد ولو لم يصل الماء إلى الجدر فلما اعترض الأنصاري على هذا الحكم العدل الذي فيه مراعاة للإنصاري استوفى النبي - صلى الله عليه وسلم - حف الزبير الشرعي فأمره أن يسقي إلى أن يبلغ الماء إلى الجدر ثم يترك الماء إلى جاره.
لكنا نجد المؤلف - رحمه الله - يقول: (إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه).
فالتحديد بالوصول إلى الكعب أخذ من أنهم حبسوا مقدار ما يصل إليه الماء من الجدر فوجدوه إلى الكعب فأخذوا هذا حكماً مسلماً.
فإذاًك نقول هذا هو الحكم.
فمن في أعلى النهر أحق ممن دونه ممن هو أسفل منه وهكذا تتدرج القضية ولو انتهى الماء عن الأخير.
وبهذا عرفنا الحكم إذا حصلت المشاحة بينهم على الماء. - ثم قال - رحمه الله -:
- وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين، ما لم يضرهم.
الحمى: هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في منطقة محددة بحيث تكون خاصة لماشية الزكاة أو خيول الجهاد.
ولاشك أنهم ذكروا هذا كالتمثيل.
لأن غالب مواشي بيت المال في العهد النبوي وفي ما بعده غالبها إما أن تكون صدقات أو تكون خيولاً معدة للجهاد.
فإذاً: الآن الحمى هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في مكان معين ويخصصه لبهيمة الأنعام الزكاة ولخيول الجهاد.
وكون الإمام يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع - أو بأدق: (كون النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع).
ـ أما النص: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا حمى إلا لله ولرسوله) فأثبت - صلى الله عليه وسلم - الحمى له حقاً من حقوقه - صلى الله عليه وسلم -.
ـ وأجمعت الأمة على ذلك.
لكن اختلفوا فيما إذا حمى غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأئمة الذين يأتون بعده.
= فذهب الحنابلة: إلى أن الأئمة كلهم يملكون الحق في الحمى وأن الحديث جاء لتقرير مبدأ الحمى لا لحصره على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأيضاً قالوا: الحديث جاء لتقرير حق الحمى للنبي - صلى الله عليه وسلم - كإمام فإذا جاء إمام بعده فله نفس الحق.
= والقول الثاني: أن الحمى خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأن من بعده لا يملك أن يحمي.
واستدلوا كما هو معلوم:
- بقوله: (لا حمى إلا لله ورسوله).
فهذا الحديث خص الحمى بالله ورسوله.
والراجح مذهب الحنابلة: والسبب في ذلك: أن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي كلهم حموا.
وهذا لاشك دليل قاطع أن الحمى ليس خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما يتناول كل إمام ياتي من بعده فله الحق في أن يحمي.
يقول - رحمه الله -: (وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم).
يشترط في حمى الإمام أن لا يضر بالناس.
لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار).
فإن الإمام كما أن عليه أن يراعي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام وخيول الجهاد كذلك عليه أن يراعي مصالح الناس.
فلا يجوز أن يحمي حمىً يترتب عليه أذية وإضرار للناس.
بهذا ينتهي باب إحياء الموات وننتقل إلى
باب الجعالة
. باب الجعالة
- قال - رحمه الله -:
- باب الجعالة.
الجعالة: مشتقة في اللغة من الجعل.
والجعل: معناه هو ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله.
فكل ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله فيعتبر جعلاً.
في لغة العرب.
وأما في الاصطلاح فذكره المؤلف - رحمه الله - وسنتكلم عليه.
والجعالة عقد مشروع: لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
فهذه الآية نص في وضع عوض مالي لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً كما سيأتينا.
فإذاً الجعالة عقد مشروع للآية ويدل على مشروعيتها: أن الحاجة تمس إلى هذا العقد لأن الأعمال منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول ولو اكتفينا بعقد الإجارة لما أمكن للإنسان أن يعقد عقداً على عمل مجهول لأنه ليس في العقود الشرعية ما يفي بهذا فيما لو أبطلنا عقد الجعالة.
= والقول الثاني: أن عقد الجعالة لا يشرع.
- لما فيه من الجهالة والغرر وعدم معرفة العاقبة.
وهذا قول ضعيف جداً ومخالف لجماهير الفقهاء كما أنه مخالف لظاهر القرآن.
والراجح إن شاء الله أنه عقد مشروع. - قال - رحمه الله -:
- وهي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة.
هذا تعريف الجعالة: (هي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة).
ـ قوله - رحمه الله -: (هي أن يجعل) يشترط في الجاعل: أن يكون من جائزي التصرف: بالغ - عاقل - رشيد.
فإن لم يكن من جائزي التصرف فإن عقد الجعالة لا يصح منه لأنه من العقود المالية التي لا تصح إلا من جائز التصرف.
ـ يقول - رحمه الله -: (شيئاً معلوماً) يشير المؤلف - رحمه الله - بهذا إلى اشتراط معلومية الجعل وأنه لا يجوز أن يكون مجهولاً.
ومعلومية الجعل تكون: بما تعرف به الأجرة في عقد الإجارة.
فما ذكرناه هناك من الأشياء التي يجب أن يتصف بها مبلغ الأجرة تأتي معنا في الجعل تماماً.
الدليل على وجوب معرفة الجعل: - هو أن الجعل بعد إتمام العمل يكون لازماً في حق الجاعل ولا يمكن الإلزام بالمجهول.
وهذا صحيح ولاشك فيه فلا يجوز للإنسان أن يقول من ر د عليَّ بعيري فله شيء.
أو فله متاع - كلمة متاع - أو فله كما يقول بعض الناس - فله مبلغ مالي.
هذا لا يجوز والعقد باطل.
وغالباً بل يكاد يكون دائماً محل نزاع: لأن العامل يقدر عمله كثيراً والجاعل يقدر العمل قليلاً يرى أنه عمل قليل والعامل يرى أنه عمل عملاً كثيراً وينعكس هذا الاختلاف على تقدير العوض.
ولذلك لاك أنه يشترط أن يكون الجعل معوماً.
ـ قال - رحمه الله -: (لمن يعمل له عملا معلوماً أو مجهولاً) العمل في الجعالة ينقسم إلى قسمين:
-
القسم الأول: أن يكون العمل لإيجاد معدوم.
كأن يكون بناء حائط أو خياطة ثوب. -
القسم الثاني: أن يكون لرد مفقود.
كأن يكون لرد الآبق أو لرد الشارد.
وسواء كان العمل من القسم الأول أو من القسم الثاني فإنه يجوز أن يكون مجهولاً.
العلة: عللوا هذا: -
بأن عقد الجعالة عقد جائز والعقد الجائز لا يلزم منه الإلزام وإذا لم يكن هناك إلزام جازت الجهالة فإن الجهالة تتنافى مع الإلزام فإذا لم يكن إلزام جازت الجهالة وإذا وجد الإلزام منعت الجهالة فعقد الجعالة عقد جائز.
إذاً لا إلزام فيه.
إذاً: يجوز فيه أن يكون العمل مجهولاً.
واستدلوا بدليل ثان وهو أيضاً صحيح ومفيد: -
وهو أنهم قالوا: غالباً ما يكون العمل في عقد الجعالة لا يمكن تقديره.
فإذا قال: من رد عليَّ جملي فله كذا وكذا.
لا ندري هل الجمل في مكان قريب أو في مكان بعيد؟ وهل سيتمكن العال من إحضاره بسهولة؟ أو بصعوبة؟ وهل سيخسر عليه جهداً ووقتاً كبيراً؟ أو جهداً ووقتاً قليلاً.
هذا لا يمكن تقديره.
لأنه جمل شارد لا يمكن تقدير وضعه.
وهذا هو معنى الحاجى التي لأجلها ذهب الجماهير إلى مشروعية عقد الجعالة.
ـ قوله - رحمه الله -: (مدة معلومة أو مجهولة).
يعني: يجوز أن يعقد عقد الجعالة على مدة معلومة: كأن يقول: من رد إليَّ جملي في أسبوع هذا صحيح.
بعد الأسبوع لو رده لا يملك شيئاً.
ويجوز أن يقول: من رد عليَّ جملي في أي وقت شاء فله كذا وكذا.
وهذه مدة مجهولة.
والدليل على جواز جهالة المدة هو الدليل السابق تماماً.
فإن جهالة المدة مساوية لجهالة العمل في الحكم والدليل. -
قال - رحمه الله -:
-
كرد عبد ولقطة وخياطة وبناء حائط.
هذه الأمثلة الأربعة هي أمثلة لعقد الجعالة.
والضابط العام: هو ان نقول: (كل ما جازت الأجرة عليه جازت الجعالة عليه).
(وكل ما حرمت الأجرة عليه حرمت الجعالة عليه).
فلا يجوز عقد الجعالة على عمل محرم كما أن الأجرة لا تجوز على أمر محرم.
ولا يجوز عقد الجعالة على قربة من القرب كما أنه لا يجوز عقد الإجارة على قربة من القرب.
الخلاصة: أن كل ما جاز عقد الإجارة عليه جاز عقد الجعالة عليه.
ولا فرق بينهما.
وإذا لا حظت ستجد أن المؤلف - رحمه الله - مثل لكل قسم من أقسام العمل في الجعالة بمثالين:
فقوله: (كرد عبد ولقطة) هذا من القسم الأول أو من أمثلة القسم الثاني:؟ الثاني.
وقوله: (وخياطة وبناء حائط) من أمثلة القسم: الأول.
وهذا من حسن التأليف في الحقيقة أنه يمثل مراعياً استيفاء الأقسام.
فمثل على كل قسم بمثالين.
- قال - رحمه الله -:
- فمن فعله بعد علمه بقوله: استحقه.
أفدنا المؤلف - رحمه الله - بهذه العبارة مسألتين:
-
- المسألة الأولى/ أن الإنسان إذا عمل العمل وانتهى استقر حقه في الأجرة.
لأنه عمل لغيره بعقد صحيح فلما انتهى العمل استحق العوض.
- المسألة الأولى/ أن الإنسان إذا عمل العمل وانتهى استقر حقه في الأجرة.
-
- المسألة الثانية/ أن هذا العمل لابد أن يكون بعد العلم.
فإن عمل لغيره قبل العلم فلا شيء له.
لماذا؟ استدلوا على هذا: بأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه فهو شرعاً متبرع.
إذاً: يشترط لاستحقاق الأجرة في الجعالة أن يكون العمل تم بعد العلم.
فإن كان قبل العلم فلا شيء له.
ولو كان تسليم العمل بعد العلم.
المهم أن يكون العمل كله بعد العلم.
أما التسليم فلا علاقة له.
فإذا رد الجمل بلا علم بالجعالة ولما دخل المدينة عرف أن صاحب الجمل وضع عليه جعالة وسلمه إليه فلا يستحق شيئاً.
وإن كان سلكه بعد العلم.
لأن العمل وقع متى؟ قبل العلم.
- المسألة الثانية/ أن هذا العمل لابد أن يكون بعد العلم.
- قال - رحمه الله -:
- والجماعة: يقتسمونه.
يعني: إذا اشترك جماعة في إنجاز العمل فإنهم يقتسمون العوض.
والتعليل: - أنهم اشتركوا في العمل فاشتركوا في العوض.
وهذا مخصوص بما إذا لم يقل الجاعل إذا رد زيد الجمل فله كذا وكذا.
فإن عين في العقد من يعمل فإن من عمل غيره لا يستحق شيئاً ولو عمل بعد العلم ولو أحضر المطلوب.
لأن الجاعل حدد العامل فقال: (إن أحضر زيد الجمل فله كذا وكذا.
أما إذا قال: من أحضر الجمل فله كذا وكذا واشترك جماعة في إحضاره فهم يشتركون في العوض. - ثم قال - رحمه الله -:
- وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه.
يعني: وإذا علم في أثناء العمل بأن صاحب العمل وضع جعلاً فإنه يستحق القسط من علمه ولكن هذا مشروط بأن ينوي بعد العلم العمل مقابل هذا العوض.
فإن لم ينو فهو متبرع.
وقول المؤلف: (بقسطه) لا يدل على المناصفة فإذا قال: من بنى لي هذا الجدار فله كذا وكذا وبدأ هذا الرجل بالبناء قبل العلم فلما انتصف في البناء علم ثم أتم الجدار بنية أخذ العوض فليس القسط في هذه الصورة هو النصف.
لماذا؟
لأن العمل في أسفل الجدار أصعب من العمل في أعلى الجدار.
وأحياناً تنقلب الصورة فيكون العمل في أعلى الجدار أصعب من العمل في أسفل الجدار لأن الأعلى يصعب الوصول إليه.
إذاً: القاعدة أنا نعتبر المشقى وعدمها في تقدير استحقاق العامل وليس الأمر بالمناصفة دائماً.
كذلك لو ذهب لرد البعير الشارد وكان نصف الطريق صعب جداً ونصفه اللآخر سهل جداً فإنه إذا علم بعد قطع النصف فسيأخذ أكثر أو أقل من النصف؟ أقل لأن الباقي الذي يستحق عليه العوض أسهل من الذي عمله قبل العلم.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولكل فسخها.
صرح المؤلف - رحمه الله - أن العقد عقد جائز.
لكن نلاحظ هنا أن اللمؤلف - رحمه الله - يقول: (ولكل فسخها).
وفي مواضع أخرى من العقود الجائزة يقول: (وهو عقد جائز) ثم نشرح وهو عقد جائز: نقول: (يعني لكل فسخها) فلماذا المؤلف - رحمه الله - هنا صرح بهذا الحكم؟ لعله صرح بهذا الحكم لأن كون الجعالة جائزة من أركان عقد الجعالة.
يعني من الأحكام المهمة في الجعالة أنها جائزة.
بينما عقد الوكالة: عقد جائز أو لازم؟ جائز.
وعقد المضاربة؟ جائز.
لكن الجواز في عقد المضاربة وعقد الوكالة ليس من الأحكام المهمة في عقد المضاربة.
أقول لعل المؤلف - رحمه الله - بالحكم هنا لهذا السبب.
الجعالة عقد: إذاً: نقول جائز وإلى هذا ذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا: - بأن عقد الجعالة لا إلزام فيها.
وما لا إلزام فيه فهو جائز.
واستدلوا على هذا: - بأن العمل في الجعالة يصح أن يكون مجهولاً وهذا لا يكون إلا في العقود الجائزة.
= القول الثاني: وهو قول لبعض المالكية وليس هو المذهب.
أن عقد الجعالة لازم من الطرفين. - قياساً على الإجارة.
وهذا القول ضعيف أنك إذا جعلت عقد الجعالة ىتقيسه على عقد الإجارة في كل شيء نتج عن هذا أنه لا يوجد عقد اسمه جعالة لأنه صار عقد الجعالة هو عقد الإجارة إذاً هذا القول ضعيف.
- قال - رحمه الله -:
- فمن العامل: لا يستحق شيئاً.
يعني: فإن كان الفسخ من العامل فإنه لا يستحق شيئاً لأنه أسقط حق نفسه بنفسه.
وإذا أسقط الإنسان حق نفسه بنفسه فلا شيء له.
بناء على هذا: لو جاء العامل وبنى كل الجدار لم يبق إلا آخر صف من اللبن أو من البلوك ثم ترك العمل فإنه لا يستحق شيئاً مطلقاً.
لأنه أسقط حقه بنفسه.
واستدلوا على هذا أيضاً: - بأنه لم يوفي ما شرط عليه وهو العمل المتفق عليه.
هكذا قرر الحنابلة وفي الحقيقة أنه لم أجد بعد البحث البسيط لم أجد خلافاً في المسألة.
كأن هذا الأمر مذهب الجماهير لكن يظهر لي أنه لو قيل بأنه يعطى بمقدار عمله ما لم يكن فسخه إضراراً بالجاعل لكان قولاً متوجهاً.
وإن بحثها بعضكم فهذا شيء جيد - إن بحث الحكم: إذا فسخ العامل العقد هل يستحق شيئاً من الأجرة أو بالإجماع كما قال الحنابلة أنه لا يستحق لو أن بعضكم بحثها لكان طيباً. - قال - رحمه الله -:
- ومن الجاعل بعد الشروع: للعامل أُجرة عمله.
يعني: وإذا كان الفسخ من قبل الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة المثل.
فهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أنه إذا كان قبل الشروع فلا شيء له.
وهذا صحيح.
وإنما لم ينص عليه المؤلف لأنه معلوم.
فإذا فسخ الجاعل العقد قبل الشروع فلا شيء للعامل لأنه لم يبدأ العمل ولم يصدر منه ما يستحق عليه الأجرة.
أما إن فسخ بعد الشروع فإنه للعامل أجرة المثل لأنه عمل عملاً تعاقد فيه مع صاحبه فاستحق العوض مقابله.
((الأذان)).
فهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أن له أجرة المثل وليس القسط من الجعل لأن عقد الجعالة بطل بفسخ الجاعل له ولم يعد له أي أثر على الأجرة.
الدرس: (48) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
((نقص من أول الدرس - في التسجيل)) .... العوض ولو بلا اتفاق مسبق.
ومن أمثلة هؤلاء: الملاح والحجام.
فهؤلاء وضعوا أنفسهم لهذا العمل فإذا عمل لغيره ولو بلا اتفاق مسبق فإنهه يستحق أجرة المثل.
هذا معنى قول المؤلف - رحمه الله - هنا: (ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملاً بغير جعل: لم يستحق عوضاً) ذكرت إذاً هذا الأمر الذي يستثنى من هذه الجملة وهي: ما إذا كان الإنسان قد أعد نفسه لهذا العمل.
ويستثنى أيضاً من هذا من يخلص متاع غيره من الهلكة فهذا يستحق أيضاً أجرة المثل.
والسبب: - أن في ذلك تشجيعاً للمسلم على المحافظة على مال أخيه.
ولذلك استثناه الحنابلة وجعلوا له الأجر ولو أنه خلصه بلا اتفاق مسبق.
فهاتان مسألتان تستثنيان من كلام المؤلف - رحمه الله -.
ـ المسألة الثالثة/ نص هو على الاستثناء:
- فقال - رحمه الله -:
- إلاّ ديناراً أو اثني عشر درهماً: عن رد الآبق.
أي: أنه يستثنى من عدم استحقاق العوض إذا عمل لغيره بغير اتفاق ما إذا رد الآبق.
فهو مستثنى ونصوا أيضاً على العوض ولم يجعلوه مفتوحاً حسب أجرة المثل فهو يقول - رحمه الله - هنا: (ديناراً أو اثني عشر درهماً) فمن رد العبد الآبق استحق الدينار ولو بلا اتفاق مسبق.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم بأمرين: - الأمر الأول: الآثار المروية عن ثلاثة من الصحابة وهم: عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.
وهذه الآثار فيها ضعف إلا أن أجودها أثر ابن مسعود فهو إن شاء الله ثابت كما أن ضعف أثر عمر وعلي يسير. - والدليل الثاني: استدلوا: بأن هذا المعنى روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه روي عنه: (أن من رد الآبق فله ديناراً).
وهذا الحديث مرسل لا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. - والدليل الثالث: أن في رد الآبق منعاً لشرده.
فإنه إذا ترك الآبق شارداً فغالباً ما يسعى في الأرض فساداً ففي رده كف لهذا الفساد. - الدليل الرابع: أن العبد الآبق إذا لم يرد فإنه يخشى أن يلتحق بالكفار.
فهذه أربع أدلة استثنى بها الحنابلة ما إذا رد العبد الآبق بلا اتفاق فأوجبوا له الأجرة بلا عقد مسبق.
= والقول الثاني: أنه إذا رد العبد الآبق فلا شيء له ما لم يتفق مع صاحب العبد.
واستدلوا: - بأن هذا عمل بغير اتفاق مسبق ومن عمل لغيره بغير إذنه فلا أجرة له.
ورأوا أن ما استدل به الحنابلة آثار ضعيفة وحديث مرسل.
وقالوا: الأصل في مال المسلم الحفظ فإذا لم يكن هناك اتفاق مسبق فلا حق لراد العبد الآبق.
والراجح إن شاء الله: مذهب الحنابلة.
لأن الآثار التي ذكروها يقوي بعضها بعضاً كما أن الحديث المرسل الذي أفتى بموجبه الصحابة يصلح للاحتجاج كما أن الأدلة العقلية التي ذكروها قوية وتكفي للقول بهذا القول الذي تبناه الحنابلة وهو استثناء رد العبد الآبق. - ثم قال - رحمه الله -:
- ويرجع بنفقته أيضاً.
أي: ويرجع راد العبد الآبق بنفقته على هذا العبد.
واستدل الحنابلة على ذلك:
- بأن النفقة على العبد الآبق أمر بها الشارع لأن فيها حفظاً لنفس معصومة وما فعله الإنسان بإذن الشارع فإنه لا يضمن.
كما استدلوا بـ: - أن في رد العبد الآبق مصالح وهي المذكورة في المسألة السابقة: منعه من الفساد أو اللحوق بالكفار.
وفي إيجاب النفقة على راد العبد الآبق تنفير عن تحقيق هذه المصالح.
= والقول الثاني: أن النفقة على العامل وهو راد العبد الآبق ولو كانت أكثر من الجعل بشرط أن يكون هذا العامل ممن وضع نفسه لرد الضوال.
= والقول الثالث: أن نفقة العبد الآبق على المالك لكن بشرط هو أن يأذن المالك بالنفقة أو يأذن الحاكم أو يشهد العامل شهود على النفقة.
وعللوا ذلك: - بأنه لو ترك الأمر للعامل لربما أسرف في النفقة أو ادعى نفقة كبيرة.
لأجل أن لا يحصل هذا المحذور اشترطوا عليه هذه الشروط.
وعلم من هذا أالقول الثالث هو القول الأول لكن بشروط.
وهذا القول الثالث فيما يبدو لي أقوى الأقوال حذراً من المبالغات في تقدير النفقات.
وبهذا انتهى باب الجعالة وننتقل إن شاء اله إلى
باب اللقطة
. باب اللقطة
- قال - رحمه الله -:
- باب اللقطة.
اللقطة: لغة اسم لما يؤخذ من الأرض.
وتعريفه بأنه اسم لما يؤخذ من الأرض أحسن من تعريفه بأنه اسم لما يلقط من الأرض.
حتى لا نعرف الشيء بنفسه.
هذا تعريفه لغة: وأما اصطلاحاً: فاللقطة: هو المال الضائع عن ربه إذا أخذه عن غيره.
فهذا تعريف اللقطة في اللغة وفي الشرع.
والمؤلف - رحمه الله - عرَّف أيضاً اللقطة وإنما ذكرت التعريف الذي قلته شرعاً لأنه أوضح على في تعريف المؤلف - رحمه الله - مزية وهي: التنويه إلى بعض الأحكام الخاصة باللقطة. - يقول - رحمه الله -:
- وهي: مال.
المال في الشرع هو: كل عين جاز الانتفاع بها بلا حاجة.
وتقدم معنا في البيوع تفصيل هذا التعريف وبيان محترزات التعريف فلسنا بحاجة إلى إعادته الآن.
إذاً عرفنا ما هو المال في الشرع. - يقول - رحمه الله -:
- أو مختص.
المختص: أو المختصات في الشرع هي: كل عين لا يجوز أن يقع عليها عقد البيع وصاحبها أحق بها.
كالكلب المعلم.
فهو من أبرز أمثلة المختصات.
فلابد لكي نعتبر العين لقطة أن تكون مال أو تكون مختص.
فإذا وجد الإنسان جرة خمر فإنها ليست لقطة بل يجب عليه أن يتلفها لأنها ليست مال شرعاً ولا مختص.
-
قال - رحمه الله -:
-
ضل عن ربه.
معنى قوله: (ضل) يعني ضاع عن ربه.
والحكم لا يختص بالضياع بل ما يشابه الضياع يأخذ حكم الضياع.
مثل: أن يدفن الإنسان ماله وينسى أين دفنه ويجده غيره.
فإذا وجده غيره فهو لقطة.
وذلك إذا كان الدفن قريباً وطرياً فحينئذ يكون لقطة.
فإذاً: عبَّر المؤلف - رحمه الله - بقوله: (الضال) لأن الغالب في اللقطة أن تكون بسبب الضياع لا بسبب الدفن ونسيان مكان الدفن. -
ثم يقول - رحمه الله -:
-
وتتبعه همة أوساط الناس.
معنى: (تتبعه همة أوساط الناس) يعني: يهتمون في طلبه.
فالشيء الذي لا تهتم أنت في طلبه فليس مما تبعه همة أوساط الناس.
وقوله: (تتبعه أوساط الناس يعني: دون المتساهلين منهم ودون المتشددين وإنما الوسط.
فمن الناس من لا قيمة للمال الكثير في نظره.
ومن الناس من يكون المال القليل جداً عظيم في نظره فلا هذا يعتبر ولا هذا يعتبر وإنما ننظر إلى أوساط الناس وعامتهم في تقدير هل هذا المال تتبعه الهمة أو لا تببعه الهمة.
هذا شيء والشيء الثاني: أشار الشيخ منصور - رحمه الله - في الشرح: إلى أن هذا ليس من حقيقة اللقطة وإنما هو شرط في التعريف.
فكأنه يقول: إيراده في التعريف غير مناسب.
لأنه من شروط التشييد وليس من حقيقة تعريف اللقطة.
وإشارته - رحمه الله - صحيحة.
فإن الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس هو أيضاً لقطة.
بينما يفهم من تعريف الشيخ إخراج الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس عن مدلول كلمة اللقطة.
وهذا ليس بصحيح.
فإذاً: يكون التعريف فقط: هي مالٌ أو مختص ضل عن ربه.
هذا هو التعريف.
وأما: (وتتبعه همة أوساط الناس) فهو من شروط التشييد وليس من حقيقة التعريف.
اللقطة في الشرع تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
وهذا التقسيم باعتبار أمرين: ـ الأمر الأول: شرط التملك.
ـ والأمر الثاني: جواز اللقطة.
- أو جواز اللقط يعني: جواز الأخذ.
هل يجوز أن نأخذ أو أن لا نأخذ.
فالأقسام باعتبار هذين الأمرين.
ـ القسم الأول: أشار إليه المؤلف - رحمه الله -:
- فقال - رحمه الله -:
- فأما الرغيف والسوط ونحوهما: فيملك بلا تعريف.
ـ القسم الأول: هو ما لا تتبعه همة أوساط الناس.
فإذا كان المال الملقى لا تتبعه همة أوساط الناس فإنه يجوز أن يلقط: هذا الشيء الأول.
ويملك بلا تعريف.
وهذا الشيء الثاني.
إذاً: يجوز أن يلقط.
ويجوز أن يملك.
وأيضاً بلا تعريف.
استدل الحنابلة على جواز أخذه وعلى جواز تملكه بلا تعريف بدليلين: - الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح مرَّ على تمرة فقال لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها.
ولم يشر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث إلى التعريف وذلك لأن التمرة مما لا تتبعه همة أوساط الناس. - الدليل الثاني: الإجماع فإن أهل العلم أجمعوا على أن المال الذي لا تتبعه همة أوساط الناس يملك بمجرد الالتقاط ولا يشترط فيه التعريف.
-
- مسألة/ فإذا التقطه وأكله ثم جاء صاحبه فإنه لا يضمن له لأنه إنما أخذه بموجب الشرع فلا ضمان عليه ولو جاء صاحبه بعد ذلك.
أما إن جاء صاحبه قبل أن ينتفع به فإنه يجب أن يرده إليه.
لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.
وهذا المال: مال هذا الذي جاء فيجب أن يدفع له.
وبهذا انتهى القسم الأول من اللقطة.
- مسألة/ فإذا التقطه وأكله ثم جاء صاحبه فإنه لا يضمن له لأنه إنما أخذه بموجب الشرع فلا ضمان عليه ولو جاء صاحبه بعد ذلك.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وما امتنع من سبع صغير كثور وجمل ونحوهما: حرم أخذه.
هذا هو القسم الثاني من أقسام اللقطة وهو: القسم الذي لا يجوز أن يؤخذ أصلاً.
وإذا كان لا يجوز أن يؤخذ فمن باب أولى لا يجوز أن يملك.
إذاً: القسم الثاني: هو الذي لا يجوز أن يؤخذ ولا يجوز بطبيعة الحال أن يملك.
وهو: ما يمتنع بنفسه من صغار السبُع.
لكن في الواقع ليس هذا هو الشرط الوحيد بل يضاف إليه شرطان: ـ الشرط الأول: أن يتمكن من ورود الماء والشرب.
ـ الشرط الثاني: أن يصبر عن شرب الماء مدة طويلة.
فصار الشيء الذي لا يجوز أن يلقط هو الذي اتصف بثلاث صفات: 1 - أن يمتنع من صغار السبع.
2 - وأن يتمكن من ورود الماء.
3 - وأن يكون من اللاتي يصبرن عن الماء وقتاً طويلاً.
وهذا النوع يتعلق بالحيوان فقط ويسمى الضوال.
فالضوال عند الفقهاء مصطلح خاص بالحيوان الضائع ولا يطلق على غيره من أنواع اللقطة.
(وصغار السبع) هي: السباع الصغيرة التي لا تفترس الحيوانات الكبيرة.
ومثلوا لها بثلاثة أمثلة: ـ الأول: الذئب.
واعتبروه من صغار السباع.
ـ والثعلب.
ـ والأسد الصغير.
فالأسد الصغير يعتبر من صغار السباع والثعلب والذئب ولو كان كبيراً فهو يأخذ حكم صغار السباع.
ومثل المؤلف - رحمه الله - لهذه الحيوانات التي لا يجوز أن تؤخذ بقوله: (كثور وجمل).
تختلف الأسباب التي من أجلها يمتنع الحيوان عن صغار السباع:
ـ فقد يمتنع عن صغار السباع لكونه كبيراً.
كما مثل المؤلف - رحمه الله -: (كالجمل).
فالجمل يمتنع بجسمه.
ـ وقد يمتنع عن صغار السباع لشدة عدوه كالظباء مثلاً.
فإنه لا يمكن لصغار السبع أن يصطاد الظباء لسرعتها.
ـ وقد يمتنع لكونه يطير كالطيور كلها.
لأن هذه تمتنع عن صغار السباع.
وألحق الحنابلة بما يمتنع بحجمه - ألحق بالجمل: الحمير.
فقالوا: إنها تمتنع بحجمها كما يمتنع الجمل.
= والقول الثاني: أنها لا تمتنع.
- أولاً: لأن صغار السباع يتمكن من افتراس الحمار.
- ثانياً: لأنه لا يصبر عن الماء.
- ثالثاً: لأنه لا يحسن الوصول إلى الماء.
فهو في الحقيقة أشبه بالشاة منه بالبعير.
وهذا القول نصره جداً الشيخ الفقيه ابن قدامة وهو كما قال - رحمه الله -. قول وجيه وصحيح.
فجنس الحمير لا يلحق بكبار الأجسام كالجمل.
ويلحق بهذا القسم: الذي لا يجوز أخذه - كل ما لا يتلف ببقائه كالقدور الكبيرة والطاحون الكبير فإن هذه الأشياء لو بقيت في الصحراء فإنه لا يضرها وتبقى إلى أن يأتي صاحبها ويأخذها.
فهي تشبه ما يمتنع من صغار السبع من حيث أنها لا تنظر ببقائها وقتاً طويلاً ملقاة على الأرض ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذها بل تبقى في مكانها إلى أن يأتي صاحبها لأخذها.
وعلم من هذا البحث كله أنه إذا تبين للإنسان أن هذه الأشياء التي ذكرها الفقهاء في مكان تتلف لو تركت ولو كانت كبيرة أو تعدو أو تطير بأن كان في المنطقة سباع صغيرة لكنها عرفت بأكل كبار الأجسام أو كانت في مكان لا يوجد فيه ماء أصلاً أو كان القدر الكبير في مكان فيه قطاع طرق بكثرة.
حينئذٍ يجوز أن تؤخذ.
وذلك استنباطاً من تعليلات الفقهاء لأنهم يرون عدم جواز أخذها لا متناعها بنفسها ونحن الآن تبين لنا أنها في مثل هذه الأمثلة لا تمتنع بنفسها فجاز حينئذ أن تؤخذ.
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لتعليلات الفقهاء حتى يدور الحكم مع هذه العلة وجوداً وعدماً.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وله إلتقاط غير ذلك.
هذا هو القسم الثالث: وهو القسم الأكبر من أنواع اللقطة وحكمه أنه يجوز أن يؤخذ ولا يملك إلا بالتعريف.
وهذا القسم يشمل كل ما عدا القسم الأول والثاني.
فكل عين سقطت على الأرض لا تدخل في القسم الأول ولا في الثاني فهي من القسم الثاني.
ولذلك نقول في تعريفه: هو كل ما لا يدخل في القسم الأول والثاني.
والدليل على حكم هذا النوع من اللقطة: - حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن لقطة الذهب والفضة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فشأنك بها وهي وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه).
وهذا اللفظ في الصحيح.
وهو من أهم أحاديث اللقطة لكونه يشتمل على مجموعة من المسائل.
وستلاحظ أن مفردات المسائل التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - تعتمد على هذا الحديث.
إذاً عرفنا الآن الدليل حيث نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنها تعرف لمدة سنة ثم تملك بعد ذلك. - يقول - رحمه الله -:
- إن أمن نفسه على ذلك.
بدأ بشروط القسم الثالث: ـ فالشرط الأول: أن يأمن نفسه على اللقطة يعني: أن لا يخون فيها.
فإن لم يأمن نفسه وظن أنه لو أخذها ملكها بلا تعريف حرم عليه الأخذ أصلاً وهذا بالإجماع.
ـ الشرط الثاني: أن يقوى على التعريف.
أن يتمكن من التعريف.
فإن ظن من نفسه أنه لا يستطيع أن يعرف هذه اللقطة إما لضعفه أو لفقره أو لانشغاله أو لأي سبب من الأسباب فإنه لا يجوز له ولو أمن نفسه عليها أن يأخذها إذ مالفائدة من أخذ اللقطة وهو بعلم من نفسه أنه لن يتمكن من التعريف بها.
فهذان شرطان لا يجوز الإلتقاط إلا بهما.
ثم لما بين المؤلف - رحمه الله - شرط إلتقاط اللقطة في القسم الثالث بين ماذا يترتب على من خالف والتقط مع عدم توفر الشروط.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وإلاّ فهو كغاصب.
أي أن حكمه حكم الغاصب.
ويندرج تحت هذا مسألتان: ـ الأولى: أنه يضمن هذه العين مطلقاً فرَّط أو لم يُفَرِّط.
لأنا نعامله معاملة الغاصب وهذا حكم الغاصب.
ـ المسألة الثانية: أنه لو أخذها بنية الخيانة ثم عرفها تائباً أو غير تائب.
فإنها لا تملك بعد السنة.
لأن يده يد غصب.
إذاً: الحكم الثاني: أنه إذا أخذها ثم عرفها سواء عرفها بعد التوبة أو عرفها بدون توبة وإنما عرفها هكذا فإنها لا تملك.
لأنه أخذها بغير إذن شرعي فلا يستحق التملك.
= والقول الثاني: في هذه المسألة الثانية: أنه إذا أخذها وعرفها فإنه يملك هذه العين.
واستدل أصحاب هذا القول على قولهم: - بأن الشارع رتب ملك العين الملتقطة على التعريف فإذا وجد السبب وجد الحكم فما دام عرفها فهي ملك له.
والأقرب والله أعلم المذهب: فإذا عرفها ولم يجد صاحبها فإنه يدفعها إلى بيت المال إن تمكن وإن لم يتمكن فإنه يتصدق بها عن صاحبها ولا يملكها أبداً ما دام أخذها بنية الخيانة فإنه ليس من أهل التملك.
وإن كان القول الثاني فيه قوة من حيث التعليل إلا أنه يظهر لي أن المذهب أقوى. - ثم قال - رحمه الله -:
- ويعرف الجميع بالنداء.
أيك أنه يجب على ملتقط اللقطة أن يبدأ بالنداء فوراً وهو التعريف.
والدليل على هذا ظاهر: - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (عرفها).
وهذا الأمر للوجوب.
والأمر الذي للوجوب هو على الفور في أصح قولي الفقهاء.
إذاً: إذا كان الحديث أمر فهو للوجوب وعلى الفور.
فيجب عليه أن يبادر بالتعريف.
وهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله - هنا: (ويعرف الجميع بالنداء في مجامع الناس غير المساجد).
إذاً: يجب عليه أن يعرف مباشرة لحديث زيد السابق.
- يقول - رحمه الله -:
- في مجامع الناس.
المقصود من هذه الجملة: أن يتحرى الأماكن التي يظن أن وصول الخبر إلى صاحب اللقطة فيها أكبر.
وليس مقصود المؤلف - رحمه الله - هنا بقوله: (في مجامع الناس) أنه يجب دائماً أن يعرف في مجامع الناس.
هذا ليس مقصوداً.
لكن مقصوده أن الغالب أنه إذا عرف في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد فإن صاحب اللقطة سيعرف خبر هذه اللقطة.
لكن لو افترضنا أن تعريفه اللقطة في مكان آخر وليس من مجامع الناس يظن أن وصول الخبر إلى صاحبها أكبر فيجب أن يترك مجامع الناس وأن يعرفها في هذا المكان الذي يظن أن وصول الخبر فيه إلى صاحبها أكبر.
من أمثلة هذا: أن يجد معاملة سقطت تختص بدائرة حكومية معينة وهي في طور الإعداد من المعلوم أن أنسب مكان للتعريف بهذه المعاملة أين؟ في مدخل هذه الدائرة.
لأنه لن يذهب صاحب هذا الشيء إلى أماكن تجمع الناس .. إلى آخره.
وهكذا يجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا التقط اللقطة فهو أمين ومحاسب فعليه أن يعرف اللقطة في المكان الذي يظن أنه في الغالب أنها ستكون فيه.
فإذا كانت اللقطة يغلب على الظن أنها لشخص يعمل في سوق التمر من خلال ملابسات أو قرائن فيجب أن يعرفها في سوق التمر.
وإذا كان يغلب على الظن أن صاحب هذه اللقطة من خلال ملابسات وقرائن من تجار الذهب فإنه من الخطأ أن يذهب إلى سوق التمر ليعرف لقطة يغلب على الظن أنها لتاجر من تجار الذهب.
وهكذا يجتهد في معرفة المكان المناسب فإن لم توجد قرائن ولا دلائل فغنه يعرف في مجامع الناس. - يقول - رحمه الله -:
- غير المساجد.
يعني: فإنه لا يجوز له أن يعرف فيها.
وذلك: - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من رأيتموه ينشد ضالة في مسجد فقولوا: لا ردها الله عليك).
وهذا الحديث دليل واضح على التحريم.
وذلك: لأن المساجد لم تبن لذلك وإنما بنيت لذكر الله والعبادة لا ليبحث الناس فيها عن ما سقط منهم من أمتعة.
فإذاً: لا يجوز في المساجد.
لكن عند أبواب المساجد لا حرج في ذلك. - يقول - رحمه الله -:
- حولاً.
يعني: أن مدة التعريف سنة كاملة هجرية قمرية.
تبدأ من اليوم الذي وجد فيه اللقطة وتنتهي في نفس اليوم من العام التالي.
والدليل على ذلك:
-
الحديث السابق: فأنه قال: (عرفها سنة).
-
كذلك: الآثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: عمر وغيره - رضي الله عنه -. أفتوا بالتعريف لمدة سنة.
واختلفوا: أي واختلف الفقهاء في كيفية التعريف: = فالقول الأول: أنه يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم.
ثم بعد نهاية الأسبوع الأول يرجع إلى أعراف الناس في تعريفها.
= والقول الثاني: أنه يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم ثم في الشهر الأول في كل أسبوع ثم باقي السنة في كل شهر مرة.
والراجح إن شاء الله القول الأول.
وأنتم علمتم الآن من سياق الخلاف أن جميع العلماء يرون وجوب التعريف في الأسبوع الأول في كل يوم.
ثم اختلفوا إذا انتهى الأسبوع الأول وذلك لأن الأسبوع الأول مظنة بحث صاحبها عنها أكبر بكثير من الأسبوع الثاني ثم تنقص هذه المظنة كلما ذهب الوقت.
على أنه في القول الثاني فيه ضعف في الحقيقة لأن الاكتفاء في ما بعد الشهر الأول بالتعريف مرةواحدة في الشهر فيه إجحاف في الحقيقة لأن هذا التعريف قليل جداً سيبقى أكثر السنة يعرف في الشهر كم؟ مرة.
وإن كان عرف في الشهر الأول في الأسبوع الأول منه في كل يوم وفي باقي الأسابيع مرة في كل أسبوع لكن يداية من الشهر الثاني سيكون التعريف في كل شهر مرة.
وهذا قليل جداً.
ولذلك أنا أرى أن هذا القول فيه إجحاف بصاحب اللقطة لا سيما إذا كانت مهمة وضرورية ومرتفعة القيمة.
كونه يعرف في كل شهر مرة متى يصادف صاحب اللقطة؟ ولذلك نقول: الراجح إن شاء الله القول الأول ويرجع في تعريفها إلى العرف بحسب الأهمية وبحسب الملابسات. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ويملكه بعده حكماً.
يعني: ويملك اللقطة بعد اتعريف السنوي حكماً.
الدليل أنه يملكه: - الأحاديث: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فهي لك) وفي لفظ: (فشأنك بها).
والأحاديث كثيرة في ملك المعرف للقطة بعد سنة.
وقوله (يملكها حكماً) يعني: قهراً من غير اختيار.
كدخول الميراث في ملك صاحبه.
إذاً: الحنابلة يرون أن دخول اللقطة بعد التعريف لمدة سنة في ملك الملتقط دخولاً إجبارياً.
وعللوا هذا: - بأن الأحاديث فيها إفادة الملك فهو يقول: (فهي لك).
- ثم إن الشارع رتب ملك على التعريف سنة فإذا انتهى تعريف السنة حصل الملك باختياره أو بغير اختياره.
ويترتب على هذا القول: أن الملتقط بعد سنة إذا تلفت اللقطة فهي مضمونة عليه مطلقاً.
لماذا مضمونة عليه مطلقاً؟ - لأنها أصبحت من أملاكه.
وإذا دخل الشيء في ملكك ثم تلف فهو مضمون عليك مطلقاً لا نقول فرَّط أو لم يُفَرِّط لأنها أصبحت من أملاكه.
إذاً: عرفنا مذهب الحنابلة وعرفنا ماذا يترتب على هذا القول ويكاد يكون ما يترتب على القول أهم من القول.
= القول الثاني: أن اللقطة لا تدخل في ملكه إلا باختياره فإن اختار أن لا يتملك فإن اللقطة تصبح وديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
وهذا القول اختيار أبي الخطاب من الحنابلة وقول لبعض الشافعية وقيل إنه هو المذهب الاصطلاحي.
= القول الثالث: أن اللقطة بعد السنة تدخل في ملك الملتقط قهراً ولا يضمنها.
ففيه الجمع بين القولين.
وجه ذلك: - وجهه: أن الملتقط إنما التقطها بإذن الشارع وعرفها بإذن الشارع وملكها بإذن الشارع ولا يترتب على الإذن الضمان.
فإذا أخذها والتقطها وعرفها سنة وتملكها ثم تلفت أو انتفع منها فإنه إذا جاء صاحبها لا يضمنها له.
وهذا القول قوي ووجيه لولا اللفظ السابق لحديث زيد.
ففي اللفظ السابق يقول: (فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه).
هذا لحديث يكاد يكون نص في المسألة.
وليس في الحديث أنه إذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه إلا إن كنت انتفعت بها.
ليس في هذا القيد.
ولذلك الراجح إن شاء الله القول الثاني.
فهو إن شاء تملك وإن شاء لم يتملك.
فإن لم يتملك فهي وديعة وأمانة تبقى عنده.
وإن شاء إذا مرت السنة ولم يرد أن يتملك إن شاء أن يدفعها إلى الإمام تخلصاً منها فهذا أمر مشروع وذكره بعض الفقهاء.
إذاً هو مخير بين أن تبقى عنده وديعة وبين أن يدفعها إلى بيت المال. - ثم قال - رحمه الله -:
- لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها.
لا يجوز له أن يتصرف في الوديعة إلا بعد أن يضبط صفات الوديعة. - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اعرف عفاصها ووكائها).
فهذا أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والوكاء هو: ما يربط به الإناء سواء كان من جلد أو من قماش.
والعفاص: هو الإناء الذي يتخذ لتخزين الأشياء وأيضاً سواء كان من جلد أو من شيء آخر.
فالحديث نص على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في اللقطة إلا بعد أن يضبط صفاتها.
ويستحب له أن يشهد على هذه الصفات كما يستحب له أن يكتب هذه الصفات لأن لا ينسى أو يهم.
- ثم قال - رحمه الله -:
- فمتى جاء طالبها فوصفها: لزم دفعها إليه.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه).
- ولقوله: (فعرفها سنة فإن لم تعرف فشأنك بها).
فمفهوم الحديث أنها إذا عرفت فهي ليست من أملاكه بل تدفع إلى صاحبها. - ثم قال - رحمه الله -:
- والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما.
المؤلف - رحمه الله - يريد بهذا أن يبين من الذي يملك الإلتقاط والتملك بعد التعريف.
= فالحنابلة يرون: أن كل إنسان مكلفاً كان أو غير مكلف صغيراً أو كبيراً مسلماً أو كافراً فإنه يملك بالالتقاط ولا نشترط أن يكون بالغاً عاقلاً مكلفاً.
واستدلوا على هذا: - بأن الالتقاط وسيلة من وسائل التملك فهي كالاحتطاب والاصطياد.
والاحتطاب والاصطياد لا يشترط له أن يكون المحتطب بالغاً يعني: مكلفاً.
= والقول الثاني: أنه يشترط في الملتقط أن يكون من المكلفين.
واستدلوا على هذا: - بأن الالتقاط فيها نوع ولاية على اللقطة والولايات لا تكون إلا للمكلفين.
والراجح: المذهب.
لأن شبه الالتقاط بالاحتطاب أكبر من شبهها فيما يحتاج إلى ولاية.
بناءً على هذا: يقول - رحمه الله - إذا قررنا أن لكل واحد الإلتقاط صغيراً كان أو كبيراً:
- يقول - رحمه الله -:
- (والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما).
أي: أن الولي يجب عليه أولاً: أن يأخذ اللقطة من السفيه والصبي.
ثم إذا أخذها يجب عليه أن يعرفها نيابة عنهما.
فإن لم يأخذ اللقطة وأتلفها الصبي فإن وليهما يضمن هذه اللقطة: لأنه فرط.
ووجه التفريط: أنه ترك واجباً من واجباته وهو أخذ اللقطة والتعريف بها. - ثم قال - رحمه الله -:
- ومن ترك حيواناً بفلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه: ملكه آخذه.
إذا ترك الإنسان الحيوان رغبةً عنه فإنه يملك من آخذه.
استدل الحنابلة على هذا بدليلين:
-
الأول: أن جابر - رضي الله عنه - أراد أن يسيب جمله وهو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
الثاني: أنه تركه رغبة عنه فخرج عن ملكه وكأنه أجاز لغيره أن يأخذه.
وهذا الحكم عند الحنابلة يختص بالحيوان.
أما العبد والحجر ونحوهما فإنه لا يلتقط ولو تركه رغبة عنه.
عللزا هذا: -
بأن العبد يستطيع أن يصل إلى سيده فهو يحسن التصرف.
-
وأما الحجر فإنه يبقى بلا ضرر إلى أن يرجع إليه سيده.
وهنا أيضاً نقول: أنه إذا عرفنا أن سيد العبد تركه لا يريه ولو رجع إليه وأنه ترك الحجر والقدر الكبير رغبةً عنه ولا يريده أصلاً فإنه يجوز للإنسان أن يأخذه.
وإنما يترك فيما إذا علمنا أن لسيده رغبة فيه. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ومن أخذ نعله ونحوه ووجد موضعه غيره: فلقطة.
إذا أخذ نعل الإنسان ونحوه كثيابه ووجد مكانها غيرها فحكمها عند الحنابلة أنها كاللقطة.
يعني: تعامل معاملة اللقطة.
فعليه ان يعرفها سنة ثم إذا عرفها سنة فإنه يأخذ منها حقه ويتصدق بالباقي.
هذا حكم هذه المسألة عند الحنابلة.
في الحقيقة فيها إشكال: ووجه الإشكال: كيف يحكم الحنابلة على مثل هذه الصورة بأنها لقطة ثم يقولون أنه بعد مرور الحول يأخذ منها حقه فقط ويتصدق بالباقي؟ وقد قرروا في السابق أن اللقطة حكمها بعد التعريف أنها تملك: كلها.
ولذلك كأن الحنابلة يرون أنها لقطة من وجه وليست لقطة من وجه.
وإلا ففي تقريرهم نوع تعاض واختلاف.
الدليل على هذا الحكم: - قالوا: أن في هذه الصورة لم يجر بين السارق الذي أخذ النعل وبين صاحب المتاع الذي أخذ متاعه معاوضة حتى نقول خذ متاع السارق مكان متاعك.
إذاً: لم تجر بينهما مبايعة ولا معاوضة. -
الدليل الثاني: أنه ربما أخذت من غير صاحب التي بقيت.
فإذا أخذت نعلك ولم يبق في المسجد إلا نعل واحدة احتمال أنة يكون صاحب هذه النعل هو الذي أخذ نعلك وهو الاحتمال الأكبر ولكن يبقى أنه يوجد احتمال أن تكون هذه النعل لشخص آخر غير الذي أخذ نعلك.
لهذين الدليلين قالوا: لا يجوز أن يتملكها مباشرة بل عليه أن يعرفها سنة ثم بعد ذلك يأخذ حقه منها.
= القول الثاني: أن لا نحتاج إلى الانتظار لمدة سنة بل مباشرة تؤخذ وتباع ويأخذ البائع حقه منها والباقي يتصدق به.
واستدلوا على هذا: - بأن ظاهر الحال ودلالة القرينة على أن هذا الباقي هو متاع الذي أخذ - أن الحذاء الباقي إنما هو للشخص الذي أخذ الحذاء الذي ذهب.
والشرع مبني على الأخذ بالظواهر.
هذا القول الثاني وهو أنه لا يشترط أن نبقى سنة اختاره الشيخ المرداوي واختاره أيضاً الحارثي وهو كما ترى وجيه.
كما عللوا ذلك: - بأن في هذا القول رفقاً بالناس.
لأنه إذا أخذت نعل الإنسان وقيل له انتظر لمدة سنة ففي الغالب سيعرض عن هذا النعل الموجود ويشتري مكانه آخر.
إذاً: هذا القول الثاني هو الصحيح فنقول: إذا وجدت نعلاً وغلب على ظنك أنه لمن أخذ نعلك فخذه وبعه وخذ نصيبك منه والباقي تتصدق به.
والغالب: سيبقى باقي؟ أو لن يبقى باقي؟ لن يبقى باقي.
لماذا؟ لأنه لو كانت نعل السارق خير من نعلك لماذا يتركها لك ويأخذ نعلك؟! فإذاً: المأخوذة غالباً ستكون خير من الموجودة.
فلماذا إذاً قال الحنابلة: ويتصدق بالباقي؟ احتياطاً لإكمال الحكم وإلا في الغالب لن يتبقى شيء.
/ ما الحكم إذا كان ثمن المبيع أقل من نعلك؟ إذا كان أكثر عرفنا الحكم.
وإذا كان أقل: .. (( .. ليس لك إلا هذا .. لأنه مسروق)) ..
وبهذا انتهينا من باب اللقطة وننتقل إلى
باب اللقيط
. باب اللقيط
- قال - رحمه الله -:
- باب اللقيط.
يعني: باب تبين فيه أحكام اللقيط. - وقوله هنا - رحمه الله -:
- وهو: طفل.
مراد الحنابلة بالطفل: أي قبل التمييز.
فإذا وجد الطفل بعد التمييز فليس لقيطاً ولا تنطبق عليه الأحكام التي ستذكر.
= والقول الثاني: أن اللقيط يستمر إلى البلوغ فيشمل المميز وغير المميز.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
وجه الترجيح: أن الطفل المميز وغير المميز إلى أن يبلغ مرحلة البلوغ بحاجة إلا حضانة ورعاية فيدخل في أحكام اللقيط. - يقول - رحمه الله -:
- لا يعرف نسبه ولا رقه.
يجب أن يكون هذا الطفل مجهول النسب ومجهول الرق.
فإن كان رقيقاً لشخصٍ معين أو معروف النسب فليس بلقيط ولا يجوز للإنسان أن يحتفظ به وعليه ان يرده إلى أهله.
إذاً: الشرط الحقيقة الواضح والكبير في اللقيط: أن لا يعرف نسبه ولا رقه.
بلا هذا الشرط لا يصبح من اللقطاء.
- يقول - رحمه الله -:
- نبذ أو ضل.
(نبذ) يعني: ألقي.
سواء على الطريق أو في مسجد أو في كنيسة أو في بيعة أو في أي مكان أو في السوق.
قوله (أو ضل) يعني: ضاع في الطريق ولم يستطع أن يهتدي إلى أهله.
والحنابلة ذكروا كلمة: (أو ضل) غالبهم ذكر أو ضل وإن كان بعضهم اقتصر على كلمة نبذ ولم يذكر أوضل.
وشيخنا - رحمه الله - في الممتع انتقد هذه الفظة وقال: الطفل إذا ضل فإنه لا يعتبر لقطة بل يجب أن نبحث عن أهله وليس لواجده أن يحبسه مباشرة ويعتبره لقيط ويطبق عليه أحكام اللقطة بل يجب إذا الطفل أن نبحث عن أهله.
ولم أجد هذا التقرير عند غير شيخنا - رحمه الله - وهو كما ترى وجيه جداً وقوي.
ولا ينبغي للإنسان إذا ضاع الطفل أن يستعجل في معاملته معاملة اللقيط وحبسه عنده بل يجب أن يبحث عن أهله ثم إذا بحث ولم يجد أهله ولا من يعرف نسبه ولا كونه رقيق أو حر فإنه حينئذ يعود إلى الحكم الأصلي وهو أنه لقيط.
((الأذان)).
هذا سؤال جيد في الحقيقة: يقول: إذا لم يبدأ بالتعريف إلا قبل نهاية الحول بزمن يسير - ترك التعريف فلما قارب الحول الانتهاء بدأ؟ الجواب: أنه يجب عليه أن يعرف كذلك ولو لم يبدأ به إلا متأخراً إلا أنه لا يملك اللقطة بهذا التعريف لأنه فرط ولم يعرف الحول الكامل فيجب عليه أن يعرف لكن لا يملك بهذا التعريف.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وأخذه فرض كفاية.
أخذ هذا اللقيط عند الحنابلة: فرض كفاية. - لقول تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ... ﴾ [المائدة/2].
- والدليل الثاني على وجوب أخذه وأنه فرض كفاية: أن في أخذه حفاظاً على نفسه وإنقاذاً له من الهلاك.
وإلى هذا ذهب الجماهير.
وهو أنه فرض كفاية.
= والقول الثاني: أن أخذه سنة إلا إن خاف إن تركه هلك حينئذ يصبح واجباً.
وهو مذهب الأحناف.
وبهذا القيد الذي ذكره الأحناف أصبح قولهم قريب جداً من قول الجماهير.
فليس بينهما فرقاً يذكر الهم إلا أنه لا يجب على الإنسان أن يأخذ الطفل مادام يظن أنه لن يهلك. - ثم قال - رحمه الله -:
- وهو حر.
أي: هذا القيط حر.
الأصل أنه حر ولا يجوز لملتقطه أن يتعامل معه كرقيق أو أن يسترقه.
وهذا الحكم بالإجماع.
ودليل هذا الإجماع:
- أن الأصل في الإنسان الحرية ولا يمكن أن ننتقل عن هذا الأصل إلا بناقل شرعي ولا يوجد ناقل في حق اللقيط.
وقلت لكم أن هذا الحكم محل إجماع وهو محل إجماع إلا أنه خالف فقط النخعي فقال: لسيده أو لملتقطه أن يسترقه ولكن هذا القول حكم عليه الشيخ ابن قدامة بأن فيه شذوذ ومخالفة للصحابة وللعلماء.
وهو كما قال.
وهو قول يستغرب على النخعي.
لكن على كل حال الراجح إن شاء الله مذهب الجماهير. - يقول - رحمه الله -:
- وما وجد معه أو تحته، ظاهراً أو مدفوناً طرياً، أو متصلاً به كحيوان وغيره أو قريباً منه: فله.
(ما وجد معه) يعني: في جيبه.
(أو تحته) سواء كان تحته مباشرة أو تحت الغطاء الذي تحته.
أو تحت الفراش الذي تحت الغطاء.
في هذه الصور كلها يعتبر تحته.
فهذا المال له.
ـ النوع الثاني من الأموال: (أن يجده مدفوناً طرياً) إذا وجده مدفوناً طرياً فهو أيضاً له) فإن وجده مدفوناً منذ زمن بعيد فليس له ولا يستحق أن يتعامل معه كمال للقيط.
يقول - رحمه الله -: (أو متصلاً به كحيوان وغيره) إذا وجد شيئاً متصلاً باللقيط سواء كان حيوان أو غير حيوان وسواء كان الاتصال عن طريق الربط أو عن طريق اللصق أو عن أي طريق من الطرق التي تؤدي إلى الارتباط فإن هذا المال يعتبر للقيط.
إذاً: أخذنا ثلاثة أنواع من أنواع الأموال التي يحكم بها أنها للقيط.
الدليل في جميع هذه الأموال: - أن الظاهر من الحال أن هذا المال ملك للقيط.
ونحن متعبدون بالظاهر.
وعلم من كلام المؤلف - رحمه الله - هنا: (أو قريباً منه) أن المال إذا كان بعيداً عنه فإنه لا يكون من أملاكه.
وهذا صحيح: ما دام المال بعيداً عنه فإنه لا يحكم أنه ملك لهذا اللقيط إلا في صورة واحدة وهي ما إذا دلت القرينة أن هذا المال وإن كان بعيداً فهو خاص بالطفل كان يوجد طعام خاص بالأطفال أو أداة تستعمل للأطفال فهذه وإن كانت بعيدة فإن الظاهر من الحال أنها ملك لهذا الطفل.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...