كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد الخليل
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
- عدد الأجزاء
- 6 [الكتاب مرقم آليا]
-
الدليل الثالث: أن عمل الأجير المشترك مضمون عليه.
وما تولد عن المضمون مضمون.
ولاحظ أن المؤلف - رحمه الله - يقول: (بفعله).
ونحن نقول ما تولد عن هذا الفعل: مضمون.
شرح الدليل: قولهم أن عمل الأجير المشترك مضمون عليه: معنى: (مضمون عليه) أنه لا يستحق الأجرة إلا بتمامه.
وقولهم: (ما تولد عن المضمون مضمون) يعني ما تولد عن هذا العمل من إتلاف أيضاً مضمون لأنه متولد عن عمل مضمون.
= القول الثاني: أنه لا يضمن.
واستدلوا على هذا: -
بالقياس على الأجير الخاص.
لأن كلاً منهما أخذ مال الغير لنفع الغير. -
ولأن يده يد أمانة كالمودع.
الراجح والله أعلم: القول الثاني: أنه لا يضمن.
لأن الآثار عن عمر وعلي ضعيفة منقطعة لا تثبت ولأن الأجير في أصل العقد مؤتمن.
ولو قيل: أن تضمين الأجير المشترك يرجع فيه إلى رأي الحاكم فإذا رأى أن الأجراء الذين يعملون للناس على سبيل الاشتراك عندهم تساهل وتفريط بأموال الناس ضمنهم وإلا فلا: فيكون من باب السياسة الشرعية لا من باب الأحكام المضبوطة التي دلت عليها النصوص المحكمة وإنما تكون من السياسة الشرعية لكان هذا القول وجيه ومفيد. -
قال - رحمه الله -:
-
ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله.
هذا في الحقيقة بيان لما يخرج بقوله (بفعله).
إذا تلف المال عند الأجير المشترك في حرزه أو بغير فعله فإنه لا يضمن.
مثال هذا الأمر:/ إذا أعطى رجل خياطاً ثوباً له ليخيط هذا الثوب فأخطأ الخياط وخرق الثوب بفعله وهذه هي الصورة التي ذكرنا الخلاف فيها.
لكن إذا أعطى الرجل رجلاً عمل في المجوهرات أعطاه ذهباً ليقوم بصياغته على شكل معين ووضع صاحب المحل الذهب في المكان المخصص وهو التجوري المغلق المحكم ومع ذلك سرق.
فيعتبر سرق من حرزه وإن كان المال موجوداً عند الأجير المشترك لكن لا يضمنه لأنه سرق من حرزه.
ـ الصورة الثانية: إذا تلف بغير فعله.
كأن يتلف بآفة سماوية أو يتلف بما لا يد للأجير المشترك به كالحرائق ونحوها.
حينئذ لا يضمن.
لأنه ليس بفعله.
والحنابلة يرون أنه يضمن إذا نتج التلف عن فعله فقط. -
قال - رحمه الله -:
-
ولا أجرة له.
معنى هذا الكلام: أن الأجير المشترك إذا اخذ ثوباً ليخيطه مثلاً وجلس يخيط في هذا الثوب لمدة خمسة أيام في اليوم السادس احترق الثوب بفعله: بأن وضع المحماة على الثوب واخترق وتلف.
فعند الحنابلة الآن يضمن الثوب ولا أجرة له في عمله السابق.
وإن كان يعمل في الخياطة لمدة خمسة أيام لا أجرة له في عمله السابق.
واستدلوا على هذا:
- بأن العقد يقتضي تسليم العمل أو نتيجة العمل وهو في المثال الثوب.
فإذا لم يسلم المعقود عليه لم يتحق شيئاً من الأجرة.
= والقول الثاني: أن به من الأجرة بقدر عمله. - لأنه لم يفرط ولم يعتدي فيدفع له من الأجرة ما يوافق المدة التي عمل بها.
وينبغي أن يحسب هذا بحسب العمل.
ما معنى بحسب العمل؟ يعني: إذا كان أول العمل أشق من آخره والمعمول تلف بعد أول عمل في المنتصف فيجب أن يأخذ أكثر من نصف العمل.
لأن العمل في الأول أشق من العمل في الأخير.
كذلك العكس إذا كان العمل في الأخير هو الشاق وهو المتعب وإنما عمل به عملاً يسيراً فإنه يجب أن يعطى بمقدار ذلك من الأجرة ويرجع في تحديده إلى أهل العرف.
= والقول الثالث: أنه يأخذ إذا كان العمل في البناء أو في النقل فقط ولا ياخذ إذا كان في أمر آخر.
وذلك لمشقة البناء والنقل.
والراجح القول الثاني. - قال - رحمه الله -:
- وتجب الأجرة بالعقد: إن لم تؤجل.
وتجب الأجرة بالعقد.
هذه المسألة مهمة جداً وينبني عليها فروع.
يقول - رحمه الله -: (تجب الأجرة بالعقد) معنى تجب: أي تملك.
فالأجرة تملك بالعقد يعني بمجرد العقد.
سواء كان العقد إجارة أعيان أو عمل في الذمة.
فبمجرد العقد يملك.
الدليل على هذا: - قالوا: الدليل على هذا: أنه في عقود المعاوضات المعوض يملك بمجرد العقد.
كما في البيع.
في البيع بمجرد العقد ينتقل ملك الثمن إلى البائع والسلعة إلى المشتري.
وكما في النكاح فإنه بعد النكاح يجب المهر مباشرة.
= القول الثاني: أن الأجرة لا تملك بالعقد فقط.
بل تملك بعد استيفاء المنافع يوماً فيوماً.
واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)
فأمر بإيتاء الأجر بعد الإرضاع.
واستدلوا أيضاً:
- بالحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) قال: (ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفيه أجره).
قوله: (فاستوفى منه) دل الحديث على أن الذنب إنما يكون بتأخير الأجرة بعد استيفاء المنفعة لقوله: (فاستوفى منه) - الدليل الثالث: ان الأجرة في عقد الإجار مقابل منفعة فإذا لم ياخذ المنفعة لم يجب عليه أن يملك الأجرة.
وظاهر كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - أنه يرجح القول الثاني.
وهو الأقرب إن شاء الله. - قال - رحمه الله -:
- وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة.
قبل أن ندخل في هذه المسألة: عندنا في مسألة الأجرة ثلاث أزمان: ـ زمن الملك.
ـ وزمن استحقاق المطالبة.
ـ وزمن استقرار الأجرة.
لكل واحد منها وقت في الشرع.
نحن ذكرنا في كتاب الإجارة ان الإجارة على نوعين: ـ على عين.
ـ وعلى عمل في الذمة.
إذا كانت على عمل في الذمة فهي المسألة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - وسنأتي إليها.
إذا كانت على عين: نقول: إذا كانت على عين تملت بالعقد كما ذكر المؤلف - رحمه الله - وذكرنا الخلاف فيه.
وتستحق - يعني: يجوز المطالبة بالثمن - بتسليم العين.
- ونحن نتكلم عن الأجرة إذا كان المعقود عليه عين - متى يجوز المطالبة بالثمن؟.
بتسليم العين.
فمجرد ما يسلم اعين له أن يطالب بالأجرة ولو لم ينتفع المستأجر.
واستدلوا على هذا: - بأن تسليم العين يجري مجرى الانتفاع بمنافعها.
هكذا يقولون.
بقينا في الزمن الثالث: وهو: الاستقرار.
لا تستقر الأجرة إلا بمضي المدة.
وما معنى تستقر؟ يعني: تملك ملكاً تاماً.
إذاً عرفنا الآن فيما إذا كان المعقود عليه عين متى تملك ومتى يستحق المطالبة ومتى تستقر الأجرة.
نأتي إلى مسألة المؤلف - رحمه الله - حيث يقول: (وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة.) إذا كان المعقود عليه عمل في الذمة مثل أن أقول للعامل: ابن لي هذا الجدار.
فأيضاً له ثلاثة أزمان: ـ الزمن الأول: ملك الاجرة ويكون بالعقد.
لماذا؟ لأن المؤلف - رحمه الله - في المسألة الأولى يقول: (وتجب الأجرة بالعقد.
هل فرق بين أن يكون عمل وبين أن يكون عين؟ إذاً يشمل الأمرين.
إذاً: متى تملك؟ بالعقد.
ولكن لا تستحق ولا تستقر إلا بعد تسليم العمل.
وهذا هو الفرق بين أن يكون العقد على عين وبين ان يكون العقد على عملفي الذمة.
إذاً الفرق بينهما في مسألة استحقاق المطالبة: ـ ففي العين يستحق المطالبة بمجرد التسليم.
ـ وأما في العمل على الذمة لايستحق المطالبة إلا بعد تسليم العمل.
أما الملك ففي المسألتين يكون بالعقد.
- قال - رحمه الله -:
- ومن تسلم عيناً بإجارة فاسدة وفرغت المدة: لزمه أجرة المثل.
إذا استأجر الإنسان بيتاً وصار عقد الإجار باطلاً أو فاسداً لفوات شرط أو لوجود مانع أو لأي سبب من مبطلات عقد الإجارة فإنه إذا مضت المدة يجب عليه أجرة المثل.
((الأذان)) وكلام المؤلف - رحمه الله - يشمل ما إذا سكن أو لم يسكن انتفع أو لم ينتفع من العين المستأجرة.
وهذا هو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على هذا: - بأن منافع هذه العين تلفت تحت يد المستأجر.
فيجب أن يدفع عوض ذلك.
= والقول الثاني: أنه إذا لم يسكن ولم ينتفع من العين فإنه لا يجب عليه دفع الأجرة. - لأن الأجرة مقابل انتفاع وهو لم ينتفع.
والحنابلة أسعد بالدليل والبالنظره الفقهية لأن منافع هذا البيت المستأجر وإن كان بعقد فاسد تلفت تحت يد هذا المستأجر سكن أو لم يسكن.
إذا الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة.
-
- مسألة/ تبين مما سبق أنه إذا لم يسلم المؤجر المستأجر العين في العقد الفاسد فإنه لا يجب عليه دفع الاجرة وإنما الخلاف السابق فيما إذا سلم العين.
كذلك إذا بذل المؤجر العين للمستأجر ولم يستلمها مع بذله لها فلا يجب عليه أيضاً دفع الأجرة.
وهذا صحيح يجب عليه في حال واحدة إذا استلم العين المؤجرة.
وقول المؤلف - رحمه الله -: (أجرة المثل.) = ذهب الحنابلة إلى أن عليه أجرة المثل.
- مسألة/ تبين مما سبق أنه إذا لم يسلم المؤجر المستأجر العين في العقد الفاسد فإنه لا يجب عليه دفع الاجرة وإنما الخلاف السابق فيما إذا سلم العين.
- لأن العقد فاسد والمسمى فيه فاسد تبعاً لفساد العقد.
ولذلك نرجع إلى أجرة المثل.
سواء كانت أكثر أو أقل من المسماة.
فإذا استأجر البيت بخمسين ألف وتبينا أن العقد فاسد بعد مضي سنة وأجرة مثلة في هذه السنة عشرين ألف: الواجب على المستأجر أن يدفع: عشرين.
وإذا كانت أجرة مثله مائة ألف الواجب أن يدفع: ( ... ) مع أن المسمى في العقد: خمسون ألفاً.
= والقول الثاني: أن عليه أن يدفع المسمى في العقد لا أجرة المثل. - لأن هذا أقرب إلى العدل.
- وقياساً على النكاح الفاسد.
وهذا القول نصره اثنان من علماء الحنابلة: الأول: ابن عقيل - رحمه الله -. والثاني: شيخ الإسلام - رحمه الله -. وهو القول الصحيح إن شاء الله.
بهذا انتهينا من هذا الباب المهم وهو الإجارة وهو كتاب حري بالعناية به ويكاد يكون من أكثر العقود تعاملاً بين الناس فضبط أحكامه وتفصيلاته مفيد لطالب العلم.
وننتقل إلى
باب السبق
. باب السبق.
- قال - رحمه الله -:
- باب السبق.
السبق: يقرأ بتسكين الباء وفتحها.
قال الخطابي: والأفصح الموافق للرواية الفتح.
والسبَق هو: العوض الذي يجعل للمتسابقين.
يعني: للفائز من المتسابقين.
وأما بالسكون: السبْق فهو: المناضلة والمجاراة بين اثنين: حيوان أو غير حيوان.
والسبْق يعني: والمسابقة مشروعة بالإجماع والسنة. - أما السنة فإنه ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سابق بين الخيل المضمرة (أو المضَمَّرَة كلاهما صحيح إن شاء الله).
وهي الخيل التي تعلف حتى تقوى وتشتد وتتحسن ثم يقطع عنها العلف وتعطى قدر الكفاية فقط إلىن تشتد ويصلب جسدها وتقوى.
ففي هذا الحديث تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجرى المسابقة بين الخيل. - وأما الإجماع.
فأجمع أهل العلم على مشروعية المسابقة إلا في أشياء معينة وتفصيلات معين ستأتينا.
لكن من حيث الجملة أحمعوا على مشروعية المسابقة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
الدرس: (38) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وذهب بعض الحنابلة وهو وجه في المذهب إلى أن المسابقات على الألعاب التي لا يستفاد منها وتضيع الأوقات بها مكروهة.
وذهب شيخ الإسلام إلى ضابط آخر فقال: كل مسابقة تؤدي غالباً إلى محرم فهي ممنوعة.
وهذا الضابط صحيح إذا كانت المسابقة تؤدي غالباً إلى محرم فهي وإن كانت مباحة في أصلها إلا أنها محرمة لوصفها وهو أنها تؤدي إلى محرم.
- يقول - رحمه الله -:
- يصح: على الأقدام.
تصح المسابقة على الأقدام بالإجماع.
يعني: بلا عوض.
وأنا قلت في أول الدرس أن القسم الأول: المسابقات التي ليست على عوض.
فنحن نتكلم عن المسابقات التي ليست على عوض فلسنا بحاجة في كل مسابقة أن نقول: يعني بغير عوض.
أجمع الفقهاء على جواز المسابقة على الأقدام.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - سابق بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - - سابق رجلاً من الأنصار.
- الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق عائشة - رضي الله عنه - فسبقته ثم سابقها لما ثقلت فسبقها - صلى الله عليه وسلم - وقال هذه بتلك.
فهذا نص في جواز المسابقة.
واختلف الفقهاء في المسابقة على الأقدام إذا كانت على عوض: = فذهب الجمهور: إلى أن المسابقة على الأقدام إذا كانت على عوض فلا تجوز.
واستدلوا على هذا: - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لاسبق إلا في خف أو حافر أو نصل).
والأقدام ليست من المذكورة في الحديث.
ووجه الاستدلال: أن الحديث جاء بصيغة الحصر فقال: (لا إلا في).
وهذا من صيغ الحصر.
= والقول الثاني: أن المسابقة على الأقدام على عوض تجوز.
واستدلوا على هذا: - بان النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أجاز السبق في هذه الثلاثة الأشياء لانها تعين على الجهاد وتقوي المتسابق والجهاد تارة يكون على الخيل وبالأسهم وتارة يكون على الرجل.
فالراجلة من الجنود كلهم يجاهدون بلا ركوب أما المسابقة على الاقدام تقوي الرجل ليتمكن من الجهاد على رجليه فتقاس على المذكورة في الحديث.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله ورجحانه ليس رجحاناً بيناً قوياً لكنه هو الراجح.
والسبب في عدم قوة ترجح هذا القول أن المسابقة بالأقدام والجهاد بالرجل موجود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا سلمة سابق بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز أخذ العوض في هذه الثلاثة أشياء.
فهذا في الحقيقة يشير ولو من بعيد إلى حصر الأمر في هذه الثلاثة أشياء.
لكن باعتبار أن طريقة التفقه السليمة هي النظر إلى معنى النص وروح النص وأخذ العلة التي حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بناء عليها من هذا المنطلق نقول الراجح قياس المسابقة بالاقدام على المسابقة بالخيل والرمي بالسهام.
ويكون هذا القول إن شاء الله هو الراجح.
-
- مسألة/ هل يعني هذا جواز أخذ العوض في لعبة كرة القدم لأنها تشبه المسابقة على الأقدام.
لأنهم يتسابقوع على الكره ويجرون خلفها وفي هذا تقوية للقدم كما أن في المسابقة على الأقدام تقوية على القدم؟ الجواب: أن لعبة كرة القدم ليس من ذلك في شيء مطلقاً ولا يجوز أخذ العوض عليه مطلقاً.
والسبب: ان المقصود بجواز أخذ العوض على المسابقة بالأقدام أي المسابقة التي تقوي على الجهاد وتساعد عليه من غير ضرر.
والواقع في لعبة كرة القدم أن فيها أضراراً كثيرة جداً وليست تتخذ للتقوية على الجهاد فلا تقاس أبداً على المسابقة على الأقدام.
أبرز أضرار هذه اللعبة ضرران: ـ الأول: كثرة الإصابات لا يكاد يخلو لاعب من إصابه فصارت عكس المقصود ليست تقوي وإنما تعيق أحياناً.
ـ الثاني: وهو أعظم من الأول: أن اللاعب بها يتعلق قلبه بهذه اللعبة ويكثر من المتابعة لها وتتبع أخبارها وهذا عكس مقصود الشارع الحكيم لا يحب أي لعبى تشغل القلب عن ذكر الله وهذه من أعظم الألعاب التي تشغل القلب عن ذكر الله فأنى لها أن تقاس على الجري على الأقدام بالكاد تكون جائزة فكيف نقول يجوز العوض عليها.
- مسألة/ هل يعني هذا جواز أخذ العوض في لعبة كرة القدم لأنها تشبه المسابقة على الأقدام.
- ثم قال - رحمه الله -:
- وسائر الحيوانات.
يعني: ويجوز المسابقة بسائر الحيوانات فيجوز أن يسابق على الخيل والجمال والفيلة والبغال والحمر وكل الحيوانات.
والدليل على ذلك: - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم معنا في أول الباب سابق بين الخيل - صلى الله عليه وسلم - فيقاس عليها المسابقة بين باقي الحيوانات.
-
- مسألة/ وهب يجوز أخذ العوض في المسابقة على غير المذكورة في النص؟ كالمسابقة على البغال أو المسابقة على الفيلة.
الجواب: الجمهور يقولون لا يجوز إلا في المذكورة بالنص.
وما عداها لا يجوز.
واستدلوا:
- مسألة/ وهب يجوز أخذ العوض في المسابقة على غير المذكورة في النص؟ كالمسابقة على البغال أو المسابقة على الفيلة.
- بما استدل به أصحاب القول الأولر في المسألة السابقة وهي الحديث فإن الحديث حصر الجواز في الثلاثة.
الصورة الأخيرة: إذا كان المخرج للعوض أحد المتسابقين جميعاً لا أقول أحد المتسابقان جميعاً هم الذين أخرجوا العوض.
ففي هذه الصورة وقع الخلاف.
إذاً: قبل ذكر الخلاف في الصورة الأخير: عرفنا الصور الآن:
ـ أن يكون المخرج أحدهما.
ـ الصورة الثانية: أن يكون المخرج أجنبي وهو الحاكم.
ـ الصورة الثالثة: أن يكون المخرج أجنبي من غير الحاكم.
ـ الصورة الرابعة: أن يكون المخرج للعوض المتسابقان.
= فذهب الجماهير - جماهير اهل العلم وحكي إجماعاً أنه لا يجوز أخذ العوض في هذه الحالة إلا إذا دخل مع المتسابقين محلل.
والمحلل هو من يدخل في المسابقة مع المتسابقين ويربح إن فاز ولا يدفع شيئاً من العوض ولا يؤمن أن يسبق.
هذا هو المحلل عند الجمهور.
واستدلوا على اشتراط المحلل بأدلة:
-
الدليل الأول: وهو العمدة وهو دليل مهم: أن المسابقة بلا محلل تصبح من القمار.
والقمار معلوم التحريم.
وجه ذلك: أنه بلا محلل يدور الأمر بين المتسابقين بين الغنم والغرم وكل معاملة دار الأمر فيها بين الغنم والغرم فهي من القمار.
والمقصود بالغنم والغرم: يعني: المترتب على المخاطرة فكل واحد منهما يخاطر بدخول مسابقة ربما يفوز فيأخذ العوضين وربما يخسر فيدفع العوض الذي عليه. -
الدليل الثاني: أن المسابقة إذا دفع العوض المتسابقان خرجت من عقد المسابقة إلى عقد المعاوضة.
فخرجت عن المقصود الشرعي الذي من أجله أجاز الشارع بذل العوض.
الدليل الثالث: الإجماع المحكي.
فائدة: ليس في هذه المسألة حديث صحيح.
يمكن المصير إليه والاعتماد عليه.
= القول الثاني: أنه يجوز بذل المتسابقين للعوض بلا محلل.
وهذا قول لبعض الفقهاء - عدد قليل - واحد أو اثنين منهم واختيار شيخ الاسلام وابن القيم.
واستدل هؤلاء بأدلة: -
الدليل الأول: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا سبق إلا في خف ونصل وحافر).
ولم يقيد ذلك بأنه إذا كان المخرج المتسابقان لزم دخول المحلل. -
الدليل الثاني: أنه لم ينقل عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اشترط في المسابقة المحلل.
-
بأن الأحاديث التي أجازت المسابقة المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها أن المخرج للعوض أجنبي.
فلا يجوز أن يكون المخرج هم المتسابقون.
وهذه المسألة وهي اشتراط المحلل من المسائل التي تبناها شيخ الغسلام وتبناها ابن القيم بقوة ونصرزوها بأدلة كثيرة بل إن ابن القيم سجن من أجل هذه المسألة لأنه تمسك بعد اشتراط المحلل وأيضاً بعد إخراجه من السجب عقدت له مجالس للمناظرة حول هذه المسألة - أكثر من مجلس أثبتها ابن كثير - رحمه الله - وذلك لما فيها من مخالفة الاجماع.
الراجح من حيث الدليل: كلام الشيخ الفقيه ابن القيم.
فكلامه وجيه ولا يجد الإنسان جواباً لتعليلاته وأدلته.
لكن الاشكال فقط هو المخالفة لجمهور العلماء من القرن الثالث إلى وقت ابن القيم.
يعني هذه الفتوى مروية عن سعيد بن المسيب من الفقهاء السبعة.
ومن بعده لم يخالف من بعده أحد من أهل العلم.
الأئمة الأربعة وفقهاء المسلمين.
حكي إجماعاً.
فمثل هذه المسألة لاشك أن الإنسان لابد أن يكون عنده نوع من التردد مهما كانت أدلة ابن القيم في الجزم بصويبه والاستقرار على ذلك استقرار مريحاً.
ولذلك أقول أنه من حيث الأدلة كلامه قوي وسديد لكن من حيث مخالفة الناس بهذا الشكل - يعني يجعل عند الإنسان نوع توقف.
والأحوط أن لا يفعل الإنسان مسابقة مبذولة العوض من الطرفين إلا مع وجود محلل.
فإنه بهذا يخرج من مخالفة جماهير العلماء. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ولابد من تعيين المركوبين واتحادهما.
لما قرر المؤلف - رحمه الله -: جواز أخذ العوض في هذه الأشياء انتقل إلى الشروط فلا يجوز أخذ العوض في المسابقات التي أجاز الشارع فيها أخذ العوض إلا بخمسة شروط ذكرها المؤلف.
ـ الشرط الأول: تعيين المركوبين.
يشترط تعيين المركوبين قبل المسابقة.
ولا يشترط تعيين الراكب.
تعيين الراكبين لا يشترط إنما يشترط تعيين المركوبين.
فيجب أن نقول أن المسابقة سوف تكون بين هذا الخيل وهذا تعييناً محدداً.
تعليل ذلك: أن العلة التي من أجلها أجاز الشارع المسابقة معرفة نجابة وقوة الخيل المشاركة في المسابقة.
وهذا لا يحصل بدون تعيين الخيلين.
فإذا قال رجل لآخر: فلنتسابق على خيلين بلا تعيين ثم ذهبا وركبا أي خيلين وتسابقا فالعقد باطل ولا يجوز للفائز أخذ العوض.
لابد من التعيين قبل إجراء المسابقة.
- ثم يقول - رحمه الله -:
- واتحادهما.
يعني: لابد من أن يتحد المركوبان في الجنس والنوع.
ـ في الجنس: أن تكون المسابقة بين الخيل أو بين الإبل.
ـ أيضاً في النوع: أن تكون المسابقة بين خيلين عربيين أو بين خيلين هجينين.
فلا يجوز بناء على هذا المسابقة بين خيل عربي وخيل هجين.
واستدلوا على هذا: - بأن المقصود معرفة أيهما أسرع وأنجب وأقوى.
فإذا اختلف الجنس لم يحصل هذا المقصود.
لأنه لا مقارنة بين مختلفين.
مثال للتوضيح فقط/ وإن كان معلوماً وبسيط لكنه للتوضيح.
لا مقارنة بين مختلفين: فلا يصلح ان تقول أيهما أفضل هذا البيت أو هذه السيارة لماذا؟ لأنه لا مقارنة بين البيت والسيارة وإنما يقال أيهما أفضل هذا البيت أو هذا البيت أو هذه السيارة أو هذه السيارة.
إذاً: لا مقارنة بين مختلفين وهذه وجهة نظر الحنابلة.
= القول الثاني: الجواز مطلقاً بشرط أن يكون بينهما مقاربة في السرعة والعدو.
فإذا كان بينهما مقاربة جازت المسابقة.
فإذا أتينا بخيل عربي وخيل هجين هما في العدو واحد ولكن نريد أن نعرف أيهما أسرع: جازت المسابقة ولا حرج.
وهذا القول الثاني بهذا القيد هو الصحيح إن شاء الله.
بناء على هذا الشرط عند الحنابلة لا يجوز أن نسابق بين فرس عربي فاره سريع قوي معروف وبين فرس ضعيف مريض معروف بالبطء المسابقة باطلة عند الحنابلة ولو رضي صاحب الفرس البطيء المسابقة باطلة لأنه يشترط التكافؤ بين المركوبين هذا شرط من شروط صحة المسابقة فإن تخلف فإنه لا يجوز.
وهذا قد يقع أحياناً.
تكون مسابقة بين اثنين ليس بنهما أي تكافؤ يكون المقصود يعرف إلى أي مدى يسبق القوي هذا الضعيف.
هذه تجوز بلا عوض لكن بعوض لا تجوز.
-
- ((الجنس يشترط: والخلاف فيه ضعيف ولذلك أعرضنا عنه ما يجوز أن نسابق بين الإبل وبين الخيل.
ولا بين الإبل وبين الحمر.
ولا بين الفرس والبغل وإن كان البغل أحياناً يكون - البغل الفاره القوي - أسرع من الخيل الضعيف مع ذلك لا يجوز لأنه لا مجال للمقارنة بينهما.
- ((الجنس يشترط: والخلاف فيه ضعيف ولذلك أعرضنا عنه ما يجوز أن نسابق بين الإبل وبين الخيل.
يقول - رحمه الله -: في الشرط الثالث.
- والرماة.
يعني: ويشترط تعيين الرماة.
والسبب في ذلك: ان المقصود معرفة أيهما أقدر على الإصابة وأعرف للتسديد.
وبلا تعيين لا يصح.
ويشترط في الرماة أيضاً التكافؤ.
فلا يصح أن نأتي برام قوي مجرب الإصابة متمرس في الرمي ونجعله يسابق شخصاً هذه المرة الأولى التي يرمي فيها.
هذا السباق لا يجوز.
وأخذ العوض عليه محرم لأنه يشترط التكافؤ بين الرماة لأن المقصود معرفة أيهما أقدر على الإصابة ولا مقارنة بين من لا يحسن وبين من يحسن. - ثم قال - رحمه الله -: في الشرط الرابع.
- والمسافة.
يعني: ويشترط تحديد المسافة.
سواء كانت المسافة التي تحدد هي التي يراد قطعها على الخيل أو المسافة التي يراد الرمي من البعد المقدر فيها.
في الصورتين يجب تحديد المسافة. - لأن الغرض كما تقدم تحديد الأقوى والأحسن في الرمي ولا يكون إلا مع أمر محدد.
بناء عليه: لا يجوز المسابقة بين الخيلين أيهما يتعب أولاً.
ولا يجوز المسابقة بين الراميين أيهما يرمي أبعد وإنما لابد من الإصابة ولابد من السبق في الخيل والإصابة في السهم.
= والقول الثاني: الجواز.
بأن نقول أيهما يتعب أولاً؟ وأن نقول: أيهما يرمي أبعد؟ ومذهب الحنابلة في الحقيقة وجيه جداً في اشتراط هذا الشرط.
لأن المقصود أن نعرف أيهما أحذق وهو لا يحصل إلا بالتسديد على هدف.
أما أيهما أكثر بعداً فإنه لا ينفع كثيراً في الجهاد.
لماذا؟ لأنه مالفائدة أنه يرمي بعيداً لكنه لا يصيب ماذا نستفيد من إنسان يرمي بعيد لكن لا يصيب؟ ليس له أي فائدة.
هذا بالنسبة للرمي.
بالنسبة للخيل: معرفة أيهما يجري وقتاً أطول مفيد.
لماذا؟ لأنه يفيد في إيصال الرسائل في الأوقات الحرجة وفي الهرب عند أعطاء ولي الأمر الأمر بالانهزام.
حينئذ يفيد الأسرع.
ولذلك نقول: الأقرب إن شاء الله القول الوسط.
فيجوز في الخيل أيهما يجري أكثراً ولا يجوز في الرمي أيهما يرمي أبعداً لأنه لا فائدة فيكون قولاً وسطاً بين القولين. - ثم قال - رحمه الله -:
- بقدر معتاد.
يعني: يجب أن نجعل المسافة معتادة في العرف يمكن الجري إليها.
ومسافة الرمي المعتادة في العرف يمكن الإصابة فيها.
بناء على هذا: إذا جاء اثنان متسابقان للمسابقة في الرمي بالسهم على بعد ثلاثة كيلو.
هذا لا يجوز.
لماذا؟ لأنهم لا يرون الهدف فضلاً عن أن يصيبوه.
ثم مالفائدة من أن يتباريا على هدف بعيد لا يمكن إصابته والمقصد من المسابقة معرفة أيهما أكثر إصابة.
إذاً: لابد أن تكون المسافة معتاد عرفاً.
ترك المؤلف - رحمه الله - الشرط الخامس: والشرط الخامس هو: معرفة العوض.
لابد من معرفة العوض ولا يكون مطلقاً غير معين لأن المقصود بعد الفوز أخذ العوض وعدم تحديده يؤدي إلى الاختلاف العظيم لا سيما إذا كانت المسابقة شاقة.
إذاً: الشرط الخامس اشتراط تحديد العوض في المسابقة - ولا أعلم خلافا.
- قال - رحمه الله -:
- وهي جعالة.
يعني والعقد.
وعقد المسابقة جعالة.
وصرح المؤلف بالفائدة: - فقال - رحمه الله -:
- لكل واحد فسخها.
أي يجوز لكل منهما الفسخ.
ومقصود المؤلف - رحمه الله - بجواز الفسخ يعني: ما لم يظهر تفوق أحدهما على الآخر.
فيجوز الفسخ في صورتين: - قبل البداية.
- وبعد البداية إذا تساويا في السبق.
أما إذا ظهر الفضل لأحدهما فلا يجوز للآخر أن يفسخ العقد.
الدليل أن عقد المسابقة عقد جعالة: - أنه مترتب على أمر قد يقع ويحصل وقد لا يحصل.
وما ترتب على أمر قد يحصل وقد لا يحصل فهو جعالة.
بدليل: أنه في الجعالة يقول: من رد عليَّ عبدي فله كذا وكذا.
ربما تمكن من رد العبد وربما لم يتمكن.
فكذلك المسابقة ربما حصل الشيء وربما لم يحصل.
فهو كالجعالة.
= والقول الثاني: أنه إذا بذل العوض المتسابقان فهو إجارة.
وإذا بذل العوض أحدهما فهو جعالة.
والدليل على ذلك: - أنه إذا بذل العوض المتسابقان صار منفعة في مقابل العوض وهذه حقيقة الإجارة.
والراجح أنها جعالة.
فهي أقرب في مفهومها العام إلى عقد الجعالة منه إلى عقد الإجارة. - قال - رحمه الله -:
- وتصح المناضلة على مُعَيَنِيْنَ.
المناضلة هي: المسابقة في السهام.
تصح بين مجموعتين ولذلك الأحسن في ضبط اللفظ: (على مُعَيَنِيْنَ) لا على: (مُعَيَّنَيْنِ).
يعني بكسر النون لا بفتحها.
فالمسابقة بالسهامة جائزة.
بدليل: - النص الذي تقدم معنا وهو قوله: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل).
والنصل هو: السهم.
لكن اشترط المؤلف - رحمه الله - شرطاً:
- فقال - رحمه الله -:
- على مُعَيَنِيْنَ يحسنون الرمي.
تجوز المسابقة في السهام بشرطين: ـ الشرط الأول: تعيين المتسابقين.
... ـ الشرط الثاني: أن يكون كل فرد من المجموعتين يحسن الرمي.
فإن وجد فرد في إحدى المجموعتين لا يحسن الرمي فإنه يجب وجوباً إخراجه.
ويجب تبعاً لذلك إخراج المقابل له من المجموعة الثانية.
فإذا تم الإخراج صح العقد وتصحيح العقد هنا مبني على مسألة تفريق الصفقة.
ونحن تقدم معنا أن الحنابلة يصححون العقد مع تفريق الصفقة.
كذلك هنا يصححون عقد المسابقة بالرمي مع إخراج أحد المتسابقين لعدم حذقه.
ولا يجوز أن يبقى أحدهم وهو لا يحسن الرمي.
ويشترط في مسابقة الرمي بالسهام: أن يكون قائد كل مجموعة يختلف عن الأخرى.
فلا يجوز أن يكون قائد المجموعتين واحد.
والعلة في ذلك: - أن المقصود من المسابقة هي تمرين القائد على القيادة وتمرين المتسابقين على الإصابة.
وإذا كان القائد واحد فإنه لا يكترث فازت هذه المجموعة أو تلك لأنه يقود المجموعتين.
فلا يجوز ولا يصح.
ونبهتكم مراراً إلى أن المسابقة وغيرها من العقود التي تقدمت معنا عقد شرعي لا كما يتصور بعض الناس أنه نوع من اللعب أو النزهة.
عقد شرعي.
عقد يصح ويبطل ويحتاج إلى إيجاب وقبول وشروط كما تقدمة معنا.
فهذا العقد لا يصح إلا بهذه التفاصيل.
إذاً نقول يجب أن يكون قائد كل مجموعة يختلف عن الآخر.
ولا يشترط أن يكون قائد امجموعة مترك معهم في الرمي بل له أن يكون موجهاً فقط.
فإذا تمت الشروط جازت المسابقة بالرمي ومن المعلوم أنه لابد من الحذر من إصابة أحد الفرقتين لرجل من الفرقة الأخرى بمقتل أو بما يؤذي.
ولذلك أشار الإمام أحمد - رحمه الله - أنه في مسابقة السيوف ينبغي أن يتخذ الإنسان سيفاً من خشب أو شيفاً من حديد لكن ليس مصلتاً وليس حاداَ كذلك في السهام غما أن يتخذ سهم من خشب أو يتخذ سهم ليس له مقدمة حادة.
المهم تتخذ الإجراءات التي تأمن سلامة المجموعتين.
بهذا انتهى الكلام عن باب السبق وننتقل إلى الباب الذي بعده.
باب العارية
- قال - رحمه الله -:
- باب العارية.
العارية: مشتقة في لغة العربمن عار إذا ذهب وجاء.
وجه الاشتقاق: أن الشيء المعار يتردد بين المعير والمستعير.
فهو يذهب ويجيء.
وقيل مشتق من العري وهو التجرد لأن هذا العقد يتجرد من العوض.
وقيل: ماق من العار لأن من يطلب يلحقه عار.
من يستعير يلحقه عار.
وهذا الاشتقاق الثالث باطل وخطأ وأتعجب ممن قاله لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار وسادة الناس من أصحابه ومن بعدهم من أئمة الناس استعاروا وليس في الاستعارة أي حرج.
والعارية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
ـ أما الكتاب فقوله تعالى: (ويمنعون الماعون).وفسرها اثنان من كبار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من العلماء وهما: ابن عباس وابن مسعود بأنها العارية يعني يمنعون: ما يستعار عادة كالماعون.
ـ ومن السنة: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار فرساً ليركب عليها واستعار من صفوان بن أمية أدرعاً ليستعملها في الجهاد - صلى الله عليه وسلم -.
ـ وأحمعت الأمة على مشروعية العارية.
وأما شرعاً فلم نذكره لأنه المؤلف - رحمه الله - ذكره.
-
قال - رحمه الله -:
-
وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه.
هذا هو التعريف الاصطلاحي للعارية.
فهي: (إباحة) ويفهم من هذا أنها ليست تمليك.
وهي كذلك.
فالعارية هي عبارة عن إاحة وليست تمليكاً للعين المعارة.
وهي إباحة للمنفعة وليست تمليكاً أيضاً للمنفعة.
ليست تمليكاً لا للعين ولا للمنفعة.
ولابد أن تبقى العين بعد استيفائها فإن أعاره كا لا يبقى بعد استيفائه فهو هبه وليست عارية.
فات المؤلف - رحمه الله - قيد مهم جداً وهو في صميم التعريف وهو أن يقول: (بلا عوض).
لأن هذا في حقيقة العارية.
فإن الشيء الذي يميز العارية عن باقي العقود أنه بلا عوض.
وفاته - رحمه الله - أن يقول: (بلا عوض). -
قال - رحمه الله -:
-
وتباح إعارة كل ذي نفع مباح.
أفادنا المؤلف - رحمه الله - أن الإعارة مباحة فيباح للإنسان أن يعير أخاه ويباح له أن يستعير.
يعني: يباح لأخيه أن يستعير منه.
= والقول الثاني: أن الإعارة مستحبة. -
لأن الله أمر بالإحسان والبر وهي من البر والإحسان.
= القول الثالث: أنها واجبة على الغني.
فيجب على الغني وجوباً أن يبذل ما لاحاجة له به.
وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام واستدل بالآية.
فإن الله ذم الذين يمنعون.
وكلام شيخ الإسلام - رحمه الله - ليس فيه قيد أن يكون المستعير محتاجاً وهو قيد مهم لم أره في كلامه والواقع أنه لابد أن نقيد بهذا القيد.
فإذا كان المستعير مستكثراً فإنه لا يجب على المالك الغني البذل.
فلابد إذاً للوجوب من ثلاثة شروط:
ـ الأول: ان يكون الباذل غنياً.
ـ الثاني: ان لاتكون حاجته متعلقة بهذا الشيء.
ـ الثالث: أن يكون المستعير بحاجة إلى هذه العين.
من وجهة نظري أنه لابد من تحقق الشروط للوجوب.
يعني: للقول بالوجوب.
- يقول - رحمه الله - في ضابط ما يمكن أن يستعار:
- تباح إعارة كل ذي نفع مباح.
تباح إعارة كل عين لها نفع مباح.
والدليل على هذا: - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعا فرساً واستعار أدرعاً فقيس عليها سائر الأموال.
تقاس على هذين النوعين من الأموال, وفهم من كلام المؤلف أنه تجوز إباحة مباح النفع ولو لم يجز بيعه كالكلب.
إذا أبيح نفعه جازت إعارته.
فإذاً الحنابلة يرون أن باب العارية أوسع من باب الإجارة لأنهم في الإجارة يشترطون أن يكون مباح النفع مطلقاً وهنا لا.
يكتفون بأن يكون مباح النفع فقط.
فلا يجوز عند الحنابلة إجارة الكلب مباح النفع وتجوز إعارته.
إذاً: الخلاصة أن هذه هي القاعدة: كل عين مباحة النفع فإنه يجوز أن تعار.
معلوم أن مفهوم هذا الكلام أن كل عين محرمة النفع فإن إعارتها محرمة فلا يجوز إعارة آلات اللهو ولا أشرطة الموسيقى ولا الحرير للرجل الذي سيلبسه بلا سبب ومسوغ شرعي ولا الذهب الذي سيلبسه.
ولا كل عين لا تباح منفعتها. - قال - رحمه الله -:
- إلاّ البضع.
تقدم معنا أن طريقة الفقهاء بعد تقرير القاعدة بيان المستثنيات.
فالمستثنى الأول معنا: (البضع).
البضع هو: الفرج.
لا يجوز إعارة المرأة للانتفاع بفرجها.
والانتفاع بالفرج هو الزنا.
الدليل على المنع: - أن الله سبحانه وتعالى لم يبح الفروج إلا بأحد سببين: ـ النكاح.
ـ وملك اليمين.
والعارية ليست داخلة في هذين السببين. - ولأنه لو أبيح إعارة الفروج لصار هذا من أعظم ابواب إباحة الزنا واختلاط المياه.
ولهذا صار هذا الحكم مجمع عليه بين الفقهاء فلا يجوز بالإجماع أن نعير الفروج لهذا القصد.
-
قال - رحمه الله -:
-
وعبداً مسلماً لكافر.
لا يجوز أن نعير العبد المسلم للكافر للخدمة.
والحنابلة قيدوا هذا بقولهم: (للخدمة).
ودليل التحريم: -
أن في إعارته إذلال له ولا يجوز إذلال المسلم لا سيما عند الكافر.
فهم من قيد للخدمة جواز إعارة العبد المسلم للكافر لعمل في الذمة.
لأنه لا إذلال في ذلك.
الحنابلة يعللون المنع بالإذلال.
فهل نقول إذا ذهب العبد المسلم لخدمة الكافر خدمة لا إذلال فيها أنه يجوز؟ الأقرب.
نعم يجوز لأن هذه المسألة ليس فيها نص من كتاب الله وسنة رسوله وإنما فيها الاعتماد على القواعد العامة فإذا أمكن ذلك بلا إذلال جاز بلا حرج.
من أمثلته المعاصرة: أن ندفع المسلم لكافر لخدمة (يعني: تسمى خدمة في عرف الفقهاء) لكن مثلاً: لعمل مكتبي مرموق قد يكون في وجود هذا المسلم بهذا العمل عزة - وهي عكس الاذلال وإن كانت في عرف الفقهاء خدمة.
فمثل هذه الصورة منعها فيه بعد.
يعني بالنظر إلى هذا التعليل.
الخلاصة: نقول: إذا أمكن إعارة العبد المسلم للكافر في عمل لا إذلال فيه مطلقاً بوجه من الوجوه فالأقرب الجواز.
((الأذان)). -
قال - رحمه الله -:
-
وصيداً ونحوه لمحرم.
يعني: ولا يجوز عارة الصيد للمحرم. -
لأنه لا يجوز للمحرم استدامة القبض على الصيد.
فلا يجوز بناء على هذا أن نعيره إياه.
في الحقيقة هذا الحكم مستفاد من العبارة السابقة وهي: (كل ذي نفع مباح) ونفع الصيد مباح للمحرم أو ممنوع منه؟ ممنوع منه.
فهي في الحقيقة داخلة فيه لكن أراد المؤلف - رحمه الله - التأكيد عليها. -
قال - رحمه الله -:
-
وأمة شابة لغير امرأة أو محرم.
ولا يجوز إعارة أمة شابة لغير امرأة أو محرم للأمة.
التعليل: - أنه لا يؤمن من وقوع المفسدة.
وهي الفتنة الواقعة بين هذه الأمة الشابة والمستعير.
وفهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أنها إذا لم تكن شابة يجوز.
والقاعدة العامة: أنه إذا أمنت الفتنة جاز إعارة الأمة للخدمة.
لكن يشترط مع ذلك عدم النظر إليها لأن النظر إلى المرأة الأجنبية محرم وعدم الخلوة بها لأن الخلوة بها محرمة.
وأشار الشيخ ابن عقيل - رحمه الله - إلى قيد مهم ومفيد جداً وهو أنه لابد أن يكون عند المستعير نساء إما زوجات أو محارم ليجوز له أن يستعير أمة سواء كانت صغيرة أو كبيرة. وفي الحقيقة هذا القيد ممتاز جداً وهو يدل على ذكاء الشيخ - رحمه الله - لأن غالب المفاسد تقع مع الخلوة وعدم وجود نساء محارم في البيت. فهذا السبب أعظم من السبب الآخر وهو كونها شابة جميلة. يعني بعبارة أخرى: وقوع المفاسد مع عدم وجود المحارم في البيت أكثر منه مع وجود المحارم وإن كانت المرأة شابة. وهذا قيد جميل واشتراطه صحيح. بناء على هذا نقول: لا يجوز استقدام الخادمة إذا لم يكن مع الرجل في بيته محارم. محرم ولا يجوز مطلقاً. لأنه يؤدي غالباً إلى المفاسد. والقاعدة تقول: أن كل عمل يؤدي غالباً أو دائماً إلى المفاسد فهو محرم وإن كان في أصله جائز.
قال - رحمه الله -:
- ولا أجرة: لمن أعار حائطاً حتى يسقط.
يعني: إذا أعار الإنسان حائطه لجاره ووضع الجار خشبه على الحائط وبنى عليه.
كل واحد من هذه شرط.
لابد: أن يعيره ولابد أن يضع الجار خشبه على جدار جاره ولابد أن يبني عليه.
إذا اكتملت هذه الشروط فإنه لا يجوز للجار - يعني: صاحب الحائط - أخذ الأجرة على وضع جاره خشبه على جداره ولو رجع عن الإعارة.
فإذا أعار زيد عمراً جداره ووضع الخشب وقام عمرو بالبناء على الخشب ثم بعد مضي شهر قال المعير العارية أنا لست ملزماً بها ورجعت عن العارية وبقاء الخشب من الآن فصاعداً بأجرة.
تقول لا يستحق الجار هذه الأجرة لأنه رجع بعد أن بنى الجار على الخشب وأصبح قلع الخشب يسبب ضرراً على المستعير.
بناء على هذا نقول: لا يجوز له أن يأخذ أجرة وهو ملزم بالبقاء إلى أن يسقط الجدار فإذا سقط الجدار حيتئذ ليس للجار أن يضع خشبه إلا بإذن أو بأجرة في الأحوال التي لا يلزم فيها الجار.
في الحقيقة هذه مسألة.
والقاعدة العامة لهذه المسألة أنه لا يجوز للمعير أن يسحب ما أعاره إذا ترتب على ذلك ضرر على المستعير.
هذه هي القاعدة وما ذكره المؤلف - رحمه الله - مثال.
مثال يوضح الأمر أكثر: لو استعار زيد من عمرو قطعة حطب ووضعها كمغلقة لفتحة في السفينة فإنه ليس للمعير إذا توسطت السفينة البحر فال أنا رجعت عن الإعارة.
وعلى هذا المثال قس والقاعدة ذكرتها وهي واضحة والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
الدرس: (39) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
((مسألة أنه بعد سقوط الجدار لابد من استئذان الجار تقدمت وشرحناها)).
-
وتوقفنا على كلام المؤلف - رحمه الله -:
-
وتضمن العارية.
هذه المسألة من أمهات مسائل الباب ومن أهم المسائل التي)). -
يقول المؤلف - رحمه الله -:
-
ولا يرد إن سقط إلا بإذنه.
يعني: إذا وضع الجار خشبه على جدار جاره وبنى عليه ثم سقط الجدار فحينئذ ليس للجار أن يعيد الخشب على الجدار إلا بإذن المالك.
لأنه الآن لا ضرر على الجار بنزع الخشب عن الجدار.
فإذاً لا يعيدها إلا بإذن المالك.
وقلت لكم: أن هذا التفصيل فيما إذا لم يجب على الجار تمكين جاره من وضع الخشب على ما تقدم في باب الصلح.
إذاً: تحمل على هذه الحال.
فإذاً بين المؤلف - رحمه الله - بهذا الحكم قبل السقوط والحكم بعد السقوط. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وتضمن العارية.
هذه المسألة من أمهات مسائل الباب ومن أهم المسائل.
هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها الصحابة.
وممن حكى خلاف الصحابة بأسلوب مبسط وجيد الإمام الترمذي - رحمه الله - ولذلك أقترح على كل واحد إذا رجع أن يقرأ في سنن الترمذي كيف ساق الشيخ - رحمه الله - الخلاف.
طبعاً ساقه مختصراً جداً لكن عبارات السلف دائماً مليئة ومفيدة لطالب العلم. -
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار من صفوان بن أمية أدرعاً فقال صفوان أغصباً يا محمد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بل عارية مضمونة).
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصف العارية في الحديث بأنها مضمونة. -
والدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
وهذا الحديث فيه ضعف.
هذا هو استدل به الحنابلة رحمهم الله هذا أقوى ما ستدل به الحنابلة.
= القول الثاني: وهو للجمهور: أنه لا ضمان مطلقاً - عكس القول الأول -. واستدلوا على هذا: -
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليس على المستعير غير المغل ضمان) فدل الحديث على أن المستعير الذي لا يخدع ولا يتلف ولا يخون لا ضمان عليه.
وهذا الحديث أيضاً ضعيف.
والصحيح إن شاء الله أن هذا من كلام شريح.
ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. -
الدليل الثاني: أنه صح عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - أنه لا ضمان في العارية.
-
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (العارية مؤداة).
وأيضاً هذا الحديث فيه كلام - في ثبوته كلام.
وجه الاستدلال من الحديث: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف العارية بأنها مؤداة والأداء يوصف للأمانات.
بدليل قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
فالأداء إنما يكون في الأمانات فدل على أنه أمانة.
والأمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
= القول الثالث: أنه لا ضمان إلا بالشرط.
وهذا اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله - وابن القيم - رحمه الله -. واستدل: -
بالجمع بين النصوص.
يبقى الآن أن نرجح: الأقرب والله أعلم أنه لا ضمان.
لأن من شأن العارية أنها أمانة والأمانات لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط وكما قلت لكم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في هذه المسألة.
فهي ليست مسألة واضحة بل مشكلة.
يبقى علينا الجواب على الحديث وهو دليل الحنابلة: الجواب من وجهين: ـ الوجه الأول: أن معنى قوله: (بل عارية مضمونة) أن المقصود بالضمان هنا ضمان الرد لا ضمان التلف.
بدليل أن صفوان قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أغصباً.
فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبين له أنها مردودة.
ـ الوجه الثاني: ان نقول: أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بل عارية مضمونة إنشاء للشرط فكأنه قال: بل عارية اشترط على نفسي أنها مضمونة.
يعني وليست صفة كاشفة والصفة الكاشفة هي الصفة أو القيد التي ذكرت لبيان الحال لا لمزيد فائدة.
فالحنابلة يقولون: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بل عارية مضمونة) يعني: كأنه قال بل عارية والعارية من شأنها أن تضمن.
الجوابان المذكوران عن الحديث فيهما قوة.
ولهذا انا قلت أنه إن شاء الله أن الراجح القول بعدم الضمان لا سيما وأن من القائلين بعدم الضمان اثنين من الخلفاء الراشدين.
ولقولهم مزية على باقي الصحابة.
-
ثم قال - رحمه الله -:
-
بقيمتها يوم تلفت.
العارية تضمن بالقيمة.
يعني: إذا لم تكن مثلية.
فإن كانت مثلية فبمثلها.
وتقدم معنا الخلاف في حد المثلي والقيمي.
ولسنا بحاجة إلى أعادة الكلام في هذه المسألة فالخلاف الذي ذكرناه في المثلي والقيمي يأتي معنا هنا. -
يقول - رحمه الله -:
-
يوم تلفت.
يعني: أن تقدير القيمة إذا لم تكن مثلية يكون يوم التلف لا يوم القبض ولا غيره وإنما يوم التلف لأن يوم التلف هو اليوم الذي فقدت فيه العارية.
واليوم الذي فقدت فيه هو اليوم الذي وجبت القيمة في ذمة المتلف.
فنقول: ننظر إلى القيمة في ذلك اليوم.
ومن المعلوم كما تقدم معنا في أبواب كثيرة أن تحديد زمن القيمة له دور كبير جداً وليس من المسائل التي لا أهمية لها بل مسألة مهمة.
لماذا؟ لأنه قد تكون القيمة يوم التلف أضعاف القيمة يوم القبض أو قد يكون العكس فتحديد الفقيه متى يكون في أي زمن تحدد القيمة أمر مهم. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
ولو شرط نفي ضمانها.
يعني: حتى لو شرط نفي الضمان فإن الضمان ثابت.
وعللوا هذا: - بقاعدة جميلة عند الفقهاء وهي: ((أن كل ما دل العقد على أنه مضمون فإن هذا الضمان لا ينفى بالشرط - وكل ما دل العقد على أنه أمانة فإنه لا يضمن بالشرط)).
العكس - يعني: كل قاعدة عكس الأخرى.
بناء على هذه القاعدة: نحن نقول: كل ما كان مضمونا فإن ضمانه لا ينتفي بالشرط وكل ما كان أمانة فإنه لا يضمن بالشرط.
لو قال المضارب: أنا أضمن لك رأس المال.
مالحكم؟ لا يجوز.
لماذا؟ لأن رأس المال عند المضارب أمانة.
ونحن نقول: (كل ما هو أمانة فإنه لا يضمن بالشرط).
بهذه القاعدة استدل الحنابلة.
دليل هذه القاعدة: - أن هذا الشرط شرط ينافي مقتضى العقد.
والشرط إذا نافى مقتضى العقد بطل.
وعن الإمام أحمد - رحمه الله - رواية ثانية: أنه ينفى بالشرط فإذا اشترط أن لا ضمان فلا ضمان.
والرواية الثانية هذه هي الصحيحة.
بدليل: - حديث: (بل عاريو مضمونة).
ولولا هذا الحديث لكان ما قاله المؤلف - رحمه الله - صحيح لأن القاعدة التي ذكرت صحيحة.
وإنما استثنينا العارية من القاعدة بدلالة النص.
إذاً: يجب أن تفهم أن القاعدة صحيحة وأن ترجيح القول الثاني هو بمثابة الاستثناء من القاعدة وأن سبب الاستثناء هو النص.
فلولا النص لكان كلام الحنابلة سليم.
- قال - رحمه الله -:
- وعليه مؤونة ردها.
أي: وعلى المستعير مؤونة رد العين المستعارة.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
وهذه المسألة لا إشكال فيها.
أنه على المستعير رد العين.
-
- المسألة الثانية/ التي تتعلق بهذه المسألة أن رد العين على المستعير لكن مؤونة العين - في زمن الإعارة - على المعير.
وإلى هذا - أي: إلى أنه على المعير - ذهب الجمهور.
واستدلوا على هذا:
- المسألة الثانية/ التي تتعلق بهذه المسألة أن رد العين على المستعير لكن مؤونة العين - في زمن الإعارة - على المعير.
- بأن الأصل أن الإنسان ينفق على ملكه.
وهذه العين لم تخرج عن ملكه فعليه نفقتها.
بناء عليه: إذا استعار زيد من عمرو سيارة لمدة أسبوع وذهب بها في كل مكان فإنه إذا أراد أن يسلم السيارة فإنه يطلب من المعير قيمة البنزين والزيت وكل شيء.
لأن مؤونة العين على المعير فيقول: أنا انتفعت من السيارة لكن أريد قيمة البنزين التي صرف والزيت ... وهذا مذهب الجمهور وهو عجيب.
[الثاني]: وقد أذن له أن يستخم المنشار في النشر.
فإذا تلف ولم يبق فيه أي أسنان تصلح للعمل فلا ضمان لأنه تلف فيما استعير له.
فيما عدا هذا فإنه يضمن.
فإذا أخذ الإناء للطبخ وطبخ فيه وانتهى وسقط وانكسر هل الإناء يستخدم للسقوط؟ إنما يستخدم للطبخ.
فإذا سقط فيضمنه على الخلاف السابق.
-
قال - رحمه الله -:
-
ولا يعيرها.
يعني: ولا يجوز للمستعير أن يعير ما استعار.
الدليل: -
قالوا: الدليل: أنه تقدم معنا: أن حقيقة العارية إباحة المنافع لا تمليك المنافع.
فالمعير أباح للمستعير أن ينتفع بالعين فقط ولم يملكه المنفعة.
وإذا ثبت أن المستعير لم يملك المنفعة فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف فيما لا يملك.
= والقول الثاني: ان له أن يعير - إذا استعار له أن يعير.
وهذا القول مبني على أن المستعير يملك المنفعة.
وأن حقيقة العقد هبة المنافع لا إباحة المنافع.
والإنسان إذا ملك الشيء فله أن يتصرف فيه.
= القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يجوز أن يعير في العارية المؤقتة.
فإذا أعاره شيئاً لمدة شهر هذه عارية مؤقتة فإنه يجوز له في خلال هذا الشهر أن يعير ما استعار.
لماذا؟ قالوا: -
لأنه إذا أقتت العارية أصبحت المنفعة مملوكة في هذا الزمن فله أن يعير ما ملك.
والراجح أنه لا يعير مطلقاً.
ليس له ان يعير مطلقاً إلا بإذن المالك.
سواء كانت مؤقتة أو غير مؤقته لأن هذا في الحقيقة نوع من الاعتداء.
وسواء كان المستعير الثاني يستعمل كاستعمال الأول أو أشد أو أقل فلا يجوز أن يعير.
لأن هذه العين أمانة في يده ولا يجوز له أن يتصرف فيها هذا التصرف بلا إذن المالك.
لكن مع ذلك بين المؤلف - رحمه الله - ما يترتب على ما لو خالف وأعار. -
فقال - رحمه الله -:
-
فإن تلفت عند الثاني: استقرت عليه قيمتها.
يعني: وإذا خالف المستعير الأول وأعارها للمستعير الثاني وتلفت عند المستعير الثاني فإن الضمان على المستعير الثاني.
الدليل: - قالوا: لا يخلو الأمر من أن يكون المستعير الثاني عالماً بأن الأول أعاره ما لا يملك إعارته فحينئذ يكون غاضب.
والغاصب ضامن كما سيأتينا اليوم إن شاء الله.
الحال الثانية: أن لا يعلم أن المعير أعاره ما لايملك إعارته فحينئذ هو أخذها على أنها عارية والعارية عند الحنابلة مضمونة.
إذاً تبين أنه بكل حال الضمان على الثاني.
لأن العين تلفت تحت يده.
ولا يخفى عليكم أنه في الصورة الثانية يأتي معنا الخلاف في العارية هل تضمن أو لا تضمن؟ يعني: بعبارة أخرى: إذا أخذها ولم يعلم أن المعير لا يملك هذه العين وإنما ظن أنها ملك له فإنه عند الحنابلة يضمن لأنه أخذها على أنها عارية وعلى القول الثاني لا يضمن لأن العارية لا تضمن.
- قال - رحمه الله -:
- وعلى معيرها أجرتها.
يعني: على المستعير الأول الذي أعارها الأجرة.
- لأنه هو الذي سلط المستعير الثاني على هذه العين.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان المستعير الثاني يعلم بالحال وتقدم معنا ما هو معنى قول الفقهاء يعلم بالحال يعني: يعلم أن العين ليست ملكاً للمعير.
حينئذ يكون على الثاني الضمان والأجرة.
إذاً: إذا قيل لك متى يكون الضمان والأجرة جميعاً على المستعير الثاني فتقول: إذا كان عالماً بالحال. - قال - رحمه الله -:
- ويضمن أيهما شاء.
يعني: وللمالك أن يطالب - فمعنى: (يضمن): يطالب - أيهما شاء.
إن شاء طالب المستعير الأول.
وإن شاء طالب المستعير الثاني.
أما المستعير الأول فلأنه هو السبب في وقوع اعين تحت يد المستعير الثاني.
وأما المستعير الثاني: فلأنه تلفت العين تحت يده.
لكن كيف يقول الشيخ: (يضمن أيهما شاء) وهو يقرر أن الضمان على الأول أو الى الثاني - حسب الحال.؟ ما معنى هذا؟ إذاص: يكون معنا: (يضمن) يطالب.
ولو قال المؤلف - رحمه الله - في الحقيقة: (ويطالب أيهما شاء) لكان أوضح وأدق لأنه هو في الحقيقة لا يضمن وإنما يطالب والضمان يرجع إلى من عليه الضمان حسب التفسير السابق. - قال - رحمه الله -:
- وإن أركب منقطعاً للثواب: لم يضمن.
يعني: وإذا أركب شخص منقطعاص في السفر لا مال معه ليركب به فتصدق عليه وأركبه على دابته فإنه في هذه الحال لا يضمن الراكب ولو تلفت تحت يده.
إذاً: - مرة أخرى - معنى هذه العبارة: أنه إذا تبرع شخص لمنقطع لا مال معه وأركبه على دابته ثم تلفت تحت هذا الراكب فإنه لا ضمان عليه.
التعليل: عللوا هذا بأنه: - أولاً: أركبه تقرباً إلى الله. - ثانياً: وهو الأهم: وهو العلة احقيقية: أن يد المالك ما زالت على الدابة ولم يرفع يده عنها.
وهذا الحكم لا يختص بالمنقطع بل يشمل كل من اعطى غيره دابة ونحوها وبقيت يد المالك عليها.
مثاله/ حتى تتضح القضية: لو أركب خلفه شخص رديفاً له ففي هذه الحالة لو تلفت الدابة فإن الرديف لا يتعبر ضامناً.
وإن كان المردف أعاره نفع الجابة بإركابه لكن ما زالت يد المالك على الدابة.
إذاً: لا يضمن.
المثال الثاني وهو مثال مشهور/ لو سلم الدابة للسائس ليقوم بتمرينها وتلفت تحت يده فإنه لا يضمن.
لأن يد المالك ما زالت على هذه الدابة.
وليس معنى قول الفقهاء يده ما زالت أنه راكب أو ممسك باللجام وإنما مقصود أنها باقية في حوزته.
- قال - رحمه الله -:
- وإذا قال: ((آجَرْتُكَ)) قال: ((بَلْ أَعَرْتَنِي)) أو بالعكس عقب العقد: قبل قول مدعي الإعارة.
بدأ المؤلف - رحمه الله - في الكلام على الاختلافات التي تقع بين القابض والمالك.
يقول - رحمه الله -: (وإذا قال: ((آجَرْتُكَ)) قال: ((بَلْ أَعَرْتَنِي)) أو بالعكس عقب العقد: قبل قول مدعي الإعارة.) إذا اختلفوا: فقال أحدهما أجرتك وقال الآخر بل أعرتني: بعد العقد ومقصود المؤلف - رحمه الله - هنا: (ببعد العقد) يعني: وقبل مضي مدة يؤخذ على مثلها أجره وهذا هو معنى [[قبل]] العقد في كلام المؤلف - رحمه الله - حينئذ إذا اختلفا فإن القول قول مدعي العارية مطلقاً.
فإن كان مدعي العارية المالك فالقول قوله.
وغن كان مدعي العارية القابض ولا نقول المستعير - لانا لم نحكم له إلى الآن هل هو مستعير أو مستأجر - فالقول قول القابض.
إذاً: بعبارة أخرى: إذا اختلفوا: يزعم أحدهما أن العقد عقد إجارة والآخر قال: العقد عقد عارية فالقول قول من؟ المالك أو القابض؟ مدعي العارية.
سواء كان القابض أو المالك.
التعليل: - قالوا: السبب في ذلك: أن مدعي العارية ينفي عقد الإجارة والأصل عدم وقوع عقد الإجارة.
وكان هذا هو الأصل لأن الأصل براءة الذمة.
وبراءة الذمة تتحقق في عقد العارية لا في عقد الإجارة.
لأنه في عقد الإجارة يترتب الأجرة وفي عقد العارية لا يترتب على ذمة المستعير أجرة.
إذاً: إذا اختلفوا فالقول قول مدي العارية مهما كان حتى لو كان القابض.
لأن الأصل معه. - قال - رحمه الله -:
-
وبعد مضي مدة: قول المالك في ماضيها بأجرة المثل.
وبعد مضي مدة فالقول قول المالك.
الآن أنت تعرف ما معنى بعد مضي مدة؟ يعني: تؤخذ على مثلها الأجرة.
وليس المقصود أي مدة وإنما المدة التي يؤخذ على مثلها أجرة.
بعد مضي هذه المدة القول قول المالك.
/ فإذا أخذ المستعير العين وبعد مضي شهر جاء فاختلفوا فقال: المالك أجرتك وقال المستعير أعرتني فالقول قول المالك.
لأنه مضت مدة يؤخذ على مثلها أجرة.
الدليل: قالوا الدليل على ترجيح قول المالك من وجهين: -
الوجه الأول: أن الأصل في أموال الغير المقبوضة الضمان.
-
الوجه الثاني: القياس على عقد البيع.
فإنه إذا وقع هذا الاختلاف في البيع فالقول قول البائع.
= والقول الثاني: أن القول قول المنكر.
فإذا كان المنكر ينكر عقد الإجارة فالقول قوله لأن الأصل براءة الذمة.
قهم يقولون الأصل براءة الذمة سواء مضت مدة أو لم تمض مدة الأصل دائماً براءة الذمة.
الراجح: - الراجح: المذهب.
السبب في الترجيح: أنا نأخذ هذه الأجرة في الواقع مقابل الانتفاع والأصل في مال الإنسان أنه محفوظ ومضمون ولسنا نأخذ الأجرة مقابل عقد الإجارة تماماً وإنما مقابل الانتفاع بهذه العين.
وهذا القول في الحقيقة هو الراجح ومال إليه ابن قدامة وفيه قوة.
ولكن الخلاف قوي لأن القول بأن الأصل براءة الذمة أيضاً وجيه. -
قال - رحمه الله -:
-
وإن قال: ((أَعَرْتَنِي))، أو قال: ((أَجَرْتَنِي)) قال: ((بَلْ غَصَبْتَنِي)) ... فالقول قول المالك.
إن قال قابض العين: أعرتني أو قال أجرتني فقال المالك: بل غصبتني.
فالقول قول المالك.
لماذا؟ - لأن المالك ينطر التمليك والأصل مع المنكر دائماً.
فعلى من يدعب خلاف الإنكار الاثبات.
وتقدم معنا قاعدة: (أنه دائماً القول قول المنكر بيمينه).
وهنا المنكر هو القابض أو المالك؟ المالك وهو ينكر انتقال المنافع.
وهذا صحيح.
ولو لم نقل بهذا لأمكن كل إنسان أن يأخذ متاع الناس ويقول أخذته عارية.
إذاً: لا مجال لتصحيح قول القابض مطلقاً إلا ببينة.
بلا بينات فالقول قول المالك. -
قال - رحمه الله -:
-
أو قال: ((أَعَرْتُكَ)) قال: ((بَلْ آجَرْتَنِي))، والبهيمة تالفة أو اختلفا في رد: فقول المالك.
انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى القسم الثاني والتفصيل السابق كله فيما إذا كانت البهيمة لم تتلف.
والآن انتقل إلى حكم الاختلاف مع تلف البهيمة.
يقول - رحمه الله -: (أو قال: ((أَعَرْتُكَ)) قال: ((بَلْ آجَرْتَنِي))، والبهيمة تالفة فقول المالك.)
وهذه الصورة - يعني إذا تلفت البهيمة - تنقسم إلى قسمين:
ـ أن يكون التلف قبل مضي مدة: - ما معنى قبل مضي مدة؟ يؤخذ على مثلها أجرة - فإذا كانت قبل مضي مدة فالقول قول المالك سواء ادعى الإجارة أو العارية.
((إذاً: نقول: إذا كان قبل مضي المدة فالقول قول المالك سواء ادعى الإجارة أو ادعى العارية.
التعليل:
- قالوا: لأنه إذا ادعى أن العقد عقد إجارة فهو في احقيقة يبرئ القابض لأنه في عقد الإجارة لا ضمان على المستأجر.
تقدم معنا أن المستأجر لا ضمان عليه.
وإذا ادعى أنها عارية فهو يدعي أنها عارية والقول قوله.
لماذا القول قوله؟ لأن الأصل في قبض مال الغير الضمان.
ـ ننتقل إلى القسم الثاني وهو ما إذا كان بعد مضي المدة: إذا كان بعد مضي المدة فينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن تكون قيمة العين التالفة وقيمة الأجرة متساوية.
فحينئذ القول قول من؟ (لكي تتصور المسألة وتجيب عن هذا السؤال: الآن رجل قبض دابة هذه الدابة تلفت: المالك: أيهما أنفع له أن يدعي أن العقد عقد إجارة أو عقد عارية؟ عارية.
لماذا؟ لأن العارية مضمونة.
والأجرة غير مضمونة وهذا بخلاف المسألة السابقة فإنه من صالح المالك أن يكون العقد عقد إجارة لأن فيه أجرة أما الآن العين تالفة فمن صالح المالك أن يكون ( ... ) نرجع إلى مسألتنا: العين تلفت واأجرة وقيمة العين التالفة واحد فالقول قولمن؟: ( ... نفس الشيء أو مافيه خلاف كله واحد ... [غير واضح]) لماذا؟ سواء قلنا القول قول المالك أو القابض النتيجة: ( ... ) لأن المبلغ متفق.
نأتي إلى: - الصورة الثانية وهي محل الخلاف: إذا كانت قيمة العين أكثر من الأجرة وهذا الإشكال.
إذا كانت قيمة العين أكثر من الأجرة: فالمالك سيدعي أن العقد عقد عارية القابض سيدعي أن العقد عقد إجارة.: فالقول قول: المالك.
لماذا؟ - قالوا: لما تقدم من أن الأصل في الأموال المقبوضة وهي للغير: الضمان.
وبهذا اكتملت الصورة وعرفنا الاختلاف في حال تلف الدابة والاختلاف في حال بقاء الدابة حية.
وأنه في غالب الصور نلاحظ أن الفقهاء يراعون جانب المالك.
لأن الأصل في الأموال الحفظ.
- قال - رحمه الله -:
- أو اختلفا في الرد فقول المالك.
إذا اختلفا في الرد فالقول قول المالك.
لماذا؟ - لأن الأصل عدم الرد.
فالمالك منكر للرد والقول قول المالك.
يعني والقول قول المنكر.
وبهذا تم باب العارية وننتقل إلى بعض مائل الغصب.
باب الغصب
.
- قال - رحمه الله -:
- باب الغصب.
الغصب في لغة العرب هو: أخذ مال الغير قهراً.
والغصب محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
ـ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ... ﴾ [النساء/29].
ـ وأما السنة: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس في الحج وقال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا).
وهذا تغليظ في الدماء والأموال والاعراض.
ـوأما الإحماع فلم يختلفوا أبداً في أن الغصب محرم.
وإن اختلفوا ببعض المسائل داخل باب الغصب لكن الغصب من حيث هو محرم.
وأما التعريف الشرعي فذكره المؤلف - رحمه الله -: - فقال - رحمه الله -:
- وهو: الإستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق.
المؤلف - رحمه الله - عدل عن تعريف الأصل - يعني عن تعريف الشيخ ابن قدامة في المقنع واختار تعريف رجل من كبار الحنابلة يسمى الحارثي.
وهو من علماء الحنابلة الكبار.
وذكر التعريف المذكور هنا واختاره المؤلف - رحمه الله - وفي الحقيقة هو من أجود التعاريف. - يقول - رحمه الله -:
- وهو الاستيلاء.
لا تتحقق حقيقة الغصب إلا مع الاستيلاء وهو الأخذ.
وإذا لم يوجد الاستيلاء فلا غصب.
فإذا دخل رجل بيت آخر بلا إذن وتلف البيت فهنا: لا يتعبر استيلاء ولا ضمان عليه.
لماذا؟ لأنه وإن دخل بغير إذنه إلا أنه لم يستول عليه.
لكن لو دخل بغير إذنه وأخرج صاحب الدار قصراً من الدار وجلس في الدار حينئذ يعتبر استولى فإن انهدمت الدار فيضمنها.
إذاً لابد من عنصر الاستيلاء.
ولا يشترط في الاستيلاء كما يتوقع كثير من الناس نقل العين ... ((الأذان)) ...
الدرس: (40) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أخذنا أول باب الغصب وتعريف الغصب في اللغة وأدلة التحريم والتعريف الاصطلاحي وذكرت أن المؤلف - رحمه الله - عدل عن تعريف الأصل وهو تعرلايف ابن قدامة واختار تعريف الحارثي والسبب في ذلك هو أن التعريف الذي اختاره الحارثي أجمع وأشمل وأمنع.
وذلك قدمه المؤلف - رحمه الله - على تعريف ابن قدامة.
لأن في تعريف ابن قدامة كلمة المال وفي تعريف الحارثي كلمة الحق والحق أوسع من المال ولذلك اختارها وهو إن شاء الله مصيب باختياره تعريف الحارثي.
-
يقول - رحمه الله -:
-
وهو: الإستيلاء على حق غيره.
الاستيلاء: تحدثنا عنها وبينا أنها من الشروط الأساسية في الغصب. -
يقول - رحمه الله -:
-
على حق غيره.
المقصود بالحق هنا: سواء كان حقاً مالياً أو حق اختصاص.
ومعنى (حق الاختصاص) هو أن يختص الإنسان بمنفعة العين وإن لم تكن مالاً متقوماً في الشرع.
مثال حق الاختصاص/ الكلب.
فالكلب يختص نفعه بصاحبه وليس من الأموال التي يجوز أن تباع وأن تشترى.
فرأينا أن كلمة حق شملت النوعين فهي أولى بالتقديم في التعريف من كلمة مال. -
قال - رحمه الله -:
-
قهراً.
يعني: أنه يجب لكي نحكم على العمل أنه غصب أن تؤخذ تاعين بالقوة فإن أخذت عن طريق السرقة أو النهب أو الاختلاس فإنه لا يعتبر من باب الغصب.
فالسارق - مثلاً - لا يأخذ العين قهراً وإنما خفية.
فيشترط في الغصب أن يأخذ العين بقوة وقهراً حتى نسميها غضباً. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
بغير حق.
خرج بهذا: ما لو أخذت العين بالقوة والقهر لكن بحق.
مثال ذلك/ أخذ الحاكم المال من المفلس.
فهو يأخذه بقوة وقهر ولكنه بحق.
ومثاله أيضاً/ أخذ ولي اليتيم المال من اليتيم لئلا يضيع اليتيم المال فهذا أخذ بحق.
المهم: القاعدة أنه إذا أخذ المال قهراً لكن بحق فليس من الغصب. -
يقول - رحمه الله -:
-
من عقار.
انتهى المؤلف - رحمه الله - من التعريف في الحقيقة ودخل في مسألة العين المغصوبة وأحكام هذه العين.
وهو مبحث أساسي في باب الغصب.
فسيتكلم عن أنواع العين المنصوبة وأنواع الاغتصاب وأنواع العين بعد الاغتصاب كما سيأتينا كل هذا في الباب.
بدأ أولاً بالعين التي يمكن أن يقع عليها فعل الغصب.
- فيقول - رحمه الله -:
- من عقار أو منقول.
العقار.
تعريفه: هو كل ما يملك ثابتاً أصله لا يتحرك.
فالأموال الثابتة الأصول دائماً تعتبر عقار عند الفقهاء.
ولا تختص كلمة عقار بالمباني كما هو في العرف بل عند الفقهاء: العقار: كل ما كان ثابت الأصل.
فالدار: عقار أو منقول؟ عقار.
والنخلة؟ والشجرة؟ والأرض؟ هذه أمور واضحة.
والبيوت المتنقلة التي تنقل من مكان إلى مكان - لست أقصد البيوت التي تكون على هيئة سيارة أقصد البيوت التي تنقل وتوضع في مكان ثم بعد فترة تنقل وتوضع في مكان آخرى تكون جاهزة وتوضع للسكن أو للعمل ... إلخ؟ هذه عقار أو منقول؟ (السؤال الذي يبنبغي أن تسأل نفسك إياه؟ كيف أحكم على الشيء أنه عقار أو منقول؟ الجواب: أن الثابت عقار والمنقول ... والسؤال الثاني الذي تسأل نفسك إياه: إذا اجتمعت في العين صفتان كيف أحكم عليها؟ على الغالب.
إذاً: إذا تدرج الإنسان في التفقه استطاع أن يعرف الحكم.
إذا قيل: أيهما الصفة الغالبة على البيوت المتنقلة: الثبات أو التنقل؟ الثبات.
إذاً التدرج في معرفة الحكم يساعد على معرفة حقيقة العين.
بالنسبة للبيوت التي تأتي على شكل سيارة أصلاً: منقولة وإن كانت فيها جميع مرافق البيت.
لماذا؟ لأن الأصل فيها والغرض منها التنقل الكثير.
فالأصل فيها التنقل لا الثبات.
إذاً: الآن نستطيع إن شاء الله نستطيع أن نعرف ما هو العقار وما هو المنقول؟ نأتي إلى حكم المسألة: = ذهب الحنابلة إلى أنه يتصور الغصب في العقار.
واستدلوا على هذا القول بأدلة: - الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: (من ظلم شبر أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين).
فهذا الحديث دليل على أن أخذ الشبر من الأرض يعتبر غصباً.
- الدليل الثاني: أنه بالإمكان الاستيلاء على العقار ومنع صاحبه من الانتفاع به وهذا حقيقة الغصب.
= القول الثاني: أنهى لا يتصور مطلقاً الغصب في العقار.
وهو مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا: - بأن من أوصاف الغصب اللازمة له النقل فلا يتصور غصب بلا نقل والعقار لا يمكن نقله.
لأن وصفه الأساسي هو الثبات.
والراجح قول الحنابلة - وهو قول الجماهير - ووجه الترجيح أن وصف الأحناف للمغصوب بأنه لابد أن ينقل غير صحيح: لأن هذا الشرط ليس في الكتاب ولا في السنة بل يصح الغصب بلا نقل.
ولذلك لو جاء رجل وغصب متاع إنسان ولم ينقله أبقاه في مكانه لاعتبرناه غاصباً وإن لم ينقله.
فالراجح أنه يتصور الغصب في العقار.
-
- مسألة/ حتى تفهم ما يترتب على أن نحكم على العقد أنه غصب أو ليس بغصب يترتب بصورة عامة - سيأتينا تفصيل هذا - يترتب بصورة عامة على عقد الغصب: الضمان المطلق.
وإذا حكمنا على العمل أنه ليس بغصب فإنه لا يضمن إلا بالإتلاف.
فإذا جاء شخص وأخذ البيت قهراً وقصراً ولما أخذ البيت انهدم البيت: ـ فعند الأحناف: إلا أن تعدى أو فرط.
ـ وعند الجمهور: يضمن مطلقاً حتى لو خرج من البيت وسافر وسقط البيت بسبب الريح فإنه يضمن.
لأنا حكمنا على أخذه العين أنه عقد غصب.
إذاً: هذا الذي يسمى ثمرة الخلاف.
وهو مبحث مهم: أحياناً: يأخذ الإنسان الخلاف في شيء ولا يعرف ماذا يترتب على هذا الخلاف.
- مسألة/ حتى تفهم ما يترتب على أن نحكم على العقد أنه غصب أو ليس بغصب يترتب بصورة عامة - سيأتينا تفصيل هذا - يترتب بصورة عامة على عقد الغصب: الضمان المطلق.
- يقول - رحمه الله -:
- ومنقول.
المنقول: هي الأموال التي يمكن نقلها وهي غالب الأموال كالأمتعة والأطعمة والمركوبات وأشياء كثيرة.
ولا إشكال بالإجماع أن المنقول يغصب إنما الخلاف فقط في العقار. - قال - رحمه الله -:
- وإن غصب كلباً يقتنى.
إذا غصب كلباً يقتنى ككلب الماشية أو الرعي أو الصيد فإنه يجب عليه أن يرد الكلب وجوباً.
فيجب على الغاصب إرجاع الكلب إلى صاحبه.
والتعليل: - أن منافع الكلب ملك لصاحب الكلب المختص به ولا يجوز للإنسان أن يضيع على أخيه منافع أمر يختص به.
وهذا لا إشكال فيه.
-
- مسألة/ فإن تلف الكلب فليس على الغاصب دفع القيمة:
= عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا:
- مسألة/ فإن تلف الكلب فليس على الغاصب دفع القيمة:
= عند الحنابلة.
- بأن القاعدة الفقهية تقول: كل ما لا يجوز بيعه لا يجب ضمانه.
والكلب لا يجوز بيعه فلا يجب ضمانه.
= والقول الثاني: أن على الغاصب للكلب إذا تلف أن يدفع قيمة الكلب. - لأنه ضيع على المغصوب منافع الكلب.
وفي الحقيقة الخلاف قوي.
لكن لو قيل: أن عليه أن يدفع وهذا الدفع في الحقيقة ليس قيمة للكلب وإنما هو عوض المنافع.
ومنافع الكلب محترمة شرعاً.
ولذلك أخذنا الخلاف في تأجير الكلب.
وأن الأقرب جواز تأجيره في الحال التي يجوز فيها نفعه.
كذلك هنا نقول: المال أو القيمة هي مقابل المنافع.
ويكون هذا القول وهو خلاف المذهب هو الأقرب من حيث التعليل. - يقول - رحمه الله -:
- أو خمر ذمي.
إذا غصب المسلم خمر الذمي فيجب عليه أن يرده.
فهم من كلام المؤلف - رحمه الله - أنه إذا غصب خمر المسلم فإنه لا يجب أن يرده وهذا صحيح.
بل يجب عليه أن يتلفه وجوباً.
إذاً: هناك فرق بين خمر الذمي وخمر المسلم.
نرجع إلى خمر الذمي: إذا غصب الإنسان خمر الذمي فإنه يجب عليه أن يرده للذمي.
والسبب في ذلك: - أنه يجوز للذمي أن يتاجر في الخمر وأن يتعاطاها سراً.
- والدليل الثاني: أن الصحابة - رضي الله عنهم - سألوا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن تجار أهل الذمة الذين يتاجرون في الخمر هل يعشر عليهم أو لا يعشر.
فقال - رضي الله عنه -: (ولوهم بيعها وخذوا عليهم العشر من الثمن) فدل الأثر على أن الخمر مال محترم بالنسبة للذمي.
وهذا كله يدل على أنه يجب ردها إليه.
-
- مسألة/ فإن تلفت فإنه لا يجب على المسلم ضمان القيمة: لأنى الخمر مال مهدر في الشرع.
= والقول الثاني: أنه يجب على المسلم الغاصب أن يضمن الخمر للذمي.
واستدلوا على هذا:
- مسألة/ فإن تلفت فإنه لا يجب على المسلم ضمان القيمة: لأنى الخمر مال مهدر في الشرع.
- بأن عقد الذمة أوجب - حفظ مال ونفس الذمي.
والخمر بالنسبة للذمي مال متقوم.
فوجب لذلك الضمان.
وهذا القول هو الصحيح.
لأن مال الذمي محفوظ بعقد الذمة وهو مال بفتاوى الصحابة فعليه أن يضمن هذا المال.
فإذا أتلفه دفع إلى الذمي قيمة الخمر. - قال - رحمه الله -:
- ولا يرد جلد ميتة.
إذا غصب الإنسان من أخيه جلد ميتة فإنه لا يجب: = عند الحنابلة أن يرد هذا الجلد.
وعللوا هذا:
-
بأن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ فلا يمكن الانتفاع به فلا فائدة في رده.
= والقول الثاني: أن جلد الميتة يطهر بالدباغة.
وإذا كان يطهر بالدباغة فيجب على المسلم أن يرده على من اغتصبه منه. -
لأنه يمكن الانتفاع به.
= والقول الثالث: أنه يجب رد جلد الميتة المغصوب سواء قلنا يطهر بالدباغة أو لا يطهر بالدباغة.
والسبب في هذا: -
أنه يجوز الانتفاع بجلد الميتة في اليابسات وإذا كان يجوز الانتفاع به في اليابسات وجب رده سواء قلنا يطهر أو لا يطهر بالدباغة.
وهذا القول هو الصحيح.
فإذا غصب جلدة ميتة فيجب عليه أن يرد هذا الجلد. -
قال - رحمه الله -:
-
وإتلاف الثلاثة: هدر.
الثلاثة هي: المتقدمة.
الكلب والخمر والجلد الميتة.
وتقدم معنا الخلاف عند ذكر كل واحد منهم فيما إذا تلفه الغاصب.
والراجح في الجميع أنه يجب: القيمة.
وتقدم هذا ولذلك نحن رأينا أن نذكر الخلاف في الاتلاف عند ذكر كل واحدة على حدة حتى يكون الحكم مجتمعاً فيما يختص بالكلب وفيما يختص بالخمر وفيما يختص بجلد الميتة. -
ثم قال - رحمه الله -:
-
وإن استولى على حر: لم يضمنه.
هذه المسألة ترجع إلى قاعدة:: ((وهي أن الغصب لا يقع على غير الأموال)) وهي قاعدة مفيدة.
وبدن الإنسان ليس من الأموال يعني: بدن الإنسان الحر ولذلك لا يعتبر مغصوباً.
بناء على هذا: لا يضمن.
لا ضمان فإذا غصب زيد عمراً فإنه لا يضمنه إلا إذا أتلفه بتعد وتفريط.
مثال يوضح المسألة/ إذا غصب زيد عمراً وفي مدة الغصب (غصبه يعني: أخذه وحبسه عنده) وفي مدة الحبس أصيبت يده بجرح ولزم من ذلك قطع اليد: ـ على القول بأنه لا يغصب الإنسان تكون يده: هدر.
لأنا لا نحكم عليه بأنه غصب وإنما يضمن لو قام بقطع يده: ضمن.: كما لو قطع يد أي شخص في الشارع.
ويكون الضمان بسبب الجناية والتعدي لا بسبب الحبس والغصب. -
قال - رحمه الله -:
-
وإن استعمله كرهاً .. فعليه أجرته.
إذا استعمل الإنسان آخر مغصوباًَ كرهاً: فعليه الأجرة.
والسبب في هذا: - أنه استغرق منافعه واستوفاها فوجب عليه أجرة هذه المنافع.
إذاً: إذا غصبه واستعمله بأن جعله يعمل في أعمال خاصة بالغاب فعليه الأجرة.
لماذا؟ لأنه استغرق منافعه.
وقبل ان نتعدى الاستعمال هناك فيه قول آخر في المسألة لكنه - ضعيف - ونحن نستبق هذا القول ونقول هو قول ضعيف وتركناه.
لكن نشير إليه لأن تعليله جيد:
= القول الثاني: انه إذا استعمله لا يدفع الأجرة.
التعليل: - قال: التعليل: لأنه إذا لم يضمن الأصل فكيف يضمن الفرع.
لأن عمل الإنسان فرع عن بدنه.
وهذا اختاره لحارثي.
وإن كان اختيار الحارثي في التعريف جيد لكن اختياره في هذه المسألة مرجوح.
والراجح أن عليه ضمان الأجرة وإنما ذكرت هذا القول لأن تعليله لطيف.
وهذا واضح.
- قال - رحمه الله -:
- أو حبسه: فعليه أجرته.
إذا حبسه فعليه أجرته ولو لم يعمل.
التعليل: - أنه أتلف منافع هذا الرجل مدة الحبس.
ولاحظ هذا التعليل يختلف عن تعليل المسألة السابقة.
المسألة السابقة نقول إنه استغرق المنافع وانتفع بها هنا لم ينتفع هو بالمنافع لكنه أتلف المنافع بالحبس.
= والقول الثاني: انه في مسألة الحبس لا يضمن الأجرة. - لأنه لم ينتفع منه بشيء والبدن لا عوض عليه.
ومن المعلوم أن الحارثي الذي يرى عدم أخذ الأجرة مع الاستعمال واستخدام المحبوس هنا من باب أولى أنه يرى أنه لا أجرة.
والراجح: أن عليه الأجرة.
لأنه في الواقع أتلف المنافع هذه المدة.
بناء على هذا: نقول قيمة الأجرة تتفاوت بحسب منافع هذا المحبوس أو المغصوب.
ـ فإن كانت كبيرة فسيكون المبلغ كبير جداً.
ـ وإن كانت بسيطة فسيكون بسيط جداً.
-
- مسألة/ نحن أخذنا استعمله والمسألة الثانية: إذا حبسه بلا استعمال.
المسألة الثالث: وهي مرتبة عقلياً: إذا منعه مكن العمل بلا حبس.
يعني: لم يحبس ولم يستعمل.
ففيه خلاف: = الراجح: أنه إذا منعه من العمل ولم يحبسه فعليه أيضاًَ الأجرة.
وممن اختار هذا القول من المحققين الشيخ ابن مفلح - رحمه الله - والشيخ المرداوي.
صورة المسألة/ أن يقول زيد لعمرو إن عملت في دكانك برحتك ضرباً.
هو الآن لم يحبسه.
لكنه منعه من العمل بالتهديد.
هذا المُهَدَّد إذا كان المُهَدِّد يقول ويفعل ويضرب فلهن يعمل ويعتبر محبوس.
فنقول أنت لم تعمل لأنك محبوس وعليه أجرة هذه المدة.
إذاً تبين معنا في الحقيقة أنه في كل الصور عليه الضمان لأنه ظالم ومعتدي.
- مسألة/ نحن أخذنا استعمله والمسألة الثانية: إذا حبسه بلا استعمال.
- قال - رحمه الله -:
-
ويلزم ردُّ المغصوب: بزيادته.
رد المغصوب: واجب بالإجماع.
لم يختلفوا رحمهم الله في وجوب رد المغصوب. -
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليس لعرق ظالم حق).
-
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جاداً ولا لاعباً وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها).
الحديث أفاد تحريم أخذ مال الغير وفي نفس الوقت وجوب الرد: (فليردها).
كما أن الحديث يفيد بيان حكم مسألة تقع كثيراً الآن لكن أنا لم أتمكن من مراجعة إسناد الحديثز لكنه يدل إن صح على مسألة أن المزح الذي يقع بين بعض الناس في أخذ المتاع أنه لا يجوز وهذا يقع كثيراً.
يعني: يمزح مع أخيه ويأخذ شيئاً من متاعه ويجعله مستتراً من باب المزاح.
الحديث يقول: (جاداً ولا لاعباً).
فالواجب إذا صح الحديث الامتناع عن هذا النوع من المزاح ويكون من المزاح الممنوع شرعاً.
كما أنه ممنوع من جهة أخرى وهي: الترويع.
لا سيما إذا كانمت مصالح الإنسان تتعلق بهذه العين بكثرة أو كان يحتاج هذا المال في هذا الوقت بشدة مثل ما يصنع بعض الناس يأخذ: مفتاح السيارة أو السيارة كاملة إذا كانت تشتغل أو الجوال يأخذه ويضعه في مكان مستتر وقد تكون حاجة الإنسان للسيارة أو الجوال أو أي شيء الآن ملحة وما في شك أنه سيصدم حين لا يجد هذا المال الخاص به.
ففي الحقيقة ما ذكر في الحديث تؤيده الأصول.
فإن صح الحديث فهو حديث مفيد جداً. -
قال - رحمه الله -:
-
بزيادته.
يجب على الغاصب أن يرد المغصوب بزيادته.
سواء كانت هذه الزيادة منفصلة أو متصلة.
فإذا غصب عبداً وعلمه الكتابة لمدة سنة وصرف عليه في التعليم مبالغ طائلة فإنه يأخذ المغصوب غلامه مع هذه الزيادة: المتصلة ولا شيء للغاصب.
كذلك لو أنه غصب من بهيمة الأنعام وأتت بولد أو أكثر فإنه يأخذ الشاة وما جائت به وليس للظالم شيء. -
قال - رحمه الله -:
-
وإن غرم أضعافه.
يعني: ويجب على الغاصب رد المغصوب وإن أدى الرد إلى غرامة أضعاف قيمة العين المغصوبة.
وأبرز صور ارتفاع قيمة رد المغصوب يقع في صورتين:
- أن يكون المغصوب بعيداً.
فإذا [[سرق]] العين ووضعها في مكان بعيد وصار إحضار هذه العين من هذا المكان البعيد تترتب عليه نفقات هي أضعاف قيمة العين فيجب عليه أن يحضر هذه العين. - الصورة الثانية: أن يبني على هذه العين.
مأن يغصب خشبة - خشبة واحدة - ويضعها في عمارة من عشرين طابق فتكلفة إرجاع هذه الخشبة هدم كل هذه العشرين دور.
لأن استخراج الخشبة لا يمكن إلا بهدم هذه الأدوار إلا إذا كان بالإمكان كسر الجدار أو استخراج الخشبة فممكن.
لكن فانفرض أنه لا يمكن استخراج الخشبة إلا بهدم البيت: فيجب وجوباً على الغاضب أن يهدم البيت وأن يستخرج الخشبة.
استثنى الحنابلة من هذا الحكم العام صورتين: ـ الصورة الأولى: إذا تلفت العين.
أخذ خشبة واستعملها في البناء وتلفت وانقرضت ولم يعد لها عين.
فلا حاجة لا سترجاع العين لأنها تلفت.
أصلاً هذه العين تلفت.
ـ الصورة الثانية: إذا كان المغصوب خيطاً خيط به جرح إنسان محترم.
فإنه لا يجب نقض الجرح وإرجاع الخيط إلى صاحبه.
فيما عدا هذا يجب مطلقاً إرجاع العين المغتصبة ولو أدى إرجاعها إلى أضعاف قيمتها.
= والقول الثاني: أن الغاصب إذا غصب خشبةً أو غصب حجراً واستخدمه في البناء فإنه لا يلزم بنقض البناء بل يلزم بقيمة الخشبة.
واستدلوا على هذا: - بأن إلزام الغاصب بالنقض فيه ضرر ظاهر عليه.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله.
إلا في صورة واحدة: ـ إذا تعلقت حاجة المغصوب بهذه العين بحيث لا تنقضي إلا بها.
فحينئذ يجب إرجاع هذه العين المغصوبة مهما كلف الأمر.
لأنه في هذه الصورة لم يعد الأمر ضرر وإضرار وإنما صارت المسألة حاجة المغصوب لهذه العين.
هذا القول إن شاء الله هو الصحيح.
قال - رحمه الله -:
- وإن بنى في الأرض أو غرس: لزمه القلع.
إذا غرس في الأرض أو زرع فيها فله صورتان: ـ الصورة الأولى: أن يزرع وينتهي موسم الزرع ويحصد الزرع ويأخذ الزرع كاملاً ثم يأتي المغصوب لأخذ حقه.
فالحكم حينئذ: أن الزرع جميعه للغاصب.
وليس للمغصوب إلا أجرة الأرض.
وقد حكى الشيخ ابن قدامة - رحمه الله - الإجماع على هذه الصورة.
فيقول - رحمه الله -: (لا أعلم فيه مخالفاً).
ـ الصورة الثانية: التي ذكرها المؤلف - رحمه الله -: إذا بنى على الأرض بيتاً أو غرس فيها شجراً فإنه يجب عليه القلع.
ومقصود المؤلف - رحمه الله - بوجوب القلع: يعني: إذا طلب المالك منه القلع.
فحينئذ يجب عليه أن يقلع.
والسبب: أنه معتد ظالم انتفع بمال غيره بلا إذن فوجب عليه الإزالة.
وهذا الحكم لاإشكال فيه.
وجوب القلع: لا إشكال فيه.
-
- مسألة/ إذا بنى في الأرش وطلب المالك القلع ولا مصلحة للمالك في القلع فحينئذ وقع بين الفقهاء خلاف: = منهم من قال: إذا لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح في قلع المبنى: هدم المبنى: فإنه لا يمكن من هذا الحكم.
- لأن هذا مفسدة لا مصلحة فيها.
والشرع جاء بتحصيل المصالح وتكميلها وإبطال المفاسد وتخفيفها.
= والقول الثاني: أنه يمكن ولو طلب هذا على سبيل الإضرار بالغاصب فقط.
بأن قال: اهدم البيت لأبني مكانه مثله.
((الأذان)).
والراجح إن شاء الله أنه لا يلزم بالقلع لأنه كما قلت لا فائدة من إلزام الغاصب بهذا الحكم.
: الراجح إذاً: عدم الإلزام: أنه لا فائدة في هذا العمل.
لكن إذا كان هناك فائدة بأن بنى الغاصب في أرض ينوي المالك أن يجعلها مزرعة وهو في حاجة إلى اتخاذها مزرعة فحينئذ له أن يلزم الغاصب بالقلع وبكل ما يترتب على القلع كما سيأتينا في نص كلام المؤلف - رحمه الله -. - قال - رحمه الله -:
- وأرش نقصها.
يلزمه أيضاً: أرش النقص.
إذا نقصت العين وهي في هذه المسائل الأرض بسبب أنه بني فيها بيت وهدم أو غرس فيها شجر وقلع.
فإن على الغاصب أرش النقص.
والتعليل: - أن هذا النقص حصل بتعديه وظلمه.
وإذا ترتب النقص على التعدي والظلم وجب ضمانه.
والأرش هو: أن نقول كم ثمن الأرض قبل هذا العمل وهو البناء ثم الهدم؟ وكم قيمتها بعد هذا العمل؟ والفرق بينهما يدفعه الغاصب. - ثم يقول - رحمه الله -:
- والتسوية.
يعني: ويجب عليه بعد القلع أن يسوي الأرض.
والضابط في ذلك: أن ترجع كما كانت.