:
لا شك ولاجدال أَنَّ سيبويه كان يسير على «منهج» في كتابه.
ومن الأهمِيَّة بمكان ــــ فيما أعتقد ــــ الوقوف على هذا المنهج وآلياته التي كان سيبويه ينتهجها ويعمل وفقها؛ لأَنَّ هذا يمكننا من الفهم الدقيق لأقواله.12345
وقد قسمت حديثي عن منهج سيبويه إلى قسمين يُكمل بعضهما بعضا:
- قسم أخذته من أقوال العلماء.
- وقسم آخر من واقع دراستي الشخصيَّة لنصوص الكتاب نفسها) 1. أما القسم الأول فإِنَّهُ من خلال النصوص التي جمعتُها من أقوال العلماء وإشاراتهم يمكن تحديد أركان هذا المنهج في النقاط التالية: أتوثيق الرواية والتثبت فيما ينقله من كلام العرب وكلام العلماء: بنى سيبويه كتابه على التوثيق والتثبُّت، فهو «يتحرَّى الدِّقَّةَ في العرض، ويُعنَى بتمييز الصريح من المشوب، والتنبيه على ما يصادف من المنحول») 2. ويظهر هذا جليًّا في إشارات متفرقة للعلماء في كتب التراجم التي ترجمت له، من هذه الإشارات:
- قوله: «حدَّثني من أثق بعربِيَّته» 3، ومثل قوله: «أخبرني الثقة» 4.
- قول الأخفش عن سيبويه: «كان سيبويه إذا وضع شيئا من كتابه عرضه على» 5.
- وحينما قيل ليُونُس بعد موت سيبويه: «إِنَّ سيبويه صنَّف كتابا في ألف ورقة من علم
الخليل؛ فقال: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ ! جيئوني بكتابه.
فلما رآه قال: يجب أَنْ يكون قد صدق فيما حكاه عن الخليل؛ كما صدق فيما حكاه عني» 6. - قال البغدادي) ت 1093 هـ (: «ويؤخذ من هذا أنَّ الشاهد المجهول قائله وتتمته إنْ صدر من ثقة يعتمد عليه قُبل؛ وإلا فلا.
ولهذا كانت أبيات سيبويه أصحَّ الشواهد، اعتمد عليها خلفٌ بعد سلف، مع أنَّ فيها أبياتا عديدة جُهل قائلوها، وما عِيب بها ناقلوها، وقد خرج كتابه إلى الناس والعلماء كثير، والعناية بالعلم وتهذيبه وكيدة») 7.
ويبدو أَنَّ هذا التثبُّت والتوثيق فيما ينقله أو يعرضه نابع من تَأَثُّره بأهل الحديث ومنهجهم، فقد كان سيبويه سُنِّيًا على السُّنَّةِ، و «سيبويه كان في أول أمره يطلب الحديث» 1، و «يطلب الآثار والفقه» 2، وكان «يصحب الفقهاء» 3. بل إِنَّ له رواية للحديث، قال السيوطي: «أسندنا حديثه في الطبقات الكبرى، وتكرر في جمع الجوامع» 4.
وله مناظراته ومراجعاته العلميَّة مع أهل هذا الفن 5.
إِنَّ وقوفنا على هذا الجانب عند سيبويه ومدى تَثَبُّتِهِ فيما ينقل يجعلنا نطمئن أَنَّهُ كان يعتمد على اللُّغَة كما قيلت عن أشخاص محددين في سياقات محددة، وهو بذلك يفيدنا في الدراسة التي نحن بصددها.
ب الاعتماد على المشهور:
من المعلومات القيِّمة التي ذكرها الإمام السيوطي معلومة أشار فيها إلى عنصر من عناصر منهج سيبويه، وتُلَخِّصُ جزءًا كبيرا من طريقته في تأليف كتابه، يقول: «...؛ ولذلك لم يُودِع) سيبويه (في أبواب الكتاب إلا المشهور الذي لا يُشَكُّ في صحته» 6.
لقد كان سيبويه يجمع نصوص اللُّغَة ويدرسها ويصنِّفها، ثُمَّ يصدر فيها أحكاما، يدرس
«أساليب الكلام في الأمثلة والنصوص؛ ليكشف عن الرأي فيها صحة وخطأ، أو حسنا وقبحا» 7
إن اعتماد سيبويه على المشهور في كتابه يتفق مع ما تُقِرُّهُ المدارس اللُّغَوِيَّة الحديثة؛ فما كثر شيوعه وزادت نسبة وروده يُقاس عليه، وتؤسس عليه القاعدة، ويستنبط منها الصحيح المقبول
«وتلك هي الطريقة العلميَّة الحديثة في تقعيد القواعد، واستخراج مسائل اللُّغَة» 8.
إن الاعتماد على المشهور من التراكيب اللُّغَوِيَّة يعني موافقة الجماعة اللُّغَوِيَّة على هذا التركيب، وهذه الموافقة تعني أَنَّ هذا التركيب «يُقَرر ويثبت... ويجد طريقه إلى نظام اللُّغَة» 1.
ت الاعتماد على سياق الحال في التَّقْعِيد:
هذا العنصر استنبطناه من نصّ أورده الزبيدي والقفطي، كلٌّ في كتابه عن أبي العباس أحمد بن يحيي ثعلب، يقول فيه:
«العربُ تُخرجُ الإعرابَ على اللَّفظ دون المعاني، ولا يفسِد الإعرابُ المعنى، فإذا كان الإعرابُ يُفسد المعنى فليس من كلام العرب.
وإنَّما صحَّ قول الفرَّاء؛ لأنَّهُ عمل العربِيَّة والنحو على كلام العرب، فقال: كلُّ مسألة وافق إعرابُها معناها، ومعناها إعرابَها فهو الصحيح.
وإِنَّمَا لَحِق سيبويه الغلطُ لأنَّهُ حمل كلامَ العرب على المعاني، وخلَّى عن الألفاظ، ولم يوجدْ في كلام العرب ولا أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مطبّق
للإعراب، والإعراب مطبّقٌ للمعنى.
وما نقله هشام عن الكِسائيِّ فلا مطعَن فيه، وما قاسه فقد لحِقه الغمْز؛ لأنَّهُ سلك بعضَ سبيل سيبويه، فعمل العربِيَّة على المعاني وتركَ الألفاظ؛ والفرَّاء حمَل العربِيَّة على الألفاظ والمعاني فبَرع واستحقَّ التَّقْدِمة، وذلك كقولك: ((مات زيدٌ))؛ فلو عاملت المعنى لوجب أَنْ تقول: ((مات زيدًا))؛ لأَنَّ الله هو الذي أماته، ولكنك عاملت اللفظ، فأردتَ: سكنتْ حركاتُ زيد» 2.
يهمنا في هذا النَّصّ كلمة «المعاني» التي وردت على لسان ثعلب، ومن خلال السِّياق الذي وردت فيه هذه الكلمة؛ فَإِنَّ معنى كلمة «المعاني» تشير إلى أَنَّهُ يقصد بها «سياق الحال» بدليل
قوله: «فلو عاملت المعنى لوجب أَنْ تقول: ((مات زيدًا))؛ لأَنَّ الله هو الذي أماته)).
فثعلب يشير أَنَّنا لو أخذنا بالمعنى) وهو إماتة الله للعبد (لوجب أَنْ نقول كذا؛ فهو يربط المعنى بشيء خارج اللُّغَة وهي الخلفيَّة الثقافيَّة) العَقِيدِيّة (عند المسلمين Background knowledge، وهذه الخلفيَّة من مكونات سياق الحال.
فثعلب ينعَى على سيبويه ــــ بغض النظر عن صحة وجهة نظر ثعلب أم لا ــــ لجوئه للمعاني) سياق الحال (.
ث اعتماد القياس:
وهذا العنصر مستخلص من قول الجَرْمِي: «أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه؛ فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا رجل مكثر من الحديث، وكتاب سيبويه يعلمني القياس،
وأنا أقيس الحديث وأفتي به» 1. وفي رواية الزجاجي: «وذاك أَنَّ أبا عمر كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الدين والحديث، إذ كان ذلك يتعلم منه النظر والتفتيش» 2.
والذي يُفهَم من النَّصّ أَنَّ سيبويه اعتمد على القياس في كتابه، وأنَّ الجرمي أخذ طريقته في القياس وطبقها على فتاويه في الفقه.
وهنا سؤال: ما خطوات هذا القياس التي كان يقوم بها الجرمي التي أخذها من سيبويه؟ يمكن أَنْ نجتهد في الإجابة عن هذا السؤال، ونكون بإجابتنا عنه قد أجبنا ضمنا عن: ما المقصود بالقياس وطريقته عند سيبويه؟.
إِنَّ القياس لغة «تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويته به»، واصطلاحا عند الأصوليين:
«حمل فرع على أصل في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بجامع بينهما هو العلة» 3، وعند الفقهاء: «إلحاق أصل بفرع في الحكم لاتحادهما في العلة» 4، وعند النُّحَاة: «حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه» 5. فالمعنى اللغويّ والاصطلاحي قريبان من بعضهما، وعليه يمكن فهم القياس في عبارة الجرمي كما يلي: تجميع الأحاديث التي تدور حول موضوع واحد لتخصيص العام منها، وتوضيح المجمل، ثُمَّ استخلاص «علة الحكم» التي تطبق على كل حالة إفتاء مشابهة.
وإذا طبقنا هذا على سيبويه يمكننا القول إِنَّهُ: يجمع الجمل ذات التراكيب المتشابهة بتوثيق وتثبت بسياقاتها التي تقال فيها) إذ لا كلام بدون سياق (، ثُمَّ استخلاص «تركيب ما» مستنبط من مجموع هذه الجمل المتشابهة، مع ذكر البدائل المختلفة لهذا التركيب.
هذا التركيب المستخلص هو «العلة» التي يقاس إليها غيرها من الكلام) 6.
ج الميل للشعر عند التَّقْعِيد:
اعتمد سيبويه في كتابه على مادة تتكون من:
1 ــــ عبارات مروِيَّة، وأخرى غير مروِيَّة.
2 ــــ ومفردات عربيَّة وأخرى أعجميَّة، خالصة أو معربة.
3 ــــ مسائل مفترضة قيست على نظائر لها في اللُّغَة.
4 ــــ شواهد من القرآن وأخرى من الشعر والرجز) 1.
ولقد مال سيبويه ــــ كما لا حظ د. إبراهيم أنيس ـــــ للشواهد الشعرِيَّة «اعتقادا منه أَنَّ رواية الشعر أدق من رواية النثر، وأَنْ تذكر المنظوم أيسر من تذكر المنثور، وأنَّ احتمال التغيير والتبديل في الشعر أقل من احتماله في المروي من النثر» 2، ومن يحصِ الشواهد المروية في الكتاب يجد «عدد شواهد الكتاب الشعرية ألفا وخمسين شاهدا) 1050 (، وعدد الأمثال مع الأساليب والنماذج النحوية) أعني الشواهد النثرية (الواردة في الكتاب ثلاث مئة وخمسين.
هذا عن كلام العرب.
أمَّا القرآن الكريم فعدد الآيات المستشهد بها في الكتاب أربع مئة وسبع وأربعون آية، والأحاديث الشريفة فيه ثمانية... أي أن هناك) 1050 (شاهدا من الشعر مقابل) 805 (شواهد من كل ما عداه.
فإذا اتخذنا «الكتاب» مثلا للمؤلفات اللغوية ــــ وإنَّه لكذلك في غير متن اللغة والدلالة ـــ فإن هذا البيان لنوعيَّات الشواهد، وعدد كل منها فيه، يثبت اعتماد الأحكام اللغوية في جمهورها الأعظم على الشعر») 3.
إن الاحتجاج بالشعر ــــ ليس عند سيبويه فقط بل في غالب المؤلفات النحوية ــــ «أفشى وأشيع كثيرا من الاحتجاج بكلام العرب النثري، ولعل هذا سببه شيوع حفظ الشعر») 4.
ولا نعتقد أَنَّ سيبويه في اعتماده على الشعر سيكون بعيدا عما هو مرتبط به، فالشعر كفَنٍّ «صدى للبيئة التي يعيش فيها، ومرآة تنعكس عليها ظروفها وأحداثها، ما دام الفن جانبا حيويا من جوانب الحياة، يتصل بها، ويؤثِّر فيها، ويتَاَثَّرَ بها، ولا يعيش بمعزل عنها.
ولا نكاد نتصور أَنَّ الفن ـــ مهما يؤمن أصحابه بأنَّه للفن ــــ يعيش في برج عاجي أو في منطقة معزولة، بعيدا عن قانون التأثر والتأثير، أو تعبير عن شخصيات أصحابه فحسب دون أَنْ يكون تعبيرا عن البيئة أيضا؛ فالفن ــــ كما نراه ــــ تعبير عن الشخصيَّة والبيئة معا، أو ـــ بتعبير أدق ـــ تعبير عن تَأَثُّر الشخصيَّة بالبيئة أو تأثير البيئة في الشخصيَّة» (1).