كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
الدرس رقم (1) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال المؤلف - رحمه الله -:
- كتاب البيع.
= جرى جمهور الفقهاء: على تقسيم الكتب إلى أربعة أو خمسة أقسام فيذكرون في: الأول: كتب العبادات.
ثم البيوع وما يتعلق بها.
ثم النكاح وما يتعلق به.
ثم الجنايات وما يتعلق بها.
ثم القضاء وما يتعلق به.
وإنما قدموا البيوع على النكاح لأمرين: - الأول: كثرة تعامل الناس بالبيوع بالنسبة للنكاح.
- الثاني: شدة الحاجة لمعرفة أحكام البيوع بالنسبة للنكاح.
فإن البيع يقع من غالب الناس والنكاح يقع في الناس أقل منه في البيوع.
= وذهب الأحناف إلى: أن النكاح ينبغي أن يقدم على البيوع فيذكر بعد الحج مباشرة هو وتوابعه ثم يذكر بعد ذلك كتاب البيوع.
واستدلوا على هذا الترتيب: - بأن كلاً من الحج والنكاح يشترك في خصائص واحدة وهي أنها عبادة لابد فيها من البدل والمال وهذا التشابه يقتضي أن نجعل النكاح بعد الحج.
- وأيضاً أن النكاح من الفقهاء من قال: هو سنة.
ومنهم من قال: هو واجب بينما لم يوجب أحد من أهل العلم البيع.
بناء على هذا قالوا: يجب أن يكون النكاح بعد الحج وقبل البيع.
ولا يخفى على طالب العلم أن هذا الترتيب أمر اصطلاحي وأنه فيه سعة: فمن رأى تقديم بعض الأبواب على بعض فهو جيد ولكن لو أن الأحناف وافقوا الجمهور لكان أسهل من حيث أن الفقهاء الأربعة يكون ترتيب الفقه عندهم على نسق واحد.
قال - رحمه الله -:
- كتاب البيع.
البيع: مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
ـ فأما الكتاب: فقوله تعالى - ( ... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... ) -[البقرة/275] وهو نص في المسألة.
ـ وأما السنة: فجملة عظيمة كثيرة من النصوص المروية بالأسانيد الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواز البيع: - منها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
ـ وأما الإجماع: فقد حكاه أكثر من واحد من أهل العلم.
على أن البيع جائز ولم يخالف فيه أحد.
- قال - رحمه الله -:
- وهو: مبادلة.
البيع لم يتعرض المؤلف - رحمه الله - لتعريفه في اللغة.
والبيع في اللغة: هو أخذ شيء وإعطاء شيء.
وقيل - وهو أجود -: أن البيع لغة هو مطلق المبادلة.
والبيع: مشتق في اللغة من المبايعة.
وهي: المطاوعة.
وقيل: مشتق من الباع لأن كلاً من البائع والمشتري يمد باعه للآخر لتسليم السلعة وأخذ الثمن.
ولعل المعنى الأول أقرب.
والاعتراض عليه أقل.
والبيع من الأضداد الذي يطلق على كل من المتعاقدين إلا أنه عند الاطلاق في العرف واللغة ينصرف إلى باذل السلعة لا إلى باذل الثمن.
والمؤلف - رحمه الله - ذكر تعريف البيع في الاصطلاح: - فقال - رحمه الله -:
- وهومبادلة .... إلى آخره ..
لم يتابع المؤلف - رحمه الله - الأصل فهذا مختصر عن المقنع لكنه لم يتابع الأصل في التعريف: لأن تعريف الأصل عليه مؤاخذات كثيرة فعدل المؤلف - رحمه الله - عنه واختار تعريفاً ذكره المرداوي - رحمه الله - ورأى المرداوي أن هذا التعريف أسلم التعاريف ويكاد يخلو من الانتقاد والاعتراض فذكره.
وقد أجاد - رحمه الله - بأنه ذكر تعريفا سليماً من الاعتراضات.
قال - رحمه الله -:
- وهو مبادلة.
المبادلة هي: دفع شيء وأخذ آخر عوضاً له.
فكل جملة من التعريف مقصود: فلابد أن يكون فيه دفع.
ولا بد أن يكون فيه أخذ.
ولابد أن يكون الأخذ مبني على أنه عوض عما دفع فإن لم يكن عوضاً وإنما إعطاء جديد فليس بمبادلة.
وهذا كله تعريف للمبادلة في اللغة.
ولعلك تلمس أن تعريف المبادلة في اللغة قريب من تعريف البيع لأن البيع أيضاً مبادلة ففي الحقيقة بين البيع والمبادلة في لغة العرب تقارب عظيم جداً.
ولذلك عرفوه به.
يعني: عرفوا البيع بالمبادلة. - قال - رحمه الله -:
- وهو مبادلة مال ولو في الذمة.
المال في الشرع لا يطلق إلا على كل عين مباحة النفع لا لحاجة.
وكل عين لا ينطبق عليها هذا التعريف فليست مالاً في الشرع ولو اعتبرها الناس من الأموال.
فيشترط في المال: أن يتضمن نفعاً فإن لم يكن فيه نفع فليس بمال شرعاً.
ويشترط في النفع: أن يكون مباحاً.
فإن كان محرماً فليس بمال شرعاً.
ويشترط في هذه المنفعة المباحة: أن تكون مباحة إباحة مطلقة لا لحاجة ولا لضرورة.
فمثال المباح للحاجة: الكلب.
فإنه مباخ النفع لكن للحاجة.
يعني: يشترط لجوازه وجود الحاجة: ككلب الماشية والرعي ... إلى آخره.
ومثال العين المباحة النفع للضرورة: الميتة.
فإن الميتة في حال الضرورة مباحة.
لكنها مباحة بهذا القيد وهو الضرورة.
وسيخصص المؤلف - رحمه الله - شرطاً كاملاً من شروط البيع في تحديد ماهية العين التي يجوز أن تباع وتشترى ويعتبر من أهم شروط البيع - كما سيأتينا.
- قوله - رحمه الله -:
- وهو مبادلة مال ولو في الذمة.
يعني: ولو كان المبيع موصوفاً في الذمة.
فلا يشترط في المبيع أن يكون من الأعيان بل يجوز أن يكون موصوفاً في الذمة.
والعين الموصوفة في الذمة غالباً ما يسميه الفقهاء: الدين - كما سيأتينا.
فإذاً المبيع ربما يكون عيناً قائمة مشاهدة موجودة.
وربما يكون موصوفاً في الذمة ولا يوجد حال العقد.
مثال الموصوف في الذمة: أن أقول: بعت عليك كتاباً عنوانه كذا ومطبوع في كذا وصفته كذا وكذا وإن لم يكن الكتاب موجوداً حال إجراء العقد.
لكن بشروط ستأتينا في كتاب البيع. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو منفعة مباحة.
قوله: (أو منفعة مباحة).
يعني: إما أن يكون المبيع عيناً سواء كان في الذمة أو مشاهد أو يكون منفعة.
ويشترط في هذه المنفعة ما يشترط في العين: وهي: أن تكون هذه المنفعة مباحة وإباحتها إباحة مطلقة لا لحاجة ولا لضرورة.
فشراء المنفعة المحرمة باطل شرعاً وليس مما يجوز إجراء العقد عليه - أي المنفعة.
مثل المؤلف - رحمه الله - للمنفعة: - بقوله - رحمه الله -:
- كممر دار.
في الحقيقة التمثيل لو كان أدق لكان أحسن.
لأن العقد يقع على منفعة المرور لا على الممر لأن الممر عين وهي قطعة من الارض والعقد لا يقع على هذه العين وإلا لكان من الأعيان ولدخل في النوع الأول وإنما هو يريد - رحمه الله - بقوله: (كممر) يعني: كمنفعة ممر.
فيجب أن يقع العقد على المنفعة لا على الممر وهذا مراده - رحمه الله -. وغيره من الحنابلة وضح هذا الأمر.
وهو في الحقيقة كان ينبغي أن لا يمثل بكلمة ممر لأن الممر من الأعيان فلو قال: كمنفعة ممر.
- ثم قال - رحمه الله -:
- بمثل أحدهما.
قوله: (بمثل أحدهما) الجار والمجرور يتعلق بقوله: (مبادلة) فالمبادلة تكون: للأعيان المباحة أو للمنافع المباحة.
لكن المؤلف - رحمه الله - قسم الأعيان إلى: أعيان مشاهدة وأعيان في الذمة.
فصارت الأشياء التي يجوز إجراء عقد البيع عليها ثلاثة: 1 - العين المباحة.
2 - وما في الذمة.
وهو الدين.
3 - والمنفعة.
ويستطيع الإنسان أن يوجد من هذه الثلاث أشياء تسع صور تجوز في البيع.
ومعلوم أنه إذا بادلت بين هذه الثلاثة أشياء فسيكون عندنا تسع صور.
ونأخذ ثلاث صور.
ثم أنت تستطيع أن تأخذ ست صور بإجراء نفس العملية.
ـ الصورة الأول: بيع عين بعين.
بأن نبيع هذا الكتاب بهذه العشرين ريال الموجودة حال إجراء العقد.
فهذا بيع عين بعين.
ـ الصورة الثانية: بيع عين بدين.
وهو الذي يسميه المؤلف - رحمه الله -: (ما في الذمة).
بأن أقول: اشتريت منك الكتاب أو بعت عليك الكتاب الذي اسمه كذا وصفته كذا بعشرين ريالاً.
فأنت تعطيني العشرين ريال الآن والكتاب موصوف في الذمة يسلم لاحقاً وفي موعد يتفق عليه.
ـ الصورة الثالثة: بيع عين بمنفعة.
بأن أشتري منك منفعة هذا الممر وليس الممر.
فالممر لا يجوز لي أن أبيعه ولا أن أتصرف فيه لكن منفعة هذا الممر هي التي وقع عليها العقد.
ثم تستطيع أن توجد ست صور بإجراء نفس العملية إلا أنه في الصورة التاسعة وهي: (بيع ما في الذمة بما في الذمة) يشترط لصحة العقد تسليم أحد العوضين في مجلس العقد لكي لا يدخل تحت بيع الدين بالدين وهي الصورة التي اتفق الفقهاء - رحمهم الله - على تحريمها.
فيما عدا هذه الصورة التاسعة وهي بيع ما في الذمة بما في الذمة فالصور جميعاً جائزة بلا شرط إضافي عدا الشروط الأصلية لصحة إجراء عقد البيع. - ثم قال - رحمه الله -:
- على التأبيد.
أراد أن يخرج بقوله: (على التأبيد): عقدين: - الأول: الإجارة.
فإن الإجارة وإن كان شراء منافع إلا أنها: شراء منافع مؤقتة.
- والثاني: العارية.
لأنها ليست بتمليك للمنفعة وإنما هي على اسمها: عارية مؤقتة وترجع.
فإذاً هذا القيد أخرج هذين العقدين.
وبهذا القيد: استغنى المؤلف - رحمه الله - عن قيد آخر ذكره الفقهاء وهو: قوله بعضهم (على سبيل التمليك): مبادلة مال بمال على سبيل التمليك.
فلا نحتاج إلى هذا القيد إذا وضعنا التأبيد لأن التأبيد يخرج الصور التي ليس فيها تمليك.
ثم قال - رحمه الله -:
- غير ربا وقرض.
لو تأملت: فستجد ن التعريف المذكور: ينطبق على الربا تماماً.
وينطبق عهلى القرض تماماً.
لكن الربا والقرض ليسا من عقود البيع ولذلك استثناه المؤلف - رحمه الله -. ـ أما الربا فهو مستثنى لأنه محرم: - ( .. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... ) -[البقرة/275] وهو أمر اتفقت عليه الأمة ودلت عليه النصوص المتواترة.
ـ وأما القرض: فليس من البيع لأن الملحوظ فيه في الأكثر هو الارفاق لا التمليك.
ومعلوم أنه إذا كان يقصد به الإرفاق لا التمليك فليس من البيوع لأن البيوع يقصد فيها المعاوضة على سبيل التمليك.
أما القرض فليس كذلك.
ويدل على أنه ليس من البيوع: أن القرض نوع من الربا إلا أن الشارع أباحه وأجازه للحاجة إليه وهو من محاسن الشرع وإلا فإن القرض مبادلة مال بمال مع التأخير لكنه جاز للإجماع ولحاجة الناس إليه وليس من البيوع في شيء لأنه يشترط في البيع أن يخلو العقد من الربا ونحن لا نشترط في القرض أن يخلو من الربا ولا من صورة الربا الذي ليس فيه زيادة ولذلك هو فيه نسيئة لكنه جاز بالإجماع كما قلت لحاجة الناس إليه.
إذاً تبين معنا لماذا نص المؤلف - رحمه الله - على الربا والقرض: لأنهما لو لم يخرجا لدخلا في تعريف البيع. - ثم قال - رحمه الله -:
- وينعقد ....
ينعقد الييع في الشرع بصورتين فقط: ومعنى (ينعقد) يعني: يوجد.
ـ الصورة الأولى: قولية.
ـ والصورة الثانية: فعلية.
وإنما بدأ المؤلف - رحمه الله - بالصورة القولية: لأنه متفق على جوازها وأخر الفعلية لما فيها من الخلاف بين أهل العلم فقدم المتفق عليه على المختلف فيه.
قال - رحمه الله -:
- ينعقد بإيجاب وقبول.
- الإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع.
- والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري.
ويجب أن يكون الإيجاب من البائع والقبول من المشتري وجوباً.
إلا ما سيستثنيه المؤلف - رحمه الله -. - يقول - رحمه الله -:
- بإيجاب وقبول بعده.
الأصل: أن القبول يجب أن يكون بعد الإيجاب مباشرة.
فإذا أوجب البائع فيجب أن يقبل المشتري مباشرة.
وهذا هو الأصل: وهو ان يكون القبول بعد الإيجاب.
وهذه الصورة التي بدأ بها المؤلف - رحمه الله - إنما بدأ بها لأنها الأصل. - ثم قال - رحمه الله -:
- وقبله.
يعني: ويصح أن يكون القبول قبل الإيجاب.
بشرط: أن لا يوجد في الإيجاب ما يدل على عدم إرادة إيقاع العقد.
أو بعبارة أخرى: بشرط أن يكون الإيجاب بلفظ الأمر أو الماضي الخالي عن الاستفهام.
إذاً: يشترط في الإيجاب إذا تقدم على القبول ان لا يقترن به ما يدل على عدم إرادة إيقاع العقد.
فإن اقترن به ما يدل على ذلك: لم يتم العقد.
فإذا قال: أتبيع علي؟ فهذا ليس بإيجاب مقبول ولو قال البائع: نعم.
فإن العقد باطل.
لأنه يشترط في حال تقدم الإيجاب أن لا يقترن بما يدل على عدم إرادة العقد.
إذاً: يجوز: = عند الحنابلة تقدم القبول لكن بهذا الشرط.
فإن تقدم القبول بغير هذا الشرط فإن العقد باطل ولو استوفى أركانه.
= والقول الثاني: أن الإيجاب والقبول يصح بأي صيغة وبأي كيفية بلا مراعاة للترتيب ولا للصيغة ما دام العاقدان يريدان إيقاع العقد.
فما داموا يريدون أيقاع العقد فالعقد صحيح بلا شرط ولا قيد: - تقدم الإيجاب أو تأخر القبول وحصل العكس أو احتف به ما يدل على التردد فما دام أن كلاً من العاقدين يريد إيقاع العقد فالعقد صحيح.
وإلى هذا: ذهب شيخ الإسلام - رحمه الله - وانتصر له بأدلة كثيرة ويمكن أن يفهم هذا القول أيضاً من تعليلات الشيخ الفقيه ابن قدامة - رحمه الله - كما سيأتينا.
فتعليلات الشيخ - رحمه الله - تدل أيضاً على أنه يميل إلى هذا القول. - ثم قال - رحمه الله -:
- ومتراخياً عنه في مجلسه.
يعني: يجوز أن يقع القبول متراخياً عن الإيجاب بشرط أيقع ذلك في المجلس.
فإن وقع القبول بعد المجلس فإن العقد باطل ولابد من إعادة العقد من جديد بإيجاب وقبول جديدين.
فإذا قال زيد لعمرو: بعتك السيارة.
ولم يجب عمرو حت قاموا من المجلس ووصل كل واحد منهما إلى بيته فاتصل وقال: قبلت.
= فعلى المذهب: العقد باطل ولابد من إجراء العقد من جديد.
بأ يقول البائع: بعتك السيارة.
فيقول: المشتري: قبلت.
فإن قال المشتري: قبلت.
بدون إيجاب جديد فالعقد باطل.
لماذا؟
لأن الحنابلة يشترطون مع التراخي أن يكون الإيجاب في المجلس.
دليلهم:
- قالوا: الدليل على ذلك: أن المجلس في معنى العقد.
يعني: ما دام المجلس موجوداً كأن العقد وهو العرض موجود وهو الإيجاب فإذا انفض المجلس فكأن المشتري رد البيع وإذا رد المشتري لبيع لم يمكن أن يعقد إلا بإيجاب جديد لأن القبول وقع من غير إيجاب لأن الإيجاب الأول رد في المعنى.
= والقول الثاني: أن الإيجاب يصح مع التراخي ولو في غير المجلس ولو تراخى الأمر وقتاً طويلاً. - لأنه لا يوجد دليل على اشتراط البقا في المجلس مع التراخي.
وإلى هذا أيضاً: ذهب شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله -. وهو القول الصواب.
-
- فإن قيل يلزم من هذا أن نلزم الموجب الذي هو البائع بعقد قد يكون رجع عنه؟ فإذ قال شخص: - زيد لعمرو - بعتك السيارة وجاء عمرو بعد ست ساعات فقال: نعم.
فنكون ألزمنا البائع بأن يبيع وقد يكون صرف النظر عن البيع؟ فالجواب: أن هذا ليس بصحيح.
لأنه إذا جاب المشتري وقال: قبلت.
صار هذا مجلس العقد الجديد ومجلس العقد للبائع والمشتري فيه الخيار فللبائع أن يقول: عدلت عن البيع.
فليس في تأخير الإيجاب أي نوع من أنواع إلزام البائع لأن له بمقتضى خيار المجلس أن يرفض البيعة.
- فإن قيل يلزم من هذا أن نلزم الموجب الذي هو البائع بعقد قد يكون رجع عنه؟ فإذ قال شخص: - زيد لعمرو - بعتك السيارة وجاء عمرو بعد ست ساعات فقال: نعم.
- ثم قال - رحمه الله -:
- فإن اشتغلا بما يقطعه: بطل.
هذا هو الشرط الثاني: أن يكون في المجلس ويضاً أن لا يشتغل بما يقطع الرد.
فإن أوجب البائع واشتغل المشتري بشيء خارج عن موضوع العقد ثم ىجاب بعد ذلك فالبيع باطل ويحتاج كل منهما إلى إعادة العقد بأن يعيد الإيجاب ويعيد المشتري القبول.
والدليل: - هو الدليل الأول: أن في تشاغل المشتري ما يدل على الإعراض والرد.
فالإيجاب الأول مردود فيحتاج القبول الثاني إلى إيجاب جديد.
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألتين السابقتين تماماً إذ لا دليل على هذا التفصيل وما زال المسلمون يتبايعون هذه المبايعات ولو اشتغلوا بغير العقد الذي تكلموا فيه وتتم هذه البيوع ولم ينقل عن أحد من السلف الإبطال بمثل هذه الانقطاعات.
فالصواب أنه جائز ولا حرج فيه والعقد صحيح بلا حاجة إلى إجراء عقد صوري جديد.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
وهي الصيغة القولية.
يعني: وما تقدم من الإيجاب والقبول هي الصيغة القولية. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وبمعاطاة وهي الفعلية.
الصورة الثانية لإيجاد العقد في الشرع: الصيغة الفعلية وهي: المعاطاة.
= ذهب الحنابلة والمالكية والأحناف والجماهير إلى أن عقد المعاطاة: صحيح ونافذ.
واستدلوا على هذا: -
بأن عقد البيع جاء في القرآن والسنة مطلقاً غير مقيد بشيء.
ولم يبين القرآن ولا السنة كيفية تفصيلية لإجراء عقود البيع.
وكل عقد جاء في الشرع ولم يحدد بصفة وكيفية معينة فإنه يرجع في كيفيته إلى العرف.
وإذا رجعنا إلى العرف فإن العرف يقر إجراء العقود بالمعاطاة والمبادلة ولو لم يكن في أثناء هذه المبادلة صيغة قولية.
= والقول الثاني: للشافعية.
وهو أنه لا يمكن إجراء عقد البيع إلا بصيغة قولية.
والسبب: أن الشافعي - رحمه الله - لا ينظر إلى حقيقة العقود بقدر ما ينظر إلى صيغ وأشكال العقود.
فهو يقول: وإن كان قصد كلاً من المتبايعين إيقاع العقد إلا أنا لا ننظر لهذا القصد وأنا ننظر إلى الشكل الظاهر وهو لم يوجد صيغة قولية تفيد إرادة البيع.
وهذا المبدأ عند الشافعي من أضعف المباديء وهو أنه ينظر للصورة لا للحقيقة.
فإن هذا المبدأ عند الإمام الشافعي أدى به إلى المنع من العقود الجائزة وأدى به في نفس الوقت إلى إجازة عقود باطلة فهو في الحقيقة من أضعف أصول الشافعي وهو أصل ليس عند الإمام أحمد - رحمه الله - ولا عند مالك - رحمه الله - لكنه من أصول الشافعي التي يستغرب الإنسان من الشافعي أن يؤصل مثل هذا الأصل وهو: أن العبرة عنده بظاهر وشكل العقد لا بحقيقته.
وكما قلت لكم: أدى به إلى المنع من شيء واضح الجواز: كمسألتنا هذه وإلى جواز صور هي من الحيل الظاهرة التي يكاد جميع الفقهاء فيما عدا الشافعي يحرمها إلا هو نظراً منه إلى ظاهر العقد - كما سيأتينا في كتاب البيوع أمثلة كثيرة.
والراجح: كما هو واضح هو مذهب الجماهير.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى مبحث من أهم المباحث وهو: الشروط.
- فقال - رحمه الله -
- ويشترط ...
اشترط الفقهاء لصحة عقثد البيع سبعة شروط.
لا يصح العقد إلا إذا توفرت.
ولعل المؤلف - رحمه الله - رتب هذه الشروط حسب الأهمية فسيأتينتا أن الشرط الثاني من أهم الشروط إلا أن الشرط الأول هو مبدأ إجراء العقد فبدأ به المؤلف - رحمه الله -. الشرط الأول: - قال - رحمه الله -:
- (1) التراضي منهما.
يشترط لصحة البيع التراضي.
والتراضي هو: أن يقع العقد باختيار كل من الطرفين.
فإذا فقد الاختيار فقد التراضي.
والدليل على هذا الشرط: - قوله تعالى: - ( ... إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ... ) -[النساء/29].
فنصت الآية على أنه لابد من التراضي في التجارة.
= وذهب إلى اشتراط التراضي: الجماهير.
فكلهم رأى أن العقد لا يصح إلا بالتراضي.
والخلاف الذي يوجد في التراضي هو من وجهة نظري خلاف شاذ فيما يتعلق بإسقاط هذا الشرط.
أما ما يتعلق بتصحيحه مع بقاء الخيار للعاقدين فهذا خلاف قد يكون معتبراً لكنه يؤول إلى اشتراط التراضي فلا حاجة للتطويل به.
أما القول: بأن التراضي ليس بشرط وأنه نكتفي بظاهر قبول وإيجاب العاقدين فهو قول شاذ بعيد عن مقاصد الشرع والنصوص الفقهاء المحققين. - قال - رحمه الله -:
- فلا يصح من مكره بلا حق.
الإكراه نقيض التراضي تماماً.
ولذلك نص عليه المؤلف - رحمه الله -.
والإكراه ينقسم إلى قسمين:
- إكراه بغير حق.
وهو المقصود بالبحث والذي ذُكِرَتْ له الأدلة في إبطال العقد إذا جرى معه - يعني: مع الإكراه الذي بغير حق. - القسم الثاني: الإكراه بحق وهذا يصح معه العقد.
لأنا إنما أبطلنا رضى البائع بحق.
وإذا سقط الشرط بحق صح العقد.
ومن أمثلة هذا السقوط: أن يُلزِم الحاكم المدين ببيع أحد أمتعته أو مملوكاته لوفاء الدين الذي عليه - أي لوفاء الدين الحال الذي عليه.
فهذا العقد ولو كان مع عدم رضى البائع فهو عقد صحيح نافذ تنبني عليه كل فروع صحة عقد البيع.
-
- مسألة / ذكرها العلماء: وهي مفيدة في وقتنا هذا:
- إذا أكره الإنسان على دفع مال فباع متاعه ليدفع المال: فحكم هذا العقد:
= عند الحنابلة: أنه صحيح مع الكراهة.
ـ أما أنه صحيح عند الحنابلة: فلأن الإكراه وقع على دفع المال لا على البيع.
وإذا كان الإكراه لا يتعلق بالعين المباعة التي جرى عليها العقد: فالعقد صحيح.
وهذا دليل الصحة.
ـ وأما الكراهة فدليلها: أن هذا المكره غالباً سيبيع السلعة بأقل من ثمنها.
ولذلك قالوا: هو مكروه.
= القول الثاني: أن هذا البيع صحيح بلا كراهة.
وهو قول تبناه شيخ الإسلام - رحمه الله -. دليله: - أن القول بكراهة هذا العقد قد يؤدي إلى عدم الشراء من هذا المضطر فنوقع هذا المضطر في ضرر زائد.
وهذا العقد يسمى عند الفقهاء: بيع الاضطرار.
وهذا العقد يقع في وقتنا هذا كثيراً فيما يستخدمه الناس بالتورق فتجد الشخص يشتري سيارة بقيمة مؤجلة ثم يبيع هذه السيارة بقيمة حاضرة أقل قطعاً من القيمة المؤجلة بل هي أقل من سعر المثل.
فهل هذه الصورة المعاصرة تدخل في بيع المضطر؟ ـ على الخلاف فيه.
ومن وجهة نظري: أنه ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يشتري السيارة بالتقسيط - يعني: بثمن مؤجل زائد - بغرض التجارة.
فهذا ليس من بيع المضطر لأنه ليس بمضطر إلى أن يجري هذا العقد وإنما يريد التزيد والتجارات.
فهذا ليس من بيع المضطر في شيء ولا يأخذ أي حكم من أحكام بيع المضطر.
- وأنتم الآن سمعتم الخلاف في بيع المضطر ومن أحكام بيع المضطر المتفق عليها: أنه ينبغي لمن استطاع أن يراعي المضطر أن يراعيه بأن يشتري بسعر المثل وليس من المراعاة أن لا يشتري لأنه يوقع هذا المضطر في إحراج لكن من المراعاة أن يشتري بسعر المثل.
إذاً: القسم الأول ليس من بيع المضطر وإن كانت صورته صورة بيع الضطر لأن الإنسان لا يمكن أن يشتري ويجعل في ذمته مبلغاً أكثر من قيمة البيع الحال إلا وهو مضطر. - القسم الثاني: أن يفعل ذلك اضطراراً.
كأن يريد أن يتزوج أو يريد أن يسدد ديناً حالاً اضطر إليه أو أن يريد العلاج كما يصنعه بعض الناس.
فهذا القسم الثاني من بيع المضطر وتتنزل عليه الأحكام التي ذكرها الفقهاء لبيع المضطر. - ثم قال - رحمه الله -:
- (2) أن يكون العاقد جائز التصرف.
الشرط الثاني لصحة العقد: أن يكون العاقد جائز التصرف.
وجائز التصرف هو: الحر المكلف الرشيد.
فيشترط أن يكون حراً وأن يكون بالغاً عاقلاً وأن يكون رشيداً يحسن التصرف في الأموال.
ومقصود الفقهاء بقولهم (يحسن التصرف في الأموال) أي: فلا يقع في السفاهات والتصرفات التي يحكم عليه بها أنه سفيه ولا يقصدون بقولهم (يحسن التصرف) أن يكون تاجراً متميزاً عارفاً بالصنعة فإن هذا لا يشترط: فمن الناس من يحسن التجارة ومنهم من لا يحسن التجارة.
ومن لا يحسن التجارة: لا يمنع من البيع والشراء.
فإذاً مقصودهم هو هذا: أن لا يكون أخرقاً يقع في السفاهات وسيأتينا مزيد إيضاح في كتاب الحجر فهو مبحث مهم من مباحث كتاب الحجر.
الدليل على اشتراط هذا الشرط: - قوله تعالى: - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) -[النساء/6] فلابد أن يبلغ النكاح.
يعني: أن يبلغ وأن يكون رشيداً.
لما ذكر المؤلف - رحمه الله - هذا الشرط وذكرنا الآن دليل هذا الشرط وأن العقد لا يصح إلا بتوفر أهلية العاقد ذكر ما يشبه الاستثناء:
- فقال - رحمه الله -:
- فلا يصح تصرف صبي وسفيه: بغير إذن ولي.
تصرف الصبي والسفيه: معلوم أنه لا يصح من الشرط الأساسي وإنما أعاده المؤلف - رحمه الله - ليبين أنه يستثنى بحكم وهو: جواز تصرف الصبي والسفيه بشرط: إذن الولي.
وهذا الحكم خاص بالصبي والسفيه.
فالمجنون: لا يجوز أن يعقد ولو أذن له الولي.
فإنه ليس بأهل للعقود.
إذاً: يستثنى من هذا الشرط الصبي والسفيه إذا أذن لهما الولي.
والدليل على أنه يستثنى إذن الولي: - قوله تعالى: - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ... ) -[النساء/6] وابتلاء اليتامى لا يكون إلا بتمكينهم من إجراء بعض العقود لينظر هل يحسنوا العقد أو لا؟ فدلت الآية على أن لولي الصبي والسفيه أن يأذن لهما بإجراء العقود.
ويشترط في إذن الولي شرطان: - الأول: أن لا يأذن لهما إلا بما فيه مصلحة.
فإن أذن لهما بما لا مصلحة فيه فإذنه باطل والعقد باطل. - والثاني: أن يأذن لهما إذناًً مقيداً لا مطلقاً بأن يأذن لهما بإجراء عقد أو أكثر من عقد لكنها معلومة معينة مقيدة أما الإذن المطلق فهو ينتنافى مع اشتراط أهلية العاقد.
-
- مسألة / فإذا أذن لهما الولي فإنه يجوز إجراء العقد من قبل الصبي في الكثير والقليل.
لو يأذن لهما ببيع - مهما كان من الأعيان - الباهضة في الثمن فالعقد صحيح ما دام أنه جرى بإذن الولي.
لأنا نفترض أن الولي لن يأذن إلا بما فيه مصلحة للصبي.
- مسألة / فإذا أذن لهما الولي فإنه يجوز إجراء العقد من قبل الصبي في الكثير والقليل.
-
- مسألة/ وإذا أذن الولي للصبي فللصبي أن يباشر العقد ولا يشترط أن يباشر العقد الولي.
-
- مسألة/ الصبي والسفيه: لا يجوز لهما إجراء العقود بلا إذن الأولياء إلا فيما كان يسيراً فإذا كان الشيء الذي يباع أو يشترى شيئاً يسيراً فإنه يصح العقد.
والدليل على ذلك:
- مسألة/ الصبي والسفيه: لا يجوز لهما إجراء العقود بلا إذن الأولياء إلا فيما كان يسيراً فإذا كان الشيء الذي يباع أو يشترى شيئاً يسيراً فإنه يصح العقد.
- أن صبيان الصحابة والناس ما زالوا يبيعون ويشترون فيما خف وسهل من الأمور.
فدل هذا على أن الشارع أجاز مثل هذه الأمور إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة منع الصبيان من إجراء العقود التي جرى العرف بها مما هو يسير.
الأمر الثاني: أن اليسير أمره خفيف ولا مضرة فيه ظاهرة على الصبي وفيه تمرين عليه فجاز لتحقيق هذه المصالح.
وبهذا انتهى الشرط الثاني ونبدأ إن شاء الله في الدرس القادم بالشرط الثالث.
شرح كتاب البيع الدرس رقم (2)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن شروط البيع وأخذنا الشرط الأول والثاني ونبدأ اليوم بالشرط الثالث.
- قال - رحمه الله -:
- وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة.
الشرط الثالث: أن تكون العين المباعة مالاً شرعاً.
أي: أن تعتبر من الأموال في الشريعة.
والمال في الشرع: هو كل عين فيها منفعة مباحة لغير حاجة.
وخرج بهذا القيد: العين التي ليس فيها منفعة: كالحشرات.
فإنها أعيان لكن لا منفعة فيها فهي ليست مالاً في الشرع.
وخرج بهذا القيد: الأعيان التي فيها منفعة لكنها محرمة: كالخمر.
فإنه ليس بمال في الشرع.
وخرج أيضاً: الأعيان التي فيها منفعة مباحة لكن عند الضرورة: كالميتة.
فهذه ليست بمال شرعاً.
وخرج أيضاً: الأعيان التي فيها منفعة مباحة للحاجة: كالكلب.
فهذه ليست مالاً شرعياً.
إذاً يشترط في المبيع ليجوز بيعه وشرائه: أن يكون مالاً شرعياً.
والمال الشرعي هو: ما اتصف بالصفات السابقة.
ولما بين المؤلف - رحمه الله - القاعدة العامة ذكر أمثلة لهذه القاعدة لكنه راعى في الأمثلة أن ينوع في المسائل ليشمل أجناس الأعيان التي يجوز أن تشترى وتباع: - فقال - رحمه الله -:
- كالبغل والحمار.
البغل والحمار من الأموال الشرعية.
يعني: مال في الشرع فيجوز أن يباع وأن يشترى.
وأشار المؤلف - رحمه الله - بهذا المثال إلى أن الأعيان التي يجوز أن تباع وتشترى لا يشترط أن يتفق على طهارتها بل هي من الأموال الشرعية ولو اختلف في طهارتها كالخمار والبغل: = فمن الفقهاء - رحمهم الله - من يرى أنها طاهرة.
= ومن الفقهاء - رحمهم الله - من يرى أنها نجسة.
والدليل على جواز بيع وشراء البغل والحمار من وجهين:
- الوجه الأول: أن الحمار عين مباحة الاقتناء بلا حاجة وفيها نفع مباح.
- والوجه الثاني: الإجماع.
فإن الأمة ما زالت من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا وهي تبيع وتشتري الحمير والبغال بلا نكير من أحد.
فهو إجماع.
والمؤلف - رحمه الله - بدأ بالبغل والحمار لأنا سنقيس عليها أشياء ولأنه متفق في الجملة على جواز بيعه. - ثم قال - رحمه الله -:
- ودود القز وبزره.
دود القز: هو الدود الذي ينتج القز.
والقز هو: أفخم أنواع الحرير.
فهذا النوع من الحشرات يجوز أن يباع ويشترى.
والدليل على جواز بيعه وشرائه: - أن هذه العين عين طاهرة فيها نفع مباح.
وهذا الدليل هو قاعدة الشرط الثالث.
وهو أن يكون المبيع فيه نفع مباح.
فإذاً هذه الدودة التي تنتج هذا النوع لا بأس ببيعها وشرائها لما تقدم من أنها عين طاهرة وأيضاً مباحة النفع.
وبزره: هو الدود قبل أن يبدأ بالدب يعني: صغيره.
وإنما نص المؤلف - رحمه الله - عليه: ليفيد أن ما يجوز بيعه لنفعه يجوز وإن كان النفع سيأتي في المستقبل ولا يشترط في المبيع أن يكون النفع الذي يرجى منه موجود في الحاضر ولذلك نص على بزره. - ثم قال - رحمه الله -:
- والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد.
- الفيل: حيوان معروف.
وينتفع به في أمرين: ـ الأمر الأول: في الحرب فهو من أعظم الدواب التي يقاتل بها.
ـ والأمر الثاني: في نقل الأمتعة وغيرها.
هذا بالنسبة للفيل. - الثاني: سباع البهائم.
أيضاً سباع البهائم يجوز أن تباع وأن تشترى بشرط: وهو أن تصلح للصيد.
فإن كانت لا تصلح للصيد فلا يجوز أن تباع أو أن تشترى لأنه لا فائدة فيها.
= ذهب الجماهير وأكثر أهل العلم - بل إن بعض الفقهاء حكاه إجماعاً: إلى جواز بيع وشراء الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد.
واستدلوا على هذا الحكم: - بأن فيها نفعاً مباحاً.
- وبأنه يجوز أن تقتنى بلا حاجة.
- وبالقياس على الحمار.
= والقول الثاني: أن سباع البهائم لا يجوز أن تشترى ولا أن تباع.
وإليه ذهب عدد قليل من أهل العلم.
واستدلوا بأمرين: - الأمر الأول: أنها أعيان نجسة.
- والأمر الثاني: القياس على الكلب.
وسيأتينا حكم بيع وشراء الكلب.
والراجح والله أعلم جواز بيع سباع البهائم التي ينتفع بها في الصيد والفيلة التي تستخدم استخدامات نافعة ومباحة.
وهو مذهب الجماهير: لأن القياس على الكلب قياس فيه نظر من وجهين:
- الوجه الأول: أن إلحاق السباع بالحمار أقرب.
لأن الحمار وإن كان نجساً: جاز بيعه وشرائه فكذلك سباع البهائم.
فالنجاسة لا تمنع دائماً من البيع والشراء. - والوجه الثاني: أن الشارع الحكيم خص الكلب بجملة من الأحكام.
فالكلب يغسل من ولوغه سبعاً وأمر في أول الإسلام بقتله والأسود منه يقطع الصلاة.
فخصه الشارع بجملة من الأحكام فلا يقاس عليه غيره من الأعيان الأخرى يعني: من البهائم.
والخلاصة: أن الراجح جواز بيع وشراء سباع البهائم بهذا الشرط.
-
- مسألة/ الذي يظهر لي: أن الفقهاء - رحمهم الله - إنما نصوا على أن يكون مما يصلح للصيد: لأن هذا العمل هو الذي ينتفع به بسباع البهائم في وقتهم.
فإن أمكن أن ينتفع بسباع البهائم بشيء غير الصيد كما هو في وقتنا الحاضر: ينتفعون به بأشياء كثيرة فإنه أيضاً يجوز لأن العلة والمناط هو أن ينتفع به في شيء مباح.
فإذا حصل الانتفاع جاز ولو لغير الصيد.
- مسألة/ الذي يظهر لي: أن الفقهاء - رحمهم الله - إنما نصوا على أن يكون مما يصلح للصيد: لأن هذا العمل هو الذي ينتفع به بسباع البهائم في وقتهم.
- ثم قال - رحمه الله -:
- إلاّ الكلب.
يعني: فلا يجوز أن يباع ولا أن يشترى.
= ذهب الجماهير - الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الفقهاء - رحمهم الله - إلى أن بيع وشراء الكلب: محرم. - لما ثبت في الصحيحين: بأسانيد صحيحة ثابتة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن ثمن الكلب.
- ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ثمن الكلب خبيث).
- ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في بائع الكلب: (فإن جاء يوماً يطلب الثمن فاملأ كفه من التراب).
وهذه الأحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في السنن ومجموعها يدل دلالة واضحة على أن الشارع نهى وأبطل بيع الكلب.
= القول الثاني: أن الكلب يجوز أن يباع وأن يشترى. - لأن فيه نفعاً مباحاً بل نفعه أكبر من غيره من الحيوانات.
وهو أطوع وأقبل للتعليم.
وإلى هذا ذهب الأحناف.
وهذا القول: قول شاذ ضعيف وأحسن ما يقال في من ذهب إليه: أنه لم تبلغهم النصوص وإلا فإنه ليس للإنسان أن يخالف هذه النصوص الصريحة الصحيحة مع عمل السلف لمجرد علل يصادم بها النصوص.
= والقول الثالث: أنه يجوز بيع الكلب المعلم دون غيره.
- لما رواه النسائي في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد.
والجواب: أن الإمام النسائي نفسه - رحمه الله - لما أخرج هذا الحديث قال: وهو حديث منكر.
فهذا الاستثناء ضعيف ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. والراجح: القول الأول وهو مذهب الجماهير الذي يتفق مع النصوص الصريحة الصحيحة. - ثم قال - رحمه الله -:
- والحشرات.
يعني: ولا يجوز أن تباع الحشرات. - لأنه يشترط في المبيع أن يكون له نفع.
والحشرات ليس لها نفع فالعقد عليها باطل لأنها ليست من الأموال الشرعية.
وعلم من تعليل الفقهاء أنه لو كان لبعض الحشرات التي ليس لها نفع في السابق نفع في اللاحق أو في وقتنا هذا المعاصر فإنها تصبح من الأموال.
فلو جمع الإنسان حشرات بكميات كبيرة وباعها على المختبرات فإن العقد عقد صحيح لأنه عقد على عين فيها منفعة وإنما أبطل الفقهاء - رحمهم الله - البيع في الحشرات لأنه ليس لها في وقتهم أي نفع لا مباح ولا غير مباح.
ثم قال - رحمه الله -:
- والمصحف.
= المصحف لا يجوز أن يباع ولا يشترى عند الحنابلة.
وقد انتقد كثير من الشراح كون المؤلف يعطف المصحف على الحشرات.
ولو أنه أعاد الفعل مع حرف العطف وجعل منع بيع المصحف في جملة مستقلة لكان أولى وأحسن وأكثر أدباً مع المصحف.
= ذهب الحنابلة إلى أنه لايجوز أن يباع المصحف ولا يكره أن يشرى استنقاذاً.
إذاً مذهب الحنابلة لا يصح ولا يجوز بيع المصحف ولا يكره أن يشترى إذا كان على سبيل الاستنقاذ.
واستدلوا على هذا الحكم بدليلين: - الدليل الأول: أن ابن عكر - رضي الله عنه - وددت أن الأيدي تقطع فيه.
يعني: في بيع المصحف. - والدليل الثاني: احتراماً وتقديراً ورفعةً للقرآن أن يكون من السلع التي تباع وتشترى.
= القول الثاني: أنه لا بأس ببيعه ولا حرج. - لأن العقد يقع على الورق والحبر لا على كلام الله.
- ولأن الحاجة تدعو إلى مثل هذا.
- ولأنه ما زال المسلمون يتبايعون على المصاحف من غير نكير.
والعمل على القول الثاني. - ثم قال - رحمه الله -:
- والميتة.
يعني: ولا يجوز بيع الميتة.
وبيع الميتة: محرم بالإجماع. - لحديث جابر - رضي الله عنه - في الصحيح أنه قال: إن الله ورسوله يحرمان بيع الميتة والخنزير والأصنام والخمر.
فدل النص والإجماع على تحريم بيع الميتة. - والتعليل يدل على ذلك: لأنها نجسة.
فإذاً: لا يجوز بيع ولا شراء الميتة وهذا أمر واضح ومجمع عليه.
وقوله (والميتة).
يستثنى من ذلك: ميتتان وهما: - السمك.
- والجراد.
لأن ميتة السمك وميتة الجراد طاهرة ويجوز أن ينتفع بها: فجاز بيعها وشرائها.
ثم قال - رحمه الله -:
- والسرجين النجس.
السرجين: كلمة فارسية معربة.
ومعناها: الروث أو السماد.
وقوله: (النجس) يعني: الأرواث النجسة وهي أرواث غير مأمولة اللحم من الحيوان.
فالأرواث النجسة لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى.
لدليلين: - الأول: أنها نجسة.
- والثاني: قياساً على الميتة.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن تباع وأن تشترى. - لأن عمل الناس ما زال على ذلك.
والراجح والله أعلم: أنه لا يجوز أن تباع ولا تشترى.
لأن عمل الناس لا يؤخذ به إذا صادم النص أو معنى النص.
ولأن عمل الناس إنما يعتد به ويعتبر إذا صدر ممن هو أهل لاعتباره كعمل الصحابة أو السلف وأما عمل العوام فلا عبرة به.
فإذاً لا يجوز أن يشتري الإنسان سماد الحمار ولا البغل ولا الفيل ولا الإنسان ولا كل ما حكمنا على روثه بأنه نجس. - ثم قال - رحمه الله -:
- والأدهان النجسة.
لا يجوز بيع ولا شراء الأدهان النجسة.
لأنها نجسة.
وهي تقاس قياساً جلياً على شحم الميتة المجمع على تحريمه.
فإذاً الأدهان النجسة لا يجوز أن تباع ولا يجوز أن تشترى لأنها نجسة وأيضاً كما قلت قياساً على شحم الميتة. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا المتنجسة.
سقط على المحقق وفقه الله حرف الواو وهي ثابتة في كل النسخ كأنها سقطت منه وهماً فالذي معه هذه النسخة يضيف (ولا المتنجسة).
الأدهان المتنجسة يقصد بها الأدهان التي هي في الأصل طاهرة ثم تنجست بوقوع نجاسة فيها.
- لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا.
هو حرام) ينصرف إلى المسئول عنه وهو البيع لا إلى الانتفاع الذي ليس هو موضوع السياق.
وهذا القول أقرب إن شاء الله: أن الانتفاع بالأعيان النجسة لا بأس به وله نظائر في الشرع فهذا الكلب لا يجوز أن يباع ولا أن يشترى ويجوز ان ينتفع به: بالصيد أو الحراسة أو الزرع أو بغير ذلك مما أجازه الشارع.
وإذا كان لهذا الحكم نظير في الشرع صاغ لنا أن نحكم به.
المسألة الثانية: - يقول - رحمه الله -:
- في غير مسجد.
يجوز الاستصباح بالمتنجسة لكن لا يجوز أن يكون ذلك في المسجد. - لأن الدخان الذي يخرج بعد الإحراق نجس فلا يجوز أن ندخله إلى المسجد.
وهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل الاستحالة تطهر بها العين النجسة أو لا تطهر؟ وتقدمت معنا في كتاب الطهارة وأن الراجح إن شاء الله: بلا إشكال أن الاستحالة تطهر الأعيان النجسة لأنها تقلب العين النجسة من عين إلى عين أخرى تختلف في الصفات والشارع الحكيم إنما يربط الأحكام بالعلل والأوصاف وأوصاف هذه العين النجسة زالت وأصبحت عيناً أخرى طاهرة.
فإذاً الأقرب أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة.
فبناءً على ذلك: يجوز الاستصباح في المسجد وفي غير المسجد. - ثم قال - رحمه الله -:
- وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه.
الشرط الرابع من شروط البيع: أن يصدر العقد من مالك السلعة أو ممن يقوم مقامه من وكيل أو غيره.
فإن صدر من غير المالك فالعقد باطل.
الدليل على هذا الشرط: - قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه -: (لا تبع ما ليس عندك).
وجه الاستدلال: أنه لا يمكن حمل الحديث إلا على أحد معنيين:
ـ المعنى الأول: لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع مالك الغائب.
ـ أو لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع ماليس مملوكاً لك.
ولا يمكن حمله على المعنى الأول: لأن أهل العلم أجمعوا على جواز العين المملوكة الغائبة أجمعوا على جوازها.
إذاً: لم يبق إلا أن يحمل على: (لا تبع ما ليس مملوكاً لك).
وهذا هو وجه الاستدلال بالحديث وهو ظاهر كما رأيت فلا يجوز للإنسان أن يتصرف بغير ملكه.
- الدليل الثاني: أن ما لا يملك الإنسان هو ملك لغيره والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا يجل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
فليس للإنسان أن يتصرف في مال غيره شرعاً.
الدليل الثالث: أن هذا الشرط في الجملة مجمع عليه فيما عدا مسائل ستأتينا أما في الجملة فإنه مجمع عليه أنه ليس للإنسان أن يبيع ما لا يملك. - قال - رحمه الله -
- فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بلا إذنه: لم يصح.
إذا باع ملك غيره، أو اشترى ملك غيره بغير ماله: فالعقد باطل.
لوجهين: - الوجه الأول: ما تقدم معنا من حديث حكيم.
والأدلة الدالة على تحريم بيع ما لا يملك الإنسان. - والوجه الثاني: أنه لا يقدر على تسليم هذه العين لأنها ليست من أملاكه.
فإذاً دل على هذا الحكم هذان الدليلان.
= القول الثاني: في هذه المسألة - أن الإنسان إذا باع أو اشترى بغير ملكه فإن العقد يكون صحيحاً ويوقف على إجازة المالك فإن أجاز صح العقد وإلا بطل.
واستدل أصحاب هذا القول: - بحديث عروة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه ديناراً ليشتري شاةً فاشترى بالدينار شاتين ثم وهو راجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - باع إحداهما فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بدينار وشاة فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بارك الله لك في صفقة يمينك).
والدعاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - إقرار له على عمله.
فهذا الصحابي الجليل تصرف وتصرف بالبيع والشراء ففي العقد الأول: اشترى من دون إذن المشترى له وفي العقد الثاني: باع من دون إذن مالك السلعة ومع ذلك صحح النبي - صلى الله عليه وسلم - العقدين بل ودعا له.
وهذا القول: هو القول الراجح لأن الحديث صريح فيه ولا يمكن الخروج عن هذا الحديث الصريح الذي فيه إقرار بيع وتصرف الفضولي إذا أجازه المالك. - ثم قال - رحمه الله -:
- وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد: صح له بالإجازة ولزم المشتري بعدمها ملكاً.
هذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي يصحح فيها الحنابلة تصرف الفضولي.
فتصرف الفضولي وهو: من لا يملك.
يصح عند الحنابلة بشرطين:
- الشرط الأول: أن يشتري في الذمة.
ولا يشتري بعين ماله ولا بعين مال الآخرين. - والشرط الثاني: أن لا يسمي من اشترى له في العقد.
فإذا وجد الشرطان صح العقد.
فإن أجاز المشترى له: تم العقد وأصبحت السلعة ملكاً له.
وإن رفض: لزمت السلعة من اشتراها لأنه لم يسم أثناء العقد أحداً.
فلزمته السلعة وليس له أن يرد السلعة إلى البائع إذا لم يجز المشترى له.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يشتري لغيره.
سواء في الذمة أو بمعين.
وسواء كان المعين من مال نفسه أي: المشتري المتصرف تصرف الفضولي.
أو من مال المشترى له.
وسواء سماه أي من اشترى له أو لم يسمه ففي جميع الصور يصح ويجوز العقد بشرط إجازة المالك.
واستدل أصحاب هذا القول: - بالأدلة المذكور في المسألة السابقة.
فيجوز استدلالاً بحديث عروة - رضي الله عنه -. ولا إشكال أنه يجوز إن شاء الله في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية.
ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة: كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر.
قوله: (ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة).
أولاً: يقصد المؤلف - رحمه الله - الأراضي التي فتحت عنوة ولم تقسم.
ولو أنه ذكر هذا القيد لكان أوضح.
إذاً هو يقصد الأراضي التي لم تقسم كأرض الشام ومصر والعراق.
الأراضي المفتوحة عنوة التي رأى الإمام أن لا يقسمها بين المجاهدين وإنما يجعلها وقفاً على عموم المسلمين هذه الأراضي لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى.
لأنها أوقاف والوقف لا يجوز أن يباع ولا يوهن ولا يشترى ولا يتصرف فيه بأي تصرف.
والدليل على تحريم بيع هذه الأراضي: - أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أوقف هذه الأراضي على المسلمين وجعل عليها خراجاً بمنزلة الأجرة يدفع للمجاهدين.
وإذا كان أوقفها على المسلمين فلا يجوز أن تباع ولا تشترى. - الدليل الثاني: أن بعض الصحابة باع واشترى في أراضي الشام والعراق فأبطل عمر بيعه وأبطل شرائه.
=القول الثاني: أنه يجوز أن تباع وتشترى.
يعني: الأراضي التي فتحت عنوة.
ونحن نتكلم عن الأراضي التي فتحت عنوة لا عن البيوت والمساكن فالبيوت والمساكن سيأتي الحديث عنها.
إذاً القول الثاني جواز بيع وشراء الأراضي التي فتحت عنوة بشرط أن يلتزم المشتري بدفع الخراج.
وهو رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - نصرها وأطال في تقريرها شيخ الإسلام - رحمه الله -.
الجواب: عن أن هذه الأراضي وقف عند أصحاب هذا القول: قول شيخ الإسلام - رحمه الله -: أن هذه الأراضي ليست وقفاً من كل جهة بل هي عقد مستقل.
بدليل: أن العلماء أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث.
وبدليل: جواز هبة هذه الأراضي والوقف لا يوهب.
فيقول الشيخ - رحمه الله -: هذه الأراضي التي أوقفها الخلفاء ليست وقفاً من كل جهة بل هي وقف من جهة ومحررة من جهة أخرى.
ونظير ذلك: بيع المنافع الذي تقدم معنا في أول الباب فبيع المنافع ليس بيعاً من كل وجه وليس إجارة من كل وجه فهو إجارة من حيث أنه بيع منافع لأن المنافع موضوعها في الإجارة وهو بيع من حيث التأبيد فهو عقد بين البيع وبين الإجارة لكنهم ذكروه في البيع لأن عقد التأبيد غلب عليه.
فإذاً يوجد في الشرع عقود هي بين عقدين: فبيع المنافع بين عقد البيع وبين عقد الإجارة والأراضي التي لم تقسم: بين الأراضي الموقوفة والأراضي المحررة.
ولاشك أن هذا التقرير بديع جداً من شيخ الإسلام - رحمه الله - وفيه توضيح وجمع بين النصوص التي تدل على جواز هذه الأراضي وشراؤها وبين النصوص التي تدل على المنع.
والأقرب والله أعلم: أنه يجوز أن تباع وتشترى:
- أولاً: لأنه وقع من الصحابة.
- وثانياً: لأن في المنع من مثل هذا حرج شديد.
- وثالثاً: لأن مقصود الخلفاء حين أو قفوا هذه الأراضي هو أن تضرب على رقابها أي: على الأرض نفسها: خراج بمنزلة الأجرة فإذا ضمن هذا الخراج وهذه الأجرة واستمر فلا حرج من البيع ولا مفسدة من تصحيح العقد.
وكما قلت هذا القول إن شاء الله عليه العمل وهو أسهل للمسلمين وفيه فقه وفهم للنصوص التي جاءت عن الصحابة.
-
- فإن قيل: لماذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبطل العقد؟ فالجواب: لأنه خشي من ضياع الأجرة التي هي الخراج وخشي أن يفهم المسلمون أن الأرض إذا انتقلت إلى مسلم أن الخراج يسقط ولذلك منع من ذلك وأبقى الأراضي في يد أهل الذمة ليبقى الخراج.
وإذا عرفنا مقصود عمر - رضي الله عنه - عرفنا لماذا أبطل البيع.
أي: أنه لم يبطله لأن الأرض وقف وإنما لهذا الاعتبار فإذا ضمنا استمرار اخراج والأجرة فلا حرج إن شاء الله.
وعلى هذا العمل اليوم ومنذ قرون أن أراضي الشام ومصر والعراق أنها تباع وتشترى بلا حرج.
-
- مسألة / فإن قيل اعتراضاً على الحنابلة: كيف تقولون إن الأراضي التي فتحت عنوة لا تباع ولا تشترى ومكة فتحت عنوة بلا إشكال وتباع وتشترى؟
الجواب: أن مكة - شرفها الله - لا شك أنها فتحت عنوة وهذا مذهب كثير من المحققين وداخلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجيش فاتحاً.
لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب فيها وأقر أهلها كل في بيته وأعطاهم بيوتهم ولم يقسم مكة بين المهاجرين ولا بينهم وبين الأنصار وإنما أقرها بأديدي أهلها وصاروا يبيعون فيها ويشترون بمحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة.
فيدل على أنها خصصت في هذا الحكم.
= هذا مذهب الحنابلة.
فهم يجيبون عن مكة بمثل هذا.
أن مكة مخصوصة من بين الأراضي التي فتحت عنوة بهذا الدليل وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتحها أقرها في أيدي أهلها.
وعلى القول الراجح لا إشكال ويكون تصرف أهل مكة ببيوتهم وأراضيهم دليل لأصحاب القول الثاني.
- مسألة / فإن قيل اعتراضاً على الحنابلة: كيف تقولون إن الأراضي التي فتحت عنوة لا تباع ولا تشترى ومكة فتحت عنوة بلا إشكال وتباع وتشترى؟
الجواب: أن مكة - شرفها الله - لا شك أنها فتحت عنوة وهذا مذهب كثير من المحققين وداخلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجيش فاتحاً.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يباع غير المساكن.
تحدثنا عن الأراضي وباقي المساكن.
فالمساكن يجوز أن تباع عند الحنابلة وعند غيرهم. - وذلك أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتطعوا خططاً وبنوا فيها مساكن وباعوا واشتروا فيها من غير نكير: في الشام وفي العراق وفي مصر لا سيما في البصرة والكوفة فإنهم أخذوا خططاً كثيرة وبنوا فيها مساكن وتبايعوا - رضي الله عنه -. فإذاً لا إشكال في المساكن وإذا باع الإنسان المسكن فالبيع عند الحنابلة يقع على المسكن لا على أرض المسكن.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يصح: بيع نقع البئر.
نقع البئر: هو الماء المتجمع في قعر البئر.
ومثله العيون التي تنبع.
فهذه المياه لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى.
ويجوز أن يبيع الإنسان الأرض التي فيها النبع والبئر بمعنى الحائط - جدر البئر.
أما الماء نفسه فإنه لا يجوز أن يباع ولا يشترى.
شرح كتاب البيع الدرس رقم (3)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في الدرس السابق الكلام عن حكم بيع الماء وذكر الخلاف في ذهه المسألة وأن الراجح فيما يظهر والله أعلم أنه لا يجوز بيع الماء الزائد عن الحاجة مطلقاً وتقدمت الأدلة والمناقشات.
ونبدأ اليوم بمسائل تتعلق بهذه المسألة وهي: حكم بيع الماء.
ـ المسألة الأولى: حكم الماء إذا حيز:
إذا حاز الإنسان ماء سواء كانت هذه الحيازة في وعاء أو في بركة أو في خزان فإنه لا يجب عليه أن يبذل هذا الماء بل هو ملك له له أن ينتفع به بما شاء وله أن يبيعه:
- لأنه بالحيازة أصبح ملكاً.
- ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلاً أن يحتطب ليستغن عن الناس والحديث في الصحيح.
وحكم الحطب حكم الماء.
فهذا الرجل إذا حاز الحطب فإنه سيبيع الحطب وكذلك الماء إذا حيز بوعاء أو غيره مما ذكرت فهو ملك لمن حازه فله أن يتصرف فيه تصرف الملاك.
ـ المسألة الثانية: إذا تقرر أن من وجد الماء في أرضه في بئر أو عين أنه يجب أن يبذل ما زاد عن حاجته فإنه مع ذلك نقول: هو أولى وأحق الناس بهذا الماء.
فإذا كانت له حاجة بهذا الماء فهو مقدم على غيره ولا يجوز لغيره أن يعتدي على الماء الذي يحتاجه صاحب الأرض وإنما يجب بذل الزائد عن الحاجة فقط أما ما يحتاجه صاحب الأرض فهو له.
بناء على ذلك: ما يقع الآن في وقتنا من تعبئة السيارات بالماء وبيعها حكمه فيه تفصيل:
ـ إن كان صاحب البئر يملأ السيارات من البئر مباشرة فهو لا يجوز حسب ما قررنا.
لأنه باع الزائد عن حاجته بيعاً والإنسان لا يجوز له أن يبيع ما زاد عن حاجته ولو تكلف في إخراجه لأن البئر أيضاً يتكلف الإنسان في إخراج الماء منها ومع ذلك لا يجوز أن يبيعه.
ـ وأما إن كان يضع الماء في خزانات كبيرة أو في برك أو ما أشبه هذه الأمور ثم يعبي السيارات منها فهذا جائز وعمله مباح.
ومن هنا يجب أن يتنبه الذين يتاجرون ببيع الماء أن لا يبيعوه من البئر مباشرة بل يحوزوه أولاً في برك أو خزانات ثم بعد ذلك يتصرفون فيه تصرف الملاك.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولا ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك.
الكلأ والشوك: حكمه حكم الماء.
فالتفصيل الذي ذكر في الماء تماماً ينطبق على حكم بيع الكلأ الذي ينبت في أرض الإنسان.
والراجح في تلك المسألة هو الراجح في هذه المسألة.
-
- مسألة / فإن كان الكلأ أنبته الإنسان في أرضه باعتنائه واختياره.
فهو ملك له ولا يدخل في المنع وله أن يتصرف فيه تصرف الملاك.
لأنه نبت بعمله والأصل في الكلأ الذي لا يجوز أن يحوزه الإنسان بعد حاجته - الأصل فيه الكلأ والنبات الذي خرج بأمر الله.
وما خرج بفعل الإنسان وبدون فعله كله بأمر الله لكن المقصود ما خرج بلا تدخل من صاحب الأرض فإن زرعه هو أو أبقى الأرض بلا زرع لينبت فيها الكلأ فكذلك هو ملك له يتصرف فيه تصرف الملاك.
- مسألة / فإن كان الكلأ أنبته الإنسان في أرضه باعتنائه واختياره.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ويملكه آخذه.
تبين معنا مما سبق أن الماء الزائد عن الحاجة والكلأ الزائد عن الحاجة مباح وهو لمن أخذه ولذلك إذا وجد في أرض مملوكة فيجوز للإنسان أن يدخل في هذه الأرض وأن يأخذ هذا الماء الزائد عن حاجة مالك الأرض والكلأ الزائد عن حاجة مالك الأرض ولا حرج عليه في ذلك.
وإذا أخذه تملكه بمجرد الأخذ لأن هذا شأن المباحات فإن المباحات تملك بالأخذ لكن يشترط في دخوله الأرض أن لا يكون في دخوله أذى على صاحب الأرض وأن يستأذن قبل الدخول.
ومن جهة أخرى يحرم على صاحب الأرض أن يمنع دخول الداخل بلا ضرر فإذا استأذنه ولا ضرر عليه فإنه يحرم عليه أن يمنعه.
-
- مسألة / فإن منع صاحب الأرض الناس من الدخول إليها بلا ضرر: فهو آثم.
لكن هل يجوز للناس أن يدخلو قسراً وقهراً بالقوة؟ =من الفقهاء من قال: نعم.
لهم أن يدخلوا ليستنقذوا حقهم الذي أباحهم الله إياه، ولأن المانع ظالم لأنه منع بلا حق.
= ومن الفقهاء من قال: بل إذا منع بلا حق فهوآثم لكن لا يجوز الدخول إلى أرضه لما في هذا من الضرر ومن إيقاع الفوضى ومن المفاسد التي تعلم عند التأمل.
وهذا القول الثاني هو الصحيح.
- مسألة / فإن منع صاحب الأرض الناس من الدخول إليها بلا ضرر: فهو آثم.
ثم قال - رحمه الله -:
- (5) وأن يكون مقدوراً على تسليمه.
يشترط في المبيع أن يقدر على تسليمه فإن كان المبيع مما لا يستطيع البائع تسليمه للمشتري فإن العقد باطل.
لأن هذه الشروط كما تقدم معنا شروط صحة.
والدليل على هذا الشرط من وجهين: - الوجه الأول: أن الإمام مسلم أخرج في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
فهذا حديث ثابت يفيد المنع من الغرر وعدم القدرة على التسليم من أعظم الغرر. - والوجه الثاني: أن المعجوز عن تسليمه كالمعدوم والمعدوم لا يجوز أن يباع بلا إشكال.
فدل على هذا الشرط النص والاعتبار الصحيح.
فهو شرط ثابت لا إشكال فيه وإذا تخلف هذا الشرط عن عقد البيع فهو باطل.
ثم لما قرر الشرط بدأ بالتفصيل: - فقال - رحمه الله -:
- فلا يصح بيع آبق.
المقصود بالآبق هنا: العبد الهارب الذي لا يقدر عليه فهذا هو الآبق.
فالآبق لا يجوز أن يباع ولا يجوز أن يشترى لأمرين:
- الأمر الأول: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن شراء العبد الآبق.
- الأمر الثاني: النهي عن الغرر وتقدم معنا الحديث الذي في مسلم.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يباع العبد الآبق. - لأنه عين مملوكة فجاز لصاحبها البيع.
وهو مذهب ابن حزم.
= القول الثالث: أنه يجوز بيع العبد الآبق على من استطاع أخذه ورده.
واستدل هؤلاء: - بأن المنع من بيع العبد الآبق إنما هوم للغرر والعجز عن التسليم وهو منتف في حق من يستطيع أن يرده ويأخذه.
وهذا القول الثالث: هو الصواب.
أنه يجوز البيع بشرط أن يكون المشتري ممن يقدر على أخذه ورده.
-
- مسألة/ فإن اشترى العبد الآبق يظن أنه يستطيع أن يرده أو أن يأخذه ثم لم يستطع وفاته:
= فمن الفقهاء من قال: يبطل العقد من الأصل.
= ومن الفقهاء من قال: بل يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء.
وهذا القول الثاني هو الصحيح.
أنه يخير بين الفسخ والإمضاء.
- مسألة/ فإن اشترى العبد الآبق يظن أنه يستطيع أن يرده أو أن يأخذه ثم لم يستطع وفاته:
= فمن الفقهاء من قال: يبطل العقد من الأصل.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وشارد.
يعني: ولا يجوز بيع الجمل الشارد.
والخلاف في الجمل الشارد كالخلاف تماماً في العبد الآبق من حيث التفصيل فإن الأحكام متطابقة تماماً. - ثم قال - رحمه الله -:
- وطير في هواء.
أي ولا يجوز للإنسان أن يبيع الطير الذي في الهواء ولو كان الطير ملكاً له ولو اعتاد الطير الرجوع إلى مكانه. - لأنه معجوز عن تسليمه الآن.
-
- فإن قيل / الطير الذي في الهواء المملوك لصاحبه الذي اعتاد الرجوع يشبه تماماً ملك الإنسان الغائب عنه وملك الإنسان الغائب يجوز أن يباع وأن يشترى.
ـ فالجواب: بل إن بينهما فرق ظاهر: لأن الملك الغائب يرجع بإرادة المالك والطير الذي في الهواء يرجع بإرادة نفسه وليس للمالك أن يجبره على الرجوع متى شاء بل يرجع بإرادة نفسه.
فبينهما فرق واضح من هذه الجهة.
= والقول الثاني: أنه يجوز بيع الطير في الهواء إذا كان من الطيور التي تعتاد الرجوع إلى مكانها.
- فإن قيل / الطير الذي في الهواء المملوك لصاحبه الذي اعتاد الرجوع يشبه تماماً ملك الإنسان الغائب عنه وملك الإنسان الغائب يجوز أن يباع وأن يشترى.
- لأن هذا الطير يقدر على تسليمه وإن تأخر التسليم إلى الرجوع.
- ولأن الناس اعتادوا على بيع الحمام الطائر ووصفه للمشتري أثناء طيرانه وإتمام الصفقة وقد جرى على هنذا عمل الناس بل إن من الناس من لا يشتري الطير إلا إذا طار ليتأكد من كيفية الطيران المطلوبة عنده أو من صفة في الطير خاصة.
وهذا القول الثاني ظاهر القوة والرجحان وهو أولى بالقبول.
فإذا كان الطير معتاد الرجوع فلا بأس ببيعه ولو كان لا يمكن تسليمه الآن وإنما لاحقاً.
ثم قال - رحمه الله -:
- وسمك في ماء.
لا يجوز للإنسان أن يبيع السمك المملوك له في الماء. - لأنه لا يستطيع أن يسلم هذا السمك فهو غير مقدور على التسليم وفي هذا من الجهالة ما يبطل العقد.
= القول الثاني: جواز بيع السمك في الماء.
وذكروا للجواز شروطاً: ويغني عن هذه الشروط التي ذكرها الفقهاء والتفصيلات أن نقول بكل بساطة: أن يمكن اصطياده.
وباقي الشروط في الحقيقة تطويل من وجهة نظري أنها شروط تطويلية لا فائدة منها لأنها شروط أرادوا منها الاستيثاق من إمكان الاصطياد فنحن نقول: يشترط في السمك إمكانية اصطياده فقط بلا تطويل.
فإن أمكن أن يصاد سواء لكونه في بركة كحصورة أو لكونه في بركة يرى منها لشفافية الماء أو لأي سبب من الأسباب فمادام يمكن أن يصاد ومقدور عليه فيجوز أن يباع.
وهذا القول الثاني بهذا الشرط المختصر هو الصواب: أنه إذا أمكن أن يصاد أو يباع فلا حرج في ذلك. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا مغصوب من غير غاصبه.
لا يجوز للإنسان أن يبيع المغصوب.
للعلل السابقة وهي: الجهالة بسبب عدم القدرة على التسليم.
لأن العين المغصوبة في تصر ف الغاصب وليست في تصرف المغصوب الذي عقد العقد ولهذا عقده باطل.
وهذا أمر واضح. - ثم قال - رحمه الله -:
- من غير غاصبه وقادر على أخذه.
أي: لا يجوز بيع المغصوب إلا إذا بيع على الغاصب أو على رجل يأخذ أو يستطيع أخذ العين من الغاصب.
أما الغاصب: فلكون العين في يده.
فالتسليم متحقق من قبل العقد.
وأما من استطاع أن يأخذ العين من الغاصب: فلأن الجهالة والغرر منتفية في حقه لكونه يستطيع أن يسترد العين المغصوبة من الغاصب.
وهذا صحيح: أنه يجوز بيع المغصوب من غاصبه أو ممن يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب.
-
- مسألة/ فإن ظن أنه يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب ثم تبين له أنه لا يستطيع.
فالكلام فيها كالكلام في الجمل الشارد والعبد الآبق تماماً.
- مسألة/ فإن ظن أنه يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب ثم تبين له أنه لا يستطيع.
الشرط السادس:
- يقول - رحمه الله -:
- (6) وأن يكون معلوماً برؤية أو صفة.
الشرط السادس: العلم بالمبيع.
ولا يمكن العلم بالمبيع إلا من طريقين: ـ الرؤية.
ـ أو الوصف.
فإن تم العقد بلا علم بالمبيع: = فذهب عامة أهل العلم: إلى أن العقد باطل.
واستدلوا على ذلك: - بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر.
وقالوا الجهل بالمبيع من أعظم الغرر.
= والقول الثاني: أن البيع بلا علم بالمبيع جائز وصحيح.
فإذا رأى المشتري السلعة فهو بالخيار إن شاء أتم وأمضى العقد وإن شاء فسخ.
وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء واختاره شيخ الإسلام - رحمه الله -. والراجح والله أعلم: أنه لا يصح العقد بدون معرفة المبيع وأن هذا من أوضح صور الغرر التي تدخل في حديث: النهي عن الغرر.
وشيخ الإسلام - رحمه الله - نفسه تردد في هذه المسألة: فتارة رجح قول الجمهور وأن العقد باطل وتارة رجح أن العقد صحيح وللمشتري الخيار وتردده - رحمه الله - يدل على أن المسألة محل إشكال وتردد ونظر وأنه لم يتثبت في اختياره.
والقول ببطلان العقد هو اختيار ابن قدامة وهو كما قلت واضح بالنسبة لي أنه هو القول الراجح وأنه لا يمكن تصحيح عقد مع الجهل التام بالسلعة فإن هذا غالباً ما يفضي إلى الشقاق والنزاع وهو أيضاً من الغرر الواضح لأن السلعة أحد أركان عقد البيع فكيف نصحح العقد مع الجهل بالسلعة التي وقع عليها العقد؟ وأنا أتعجب من الذين يصححون هذا العقد.
الجمهور: لا يصححون العقد لكن في الحقيقة: أرى أن في ترجيح القول بصحة العقد مع عدم العلم بالسلعة مطلقاً لا رؤية ولا وصف أنه بعيد عن مقاصد الشرع.
معنى هذا: أني لو قلت لك: عندي شيء.
تشتري شيئاً عندي.
فينبغي على القول الثاني أنهم يصححون هذا العقد وأي غرر أعظم من أن أقول لك: تشتري شيئاً عندي.
ماهو هذا الشيء؟ فإن الإشياء تتراوح من أشياء عظيمة جداً إلى أشياء بخيسة جداً.
المهم: رأيي في المسألة: هو رأي الجمهور وأنه هو الصواب وأن رجحانه ظاهر. - ثم قال - رحمه الله -:
- فإن اشترى ما لم يره أو رآه وجهله ... لم يصح.
المقصود بالرؤية هنا: الرؤية التي يحصل بها معرفة المبيع: - سواء كانت الرؤية مقارنة للعقد.
- أو كانت الرؤية سابقة للعقد ولم يتغير المبيع.
إذاً: المقصود بالرؤية هنا: لا أي رؤية.
بل الرؤية التي يحصل معها معرفة المبيع.
يحقق هذا التقرير قول المؤلف - رحمه الله - هنا: (أو رآه وجهله).
إذا رأى الإنسان المبيع ولكن مع كون المشتري رأى المبيع إلا أنه يجهل المبيع: - إما لأنه رآه عن بعد فلم يتثبت ولم يره على الوجه المطلوب.
- أو رآه وهو مستتر بما لا يتمكن معه من التثبت في رؤيته.
- أو لأي سبب من الأسباب.
إذا رآه وهذه الرؤية لم تفيد المعرفة وإنما بقي يجهل المبيع فإن هذه الرؤية تعتبر لا شيء وكأنه لم ير المبيع.
فالمؤلف - رحمه الله - يريد أن يحقق أن الرؤية يجب أن تكون الرؤية التي يحصل بها معرفة المبيع على الوجه المطلوب. - ثم قال - رحمه الله -:
- أو وصف له بما لا يكفي سلماً: لم يصح.
ذكرت أن أحد طريقي معرفة المبيع: الوصف.
واعتبار الوصف أحد طريقي معرفة المبيع هو: = مذهب الجمهور.
وهو الصواب إن شاء الله.
ورجحانه ظاهر بما يغني عن سياق الخلاف بالنسبة للذين لا يرون أن الوصف قائم مقام الرؤية في البيع ومذهبهم ضعيف ونكتفي بالإشارة إلى هذا وأن الصواب أن الوصف يقوم مقام الرؤية إذا كان وصفاً شرعياً.
والوصف الشرعي هو: الوصف الذي يحصل معه بيان صفات المبيع بما يكفي في عقد السلم، والذي يكفي في عقد السلم - إجمالاً وسيأتينا إن شاء الله التفصيل والذي يعنينا في هذا الباب - هو بيان الصفات التي يختلف بها الثمن.
أن يبين من الصفات أو أن يبلين جميع الصفات التي يختلف فيها الثمن.
فإن وصف المبيع بما لا يجزئ في السلم فالوصف هنا باطل ولم يتحقق شرط معرفة المبيع.
-
- مسألة/فإن وصف البائع السلعة للمشتري وصفاً دقيقاً يجزئ في السلم وجاءت السلعة مطابقة للمواصفات:
= فإن الجمهور: يرون أنه ليس للمشتري الخيار ولو أنه اشترى بالوصف بدون الرؤية.
بل إذا جاءت السلعة مطابقة للوصف ثبت البيع ولا خيار للمشتري.
- مسألة/فإن وصف البائع السلعة للمشتري وصفاً دقيقاً يجزئ في السلم وجاءت السلعة مطابقة للمواصفات:
= فإن الجمهور: يرون أنه ليس للمشتري الخيار ولو أنه اشترى بالوصف بدون الرؤية.
- الوجه الثاني: النهي عن الغرر.
لأن هذا اللبن الموجود في الضرع مجهول تماماً: مجهول من حيث الكمية ومجهول من حيث الصفة والجودة.
فهو مجهول من أكثر من اعتبار. - والوجه الثالث: أن اللبن في الضرع يتجدد فيجتمع في الضرع ما وقع عليه العقد وما استجد مما ليسمن ملك المشتري والفصل بين المستجد وما وقع عليه العقد لا يمكن وهذا المعنى يؤكد الجهالة واختلاط المبيع بغيره.
= القول الثاني: أن بيع اللبن في الضرع صحيح وجائز. - لأن اللبن في الضرع مشاهد ويستطيع أهل الخبرة تقدير ما في الضرع من لبن.
وهذا القول: ساقط جداً وضعيف.
= القول الثالث: في المسألة - تفصيل وهو: - أن بيع اللبن في الضرع ينقسم إلى أقسام:
ـ القسم الأول: أن يبيع اللبن المشاهد في الضرع فهذا: لا يجوز.
وهو المقصود بالحديث.
ـ القسم الثاني: أن يبيع آصاع معلومة معينة من هذه الشاة.
فهذا أيضاً باطل لأنه يشبه بيع الثمر قبل بدو الصلاح.
ـ القسم الثالث: بيع آصاع موصوفة في الذمة مطلقة يشترط أن تكون من هذه الشاة.
وهذا النوع الثالث أجازه شيخ الإسلام - رحمه الله -. إذاً: القول الثالث: التفصيل الذي سمعت وهو أن بيع اللبن في الضرع ينقسم إلى هذه الثلاثة أقسام: - القسم الأول والثاني: لا يجوز ولا يصح.
- والقسم الثالث: قسم منعه الجمهور.
وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -.
-
- مسألة / لا يجوز عند الجمهور استئجار البهيمة لحلبها بأن يستأجر البقرة لمدة خمسة أيام ليحلبها لأن العقد وقع في الحقيقة على اللبن.
= وذهب شيخ الإسلام: إلى أن استئجار الدابة للحلب لمدة معلومة: جائز.
بل إنه - رحمه الله - صنف مصنفاً مستقلاً خاصاً في هذه المسألة نصرة للقول بالجواز وأنه يتوافق مع أصول الشرع.
- مسألة / لا يجوز عند الجمهور استئجار البهيمة لحلبها بأن يستأجر البقرة لمدة خمسة أيام ليحلبها لأن العقد وقع في الحقيقة على اللبن.
ثم قال - رحمه الله -:
- منفردين.
أي أن تحريم بيع الحمل في حمل الدابة وتحريم بيع اللبن في الضرع: إنما يكون إذا بيعا على سبيل الانفراد والاستقلال.
أما إذا بيعا تبعاً فالعقد صحيح: بالإجماع.
فإذا باع الشاة وفيها لبن: أو وهي حامل: فالعقد صحيح: بالإجماع.
والدليل على صحة هذا العقد:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صحح بيع المصراة.
وسيأتينا الكلام عنها وعن تفصيلها.
لكن الذي يعنينا هنا أن المصراة بيعت وفيها لبن ومع ذلك صحح النبي - صلى الله عليه وسلم - العقد وجعل للمغرور الخيار. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا مسك في فأرته.
= لا يجوز عند الحنابلة: أن يبيع الإنسان المسك في الفأرة.
وفأرة المسك هي: الوعاء الذي يكون من جلد الغزال فيه المسك.
واستدل الحنابلة على المنع من بيع الفأرة التي فيها المسك: - بأنه مجهول: لا تعرف كميته ولا جودته.
= والقول الثاني: أن هذا البيع صحيح ونافذ. - لأن الفأرة بالنسبة للمسك كالوعاء الحافظ فهي تشبه الثمرة المغطاة بالقشرة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح: لأن إخراج المسك من الفأرة قد يؤدي إلى فساده.
ولأن فأرة المسك بالفعل هي كالقشر الذي يغطي اللب في الفواكة التي أجمع العلماء جواز الشراء والبيع فيها.
فالأقرب والله أعلم.
القول الثاني. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا نوى في تمر.
بيع النوى داخل التمر: لا يجوز.
بالإجماع. - لعظم الجهالة في وصفه.
فقد يكون قليلاً أو صغيراً.
وقد يكون كبيراً وهو مجهولٌ تماماً.
فهو داخل في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر.
وأمره واضح.
ثم قال - رحمه الله -:
- وصوف على ظهر.
= الجماهير: يرون تحريم بيع الصوف على الظهر.
واستدلوا على هذا بأمرين: - الأول: ان الصوف على الظهر معجوز على تسليمه.
- والثاني: أن الصوف على الظهر إذا بيع يختلط بما ينبت بعد العقد.
وهذا يؤدي إلى جهالة المبيع حيث يختلط ماهو من ملك المشتري الذي وقع عليه العقد وماهو من ملك البائع مما نبت بعد العقد.
= والقول الثاني: أنه يجوز بيع الصوف على الظهر بشرط: الجز في الحال.
وأن لا يؤدي إلى إيلام أو إيذاء البهيمة.
وهذا القول مال إليه ابن القيم ورجحه صراحة المرداوي.
والأقرب والله أعلم أنه لا يجوز بيع الصوف على الظهر: لأن الحديث الذي تقدم معنا نص في المسألة فإنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الصوف على الظهر.
ولأن إدراك هذا أمره سهل بأن يقال: جز الصوف ثم بعه.
لأن جز الصوف لابد أن يتم بعد العقد فليجعل قبل العقد.
وإلى هذا: أي إلى المنع: وهو قول الجمهور: ذهب الشيخ الصنعاني - رحمه الله - ونصره وهو الصواب إن شاء الله.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وفجل ونحوه قبل قلعه.
المقصود بنحوه: كل نبات كان المقصود منه مستتر تحت الأرض كالبصل والثوم وأشباه هذه النباتات التي يكون المقصود منها مستتر تحت الأرض.
وعلة المنع: الجهالة.
فربما كانت الثمرة المستترة قليلة صغيرة وربما كانت كبيرة وربما أصيبت بمرض وربما لم تصب.
فالجهالة موجودة.
= والقول الثاني: أن بيع ما المقصود منه مستتر تحت الأرض جائز وصحيح.
وإلى هذا ذهب ابن القيم وشيخ الإسلام ونصروه نصراً كثيراً بأدلة كثيرة من أهمها: - أن هذه البقولات إذا ألزم المزارع بإخراجها قبل البيع ربما تفسد قبل أن يتم بيعها.
- ثانياً: أنه ما زال الناس يبيعون هذه الأشياء وهي في باطن الأرض بدون اشتراط للقلع.
والراجح والله أعلم: مذهب الجمهور.
وإذا كان العرف في وقت الشيخ أنها تباع في الأرض فالعرف في وقتنا أنها تباع بعد القلع.
فهل أحد منكم يعرف أن البصل يباع قبل القلع؟ فإن كل ما أعرفه من العرف الآن أن مثل هذه الأشياء: البصل والثوم والفجل لا يباع إلا بعد القلع.
وهو الأكثر.
على كلٍ: الراجح والله أعلم أنه لا يباع إلا بعد القلع ونحن نعرف مشاكل كثيرة وقعت بسبب أن المزارع باع الثمار قبل القلع فتبين أنها مصابة بمرض أو صغيرة أو لا تصلح لسوق معين ... إلى آخره.
فنقول: مذهب الجمهور في هذه المسألة قوي ووجيه ويؤيده النهي عن بيع الغرر. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة.
ـ الملامسة: هو أن يقول الرجل: أي ثوب لمست فهو لك بكذا.
وفسر أبو هريرة - رضي الله عنه - الملامسة بأمر آخر وهو: أن يلمس كل من الرجلين ثوب صاحبه ليتبايعا من غير تدقيق ولا نظر في الثوبين.
وفسر بتفسيرات كثيرة تدور حول هذه المعنى.
ـ والمنابذة: هي أن يقول المشتري للبائع أي ثوب نبذت إلي فهو علي بكذا.
وبيع الملامسة والمنابذة: باطل.
بإجماع الفقهاء.
لما فيه من الجهالة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري ومسلم: نهى عن بيع الملامسة والمنابذة.
ولأن هذا البيع في شبه من القمار.
فالبائع والمشتري كل منهما إما غارم أو غانم.
فإن كان الثوب من الثياب الرفيعة المستوى والثمن قليل صار الكاسب هو المشتري وإن كان العكس فالكاسب هو البائع.
على كل حال هذه علل تقوي الحكم ونحن معنا نص في البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن هذين البيعين.
- ثم قال - رحمه الله -:
- ولا عبد من عبيده ونحوه.
لا يجوز أن يبع الإنسان عبداً من عبيد بدون تحديد.
وقوله: (ونحوه) كأن يبيع شاة من قطيع.
أو نخلة من بستان بلا تحديد.
فهذه البيوع باطلة. - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغرر.
وهذا الحديث العظيم الذي تستنبط منه جملة من الأحكام ولذلك يقول النووي - رحمه الله -: (هو حديث عظيم تقوم عليه جملة من الأحكام الشرعية).
إذاً بيع عين غي محدده لامن جملة أعيان: باطل.
للنهي عن الغرر.
وهذا البيع باطل سواء كانت أقيام هذه الأعيان متساوية أو كانت متفاوتة.
فإذا كان عنده في الشبك عشر من الشياه قيمها متساوية تماماً: فإنه إذا باع عليه شاة من هذا المكان فإن هذا العقد باطل.
وإذا باع عليه عين من بين أعيان فالعقد باطل ولو كان العدد قليلاً.
ولو كان لا يوجد في الشبك إلا ثلاثة.
فقال: بعت عليك شاة من هذه الثلاث فإن البيع باطل.
والعلة: كما تقدم: الجهالة.
فإنه لا تعرف أي واحدة من هذه الأعيان المباعة هي المقصودة بالعقد. - ثم قال - رحمه الله -:
- ولا استثناؤه إلاّ معيناً.
لا يصح بيع مبيع واستثناء شيء منه إلا أن يكون هذا الشيء معيناً.
فإن استثنى مجهولاً فالبيع باطل.
فإذا قال: بعت عليك هذا القطيع من الشياه إلا واحدة ولم يبين أي واحدة هي المستثناة فالبيع كله باطل.
فإن قال: بعت عليك هذا القطيع إلا هذه وأشار إليها فالبيع صحيح بالإجماع.
نرجع إلى مسألة: إذا استثنى ولم يبين المستثنى: فالبيع قلنا أنه: باطل.
الدليل:
- أولاً: ما أخرجه أبو داود في سننه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
- وأيضاً: ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الثنيا.
ويحمل النهي على ما لم يعلم. - ثالثاً: أن استثناء المجهول يجعل المبيع والمستثنى كلاهما مجهول.
لأن المبيع لا يمكن أن يعرف إلا إذا عرف المستثنى والمستثنى مجهول إذاً لن نعرف لا المبيع ولا المستثنى.
فإذاً استثناء المجهول يصير الصفقة كلها مجهولة.
والقاعدة عند أهل العلم: (أنه لا يجوز استثناء إلا ما يجوز إفراده بالعقد).
وتقدم معنا أنه لا يجوز الإفراد بالعقد إلا للمعلوم. - ثم قال - رحمه الله -:
- وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح.
يعني وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح.
إذا استثنى البائع أثناء البيع رأس وأطراف وجلد الشاة المأكولة: صح الاستثناء وصح البيع.
والدليل على ذلك: - أن هذه المستثنيات معلومة بالمشاهدة (الأذان).
قال شيخنا حفظه الله: نتم هذه المسألة: إذا استثنى البائع جلد ورأس وأطراف المبيع: صح الاستثناء وقلنا أن سبب الصحة هو: أن المبيع معلوم بالمشاهدة.
فهذا الاستثناء صحيح.
والدليل على ذلك:
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهي الآن معلومة.
ثم إذا استثنى هذه الأشياء: الرأس والجلد والأطراف.
فإن كان اشترط على المشتري الذبح: فيجب على المشتري أن يذبح وأن يعطي المستثني ما استثناه.
وإن كان البائع لم يشترط على المشتري الذبح: فحينئذ لا يجب على المشتري أن يذبح بل له أن يبقي الشاة حية ولكن يبعطي المستثني قيمة الرأس والأطراف والجلد - قيمة ما استثنى ولا يلزمه أن يذبح.
-
- مسألة / - نسيناها بالأمس - تلحق بحكم بيع الكلب: والمسألة هي:
حكم بيع الهر.
= ذهب الجماهير - جمهور أهل العلم: الأئمة الأربعة: إلى أن بيع الهر جائز.
واستدلوا على هذا:
- مسألة / - نسيناها بالأمس - تلحق بحكم بيع الكلب: والمسألة هي:
حكم بيع الهر.
- بأن الهر حيوان طاهر مباح النفع يجوز اقتنائه بلا حاجة , وهذه الأوصاف كلها تدل على جواز البيع.
= والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم ومال إليه ابن مفلح واختاره المرداوي: أن بيع الهر لا يجوز.
- لما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الكلب والهر.
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث الصحيح الذي في مسلم الصريح في منع البيع: بعدة أجوبة: - الجواب الأول: أن هذا الحديث وإن كان في مسلم فهو ضعيف فإنه ممن ضعفه من الآئمة الترمذي لأنه حكم عليه بالإضطراب في السنن وممن ضعفه من الأئمة ابن عبد البر حيث قال: ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. - الجواب الثاني: أن الحديث محمول على الهر الذي لا نفع فيه.
- الجواب الثالث: أن الحديث محمول على الكراهة لا على التحريم.
والراجح في هذه المسألة: ينبني تماماً على تحقيق الحديث ولم يتسن لي جمع طرق الحديث والنظر فيه ولماذا صححه مسلم ولماذا ضعفه الترمذي.
فهذا يحتاج إلى وقت طويل.
لكن إن صح الحديث فلا كلام أن اختيار ابن القيم ورواية عن الإمام أحمد هو الصواب وإن لم يصح الحديث فقول الجمهور واضح القوة تماماً.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
شرح كتاب البيع الدرس رقم (4)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم الكلام عن بيع مأكول اللحم واستثناء الرأس والجلد والأعضاء والأطراف وأن الصواب: صحة هذا الاستثناء، وانتهينا من هذه المسألة.
وكنا تكلمنا على مسألة: (ولا عبد من عبيد ونحوه).
وذكرت ما يتعلق بهذه المسألة وأن بيع عبد من عبيد لا يجوز ولو تساوت القيمة ولو قل العدد، وباقي مسألة من مسائل هذه العبارة وهي من مسائل قوله: (ولا عبد من عبيد ونحوه).
وهي: إذا صار العبيد أو الشياه أو أي شيء مما سبق التمثيل به متساوي القيمة ومتساوي أيضاً من جهة الصفة بحيث تتطابق أوصاف هذه الأشياء التي بيع واحد منها.
ففي هذه الصورة: لا بأس بقوله: (بعت عليك واحداً من هذه الأشياء).
لأن الغرر في هذه الصورة منتف تماماً.
وغالباً ما يقع هذا في الجامدات والمصنوعات ونحوها فهي تتطابق في الصفة وتتطابق في القيمة.