شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 392-431
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 392-431
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

والجواب على هذا الحديث: أنه حديث ضعيف، بل قال الإمام أحمد - رحمه الله - هو حديث منكر. فهذا الحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فتبين معنا أن الراجح صحة هذا الشرط وأنه يعمل به ويلزم من اشترط عليه أن يؤدي ويفي بالشرط.

قال - رحمه الله -:

  • ونحو أن يشترط البائع: سكنى الدار شهراً.
    هذا هو المثال الأول للقسم الثالث من الشروط الصحيحة وهو:
  • أن يشتري الدار ويشترط على المشتري سكنى الدار لمدة سنة.
    فيقول: أبيع عليك الدار بشرط أن أسكنها لمدة سنة أو لمدة شهر أو لأي مدة يتفقون عليها، فهذا الشرط صحيح.
    ويدل على صحة هذا الشرط:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
    وفهمنا من كلام المؤلف - رحمه الله - أن اشتراط المنفعة لابد أن يكون معلوماً محدداً وإلا فإن الشرط يبطل.
    واستدلوا على هذا:
  • بنفس الحديث الدال على صحة الشرط وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وهذه من الثنيا فقد استثنى البائع شيئاً من المبيع وهو المنفعة.
    = والقول الثاني: أنه يجوز استثاء شيء من المبيع ولو إلى مدة غير معلومة ولو إلى الممات.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن أم سلمة - رضي الله عنها - أعتقت الصحابي الجليل سفينة واشترطت عليه خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يموت.
    فاستثنت - رضي الله عنها - منفعة غير محددة بل تستمر إلى الموت.
    والراجح أنه لابد من معرفة المستثنى وأن يكون معلوماً محدداً.
    وأما الحديث: فإن ثبتت صحته فإنه يجاب عنه بأن العقد الذي أجرته أم سلمة عقد عتق وهو ليس من عقود المعاوضات، ويتسامح في هذا العقد ما لا يتسامح في عقود المعاوضات.
    هذا إذا صح.
    فالراجح أنه إذا أراد أن يشترط شرطاً في ذات السلعة أو في منفعتها فلابد أن يكون معلوماً محدداً خروجاً من النزاع الذي سيقع قطعاً إذا لم تحدد فترة الانتفاع.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • أوحملان البعير إلى موضع معين.

هذا الشرط جاء منصوصاً عليه في حديث جابر - رضي الله عنه - كما تقدم فالسنة الصحيحة نصت على هذا الشرط فهو شرط صحيح ويلزم من اشترط عليه الإيفاء به لما تقدم معنا من حديث جابر - رضي الله عنه - فلا إشكال فيه إن شاء الله.

ثم قال - رحمه الله -:

  • أو يشرط المشتري على البائع: حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله.
    ذكرنا أن القسم الثالث هو: اشتراط منفعة في المبيع أو اشتراط نفع من البائع في المبيع فهذا القسم أو هذا التمثيل للقسم الثاني: وهو اشتراط منفعة البائع في المبيع كأن أقول: أشتري منك هذا الحطب بشرط أن تحمل الحطب إلى الدار فهذا الشرط يتعلق بمنفعة البائع لكن في المبيع - يعني منفعة تتعلق بالمبيع.
    فهذا الشرط صحيح وجائز:
  • لأن محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - اشترى من ذمي حطباً واشترط عليه أن يحمله إلى منزله.
  • كما أن النصوص الدالة على صحة هذا النوع الثالث من الشروط الصحيحة دالة على صحة هذا النوع الخاص من الشرط.
  • كما أن في هذا الشرط منفعة مباحة لا بأس باشتراطها.
    • مسألة/ فإذا اشترط هذا الشرط: صار هذا العقد يتضمن بيعاً وإيجارة، فالبيع للحطب والإيجارة لنقله.
      وتقدم معنا أن الجمع بين عقدين بثمن واحد صحيح ولا حرج فيه ولو اختلفت أحكام كل عقد وهذا النوع من هذه العقود فإذاً لا بأس أن يشترط نفع البائع في المبيع.
    • مسألة/فإن اشترط نفع البائع في غير المبيع: كأن يقول: اشتريت منك هذا الحطب على أن تبني لي هذا الجدار.
      فالآن النفع ليس في المبيع وإنما في عين أخرى وهذا العقد أيضاً صحيح لأن النصوص تدل على صحته ولا يشتمل أي نوع من الغرر أو الظلم فهو متوافق مع مقاصد الشريعة ويدخل ضمن الحديث العام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترط الثنيا إلا أن تعلم فهو عقد صحيح إن شاء الله ولا فرق بين أن يشترط الإنسان منفعة من البائع في المبيع أو منفعة من البائع في غير المبيع، وأي فرق بين الصورتين فالشرط في الصورتين صحيح إن شاء الله ويلزم من اشترطه بالأداء والوفاء بما اشترط على نفسه أو بما التزم على نفسه.

ثم قال - رحمه الله -:

  • وإن جمع بين شرطين: بطل البيع.

إذا جمع الإنسان بين شرطين فغن البيع عند الحنابلة: باطل.
وهذا الحكم يتعلق فقط بالقسم الثالث الأخير.
أما إذا شرط شرطين في القسم الأول والثاني فلا حرج عليه.
إنما هذا القيد يعود إلى اشتراط منفعة في المبيع أو اشتراط نفع البائع في المبيع.
فالقسم الأول: لو قال: اشتريت منك هذه السيارة بشرط أن تقبضني إياها وأن أتصرف فيها كيفما أشاء، كم اشترط من شرط؟ شرطين: وهذا يدخل تحت القسم الأول.
وإذا قال: اشتريت منك هذه السيارة بشرط أن يكون لونها أبيض وأن تكون جديدة فالآن اشترط شرطين وهذا يدخل تحت القسم الثاني.
وإذا قال: اشتريت منك هذا الحطب بشرط أن تحمله وأن تكسره، فاشترط شرطين وهذا في القسم الثالث وهذا لا يجوز عند الحنابلة، والعقد باطل والشرط باطل.
واستدلوا على هذا:

  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في بيع وعن بيع ما لا يملك.
    قال الإمام أحمد - رحمه الله -: فهذا نص في النهي عن الشرطين.
    = القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - اختارها شيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين.
    أن اشتراط شرطين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل: صحيح.
  • لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم)، فقوله (على شروطهم) عام وهو جمع يشمل الشرط والشرطين والثلاثة والأكثر والأقل.
  • واستدلوا بالقياس على صحة أكثر من شرط في القسم الأول والثاني من الشروط الصحيحة.
    بقينا في الجواب عن الحديث: فإن الحديث نص: نهى عن شرطين في بيع.
    فالجواب عليه: أن أهل العلم اختلفوا في معنى هذا الحديث: أي في معنى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شرطين، اختلفوا إلى خمسة أقوال: = القول الراجح منها: أن معنى النهي عن الشرطين أن يقول: بعت عليك هذا الشيء نقداً بكذا واشتريته منك نسيئة بأكثر منه.
    وهي صورة العينة، فحملوا الحديث: النهي عن شرطين.
    على صورة العينة.

واستدلوا على هذا:

  • بأنه يعهد في الشرع وفي اللغة تسمية الشيء ببعضه.
    فالنهي عن الشرط هنا يقصد بالشرط العقد، فالشرط هنا هو المشروط، كما أن نطلق الضرب على المضروب.
  • والدليل الثاني على حمل هذا الحديث على هذا المعنى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا.
    وإذا أردت أن تطبق هذا الحديث على صور المعاملات فإنه لا ينطبق إلا على العينة، فإذا باع الإنسان بيعتين النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن له أوكسهما أو الربا.
    أوكسهما: يعني: أقلهما.
    والمقصود بأقلهما هنا: رأس المال.
    فإذا باع سيارة بنقد بعشرة آلاف واشتراها نسيئة بعشرين ألف فأيهما الأوكس والأقل؟ النقد وهو العشرة آلاف.
    وهو رأس المال.
    وإذا أردت أن تطبق هذا الحديث على صور المعاملات المنهي عنها فستجد أنها تنطبق تماماً على العينة فهي التي فيها ثمنين أحدهما أكثر من الآخر وهي التي إذا لم يأخذ الأقل وقع في هذه الصورة في الربا.
    وقع في المعاملة هذه في الربا.
    إذاً: لحمل هذا الحديث على خلاف ظاهره نحتاج إلى أشياء قوية تخرجنا عن ظاهر نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شرطين.
    والإمام أحمد - رحمه الله - يقول: هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شرطين.
    نص صريح وواضح وصحيح ولذلك نحتاج للخروج عن هذا الظاهر هذه الأدلة التي انتصر لها ابن القيم - رحمه الله - بالذات وشيخ الإسلام - رحمه الله - أيضاً لكن ابن القيم - رحمه الله - هو الذي أطال فيها وبين أن معنى النهي عن شرطين الذي لا ينطبق إلا عليه هو العينة بدلالة هذين الأمرين.
    أن الشرط يطلق على العقد وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: فله أوكسهما أو الربا وهذه الصورة لا تنطبق إلا على صورة العينة.
    والراجح والله أعلم: القول الثاني وهو: أنه يجوز أن يبيع الإنسان بشرط وبشرطين وبثلاثة.
    في القسم الأول والثاني والثالث.
    أولاً: لأن هذا الحديث وإن كان حديثاً صحيحاً إلا أنه يتعين حمله على هذا المعنى جمعاً بين النصوص والآثار.
    ولأنه لا يعلم علة واضحة معقولة للنهي عن شرطين وإجازة شرط لا سيما أنا نجيز الشرطين في القسم الثاني بالإجماع ولا فرق بين القسم الثاني والقسم الثالث.

ولذلك نحن نقول إن شاء الله الرواية الثانية عن الإمام أحمد - رحمه الله - هي الصواب إن شاء الله وأنه يجوز للإنسان أن يشترط شرطاً أو شرطين أو ثلاثة وأكثر وأقل للنصوص التي ذكرت.

ثم قال - رحمه الله -:

  • ومنها فاسد: يبطل العقد، كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر: كسلف وقرض وبيع وإجارة وصرف.
    القسم الثاني من الشروط: الشروط الفاسدة.
    والشروط الفاسدة: يحرم على الإنسان أن يشترطها، فإن اشترط شرطاً فاسداً فهو آثم.
    لأنها مخالفة للشرع، ولا يجوز للإنسان أنة يقتحم العقود المحرمة.
    وهذا القسم الثاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
  • القسم الأول: من الشروط الفاسدة: أن يشترط عقداً في عقد آخر، اشتراط عقد في عقد، ولا تخلط بين هذه الصورة وبين جمع عقدين بثمن واحد، فتلك ليس فيها شروط أما هذه الصورة فهو يشترط عقد في عقد آخر.
    فإذا اشترط عقداً في عقد آخر فهو باطل.
    مثاله:
  • يقول المؤلف - رحمه الله -: (كسلف وقرض).
    السلف: المقصود به هنا: السلم.
    صورة المسألة: أن يقول: أسلمك بشرط أن تقرضني.
    فهو اشترط عقداً آخر وهو عقد القرض.
    فهذا صورة السلف والقرض.
  • قال - رحمه الله -: (وبيع).
    أيضاً: صورة البيع ظاهرة: كأن يقول: أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن تقرضني ألف ريال.
    فهو أضاف إلى عقد البيع شرطاً آخر وهو: عقد القرض.
  • ثم قال - رحمه الله -: (وإجارة).
    نفس الشيء.
    كأن يقول: أقرضك هذا المبلغ بشرط أن تؤجرني بيتك سواء كان بأجرة المثل أو بأكثر أو بأقل، فمجرد اشتراط أن لا يقرضه إلا إذا أجره فهذا اشتراط عقد في عقد وهو من الشروط الفاسدة كما سمعت.

قال - رحمه الله -: (وصرف) والصرف كذلك نفس الصورة.
كأن يقول: لا أوأجرك بيتي بشرط أن تصارفني هذه الدراهم بالدنانير.
أو هذه الريالات بالدولارات.
فيشترط عبيه بعقد الإجارة عقد الصرف.
إذاً: هذه هي الصور التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - لاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر.
حكم هذه المسألة: حكمها: أنها لا تجوز.
وأن العقد والشرط باطل:

  • لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين في بيعة، وهذا أجرى بيعتين في بيعة، وذلك بسبب اشتراطه عقداً آخر في العقد الأول.
  • واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -:نهى عن بيع وسلف.
    مما يدل على تحريم اشتراط عقد في عقد آخر.
    = القول الثاني: في هذه المسألة: أنه يجوز اشتراط عقد في عقد آخر وهو رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - واختارها شيخ الإسلام وابن القيم.
  • لأنه ليس في النصوص الشرعية ولا في القواعد والمقاصد الشرعية ما يدل على تحريم اشتراط عقد في عقد آخر.
  • والأصل في المعاملات الحل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (المسلمون على شروطهم).
    ويستثنى على القول الثاني: بيع وسلف.
    ويستثنى اشتراط عقد القرض في أي عقد آخر.
    فلا يجوز للإنسان أن يشترط عقد القرض في أي عقد آخر أما باقي العقود فلا بأس بها، فلو قال: أبيعك بشرط أن تؤجرني، أصارفك بشرط أن تبيعني، أسلم إليك بشرط أن تؤجرني فلا حرج في هذه العقود، لكن لو قال: أؤجرك بشرط أن تقرضني فإنه لا يجوز.
    أما دليل الجواز: فذكرناه.
    وأما دليل المنع: في صورة القرض إذا دخل على عقد آخر: - فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل قرض جر نفعاً.
    وإذا اشترط عقداً آخر في القرض فقد جر قرضه له نفعاً زائداً وهو العقد الآخر.
    ولذلك نحن نقول أن العقد الآخر سواء تم بمثل القيمة السوقية أو بأكثر أو بأقل لا يجوز لأن النفع الذي جره هوم نفس العقد الآخر.
    سواء كان بأقل أو بكثر وحتى لو كان بأقل من سعر السوق فما دام مشترطاً لإجراء القرض فهو ممنوع ومحرم.

الجواب: أنا لا نحتاج إلى جواب لأنا نقول بمفهوم هذا الحديث ونستثني صورة القرض، وإنما يجيب الإنسان عن حديث لم يعمل به لعارض أقوى منه أو لفهم آخر للحديث.
إذاً: القول الراجح إن شاء الله لعقد بيعتين في بيعة أنه جائز ولا حرج فيه وكثير من الناس اليوم يحتاج إلى هذا العقد حاجة ماسة ومن أبرز صور الحاجة: الذين يبيعون بيوتهم التي يسكنون فيها غالباً ما يشترطون على المشتري أن يؤجرهم بيتاً آخر.
أما إن اشترطوا منفعة السكنى فهذا لا بأس به، لكن غالباً ما يشترطون: يقول: أبيع عليك البيت بشرط أن تؤجرني بيتك الآخر.
فهذا العقد صحيح وفيه منفعة للبائع وفيه منفعة للمشتري وفيه منفعة للمجتمع ولا يوجد فيه أي محظور شرعي ولا يتعارض مع أي من مقاصد الشرع.
فإن شاء الله أن هذا القول هو الصواب وحاجة الناس تمس إليه.

ثم بدأ بالثاني:

  • فقال - رحمه الله -:
  • وإن شرط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلاّ رده، أو لايبيع ولا يهبه ولا يعتقه، أو إن أعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك: بطل الشرط وحده.
    النوع الثاني من الشروط الفاسدة: أن يشترط ما ينافي العقد لكن يصح معه العقد وإنما يبطل الشرط، بخلاف القسم الأول فإن العقد والشرط كلاهما باطل.
    صور هذه المسألة:
  • ـ يقول - رحمه الله -: (وإن شرط أن لا خسارة عليه).
    الخسارة في اللغة العربية: هي النقص.
    فإذا قال: أنا أشتري منك هذه السلعة بشرط أن لا خسارة علي فإن بعتها بخسارة فالعقد الأول باطل وتكون الخسارة على البائع الأول.
    فهذا الشرط باطل عند الحنابلة.
    لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، لأن العقد يقتضي أن يكون الضمان على المشتري إذا انتقلت إليه السلعة فهذا العقد في الحقيقة ينافي مقتضى العقد.
    وسياتينا الخلاف فيها.
  • ـ قال - رحمه الله -: (أو متى نفق المبيع وإلاّ رده).
    نفق: يعني: بيع.
    وهو ضد الكساد.
    فيقول: أنا أشتري منك هذه السلعة بشرط أن تباع وتمشي في السوق وإلا فإني أردها.
    فالأول: اشترط عدم الخسارة.
    والثاني: اشترط أن تباع السلعة ولو بدون ربح.
    فهذا ينافي مقتضى العقد للتعليل السابق.
  • ـ قال - رحمه الله -: (أو لايبيع ولا يهبه ولا يعتقه).
    اشترط عليه: أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق.

يقول: أنا أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن لا تبيع هذه السيارة ولا تهب هذه السيارة وإنما تبقى معك. وأنا أبيع عليك هذا العبد بشرط أن لاتهبه ولا تبيعه ولا تعتقه. فيشترط عليه هذا الشرط. فعلى المذهب: العقد صحيح والشرط فاسد. فنقول للمشتري: لك أن تبيع ولك أن تهب ولك أن تعتق وأن تصنع ما تشاء لأن العقد صحيح والشرط فاسد.

ـ قال - رحمه الله -: (أو إن أعتق فالولاء له).
يقول: أنا أبيع عليك هذا العبد بشرط إذا أعتقته فولاء هذا العبد لي.
فهذا الشرط أيضاً: باطل.
والعقد صحيح.

  • ـ قال - رحمه الله -: (أو أن يفعل ذلك).
    يعني: أن يبيع وأن يهب وأن يعتق.
    فالمنفي يصبح مثبتاً في العبارة.
    فيقول: انا أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن تبيع هذه السيارة.
    أنا أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن تهب هذه السيارة.
    إذاً: يشترط عليه عكس المنفي في الأمثلة السابقة.
    فكذلك هذا الشرط باطل والعقد صحيح.
  • قال - رحمه الله -:
  • بطل الشرط وحده.
    هذا هو الحكم.
    هذا حكم النوع الثاني من الشروط الفاسدة: أن الذي يبطل هو الشرط وحده وأما العقد فهو صحيح.
    واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
  • بان بريرة - رضي الله عنها - جاءت إلى عائشة وقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق فأعينيني.
    قال - رضي الله عنها: إن شئت نقدن لك الثمن دفعة واحدة ويكون الولاء لي.
    فذهبت إلى أهلها فأبو أن يكون الولاء لعائشة.
    فرجعت فلما رجعت - رضي الله عنها - ودخلت على عائشة فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند عائشة - رضي الله عنها - فأخبرت بالأمر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (خذيها - يعني اشتريها - واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن اعتق) ثم قام - صلى الله عليه وسلم - خطيباً في الناس فقال: (ما بال رجال يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق).
    فالحديث صحيح ونص في إبطال الشرط وصحة العقد.
    وهذا الحديث في الصحيحين لا إشكال في ثبوته.
    والإمام أحمد - رحمه الله - تمسك بهذا الحديث وقال: هذا النوع من الشروط هو الباطل والنبي - صلى الله عليه وسلم - صحح العقد وانتقلت بريرة إلى عائشة وصار الولاء لها.

فعلى كل حال: كل شرط لا يخالف نصاً وفيه نفع لمشترطه فهو صحيح.
إذا قال أحدهم: بعت عليك هذه السيارة بشرط أن لا تبيعها.
فقلنا له: لماذا اشترطت هذا الشرط؟ قال: ليس لي أي غرض.
لكن هكذا أريد.
أريد أنه لا يبيعها.
فهل هذا الشرط صحيح أو باطل؟ باطل.
لماذا؟ لأنه ليس له غرض صحيح.
فلابد أن نراعي هذه القضية.
فإذا كان لمجرد التحكم وليس لغرض صحيح فإنه فعلاً يناقض مقتضى العقد، لكن إذا كان لغرض صحيح فلا بأس به.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • إلاّ إذا شرط العتق.
    إذا شرط العتق فالشرط صحيح حتى عند الحنابلة.
    كأن يقول: بعت عليك هذا العبد بشرط أن تعتقه.
    فالشرط صحيح ويلزم المشتري أن يعتق العبد الذي اشترى.
    الدليل على هذا:
  • أن أهل بريرة اشترطوا على عائشة شرطين: - الأول: أن تعتق بريرة.
    والثاني: أن الولاء لهم.
    فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتراط الولاء وصحح اشتراط الإعتاق.
    فدل هذا على أن هذا الشرط بالذات صحيح.
  • الدليل الثاني: أن الشارع متشوف للعتق ويرغب فيه ويتطلبه بشتى الوسائل من ذلك: إذا اشترط البائع على المشتري أن يعتق من اشتراه.
    إذاً دل على صحة اشتراط العتق دليلان.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ((وَبِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلاَثٍ وَإِلاَّ فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا)) صح.
    صح: يعني صح البيع والتعليق.
    فإذا قال له: بعتك هذه السيارة على أن تأتيني بالثمن قبل مضي ثلاثة أيام وإلا فإنه لا بيع بيننا.
    يعننيك وإلا فإنني أفسخ البيع.
    فهذا العقد والتعليق صحيح.
    يدل عليه دليلان:
  • الأول: أنه روي عن عمر - رضي الله عنه - تصحيح هذا الشرط.
  • والثاني: القياس على خيار الشرط كما سيأتينا تفصيله.
  • الثالث: عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم).
    فهذه الأدلة تدل على صحة هذه الصورة وهو صحيح.

ثم قال - رحمه الله -:

  • ((وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ رَضِي زَيْدٌ))، أو يقول للمرتهن: ((إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإِلاَّ فَالرَّهْن لَكَ)) لا يصح البيع.

  • ـ قوله - رحمه الله -: (وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ رَضِي زَيْدٌ).

هذا هو النوع الثالث من الشروط الفاسدة: وهو: أن يعلق البيع على شيء آخر.
فإذا علق البيع على شيء آخر: فالشرط فاسد.
استدل الحنابلة - رحمهم الله - على فساد هذا النوع من الشروط:

  • بأن مقتضى البيع نقل الملك - يعني: في المبيع - والتعليق يمنع ذلك.
    فإذاً: صار هذا النوع من الشروط أيضاً أبطلوه لأنه يناقض مقتضى العقد، فغالباً ما تجد الحنابلة يدورون في الشروط الفاسدة حول هذا المعنى.
    وهو أن الشرط يناقض مقتضى العقد.
    = القول الثاني: أن هذا النوع من الشروط صحيح وأنه يدخل تحت العمومات ولا يتضمن أي محذور من محذورات عقود المعاوضات، لا ظلم ولا غرر ولا ربا.
    فهو صحيح.
    فإذا قال: بعت عليك هذا الشيء إن جاء زيد: صح.
    فإن جاء زيد فتم البيع وإلا فلا.
    وإن قال: بعت عليك هذه السيارة إن نجحت: فكذلك.
    وإن قال: بعت عليك هذا البيت إن تزوجت: فكذلك.
    وهذه الشروط صحيحة ولا تخالف شيئاً من قواعد الشرع.
    والقول الثاني: هو الصحيح.
    وأن هذا الشرط صحيح والعقد صحيح خلافاً للمذهب.
  • ـ قوله - رحمه الله -:أو يقول للمرتهن: ((إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإِلاَّ فَالرَّهْن لَكَ)) لا يصح البيع.
    هذه الصورة من جهة مستقلة ومن جهة داخلة تحت القسم الثالث، لأن فيها تعليقاً فهي من هذه الجهة داخلة تحت القسم الثالث من الشروط الفاسدة وهي مسألة مستقلة لأن فيها نصاً خاصاً.
    إذا قال الراهن للمرتهن: - الرهن هو: المدين.
    والمرتهن هو: الدائن.
    - إذا قال له: إن جئتك بالثمن قبل كذا وكذا وإلا فالرهن لك.
    فالبيع والشرط كلاهما باطل عند الحنابلة.
    استدلوا على هذا:
  • بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغلق الرهن من راهنه).
    والإمام أحمد - رحمه الله - فسر هذا الحديث تماماً بهذه الصورة.
    فقال - رحمه الله -:معنى هذا الحديث أن يقول: إن جئتك بالثمن إلى كذا وإلا فالرهن لك.
    ففسره - رحمه الله - تماماً بهذا.
    = والقول الثاني: أن هذه الصورة جائزة وأنه لا حرج فيها.
    والجواب على الحديث من وجهين:
  • الوجه الأول: أنه ضعيف.
  • والوجه الثاني: أن معناه: أخذ الرهن بمقتضى العقد بدون شرط.
    (أخذ الرهن: يعني من قبل المرتهن.
    بنقتضى العقد بدون شرط).
    هذا هو المنهي عنه.
    ((الأذان)).

إذاً مسألة: (إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك لا يصح البيع).
تبين معنا الآن أن القول الثاني: صحة البيع.
وصحة العقد وهو رواية عن أحمد واختارها كما قلت لكم شيخ الإسلام وابن القيم.
وأجابوا عن الحديث: بأحد جوابين: - إما أن نقدح في صحته ونقول لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. - أو أن نحمله على أخذ المرتهن للرهن بمجرد العقد - يعني: إذا تأخر عن السداد.
والراجح إن شاء الله: صحة هذا الشرط لأنه لا ينافي شيئاً من مقاصد الشريعة ولعموم: (المسلمون على شروطهم).

شرح كتاب البيع الدرس رقم (8) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

  • قال المؤلف - رحمه الله -:
  • وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب مجهول: لم يبرأ.
    لا يصح عند الحنابلة: أن يشترط البراءة من كل عيب مجهول.
    والبراءة من كل عيب تنقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: أن يبرأ إليه من كل عيب معلوم سماه، وأوقف المشتري عليه.
    كأن يقول في هذه السلعة: العيب الفلاني، فهذه البراءة صحيحة وليس للمشتري بعد ذلك أنه يرد السلعة بالعيب.
    وهذه الصورة غير داخلة في كلام المؤلف - رحمه الله -. ـ القسم الثاني: البراءة من العيب المجهول.
    أي الذي لم يسمه ولم يبينه البائع أثناء العقد.
    فهذه البراءة عند الحنابلة لا تصح.
    وهو شرط ساقط وللمشتري أن يطالب بخيار العيب.
    واستدل الحنابلة على هذا القول:
  • بأن خيار العيب لا يثبت إلا بعد العقد فليس أن يسقطه قبل ذلك.
    = والقول الثاني: في مسألة البراءة من كل عيب مجهول: وهو رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله -. أن البراءة من كل عيب:
  • إن كان العيب غير معلوم للبائع صحت البراءة منه.
  • وإن كان معلوماً للبائع لم تصح البراءة منه ولو شرطه.
    واستدل الإمام أحمد - رحمه الله - على هذا الحكم:
  • بأن هذا هو فقه الصحابة والذي أفتوا به.
    واستدل على هذا:
  • بأن (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - باع غلاماً على زيد بن ثابت بثمانمائة درهم واشترط عليه البراءة من كل عيب ثم قال زيد: بعد ذلك في الغلام عيب لم تسمه واختصما فارتفعا إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فنظر في المسألة ثم قضى بأن يحلف بن عمر أن ليس في العبد عيب يعلمه فأبى ابن عمر أن يحلف وارتجع الغلام ثم صح الغلام فباعه ابن عمر بألف وخمسمائة درهم - بضعف الثمن تقريباً - وإنما رفض ابن عمر - رضي الله عنه - أن يحلف لأنه لم يرد أن يجعل الأيمان داخلة في بيعه وشرائه تورعاً، ولذلك والله أعلم يسر الله أمره بأن باع العبد بضعف الثمن.
    فهذا الأثر دال على أن البائع إذا برئ من كل عيب وهو لا يعلم الآن عيوب السلعة فالبراءة صحيحة وإن برئ من كل عيب وهو يعلم هذه العيوب فإن البراءة باطلة وللمشتري أن يطالب بخيار العيب بعد ذلك ولو كان مشترطاً.
    وهذا القول اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وهو قول صحيح تدل عليه الآثار وتدل عليه المقاصد العامة التي تدل على اعتبار الشروط التي لا تخالف مقتضى الشرع وهذا الشرط منها.
  • ثم قال - رحمه الله:
  • وإن باعه داراً على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر ... صح إذا باعه داراً أو أرضاً على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر يعني: بانت خمسة عشر ذراعاً مثلاً: صح البيع.
  • لأن هذا النقص نقص على المشتري، فإذا أسقطه فله الحق كما إذا أسقط خيار العيب.
    ووجه أن هذه الزيادة نقص على المشتري أن هذه الزيادة ستدخل عليه بملكه شريكاً، ودخول الشريك في الملك نقص في المعنى.
    إذاً زيادة الأذرع نقص على المشتري مع أنها زيادة لكن هي نقص في المعنى لأنه سيدخل عليه شريكاً في الملك، لأن هذا الزائد سيبقى في ملك البائع لأنه إنما باع له عشرة أمتار أو عشرة أذرع فقط وإذا بقيت الزيادة في ملك البائع صار شريكاً في الأرض أو في البيت للمشتري وهذا هو وجه النقص.
  • ثم قال - رحمه الله:
  • أو أقل: صح.
    إذا بانت أقل: فأيضاً يصح.
    إذا بانت أقل فهو صحيح بأن تبين أن الدار تسعة أذرع وهو نقص على البائع فإذا رضي به صح كما إذا وجد عيب في الثمن.

ووجه النقص على البائع في هذه الصورة: أن الثمن سيقسط على السلعة وبذا ينقص الثمن الذي استلمه البائع، وبهذا ينقص الثمن الذي اشتراه البائع.
فإذاً إذا تبين النقص فالبيع صحيح لكن لكل من المشتري والبائع في هذه الصورة الخيار كما سيأتينا لكن الكلام الآن عن صحة العقد.
وصحة العقد ثابتة والسبب في صحة العقد هو أنه نقص إما على البائع أو على المشتري وهذا النقص الذي على البائع أو على المشتري إذا رضي به من عليه النقص: جاز، كما إذا أسقط خيار العيب.

  • ثم قال - رحمه الله:
  • ولمن جهله وفات غرضه: الخيار.
    إذاً مع صحة العقد إلا أنه يثبت للبائع والمشتري الخيار لكن بشرطين: 1 - أن يجهل الزيادة أو النقص.
    2 - وأن يفوت بذلكم غرضه.
    فإن لم ينطبق الشرطان بأن كان البائع يعلم بأن الأرض زائدة فإنه لا خيار له بل الخيار فقط للمشتري وكذلك لو كان يعلم أنها ناقصة فلا خيار له بل الخيار للمشتري.
    وأيضاً في المقابل إذا كان المشتري يعلم أن هذه الأرض التي بيعت عليه على أنها عشرة أذرع هي في الحقيقة أكثر من هذا المقدار أو أقل فليس له الخيار والخيار للبائع فقط.
    إذاً يثبت الخيار لمن جهل وأيضاً لمن فات غرضه أما إذا لم يفت الغرض فلا خيار له.
    • مسألة/ (يتبين فيها فوات الغرض وعدمه) إذا رضي البائع ببذل الزيادة بنفس القيمة فلا خيار للمشتري: لأنه لا ضرر عليه ولأن مقصوده لا يفوت، إلا إذا ترتب على الزيادة فوات غرض المشتري.
      وهذا قد يتصور وممكن أن الإنسان يتكلف له أمثلة لكنه قليل جداً، قليل جداً أن يفوت غرض المشتري بزيادة الأمتار، فهذا يعني: يتلمس له الإنسان أمثلة وهي قليلة جداً والاشتغال به في الحقيقة ليس له فائدة كبيرة ولذلك الفقهاء لما ذكروا هذه المسألة لم يقولوا إلا إن فات غرض المشتري لأنه صورة نادرة جداً.
      لكن إذا تصور أن المشتري يفوت غرضه بزيادة الأمتار لأي سبب من الأسباب لأي سبب كان من الأسباب فإنه لا حرج عليه أن يرد البيع وإلا فالأصل أن البائع إذا بذل الزيادة بنفس الثمن أنه لا خيار عليه.
  • الصورة الأخرى: إذا رضي المشتري بشراء الأرض الناقصة بنفس الثمن فلا خيار للبائع لأنه لا ضرر عليه مطلقاً.

ونفس الشيء إذا فات غرض البائع فإنه له الخيار.
وفوات غرض البائع في هذه الصورة أقل وأبعد وأكثر تكلفاً من فوات غرض المشتري فيما إذا زادت الأمتار فإنه لا يكاد الإنسان يتصور مثالاً مستقيماً ليس فيه تكلف لمسألة إذا باع الإنسان أرضاً على أنها عشرة فبانت تسعة ورضي البائع ببذل كامل الثمن فأي ضرر يدخل على البائع ومتى نتصور أنه فات غرضه.
أما في الصورة الأولى ربما - يعني: أقرب من هذه الصور - ربما يكون للمشتري غرض بأرض محددة بدون زيادة ولا نقص - ربما - لكن العكس هذا قليل جداً.
إذاً: إذا بذل المشتري الثمن على الناقص أو رضي البائع بالثمن على الزائد فلا خيار حينئذ لأنه لا ضرر على كل من البائع والمشتري في كل صورة تخصهما.
وبهذا تم الباب.
وقبل أن ننتقل إلى باب الخيار نذكر بصورة مختصرة مسألة التورق لأنا نسينا أن نتطرق إليها عند الكلام على العينة ونقول: التورق.
التورق: تعريفه: أن يشتري السلعة بثمن مؤجل ليبيعها بثمن حال أقل منه.
فإن كان اشترى السلعة بثمن مؤجل ليبيع بثمن مماثل أو بأكثر فليست من التورق.
وهذه في السابق قد لا تتصور ولكن الآن قد تتصور.
فقد يشتري الإنسان السلعة بثمن مؤجل ليبيع بثمن حال أو مساوي لا سيما في السلع التي لا تختلف القيم فيها بالتأجيل والحلول كالأسهم مثلاً.
فالأسهم مثلاً - ربما يشتري الإنسان السهم بثمن مؤجل ولو كان أكثر من الحال ثم قبل أن يبيع يرتفع السوق ويبيع بمثل أو بأكثر مما اشترى به مؤجلاً.
هذا مثال.
على كل حال نحن نقول: التورق إنما يكون إذا باع بثمن حال أقل مما اشترى به مؤجلاً.
هذه هي صورة التورق.
حكمها: = ذهب الجماهير: جماهير أهل العلم من السلف والخلف إلى صحة هذه المعاملة، بشرط أن يبيع على غير من اشترى منه.
يعني: يشتري السلعة مؤجلة ثم يبيع حال بأقل على غير من اشترى منه.
واستدل الجماهير على هذا:

  • بأن الأصل في المعاملات الحل.
  • وبأن الربا صورته لا توجد.
    لأن الأصل في الربا أن يدفع المرابي نقداً ليأخذ أكثر منه نسيئة.
    وهذه الأمر لم يتحقق في بيع التورق لأن الآخذ شخص آخر غير المعطي.
  • واستدلوا أيضاً بدليل وجيه: وهو قول بعض الفقهاء ومنهم الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي: أن الإنسان قد يشتري السلعة لينتفع بها أكلاً أو شرباً أو لبساً أو ركوباً وقد يشتري السلعة لينتفع من ثمنها ولا فرق بين أن يشتري السلعة لينتفع منها أو لينتفع من ثمنها.
    وهذا دليل إذا تأملته تجد أنه دليل جيد وفيه فقه وفهم لصورة المسألة.
    = القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها ونصرها وتمسك بها شيخ الإسلام بن تيمية وقال ابن القيم: كنا نراجعه مراراً في هذه المسألة فلا تزيده المراجعة إلا ثباتاً على القول وكان يقول لنا إذا راجعناه في التورق: الحيل لا تزيد العقود إلا تحريماً، يعني: لا تزيد العقود المحرمة إلا تحريماً.
    وذهب إلى هذا القول أيضاً عمر بن عبد العزيز.
    واستدل هؤلاء:
  • بأن عقد التورق حيلة على الربا.
  • وأن أي عقد المقصود منه دفع المال الكثير المؤجل لأخذ مال قليل حال فهو ربا.
    والراجح رجحاناً ليس بيناً رجحاناً ضعيفاً: صحة التورق وأنه جائز.
    أولاً: لما ذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو من وجهة نظري جيد وفيه فقه.
    ثانياً: لأن هذا القول هو قول عامة فقهاء المسلمين بل قبل شيخ الإسلام ربما الذين يرون التحريم يعدون بالأصابع: رواية للإمام أحمد واختيار عمر بن عبد العزيز وربما إذا بحثت بحثاً دقيقاً تجد مع هؤلاء واحد أو اثنين وأما باقي الفقهاء فكلهم يون الجواز.
    ثالثاً: لأن القاعدة الشرعية التي قررها عدد من أهل العلم منهم شيخ الإسلام: أن العقود التي بالناس إليها حاجة ملحة وليس لها بديل فإن الشرع لا يمنعها.
    وإذا طبقت هذه القاعدة على التورق تجد أنه ينطبق تماماً.
    ولذلك نقول: من يتعاطى التورق لحاجة ملحة عارضة فهو أقرب إلى الحل والإباحة ممن يتعاطى التورق لمزيد الاستثمار والتوسع في الأموال.
    لأنا نقول أن التورق جائز بناء على هذه القاعدة الشرعية.
    فينبغي أن يضبط بهذا القيد.
    ولذلك: فإن شيخنا - رحمه الله - يشترط لجواز التورق هذا الشرط وهو: أن يكون عن حاجة.
    لكن لا نستطيع في الحقيقة أن نشترط هذا الشرط ونجعله شرطاً للجواز، بمعنى: أن الذي يريد التورق لغير حاجة يحرم عليه لعدة أمور:

ـ أولاً: أن هذا الشرط لم يشترطه أحد من الفقهاء.
بل الذين قالوا بالجواز قالوا: هو مطلقا.
يعني: قرروا الجواز.
وقرروا أنه جائز مطلقاً بدون شرط أو قيد.
ـ ثانياً: لأن النصوص التي استدل بها المجيزون تدل على مطلق الجواز.
لأنهم يستدلوا بالعمومات والعمومات تدل على الجواز المطلق.
لكن مع ذلك نقول: ينبغي للإنسان أن لا يتعاطى عقد التورق إلا مع حاجة واضحة.
لأنه حينئذ يقرب تماماً للجواز ولا يبقى في النفس شيء وتردد من منع هذا العقد.
وأما إذا أخذه تزيداً وتوسيعاً للتجارات فإنه يكون في النفس من جوازه شيء.
وإن كان الراجح الجواز لكن تعلمون أنتم كما تقدم معنا مراراً أن المسائل الفقهية ليست أبداً على مستوى واحد من الوضوح وأن بعض المسائل يجزم الإنسان بأنها مباحة وجائزة وبعضها يتوقف فيها وبعضها تكون قريبة للجواز مع أن الإنسان ينبغي أن يحتاط وينبغي لطالب العلم أن يعلم ذلك وأن المسائل ليست على حد سواء وإنما المسائل على حد سواء عند العوام والجهَّال الذين عندهم المسائل قسمين فقط: حلال وحرام.
هذا عند العوام.
أما طالب العلم الذي يتعاطى النصوص يجب أن يعلم أن المسائل ليست على مستوى واحد وأن دلالات النصوص عليها تختلف فينبغي أن يتعامل معها على قدر دلالة النص على الجواز أو المنع.

باب الخيار

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • باب الخيار.
    الخيار في لغة العرب: اسم مصدر من الفعل اختار.
    وأما في الاصطلاح فهو: طلب خير الأمرين بين الإمضاء والفسخ.
    وهذا التعريف لا يتعلق فقط بالبيع بل في البيع وغيره.
    فالخيار في الاصطلاح ولا أقصد في الاصطلاح الفقهي - في الاصطلاح العام العلمي هو هذا.: طلب خير الأمرين بين الفسخ والإمضاء.
    والحنابلة في باب الخيار أبدعوا وحققوا وأجادوا حيث أثبتوا من أنواع الخيار ومن صفات أنواع الخيار ما لم يثبته كثير من الفقهاء.
    فالإمام أحمد - رحمه الله - أخذ في هذا الباب بالآثار والنصوص والمعاني الصحيحة كما سيأتينا عند مناقشة كل نوع من أنواع الخيار.
  • قال - رحمه الله -:
  • وهو أقسام.
    أقسام الخيار عند الحنابلة سبعة.
    والتقسيم راجع لسبب الخيار فبحسب السبب تنقسم أنواع الخيار.
  • قال - رحمه الله -:
  • الأول: خيار المجلس.
    خيار المجلس هو الخيار المنسوب للمجلس.
    والمجلس في الأصل هو مكان الجلوس.
    والمقصود به هنا: مكان التعاقد.
    سواء تم التعاقد وهو جالس أو وهو قائم أو وهو مضطجع أو على أي صفة.
    إذاً: المقصود بخيار المجلس في الاصطلاح الفقهي في هذا الباب: خيار المكان الذي وقع فيه التعاقد سواء كان عن طريق الجلوس وقع أو بغير هذه الصفة.

ثم قال - رحمه الله -:

  • يثبت في البيع.
    بدأ المؤلف - رحمه الله - بخيار المجلس وأنه مشروع في عقد البيع.
    وإلى هذا: = ذهب الجماهير من السلف والخلف: وهو إثبات خيار المجلس.
    على رأسهم الإمام أحمد - رحمه الله -. واستدل الفقهاء الذين ذهبوا هذا المذهب بأدلة صحيحة ثابتة في الصحاح - في الصحيحين وغيرهما:
  • الدليل الأول: حديث ابن عمر وهو الصحيحين وهو: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا تبايع الرجل فهما بالخيار ما لم يخخير أحدهما صاحبه فإن خير أحدهما صاحبه فقد وجب البيع).
    واستدلوا أيضاً بـ:
  • حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - وهو قوله: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان بالخيار مالم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
    وهذا أيضاً في الصحيح.
    واستدلوا بـ:
  • أن الصحابة عملوا بخيار المجلس.
    ومنهم ابن عمر راوي الحديث.
    مما يدل على أن هذا المعنى محفوظ ثابت عمل به الصحابة ولم ينسخ.
    = القول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
    وهو: أنه لا يثبت للمتبايعين خيار المجلس، بل إذا تم العقد بالإيجاب والقبول فقد لزم ولا خيار ولو كانوا في المجلس.
    واستدلوا على هذا بنصوص:
  • الدليل الأول: قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم).
    وجه الاستدلال: أن الله تعالى اشترط لصحة البيع التراضي ولم يذكر التفرق.
  • الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى الرجل أن يبيع الطعام إذا ابتاعه حتى يستوفيه.
    فاشترط النبي - صلى الله عليه وسلم - لجواز بيع البائع لما اشتراه أن يستوفيه فقط ولم يشترط انتهاء خيار المجلس.

وهذا القول الثاني: قول ضعيف جداً ولذلك استغرب كل العلماء المعاصرون للإمام مالك والذين أتوا بعد ذلك إعراض الإمام مالك - رحمه الله - عن هذا الحديث.
استغربوه جداً وبعضهم لام الإمام مالك - رحمه الله - وبعضهم تكلم في هذا القول للإمام مالك بكلام شديد جداً لأن الإمام مالك أخرج هذا الحديث في الموطأ ويعرفه ومع ذلك لم يأخذ به - رحمه الله -. وإنما استغربوا على الإمام مالك - رحمه الله - ولم يستغربوا على الأحناف لأن هذا ليس بغريب على الأحناف لأنهم دائماً يتركون النصوص.
ولذلك: إذا رجعت لكلام اهل العلم تجد أنهم يشنون حملة على الإمام مالك ولا يتكلمون عن أبي حنيفة لأن هذا ليس بغريب عن أبي حنيفة لكن بالنسبة للإمام مالك رجل معروف بالأخذ بالآثار والعمل بها ولذلك يستغرب عليه جداً أنه لم يأخذ بحديث ابن عمر في مسألة خيار المجلس.
وهذا يعطي الإنسان صورة واضحة وجلية وأنه لا أحد معصوم وأنه ينبغي للإنسان أن يتبع النص ولا يتبع الرجال.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • والصلح بمعناه.
    أي: ويثبت خيار المجلس في الصلح الذي هو بمعنى البيع.
  • لأن الصلح كما سيأتينا ينقسم إلى قسمين: ـ صلح بمعنى البيع.
    ـ وصلح ليس بمعنى البيع.
    ولا يعنينا الآن هذا التقسيم.
    لأنه سيأتي في باب الصلح.
    الذي يعنينا هنا: ما هو الصلح الذي بمعنى البيع؟ فالصلح الذي بمعنى البيع هو: الصلح على مال.
    مثاله/ أن يقر الإنسان بأن في ذمته دين لفلان أو أن هذه السلعة التي في يده هي لفلان ثم يصالحه عن الدين أو عن السلعة بمال.
    فهذا الصلح بمعنى البيع ويثبت فيه خيار المجلس.
    لماذا؟ لأنه بمعنى البيع.
    وإذا ثبت الخيار في البيع فيثبت أيضاً فيما يكون بمعناه.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • والإجارة.
    يعني: ويثبت خيار المجلس في الإجارة.
  • لأن الإجارة في الواقع ليست في معنى البيع بل هي بيع لكنها بيع للمنافع وليست بيعاً للأعيان.
    وليس هناك فرق بين الإجارة والبيع في حقيقة العقد إلا من حيث أن هذا بيع للمنافع وهذا بيع للأعيان.
    وإذا كانت بيعاً دخلت في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا تبايع الرجلان فهما بالخيار).

فإذا أجر زيد بيته لعمرو فكل من المؤجر والمستأجر بالخيار ما داما في المجلس.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • والصرف والسلم.
    أي: ويثبت خيار المجلس في الصرف ويثبت أيضاً في السلم.
  • لأن الصرف والسلم بيع إلا أنه أضيفت إليه شروط بالإضافة إلى شروط البيع.
    فهو بيع مخصوص.
    ولذلك سيأتينا في باب السلم أن المؤلف - رحمه الله - يقول: (ويسترط فيه ما يشترط في البيع والشروط التالية) فنصوا على أنه يشترط في السلم شروط البيع وزيادة فهوز بيع إلا أنه بيع خاص له شروط خاصة.
    فإذا تبين وثبت أنه بيع دخل في عموم حديث ابن عمر - رضي الله عنه -.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • دون سائر العقود.
    يعني: دون باقي العقود التي لم تذكر فليس فيها خيار المجلس.
    والعقود التي لم تذكر تنقسم إلى أقسام: ـ القسم الأول: العقود اللازمة من الطرفين لا على سبيل المعاوضة.
    كالنكاح والعتق.
    فإن عقد النكاح لازم من الطرفين لكن لا على سبيل المعاوضة.
    ـ القسم الثاني: العقود اللازمة من طرف ولو كانت لى سبيل المعاوضة.
    كعقد الرهن.
    ـ القسم الثالث: العقود الجائزة من الطرفين ولو على سبيل المعاوضة.
    كعقد الشركة والوكالة.
    فهذه عقود جائزة من الطرفين.
    أي: لكل من أطراف العقد فسخ العقد بدون رضى الآخر.
    وهذا معنى أن يكون العقد جائزاً.
    ـ القسم الأخير: اعقود التي اختلف في كونها جائزة أو لازمة وهي على المذهب جائزة.
    كعقد المزارعة والمساقاة.
    هذه أربعة أنواع للعقود التي تدخل في قول المؤلف - رحمه الله -: (دون سائر العقود).
    الدليل على استثناء هذه العقود: - الدليل على ذلك:
  • أن العقود الجائزة والمختلف في جوازها يستغنى بجوازها عن اشتراط خيار المجلس.
    لأن لكل من طرفي العقد فسخ العقد وليس بحاجه إلى خيار المجلس.
    ـ أما القسم الأول: فهو لازم لا يدخل فيه خيار المجلس لأنه ليس من المعاوضات والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نص على البيع فيدخل في البيع وما في معناه دون ما ليس في معناه من العقود التي ليست من عقود المعاوضات.
    فإذا قلت: ما هو الضابط الذي يضبط العقود التي ليس فيها خيار مجلس؟ فالجواب:

الضابط: ان نقول: (كل عقد ليس من عقود المعاوضات أو منها لكنه من العقود الجائزة فلا خيار مجلس فيه).
هذا ضابط يريح الإنسان من تعداد العقود: كل عقد تعرضه على هذا الضابط فيتبين هل هو من عقود خيار المجلس أو ليس من عقود خيار المجلس.

  • قال - رحمه الله -:
  • ولكل من المتبايعين الخيار.
    هذا هو ثمرة إثبات خيار المجلس: أن العقد يقع جائزاً في مدة خيار المجلس وإن كان أصله اللزوم.
    فالبيع الأصل فيه أنه من العقود اللازمة التي ليس لأحد من الطرفين الفسخ فيها إلا بسبب شرعي.
    فثمرة خيار المجلس: وقوع العقد اللازم جائزاً مدة خيار المجلس.
    فالمؤلف - رحمه الله - يريد أن يصرح بثمرة إثبات هذا العقد بقوه: (ولكل من المتبايعين الخيار).
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ما لم يتفرقا عرفاً.
    بأبدانهما.
    المفصود بالتفرق: = عند الجماهير: التفرق بالأبدان.
    والمقصود بالتفرق عند: = المالكية والأحناف: التفرق بالأقوال.
    ومعنى التفرق بالأقوال: أنه متى تم الإيجاب والقبول: فقد حصل التفرق قولاً ولزم البيع وحملوا حديث ابن عمر - رضي الله عنه - على هذا المعنى يعني: (ما لم يتفرقا) بأقوالهما لا بأبدانهما.
    الذي يعنينا الآن أن الجماهير يقصدون بالتفرق التفرق بالأبدان.
    ثم يحملون هذا التفرق على العرف.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما لم يتفرقا) وهذا اللفظ موجود في حديث ابن عمر وفي حديث حكيم وفي الصحيحين كلاهما.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - وقت خيار المجلس بالتفرق ولم يجعل لهذا التف رق بالأبدان حداً معلوماً وكل ما اتى في الشرع ولم يحدد بحد جاء عن الشارع فمرجعه إلى العرف.
    فالتفرق المذكور في هذا الحديث نرجع في معناه إلى العرف لأنه لم يرد في الشرع ما يبين حده.
    ولذلك نقول: إذا تبايع الرجلان في الصحراء وهما يمشيان فالتفرق بأن ياخذ هذا من هنا وهذا من هنا كما قال الإمام أحمد - رحمه الله -. لأن هذا التفرق هو التفرق المعروف في اعراف الناس في الصحراء.
    لأنه لا يمكن أن يتفرقا بحيث لا يرى بعضهما الآخر لانهم الآن في الصحراء.
    فإذا أخذ أحجهما من هنا وأخذ أحدهما من هنا فقد تفرقا ولزم البيع.

والتفرق حين إجراء العقد في غرف المنازل يكون بالخروج من الغرفة إلى غرفة أخرى.
والتفرق في السفينة الكبيرة بأن ينزل إلى الأسفل أو يصعد إلى الأعلى أو يذهب إلى مقدم السفينة أو غلى مؤخر السفينة بشرط: أن تكون السفينة كبيرة.
وإذا كانت السفينة صغيرة: جلس أحدهما أمام الآخر: متى يكون التفرق؟ كيف يتفرقون؟ (غرضي من هذا المثال: انه لا يشترط أن يحصل التفرق.
إذا كانوا في مكان صغير محدود وبقيا بأبدانهما في هذا المكان فإنه لا تفرق لو يبقى العقادان في البحر سنة فلا تفرق).
ولذلك حتى تتضح هذه المسألة - تكتبون -:

    • مسألة: إذا بقي العاقدان في غرفة واحدة لم يخرجا منها فإن خيار المجلس يبقى ولو بقيا مدة طويلة ولو ناما واستيقظا واكلا وشربا وبقيا على ذلك مدة طويلة فإن خيار المجلس يبقى.
      وقد نص الفقهاء على هذه المسألة بل نصوا على مسألة النوم ولو طال في غرفة بلا تفرق فإنه يبقى خيار المجلس كما هو ولا يسقط لأن الشارع ربط التفرق بالأبدان فما دامت الأبدان موجودة ولم تتفرق فإن الحكم يبقى كما هو ولو طالت المدة.
      وإذاً هذا معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (ما لم يتفرقا عرفاً بأبدانهما).
      إذاً: التفرق يكون بتفارق الأبدان فقط.
    • مسألة/ إذا تم البيع بالهاتف: متى ينتهي خيار المجلس؟ الجواب: ينتهي خيار المجلس: عند إنهاء المكالمة.
    • مسألة/ فإن انتهت المكالمة بسبب خلل في الاتصالات لا باختيار كل من المتعاقدين.
      فهل نقول لهما أن يستئنفا المكالمة لإتمام العقد؟ أو بهذا التفرق انتهى مجلس الخيار؟ الأقرب أنه لم ينته أن هذا التفرق حصل بغير اختيارهما فهو يقاس على ما لو أكرها على التفرق.
      ولذلك نقول: عند العود للمكالمة يستمر خيار المجلس إلى أن يتم إنهاء المكالمة بخيارهما وبتصرفهما.

شرح كتاب البيع الدرس رقم (9) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

  • قال - رحمه الله -:
  • وإن نفياه أو أسقطاه: سقط.
    معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (وإن نفياه) يعني: وإن نفى البائع والمشتري خيار المجلس بأن تبايعا على أن لا خيار أصلاً: سقط.
  • لأنه حق لهما وقد أسقطاه.
    [ومعنى قوله - رحمه الله: (أو أسقطاه) يعني: بعد أن ثبت لهما خيار المجلس: أسقطاه في أثناء المجلس.
    فأيضاً يسقط:
  • لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإن تبايعا على أن لا خيار بينهما فقد وجب البيع).
    فصار الفرق بين قوله - رحمه الله -: (نفياه) و: (أسقطاه): ـ أن النفي يكون إسقاط لأصل الخيار من حين انعقاد العقد.
    ـ والإسقاط يكون تنازل عن خيار المجلس في أثناء المجلس.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن أسقطه أحدهما: بقي خيار الآخر.
    إذا أسقط أحد المتبايعين إما البائع أو المشتري: خيار المجلس ولم يسقطه الآخر: بقي حق الآخر على وجهه.
  • لأنه حق ثابت له لم يسقطه فبقي على حاله.
    لأن الحقوق الشرعية التي ثبتت بمقتضى النصوص لا تسقط إلا بتنازل صاحب الحق عنها أو بإسقاط الشارع عنها أو لها بسبب خلل معين في العقد.
    فيما عدا هاتين الصورتين لا تسقط الحقوق التي أكسبها الشارع لأحد المتبايعين.

ثم قال - رحمه الله -:

  • وإذا مضت مدته: لزم البيع.
    معنى قوله - رحمه الله -: (وإذا مدته) يعني: قضى مجلس العقد.
  • لأن خيار المجلس ليس له مدة معينة في الشرع وإنما مدته هي مدة خيار المجلس.
    إذاً: معنى: (إذا انقضت مدته) يعني: إذا تفرقا.
    ولو أن المؤلف - رحمه الله - قال: (وإذا تفرقا) لكان أوضح وأقرب للفظ الحديث.
    والدليل على أنهما إذا افترقا سقط الخيار:
  • قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا افترقا فقد وجب البيع).
    فهذا نص صريح على أنه إذا انتهت بتفرق الأبدان سقط خيار وليس لأحد منهم أن يرجع عن العقد.
    وبهذا انتهى الكلام عن خيار المجلس.
    وبدأ المؤلف - رحمه الله - بخيار الشرط:

وخيار الشرط من حيث الأصل: (ويجب أن تتنبه إلى هذه المسألة) - خيار الشرط من حيث الأصل:

  • فقال - رحمه الله -:
  • الثاني: أن يشترطاه في العقد.
    أي: والثاني: من أنواع الخيارات خيار الشرط.
    وهو: أن يشترط كل من البائع أو المشتري أو أحدهما الخيار في إمضاء البيع أو فسخه مدة معلومة.
    فهذا هو خيار الشرط.
  • ثابت بالسنة والإجماع.
    فإن أحداً من الفقهاء لم ينازع في أصل مشروعية خيار الشرط.
    إنما اختلفوا في بعض تفاصيل أحكامه - أما هو من حيث هو فإنه مشروع باتفاق الفقهاء.
    وقدحكى الإجماع على مشروعية خيار الشرط: الإمام النووي من الشافعية والشيخ الفقيه ابن الهمام من الأحناف وهو إجماع ثابت إن شاء الله.
    ـ وأما الدليل من السنة:
  • فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لحبان بن منقذ وكان يخدع في البيع قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اشتكى هذا الصحابي كون النتس يخدعونه قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا بايعت فقل: لا خلابة) يعني: لا مخادعة.
    فثبت الخيار لهذا الصحابي بهذا الشرط.
    أنه متى خدع وغبن فإن له أن يرجع في البيع ويفسخ العقد.
  • والدليل الثاني: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع خيار) وهذا اللفظ ثابت في الصحيح.
    وقد فسره الفقهاء والشراح كلهم فيما وقفت عليه على أنه خيار الشرط.
    فإذاً: خيار الشرط مشروع بالسنة الصحيحة الثابتة وبالإجماع المحفوظ إن شاء الله.
    فهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (الثاني: أن يشترطاه في العقد).
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • مدة معلومة.
    أي: أنه يشترط لصحة خيار الشرط أن تكون المدة معلومة محددة معروفة لطرفي العقد.
    وإلى اشتراط معلومية المدة: = ذهب الجماهير من اهل العلم والجم الغفير.
    واعتبوا تخلف معلومية المدة مفسد للعقد وللشرط.
  • لأن جهالة شرط الخيار يفضي إلى الجهالة والغرر وهي أسباب تفسد العقود.
    = والقول الثاني: وهو قول عند الحنابلة.
    أن العقد يصح والشرط يفسد ويكون العقد لازم من حين العقد وسقط خيار الشرط.
    = والقول الثالث: أن العقد والشرط صحيح.
    ولمل كان الشرط مجهولاً قالوا: يكون له الخيار لمدة ثلاثة أيام.
  • قياساً على حديث حبان بن منقذ حيث جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له الخيار ثلاث ليال.
    فقالوا: يثبت الشرط والخيار ويوقت له هذا التوقيت الشرعي.
  • ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الخيار لمن اشترى شاة مصراة ثلاثة أيام وهذا في (([مسلم] أو في [المسند] لم تتضح لي)).
    فاعتبار هذه المدة جاءت النصوص في الخيارات بالذات.

وهذا القول الثالث: اختاره شيخ الإسلام - رحمه الله -. وهو قول - كما ترى - وجيه جداً يليه في القوة القول الأول وهو مذهب الجماهير يليه وهو أضعف الأقوال: الثاني. لأن الثاني: يلزم العاقدين بالعقد ويسقط حقهما في الخيار. والإنسان إذا تأمل هذا القول يشعر أن الشارع لا يأتي بمثل هذا الحكم. بل إبطال العقد أرفع للضرر من إمضاء العقد وإلغاء الشرط. على كل: القول الثالث هو أحسن الأقوال والثاني هو أضعف الأقوال.

ثم قال - رحمه الله -:

  • ولو طويلة.
    مدة الشرط تنقسم إلى قسمين: ـ قصيرة.
    ـ وطويلة.
  • فأما القصيرة: فلا حد لأقلها بالإجماع ولو كانت لحظة.
  • وأما الطويلة: فهي محل خلاف.
    = فذهب الحنابلة: إلى أنه لا حد لطول مدة خيار الشرط.
    بشرط أن لا تكون مدة متطاولة تفسد المقصود من البيع كأن يشترط عشر سنين.
    وإلا فإنها صحيحة مهما طالت.
    واستدل الحنابلة على هذا القول:
  • بأن النصوص التي دلت على مشروعية خيار الشرط جاءت مطلقة ولم تبين مدة معينة يصح الشرط فيها وبعده لا يصح.
    فإذا أخذنا بإطلاق النصوص دلت على صحة اشتراط المدة ولو كانت طويلة.
    = القول الثاني: للأحناف أن خيار الشرط لا يجوز أن يتجاوز ثلاثة أيام.
  • لأن الشارع حد لحبان - رضي الله عنه - ثلاث ليال.
    وفي المصراة أيضاً ثلاثة أيام.
    فدل على أن الخيارات تحد بمثل هذا المقدار.
    والجواب عليه: ـ أن حديث حبان الذي فيه التحديد بثلاث ليال أن رواية التحديد بثلاث ليال: ضعيفة.
    وأن الحديث في الصحيح بدون تحديد.
    ـ وأما المصراة فهي رد بالعيب وهو يختلف عن خيار الشرط.
    = القول الثالث: أن خيار الشرط يختلف باختلاف السلعة.
    وهو مذهب المالكية.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن المقصود من خيار الشرط هو أن يقوم المشتري بتجربة السلعة.
    وتجربة السلعة تختلف باختلاف السلع.
    فبعضها يحتاج إلى وقت طويل وبعضها يحتاج إلى وقت قصير.
    والراجح والله أعلم مذهب الحنابلة فهو محكم في هذه المسألة ومضبوط وينسجم مع النصوص.

أما مذهب المالكية فهو أضعف الأقوال.
مع أنهم أي المالكية لهم أقوال مسددة في المعاملات لكن في هذه المسألة قولهم ضعيف لأنه يفضي إلى الاختلاف الشديد ومن يضبط المدة المناسبة لهذه السلعة والمدة المناسبة لهذه السلعة ويصبح ضبط الخيارات أمر صعب ويدخل الناس في متاهات ونزاعات.
فالأقرب أن للبائع أو المشتري أن يشترط المدة التي تناسبه سواء كانت ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر أو أقل حسب ما يناسبه ويتسنى له الفحص عن السلعة.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وابتداؤها من العقد.
    أي: وابتداء المدة الطويلة أو القصيرة من العقد.
    والمقصود: إذا شرطا خيار الشرط حين العقد فإن لم يشرطاه أثناء العقد فمن حين شرطاه فيما إذا كان في مدة خيار المجلس.
    فإذا عقدا العقدة وهما في المجلس في الساعة الخامسة ولم يشترط هو شرط خيار الشرط إلا في الساعة السادسة وهم ما زالوا في المجلس فخيار الشرط يبدأ من الساعة السادسة: من حين شرطاه.
    أما إن شرطاه من العقد فمن العقد.
    فإذاً: قول المؤلف - رحمه الله -: (وابتداؤها من العقد) لا يؤخذ على إطلاقه: ابتداؤه من العقد إذا شرطاه في العقد وإلا فمن حين شرطاه.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإذا مضت مدته أو قطعاه: بطل.
    قوله: (وإذا مضت مدته .. : بطل).
    يعني: ولم يفسخا العقد لزم البيع.
    فمن حين تنتهي المدة فإن البيع يصبح لازماً والسلعة ملك المشتري والثمن ملك للبائع.
    استدل الحنابلة على هذا:
  • بأن الأصل في عقد البيع اللزوم.
    ومنع منه خيار الشرط وقد بطل فإذا بطل لزم العقد.
    وهذا القول هو في الواقع شبه إجماع.
    اتفق عليه جميع الفقهاء اللهم إلا قول للمالكية حيث يرون أنه إذا انتهت والسلعة ما زالت بيد البائع فإن انتهاء المدة هو في الواقع فسخ للبيع وليس إلغاء له.
    فالمالكية ينازعون في هذه الصورة وهي: ما إذا انتهت المدة والسلعة في يد البائع.
    أما إذا انتهت المدة والسلعة في يد المشتري فبإجماع الفقهاء تم البيع وانعقد ولزم وبطل خيار الشرط.
    إذاً: عرفنا الآن لماذا أنا قلت أن هذا القول أشبه ما يكون إجماعاً؟ لأنه لم يستثنى إلا هذه الصورة المعينة.
    والصواب مع الجمهور أن العقد يصبح لازماً ولو كانت السلعة في يد البائع.

فمن حين ينتهي مدة خيار الشرط يلزم العقد وينتهي خيار الشرط.

ثم قال - رحمه الله -:

  • أو قطعاه .. بطل.
    يعني: خيار الشرط ولزم البيع.
    فإذا قطعاه: ـ بأن قالا: أبطلنا خيار الشرط الذي لنا.
    ـ أو أوجبنا البيع.
    ـ أو أتممنا البيع.
    ـ أو أي لفظ يدل على قطع خيار الشرط لزم البيع وانتهى خيار الشرط بإجماع الفقهاء بلا مخالف.
    إذاً: إذا أبطلاه بإرادتهما هنا لم يخالف أحد أن البيع لزم وأن خيار الشرط انتهى إنما الخلاف اليسير فيما إذا انتهت المدة.

  • ثم قال - رحمه الله -:

  • ويثبت في البيع ... معنى قوله - رحمه الله -: (ويثبت في البيع ... إلى آخره) يعني: لا يثبت إلا في المذكورات.
    فكل ما لم يذكره تالمؤلف - رحمه الله - فلا خيار شرط فيه.
    إذاً لو أن المؤلف - رحمه الله - قال: (ولا يثبت إلافي البيع والصلح بمعناه والإجارة على على مدة تلي العقد) لكان أوضح لأن هذا مقصود الحنابلة.
    أن خيار الشرط لا يثبت إلا في هذه العقود المذكورة فقط.
    = القول الثاني: أن خيار الشرط يثبت في كل العقود.
    فللإنسان أن يشترط في كل العقود.

  • لأن الحكمة التي من أجلها شرع الشارع خيار الشرط موجودة في كل العقود.
    وهذا القول اختاره أيضاً شيخ الإسلام وهو كما ترى من اقوة والانسجام مع مقاصد الشرع.
    فهو الراجح إن شاء الله.

  • قوله - رحمه الله -: (ويثبت في البيع).
    يثبت خيار الشرط في البيع: بالإجماع.

  • لأن النص الذي جاء في السنة لإثبات خيار الشرط إنما ورد في البيع.
    فلا إشكال في ثبوته في عقد البيع.

ثم قال - رحمه الله -:

  • والصلح بمعناه.
    أي: ويثبت في الصلح الذي بمعنى البيع.
    وتقدم معنا نظير هذه العبارة في خيار المجلس وبينا أن الصلح الذي هو بمعنى البيع ما يكون بعوض عن عين أو دين ثابتة في الذمة.
    وسيأتينا الصلح الذي هو بمعنى البيع والصلح الذي ليس بمعنى البيع في كتاب الصلح، إنما الذي يعنينا الآن أن الصلح بهذا المعنى وهو ما يكون بعوض مقابل عين أو دين حكمه حكم البيع في ثبوت خيار الشرط.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • والإجارة في الذمة.
    يعني: ويثبت خيار الشرط في الإحارة التي في الذمة.

معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (الإجارة في الذمة) يعني: الإجارة على عمل في الذمة.
وبهذا يتضح المقصود بعبارة سهلة.
إذاً: الإجارة في الذمة: الإجارة على عمل في الذمة.
فهذه الإجارة يثبت فيها خيار الشرط.
فإذا قال زيد لعمرو: استأجرتك على أن تبني لي هذا الحائط فالبناء هذا عمل في الذمة.
فيثبت فيه خيار الشرط.
كذلك لو قال: استأجرتك على أن تخيط هذا الثوب فكذلك.
استأجرتك على أن تعلم زيد الكتابة والقراءة فكذلك.
استأجرتك على أن تحفظ عمرو الألفية كذلك.

  • لأن هذا عمل في الذمة.
    فيدخله خيار الشرط.
    الدليل على ذلك:
  • أن الإجارة كما تقدم معنا مراراً إنما هي بيع لكنه بيع للمنافع.
    وإذا كانت بيع دخلت في النصوص الدالة على مشروعية خيار الشرط.

ثم بين المؤلف - رحمه الله - ما يستثنى من ذلك:

  • فقال - رحمه الله -:
  • أو على مدة لا تلي العقد.
    إذا استأجر شيئاً مدة معلومة فينقسم إلى قسمين: ـ إما أن تلي المدة العقد.
    ـ أو أن لا تلي العقد.
    ـ القسم الأول: أن لا تلي العقد: كأن يستأجر هذا البيت في محرم على أن يبدأ الأجار في صفر.
    فالعقد وقع في محرم وبداية الأجار في صفر فالمدة لا تلي العقد بل بعد العقد بشهر.
    فهذا النوع من الإجارة على الوقت أو من استئجار الشيء وقتاً معلوماً: يصح فيها خيار الشرط.
    بشرط: أن ينتهي وقت خيار الشرط قبل أن يبدأ الأجار.
    ففي هذه الصورة يصح خيار الشرط وهو لازم للطرفين.
    ـ القسم الثاني: أن يسنأجر مدة معلومة تلي العقد.
    كأن يستأجر الآن بيتاً معلوماً يبدأ من حين انعقاد العقد.
    فهذا النوع من الإجارة لا يدخله خيار الشرط: = عند الحنابلة.
    واستدل الحنابلة على هذا:
  • بأنه إذا أدخل خيار الشرط على استئجار بيت مدة معلومة فإنه لا يخلو من أمرين: - الأمر الأول: أن لا يبدأ بالانتفاع بالعين المستأجرة إلا بعد انتهاء خيار الشرط.
    وهذا لا يجوز لأن للمستأجر الحق في الانتفاع بالعين المستأجرة من بداية العقد.
  • الحال الثانية: أن يبدأ بالانتفاع بالعين المستأجرة من حين العقد وهذا لا يجوز لأنه يناقض خيار الشرط إذاً ما الفائدة من خيار الشرط.

ولهذا قال الحنابلة: أن خيار الشرط لا يكون في استئجار عين معلومة مدة معينة إذا كانت المدة تلي العقد.
= القول الثاني: أن خيار الشرط يدخل الإجار ولو على مدة تلي العقد.

  • لأنه لا ضرر ولا ظلم لأي منهما.
    فإن تم العقد وأمضياه فالأمر واضح.
    وإن اختار المستأجر الفسخ فإنه يدفع من الأجار بقسط ما انتفع من المستأجر.
    أي: من العين المستأجرة.
    وبهذا لا يقع ظلم على أي منهما.
    وهذا القول الثاني هو الأقرب والأصح إن شاء الله.
    واليوم الناس على هذا العمل.
    يقول: استأجرت منك البيت ولي الخيار يوم أو يومين أو ثلاثة أو أقل أو أكثر ثم يذهب ويتأمل في أمره وينظر هل يناسبه ثم يأتي ويتم العقد فهذا لا حرج فيه.
    لكن ينبغي أن يعلم أنه إذا اختار المستأجر الفسخ فيجب عليه أن يدفع بالقسط من قيمة مدة الإجارة وهذا ما لا يفعله كثير من الناس بل يختار الفسخ ويظن أنه بالشرط الأول لم يجب عليه أن يدفع القسط المقابل للمدة التي بين تمام الشرط وانعقاد العقد.
    وهذا خطأ.
    فبهذا الشرط يكون القول الثاني إن شاء الله هو الأقرب وهو الأنفع للناس.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه: صح.
    إن اتفق البائع والمشتري على أن يكون خيار الشرط لأحدهما دون الآخر صح هذا الشرط.
    والتعليل:
  • أن الشارع الكريم إنما شرع هذا الخيار رفقاً بالنتعاقدين ولمصحتهما فإذا رضيا أن يكون الخيار لأحدهما: صح.
    وفي بعض العقود لا يمكن أن ينتفع مشترط الخيار إلا إذا كان خيار الشرط له دون صاحبه.
    فإن كان لهما لم ينتفع بخياره مطلقاً لا سيما في العقود المعاصرة.
    فالقول بتصحيح أن يكون خيار الشرط من أحدهما إذا رضي الطرف الآخر قول مهم وفيه نفع للناس ولا تأباه النصوص ولا القواعد العامة.
    ولذلك نقول إذا شرط المشتري أو البائع هذا البائع فلا بأس.
    وفي الغالب يكون من يشترط هو المشتري لغرض أو لآخر.
    وكما قلت لكم ربما لا يتحقق انتفاعه من الشرط إلا إذا كان هو الذي اشترط فقط دون البائع.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وإلى الغد أو الليل يسقط بأوله.
    يعني: بأول لحظه يدخل فيها الغد أو الليل فإنه يسقط خسار الشرط.
    واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
  • بأن إلى في لغة العرب موضوعة لانتهاء الغاية ومعنى انتهاء الغاية أن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها.
    وهذا يدل على أن الوقت الذي بعد إلى لا يدخل في حكم الوقت الذي قبل إلى وهو ثبوت خيار الشرط.
    = والقول الثاني: أنه إذا قال: إلى الغد.
    دخل الغد في خيار الشرط.
  • لأن العرب تستعمل أيضاً إلى في معنى مع.
    كقوله: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) يعني: مع أموالكم.
  • والأصل في أموال المسلمين الحرمة فإذا أمكن إدخال الوقت في خيار الشرط فهو أحفظ لمال المسلم.
    والراجح والله أعلم بقوة ووضوح مذهب الحنابلة.
    لأن حمل اللفظ على المتعارف عليه في اللغة والذي استعمل أكثر أولى وأوجب من الحمل على ما استعمل على خلاف الأصل.
    وأما التعليل بحرمة مال المسلم فحرمة مال البائع ليست بأكثر من حرمة مال المشتري ولا العكس فربما كان من مصلحة المشتري انتهاء الخيار ليتملك العين تملكاً تاماً.
    فإذاً: لا يرد علينا في مثل هذه المسألة أن نقول: أن نحفظ مال المسلم لأنه قد يكون حفظ مال المسلم بإنهاء خيار الشرط.
    فالراجح إن شاء الله هو القول الأول وهو مذهب الحنابلة لما ذكرت لكم.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ولمن له الخيار: الفسخ ولو مع غيبة الآخر وسخطه.
    يعني: أن من له الخيار يجوز له أن يفسخ العقد ولو كان الآخر غائباً أو كان ساخطاً.
    والدليل على هذا:
  • قاعدة شرعية وهي: (أن من جعل الشارع من حقه حل العقود فإنه لا يتوقف على رضا الطرف الآخر ولا حضوره كما نقول في الطلاق).
    فالطلاق الآن: حل للعقد وقد جعله الشارع من حقوق الزوج فله أن يحل هذا العقد بحضور أو غياب الزوجة وبرضاها أو سخطها.
    كذلك نقول: الشارع الكريم جعل لمن له خيار الشرط الحق في حل العقد وكل من له الحق في حل العقد فإنه يحل العقد بحضور أو غياب الآخر وسخطه أو رضاه.
    وهذه قاعدة مفيدة ما دام الشارع جعل لك الحق في حل العقد فأنت تستخدم هذا العقد متى شئت ولا يشترط لا الحضور ولا الرضى من الطرف الآخر.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • والملك مدة الخيارين: للمشتري.
    المقصود بالخيارين: ـ خيار الشرط.
    ـ وخيار المجلس.
    وهذه المسألة مسألة مهمة.
    = ذهب الحنابلة إلى أن ملك السلعة مدة الخيار للمشتري.

وسيأتينا ما يترتب على هذا القول بعد مناقشة هذا القول بنفسه.
واستدلوا على هذا بأدلة:

  • الدليل الأول: أن العقد الذي فيه خيار الشرط عقد تام مكتمل الشروط فيسبب نقل الملك.
  • الدليل الثاني: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع عبداً وله مال فماله لسيده إلا أن يشترط المبتاع).
  • وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها لمن باعها إلا أن يشترط المبتاع).
    فالحديثان نص على أن السلعة تدخل في ملك المشتري بمجرد الشرط.
    = والقول الثاني: أن السلعة مدى الخيارين تبقى على ملك البائع.
  • لأن هذا العقد وإن استوفى الشروط إلا أنه عقد ناقص بوجود خيار الشرط والعقد الناقص لا ينقل الملك.
    = القول الثالث: أن ملك السلعة يتوقف فيه فإن فسخ المشتري تبينا أنه مدة الخيارين من ملك البائع وإن أمضيا البيع تبينا أن مدة الخيارين من ملك المشتري.
    والراجح والله اعلم.
    مذهب الحنابلة.
    لأن ما استدلوا به من نصوص واضحة ولأن القول الثالث فيه تردد في ملك السلعة في زمنه.
    ولا يمكن أن توجد سلعة ليس لها مالك.
    لهذا نقول هذا القول الذي ذهب غليه الحنابلة وهو مهم جداً قول سديد وفيه فقه للنصوص لا سيما حديث ابن عمر الذي ذكرت فإنه أشبه ما يكون بالنص على مثل هذه المسألة.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وله نماؤه المنفصل.
    أي: وللمشتري نماء السلعة المنفصل.
    ومقصود المؤلف - رحمه الله - ولو فسخا العقد بعد ذلك.
    فالنماء المنفصل من حق المشتري.
    والسبب في ذلك:
  • أنا حكمنا أن السلعة ملك له في مدة الخيار والإنسان إذا ملك الشيء ملك نمائه.
    والنماء المنفصل: أمثلته كثيرة مثل: ما يخرج من بهيمة الانعام من لبن وما يخرج من الدجاج ومنه الكسب فإن الكسب من النماء المنفصل فإذا كسب على هذه السيارة مدة الخيارين فإن الكسب له.
    = القول الثاني: أن النماء المنفصل يرجع أيضاً للبائع فإذا فسخ المشتري العقد رجعت السلعة والنماء المنفصل للبائع وهذا القول مبني على أن ملك السلعة في مدة الخيارين للبائع وإذا كانت السلعة على ملك البائع فالنماء أيضاً للبائع.

والراجح هو الأول بلا إشكال إن شاء الله.
لأن ضمان السلعة في مدة الخيارين على المشتري والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الخراج بالضمان).
وفهم من قول المؤلف - رحمه الله -: (النماء المنفصل والكسب) للمشتري أن النماء المتصل للبائع.
وهو مذهب الحنابلة بل مذهب الجمهور أن النماء المتصل للبائع.
((الأذان)).
من الأسئلة: ـ ما هي ثمرة الخلاف في مسألة الملك مدة الخيار؟

  • ثمرة الخلاف في هذه المسألة المهمة تنقسم إلى قسمين:
  • القسم الأول: الضمان.
    وسياتينا في الفصل الذي سيعقد المؤلف - رحمه الله - بضمان السلع قبل القبض والخلاف في ضمان السلع قبل القبض هو نفس الخلاف في ضمان السلعة مدة الخيارين.
  • الثمرة الثانية: هو الذي نتحدث عنه وهو النماء المتصل والمنفصل والكسب فهو ينبني تماماً على مدة الملك مدة الخيارين.
    وتحدثنا عن المنفصل وغداً نتحدث عن المتصل إن شاء الله.

بالمناسبة تحدثت في أول كتاب البيوع عن التورق الذي تجريه المصارف وضربت به بعض الأمثلة وذكر لي عدد منكم انه فهم من هذا المثال أني أقول بجواز التورق وهو أن يشتري أسهم أو سلعة حسب ما تجريه البنوك.
وانا لم أقصد لما ضربت هذا المثال أن أتكلم عن حكم هذه المسألة وهذه المسألة التي تجريها البنوك التورق المنظم تختلف تماماً عن مسألة التورق التي تجحدثنا عنها في الدرس السابق وما قبل السابق.
فالتورق المنظم الذي تجريه البنوك حالياً هذا له حكم آخر وفي كثير من صورة هو حيلة مكشوفة على الربا فأنا لا أريد مطلقاً الكلام عن حكمه وإنما مثلت به تمثيلاً لأظن لبيع المضطر أو لمسألة أخرى.
المهم أني لا أريد أن أتحدث في ذلك الدرس عن حكم هذه المسألة.
سبحانك اللهم وبحدمك أستغفرك وأتوب إليك.

شرح كتاب البيع الدرس رقم (10) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أحب أن أنبه قبل أن نبدأ بالشرح أن هذا آخر درس في الزاد مغرب الغد يكون للآجرومية وبعد غدً يكون لنظم الورقات.
وتكون بداية الدروس بعد الحج مع أول يوم في الدراسة.
وتكون الدراسة لمدة أسبوعين ثم نتوقف قبل الامتحانات بأسبوع ليكون فرصة للمراجعة والاستعداد لها.

  • قال - رحمه الله -:
  • وله نماؤه المنفصل وكسبه.
    تقدم معنا الكلام عن النماء المنفصل والكسب والخلاف فيه وبيان أن مذهب الحنابلة إن شاء الله في هذه المسألة قوي وتوقفنا عند النماء المتصل.
    فالنماء المتصل حكمه: = عند الحنابلة: أنه للبائع.
    وأنتم تعلمون أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا فسخ العقد.
    فإذا فسخ العقد فالنماء المتصل بكل حال للبائع.
  • قياساً على الرد بالعي فإنه إذ ردها مع العيب فالنماء المتصل للبائع.
    وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم: أن النماء المتصل في مدة زمن الخيارين للبائع.
    = القول الثاني: أن النماء المتصل أيضاً للمشتري.
  • لأنه نماء وقع في ملكه وحصل بفعله فهو له.
    وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وهو الراجح.
    وعلى هذا القول: على القول بأن النماء المتصل للمشتري إذا اختار الرد فإن السلعة تحسب قيمتها قبل النماء الكتصل وبعد النماء المتصل ويدفع البائع الفرق بين القيمتين للمشتري.
    ومن أمثلة النمار المتصل/ ـ السمن بالنسبة للدواب.
    ـ وتعلم صنعة بالنسبة للعبيد.
    وما أشبه هذين المثالين.
    فنقول: كم قيمة هذه الشاة قبل أن تسمن وكم قفيمتها بعد أن سمنت فالفرق بين القيمتين يلزم البائع بدفعه للمشتري.
    وقوله - رحمه الله -: (وكسبه) الكلام فيه كالنماء المنفصل كما تقدم لأن الكسب هو نوع من النماء المنفصل وكنا تكلمنا عن النماء المنفصل والكسب بكلام واحد فكل ما قيل عن النماء المنفصل يقال تماماً عن الكسب ولذلك شرح العبارة واحد.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ويحرم ولا يصح: تصرف أحدهما في المبيع وعوضه المعين.
    مقصود المؤلف - رحمه الله - أيضاً في الخيارين: في خيار الشرط وفي خيار المجلس.
    يحرم تصرف المشتري بالسلعة وتصرف البائع بالثمن زمن الخيارين.
    التعليل:
  • أن هذا التصرف يسقط حق الآخر ولا يجوز للمسلم أن يسقط حق أخيه بلا مسوغ شرعي.

ويستثنى من هذا الحكم مسألتان: ـ الأولى: إذا كان الخيار للمشتري فقط وتصرف في السلعة فإن هذا يعتبر إمضاء منه وقطع للخيار.
لأن هذا التصرف دليل على الرضا.
وكذلك إذا كان الخيار للبائع فقط وتصرف في الثمن فإنه قطع للخيار وهو إمضاء للبيع لأنه دليل على الرضا.
ـ ويستثنى أيضاً: إذا تصرف البائع مع المشتري أو بإذنه.
أو العكس: تصرف المشتري مع البائع أو بإذنه.
فإنه حينئذ يصح التصرف.
مثال ذلك/ إذا استأجر البائع بالثمن أرضاً أخرى للمشتري فهو الآن تصرف مع: المشتري.
أو استأجر بالثمن أرضاً لزيد لكن بإذن المشتري فهذا التصرف جائز وصحيح.
كذلك العكس إذا باع المشتري السلعة على البائع أو باعها على زيد بإذن البائع فإن الخيار يسقط لأنه تم بإذن من له الحق.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وعوضه المعين فيها.
    قوله: (فيها) يعني: في مدة الخيار.
    وقزله: (عوضه المعين) يعني: أن المشتري يحرم عليه أن يتصرف بالثمن المعين.
    فإذا قال المشتري اشتريت هذه السيارة بهذا المال وعينه فإن هذا المبلغ المعين في العقد لا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه بل عليه أن يبقيه في مكان مستقل إلى أن إما أن يمضي البيع أو يفسخ العقد.
    وقوله: (عوضه المعين) أي أنه لو كان في الذمة فإنه لا يمنع المشتري من التصرف فلو قال: اشتريت هذه السيارة بمائة ألف ولم يعين المائة ألف فالمائة ألف هذه في الذمة وللمشتري أن يتصرف فيها كيف يشاء هذا بالنسبة للمشتري.
    نأتي إلى البائع: البائع ليس له أن يتصرف بالثمن لا المعين ولا الذي في الذمة.
    بخلاف المشتري.
    فلو قال له: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف واعطاه العشرة آلاف وأخذ السيارة فليس للبائع أن يترف في العشرة آلاف مدة زمن الخيار.
    ولو قال: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف غير المعينة في الذمة فالبائع لم يقض شيئاً الآن ومع ذلك لا يجوز له أن يتصرف في هذا الثمن الذي في الذمة بأن يحيل عليه مثلاً هذه الحوالة خطأ ولا تجوز.
    لماذا؟ لأنها تصرف في المبيع في العوض ولا يجوز له أن يتصرف في العوض.
    الخلاصة: المشتري يجوز له أن يتصرف في الثمن الذي في الذمة ولا يجوز له أن يتصرف في الثمن المعين.

والبائع لا يجوز له أن يتصرف في الثمن لا المعين ولا الذي في الذمة.
وبهذا عرفنا حكم تصرف كل من البائع والمشتري في كل من السلعة والثمن.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • بغير إذن الآخر.
    تقدم معنا أن التصرف بغذن الآخر جائز.
  • لأن التصرف منع منه لحق الآخر فإذا أذن به فقط أسقط حقه.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • بغير تجربة المبيع.
    أي: يستثنى من تحريم التصرف أن يتصرف على سبيل التجربة كأن يركب الدابة.
    أو يحلب الشاة.
    أو يبحر في السفينة.
    أو يقود السيارة.
    فمثل هذا جائز.
  • لأن هذا التصرف على سبيل الاختبار والتجربة.
    وإنما شرع خيار الشرط لتجربة المبيع.
    فهذا التصرف لا يتعارض مع خيار الشرط.
    ويقيد ذلك: بالتصرف الذي يفهم منه عرفاً أنه للتجربة.
    فليس من المقبول مثلاً: أن يأخذ سيارة للتجربة ويسافر بها إلى مكة لمدة شهر وإلى ابها لمدة شهر ويقول إنما سافرت على سبيل التجربة.
    فهذه ليست تجربة هذا استهلاك للسلعة.
    فإذاً يقيد جواز التصرف في العين على سبيل التجربة بأن يكون مقبولاً في العرف وإلا فإنه لا يجوز وهو آثم.

ثم قال - رحمه الله -:

  • إلاّ عتق المشتري.
    أي: ويستثنى أيضاً من تحريم التصرف عتق المشتري فيجوز مع التحريم.
    فإذا أقدم المشتري عللى عتق العبد فنقول: انت آثم بهذا العتق وعليك التوبة والعتق صحيح.
    واستدلوا على هذا:
  • بأن الشارع الحكيم يتشوف للعتق وحث عليه وفي تجويز هذا الحكم تأدية لمقصود الشارع.
    = والقول الثاني: أنه لا يجوز حتى العتق.
    ان العتق أيضاً محرم.
  • لأن في هذ العتق اعتداء على حق البائع ولا يجوز للمشتري أن يعتدي على حق البائع.
    وهذا القول الثاني هو الصحيح.
    لأن الشارع تشوف لعتق العبيد لكن ذلك مشروط بأن لا يدخل الضرر على الآخرين.
    • مسألة/ قول المؤلف - رحمه الله - (عتق المشتري) يدل بمفهومه على أن عتق البائع لا يستثنى وإنما الذي يستثنى عتق المشتري وهو كذلك.
      فإن: = المذهب يرون أن عتق البائع لا يجوز مطلقاً.
      وعللوا ذلك:
  • بأن السلعة ليست في ملك البائع حتى يعتق أو لا يعتق.
    لما تقدم معنا أن السلعة زمن الخيارين هي من أملاك المشتري.
    فعتق البائع لا يجوز مطلقاً عند الحنابلة.

فتبين لنا الآن: أن الحنابلة يفرقون في مسألة العتق زمن الخيارين بين تصرف البائع وبين تصرف المشتري وأنه على القول الصواب: تصرف البائع وتصرف المشتري واحد كلاهما لا يجوز لما فيه من الاعتداء على حق الآخرين.

  • ثم قال - رحمه الله -:
  • وتصرف المشتري فسخ لخياره.
    تصرف المشتري فسخ لخياره: يعني: إذا كان الهيار للمشتري فقط.
    ولو أن المؤلف - رحمه الله - نبه إلى هذا بعبارة أو بشرط لكان أولى وأوضح.
    إذاً: تصرف المشتري فسخ لخياره إذا كان الخيار له وحده.
    والدليل على ذلك:
  • أن هذا التصرف دليل على الرضا وإذا رضي فقد لزم البيع ومنع من الرد.
    وفهم من كلام المؤلغ - رحمه الله - أن تصرف المشتري فسخ لخياره أن البائع ليس كذلك.
    وهذا هو المذهب: ان تصرف البائع في السلعة لا يعتبر فسخاً للخيار.
    لماذا؟ لما تقدم معنا أن لاالملك زمن الخيارين للمشتري.
    فعرفتم الآن: كثرة الفروع التي تنبني على هذه المسألة: - مسألة ملك السلعة زمن الخيارين لمن؟ ومن المفيد جداً لطالب العلم أن يراجع ما كتبه ابن رجب حول هذه المسألة في القواعد ويرى كيف فرع فروعاً كثيرة على هذه المسألة وهو مفيد لطالب العلم.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • ومن مات منهما بطل خياره.
    أي واحد منهما يموت يبطل خياره.
    إن مات المشتري بطل خياره وإن مات البائع بطل خياره.
  • لأن حق الخيار لا يورث.
    ولذلك بمجرد الموت انتهى حقه وبطل ولزم البيع للورثه.
    =والقول الثاني: ان حق الخيار من جملة الحقوق التي تورث.
    وهي حق ينتقل للورثة ويستمر الحق مدة خيار الشرط وإلى انتهاء المجلس في خيار المجلس.
    وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله لأن هذا من جملة الحقوق التي تورث.
    فلا يجوز أن نمنع الورثة من هذا الحق.
  • ثم قال - رحمه الله -:
  • الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة، بزيادة الناجش والمسترسل.
    (الثالث: إذا غبن) أي والثالث من أنواع الخيارات: خيار الغبن.
    والغبن في لغة العرب: هو النقص والخديعة.
    هذا هو الغبن في لغة العرب.
    وأما الغبن في الاصطلاح ففسره المؤلف - رحمه الله - بقوله: (إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة)

إذاً: خيار الغبن أن يغبن البائع أو المشتري غبناً يخرج عن العادة.
وذلك بزيادة الثمن بالنسبة للمشتري وبنقص الثمن بالنسبة للبائع.

    • مسألة - مهمة - / = ذهب الجمهور إلى أن خيار الغبن لا يثبت بمجرده حق للمشتري والبائع ولو كان فاحشاً بل لا يثبت إلا في حالات معينة سأتي ذكرها.
      = والقول الثاني: أن خيار الغبن يثبت مطلقاً.
      واستدل الحمهور:
  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحبان - رضي الله عنه -: (إذا بايعت فقل لا خلابة).
    وجه الاستدلال: ان الحديث أفاد ان خيار الغبن لا يثبت إلا بالشرط.
    واستدل أصحاب القول الثاني: [ان الغبن يثبت مطلقاً.
  • بأن الغبن خديعة ولا يجوز للمسلم أن يخدع غيره.

قال - رحمه الله -:

  • إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة.
    قيد المؤلف - رحمه الله - الغبن با؟ ن يكون خارجاً عن العادة.
    يعني: ان يغبن في السعر بالزيادة عليه غبناً يخرج عن العادة.
    فدلت عبارة المؤلف - رحمه الله - على أن الغبن ليس له حد معين ولا قدر محدود بل يرجع فيه إلى عرف التجار فما اعتبروه غبناً فهو كذلك وإلا فلا.
    = والقول الثاني: أن الغبن يقدر بالثلث.
    فإذا كانت الزيادة الثلث ثبت الحق للمشتري وإذا كان النقص الثلث ثبت الحق للبائع.
    = وقيل: الضابط في ذلك: الخمس.
    = وقيل: الربع.
    ولا يخفى إن شاء الله أن الصواب انه يرجع في ذلك إى العرف.
    ومن أقوى الأدلة على أنه يرجع في ذلك إلى العرف أن الشارع أثبت الحق للمغبون بلا حد وكل شيء جاء في الشرع بلا حد فإنه يرجع فيه إلى العرف.
    الأمر الثاني: الدال على رجحان تقييده بالعرف أنه لا يمكن أن تنضبط السلع بمقدار معين.
    فالثلث مثلاً في بعض السلع غبن وفي بعضها ليس بغبن بل زيادة مائة بالمائة في بعض السلع ليست بغبن وزيادة عشرة في المائة في بعض السلع يعتبر غبن وهذا يرجع إلى طبيعة السلعة والقيمة.
    فالسلعة التي قيمتها ريال إذا زيد عليه مائة بالمائة تصبح كم؟ ريالين.
    هل هذا غبن؟ ثلاثة أو أربعة أو خمسة؟ فليس بغبن.
    لكن البيت الذي اشتري بمليون زيادة عشرو بالمائة كم؟ مائة ألف.
    هل هذا غبن؟ ( ... ). إذاً: تفترق السلع من حيث هي: طبيعة السلعة ومن حيث القيمة.

فلا يمكن أبداً أن نضع حداً معلوماً بأن نقول الثلث أو الربع أو الخمس أو أكثر أو أقل بل لابد أن يرجع في ذلك إلى العرف لهذين الدليلين الذين ذكرتهما لك.

ثم قال - رحمه الله -:

  • بزيادة الناجش والمسترسل.
    خيار الغبن: = عند الحنابلة لا يثبت إلا في ثلاث صور.
    فالحنابلة مع الجمهور في الخلاف الذي ذكرته آنفاً: خيار الغبن لا يثبت عند الحنابلة إلا في ثلاث صور.
    ـ الصورة الأولى: تلقي الركبان.
    ـ والصورة الثانية: بيع النجش.
    ـ والصورة الثالثة: بيع المسترسل.
    ولذلك: في الحقيقة من الخطأ أن المؤلف - رحمه الله - حذف الكلام عن تلقي الركبان فإنه كما تلاحظ بدأ المؤلف - رحمه الله - بالكلام عن بيع النجش وترك تلقفي الركبان مع أن تلقي الركبان موجود في الأصل الذي اختصر منه المؤلف - رحمه الله - كتابه موجود في جميع الكتب أضف إلى هذا أن المذهب المعتمد عند الحنابلة أنه لا يوجد خيار غبن إلا في ثلاث صور.
    فكلهم ىنص على هذه الثلاث صور.
    فلذلك حذفها ليس من المناسب مطلقاً في الحقيقة.
    إذاً: نبدأ بالصورة الأولى: وهي: تلقفي الركبان.
    بعد أن عرفنا أن الحنابلة يخصصون خيار الغبن في ثلاث صور.
    فالصورة الأولى منها: تلقي الركبان.
    وفي تلقي الركبان مباحث: ـ المبحث الأول: تعريفه: هو أن يخرج الرجل لتلقي الركبان والشراء منهم قبل القدوم إلى السوق ومعرفة الأسعار.
    هذا هو تلقي الركبان.
    ـ حكمه: تلقي الركبان: محرم.
    والعقد صحيح.
    الدليل: الدليل على ذلك:
  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فسيده بالخيار إذا أتى السوق) فالحديث دل على المنع وعلى تصحيح العقد إلا أن صاحب السلعة بالخيار إذا هبط إلى السوق.
  • الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على بعض ولا تناجشوا) الشاهد منه: ولا تلقوا الركبان.
    فهو نهي صريح.
    ـ المسألة الثالثة: الصحيح من قولي أهل العلم أن تلقي الركبان محرم قبل أن يهبطوا إلى السوق سواء داخل البلد أو خارج البلد فليس المناط أبداً دخولهم البلد وإنما وصولهم إلى السوق.

ـ المسألة الرابعة: اختلف الفقهاء فيما إذا تلقى الركبان واشترى منهم بنفس سعر السوق.
ولم يدخل عليهم أي نوع من الغبن.
= فمن الفقهاء من صحح العقد.
ومعنى صحح العقد يعني: بلا خيار للبائع.
واستدل على ذلك:

  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أثبت له الخيار دفعاً لضرر الغبن عليه وهو الآن لم يغبن.
    واستدل الذين يرون أن له الخير حتى لو اشترط منه بسعر السوق:

  • بظاهر النص.
    قالوا: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تلقي الركبان وأثبت للركبان الحق والخيار مطلقاً ولم يشر إلى التفريق بين إذا باع وبنفس سعر السوق أو بأقل منه.
    وهذه المسألة مفيدة لطالب العلم وستتكرر معه.
    أقصد أصل هذه المسألة فإنه غالباً ما يقع خلاف بين أهل العلم فمنهم من يأخذ بالمعنى الذي جاء النص من أجله ومنهم من يأخذ باللفظ الذي جاء الحديث على وفقه.
    وهي مسألة مهمة.
    الراجح فيها إن شاء الله الراجح في أصل المسألة: أن الإنسان يأخذ بالمعنى بشرط: أن يكون معنىً متفق عليه ليس فيه خلاف وهو من الظهور بحيث لا يختلف فيه.
    وإلى هذا القيد أشار عدد من المحققين منهم (؟ إن لم أنس) الشيخ الفقيه ابن دقيق العيد.
    فله كلام حول هذه المسألة مهم أشار فيه إلى أنه في حالة ما إذا ظهر المعنى بحيث لا يتوقف فيه الإنسان فإن الأرجح الأخذ بالمعنى.
    وإذا تردد الإنسان أو لم يظهر له المعنى أو اختلف العلماء فيه فالأسلم أن يأخذ بظاهر اللفظ ولا يعول على المعنى.
    بناء على هذا الترجيح في أصل المسألة: نقول الراجح إن شاء الله في هذه المسألة أنه لا خيار للركبان.
    لأنه من المقطوع به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أثبت لهم الخيار دفعاً للضرر والغبن الذي ربما وقع عليهم بسبب عدم معرفتهم للسوق.
    فإذا كان اشترى منهم بسعر السوق فلا حرج عليه إن شاء الله.
    فالراجح إن شاء الله في هذه المسألة أنه لا خيار وأن البيع يقع صحيحاً وهو إن شاء الله أي هذا القول الذي رجحناه لا يتعارض مع ظاهر النص.
    لأن الإنسان يأخذ بالمعنى متى كان ظاهراً واضحاً.
    ولا يأثم لأن الإثم مترتب على الغبن والاثم ملازم للخيار إذا أثمناه فنحكم بالخيار.

ثم قال - رحمه الله -:

  • بزيادة الناجش.
فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل