- سيبويه يقوم بالتَّقْعِيدالنَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ من خلال النصوص الحَيَّة المنطوقة:
من المبادئ اللُّغَوِيَّة التي يُقرُّها اللغويّون أَنَّ اللُّغَة المنطوقة «تتسم بسمات معيَّنة حُرِمَتْ منها اللُّغَة المكتوبة، ففي النطق والأداء الصوتي لِلُّغَة خواصّ لا يمكن أَنْ تُفصح عنها النصوص المكتوبة فهذه النصوص في صورتها العامَّة جامدة ساكنة، خالية من الخواص النطقيَّة البالغة الأهمِيَّة في عَمَلِيَّة الإيصال والتوصيل، كالنبر، وموسيقى الكلام) التنغيم (، والفصل والوصل، وما يَلُفُّ كلَّ ذلك من ظروف ومناسبات في مقامات الكلام وسياقه الاجتماعِيّ» 1.
وما هذا المبدأ مبدأ الاعتماد على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة عن سيبويه ببعيد؛ فمن يدرس الكتاب ويسبر غوره، يجد أَنّهُ يعتمد في تقعيده وتوجيهه النَّحْوِيّين على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة.
والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة، منها:
ــــ تكرار سيبويه لكلمة «سمعنا» وتصريفاتها، التي تسبق النصوص والاستشهادات التي يوردها للتدليل على القاعدة التي يشرحها ويقرِّرها، فقد دأب على مدار الكتاب على تأكيده لهذا «السماع»، وبلغ عدد المواضع التي ذكر فيها «سماعه» للنص من أفواه العرب ومن نقل عنهم أكثر من مِئتَين وست وأربعين مَرَّة) 246 مَرَّة (. ومن أقواله في هذا:
- «وسمعنا من العرب من يقول ممن يوثق به... » 1.
- «وسمعنا عربيًّا موثوقا بعربِيَّته... » 2.
- «فكلّ هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا» 3.
- «سمعنا أكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس... » 4. وفي بعض الأحيان لا ينص فقط على سماعه، بل ينص على عدالة وفصاحة ومن تُرْضى عربِيَّته ويُوثَق بهم ممن أخذ منهم، يقول:
- «وسمعنا ممن تُرْضى عربِيَّته... » 5.
- «وقد قال قومٌ من العرب تُرضىَ عربيَّتُهم... » 6. وهذه العبارة وسابقتها توحيان بأَنَّه يقسم القبائل العربِيَّة قسمين: قسم تُرْضَى عربِيَّته؛ يؤخذ منه، وقسم لا تُرضى عربِيَّته؛ يحاول قدر الإمكان تجنُّبه، وإن ذكره يذكره على سبيل الشذوذ.
- «وسمعنا فصحاء العرب... » 7.
- «وحدَّثني من لا أتَّهم عن رجل من أهل المدينة موثوق به أَنّهُ سمع عربيًّا يتكلَّم... » 8.
فليس الأمر مجرد سماع، بل سماع من ثقة عَدْل، وأعتقد أَنَّ سيبويه تَاَثَّرَ بمنهج المحدِّثين وطريقتهم في التثبُّت من الأخبار؛ إذ طلب في بداية حياته الحديث والفقه.
ويُعَبِّر سيبويه عن هذا السماع بطريق غير مباشر بأنْ يقول إِنَّ هذا النَّصّ أو ذاك تكلَّمت أو لم تتكلَّم به العرب، يقول مثلا:
- «... وكلُّ ذلك تَكَلَّم به عامَّة العرب» 1.
- «ولا تكاد العرب تَكَلَّم به... » 2.
- «وليس في كل شيء يقال إلا أَنْ تقيس شيئا وتعلم أَنَّ العرب لم تَكَلَّم به» 3.
وإذا اضطره التفسير والشرح إلى اللجوء لجملة مصنوعة ليس لها نموذج حيّ وواقعيّ في اللُّغَة نبَّه على ذلك بجملة تكررت كثيرا في كتابه يقول فيها: «وهذا تمثيل لم يتكلَّم به» 4.
ويحرص بعد تقديمه لعدة توجيهات نحوِيَّة أَنْ يوضح أَنَّها مستعملة.
ففي حديث له عن نصب الاسم المشغول عنه أو رفعه، وأيُّهما أجود، يقول: «وكلُّ هذا من كلامهم») 5. وسيبويه في حرصه على السماع يتحرك ميدانيًّا للسماع المباشر من أصحاب اللُّغَة، لكي يقف على اللُّغَة غضة كما ينطقها أصحابها، يقول: «وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه) أي: الخليل (» 6. وهو في تَحَرُّكه الميداني يسأل من ينتمون إلى القبائل العربِيَّة؛ فيقف على ما هو مشترك بينها، وما تَتَمَيَّز به قبيلةٌ معيَّنة من تركيب نحوي معيَّن أو بناء صرفي ما، يقول: • «وسألنا العُلْويين والتميميِّين فرأيناهم يقولون... » 7. • «وإِنَّمَا يقولها من العرب بنو العَنْبَر... » 8. وينصُّ سيبويه عند ذكره لكثير من أبيات شواهده الشعرِيَّة على أَنّهُ سمعها وهي في حالة «إنشاد».
يقول في بعض هذه المواضع: - «وزعم أبو الخَطَّاب أَنّهُ سمع بعض العرب الموثوق بهم ينشد هذا البيت... » 9.
- «وسمعناهم ينشدون هذا البيت... » 1.
- «وأنشدناه هكذا أعرابي من أفصح الناس، وزعم أَنّهُ شعر أبيه» 2.
وقد عقد سيبويه بابا من أبواب كتابه سماه «باب وجوه القوافي في الإنشاد» قال فيه: «الشعر وضع للغناء والتَّرَنُّم» 3.
وقد أشار سيبويه لهذا الإنشاد في أكثر من 45 موضعا.
ولا شك أَنَّ حالة الإنشاد هذه التي يقوم بها الشاعر أو من ينوب عنه يصاحبها رفع الصوت، وكثير من الإشارات الجسدِيَّة والهيئة والإيقاع والتقطيع والتشدُّق وكل ما يُعين مُلْقِي القصيدة على التعبير عن قصيدته وما بها من معان 4. ومن إشارات البغدادي لهذا الأمر قوله: «العرب كان بعضهم يُنشد شعره للآخر؛ فيرويه على مقتضى لغته التي فطره الله عليها وبسببه تكثر الروايات في بعض الأبيات») 5. من إشارة البغدادي نعلم أنَّ تناشُد الشعر كان أمرا مألوفا بين العرب، وأن العرب كانت تُنشد شعرها لبعضها البعض، وهذا يعني ــــ من وجهة نظر الباحث ــــ أنَّ الملابسات السياقيَّة للنصِّ الشعريّ المُنشَد ستكون حاضرة مع كل قصيدة.
كل الملابسات السياقية بما فيها النواحي الصوتية للمنشِد وتعبيرات الوجه والجسد وغيرها.
ومما قرأه الباحث ــــ ويجِدُهُ قريبا مما نتحدِّث عنه هنا ــــ كلامًا عن «الثقافة الشفاهيَّة» في كتاب «الشفاهيَّة والكتابيَّة Orality and Literacy») 6 لمؤلفه والتر ج. أونج.
وهو كتاب يبرز الفرق بين الثقافة الشفاهيَّة ــــ أي التي تقوم على المشافهة ــــ، والثقافة الكتابيَّة ـــ أي التي يقوم على الكتابة ــــ ومن المبادئ التي أرساها والتر ج. أونج في هذا الكتاب: أ «... أَمَّا في الكلام الشفاهيّ، فلا بدَّ أَنْ تشمل الكلمة هذا التنغيم أو ذاك كأنْ تكون الكلمة حيوية أو مثيرة أو هادئة أو ساخطة أو مذعنة، أو أيًّا ما كانت، فمن المحال نطق كلمة ما شفاهة دون أي تنغيم... والممثلون ينفقون الساعات لتقرير كيف ينطقون الكلمات في النَّصّ
الذي أمامهم.
فمن الممكن أَنْ يلقي أحد الممثِّلين فقرة ما بصوت جهير ويلقيها آخر همسا.
ولا يكون السِّياق خارج النَّصّ غائبا لدى القراء فحسب، بل لدى الكاتب كذلك، وافتقاد السِّياق الذي يمكن التحقق منه هو عادة ما يجعل الكتابة نشاطا متعبا إلى حد يفوق الإلقاء الشفاهي على جمهور حقيقي») 1.
ب «وتنتج الثقافات الشفاهية ـــ في الواقع ــــ أداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال، وذات قيمة فنية وإنسانية عالية، أداءات لا تعود ممكنة في اللحظة التي تستحوذ فيها الكتابة على النفس البشرية») 2.
ت «تختلف حالة الكلمات في نصّ ما اختلافا تامًّا عن حالتها في الخطاب المنطوق.
وعلى الرغم من أَنَّ الكلمات المكتوبة تشير إلى الأصوات، وأَنَّها لا يكون لها معنى إلا إذا أمكن وصلها ـــ ظاهريا أو في الذهن ـــ بالأصوات، وعلى نحو أدقّ بالفونيمات التي تحولها إلى رموز؛ فَإِنَّها تظل معزولة عن السِّياق الكامل الذي تبرز من خلاله الكلمات المنطوقة إلى الوجود؛ فالكلمة في موطنها الشفاهيّ الطبيعي تمثل جزءا من حاضر وجودي حقيقي، والقول المنطوق إِنَّمَا يصدر عن شخص حقيقي حيّ إلى شخص أو أشخاص آخرين حقيقيِّين أحياء، في لحظة زمَنِيَّة بعينها في موقف حقيقي يتضمن دائما ما يتجاوز مجرد الكلمات.
فالكلمات المنطوقة هي دائما تعديلات على موقف يضم أمورا غير الكلام أيضا فهي لا تقوم أبدا بذاتها، في سياق لا يشمل سوي الكلمات») 3.
ث «وتشترك هذه الخصائص في سمة أساسية، تتمثل في العلاقة الفريدة للصوت بدخيلة الإنسان، وذلك عندما نقارن الصوت ببقية الحواس، وهذه العلاقة مُهِمَّة بسبب داخلية كل من الوعي والتواصل الإنسانيين») 4.
من خلال الاقتباسات السابقة يضع والتر ج. أونج أيدينا على مجموعة الحقائق المُهِمَّة التالية:
» الكلام الشفاهي مرتبط لا محالة بالتنغيم.
» الكلام الشفاهي يرتبط بأداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال ذات قيمة إنسانية وفنية عالية، لا يمكن أَنْ توجد في الكتابة.
» الكلام الشفاهي يرتبط بشخص حي في لحظة زمَنِيَّة بعينها في موقف حقيقي.
» الكلام الشفاهي يرتبط بالصوت الذي يرتبط بدوره بدخيلة الإنسان.
وإذا ضممنا إلى مجموعة الحقائق السابقة مجموعة الحقائق التالية التي تقول:
أ ((الإنشاد: رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر)) 1. و ((أنشد القصيدة إنشادا: إذا رفع صوته في إلقائها)) 2.
ب ويتضح من تَتَبُّع مصطلح الإنشاد في المعاجم أَنَّه مرتبط بالشعر.
ت وأَنَّ حُسْنَ إنشاد الشعر كان مثار تفاضل بين الرواة، يُعَدُّ حسنُ الإنشاد منقبةً لأحدهم يفتخر بها وقد يُذَمُّ المنشد بسوء الإنشاد أيضا، ونقرأ أحيانا في كتب التراجم أَنَّ فلانا «من أحسن الناس إنشادا للشعر») 3.
ث ويحدِّثُنا المؤرخون أَنَّه قبل انقضاء القرن الثاني الهجري امَّحت أسواق الجاهلية، «ولكن سوقا واحدة نشأت في الإسلام احتفظت بكثير من خصائص أسواق الجاهلية، وزادت عليها بميزات واسعة... تلك هي سوق المِرْبَد في البصرة، السوق التي استطاعت أَنْ تكون مرآة تعكس حياة العرب في الجاهلية كما تصور حضارتهم في الإسلام») 4. صارت هذه السوق على عهد الأمويين سوقا «تتَّخذ فيها المجالس، يخرج إليها الناس كُلَّ يوم، كُلٌّ إلى فريقه وحلقته وشاعره، وتتعدد فيه الحلقات يتوسطها الشعراء والرجاز، ويؤمُّها الأشراف وسائر الناس يتناشدون ويتفاخرون») 5. فالمربد «معرض لكل قبيلة، تُعرض فيه شعرها ومفاخرها، وهو مجتمع العرب ومُتَحدَّثهم ومتنزه البصريين... وما زال يعلو شأنه وتستجيب له أسباب الكمال حتى اشتد ولوع الناس به وارتيادهم له») 6، وبه «كانت مفاخرات الشعراء والخطباء») 7، وكان «يعج بأعلام اللُّغَة والأدب والشعر والنحو، معهم محابرهم ودفاترهم يكتبون عن فصحاء الأعراب فيه»، وكان
«لكل شاعر حلقة، ولكل متهاجيين مجلس، ولكل قبيلة ناد وشاعر يذود عنها ويردّ عدوان قريعه من القبيلة الثانية: فللعجاج ولرؤبة حلقة، ولأبي النجم العجلي حلقة، ولجرير حلقة،
والفرزدق وراعي الإبل وذي الرمة حلقة») 1. ويتفرد المربد بأمر علمي محض «لم يكن له في عكاظ من أَثر، وهو أَنَّه أرفد اللُّغَة بمادة كثيرة، عليها أسس النُّحَاة قواعدهم وأصلحوها، وذلك بما كانوا يقصدون له فصحاء العرب يسألونهم فيما فيه يختلفون...
[و] تجد أَنَّ أكثر مادتها فيما يتعلق بالعصر الأول والثاني للهجرة») 2. ولا يمكن أَنْ يكون سيبويه الذي نشأ وتربى في البصرة أَنْ يكون بمعزل عن هذه السوق وهذه البيئة العلميَّة التي يُنْشَدُ فيها الشعر من رواة متقنين.
ج قال البغدادِيّ: «وعمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها» 3.
إذا وضعنا هاتين المجموعتين من الحقائق إزاء بعضهما نخرج بحقيقة علمِيَّة مُؤَدّاها أَنَّ سيبويه ـــ لا محالة ـــــ وضع قواعده من خلال لغة مُنشَدة منطوقة حية تتفاعل مع الواقع تفاعلا، وأَنَّه قد أسس قواعده على ثقافة شفاهيَّة تتمتع بكل ما نقلناه عن والتر ج. أونج.
وقد علمنا في التمهيد من قبل أن سيبويه كان جل اعتماده على الشعر في تقعيده.
ومما يثير الدهشة والعجب لدى المتأمِّل لنصوص الكتاب انتباه سيبويه لتفاصيل دقيقة جدا أثناء عَمَلِيَّة السماع للنصوص الشعرِيَّة والنثرِيَّة، تفاصيل لا تحتاج فقط إلى تركيز سمعي بل أيضا إلى تركيز بصري فائق.
• من هذه التفاصيل الدقيقة مثلا انتباهه للاختلافات الصَّوْتِيَّة الدقيقة التي تحتاج إلى سمع مرهف خبير بالأصوات، فنجده مثلا يلاحظ الاختلافات الصَّوْتِيَّة لحرف «الزاي» وأنَّ له اختلافات في النطق، فيقول: «وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايا خالصة» 4. ونجده يرصد صوتيًّا ما يحدث لحرف العين من تغير صوتي إذا أتي مع حرف الهاء؛ فيقول:
«ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قولُ بني تميم: مَحُّمْ، يريدون: معهم، ومَحَّاولاءِ، يريدون: مع هؤلاءِ» 5.
• وفي الحقيقة إِنَّ باب الإدغام في كتاب سيبويه يدلُّ على براعته الفائقة ودِقَّتِه في ملاحظة الفروق الصَّوْتِيَّة بين الحروف.
• ومن هذه التفاصيل أيضا ما لاحظه من قيام بعض رواة الشعر من «إشمام» للأبيات التي يروونها، يقول:
«وقد يُسكِّن بعضُهم في الشعر ويُشمُّ، وذلك قول الشاعر امرئ القيس:
فاليومَ أَشْرَبْ غيرَ مُسْتَحِقبٍ... إثمًا من الله ولا واغل [بحر السريع]» 1.
وقال عند قول الشاعر:
متى أَنَامُ لا يُؤَرِّقْني الكَرَى... ليلًا ولا أسمعُ أجراسَ المَطِي [بحر الرجز]
«وقد سمعنا من العرب مَن يُشِمُّه الرَّفْعَ، كَأَنَّه يقول: متى أنام غير مُؤَرَّق» 2.
والإشمام مصطلح عند النُّحَاة يراد به «تهيئة الشفتين للتلفظ بالضم ولكن لا يتلفظ به... [و] يراد به أيضا تصوير الفم عند حذف الحركة بالصورة التي تعرض عند التلفظ بتلك الحركة بلا حركة ظاهرة ولا خفية، وعلامته في الكتابة نقطة بين يدي الحرف» 3. أو هو بعبارة أخرى: «نوع من أنواع الوقف على المتحرك، وهو قسيم الإسكان والروم والتضعيف والنقل.
والوقف بالإشمام هو ضم الشفتين بعد تسكين الحرف الأخير، ولا يكون إلا فيما حركته ضمة») 4؛ أي أَنَّ الإشمام يُدْرَكُ عن طريق البصر، وهذا يتطلب أَنْ يكون المستمع والرائي قريبين من المنشِد أو المتحدِّث ليتمكنا من رؤية حركة الشفتين.
كما أَنَّ الأذن هنا لعبت دورا دقيقا؛ إذ أدركت عدم النطق بالضم.
ما سبق يجعلنا نُقَرِّر أَنَّه إذا كان سيبويه ينتبه إلى هذه الفروق الدقيقة جدا التي تتطلب انتباها وتركيزا فائقين من صاحبها فمن باب أولى أَنْ ينتبه لما هو أكثر قابلية للملاحظة من عناصر سياق الحال المختلفة التي سبق أَنْ سردناها في التمهيد السابق، التي تؤثر لا محالة في اللُّغَة.
إن اهتمام سيبويه بالسماع وقيامه بالتَّقْعِيد لمعظم القواعد التي سطَّرها في كتابه على الشعر الذي سمعه في حالة «إنشاد» يدلان على أَنَّه اعتمد على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة في وقته؛ وهذا يضمن أَنَّ قواعده التي استخلصها تمثل اللُّغَة تمثيلا صادقا.
وقد كانت إحدى الميزات التي تميزت بها المدرسة البنيوية في بدايتها اعتمادها على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة لغة الحديث الفعلِيَّة، وقد كانت تلك مِيزةٌ احتفى بها اللغويّون أيما احتفاء.
يقول
الأستاذان نايف خرما وعلى حجاج: «أَمَّا الميزة الأخرى [للمدرسة البنيوية]... التركيز على اللُّغَة الحَيَّة، لغة الحديث الفعلِيَّة في فترة زمَنِيَّة محددة هي الوقت الحاضر.
وبذلك أتت دراساتهم وصفا حقيقيا واقعيا لِلُّغَة ما، كما هي مستخدمة حاليا، لا فرضا لاستخدامات عفاها الزمن، وأصبحت في بطون الكتب، وهذه حسنة كبيرة ولا شك») (1).
وسبق سيبويه بهذا الاهتمام يدلُّ على مدى النضج العقلي والذهني الذي كان عليه هذا الرجل النابغة.