قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه1 ــــ أسلوب الاستفهام

: أسلوب الاستفهام في صميمه يعتمد على سياق حال، فالاستفهام هو: «استعلام ما في ضمير المخاطب») 2. وهو «عند أهل العربِيَّة من أنواع الطلب الذي هو من أقسام الإنشاء، وهو كلام يدلّ على طلب فهم ما اتصل به أداة الطلب...، ولكون الاستفهام طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم أنْ لا يكون حقيقة إلّا إذا صدر عن شاكّ يصدق بإمكان الإعلام فَإِنَّ غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام») 3. إن الاستفهام في الأصل يكون عندما يوجد إنسان عاقل يجهل شيئا، أو يطلب فهم شيء لا يفهمه.
وهذا الأسلوب عقلا ومنطقا يتطلب ثلاثة أطراف: متكلم مستفهِم، ومخاطَب مستفهَم، ومستفهَم عنه.
ونلاحظ على هذا الأسلوب أَنَّهُ من الأساليب التي لا يُبتَدأُ بها الكلام عادة، فهو من الأساليب التي تأتي لاحقا فيه؛ أي أنها تستلزما سياقا ما وقع قبلها.
وقد رصد سيبويه بطريقته الاختزالية النَّمَطِيَّة التي أوضحناها مسبقا تأثير سياق الحال على هذا الأسلوب، فأوضح أَنَّ السِّياق قد ينقل الاستفهام عن وجهته الاستفهامية إلى أغراض أخرى، مثل:1

• التوبيخ والتقرير والشتم: يقول: «تقول للرجل: أطربًا! وأنت تعلم أَنَّهُ قد طرب، لتوبَّخه وتقِّرره») 1. ويقول في نصّ آخر: «قولك: أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى.
وإنَّما هذا أنَّك رأيتَ رجلاً في حال تلوُّنٍ وتنقُّلٍ، فقلت: أتميمًا مَرَّة وقيسيًّا أُخْرَى، كَأَنَّك قلت: أتحول تميميًا مَرَّة وقيسيًا أخرى.
فأنت فى هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له، وهو عندك فى تلك الحال في تلوُّنٍ وتنقُّلٍ، وليس يَسأله مسترشِدًا عن أمرٍ هو جاهلٌ به ليفهَّمَه إيّاه ويُخبِرَه عنه، ولَكِنَّه وبَّخه بذلك») 2. ويؤكد سيبويه هذا في قوله: «وذلك قولك: تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى.
فلم ترد أَنْ تخبر القوم بأمر قد جهلوه، ولكنك أردت أَنْ تشتمه بذلك، فصار بدلاً من اللفظ بقولك: أَتَتَمَّمُ مَرَّة وتَتَقَيَّسُ أخرى، وأَتَمضون وقد استَقبلكم هذا، وتَنَقَّلُون وتَلَوَّنُون») 3. فالأسئلة: «أطربا؟ »، «أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى؟ »، «تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى؟ » ليست على حقيقتها؛ لأنَّها لا تصدر عن «شاكٍّ»، بل هي لأغراض سياقية أخرى، فإذا رأينا رجلا في حال «تلوُّن وتنقُّل في مواقف سياقية متعددة ومن خلال خبرات سابقة» قلنا له: «أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى؟ » أي: «أتتخلق مرة بأخلاق تميم، وتارة بأخلاق قيس، ولا تعتمد على خلق واحد منهما.
كأنَّه يثبت له هذه الحال ويوبخه عليها، وليس يسترشده عما يجهله، وإن كان بلفظ الاستفهام») 4. فالمتكلم حذف الفعل المقدر «أتتحول وتتلون، وأغناه عن ذكر الفعل ما شاهد من الحال») 5. وإذا أثار أحدهم حفيظة المتكلم في مقام ما قال له: «تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى» شتما له.
• التنبيه: قال سيبويه في باب «ما ينتصب من الأسماء التى أُخذت من الأفعالِ انتصابَ الفعل، استفهمتَ أو لم تَستفهم»: «قولك: أَقائمًا وقد قَعَدَ الناسُ، وأَقاعِدًا وقد سار الرَّكْبُ.
وكذلك إِنْ أردتَ هذا

المعنى ولم تَستفهم...؛ وذلك أَنَّهُ) أي المُتَكَلِّم (رأى رجلاً فى حال قيامٍ أو حال قُعودٍ، فأراد أَنْ يُنَبِّهه، فكأَنّه لَفَظَ بقوله: أتقومُ قائما وأَتَقُعد قاعدا، ولَكِنَّه حذف استغناءً بما يرى من الحال») 1. ويقول: «وحدّثنا بعضُ العرب، أنّ رجلًا من بنى أَسَدٍ قال يومَ جَبَلَةَ واستَقبله بَعِيرٌ أَعْوَرُ فتَطَيَّرَ منه، فقال: يا بنى أسد، أَعْوَرَ وذا نابٍ! فلْم يرد أَنْ يَسترشدهم ليُخبِروه عن عَوَرِه وصحّته، ولَكِنَّه نَبَّهَهم، كأَنه قال: أَتَستقبلون أَعْوَرَ وذا ناب! فالاستقبالُ فى حال تنبيهه إيّاهم كان واقعا») 2. وينبغي أَنْ تصاحِب الجملة «أَعْوَرَ وذا نابٍ» بعض التلوينات الصَّوْتِيَّة التي تحول الجملة من الخبرِيِّة إلى الاستفهامية.
وقد حذف حرف الاستفهام والعامل من الجملة «أَعْوَرَ وذا نابٍ» لدلالة السِّياق على ذلك.
إن ربط سيبويه الاستفهام بالتنبيه في هذه النصوص تارة وبالتوبيخ والتقرير والشتم تارة أخرى لا يكون بدون استحضار السِّياق وملابساته حتى وإن لم ينص على ذلك.
فدلالة قولنا «أقائما وقد قعد الناس؟ » على التنبيه لا تُستَخْلَصُ إلا بالسِّياق، ولا مانع أَنْ تدلَّ نفس الجملة في سياق آخر على التوبيخ أو التعجب أو الاستنكار.
وأعتقد أَنَّ سيبويه برصده لدلالات سِيَاقِيَّة لأسلوب الاستفهام قد فتح الباب لمن بعده من علماء علم المعاني لحصر بقية الدلالات التي يمكن أَنْ يحملها هذا الأسلوب.
ويحق لنا أَنْ نردد مع د. عبد الحكيم راضي قوله: «ولم نجد عند علمائنا الأقدمين هذا الفصل الحاد بين علوم اللسان العربي فـ ((كتاب)) سيبويه مثلا ساهم في الدراسات الأدبيَّة إسهاما ملحوظا، ويكفي دلالة على دوره في تنمية البحث الفني في لغة الأدب رجوع عبد القاهر الجرجاني إلى الأصول التي سنها سيبويه، والأمثلة التي أوردها في كثير من قضايا اللُّغَة الأدبيَّة» 3. وفي بعض مواضع من الكتاب يرصد سيبويه التفاعل الذي يدور بين المُتَكَلِّم والمخاطب، وكيف يعكس أسلوب الاستفهام هذا التفاعل.
يقول: «... لأَنَّكَ إِنَّمَا تسألهم على ما وضع عليه المُتَكَلِّم كلامه») 4. ويقول في باب «من إذا كنت مستفهما عن نكرة»: «اعلم أَنَّكَ تثنى مَن...، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: مَنَيْن...، وأتاني رجلان فتقول: مَنان، وأتاني رجال فتقول: مَنون.
وإذا قال: رأيت رجالا قلت:

مَنين،..، وإن قلت رأيت امرأة قلت: مَنَهْ؟...، وإن قال رأيت امرأتين قلت: مَنَتيْن كما قلت أيّتَين، إلا أَنَّ النون مجزومة.
فإنْ قال: رأيت نساءَ قلت: مَناتْ») 1. ونلاحظ هذا التفاعل بين المُتَكَلِّم المُخْبِر والمخاطب المستفهِم، وكيف أَنَّ رد المخاطب الراغب في معرفة مَنْ الأشخاص الذين أتوا إلى المُتَكَلِّم يتوافق مع إخبار المُتَكَلِّم معنًى من حيث النوع والتعريف والتنكير، وإعرابا:

  • رأيت رجلين.... مَنَيْنِ؟
  • أتاني رجلان.... مَنَان؟
  • أتاني رجال.... مَنون؟
  • رأيت رجالا.... مَنِين؟
  • رأيت نساء.... مناتِ؟ ونلاحظ أَنَّ إجابة المخاطب المستفهم على المُتَكَلِّم المخبر هنا تدل على حالة التنبُّه والتركيز الشديدين اللذين يكونان من المخاطب؛ حتى يتوافق ردُّه إعرابا ونوعا مع كلام المُتَكَلِّم.
    ونلاحظ أيضا أَنَّ إجابة المخاطب بـ «مَن أو منين... » مرتبطة بكون المستفهم عنه نكرة، أي غير مُحَدَّد وغير معروف لدى المخاطب، وهذا ما دفعه إلى الاستفهام.
    أَمَّا إذا كان المستفهم عنه معرفة فلا تجوز أَنْ تكونَ إجابة المخاطب: من...، يقول في باب «ما لا تحسن فيه من كما تحسن فيما قبله»: «وذلك أَنَّهُ لا يجوز أَنْ يقول الرجل: رأيت عبدَ الله، فتقول: مَنَا؛ لأنَّهُ إذا ذكر) أي المُتَكَلِّم (عبد الله فَإِنَّما يذكر رجلا تعرفه بعينه أو رجلا أنت عنده ممن يعرفه بعينه فَإِنَّما تسأله) أي المخاطب (على أَنَّكَ ممن يعرفه بعينه، إلا أَنَّكَ لا تدرى الطويلُ هو أم القصير أم ابنُ زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أَنْ يُجرى هذا مجرى النكرة إذا كانا مفترقين») 2. أي أَنَّ المُتَكَلِّم الذي يريد أَنْ يخبر المخاطب عن شخص لابد أَنْ يعرف مسبقا أَنَّ المخاطب يعلم شيئا عن المستفهم عنه، أو الشيء محل الإخبار، وإلا كان هذا لبسًا في الكلام.
    فإذا رد المخاطب بـ «من» فَإِنَّ هذا دليل على أَنَّهُ لم يستحضر صورة «عبد الله» أو لا يعرفه أصلا.
    وإذا تم استحضار صورة «عبد الله» في ذهن المخاطب اختفى الاستفهام من المخاطب ولم يعد له قيمة.

ويزيد السيرافي هذه النقطة وضوحا فيقول: «وكَأَنَّ السائل سأل على ما كان ينبغي للمتكلم أَنْ يكلمه به إذا لم يعرف... فلما غلط المُتَكَلِّم في توهمه على المخاطب أَنَّهُ يعرفه رده المخاطب إلى الحق في حال نفسه أَنَّهُ غير عارف بمن ذكره وسأل عن ذلك») 1. ويشير سيبويه أَنَّهُ إذا كان المسئول عنه من غير الإنس فالجواب «الهنُ والهنةُ، والفلانُ والفلانة؛ لأَنَّ ذلك كناية عن غير الآدميين») 2؛ وفي هذا دليل على أَنَّ اللُّغَة في بعض قواعدها تفرق بين ما هو للإنسان العاقل، وما هو للحيوان الأعجم.
ومن أشكال التفاعل التي يعكسها أسلوب الاستفهام التي تكون بين المُتَكَلِّم والمخاطب هذا التفاعل الذي يأخذ شكلا من أشكال «الإنكار»، ففي باب من أبوابه بعنوان: «باب ما تلحقه الزيادة في الاستفهام إذا أنكرتَ أَنْ تُثبت رأيَه على ما ذكر أو تنكر أَنْ يكون رأيه على خلاف ما ذكر» خصَّه بالحديث عما أسماه «إثبات العلامة للإنكار»، في مثل: «قول الرجل: ضربت زيدًا؛ فتقول منكرا لقوله: أزيدَنيه؟ ! ») 3.

ويوضح السيرافي طبيعة هذا الإنكار في هذا الباب بقوله: «الباب كله في إثبات العلامة للإنكار، وجعل الإنكار على وجهين: أحدهما: أَنْ ينكر كون ما ذكر كونه، ويكذب به أو يبطله، كرجل قال لك: أتاك زيد، وزيد ممتنع إتيانه عندك؛ فينكره بطلانه عندك، فهذا معنى قوله: أنكرت أَنْ تثبت رأيه على ما ذكره.
والوجه الآخر: أَنْ يقول: أتاك زيد، وزيد من عادته إتيانك؛ فتنكر أَنْ يكون ذلك؛ لا كما قال») 1. ونضيف هنا أَنَّهُ لا بدَّ للتعبير عن حالة الإنكار هذه من تلوينات صوتيَّة وتعبيرات تظهر على الوجه للدلالة على هذا الإنكار، فيما سمي بـ «لغة الجسد Body Language») 2. ونعود إلى سيبويه فنجده يشير أَنَّ العلامة التي تزاد «نيه»، تصير «علما لهذا المعنى كعلم الندبة») 3. أي أَنَّ العلامة «نيه» تصير لكثرة الاستخدام والاستعمال علما على الإنكار.
ويؤكد سيبويه هذا الأسلوب الإنكاري المستخدم فيه الأداة «نيه» بإيراد أمثلة أخرى، مثل: «وسمعنا رجلا من أهل البادية قيل له: أتخرج إِنْ أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنِيهْ؟ منكِرًا لرأيه أَنْ يكون على خلاف أَنْ يخرج.
ويقول: قد قدم زيد، فتقول: أزيدُنِيهْ؟ غيرَ راد عليه متعجبا أو منكرا عليه أَنْ يكون رأيهُ على غير أَنْ يقدم؛ أو أنكرتَ أَنْ يكون قدِم فقلت: أزيدُنيه؟ ») 4. ويضيف أَنَّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة «نيه» وبين الاسم «إن» ثمة ترابط، فيقول: «واعلم أَنَّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم إنْ فيقول: أعُمَرُ إنِيهْ، وأزيدُ إنيهْ،

فكَأَنَّهم أرادوا أَنْ يزيدوا العلمَ بيانا وإيضاحا») (1). أي زيادة التأكيد على الإنكار، ولا بد أَنْ يكون هذا بدافع سِياقِيّ.
ويشير في موضع آخر أَنَّ العلامة «نيه» في حالة «الاستفهام الإنكاري» ليست واجبة الإلحاق فـ «إِنْ شئت تركت العلامة في هذا المعنى كما تركت علامة الندبة») (2). ويصرح أيضا أَنَّ السِّياق إذا لم يدل على «الاستفهام الإنكاري»، ودل فقط على «الاستثبات والاسترشاد»؛ امتنعت هذه العلامة.
يقول: «وإن كنت متثبتا مسترشدا إذا قال ضربت زيدا، فَإِنَّك لا تُلحق الزيادة.
وإذا قال ضربتُه فقلت: أقلتَ ضربتُه؟ لم تلحق الزيادة أيضا؛ لأَنَّكَ إِنَّمَا أوقعت حرف الاستفهام على قلت، ولم يكن من كلام المسئول، وإِنَّمَا جاء على الاسترشاد، لا على الإنكار») (3).


جارٍ التحميل